← Акыда

Акыда · id 7570

البيهقي وموقفه من الإلهيات

أحمد بن عطية الغامدي

Полный текст (387 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ويبدو أن هذا الجزء مكمل لنسخة جامعة الدول العربية وإن لم تكن النسخة واحدة. لأن نسخة جامعة الدول العربية ينتهي جزؤها الثاني منها بمسائل الحج، التي بدأ بها الجزء الموجود بدار الكتب المصرية. ١٦ - الدعوات الكبيرى: ألف البيهقي ﵀ هذا الكتاب استجابة لطلب أحد إخوانه أن يجمع له ما ورد من الأخبار المأثورة في الأدعية المرجوة، التي دعا بها رسول الله ﷺ ، أو علمها أحداً من صحابته، وقد ذكرها بأسانيدها، ورتبها على ترتيب كتاب المختصر لأبي بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة، وضمنه زيادات لم يذكرها ابن خزيمة١. وبدأ كتابه هذا بذكر ما للدعاء والذكر من الأجر والثواب. ويوجد لهذا الكتاب نسخة مخطوطة بالمكتبة الأصفية بحيدر آباد بالهند رقمها (١٤) أدعية. ويوجد منها صورة ميكروفيلم بمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية برقم ٣١٦٣. ١٧ - دلائل النبوة: وهو كتاب قيم، يعتبر من أجمع المؤلفات في بابه، وقد تكلم فيه البيهقي ﵀ عما يتعلق بالنبي محمّد صلى الله عليه وسلممن صفات ومعجزات، وفي إيضاح موضوعه يقول البيهقي: " ... أردت - والمشيئة لله تعالى – أن أجمع بعض ما بلغنا من معجزات نبينا محمّد ﷺ ، ودلائل نبوته، ليكون عوناً لهم على إثبات رسالته، فاستخرت الله تعالى في الابتداء بما أردته، واستعنت به في إتمام ما قصدته، مع ما نقل إلينا من شرف أصله، وطهارة مولده، وبيان أسمائه

стр. 72

وصفاته، وقدر حياته، ووقت وفاته، وغير ذلك مما يتعلق بمعرفته ﷺ ، على نحو ما شرطته في مصنفاتي، من الاكتفاء بالصحيح من السقيم، والاجتزاء من المعروف بالقريب، إلا فيما لا يتضح المراد من الصحيح أو المعروف دونه فأورده"١. ويعتبر هذا الكتاب من أوثق كتب السيرة قاطبة، لما لمؤلفه من علو مكانة في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها. وقد قام الشيخ عبد الرحمن محمّد عثمان بتحقيق وطبع الجزئين الأولين منه بدار النصر للطباعة بالقاهرة سنة ١٣٨٩?. كما قام الأستاذ السيد أحمد صقر بتحقيق الجزء الأوّل منه، وتولى نشره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة سنة ١٣٩٥?. ويوجد له نسخة خطية بمكتبة المتحف باستنبول تقع في أربعة مجلدات رقمها (٦٠٠٠-٦٠٠٣) كما يوجد له عدة نسخ بدار الكتب المصرية إلا أن جميعها ناقصة. ١٨ - رسالة إلى أبي محمّد الجويني: أوضح البيهقي للجويني في هذه الرسالة ما وقع فيه الأخير من أخطاء حديثية في كتابه الذي سماه (المحيط) عزم على أن لا يتقيد فيه بالمذهب وأن يقف على موارد الأحاديث مما حمل الجويني على العدول عن إتمام التأليف، شاكراً للبيهقي حسن صنيعه، وجميل نصحه. ويوجد لهذه الرسالة نسخة خطية مكونة من سبع ورقات بمكتبة أحمد الثالث باستنبول ضمن مجموعة رقمها ١١٢٧. وقد طبعت ناقصة ضمن طبقات الشافعية للسبكي، كما سبق أن ذكرت.

стр. 73

١٩ - الزهد الكبير: يتناول البيهقي ﵀ في هذا الكتاب ما ورد من الأخبار والآثار عن السلف والخلف في الترغيب في الزهد في الدنيا، حيث ذكر ﵀ أنه أورد في كتاب الجامع كثيراً من الأخبار، والآثار الواردة في هذا الموضوع، وأنه أورد في كتاب (دلائل النبوّة) وغيره، كيف كان يعيش النبي ﷺ ، ونظراً لكثرة أقاويل السلف والخلف في فضيلة الزهد وكيفيته، أفرد لذكرها هذا المؤلف١ الذي يقع في خمسة أجزاء صغيرة، يبلغ عدد أوراقها مائة وتسع عشرة ورقة، ويوجد منه نسخة خطية نادرة بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة تحت رقم (١٤٢) حديث، كتبت سنة ست وعشرين وستمائة، وعليها عدة سماعات. ٢٠ - السنن الصغرى: بيّن البيهقي في مقدمة قصيرة وضعها لهذا الكتاب أنه كما جعل كتاب الاعتقاد مختصراً في العقائد فقد جعل هذا المصنف مختصراً يرجع إليه في العبادات والمعاملات، والمناكحات، والحدود، والسير، والحكومات ويوجد لهذا الكتاب نسخة كاملة بمكتبة المتحف باستنبول تقع في اثنتين وتسعين وثلاثمائة ورقة، ورقمها:٢٦٦٤. ٢١ - معرفة السنن والآثار: وهو كتاب نفيس لا يستغني عنه فقيه شافعي - كما قال السبكي. بل لا يستغني عنه فقيه كائناً من كان. ويبيّن ﵀ موضوع الكتاب وسبب تأليفه له بقوله في مقدمة الطويلة: "ثم إني رأيت المتفقهة من أصحابنا يأخذهم الملال من

стр. 74

طول الكتاب، فخرجت ما احتج به الشافعي ﵀ من الأحاديث بأسانيده في الأصول والفروع، مع ما رواه مستأنساً به غير معتمد عليه، أو حكاه لغيره مجيباً عنه، على ترتيب (المختصر) ، ونقلت ما وجدت من كلامه على الأخبار بالجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل. وأضفت إلى بعض ما أجمله من ذلك من كلام غيره ما فسره، وإلى بعض ما رواه من رواية غيره ما قواه"١. ويوجد لهذا الكتاب نسخة بمكتبة المتحف باستنبول، تبدأ من رقم ٢٦٣٨-٢٦٤٣. وقد قام الأستاذ السيد أحمد صقر بتحقيق الجزء الأوّل منه، وتولى طبعه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر. ويطلق بعض العلماء على هذا الكتاب اسم (السنن الوسطى) ٢. ٢٢ - السنن الكبرى: ويعتبر هذا الكتاب أهم مؤلفات البيهقي وأشهرها، جمع فيه أحاديث الأحكام، من أقوال الرسول ﷺ ، وأفعاله وتقريراته وما يتعلق بالأحكام من موقوفات الصحابة، ومراسيل التابعين، فكان موسوعة كبرى، رتبه مؤلفه على المباحث الفقهية مبتدئاً بكتاب الطهارة، ومنتهياً بكتاب عتق أمهات الأولاد، ويقع هذا الكتاب العظيم في عشرة مجلدات، قام بتحقيقه جماعة من علماء الدولة العثمانية، وطبع بمطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند، وقد طبع بحاشيتها (الجوهر النقي في الرد على البيهقي) لابن التركماني.

