← Акыда

Акыда · id 7570

البيهقي وموقفه من الإلهيات

أحمد بن عطية الغامدي

Полный текст (387 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

صدقة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قال: وزعم رسولك أن خلينا صوم شهر في سنتنا، قال. صدق قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال. نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إلبه سبيلاً، قال: صدق، قال فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فلما مضى قال: لئن صدق ليدخلن الجنة" ١. قال البيهقي ﵀ في بيان وجهة الاستدلال بهذا الحديث: "فهذا السائل كان قد سمع بمعجزات رسول الله ﷺ ، فكانت مستفيضة في زمانه، ولعله سمع أيضاً ما كان يتلوه من القرآن، فاقتصر في إثبات الخالق، ومعرفة خلقه على سؤاله وجوابه عنه وقد طالبه بعض من لم يقف على معجزاته بأن يريه من آياته ما يدل على صدقه، فلما أراه إياه، ووقف عليه آمن به، وصدقه فيما جاء به من عند الله "٢. وقد ذهب إلى الاستدلال بهذه الطريق الشيخ أبو سليمان الخطابي٣ في كتاب الغنية عن الكلام وأهله، والقاضي أبو يعلى٤ في عيون المسائل. ذكر ذلك عنهما شيخ الإسلام ابن تيمية٥.

стр. 107

وهي طريقة شرعية سليمة، لأن القرآن الكريم قد جاء بها، كما في قصة فرعون الذي كان منكراً للربّ ، فعرض عليه موسى ﵇ معجزة واضحة، تدل على صدق ما ادعاه من وجود الله الذي أرسله إلى فرعون وقومه ليؤمنوا به وحده لا شريك له، لأنه هو وحده القادر على كل شيء، إذ دلت المعجزة على وجوده وكمال قدرته سبحانه على جميع خلقه بمن فيهم فرعون الذي أبى واستكبر وادعى الألوهية من دون الله سبحانه، منكراً أن يكون ثمة إله غيره، حتى بعد مشاهدة تلك المعجزة البينة، والحجة الدامغة، وما ذلك إلاّ استكباراً وعناداً. قال الله تعالى - مخاطباً موسى وهارون ﵉: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ، قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ إلى قوله - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قال قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ ١. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد سوقه للآيات السالفة الذكر: "فهنا قد عرض عليه موسى الحجة البينة، التي جعلها دليلاً على صدقه في

стр. 108

كونه رسول ربّ العالمين، وفي أن له إلهاً غير فرعون يتخذه، وكذلك قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ الآية١. فبين أن المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة، وذلك لأن المعجزة - التي هي فعل خارق للعادة - تدل بنفسها على ثبوت الصانع، كسائر الحوادث، بل هي أخص من ذلك لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة، ولهذا يسبح الربّ عندها، ويمجد، ويعظم ما لا يكون عند المعتاد، ويحصل في النفوس ذلة من ذكر عظمته، ما لا يحصل للمعتاد، إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها، وتدل بظهورها على الرسول، وإذا تبيّن أنه تدعو إلى الإقرار بأنه رسول الله، فتقرر بها الربوبية والرسالة"٢. فهذه ملاحظات هامة من ابن تيمية على هذه الطريق إذ رآها أبين دلالة من الطريقين السالفين، نظراً لأن هناك استدلالاً بحوادث معتادة يشاهدها الناس – غالباً - كل يوم، لا تنفك عن حياتهم. أما المعجزة فهي شيء غريب يشاهد على خلاف المعتاد، مما يعطيها مكانة أقوى في الدلالة. وقد هاجم ابن رشد من ذهب إلى هذه الطريق، واستدل بها ووصمهم بأنهم حشوية - ويقصد بذلك السلف - وزعم وجوب معرفة الباري سبحانه عن طريق الاقتصار على الأدلة العقلية المنصوص عليها، وهي ما تقدم ذكره من النظر٣.

стр. 109

ورأيه في هذه الطريق واضح التهافت، لأن فيه هجراً لأصول شرعية أخرى، وهي ما ورد من وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما يقول، والسلف ﵏ ذهبوا إلى الجمع بين طريقي العقل والسمع، وكلاهما شرعي، إذ إن الرسول ﷺ قد بين جميع الأدلة والبراهين الحسية، والعقلية والآيات الدالة على هذا المطلب أحسن بيان، فدل الناس وهداهم إلى الأدلة العقلية، والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية، من إثبات للربوبية والوحدانية، والصفات، والمعاد الجسماني، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة السمعية، وما يمكن بيانه بالأدلة العقلية، وإن كان لا يحتاج إلى بعضها فإن كثيراً من الأمور يعرف بالخبر الصادق، ومع هذا فالرسول ﷺ بيّن الأدلة العقلية الدالة عليها، فجمع بين الطريقين؛ السمعي والعقلي. فهذه الطريق التي سلكها البيهقي، إلى جانب الطريق العقلي السالف، طريق صحيحة لا غبار عليها، وانتقاد ابن رشد لها في غير محله، لأن السلف لم يوجبوا معرفة الله عن طريقها فحسب، بل يقرّون بسلامة الطرق العقلية السابقة، كيف لا وهي طريقة القرآن الكريم الذي جاء بطريق المعجزة إلى جانبها كما أوضحت. ومهاجمة ابن رشد لأصحابها ضرب من الخصومة الفكرية المنحرفة لأنه - مع أخذه بجانب من الأدلة الشرعية، وهي العقلية المنصوص عليها - قد عطل جانباً آخر، دون مبرر. ولا غرو فهو فيلسوف، والفلاسفة يغلب عليهم الجانب العقلي مع نبذ سواه.

стр. 110

طريق الحدوث تقدم استدلال البيهقي بطريق النظر، وطريق المعجزة، وسبق أن قررت صحة استدلاله ذاك لموافقته طريقة القرآن الكريم، وهنا أعرض دليلاً آخر ضمه البيهقي إلى الأدلة السالفة في صحة الاستدلال به وهو ما يسمى بدليل الحدوث فقد قال ﵀ في بيان هذا الدليل: "ثم إن الله تعالى حضّهم على النظر في ملكوت السموات والأرض، وغيرهما من خلقه في آية أخرى فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. يعني بالملكوت الآيات٢. يقول: "أولم ينظروا فيها نظر تفكر وتدبر، حتى يستدلوا بكونها محلاً للحوادث والتغييرات على أنها محدثات، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه على هيئة لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات، كما استدل إبراهيم الخليل ﵇ بمثل ذلك، فانقطع عنها كلها إلى ربّ هو خالقها ومنشئها"٣. ويؤيد البيهقي رأيه هذا بقول أبي سليمان الخطابي ﵀ عن استدلال إبراهيم ﵇ حيث قال: "قال أبو سليمان الخطابي كل وقت وزمان، أو حال ومقام، حكم الامتحان فيها قائم فللاجتهاد

