← Акыда

Акыда · id 7570

البيهقي وموقفه من الإلهيات

أحمد بن عطية الغامدي

Полный текст (387 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال الله كذا أو سمع الله لمن حمده ونحو ذلك فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم هاهنا هو المراد، لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد إن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى"١.فهذا تفصيل منطقي سليم، بعيد عن التعقيد، وأصحاب هذا الرأي هم جمهور أهل السنة، وهم الذين يقولون: إن الاسم للمسمى وهم بهذا القول موافقون لصريح الكتاب والسنة، بل وللمعقول أيضاً لأن الله تعال يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقال: ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ . وقال النبي ﷺ "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" ٢ وقال صلى الله عليهوسلم: "إن لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب" ٣. ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هؤلاء إنما يلجأون إلى التفصيل الآنف الذكر عندما يسألون أهو المسمى أم غيره٤.

стр. 142

وفي هذا التفصيل عند الحاجة إليه غنية عن أي قول سواه لأنه هو الواقع المستند إلى الدليل. أما التفصيل الذي ذكره البيهقي فيما مضى، وأشار إلى أنه رأى بعض متقدمي أصحابه، فإنه تفصيل يعوزه الدليل فلا اعتبار له كما أن قول البيهقي ومن وافقه أن الاسم هو المسمى غير صحيح أيضاً لما تقدم. مسألة ذهب البيهقي ﵀ إلى إطلاق اسم القديم على الله ﵎، موافقاً بذلك جمهور المتكلمين، ويحتج لصحة هذا الإطلاق بما ورد في حديث عبد العزيز بن الحصين الذي رواه في كتاب الاعتقاد١ حيث ورد ضمن الأسماء المذكورة مفصلة بعد الإجمال اسم "القديم". كما احتج بما رواه بسنده عن عمران بن حصين ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث وفيه: قالوا: "جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: "كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره" ٢. ثم ذكر تأييداً لهذا الرأي قول شيخه الحليمي٣ في معنى القديم: إنه الموجود الذي ليس

стр. 143

لوجوده ابتداء والموجود الذي لم يزل، وأصل القديم في اللسان السابق، لأن القديم هو القادم"١. وعقب البيهقي على قول الحليمي هذا بقوله: "فقيل لله قديم، بمعنى أنه سابق للموجودات كلها، ولم يجز إذ كان كذلك أن يكون لوجوده ابتداء، لأنه لو كان لوجوده ابتداء لاقتضى ذلك أن يكون غير له أوجده، وأوجب أن يكون ذلك الغير موجوداً قبله، فكان لا يصح حينئذ أن يكون هو سابقاً للموجودات، فقد أوجبنا ألاّ يكون لوجوده ابتداء، فكان القديم في وصفه جل ثناؤه عبارة عن هذا المعنى"٢. وهكذا يتضح لنا تجويزه إطلاق اسم القديم على الله سبحانه ومن ثم وصفه بالقدم، لأن كل اسم عنده يشتمل على صفة كما سيأتي. ولكن، ما مدى صحة ما ذهب إليه البيهقي في ذلك؟ الواقع إن ما ذهب إليه البيهقي هنا من تجويز إطلاق اسم القديم على الله مجانب للصواب ومناقض لما سبق تقريره من أنه يرى في إثبات أسماء الله تعالى التزام جانب التوقيف، ولبيان ذلك أقول: إن ما التزمه البيهقي من الاقتصار على التوقيف في أسماء الله تعالى غير متوفر له هنا، وإن حاول المحافظة على هذا المبدأ باستناده إلى ما ورد في حديث عبد العزيز بن الحصين المشار إليه آنفاً، إلاّ أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلاً له على ما ذهب إليه لما تقدم أيضاً من أنه هو نفسه