стр. 75

ويوجد منه بدار الكتب المصرية نسخة مخطوطة تحمل رقم (٢٥٤- ٢٦٧) حديث. وأخرى بمكتبة المتحف باستنبول رقم (٢٦٤٤-٢٦٦٠) . ومما يدلّ على عظم مكانة هذا الكتاب بين كتب السنة، وانفراده بخصائص لم يحظ بها غيره، ما ورد من وصفه على ألسنة عدد كبير من جهابذة العلماء. فمنهم الشيخ تقي الدين السبكي الذي قال عنه: "أما السنن الكبير فما صنف في علم الحديث مثله، تهذيباً، وترتيباً، وجودة"١. ويقول الإمام الذهبي في وصف مصنفات البيهقي عامة وكتابه هذا خاصة: "تصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قلّ من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر البيهقي، فينبغي للعالم أن يعتني بها، سيما سننه الكبير"٢. وقال الإمام السخاوي عند ذكره: "فلا تعد عنه، لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام، بل لا تعلم - كما قال ابن الصلاح - في بابه مثله، ولذا كان حقه التقديم على سائر كتب السنن، ولكن قدمت تلك لتقدم مصنفيها في الوفاة، ومزيد جلالتهم"٣. وكان البيهقي ﵀ قد قضى ردحاً طويلاً من حياته في تصنيف هذا الكتاب، حيث بدأ تأليفه سنة خمس وأربعمائة، وفرغ منه سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة٤.

стр. 76

ونظراً لما لهذا الكتاب من أهمية بالغة فقد نال عناية العلماء دراسة وتهذيباً، إذ يذكر حاجي خليفة أن الشيخ إبراهيم بن علي المعروف بابن عبد الخالق الدمشقي المتوفى سنة ٧٤٤? اختصر هذا الكتاب في خمسة مجلدات، كما ذكر ممن اختصره الحافظ شمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨?، والشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني المتوفى سنة ٩٧٤?، وأن الجوهر النقي في الرد على البيهقي، الذي أشرت إليه سابقاً - قد قام بتلخيصه وترتيبه على حروف المعجم الشيخ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي المتوفى سنة ٨٧٩? وسمّاه ترجيع الجوهر النقي١. وهكذا تتضح لنا أهمية هذا الكتاب الجليل، الذي يعتبر – بحق – من أوسع الموسوعات العلمية قي أحاديث الأحكام. ٢٣ - القراءة خلف الإمام: وهو من مصنفات البيهقي ذات الموضوع الواحد، تناول فيه مسألة القراءة للمأموم خلف الإمام، مورداً النصوص التي تناولتها، ومتبعاً أقوال العلماء فيها. يوجد لهذا الكتاب نسخة مصورة بمعهد إحياء المخطوطات العربية تحت رقم (١٢٣) فقه شافعي، والأصل الذي صورت عنه يوجد بمكتبة أحمد الثالث، وتبلغ أوراقها إحدى وثمانين ورقة. كما تم طبع هذا الكتاب طبعة حجرية بالهند بعناية (تلطف حسين) .

стр. 77

٢٤ - القضاء والقدر: خصّصه البيهقي ﵀ لبحث ما يتعلق بهذا الموضوع، ويبين ما يشتمل عليه بقوله في أوّله: "كتاب إثبات القدر، والبيان من كتاب الله جل ثناؤه، وسنة رسوله محمّد صلى الله عليه وسلموعلى آله، وأقاويل الصحابة والتابعة، وأئمة المسلمين، ﵃ أجمعين أن أفعال الخلق كلّها مقدرة لله ، مكتوبة له، وإن الله لم يزل عالماً بما يكون، ولا يزال عالماً بما كان ويكون"١. وقد عثرت لهذا الكتاب القيم على نسخة خطية نادرة بمكتبة الشهيد علي باشا، ضمن المكتبة السليمانية باستنبول، تقع في ١١٠ ورقات، كتبت سنة ست وستين وخمسمائة وعليها عدة سماعات ورقمها في المكتبة المذكورة ١٤٨٨. ٢٥ - المبسوط: ألّفه البيهقي ليكون جامعاً لكلام الإمام الشافعي ونصوصه في المسائل الفقهية مضبوطة، بعد ما ضاق صدره بما وجده في الكتب الجامعة لكلام الإمام الشافعي، والموردة للحكايات عنه دون تثبت. ولهذا السبب قام بتأليف هذا الكتاب، كما قال في رسالته إلى أبي محمّد الجويني: " ... وكنت أدام الله عزّ الشيخ أنظر في كتب بعض أصحابنا وحكايات من حكى منهم عن الشافعي نصاً، وأبصر اختلافهم في بعضها فيضيق قلبي بالاختلاف، مع كراهية الحكاية من غير تثبت، فحملني ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني على ترتيب المختصر"٢.

стр. 78

ثم ذكر ﵀ من تلك الكتب التي وجد الاختلاف بينها في النقل عن الشافعي ثلاثة أورد أسماءها، ولم يذكر مؤلفيها وهي: التقريب وجمع الجوامع، وعيون المسائل١. وقد وصف السبكي هذا الكتاب بأنه لم يصنف في نوعه مثله٢. كما وصفه حاجي خليفة بأنه من أعظم كتبه قدراً، وأبسطها علما، يكون في عشرين مجلداً٣. ٢٦ - المدخل إلى كتاب السنن: وهو عبارة عن مقدمة وضعها البيهقي لكتاب السنن الكبرى في كتاب مستقل، وموضوع الكتاب يدور حول فضل العلم والعلماء، وما يجب أن يتحلى به العالم من خصال حميدة. ويوجد لهذا الكتاب نسخة خطية بمكتبة الجمعية الآسيوية بكلكتا تحت رقم ٣٦٨، ويوجد من نفس النسخة صورة ميكروفيلم بمركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرّمة، وأخرى بمكتبة الشيخ عبد الرحيم صديقي. إلا أن النسخة ناقصة من أولها، حيث تبتدئ

стр. 79

بأثناء الباب الذي يسبق باب (الحديث الذي لم يرو خلافه عن رسول الله ﷺ وتنتهي بباب (ما يخشى من رفع العلم وظهور الجهل) . وهذه النسخة التي اطلعت عليها نادرة، وقد كان الفراغ من كتابتها سنة ٦٣٥?، وعليها عدة سماعات بخط ابن الصلاح، والحافظ المزي وعدة سماعات أخرى. ٢٧ - مناقب الشافعي: تناول البيهقي في هذا المصنف حياة الإمام الشافعي بجميع جوانبها استجابة لطلب بعض العلماء وفي ذلك يقول: "وقد سألني بعض أصحابنا من أهل العلم والبصيرة أن أجمع كتاباً مشتملاً على ذكر مولد الشافعي ونسبه، وتعلمه، وتعليمه، وتصرفه في العلم، وتصانيفه، واعتراف علماء دهره بفضله، وما يستدل به على كمال عقله، وزهده في الدنيا، وورعه، واشتهاره بخصال الخير، ومكارم الأخلاق - في وقته وبعد وفاته - فأجبته إلى مسألته"١. ويقع هذا المؤلف في جزئين، قام بتحقيقهما الأستاذ السيد أحمد صقر، وطبع لأوّل مرة بدار النصر للطباعة بالقاهرة سنة ١٣٩١?. وقد فاق البيهقي الكثيرين ممن كتبوا عن حياة الإمام الشافعي إذ أصبح كتابه هذا نموذجاً للتأليف في المناقب. وقد نقل ياقوت الحموي في معجم الأدباء عند ترجمته للإمام الشافعي قدراً كبيراً من هذا الكتاب٢.