стр. 111

والاستدلال فيها مدخل، وقد قال إبراهيم ﵇ حين رأى الكوكب هذا ربّي ثم تبيّن فساد هذا القول لما رأى القمر أكبر جرماً، وأبهر نوراً فلما رأى الشمس وهي أعلا في منظر العين، وأجلى للبصر، وأكثرها ضياء وشعاعاً، قال: هذا ربّي، هذا أكبر، فلما رأى أفولها وزوالها وتبيّن له كونها محل الحوادث والتغييرات، تبرأ منها كلّها، وانقطع عنها إلى ربّ هو خالقها ومنشئها، لا تعترضه الآفات ولا تحلّه الأعراض والتغييرات١. ففي هذا الدليل موافقة من البيهقي للمتكلمين في طريقتهم التي سلكوها في الاستدلال على وجود الله تعالى، وهي الاستدلال بحدوث العالم. وهذا في حدّ ذاته استدلال صحيح، غير أن الأمر الذي هو محل النقد في هذا الدليل هو طريقتهم في إثبات العالم، ومن ثم زعمهم أن طريقتهم تلك هي طريق إبراهيم الخليل ﵇. ولنبدأ أولاً بإيضاح موافقة البيهقي لهم في هذا المجال فالمتكلمون ذهبوا إلى أن الله تعالى لا يمكن أن يكون محلاً للحوادث لأن من كان محلاً للحوادث، فإنه لا بد أن يكون حادثاً، لأن الحوادث لا تحت إلاّ بحادث مثلها لوجوب أن يكون لها أوّل - في نظرهم - وهذا هو مذهب البيهقي الواضح من كلامه السابق. والتغيرات الحاصلة في هذا العام من وجود، وعدم، وتحول من حال إلى حال سكون بعد حركة، أو حركة بعد سكون، وغير ذلك عبارة عن أعراض حلّت بجواهر هذا العالم، والأعراض حادثة بعضها بالمشاهدة

стр. 112

وبعضها بالدليل وما حلّت به الأعراض فهو حادث مثلها، إذا العالم حادث. وإبراهيم ﵇ رأى هذه الأعراض حالة بتلك الكواكب، حيث تحركت وانتقلت من محل لآخر والحركة والسكون عرضان من الأعراض، وهذا دليل حدوثها وما دامت حادثة فهي غير صالحة لأن تكون إلهاً١. هذا ما رآه المتكلّمون من استدلال إبراهيم ﵇ حيث أرادوا إسناد مذهبهم بدليل شرعي، وهذا بعينه ما رآه البيهقي وأراده. وهذا الدليل الذي أورده البيهقي يشتمل على أمور ثلاثة: ١ - نفي حلول الحوادث بذات الباري سبحانه، بحجة أن الحوادث لا تحلّ إلاّ بحادث مثلها، وهذه دعوى لا تهمنا هنا، ولها مكان آخر، فيما بعد إن شاء الله. ٢ - طريق الاستدلال على حدوث العالم بحدوث أعراضه، حيث يفهم من كلام البيهقي موافقته للمتكلّمين على ما ذهبوا إليه من هذا الاستدلال. ٣ - ادعاء أن تلك الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل ﵇ وهاتان القضيتان الأخيرتان هما محور الكلام، ومناط الحديث. أما طريقتهم في الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها، فإنها طريقة باطلة لأن من المعلوم بداهة أن رسول الله ﷺ لم يستدل بها، ولم يدع أحداً من أمته إلى

стр. 113

الاستدلال بها على وجود الله ﵎، وقد اعترف كثير من المتكلّمين بأنها ليست طريقة الرسل ﵈، ولا طريقة أتباعهم، وهي طريقة مخالفة للطرق التي دعا إليها الإسلام لما تشتمل عليه من ضعف، وما يرد عليها من التزامات فاسدة، ويكفي في بيان زيفها وتهافتها ما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من تفنيدها وإظهار لباطلها، حيث قال: "هذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمداً ﷺ لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوّة أنبيائه، ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام - كالأشعري وغيره - بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم بل المحقّقون على أنها طريقة باطلة، وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعي بها مطلقاً، ولهذا تجد من اعتمد في أصول دينه فأحد الأمرين لازم له. إما أن يطلع على ضعفها، ويقابل بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم، فتتكافأ عنده الأدلة، أو يرجح هذا تارة وهذا تارة، كما هو حال طوائف منهم. وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل، كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار١. والتزم لأجلها الهذيل انقطاع

стр. 114

حركات أهل الجنة١. والتزم قوم لأجلها - كالأشعري وغيره - إن الماء والتراب له طعم، ولون، وريح، ونحو ذلك. والتزم قوم لأجلها، ولأجل غيرها أن جميع الأعراض كالطعم واللون وغيرهما، لا يجوز بقاؤهما بحال، لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم، لما أثبتوا الصفات لله، مع الاستدلال على حدوث الأجسام بصفاتها، فقالوا: "صفات الأجسام أعراض، أي أنها تعرض فتزول، فلا تبقى بحال، بخلاف صفات الله فإنها باقية"٢. كما تناول ابن رشد٣ في كتابه مناهج الأدلة هذا الدليل فأوسعه نقضاً، وبدت صعوبته على الخاصة فضلاً عن الجمهور٤، والأدلة على هذه القضية المهمة يجب أن تكون في متناول الجميع.

стр. 115

ومن الأمور التي كابر بها المتكلمون الحس والعقل في بدعتهم هذه، هو جعلهم الطريق إلى معرفة حدوث الأجسام حدوث أعراضها ونحن نشهد حدوث الأجسام نفسها مثل حدوث الزرع، والثمار وحدوث الإنسان، والحيوان وحدوث السحاب، والمطر، ونحو ذلك من الأعيان القائمة بنفسها، غير حدوث الأعراض، كالحركة والسكون، والحرارة والبرودة، والضوء، والظلمة وغير ذلك. فلسنا في حاجة لمعرفة حدوث الجسم إلى واسطة. أما زعمهم أن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم ﵇ فيما حكاه الله عنه بقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١. فإن هذا زعم باطل للأمور الآتية: ١ - إن الأفول ليس هو الحركة، وذلك باتفاق أهل اللغة والمفسرين فلا يسمى في اللغة كلّ متحرك أو متغير آفلاً ولا يقال للمتحرك إنه آفل، فلا يقال للمصلي، أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة كالمرض واصفرار الشمس، إنه أفول، فلا يقال للشمس إذا اصفرت إنها أفلت، وإنما يقال: "أفلت إذا غابت، واحتجبت، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، أن آفلاً بمعنى غائب". قال في القاموس: "يقال أفلت الشمس، غابت، ونجوم أفل، وكلّ شيء غاب فهو آفل، قال:

стр. 116

فدع عنك سعدي إنما تسعف النوى....قران الثريا مرة ثم تأفل١ قال الخليل: "وإذا استقر اللقاح في قرار الرحم فقد أفل"٢. ٢ - إن الكواكب التي رآها إبراهيم ﵇ كانت متحركة في بزوغها فلو أنه ﵇ كان يستدل بالحركة التي يسمونها تغيراً، لكان قد قال ذلك من حين رآها بازغة، ولما انتظر أفولها. ٣ - إن إبراهيم ﵇ لم يكن بصدد إثبات الصانع، حتى يستدل بحادث على محدث، لأن قومه كانوا مشركين، يعبدون الكواكب والأصنام، ويقرون بالصانع، ولهذا قال الخليل ﵇: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. فذكر ما كانوا يصنعون من اتخاذ الكواكب والشمس واالقمر ربّاً يعبدونه، ويتقرّبون إليه، فكانوا بذلك يشركون معه غيره في العبادة، فأراد أن يبيّن لهم أنه هو المستحقّ للعبادة وحده. وبهذا يتبين لنا بطلان تعلق المتكلمين بقصة إبراهيم ﵇. ويبدو أن الشيخ البيهقي استشعر ضعف هذا الطريق فلم يقل ما قاله كثير من المتكلمين من جعله أصلاً من أصول الدين يجب معرفة الله تعالى عن طريقه وهو ما ذهب إليه إمام الحرمين الجويني٤ - وهو من

стр. 117

المعاصرين للبيهقي - حيث قال: "أوّل ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ، أو الحلم شرعاً، القصد إلى النظر الصحيح، المفضي إلى العلم بحدوث العالم، والنظر في اصطلاح الموحدّين، هو الفكر الذي يطلب به من قام به علماً، وغلبة ظن"١. وممن قال بالإيجاب من المتكلّمين الشيخ سعد الدين التفتازاني حيث قال بعد إيراده لنظرية الجوهر الفرد التي جعلها أصلاً من الأصول التي اعتمد عليها في إثبات حدوث العالم: "قلنا في إثبات الجوهر الفرد نجاة عن كثير من ظلمات الفلاسنة مثل إثبات الهيولي والصورة، المؤدي إلى قدم العالم، ونفي حشر الأجساد.. إلخ"٢. وهذا غاية الغلو في التمسك بهذه النظرية المتهافتة، والتي تبين فسادها أكثر في العصر الحديث بعد تحطيم الذرة التي هي الجوهر عندهم. فالنجاة من الظلمات الفلسفية وغيرها، بل ومن الظلمات التي حاكها المتكلّمون حول العقيدة الإسلامية ـ زعماً منهم أنهم بذلك يرسخون العقيدة ويوضحونها، ويذبون عنها ـ النجاة من ذلك كلّه يكون في التمسك بأهداب الوحي، من كتاب أو سنة، فهما الينبوعان الصافيان من كلّ كدر، الهاديان إلى صراط الله المستقيم من تمسك بهما لن يعدم خيراً، ومن التجأ إليها لن يضام، ومن جعلهما نبراس حياته فسيكون في منأى عن المهالك، وفي مأمن من الزيغ والضلال. يقول رسول الله ﷺ : "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك".

стр. 118

وقال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا، كتاب الله وسنتي". ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن أشار إلى إيجابهم سلوك هذا الطريق -: "والتحقيق ما عليه السلف أنه ليس بواجب أمراً ولا هو صحيح خبراً، بل هو باطل منهي عنه شرعاً. فإن الله تعالى لا يأمر بقول الكذب والباطل، بل ينهى عن ذلك، لكن غلطوا حيث اعتقدوا أنّه حقّ وأن الدين لا يقوم إلاّ على هذا الأصل الذي أصّلوه".١ ويقول أستاذنا الكبير الدكتور محمّد خليل هراس ﵀ يقول في نقد اتجاه المتكلّمين إلى تأصيل نظرية الجوهر الفرد هذه وجعلها أصلاً من أصول الدين يجب معرفة الله تعالى عن طريقه: "وإن من أعظم الحرج أن نكلف العامة، ومن لا قدرة لهم على النظر أصلاً بتحصيل معنى الإمكان والحدوث والتغير، والجوهر والعرض، وغير ذلك مما يدخل في تركيب هذه الأدلة، ثم نقول لهم إنكم لا يصح إيمانكم بالله إلاّ من هذه الطريق، فنضيق عليهم وحمة الله ونصدهم عن سبيله، ونكلفهم من الأمر ما لا يطيقون، بل لعل أولى من ذلك، وأقرب إلى الفطرة، وأضمن للوصول إلى الغاية أن ندعو الناس إلى ما أرشد إليه القرآن من النظر في ملكوت السموات والأرض، وما فيهما من عجائب تدل على عظيم قدرة الله تعالى وجسيم نعمته، ونشرح لهم ما أودع الله في الأشياء المختلفة من خواص، ومنافع سخرها لهم وأنه كيف وهب كل مخلوق من القوى، والآلات ما يحتاجه في تحصيل قوته وحفظ حياته"٢.

стр. 119

وهذه النظرية التي قدسها المتكلمون يونانية الأصل، حيث إن أوّل من قال بها "ديمقريطس١ من فلاسفة اليونان٢. فما كان ينبغي لمسلم أن يلجأ إلى نظرية هذا مصدرها وهي غير سالمة من النقد فيتعب نفسه في بيانها وتقريرها والذب عنها، ولكن المتكلمين فعلوا. إلاّ أن حججهم التي اعتمدوها هنا واهية، أو هي من خيط العنكبوت. حجج تهافت كالزجاج تخالها ... تبقى وكل كاسر مكسور وشيخنا البيهقي ﵀ كما هو معروف عنه من التمسك بالسنة والذب عنها، لم يكن ليقود ما قاله المتكلمون في تمجيد هذه النظرية، بل إنه اقتصر على إيراد دليل الحدوث، على سبيل الحصر للطرق السليمة التي يراها - في نظره - صالحة للاستدلال على هذا المطلب، فإنه كما يلاحظ قدم طريقة القرآن الكريم، مما ينبئ عن اهتمامه بها، وجعله مثل هذه الطريق ثانوية يمكن الاستغناء عنها، مع إمكان سلوكها، فالرجل اقتنع بصحتها، ولم يقل بوجوبها، والاستغناء بها عن سواها. إذ إن منهجه السلفي منعه من الوقوع في مثل ما وقع فيه المتكلمون. أما عن الوحدانية فإن أدلته لإثباتها هي عين أدلته لإثبات الوجود، لذلك لا أرى ثمة ضرورة لعقد فصل مستقل، فأكتفي بما ذكرت عن أدلة الوجود.