стр. 144

يشك في صحة ورود تفصيل الأسماء عن النبي ﷺ ، لاحتمال أن يكون ذلك مدرجاً من جهة بعض الرواة، والدليل كما هو معروف في قواعد الأصول إذا تطرق إليه الاحتمال بطل له الاستدلال، وذلك في الفروع، فما بالك بالعقائد؟ وأما حديث عمران ابن حصين فلا دليل فيه لعدم اشتماله على إطلاق هذا الاسم على الله سبحانه. ثم إن القديم في لغة العرب التي نزل بها القران، هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، قال ابن فارس: القدم خلاف الحدوث، ويقال شيء قديم، إذا كان زمانه سالفاً١. فلم يستعملوا هذا إلاّ في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٢. والعرجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول "قديم" وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ ٣. فالأقدم مبالغة في القديم.. وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ٤. أي يتقدمهم ويستعمل منه الفعل لازماً ومتعدياً، كما يقال: أخذت ما قدم وما حدث، ويقال هذا قدم هذا، وهو يقدمه، ومنه سميت القدم قدماً لأنها تقدم بقية بدن الإنسان٥.

стр. 145

وبعد أن أورد شارح الطحاوية هذه المناقشة في تقرير معنى القديم، عقب عليها بقوله: ولا ريب أنه إذا كان مستعملاً في نفس التقدم فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق، لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه الأوّل، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه، وتابع له، بخلاف القديم، والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة"١. وهكذا يتضح لنا أن المعنى الذي ذكره المتكلمون للفظ القديم وارتضاه البيهقى وهو أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، يتضح لنا أن هذا اللفظ ليس قاصراً على هذا المعنى، بل شامل له ولغيره من المعاني السابقة، ولذلك فإنه لا يكون من الأسماء الحسنى، لأن الأسماء الحسنى تشتمل على خصوص ما يمدح به سبحانه ولفظ القديم ليس كذلك. ومن أجل هذا لم يرد الإذن الشرعي بإطلاق هذا الاسم على الله سبحانه، وإنما الإذن ورد بإطلاق اسم الأول، وهو أصح من اسم القديم لغة وشرعاً. وقد أنكر ابن حزم بشدة هذا الإطلاق٢، أما ما وجدناه عند بعض العلماء المتمسكين بالمنهج السلفي من إطلاق هذا اللفظ على الله كما جاء عند ابن القيم في نونيته:

стр. 146

وهو القديم فلم يزل بصفاته سبحانه متفرداً بل دائم الإحسان فإنه ليس قصدهم إطلاق هذا اللفظ على سبيل التسمية أو الوصف، بل على سبيل الإخبار، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات، كما ذكر ذلك الشيخ محمّد بن مانع ابن القيم في "البدائع" وقال بعد ذلك: وأهل العلم لم يذكروا لفظة القديم في الأسماء الحسنى ولكنهم يخبرون عنه سبحانه بذلك. وجعل قول ابن القيم السابق من هذا النوع١. والحاصل أن إطلاق لفظ القديم على الله سبحانه بقصد التسمية غير سديد، لافتقاره إلى دليل يجوز لنا ذلك الإطلاق. صلة الأسماء بالصفات لقد سبق أن ذكرت المذاهب في أسماء الله تعالى، وعرفنا أن هناك من ينفيها وينفي الصفات معها وهم الجهمية، وأوضحت أنه لا مجال للحديث حينئذ في العلاقة بين معدومين. وهناك من يثبت الأسماء وينفي الصفات، وهم المعتزلة، وهنا أيضاً لا علاقة، إذ أن أحد الأمرين لا وجود له، أما من يثبت الأسماء والصفات جميعاً لله ، مع وجود الاختلاف في طريق الإثبات، والمقصود منه، فإن أصحاب هذا الرأي هم الذين بحثوا العلاقة بين الأسماء والصفات. ولا ريب أن شيخنا البيهقي- ﵀ من أبرز أولئك المثبتين وقد بحث هذه العلاقة، وأثبت وجود صلة وثيقة بين أسماء الله وبين صفاته، حيث قال: " ... فلله أسماء وصفات وأسماؤه صفاته، وصفاته أوصافه"٢.