стр. 80

وثمة مؤلفات أخرى سوى ما ذكرت فيما تقدم، عدها العلماء الذين ترجموا للبيهقي ضمن مؤلفاته، وقد أشار البيهقي إلى بعضها، وهذه المؤلفات هي: ١ - كتاب الأسرى. ٢ - كتاب الإيمان. ٣ - الترغيب والترهيب. ٤ - الدعوات الصغير. ٥ - كتاب الرؤية. ٦ - الزهد الصغير. ٧ - فضائل الأوقات. ٨ - فضائل الصحابة. ٩ - مناقب الإمام أحمد. ويوجد في فهرس المخطوطات المصورة بدار الكتب القطرية اسم لكتاب منسوب للبيهقي، وهذا الكتاب هو: العيون في الرد على أهل البدع١ وأشير عند ذكره إلى أنه مصور عن نسخة مخطوطة بمكتبة أمبروزيانا في ميلانو بإيطاليا تحت رقم ٦٦. وأخيراً أحب أن أشير إلى أن أحداً ممن ترجم للبيهقي، وعد مؤلفاته لم يدع استقصاءها، بل الكل يشير إلى أنه إنما ذكر بعضاً منها، وذلك

стр. 81

يدل على أن له مؤلفات غير هذه لم نهتد إلى أسمائها، وقد سبق أن نقلت عني السيوطي وابن عساكر أن مؤلفاته تصل إلى ألف جزء، مما يشير إلى أن بعضاً من كتب البيهقي لا زال في عالم المجهول. وكثرة مؤلفاته ﵀ تدل على عنايته بالتأليف واتجاهه إليه مما جعله ينتج هذا المقدار الضخم من المؤلفات في شتى ميادين المعرفة فجزاه الله عن الإسلام وأهله أوفر الجزاء.

стр. 82

الفصل السادس: منهج البيهقي في الاستدلال لقد تعددت السبل، واختلفت المناهج في الاستدلال على مسائل العقيدة، سيما ما يتعلق منها بذات الله ﵎، من إثبات لوجوده ووحدانيته، وأسمائه، وصفاته. فقد ذهب أناس إلى تقديم الجانب العقلي على الجانب السمعي واعتبار العقل هو الأساس الذي يجب أن يكون تصوّره منطلقاً لإثبات مسائل العقيدة، وذلك هو ما اشتهر عن المعتزلة ومتكلمي الأشاعرة، لذلك اتبع هؤلاء منهجاً فلسفياً، وصفه الدكتور محمود قاسم بأنه أقل وضوحاً وقوة، وأنه منهج واه، لأنه منهج جدل، لا منهج إقناع، وأنه لا يصلح لا للعلماء، ولا للعامة بل هو أعجز عن أن يقنع المتكلمين أنفسهم١. إلاّ أن البيهقي ﵀ وإن كان أشعري العقيدة - كما سيتضح لنا ذلك فيما بعد إن شاء الله - فإنه سلك منهجاً متميزاً يتسم بحب واضح، وتفضيل أكيد لسلوك الأدلة النقلية الواردة لإثبات مسائل العقيدة، مع الأخذ بالأدلة العقلية إلى جانب النقلية، وذلك فيما للعقل فيه مجال، كإثبات الوجود، والوحدانية والصفات العقلية.

стр. 83

فإثبات وجود الله مثلاً - وهو من أكبر قضايا العقيدة - كان المنهج فيه بين المتكلمين والفلاسفة محل اتفاق، إذ اتفقوا جميعاً على أن الإيمان بوجود الله تعالى، لا يكون إلاّ باستخدام العقل، والاعتماد عليه١. وهو أمر سيتضح لنا في موضعه من هذا البحث إن شاء الله. والبيهقي ﵀ وإن اعترف للعقل بفضله ومكانته في إثبات هذه القضية، إلاّ أن الطرق العقلية التي سلكها في هذا المجال شرعية أيضاً، لأن الشرع أرشد إليها، ونبه الخلق عليها، مثل طريقي النظر في الملكوت وفي الأنفس، كما سلك طريق المعجزة، وكلّها طرق شرعية صحيحة إلاّ أنه أضاف إليها طريق الحدوث، وهو طريق سليم لا غبار عليه، لولا ما صاحبه من استدلال بحدوث الأعراض على حدوث الجواهر، وهو استدلال قرره المتكلمون، ووافقهم عليه البيهقي، إلاّ أنه لم يجعله أصلاً كما جعلوه بل وافق على إمكان سلوكه للاستدلال على وجود الله تعالى، مع أنه يرى أن طريقي النظر أولى بدليل فرط عنايته بهما، كما سيتبين لنا ذلك فيما بعد إن شاء الله. وإذا كان هذا هو منهج الييهقي في إثبات قضية الوجود فإن منهجه في إثبات الأسماء والصفات رسم له حدوداً واضحة المعالم، إذ قال في إثبات أسماء الله تعالى: "إثبات أسماء الله تعالى ذكره بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة"٢.

стр. 84

وقال في إثبات الصفات: "لا يجوز وصفه إلاّ بما دل عليه كتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله ﷺ ، أو أجمع عليه سلف هذه الأمة"١. وهذا منهج واضح حدده البيهقي لإثبات الأسماء والصفات وسار عليه في الاستدلال، فإننا نجده يستدل لكل مسألة من مسائل العقيدة بإيراد نصوصها التي جاءت بإثباتها، وذكر الآثار المروية عن السلف في ذلك. وهذا منهج سلفي قويم طالما أكد السلف الالتزام به، وحذروا من تنكبه، فمن يطالع كتب السلف، ويقارن بها كتب البيهقي يجد منهج الاستدلال واحداً، وأسلوب العرض هو نفس الأسلوب الذي سلكه البيهقي. وقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ منهج السلف بقوله: "فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسله، نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه وقد علم أن طريقة السلف وأئمتهم إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه"٢. وإذا كان البيهقي قد اتفق مع السلف في منهج الاستدلال فهل اتفق معهم في تطبيق ذلك المنهج على جميع الصفات؟ الواقع أن الباب الثاني من هذا البحث سيفصل الجواب عن هذا السؤال، إلاّ أنني هنا أجمل الجواب ببيان موجز لمنهج التطبيق بعد أن عرفنا منهج الاستدلال.