стр. 120

الفصل الثاني: أسماء الله تعالى طريق إثباتها لقد كان ثبوت أسماء الله تعالى بما ورد من أدلة صريحة واضحة مصدرهما كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع الأمة امراً واضحاً، إذ أصبح بذلك من المسلمات التي لا تحتاج إلى إمعان نظر، ولا تقبل المراء. ومع ذلك فقد وجد بين الفرق المنتسبة إلى الإسلام من خالف في ذلك، فلم يقر بثبوت أسماء الله تعالى ثبوتاً حقيقياً. ومجمل الآراء في ذلك ذكرها فخر الدين الرازي حيث قال: "اعلم أن من الناس نفى ثبوت الأسماء لله تعالى وسلم ثبوت الصفات، ومنهم من عكس، سلم ثبوت الأسماء وأنكر ثبوت الصفات، ومنهم من اعترف بالأسماء والصفات لله تعالى"١. ونفي أسماء الله تعالى مصيبة عظمى، وإلحاد صريح وأصحاب هذا الرأي هم الجهمية أتباع جهم بن صفوان الترمذي الذي ذهب إلى نفي أسماء الله تعالى حيث قال بنفي كل اسم يرى جواز إطلاقه على المخلوق

стр. 121

وأثبت بعض الأسماء التي يرى أن الله مختص بها ولا يجوز تسمية المخلوق بها، كالخالق، والمحيي والمميت، والقادر، والموجد، والفاعل١، كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله. والمعروف أن هؤلاء الجهمية ينفون الصفات جميعاً، مع ما نفوه من أسماء ولا أعرف أحداً نفى الأسماء وأثبت الصفات، كما قال الرازي. وأحب أن أنبه على أن هؤلاء النفاة لم ينكروا إطلاق الألفاظ على الله تعالى، إلا أنهم يقولون إن إطلاقها عليه سبحانه مجازي لا حقيقة ولا ريب إن هذا نفي محض. ولذلك قال ابن القيم عن أصحاب هذا الرأي: "إنهم لا يتمكنون بعد ذلك من إثبات حقيقة لله البتة، لا في أسمائه ولا في الإخبار عنه بأفعاله وصفا ته"٢. أما منكرو أسماء الله تعالى بألفاظها ومعانيها فهم الملاحدة وهؤلاء لم يعرفوا وجود الله، فكيف يعرفون أسماءه. ووافقهم على ذلك غلاة الفلاسفة والقرامطة٣. وهذا كما هو واضح تكذيب صريح لكتاب الله تعالى فهو كفر واضح. أما رأي الجهمية فالمبرر الوحيد له عندهم: أن إثبات هذه الأسماء وتلك الصفات على حقائقها يستلزم تشبيه الله بخلقه في زعمهم٤.

стр. 122

ويرد السلف عليهم رأيهم هذا، فيقول الإمام ابن خزيمة ﵀ – " ... وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض أسامي الله بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه، أن يقال: إنكم شبهتم الله بخلقه إذ أوقعتم بعض أسامي الله على بعض خلقه، وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصحف، أو محوها من صدور أهل القرآن، أو ترك تلاوتها في المحاريب والكتاتيب وفي الجدور والبيوت، أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه ﷺ أنه الملك، وسمى بعض عبيده ملكاً، وخبرنا أنه السلام، وسمى تحية المؤمنين بينهم سلاماً في الدنيا وفي الجنة، فقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ ١. ونبيّنا المصطفى ﷺ قد كان يقول بعد فراغه من تسليم الصلاة: "اللهم أنت السلام ومنك السلام" ٢. وقال : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ ٣. فثبت بخبر الله أن الله هو السلام، كما في قوله: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ ٤، وأوقع هذا الاسم على غير الخالق الباري وأعلمنا أنه المؤمن، وسمى بعض عباده المؤمنين..."٥ إلى آخر ما قاله ﵀ في الرد على هذا الرأي المتهافت. وغرضه من هذا كله أن يقوله: إن تسمية الخلق ببعض أسامي الله ، لا يقتضي تشبيهاً أو تمثيلاً، لأن معناها في حق الله على ما يليق به، وفي حق خلقه على ما يليق بهم.

стр. 123

فإثبات أسماء الله تعالى كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، هو ما قالت به جماهير الأمة، وهو أمر واجب، إذ إنه من تمام التوحيد، ومن كمال معرفة الربّ كما يقول السيد محمّد بن المرتضى اليماني في كتابه "إيثار الحق": مقام معرفة كمال هذا الرب الكريم وما يجب له من نعوته، وأسمائه الحسنى، من تمام التوحيد، الذي لا بد منه، لأن كمال الذات بأسمائها الحسنى، ونعوتها الشريفة، ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم، ولذلك عد مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها من أعظم مكائدهم للإسلام، فإنهم عكسوا المعلوم عقلاً وسمعاً، فذموا الأمر المحمود، ومدحوا الأمر المذموم القائم مقام النفي والجحد المحض، وضادوا كتاب الله ونصوصه الساطعة"١. هذا عن النفي والنفاة، وما قيل في الرد عليهم. فماذا عن الإثبات والمثبتين الذين يتصدرهم شيخنا البيهقي؟ إذ إنه ﵀ قد أولى هذا الأمر عناية كبرى، فألف كتاباً ضخماً، حفل بحشد من النصوص الشرعية التي دلل بها على ثبوت أسماء الله تعالى ثبوتاً قاطعاً لا شك فيه. وقد كان أولئك المثبتون يذهبون في طريق الإثبات مذهبين ذكرهما الرازي فقال: "مذهب أصحابنا - يعني الأشاعرة - إنها توقيفية وقالت الممعتزلة والكرامية: إن اللفظ إذا دل العقل على أن المعنى ثابت في حق الله سبحانه جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله تعالى، سواء ورد التوقيف به أو لم يرد، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني من أصحابنا"٢، وهذا الرأي الأخير هو ما يسمى عند علماء الكلام بالطرق القياسية.

стр. 124

فمذهب جمهور الأشاعرة إذاً هو القول بالتوقيف، وقد سلك شيخنا البيهقي هذا المسلك، وإليك بيان رأيه في هذا الموضوع: يقوله ﵀: "إثبات أسماء الله تعالى ذكره بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة"١. فالبيهقي بهذا الكلام يصرح برأيه في أن أسماء الله تعالى لا يجوز إطلاقها عليه ما لم تدل عليها إحدى هذه الطرق الثلاث لأن التوقيف وحده هو مجال الإثبات لها. وذكر ﵀ مجموعة من النصوص القرآنية، والحديثية تدل على ثبوت هذه الأسماء، التي أنكرها من لا اعتبار برأيه من أرباب الأهواء، وأصحاب البدع. فالله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣. وروى بسنده عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا آوى إلى فراشه قال: "اللهم باسمك أحيا، وباسمك أموت، وإذا أصبح قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ٤. إلى غير ذلك الآيات والأحاديث التي ذكرها في كتاب الأسماء والصفات مستدلاً بها على ثبوت هذه الأسماء لله تعالى، ثبوتاً حقيقياً