стр. 147

إلا أنه ﵀ لا يريد من كلامه هذا أن الأسماء هي الصفات بعينها، وإلا لما كان ثمة حاجة إلى تأليف كتاب كبير يفرق فيه بين مباحث الأسماء ومباحث الصفات، ثم إن قوله: "وفي إثبات أسمائه إثبات صفاته، لأنه إذا ثبت كونه موجوداً فوصف بأنه حي فقد وصف بزيادة صفة على الذات هي الحياة، وإذا وصف بأنه قادر فقد وصف بزيادة صفة هي القدرة وإذا وصف بأنه عالم فقد وصف بزيادة صفة هي العلم، كما إذا وصف بأنه خالق فقد وصف بزيادة صفة هي الخلق، وإذا وصف بأنه رازق فقد وصف بزيادة صفة هي الرزق، وإذا وصف بأنه محيي فقد وصف بزيادة صفة هي الإحياء إذ لولا هذه المعاني لاقتصر في أسمائه على ما ينبىء عن وجود الذات فقط"١. في هذا القول بيان لتلك العلاقة التي يراها بين أسماء الله تعالى وصفاته وهي دلالة تلك الأسماء على اتصافه سبحانه بما تتضمنه من صفات. وفي قوله – راوياً عن شيخه الحليمي: "وإنما تشتق أسماؤه من صفاته التي كلها مدائح، وأفعاله التي أجمعها حكمه"٢ دليل على أنه يرى التلازم بين الصفة والاسم فكما أن الصفة تدل على الاسم، فالاسم أيضاً دليل على الصفة، بمعنى أن الصفة إذا ذكرت منفردة فهي تدل بطريق اللزوم على الاسم المشتق منها، والاسم إذا ذكر منفرداً دل بطريق اللزوم أيضاً على الصفة التي اشتقّ منها، وأعني بالصفات هنا الصفات الدالة على الأسماء الحسنى.

стр. 148

وهذا الرأي في العلاقة بين أسماء الله تعالى وصفاته، الذي ذهب إليه البيهقي هو الرأي السديد الذي يتفق مع العقل والمنطق ولم يخالفه فيه من مثبتي الأسماء سوى ابن حزم الذي يرى أن الأسماء جامدة ليست مشتقة أصلاً فلا علاقة بينها وبين الصفات حيث يقول: ".. وأما قولهم: هل يفهم من قول القائل "الله" كالذي يفهم من قوله عالم فقط، أو يفهم من قوله عالم معنى غير ما يفهم من قوله "الله"؟ فجوابنا أننا لا نفهم من قولنا قدير وعالم إذا أردنا بذلك الله تعالى إلا ما نفهم من قولنا الله فقط، لأن كل ذلك أسماء أعلام لا مشتقة من صفة أصلاً"١. فهو لا يرى ثمة علاقة بين الأسماء والصفات وهذا قول باطل وادعاء لا دليل عليه، إذ أن اللغة العربية التي نزل بها القرآن وخاطب الله بها أهلها لا تساعده على ما أراد، فإنه لا يفهم من عالم وعليم وقادر وقدير إلا ذات اتصفت بصفة٢. وهذا الرأي هو صريح مذهب المعتزلة أيضاً لأنهم أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، ومعنى هذا أنهم لا يرون أن الصفة ثبتت بثبوت الاسم، ولذلك مزيد بيان فيما بعد إن شاء الله. وفي قول البيهقي السابق: بأنه لولا هذه المعاني لاقتصر في أسمائه على ما ينبىء عن وجود الذات فقط، في هذا القول رد على من ذهب هذا المذهب الذي تبناه ابن حزم ووافقته عليه المعتزلة، كما أن شيخ