стр. 85

فالتطبيق الطبيعي لمنهج البيهقي السالف كان ينبغي أن تكون نتيجته الإثبات لجميع الصفات لتوفر جميع العناصر التي اشترطها في أدلتها. فكل صفة من صفات الله تعالى ورد إثباتها بالكتاب أو بالسنة أو بهما معاً، مع توفر الإجماع من جانب السلف على وصفه سبحانه بها لوضوح أدلتها، وصراحتها في ذلك. إلاّ أن ما حصل من البيهقي كان بخلاف ذلك، لأنه اتفق مع السلف في إثبات بعض الصفات، وخالفهم في بعضها الآخر، حيث أوله، أو فوض فيه. فهذه ثلاثة مناهج سلكها البيهقي في أمر كان ينبغي أن يكون الكلام فيه على نمط واحد لأن ما يقال في بعض الصفات ينبغي أن يقال في بعضها الآخر، وهو إلزام لجميع نفاة الصفات لإثباتهم لذات الله تعالى والكلام عن الصفات لا بد وأن يكون فرعاً عن الكلام في الذات، فإذا ثبتت الذات كان لا بد من ثبوت صفاتها يقيناً، وأي شبهة يوردها أولئك النفاة فإنها تلزم ما أثبتوه من صفات، إذ لا فرق حينئذٍ بين القول في صفة والقول في أخرى. وللبيهقي أسلوب خاص في التفريق بين ما يرى إثباته حقيقة وبين ما أوله أو فوض فيه، وذلك عن طريق الترجمة لبحث الصفة، لأنه حين يرمي إلى إثباتها إثباتاًحقيقياً يترجم لأدلتها بقوله: (باب ما جاء في إثبات كذا) كما هو الحال عند كلامه على الصفات العقلية كالحياة، والعلم، والقدرة وغيرها. حيث ترجم لصفة الحياة بقوله: (باب ما جاء في إثبات صفة الحياة) ١ وسلك في الترجمة نفس الأسلوب لبقية هذا النوع من الصفات.

стр. 86

وكذا كان فعله فيما أثبته من الصفات الخبرية، كاليدين والوجه والعينين. أما ما لا يرى إثباته منها، بل سلك فيه أحد المنهجين الآخرين التفويض أو التأويل، فإنه اتخذ له طريقة أخرى في الترجمة كأن يقول (باب ما جاء في كذا، أو في ذكر كذا) . كما فعل في ترجمته لليمين والكف، والأصابع١. وقال في ترجمته لصفة الاستواء التي فوض فيها (باب ما جاء في قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢. وهو يرمي من وراء هذا الأسلوب أن يكون رأيه واضحاً من أول وهلة فما صرح فيه بالإثبات في الترجمة فإن ذلك يعني أنه يثبته إثباتاً حقيقياً على طريق السلف في ذلك. أما إذا سلك أحد الطريقين الآخرين فإن ذلك يعني أنه إما مفوض في تلك الصفة، أو مؤول فيها. فالصفات العقلية بنوعيها سنرى كيف أنه مثبت لها على طريقة السلف فوافق بذلك الإثبات ما أورده من أدلة لها. أما بقية الصفات فإن البيهقي لم يتفق مع السلف في منهج التطبيق لما وردت به أدلتها، عدا ثلاث صفات هي: الوجه واليدين والعين من صفات الذات الخبرية مع أن ما أورده من أدلة لبقية الصفات صريحة في ذلك الإثبات، ومع ذلك أولها، لسبب سنعرفه في موضعه بإذن الله.

стр. 87

أما صفات الفعل الخبرية فلم يسعد منها شيء بالإثبات عند البيهقي إذ إنه سلك فيها مسلكين بعيدين كل البعد عن الإثبات هما: التأويل والتفويض. ففوض في الاستواء، والنزول وما في معناه كالإتيان والمجيء، وأول في ما تبقى منها. وسنرى جميع ما أوجزته هنا واضحاً ومفصلاً في الجزء الثاني من هذا البحث بإذن الله. إلاّ أنني أحب أن أنبه هنا إلى أن ما تقدم من عرض موجز لمنهج الاستدلال ومنهج التطبيق عند البيهقي يوضح لنا كيف أنه اتفق مع السلف في منهج الاستدلال وطريقة العرض لمسائل العقيدة، إلاّ أنه خالفهم عند التطبيق الذي هو الأهم، فلم يثبت جميع ما أثبتته الأدلة التي ساقها بل كان متردداً في منهج التطبيق، فهو سلفي في بعضه، وأشعري في بعضه الآخر. وهو أسلوب يجعلنا نحكم على البيهقي بالتناقض المنهجي في مجال التطبيق، لتردده بين الأشعرية والسلفية في ذلك، بينما كان السلف أصحاب منهج واحد استدلالاً وتطبيقاً، فأثبتوا ما كان مثبتاً بالدليل من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، وكانوا بذلك أبعد الناس عن منهجي التأويل والتفويض. وقد لاحظت من منهج البيهقي في إيراده لمسائل العقيدة والاستدلال عليها أنه لا يهتم برأي الخصوم في كل مسألة يوردها إذ أحيانا يتعرض لها ويناقشها، كما فعل عند بحثه لمسألة القول بخلق القرآن حين ذكر أن ذلك مذهب الجهمية، ثم تناول الرد عليهم بإسهاب

стр. 88

وتفصيل، وكما فعل حين رد على مؤولي ما أثبته من الصفات الخبرية، الوجه، واليدين، والعين بطريقة تشعر أساساً بأنه قصد أولاً بيان سلامة مذهبه ومن ثم رد ما ذهب إليه مخالفوه، وأحياناً أخرى لا يزيد على إيراد مذهبه وحده. والحاصل أن ما احتوته مباحث الإلهيات عند البيهقي قصد منه أساساً تقرير ما يراه واجب الاعتقاد، حتى فيما تعرض له من آراء الخصوم. وهذه أمور سيتضح لنا بيانها أكثر في الباب الثاني من هذا البحث الذي أنقل القارئ إليه في الصفحات التالية.

стр. 89

الباب الثاني: موقف البيهقي من الإلهيات الفصل الأوّل: منهج البيهقي في إثبات وجود الله ١ - تمهيد. ٢ - منهج البيهقي. ٣ - طريق النظر إلى المخلوقات. ٤ - طريق المعجزة. ٥ - طريق الحدوث. تمهيد: يعتبر الإيمان بوجود الله تعالى أصل الأصول في الدين، وهذا الإيمان أمر فطري في البشر جميعاً، إذ كل إنسان يقر بوجود الله تعالى - منذ عهد آدم ﵇، والعقل البشري يدرك هذه الحقيقة الجلية، بما أودع الله فيه من ضرورة يحس بها، دون أن يكون بحاجة إلى منهج مرسوم يسلكه للتعرف على خالقه، بارئه ومكونه، موجده من العدم، وميسر رزقه وتقلبه في هذه الحياة، إذ كانت الإشارات التي تشير إلى الله أكثر من أن تحصى، إنها تنبعث من كل موجود، من النبتة الصغيرة الملتصقة بالأرض، إلى النخلة الباسقة الذاهبة في السماء ومن النمل يدب على الأرض إلى النسور المحلقة في الفضاء. بل من كل كائن في الأرض، إلى كل كوكب ونجم في السماء، كل هذه المخلوقات تشير إلى هذه الحقيقة، إشارة ضرورة لازمة، وحتمية مطلقة، فهي من الأمور القطعية، التي تضافرت الأدلة الحسية على إثباتها، يشهد لذلك قول ذلك الأعرابي: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ "١

стр. 90

فهذا الأعرابي قد أدرك بفطرته السليمة التي فطره الله عليها أن هذه المخلوقات بما فيها من عجائب، ونظام محكم، من تعاقب الليل والنهار، ومن سماء مزينة بالنجوم والكواكب مسيرة بدقة متناهية لا يمكن أن توجد إلاّ بسبب أوجدها، وصيرها إلى ما هي فيه من إحكام وإتقان. والتاريخ المصري القديم يحكي لنا قصة ذلك الرجل المغامر (سنوحى) الذي فر من مصر، وأخذ يتنقل في بلاد الشرق الأدنى وحظي فيها بضروب النعيم والشرف، ولكنه لم يطق فراق وطنه، فقد برح به، الحنين إلى بلاده، فاتخذ سبيله للعودة إليها، وفي الطريق لقي أهوالاً مروعة، فكان يناجي من يأخذ بيده، أنه لا يعرف من يناجيه ولكنه يثق في ضميره بأن هناك قوة مطلقة لا حدود لها، ولكن أين هي؟، وما كنهها؟ إنه لا يدري، ومع هذا فهو يهتف بها في أعماقه قائلاً: "ألا أيها الإله، أيا كنت، يا من قدرت على الفرار، أعدني إلى وطني"١. إنها صرخة الاستغاثة والنجدة، تنطلق من ضمير الإنسان إلى تلك القوة المطلقة، التي يؤمن بوجودها دون أن يراها. والقرآن الكريم يحكي لنا وجود هذه الفطرة في قلوب المشركين فهم يلوذون بها في حال الشدة كما قال تعالى عنهم: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢.