стр. 125

ألفاظاً، ومعاني. وهو برأيه هذا يوافق ما أجمع عليه السلف من جعل هذه الطرق هي الدليل االأوحد لثبوت أسماء الله تعالى. يقول أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن أبي زمنين١ من أئمة المالكية: "اعلم أن أهل العلم بالله، وبما جاءت به أنبياؤه ورسله، يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علماً، والعجز عن ما لم يدع إليه إيماناً، وإنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه، على لسان نبيه"٢. فالبيهقي ﵀ بل جمهور الأشاعرة يتفقون مع السلف في هذا الاتجاه، الذي يعتبر في رأيي أصلاً كان يجب أن يعتمد عليه في إثبات العقائد جميعها، إذ إن القرآن كلام الله والسنة وحي منه إلى نبيه، والإجماع مستند إلى أحد هذين الأصلين - أعني كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . وقد روي عن النبي ﵇ قوله: "لا تجتمع أمتي على ضلالة". أما القياس الذي قال به المعتزلة ومن حذا حذوهم، فلا مكان له عند السلف في مجال إثبات الأسماء، والبيهقي لم يعتد به، بل نبذه، وسلك طريق السلف في اعتبار عدم صلاحيته في هذا المجال إذ إن الأسامي التي قد تطلق على الله تعالى عن طريق تصور العقل صحة إطلاقها، قد لا تكون

стр. 126

لائقة المعنى بالنسبة لله تعالى، وإن تصور العقل ذلك، ويكفينا الاقتصار على الوحي فالله تعالى لم يترك المجال لعقولنا في هذه التسميات، بل أخبر بأسمائه في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ . والعقل الذي يعتبر ركيزة القياس قد يستطيع أن يصل إلى إثبات بعض العقائد كما تقدم في إثبات وجود الله، وكما سيأتي في الصفات العقلية، إلا أنه لا يستطيع الاستقلال بذلك فيرشده الوحي ويقدم له تصوراً كاملاً لذلك الاعتقاد. ومن هنا كان الوحي هو الأساس في العقائد جميعها. عدد أسماء الله تعالى أمّا عن عدد أسماء الله تعالى، فقد ورد حديث رواه البيهقي بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" ١. فهل هذا الحديث على ظاهره من حصر أسماء الله تعالى في هذا العدد، أم لا؟ يكاد الإجماع ينعقد على أن العدد الوارد في هذا الحديث لا مفهوم له يقتضي الحصر لأسماء الله تعالى في تسعة وتسعين فقط، ولم أجد مخالفاً في ذلك سوى ابن حزم الذي أخذ بظاهر الحديث، وابن حزم - كما هو معروف - ظاهري، ومذهب أهل الظاهر في الأخذ بظواهر النصوص لا يخفى. فقد قال ﵀ في كتاب المحلى ما نصه:

стр. 127

"إن له تسعة وتسعين اسماً مائة غير واحد، وهي أسماؤه الحسنى، من زاد شيئاً من عنده فقد ألحد في أسمائه، وهي الأسماء المذكورة في القرآن والسنة ... وقد صح أنها تسعة وتسعون اسماً فقط، ولا يحل لأحد أن يجيز أن يكون له اسم زائد، لأنه ﵇ قال: "مائة غير واحد" فلو جاز أن يكون له تعالى اسم زائد لكانت مائة اسم، ولو كان هذا لكان قوله ﵇: "مائة غير واحد" كذباً، ومن أجاز هذا فهو كافر"١. وقد رد عليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري بأن الحصر المذكور باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، فمن ادعى أن الوعد وقع لمن أحصى زائداً على ذلك فقد أخطأ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد٢. ويذكر ابن حزم أيضاً عن الباقلاني، وعن محمّد بن الحسن بن فورك شيخ البيهقي أنهما يقولان بأنه ليس لله تعالى إلا اسم واحد فقط، وشنع عليهما في ذلك٣. وهذا الأخير ظاهر البطلان لما فيه من المخالفة الصريحة للكتاب والسنة. وإذا كان هذا هو موقف العلماء من عدد أسماء الله تعالى فماذا يقول البيهقي في هذه المسألة، أيقف عند العدد الوارد كما فعل ابن حزم، أم يذهب مذهب شيخه ابن فورك، أم أنه يرى رأي الجمهور؟

стр. 128

يقول ﵀: "باب البيان أن لله جل ثناؤه أسماء أخر، وليس في قول النبي ﷺ : "تسعة وتسعون اسماً" نفي غيرها، وإنما وقع التخصيص بذكرها لأنها أشهر الأسماء، وأبينها معاني، وفيها ورد الخبر أن "من أحصاها دخل الجنة" ١. وقال أيضاً: "وقوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسماً" لا ينفي غيرها، وإنما أراد - والله أعلم - إن من أحصى من أسماء الله تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة، سواء أحصاها مما نقلنا في الحديث الأوّل، أو مما ذكرنا في الحديث الثاني ٢ أو من سائر ما دل عليه الكتاب والسنة أو الإجماع٣. فهذان النصان اللذان أوردتهما من كلام البيهقي يدلان بوضوح على أن رأيه في العدد الذي ورد به الحديث أنه لا يقتضي الحصر، وأن العدد المجمل في صدر الحديث المفصل في جزئه الآخر - إن صح ذلك التفصيل عن النبي ﷺ إنما المقصود منه أن تلك الأسماء الواردة هي أشهر أسماء الله تعالى، وأبينها معاني، وهي التي من أحصاها دخل الجنة، كما وضح من قوله في كتاب الأسماء والصفات. أما رأيه الثاني الذي أورده في كتاب الاعتقاد والذي يتضمن توجيهاً آخر وهو أن المقصود أن من أحصى تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله

стр. 129

تعالى، دون التقيد بالأسماء الواردة بعينها في حديث أبي هريرة، بل كان إحصاؤها مما وردها في الأحاديث الأخرى أو الآيات الكريمات، أن من أحصاها دخل الجنة، فإن هذا الأخير لا يناقض الأوّل لأنه يقصد به عند عدم صحة ورود تلك الأسماء عن النبي ﷺ ، إذ إنه ﵀ يشك في أن الأسماء الواردة في الحديث هي عن النبيّ ﷺ ، فهناك احتمال أن تكون مدرجة من بعض الرواة، ويذكر هذا الرأي أيضاً عن الشيخين الجليلين البخاري ومسلم. وفي هذا الموضوع يقول: "ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة ... ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح، فكأنه قصد أن من أحصى من أسماء الله تعالى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة، سواء أحصاها مما نقلنا في حديث الوليد بن مسلم، أو مما نقلنا في حديث عبد العزيز بن الحصين١ أو من سائر ما دل عليه الكتاب والسنة - والله أعلم. وهذه الأسامي كلّها في كتاب الله، وفي سائر أحاديث رسول الله ﷺ نصاً أو دلالة"٢. فالبيهقي إذاً يرى أن العدد الوارد لا يقتضي الحصر، وأوّله تأويلاً مقبولاً، بل إن تأويله إلى معنى لا يقتضي الحصر هو ما تدل عليه النصوص الواردة في أن أسماء الله تعالى كثيرة، وليست تسعة وتسعين فحسب،