стр. 149

الإسلام ابن تيمية ﵀ قد رد عليه، واحتد في ذلك حتى وصفه بأنه شبيه برأي القرامطة الباطنية وقال بعد ذلك: ".. فإنا نعلم باضطرار الفرق بين الحي والقدير، والعليم، والملك والقدوس، والغفور، وإن العبد إذا قال: رب اغفر لي، وتب علي إنك أنت التواب الغفور، كان قد أحسن في مناجاة ربه، وإذا قال اغفر لي وتب علي إنك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب لم يحسن في مناجاته، وإن الله أنكر على المشركين الذين امتنعوا من تسميته بالرحمن فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢. ومعلوم أن الأسماء إذا كانت أعلاماً وجامدات لا تدل على معنى لم يكن فرق فيها بين اسم واسم، فلا يلحد في اسم دون اسم، ولا ينكر عاقل اسماً دون اسم، بل قد يمتنع عن تسميته مطلقاً، ولم يكن المشركون يمتنعون عن تسمية الله بكثير من أسمائه، وإنما امتنعوا عن بعضها وأيضاً فالله له الأسماء الحسنى دون السوآى، وإنما يتميز الاسم الحسن عن الاسم السيئ بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على معنى لم تنقسم إلى حسنى وسوآى، بل هذا القائل لو سمى معبوده بالميت والعاجز والجاهل، بدل الحي والعالم والقادر لجاز ذلك عنده"٣

стр. 150

ويقول ابن القيم- ﵀ في تقرير الرأي الذي ذهب إليه البيهقي، والرد على مخالفيه: " ... لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات، لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها، فلا يقال يسمع ويرى ويعلم، ويقدر ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها وأيضا فلو لم تكن أسماؤه ذوات معان وأوصاف لكانت جامدة كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قام به، فكانت كلها سواء، ولم يكن فرق بين مدلولاتها، وهذه مكابرة صريحة وبهت بين، فإن من جعل معنى اسم "القدير" هو معنى اسم "السميع البصير" ومعنى اسم "التواب" هو معنى اسم "المنتقم" ومعنى اسم المعطي هو معنى اسم "المانع" فقد كابر العقل، واللغة والفطرة"١. فرأى البيهقي الذي يثبت معاني أسماء الله تعالى وبذلك يثبت الصفات التي تدل عليها هو الرأي الحق، وقد وافق فيه السلف، أما رأي ابن حزم المقابل لرأي البيهقي فقد تبين بطلانه، وهو في نظري لا يبعد كثيراً عن رأي الجهمية الذي سبق أن أشرت إليه وهو القائل بنفي أسماء الله تعالى، وإطلاقها عليه على سبيل المجاز.

стр. 151

الفصل الثاني: أسماء الله تعالى وأراد المسميات، ولأنه لو كان غيره، أولاً هو المسمى، لكان القائل إذا قال عبدت الله، والله اسمه، أن يكون عبد اسمه، إما غيره وإما لا يقال انه هو، وذلك محال، وقوله: "إن لله تسعة وتسعين اسماً" معناه تسميات العباد لله، لأنه في نفسه واحد. قال الشاعر: "إلى الحول ثم اسم السلام عليكما"١. قال أبو عبيد -: أراد: ثم السلام عليكما، لأن اسم السلام هو السلام.. قال البيهقي: "والمختار من هذه الأقاويل ما اختاره الشيخ أبو بكر بن فورك ﵀"٢. وهكذا يصرح البيهقي باختياره للرأي القائل في جميع أسماء الله تعالى بأن الاسم عين المسمى. وقد تقدم طرف من أدلة أصحاب هذا الرأي المختار عند البيهقي، وفي كتاب الاعتقاد ذكر طرفاً آخر منها كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٣ كما قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ ٤، كما قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٥ هذا من القرآن الكريم.

стр. 152

الفصل الثالث: أقسام الصفات لقد سلك المتكلمون فيما أثبتوه من صفات طريقة خاصة بهم، وقبل بيان التقسيم الذي ارتضاه البيهقي؛ أرى من المناسب أن أذكر الطريقة التي سلكها أولئك المتكلمون حتى يتضح لنا مدى اتفاق البيهقي أو اختلافه معهم. فأقول: إن المتكلمين ممن أثبتوا الصفات قد درجوا على تقسيم صفات الله تعالى إلى أربعة أقسام: نفسية، وسلبية، وصفات معان، وصفات معنوية. ١ - النفسية: وعرفوها بأنها الحال الواجبة للذات، مادامت الذات غير معللة بعلة١ وهي الوجود. ٢ - السلبية: وعرفوها بأنها التي سلبت أمراً لا يليق بالله ٢، وهي عندهم خمس صفات: القدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه بنفسه، والوحدانية. ٣ - صفات المعاني: وقد عرفت بأنها كل صفة قائمة بموصوف زائدة على الذات، موجبة له حكماً٣، وهي سبع: القدرة، والإرادة، والعلم والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. وإنما سميت بذلك لأن كل صفة منها تدل على معنى زائد على ذاته تعالى.