стр. 91

وهكذا، فإن هذه القضية وإن كانت جافة على الصعيد الفلسفي فهي بدهية على الصعيد الحسي، لا تحتاج إلى برهان، لأنها من ضرورات الفطرة، لذا فإن القرآن الكريم يطرحها كقضية مسلمة لا تحتاج إلى استدلال، ولا تحتمل الجدال والمماراة، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢. وهاك مثلاً آخر على ارتكاز هذه القضية في الفطرة، وضرورة الإحساس بها، فنحن نعلم جميعاً المطلب الأسمى الذي أفنى الفلاسفة حياتهم في سبيل الوصول إليه وتبين حقيقته فكل منهم سلك الطريق التي رآها مناسبة لإيصاله إلى بغيته، فوضع الأدلة، ووصل بها إلى ما أراد، فضلاً عن كونهم وصلوا إلى الإله الحق، أم أنهم وصلوا إلى مجرد وجود إله، أياً كان في تصورهم، إذ المهم أنهم وصلوا إلى حقيقة أحسوا بالضرورة إليها وعدم الاستغناء عنها فأدركوا أن لهذا الكون موجداً ثم إن هذه الغريزة الفطرية لم تكن قاصرة على البشر وحدهم بل كل مخلوق على هذه الأرض يحس بها ويهرع إليها، ولعل من أبرز الأدلة على ذلك قصة الهدهد مع سليمان ﵇، التي ذكرها القرآن الكريم في قوله سبحانه حكاية عن الهدهد: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ - إلى قوله – ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٣.

стр. 92

فهذا كلام الهدهد كما اتفق على ذلك المفسرون، وهو طير من الطيور، فهو - كما يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ – "غديم العقل، يصيح كغيره من الطيور، قد خاطب سليمان بأعظم التوحيد، وأعلمه بغير ذلك"١. بعد هذا كله يتبين لنا أن وجود الله تعالى أمر فطري لا يحتاج إلى دليل، والدليل إنما يكون عند تغير الفطرة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإقرار بالخالق وكماله يكون فطرياً في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك قد تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها"٢. والشيطان دائم الحرص على تغيير هذه الفطرة، وإفسادها باجتبال من يقدر عليه من بني الإنسان، فنحن نلاحظ أن المجتمع الإنساني لا يخلو من وجود فئة ملحدة، تنكر وجود الله تعالى، لذلك وجد الاستدلال على هذه القضية الفطرية، لتقوم الحجة على تلك الطائفة الشاذة عن الطبيعة الإنسانية، والمتمردة على الفطرة الثابتة في نفوس البشر جميعاً، حتى فيهم أنفسهم، إذ إن ما يظهر من بعض الملحدين من الكفر بالله، والاستهزاء

стр. 93

برسله الداعين إليه، وإلى إفراده بالعبادة فإن ذلك لا يعني أنه مبني على يقين كامل بعدم وجود إله واحد، خالق لهذا الكون، ومصرف لأموره، وإنما هو مكابرة، وتحويل للفطرة التي فطر الله الناس عليها، من أجل الحصول على غرض شخصي، من ادعاء للألوهية، كما فعل فرعودن، أو من أجل التجرد عن القيم الإنسانية التي دعا إليها الرسل والتفرغ للمادة وجعلها هي الإله كما فعل الملحدون في العصر الحديث. والملحدون لا يقدرون على تقديم أدلة على إلحادهم، وكل ما يفعلونه شبه واهية، يوجهونها إلى الدين، وهي شبه واضحة البطلان. وقصارى القول: إن الأدلة التي يرشد إليها القرآن الكريم إنما تكون للمؤمن ليزداد معرفة بالله، وعظمته، وكمال قدرته، وفي حق من فسدت فطرته واعظة ومرشدة للعودة إلى الفطرة التي ند عنها، وتنكر لها. وقبل أن أبدأ في بيان الأدلة التي سلكها البيهقي لإثبات وجود الله، إليك إيجازاً لمسلك كل من الفلاسفة والمتكلمين في الاستدلال على هذه القضية، حتى يتبين لنا اتجاه شيخنا البيهقي: ١ - المتكلمون: سلك المفكرون في إثبات وجود الله تعالى طرقاً متعددة، فالمتكلمون كان عمدتهم في ذلك حدوث العالم، وقد بين ذلك صاحب المواقف بقوله: "قد علمت أن العالم إما جوهر أو عرض، وقد يستدل على إثبات الصانع بكل واحد منهما إما بإمكانه أو بحدوثه، فهذه وجوه أربعة"١.

стр. 94

ولسنا بحاجة إلى بيان هذه الطرق جميعها، فإن فيها كلاماً كثيراً لا موضع له هنا، وحسبنا أن نشير إلى أن المتكلمين جميعاً بنوا رأيهم في إثبات وجود الله تعالى على حدوث العالم، ذهاباً منهم إلى أن الحدوث هو العلة المحوجة إلى المؤثر، وأنه إذا ثبت أن العالم حادث، كان لا بد له من محدث يخرجه من حيز العدم إلى حيز الوجود وسيأتي لهذا الدليل مزيد بيان - إن شاء الله - حيث إنه من الأدلة التي سلكها البيهقي، لاقتناعه بصحتها. ٢ - الفلاسفة: وقد سلكوا في إثبات وجود الله تعالى طريق الوجوب والإمكان وقسموا الموجودات إلى واجب، وممكن، بدلاً من قديم وحادث، وذلك نظراً لأنهم لا يقولون بحدوث العالم، فاستدلوا بالإمكان بدل الحدوث، وقد لخص صاحب المواقف هذا الاستدلال فقال: "المسلك الثاني: للحكماء وهو أن - في الواقع - موجوداً، فإن كان واجباً فذاك، وإن كان ممكناً احتاج إلى مؤثر، ولا بد من الانتهاء إلى الواجب وإلا لزم الدور أو التسلسل"١. وهذا محال. وليس هذا محل تفصيل لهذا الدليل فأكتفي بما أوردته من تلخيص الإيجي له، ومن أراد المزيد فعليه بإشارات ابن سينا الذي استوفى تفصيله هناك٢.