стр. 130

ولهذا فإن البيهقي استدل لصحة تأويله ذاك بما رواه بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسوله الله ﷺ : "ما أصاب مسلماً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله عنه همه، وأبدله مكان همه فرحاً، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلم هذه الكلمات؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن" ١. وقد عقب على هذا الحديث بقوله: "في هذا الحديث دلالة على صحة ما وقعت عليه ترجمة هذا الباب"٢ يعني ما تقدم من قوله في الترجمة لهذا الباب: "باب البيان أن لله جلّ ثناؤه أسماء أخر ... "٣. والذي يبدو لي أن ذكر الأسماء ليس ثابتاً عن رسول الله ﷺ ، لأن الوليد بن مسلم، وهو راوي أحد الحديثين اللذين تضمنا ذكر الأسماء يذكر عن بعض العلماء أن سرد الأسماء في الحديث مدرج فيه كما قال الحافظ ابن كثير ﵀ – "والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم، وعبد الملك بن محمّد الصنعاني عن زهير بن حرب أنه بلغه عن غير

стр. 131

واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي: أنهم جمعوها من القرآن، كما روى عن جعفر بن محمّد، وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي"١. أمّا الحق في عدد أسماء الله تعالى فهو ما تبناه البيهقي إذ هو الرأي السديد الذي لا يسعنا الذهاب إلى غيره، لأنه يتفق مع نصوص الكتاب والسنة، وعليه تجتمع الأدلة، وقد قال به جمهور الأمة سلفاً وخلفاً. وممن قال به أبو سليمان الخطابي، حيث بين رأيه في تأويل الحديث بقوله: "قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسماً" فيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء، لأنها أشهر الأسماء وأبينها معاني، وأظهرها، وجملة قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" قضية واحدة لا قضيتان ويكون تمام العمل بها في خبر أن قوله: "من أحصاها دخل الجنة" لا في قوله: "تسعة وتسعين اسماً" وإنما هو بمنزلة إن لزيد ألف درهم أعدها للتصدق، وكقولك إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وإن الذي رصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب"٢. واستدل على صحة هذا التأويل بنفس الحديث الذي استدل به البيهقي - أعني حديث عبد الله بن مسعود - السالف الذكر.

стр. 132

والخطابي كثيراً ما ينقل عنه البيهقي ويعتمد آراءه، كما سيتضح لنا ذلك من هذا البحث فيما بعد إن شاء الله. وممن ذهب إلى القول بعدم الحصر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وذكر توجيهاته لحديث أبي هريرة التي أجاد فيها وأوضح مستند القائلين بأن لله أسماء أخرى غاية الإيضاح ١. وقد ذهب إلى ذلك أيضاً تلميذه ابن القيم رحمه الله٢، والإمام البغوي٣. وقد تبنى هذا الرأي قبل البيهقي الشيخ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي، وهو أحد مشايخه، إلا أن له نظراً في تأويل الحديث يختلف عن التأويلات السابقة حيث قال: "وليست الفائدة في حصر أسمائه الحسنى بتسعة وتسعين المنع من الزيادة عليها، لورود الشرع بأسماء له سواها، وإنما فائدته أن معاني جميع أسمائه محصورة في معاني هذه التسعة والتسعين"٤. ومهما اختلفت وجهات نظر القائلين بعدم الحصر في بيان المقصود من العدد الوارد في الحديث، فإنها جميعاً تتفق على أن العدد الوارد له معنى لا يقتضي الحصر، وكلّها آراء محتملة. والبيهقي ﵀ يذهب في إثبات أسماء أخرى لله تعالى إلى مدى أبعد، فإنه ممن يقول بأن الحروف المقطعات في أوائل بعض السور هي من أسماء الله، متابعاً بذلك ابن عباس ﵁، وغيره من المفسرين٥.

стр. 133

وقد ذكر هذا الرأي عن ابن عباس، والشعبي، والسدي وغيرهم من المفسرين ابن كثير في تفسيره١. وقصارى القول أن رأي البيهقي هذا، والذي شارك به جماهير العلماء، رأي صائب، متفق مع الحق الذي نطقت به النصوص الشرعية، التي هي مناط الاستدلال لأهل الحق دائماً وأبداً. فأسماء الله أكثر من أن تحصر. وما ورد عن بعض العلماء من أنها ألف أو خمسة آلاف - كما ذكر ذلك الرازي في تفسيره عن بعض العلماء - إنما هي دعوى لا دليل عليه، لأن من أسمائه تعالى ما استأثر بعلمه فكيف لنا أن نصل إلى حصره وعده. فأسماء الله تعالى كثيرة لا يمكن حصرها. حقيقة الاسم المسمى وهذه قضية من القضايا الرئيسية التي كثر النزاع فيها بين العلماء وقبل البدء في بيان رأي البيهفي فيها، أرى من المناسب أن أذكر أولاً إجمالاً لآراء العلماء حتى يتبين لنا موقع رأي البيهقي منها. فأقول وبالله التوفيق: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد ذكر وجود هذا الخلاف بعد عصر الأئمة، أحمد بن حنبل وغيره، كما ذكر أن الخلاف قد وقع على خمسة مذاهب هي: ١ - أن الاسم عين المسمى، وهو رأي أكثر المنتسبين إلى السنة كأبي القاسم الطبري، واللالكائي، وأبي محمد البغوي صاحب شرح السنة، وغيرهم. وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري مما أختاره أبو بكر بن فورك وغيره.

стр. 134

٢ - أن الاسم غير المسمى، وهو رأي الجهمية، ورأى المعتزلة، وتابعهما في ذلك جماعة من الأشاعرة كالغزالي، والرازي وغيرهما، يقول الرازي: "واختيار الغزالي ... أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متباينة، وهو الحقّ عندي، لأن أسماء الله كثيرة، فالاسم غير المسمى"١. وقد بنى الجهمية رأيهم هذا على أن أسماء الله مخلوقة وما دامت كذلك فهي غيره، وذكر ابن تيمية ﵀ أن هؤلاء هم الذين ذمهم السلف، وغلظوا القول فيهم، لأن أسماء الله من كلامه وكلامه غير مخلوق بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء ٢. وهذا الرأي هو الذي ناصره ابن حزم بشدة، فأرغى وأزبد في تأييده، والتشنيع على أصحاب الرأي الأوّل٣. ٣ - التوقف، وأصحاب هذا الرأي جماعة من السلف، يذكر ابن تيمية عنهم أنهم توقفوا في ذلك نفياً وإثباتاً، أي أنهم لا يقولون إن الاسم هو المسمى ولا غيره، إذ كان كل من الإطلاقين بدعة - في نظرهم - ويذكر أن الخلال ذكر ذلك عن إبراهيم الحربي٤ رغيره كما ذكره أبو جعفر الطبري في كتابه صريح السنة. ٤ - أن الاسم للمسمى، ويذكر ابن تيمية أيضاً أنه اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره.