стр. 153

وهي ما يسمونه أيضاً بالصفات الوجودية. ٤ - الصفات المعنوية: وهي ملازمة للسبع الأولى، وقد عرفت بأنها الحال الواجبة للذات، ما دامت المعاني قائمة بالذات ١. وعللوا تسمية هذه الصفات بهذا الاسم بأن الاتصاف بها فرع عن الاتصاف بالسبع الأولى، فإن اتصاف محل من المحال بكونه عالماً، أو قادراً مثلاً، لا يصح إلا إذا قام به العلم، أو القدرة، وقس على هذا. فصارت السبع الأولى وهي صفات المعاني عللاً لهذه أي ملزومة لها، فلهذا نسبت هذه إلى تلك، فقيل فيها: صفات معنوية٢ وهذه الصفات المعنوية هي كونه تعالى قادراً، ومريداً، وعالماً، وحياً، وسميعاً، وبصيراً، ومتكلماً. ولا يخفى أن هذا التقسيم مبني على اعتقادهم إثبات بعض الصفات إثباتاً حقيقياً، والتفويض في بعضها الآخر، أو إرجاعه إلى معان فيها تنزيه لله على مشابهة المخلوقات - على حد زعمهم. وإذا كان هذا هو موقف المتكلمين من تقسيم الصفات، فما موقف البيهقي؟ وهل يوافقهم على هذا التقسيم أم أنه استقلّ برأيه في هذا الشأن؟ الواقع أن البيهقي ﵀ قد ذهب إلى تقسيم الصفات إلى قسمين لا ثالث لهما، وهذان القسمان هما: (أ) صفات ذات. (ب) صفات فعل.

стр. 154

ثم قسم كلاً من هذين النوعين إلى عقلي وخبري، استناداً إلى نوع الأدلة التي ثبتت بها، إذ إن منها مادل العقل على نبوّته لله مع ورود النص به، ومنها ما كان طريق إثياته الأدلة النقلية فحسب. يقول ﵀ في إيضاح هذا التقسيم. "صمفات الله قسمان: أحدهما: صفات ذاته، وهو ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال. والآخر: صفات فعله، وهي ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل. ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل كالحياة، والقدرة، والعلم والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، ونحو ذلك من صفات ذاته، وكالخلق والرزق، والإحياء، والإماتة، والعفو، والعقوبة، ونحو ذلك من صفات فعله. ومنه ما كان طريق إثباته ورود خبر الصادق به فقط، كالوجه واليدين، والعين، في صفات ذاته، وكالاستواء على العرش، والإتيان والمجيء، والنزول ونحوذلك من صفات فعله"١. ولا ريب أن هذا التقسيم الذي قال به البيهقي أشمل من تقسيم المتكلمين السابق، لأنه شمامل لجميع صفات الله ﵎، أما تقسيم المتكلمين فقاصر على ما أثبتوه منها فحسب. وبهذا تتضح لنا مخالفة البيهقي للمتكلمين فيما ذهبوا إليه من تقسيم.