стр. 95

منهج البيهقي: أمّا عن الشيخ البيهقي، فإنه قد تبين لنا من خلال تتبعنا لما ذكره من استدلال على هذه القضية أنه يركز على الأدلة الشرعية الواردة في هذا الموضوع، ويذكر طريقة المتكلمين أيضاً على أنها طريقة صحيحة، ورد بها القرآن الكريم، جرياً على ما ذكروه من تأييد لها، إلا أنه - كما سيتبين إن شاء الله - اهتم اهتماماً بالغاً بطريقة النظر التي أوردها القرآن الكريم، وبطريق المعجزة التي هي الأخرى من الطرق الشرعية التي يمكن الاستدلال بها. أما عن طريق الفلاسفة فإن البيهقي لم يتعرض لها بتأييد ولا نقد. وإذاً فالطرق التي سلكها تنحصر في ثلاث: - طريق النظر في المخلوقات. - طريق المعجزة. - طريق الحدوث. ولنبدأ أوّلاً بأهم الطرق التي سلكها البيهقي ﵀ وهي: طريق النظر في المخلوقات: فهذا الكون الفسيح، بما فيه من عجائب مخلوقات الله تعالى بل نفس الإنسان، وهي أقرب ما يمكن التفكر فيه، والتدبر في ذلك التناسق العجيب بين كافة الأعضاء، التي خلقها الله، وركبها في الجسم البشري، ووكل إلى كل منها وظيفة مهمة يؤديها على أكمل وجه وأدق نظام.

стр. 96

كلّ هذه الأمور وغيرها مما يشتمل عليه هذا الكون الفسيح من عجائب مخلوقات الله، كل ذلك يدل بوضوح على أن لهذا الكون خالقاً أوجده، وقدر جميع ما يجري فيه. فالإنسان أينما جال بنظره، وتمعن بفكره، رأى دليلاً على وجود الله. وهذا النظر عند البيهقي - إما أن يتجه إلى الكون بما فيه من مخلوقات، وإما أن يتجه إلى الإنسان نفسه. ١ - فأما النظر في الملكوت: فإن من نظر إلى السماوات، بما فيها من أجرام، وإلى الأرض بما فيها من كائنات مختلفة الأنواع والألوان، استطاع أن يصل من نظره ذاك إلى إثبات وجود الله خلق تلك الكائنات، وسيرها بنظام، وحكمة تدل على عظم خالقها، وقدرته البالغة. يقول البيهقي بعد سوقه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. يقول: "فذكر الله خلق السماوات، بما فيها الشمس، والقمر، والنجوم المسخرات، وذكر خلق الأرض بما فيها من البحار، والأنهار والجبال، والمعادن، وذكر اختلاف الليل والنهار، وأخذ أحدهما من الآخر

стр. 97

وذكر الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وذكر ما أنزل من السماء من المطر الذي فيه حياة البلاد، وبه وبما وضع الله في الليل والنهار من الحر والبرد يتم رزق العباد، والبهائم والدواب، وذكر ما بث في الأرض من كل دابة مختلفة الصور والأجساد، مختلفة الألسنة والألوان، وذكر تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، وما فيهما من منافع الحيوانات وما في جميع ذلك من الآيات البينات لقوم يعقلون"١. فهذه أمور واضحة محسوسة، إذا تمعن فيها الإنسان وحكم عقله خلص من ذلك إلى أن هذه كائنات لم يكن وجودها ذاتياً، ولم يكن لها أن تسير أنفسها بتلك الدقة المتناهية، وذلك التناسق العجيب بل وجودها وفق هذا النظام المحكم دليل واضح على أن لها موجداً خلقها، وقدر فيها وظائفها الموكول إليها تأديتها، وسيرها نحو أداء الغرض الذي خلقت من أجله بغاية الدقة والإحكام. ثم أردف البيهقي ﵀ بسوق آية أخرى تتضمن الأمر الإلهي بالنظر السابق حيث قال: "ثم أمر في آية أخرى بالنظر فيهما فقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢. يعني - والله أعلم - من الآيات الواضحات والدلالات النيرات، وهذا لأنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك، واعتبرتها بفكرك، وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض

стр. 98

مبسوطة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وضروب النبات مهيأة للمطاعم والملابس والمآرب، وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب، مستعملة في المرافق، والإنسان كالمملك البيت المخول ما فيه، وفي هذا دلالة واضحة، على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام، وأن له صانعاً حكيماً، تام القدرة، بالغ الحكمة ١. فهذا التكامل التام الذي نجده مودعاً في هذا الكون، أرضه وسماءه، يدلّ على وجود الخالق الذي أوجده وقدر ذلك الإحكام الكامل والتناسق التام، إذ لا قيمة لأرض بدون سماء هي مصدر نورها، ومنبع حياتها إذ منها ينزل المطر الذي جعله الله مصدر الحياة، ثم هذه الحياة لا قيمة لها بدون هذه الأرض التي أودع الله فيها صنوف الخيرات من أجل إسعاد هذا الإنسان الذي استخلفه الله، واستعمره فيها. فالبيهقي - رحمه الله تعالى - يرى ضرورة الاستدلال لإثبات الصانع، بالأدلة الشرعية التي ورد بها القرآن الكريم، وهي نفس الآيات التي يستلزم العلم بها العلم بالله تعالى، استلزام العلم بالشعاع العلم بوجود مصدره. وهي - ولا ريب - طريقة سليمة، خالية من التعقيد، وجلية عن الغموض الذي اكتنف طرق المتكلمين، ولا غرو فهي طريقة القرآن الكريم التي أراد الله من خلالها أن تكون في متناول جميع الطبقات، وفي مستوى جميع العقول. وهذه الطرق قد اشتملت على نوعين، ذكرها ابن رشد، وبين أنهما الطرق الشرعية السليمة التي سلكها القران الكريم، وأرشد إليها٢.

стр. 99

وهما ما يسمى بدليل العناية، ودليل الاختراع. وكلا الآيتين السابقتين متضمنة لهذين النوعين من الأدلة. ٢ - وأما النظر في الأنفس: فإن فيها من آثار الصنعة الإلهية ما يشير إلى إثبات الصانع، لأن الإنسان إذا نظر في نفسه وجدها تشتمل على ما لا يستطيع هو إيجاده فللإنسان يدان يبطش بهما، ورجلان يمشي عليهما، وعينان يبصر بهما ويلاحظ من نفسه أموراً عجيبة، لا يمكن أن تكون وليدة صدفة، فلا بد لها من مكون، حكيم في صنعه وتقديره، فالإنسان بعد خروجه من بطن أمه يمر بأطوار شتى، فمن الطفولة يرتقي إلى طور أشد فأشد، ثم يرد في نهاية ذلك إلى أرذل العمر، وقبل ذلك في بطن أمه، يمر بأطوار أيضاً لا قدرة لمخلوق على القيام بإمرار نفسه فيها، فمن نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، ثم إلى عظام، ثم يكسو العظام لحماً، ثم يكون خلقاً آخر.. فتبارك الله أحسن الخالقين. ولبيان هذه الطريق يقول البيهقي: "وحثهم على النظر في أنفسهم والتفكر فيها، فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١. يعني لما فيها من الإشارة إلى آثار الصنعة الموجودة في الإنسان، من يدين يبطش بهما، ورجلين يمشي عليهما وعين يبصر بها، وأذن يسمع بها، ولسان يتكلم به، وأضراس تحدث له عند غناه عن الرضاع، وحاجته إلى الغذاء، يطحن بها الطعام، ومعدة أعدت لطبخ