стр. 135

٥ - التفصيل، وتذكر ابن تيمية أنه المشهور عن أبي الحسن الأشعري، وذكر طريقتهم في ذلك١. ولسنا بحاجة إلى الإطالة في بيان هذه الأقوال وأدلتها، إذ المهم هو رأى البيهقي في هذه القضية، ومدى موافقته للحقّ فيها فأقول: إن البيهقي ﵀ قد ذكر رأيين فقط من الآراء الخمسة السالفة، وكلاهما موجود في المذهب الأشعري وهذان الرأيان هما: ١ - إن الاسم عين المسمى، وهو الأوّل من الآراء التي ذكرها ابن تيمية. ٢ - التفصيل، وهو الخامس من الأقوال السابقة. ولبيان ذلك أورد ما ذكره ﵀ نصاً، ثم أوضح أي الرأيين - عنده - أرجح، فقد قال ﵀ حاكياً عن شيخه أبي إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم الإسفرائيني٢: " ... واعلم أن أسامي الله تعالى على ثلاثة أقسام، قسم منها للذات وقسم لصفات الذات، وقسم لصفات الفعل.

стр. 136

فالقسم الأوّل: الاسم والمسمى واحد، وهو مثل قديم، وشيء، وإله، ومالك. الثاني: الاسم صفة قائمة بالمسمى، لا يقال إنها هي المسمي ولا يقال إنها غير المسمى، وهو مثل: العالم، والقادر، لأن الاسم هو العلم والقدرة. والقسم الثالث: هو من صفات الفعل، فالاسم فيه غير المسمى وهو مثل: الخالق والرازق، لأن الخلق والرزق غيره. وذهب بعض أصحابنا من أهل الحق في جميع أسماء الله إلى أن الاسم والمسمى واحد. قال: والاسم في قولنا: عالم، وخالق لذات البارئ التي لها صفات الذات، مثل: العلم والقدرة وصفات الفعل مثل: الخلق والرزق، قال: ولا نقول لهذه الصفات، إنها أسماء، بل الاسم ذات الله الذي له هذه الصفات"١. فهذان رأيان حكاهما أبو إسحاق الإسفرائيني، ونقلهما عنه البيهقي فبأيهما يختار البيهقي؟ لقد عزا ﵀ الرأي الأخير إلى بعض الأشاعرة، ومنهم شيخه ابن فورك، وساق استدلالهم عليه ثم صرح باختياره حيث قال: "وإلى هذا ذهب الحارث بن أسد المحاسبي، فيما حكاه عنه الأستاذ أبو بكر بن الحسن بن فورك، قال: ويصح ذلك عندي بما يشهد له اللسان بذلك، ألا ترى إلى قوله : ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ٢، فأخبر أن اسمه يحيى، قال: يا يحيى، فخاطب اسمه، فعلم أن المخاطب يحيى وهو اسمه، واسمه هو، وكذلك قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ ٣

стр. 137

وأراد المسميات، ولأنه لو كان غيره، أولاً هو المسمى، لكان القائل إذا قال عبدت الله، والله اسمه، أن يكون عبد اسمه، إما غيره وإما لا يقال انه هو، وذلك محال، وقوله: "إن لله تسعة وتسعين اسماً" معناه تسميات العباد لله، لأنه في نفسه واحد. قال الشاعر: "إلى الحول ثم اسم السلام عليكما"١. قال أبو عبيد -: أراد: ثم السلام عليكما، لأن اسم السلام هو السلام.. قال البيهقي: "والمختار من هذه الأقاويل ما اختاره الشيخ أبو بكر بن فورك ﵀"٢. وهكذا يصرح البيهقي باختياره للرأي القائل في جميع أسماء الله تعالى بأن الاسم عين المسمى. وقد تقدم طرف من أدلة أصحاب هذا الرأي المختار عند البيهقي، وفي كتاب الاعتقاد ذكر طرفاً آخر منها كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٣ كما قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ ٤، كما قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٥ هذا من القرآن الكريم.

стр. 138

كما ذكر ﵀ أدلة هذا الرأي من السنة المطهرة فروى بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم فراشه فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات فإنه لا يدري ما خلفه عليه، وليقل باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" ١. وروى بسنده أيضاً حديث عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ أن جبريل ﵇ جاءه وهو يوعك فقال: "أرقيك من كل داء يؤذيك، ومن كل حسد حاسد ومن كل عين، واسم الله يشفيك" ٢. إلى غير ذلك مما أورده ﵀ من أدلة لهذا الرأي. وكما عزا هذا الرأي الذي اختاره إلى الحارث بن أسد المحاسبي وأبي بكر بن فورك، فقد عزاه أيضاً إلى أبي عبيد القاسم بن سلام والإمام محمد ابن إدريس الشافعي فقد روى عن الشافعي ﵀ قوله: "من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة.."٣. وقال بعد ذلك معلقاً على هذا القول: فجعل اليمين باسم من أسماء الله كاليمين بالله ثم قال: ومن حلف بشيء غير الله فلا كفارة عليه، فبين

стр. 139

بذلك أنه لا يقال في أسماء الله وصفاته أنها أغيار، كأنما يقال أغيار لما يكون مخلوقاً"١. وهذا رد على القائلين بأن الاسم غير المسمى كالمعتزلة وهو رأي لا ريب شنيع، لأنه مبني على أصل فاسد وهو القول بأن كلام الله تعالى الذي ورد بذكر أسمائه سبحانه مخلوق فتكون أسماؤه مخلوقة، وهو رأي واضح البطلان. فرأي البيهقي إذاً قد اتضح بأنه القول بأن الاسم عين المسمى وهو رأي جماعة من السلف، منهم الشافعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام كما ذكر ذلك البيهقي نفسه، واللالكائي، والبغوي، كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀ يقول البغوي في شرح السنة: "والاسم هو المسمى وذاته"٢. وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري، اختاره أبو بكر ابن فورك منهم كما تقدم. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هؤلاء الذين قالوا. إن الاسم هو المسمى لم يوفقوا إلى الصواب، وذكر من أبرز هؤلاء القوم أبا بكر بن فورك وذكر كلامه نصاً في الآراء الواردة في هذا الشأن وذكر بعد ذلك ترجيحه لهذا الرأي بقوله: قال: والذي هو الحق عندنا قول من قال: "اسم الشيء هو عينه وذاته، واسم الله هو الله، وتقدير قول القائل: بسم الله أفعل، أي بالله أفعل وإن اسمه هو هو"٣. وهذا هو القول الذي أشار البيهقي إلى اختياره كما تقدم.