стр. 100

الغذاء، وكبد يسلك إليها صفوه، وعروق ومعابر تنفذ فيها إلى الأطراف، وأمعاء يرسب إليها ثقل الطعام، ويبرز عن أسفل البدن فيستدل بها على أن لها صانعاً حكيماً، عالماً قديراً"١. وهناك ظاهرة أخرى يلاحظها البيهقي في جسد الإنسان وهي وجود المتضادات والمتنافرات مجتمعة فيه من حرارة، وبرودة ورطوبة ويبوسة ورأى ذلك دليلاً حياً على أن هناك من قدر اجتماعها في بدن الإنسان، مع أنها من المتضادات التي لا يمكن لمخلوق أن يجمع بينها، وفي بيان ذلك يقول البيهقي: "ثم إنا رأينا أشياء متضادة من شأنها التنافر والتباين والتفاسد، مجموعة في بدن الإنسان، وأبدان سائر الحيوان، وهي الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، فقلنا إن جامعاً جمعها وقهرها على الاجتماع، وأقامها بلطفه، ولولا ذلك لتنافرت، ولتفاسدت، ولو جاز أن تجتمع المتضادات المتنافرات، وتتقاوم من غير جامع يجمعها، لجاز أن يجتمع الماء والنار، ويتقاوما من ذاتهما من غير جامع يجمعهما، ومقيم يقيمهما، وهذا محال لا يتوهم، فثبت أن اجتماعها إنما كان بجامع قهرها على الاجتماع والالتئام، وهو الله الواحد القهار"٢. وهذا النوع من الاستدلال أشار إليه القرآن الكريم بقوله سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ٣.

стр. 101

ثم يلتفت البيهقي بعد ذلك إلى خلق الإنسان، ومروره بأطوار مختلفة، يستحيل عليه أن يمر بها بتقدير من نفسه وتدبير من ذاته حيث قال: "وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز، تحول أنفسنا من حالة إلى حالة، وتغيرها، ليستدل بذلك على خالقها، ومحولها، فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ ١. وقال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ٢. فالإنسان إذا فكر في نفسه، رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحماً وعظماً، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل، التي هي حال كمال عقله، وبلوغ أشده، عضواً من الأعضاء ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة، فيدله ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز، وقد يرى نفسه شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة، إلى الشيخوخة والهرم ولا اختاره لنفسه، ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب، ويراجع قوة الشباب، فيعلم بذلك أن ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه وأن له صانعاً صنعه، وناقلاً نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل، ولا مدبر"٣.

стр. 102

فهذا استدلال بخلق الإنسان على هذه الصورة على وجود خالقه ومدبره، وهو الله سبحانه، وهو دليل واضح لا غموض فيه، وسهل خال عن التعقيد، وعن هذا الدليل القيم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها، وبينها وأرشد إليها، وهي عقلية، فإن نفس كون الإنسان حادثاً، بعد أن لم يكن، ومولوداً ومخلوقاً من نطفة، ثم من علقة، هذا لم يعلم بمجرد خبر الرسول، بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم، سواء أخبر به الرسول، أو لم يخبر، لكن الرسول أمر أن يستدل به، ودل به، وبينه، واحتج به، فهو دليل شرعي، لأن الشارع استدل به، وأمر أن يستدل به، وهو عقلي لأنه بالعقل تعلم صحته"١. وإذاً، فهاتان الطريقتان اللتان سلكهما البيهقي للاستدلال على وجود الله، - أعني النظر في الملكوت والأنفس، - هما عقليتان، وشرعيتان في نفس الوقت، والاستدلال بمثل هذا النوع من الأدلة هو منهج السلف إذ من منهجهم قبول كل دليل اتفقت العقول على صحته، وكان شرعياً بمعنى أن الشارع قد أتى به، وأمر الناس أن يستدلوا به. وبذلك تتضح موافقة البيهقي للسلف في هذا الاستدلال.

стр. 103

طريق المعجزة: وهي الطريق الثانية من الطرق التي سلكها البيهقي لإثبات وجود الله تعالى، فبعد أن ذكر طريق النظر السالفة، وساق أدلته عليها، عمد إلى هذه الطريق، وعزاها إلى بعض مشايخه، فساقها مؤيداً وموضحاً. فالمجتمع الذي يبعث فيه نبي من الأنبياء، يجري الله تعالى على يديه معجزات تؤيد صدقه فيما ادعاه من النبوة، وإذا ثبتت النبوة أو الرسالة بتلك المعجزة، ثبت أن هناك مرسلاً لذلك الرسول أيده بها، لتكون دليلاً على صدقه، فيصدقونه في جميع ما أخبر به. وأهم ذلك كله وجود خالق واحد، خلقهم من العدم، واستخلفهم في هذه الأرض، من أجل عبادته فيها وحده لا شريك له، وهو الله ، هذا إذا كانت تلك المعجزة عن شهود من ذلك المدعو وحضور لوقائعها، أما من غاب

стр. 104

عنها، فإن دلائلها تثبت عنده بطريق الاستفاضة لتلك المعجزة ورسالة صاحبها. فإذا ثبتت النبوة فإنها تكون أصلاً في وجوب قبول جميع ما دعا إليه النبي. وفي بيان هذه الطريق يقول الشيخ البيهقي ﵀: "وقد سلك بعض مشايخنا١ - رحمنا الله وإياهم - في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة، ومعجزات الرسالة، لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها، ومن طريق الاستفاضة لمن غاب عنها، فلما ثبتت النبوة صارت أصلاً في وجوب قبول ما دعا إليه النبي ﷺ ، وعلى هذا الوجه كان إيمان أكثر المستجيبين للرسل صلوات الله عليهم أجمعين"٢. ثم ذكر قصة جعفر بن أبي طالب وأصحابه ﵃ مع النجاشي، ليدلل بها على صحة هذه الطريق، حيث ساقها بسنده عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: "إن النبي ﷺ ، لما فتن أصحابه بمكة أشار عليهم أن يلحقوا بأرض الحبشة، فذكر٣ الحديث بطوله إلى أن قال: فكلمه جعفر ﵁ يعني النجاشي - فقال: كنا على دينهم - يعني على دين أهل مكة - حتى بعث الله فينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وعفافه، فدعا إلى أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً، ونخلع ما يعبد قومنا وغيرهم من دونه، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر، وأمرنا بالصلاة والصيام، والصدقة وصلة الرحم، وكل ما يعرف من الأخلاق الحسنة، فتلا علينا تنزيلاً جاءه من الله لا يشهد شيء غيره، فصدقناه، وآمنا به، وعرفنا أن ما جاء به هو الحق من عند الله ، ففارقنا عند ذلك قومنا، وآذونا. فقال النجاشي: هل معكم مما نزل عليه شيء تقرؤونه عليّ؟ فقال جعفر: نعم، فقرأ ﴿كهيعص﴾ فلما قرأها بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلت مصاحفهم، وقال النجاشي:

стр. 105

"إن هذا الكلام والكلام الذي جاء به عيسى ﵇ ليخرجان من مشكاة واحدة"١. ثم ذكر ﵀ بعد سوقه لهذا الحديث وجه الاستدلال به حيث قال: "فهؤلاء مع النجاشي وأصحابه استدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي ﷺ فيما ادعاه من الرسالة فاكتفوا به وآمنوا به، وبما جاء به من عند الله، فكان فيما جاء به إثبات الصانع وحدوث العالم"٢. ولم يكن البيهقي- بكلامه هذا- ليظن بأن النجاشي وأصحابه لا يعرفون وجود الله تعالى، فلما أخبرهم الرسول ﷺ الذي عرف صدقه عن طريق معجزته وهي القرآن علموا ذلك - لكنه يقصد بهذا أن ثبوت صدق الرسول بالمعجزة التي استدل بها هؤلاء يقتضي تصديقه في جميع ما يخبر به، وقد أخبر ﷺ بأن لهذا الكون خالقاً، كما في حديث أنس ﵁ الذي أردف البيهقي بذكره لبيان مقصوده، حيث ساق بسنده إلى أنس ﵁ أنه قال: "كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع، فأتاه رجل منهم فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، فقال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال فمن نصب هذه الجبال؟ قال: الله. قال: فمن جعل فيها هذه المنافع؟ قال: الله. قال فبالذي خلق السماء والأرض، ونصب الجبال، وجعل فيها هذه المنافع آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال صدق. قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا

стр. 106

صدقة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قال: وزعم رسولك أن خلينا صوم شهر في سنتنا، قال. صدق قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال. نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إلبه سبيلاً، قال: صدق، قال فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فلما مضى قال: لئن صدق ليدخلن الجنة" ١. قال البيهقي ﵀ في بيان وجهة الاستدلال بهذا الحديث: "فهذا السائل كان قد سمع بمعجزات رسول الله ﷺ ، فكانت مستفيضة في زمانه، ولعله سمع أيضاً ما كان يتلوه من القرآن، فاقتصر في إثبات الخالق، ومعرفة خلقه على سؤاله وجوابه عنه وقد طالبه بعض من لم يقف على معجزاته بأن يريه من آياته ما يدل على صدقه، فلما أراه إياه، ووقف عليه آمن به، وصدقه فيما جاء به من عند الله "٢. وقد ذهب إلى الاستدلال بهذه الطريق الشيخ أبو سليمان الخطابي٣ في كتاب الغنية عن الكلام وأهله، والقاضي أبو يعلى٤ في عيون المسائل. ذكر ذلك عنهما شيخ الإسلام ابن تيمية٥.

стр. 107

وهي طريقة شرعية سليمة، لأن القرآن الكريم قد جاء بها، كما في قصة فرعون الذي كان منكراً للربّ ، فعرض عليه موسى ﵇ معجزة واضحة، تدل على صدق ما ادعاه من وجود الله الذي أرسله إلى فرعون وقومه ليؤمنوا به وحده لا شريك له، لأنه هو وحده القادر على كل شيء، إذ دلت المعجزة على وجوده وكمال قدرته سبحانه على جميع خلقه بمن فيهم فرعون الذي أبى واستكبر وادعى الألوهية من دون الله سبحانه، منكراً أن يكون ثمة إله غيره، حتى بعد مشاهدة تلك المعجزة البينة، والحجة الدامغة، وما ذلك إلاّ استكباراً وعناداً. قال الله تعالى - مخاطباً موسى وهارون ﵉: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ، قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ إلى قوله - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قال قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ ١. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد سوقه للآيات السالفة الذكر: "فهنا قد عرض عليه موسى الحجة البينة، التي جعلها دليلاً على صدقه في

стр. 108

كونه رسول ربّ العالمين، وفي أن له إلهاً غير فرعون يتخذه، وكذلك قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ الآية١. فبين أن المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة، وذلك لأن المعجزة - التي هي فعل خارق للعادة - تدل بنفسها على ثبوت الصانع، كسائر الحوادث، بل هي أخص من ذلك لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة، ولهذا يسبح الربّ عندها، ويمجد، ويعظم ما لا يكون عند المعتاد، ويحصل في النفوس ذلة من ذكر عظمته، ما لا يحصل للمعتاد، إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها، وتدل بظهورها على الرسول، وإذا تبيّن أنه تدعو إلى الإقرار بأنه رسول الله، فتقرر بها الربوبية والرسالة"٢. فهذه ملاحظات هامة من ابن تيمية على هذه الطريق إذ رآها أبين دلالة من الطريقين السالفين، نظراً لأن هناك استدلالاً بحوادث معتادة يشاهدها الناس – غالباً - كل يوم، لا تنفك عن حياتهم. أما المعجزة فهي شيء غريب يشاهد على خلاف المعتاد، مما يعطيها مكانة أقوى في الدلالة. وقد هاجم ابن رشد من ذهب إلى هذه الطريق، واستدل بها ووصمهم بأنهم حشوية - ويقصد بذلك السلف - وزعم وجوب معرفة الباري سبحانه عن طريق الاقتصار على الأدلة العقلية المنصوص عليها، وهي ما تقدم ذكره من النظر٣.

стр. 109

ورأيه في هذه الطريق واضح التهافت، لأن فيه هجراً لأصول شرعية أخرى، وهي ما ورد من وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما يقول، والسلف ﵏ ذهبوا إلى الجمع بين طريقي العقل والسمع، وكلاهما شرعي، إذ إن الرسول ﷺ قد بين جميع الأدلة والبراهين الحسية، والعقلية والآيات الدالة على هذا المطلب أحسن بيان، فدل الناس وهداهم إلى الأدلة العقلية، والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية، من إثبات للربوبية والوحدانية، والصفات، والمعاد الجسماني، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة السمعية، وما يمكن بيانه بالأدلة العقلية، وإن كان لا يحتاج إلى بعضها فإن كثيراً من الأمور يعرف بالخبر الصادق، ومع هذا فالرسول ﷺ بيّن الأدلة العقلية الدالة عليها، فجمع بين الطريقين؛ السمعي والعقلي. فهذه الطريق التي سلكها البيهقي، إلى جانب الطريق العقلي السالف، طريق صحيحة لا غبار عليها، وانتقاد ابن رشد لها في غير محله، لأن السلف لم يوجبوا معرفة الله عن طريقها فحسب، بل يقرّون بسلامة الطرق العقلية السابقة، كيف لا وهي طريقة القرآن الكريم الذي جاء بطريق المعجزة إلى جانبها كما أوضحت. ومهاجمة ابن رشد لأصحابها ضرب من الخصومة الفكرية المنحرفة لأنه - مع أخذه بجانب من الأدلة الشرعية، وهي العقلية المنصوص عليها - قد عطل جانباً آخر، دون مبرر. ولا غرو فهو فيلسوف، والفلاسفة يغلب عليهم الجانب العقلي مع نبذ سواه.

стр. 110

طريق الحدوث تقدم استدلال البيهقي بطريق النظر، وطريق المعجزة، وسبق أن قررت صحة استدلاله ذاك لموافقته طريقة القرآن الكريم، وهنا أعرض دليلاً آخر ضمه البيهقي إلى الأدلة السالفة في صحة الاستدلال به وهو ما يسمى بدليل الحدوث فقد قال ﵀ في بيان هذا الدليل: "ثم إن الله تعالى حضّهم على النظر في ملكوت السموات والأرض، وغيرهما من خلقه في آية أخرى فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. يعني بالملكوت الآيات٢. يقول: "أولم ينظروا فيها نظر تفكر وتدبر، حتى يستدلوا بكونها محلاً للحوادث والتغييرات على أنها محدثات، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه على هيئة لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات، كما استدل إبراهيم الخليل ﵇ بمثل ذلك، فانقطع عنها كلها إلى ربّ هو خالقها ومنشئها"٣. ويؤيد البيهقي رأيه هذا بقول أبي سليمان الخطابي ﵀ عن استدلال إبراهيم ﵇ حيث قال: "قال أبو سليمان الخطابي كل وقت وزمان، أو حال ومقام، حكم الامتحان فيها قائم فللاجتهاد
следующие страницы →