стр. 140

وذكر ابن تيمية ﵀ أن السبب الذي أدى بهم إلى مجانبة الصواب أنهم لم يقتصروا على أن أسماء الشيء إذا ذكرت في الكلام فالمراد بها المسميات، كما ذكروه في قوله: "يا يحيى" ونحو ذلك ولو اقتصروا على ذلك لكان صحيحاً، لأنه معنى واضح لا ينازع فيه من فهمه، ولعدم اقتصارهم على ذلك أنكر قولهم جمهور أهل السنة لاشتماله على أمور باطلة مثل دعواهم إن لفظ اسم الذي هو "اس م" معناه ذات الشيء ونفسه، وإن الأسماء - التي هي الأسماء - مثل زيد وعمرو هي التسميات، ليست هي أسماء المسميات، وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون إن زيداً وعمراً ونحو ذلك هي أسماء الناس والتسمية جعل الشيء اسمًا لغيره، وهي مصدر سميته تسمية، إذا جعلت له اسمًا، والاسم هو القول الدال على المسمى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمى، بل قد يراد به المسمى، لأنه حكم عليه، ودليل عليه١. وجميع ما استدلوا به لا دليل لهم فيه، لأنه لا يوجد في واحد منها ما يدل على أن اسم الشيء هو ذات الشيء بعينه لأن هذا لا يتفق مع الواقع. وقد رد ابن تيمية كل دليل من الأدلة السابقة منفرداً عن الآخر بعد أن ساق الرد مجملاً، وهنا اكتفى بالرد المجمل السابق أما الرأي الأصح والأسلم منها هو ذلك التفصيل الذي أورده شارح الطحاوية فقال: "الاسم يراد به المسمى تارة، ويراه به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت:

стр. 141

قال الله كذا أو سمع الله لمن حمده ونحو ذلك فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم هاهنا هو المراد، لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد إن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى"١.فهذا تفصيل منطقي سليم، بعيد عن التعقيد، وأصحاب هذا الرأي هم جمهور أهل السنة، وهم الذين يقولون: إن الاسم للمسمى وهم بهذا القول موافقون لصريح الكتاب والسنة، بل وللمعقول أيضاً لأن الله تعال يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقال: ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ . وقال النبي ﷺ "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" ٢ وقال صلى الله عليهوسلم: "إن لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب" ٣. ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هؤلاء إنما يلجأون إلى التفصيل الآنف الذكر عندما يسألون أهو المسمى أم غيره٤.

стр. 142

وفي هذا التفصيل عند الحاجة إليه غنية عن أي قول سواه لأنه هو الواقع المستند إلى الدليل. أما التفصيل الذي ذكره البيهقي فيما مضى، وأشار إلى أنه رأى بعض متقدمي أصحابه، فإنه تفصيل يعوزه الدليل فلا اعتبار له كما أن قول البيهقي ومن وافقه أن الاسم هو المسمى غير صحيح أيضاً لما تقدم. مسألة ذهب البيهقي ﵀ إلى إطلاق اسم القديم على الله ﵎، موافقاً بذلك جمهور المتكلمين، ويحتج لصحة هذا الإطلاق بما ورد في حديث عبد العزيز بن الحصين الذي رواه في كتاب الاعتقاد١ حيث ورد ضمن الأسماء المذكورة مفصلة بعد الإجمال اسم "القديم". كما احتج بما رواه بسنده عن عمران بن حصين ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث وفيه: قالوا: "جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: "كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره" ٢. ثم ذكر تأييداً لهذا الرأي قول شيخه الحليمي٣ في معنى القديم: إنه الموجود الذي ليس

стр. 143

لوجوده ابتداء والموجود الذي لم يزل، وأصل القديم في اللسان السابق، لأن القديم هو القادم"١. وعقب البيهقي على قول الحليمي هذا بقوله: "فقيل لله قديم، بمعنى أنه سابق للموجودات كلها، ولم يجز إذ كان كذلك أن يكون لوجوده ابتداء، لأنه لو كان لوجوده ابتداء لاقتضى ذلك أن يكون غير له أوجده، وأوجب أن يكون ذلك الغير موجوداً قبله، فكان لا يصح حينئذ أن يكون هو سابقاً للموجودات، فقد أوجبنا ألاّ يكون لوجوده ابتداء، فكان القديم في وصفه جل ثناؤه عبارة عن هذا المعنى"٢. وهكذا يتضح لنا تجويزه إطلاق اسم القديم على الله سبحانه ومن ثم وصفه بالقدم، لأن كل اسم عنده يشتمل على صفة كما سيأتي. ولكن، ما مدى صحة ما ذهب إليه البيهقي في ذلك؟ الواقع إن ما ذهب إليه البيهقي هنا من تجويز إطلاق اسم القديم على الله مجانب للصواب ومناقض لما سبق تقريره من أنه يرى في إثبات أسماء الله تعالى التزام جانب التوقيف، ولبيان ذلك أقول: إن ما التزمه البيهقي من الاقتصار على التوقيف في أسماء الله تعالى غير متوفر له هنا، وإن حاول المحافظة على هذا المبدأ باستناده إلى ما ورد في حديث عبد العزيز بن الحصين المشار إليه آنفاً، إلاّ أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلاً له على ما ذهب إليه لما تقدم أيضاً من أنه هو نفسه

стр. 144

يشك في صحة ورود تفصيل الأسماء عن النبي ﷺ ، لاحتمال أن يكون ذلك مدرجاً من جهة بعض الرواة، والدليل كما هو معروف في قواعد الأصول إذا تطرق إليه الاحتمال بطل له الاستدلال، وذلك في الفروع، فما بالك بالعقائد؟ وأما حديث عمران ابن حصين فلا دليل فيه لعدم اشتماله على إطلاق هذا الاسم على الله سبحانه. ثم إن القديم في لغة العرب التي نزل بها القران، هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، قال ابن فارس: القدم خلاف الحدوث، ويقال شيء قديم، إذا كان زمانه سالفاً١. فلم يستعملوا هذا إلاّ في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٢. والعرجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول "قديم" وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ ٣. فالأقدم مبالغة في القديم.. وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ٤. أي يتقدمهم ويستعمل منه الفعل لازماً ومتعدياً، كما يقال: أخذت ما قدم وما حدث، ويقال هذا قدم هذا، وهو يقدمه، ومنه سميت القدم قدماً لأنها تقدم بقية بدن الإنسان٥.

стр. 145

وبعد أن أورد شارح الطحاوية هذه المناقشة في تقرير معنى القديم، عقب عليها بقوله: ولا ريب أنه إذا كان مستعملاً في نفس التقدم فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق، لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه الأوّل، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه، وتابع له، بخلاف القديم، والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة"١. وهكذا يتضح لنا أن المعنى الذي ذكره المتكلمون للفظ القديم وارتضاه البيهقى وهو أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، يتضح لنا أن هذا اللفظ ليس قاصراً على هذا المعنى، بل شامل له ولغيره من المعاني السابقة، ولذلك فإنه لا يكون من الأسماء الحسنى، لأن الأسماء الحسنى تشتمل على خصوص ما يمدح به سبحانه ولفظ القديم ليس كذلك. ومن أجل هذا لم يرد الإذن الشرعي بإطلاق هذا الاسم على الله سبحانه، وإنما الإذن ورد بإطلاق اسم الأول، وهو أصح من اسم القديم لغة وشرعاً. وقد أنكر ابن حزم بشدة هذا الإطلاق٢، أما ما وجدناه عند بعض العلماء المتمسكين بالمنهج السلفي من إطلاق هذا اللفظ على الله كما جاء عند ابن القيم في نونيته:
следующие страницы →