стр. 155

ونظراً لما عهدناه عن البيهقي من أنه لا يقول في الصفات قولاً إلا ويسنده بدليل شرعي، فإننا نجده هنا يستدل لهذا التقسيم بآيات كريمات رآها صالحة لأن تكون مناطاً لاستدلاله وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا َّهُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. وقد بيّن وجهة استدلاله بهذه الآيات على تقسيمه للصفات بقوله: "فأشار في هذه الآيات إلى فصل أسماء الذات من أسماء الفعل"٢. ويعني بذلك أن الله ﵎ ذكر في هذه الآيات أسماء الذات التي تشتمل على الصفات التي اشتقت منها هذه الأسماء، وذكر بعد ذلك أسماء الفعل الدالة على الصفات التي اشتقت منها أيضاً وفصل بين النوعين بضمير الفصل "هو" وهذا دليل على صحة هذا التقسيم عند البيهقي. وينبغي أن نعلم أن مخالفة البيهقي للمتكلمين في هذا التقسيم يعني موافقة السلف على ماذهبوا إليه، لأن ماذهب إليه البيهقي هو التقسيم الصحيح للصفات، لأنه يشمل جميع أنواع الصفات الثابتة للباري ، فلا تخرج عن هذين القسمين اللذين ذهب إليهما البيهقي وهذا بعينه ما سلكه السلف في تقسيمهم لها، لأن جميع نصوص الصفات من آيات

стр. 156

قرآنية، وأحاديث نبوية تدل على صحة هذا التقسيم، إذ ورد بعضها بإثبات صفات لازمة للذات، وبعضها الآخر ورد بإثبات صفات تتعلق بها مشيئته واختياره سبحانه. ويرى الدكتور علي سامي النشار إن أوّل من فرّق هذه التفرقة في الصفات هو الإمام أبو حنيفة ﵁، استناداً إلى ما ذكره في كتاب الفقه الأكبر حيث قال: " ... لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته الذاتية والفعلية"١. ولبيان سلامة هذا المنهج في التفريق بين الصفات يقول العلامة السلفي المعاصر، أستاذنا الدكتور محمّد خليل هراس ﵀ – "دلت هذه النصوص القرآنية على أن صفات الباري قسمان: ١ - صفات ذاتية لا تنفك عن الذات، بل هي لازمة لها أزلاً وأبداً ولا تتعلق بها مشيئته تعالى وقدرته، وذلك كصفات الحياة والعلم، والقدرة، والتوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، والمجد، والجلال...إلخ. ٢ - صفات فعلية، تتعلق بها مشيئته وقدرته كل وقت وآن، وتحدث بمشيئته وقدرته ... كالاستواء على العرش، والمجيء، والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا، والضحك، والرضا، والغضب...."٢.

стр. 157

وهكذا فإن منهج البيهقي في هذا التقسيم سليم لا اعتراض عليه لموافقته للأدلة، وشموله لجميع الصفات. إلا أن ثمة اعتراضاً واحداً لا يتعلق بالتقسيم، بل بالضابط الذي وضعه لصفات الفعل، حيث عرفها بأنها ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل، وهو بذلك يقول بحدوثها والكلام عن هذه القضية له موضعه عند بحثنا لهذه الصفات فيما بعد إن شاء الله. وقد وافق البيهقي أيضاً في هذا التقسيم أبو الهذيل العلاف من المعتزلة، وإن خالفه في تعريفها. حيث عرف صفات الذات بأنها التي لا يجوز أن يوصف الباري بأضدادها، ولا بالقدرة على أضدادها. وعرف صفات الفعل بأنها التي يجوز أن يوصف الباري سبحانه بها وبضدها١. وقصارى القول أن تقسيم البيهقي للصفات تقسيم منطقي وسليم يتفق مع واقعها من خلاله الأدلة التي ثبتت بها. أما رأيه في طريهت إثباتها، فإنه يرى أن إثبات الصفات لله إنما يكون توقيفياً، كرأيه في إثبات الأسماء، وفي ذلك يقول: " ... فلا يجوز وصفه إلاّ بما دلّ عليه كتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله ﷺ ، أو أجمع عليه سلف هذه الأمة"٢.

стр. 158

وهذه بعينها طريقة السلف الصالح التي نهجوها في إثبات الصفات، والتي بيّنها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: " ... فالأصل في هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله، نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة السلف وأئمتهم إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف، ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه"١. وقد سبق أن تعرضت للكلام عن هذه المسألة عند الحديث عن منهج البيهقي في الباب الأوّل من هذا البحث. وإذا كان البيهقي ﵀ قد وافق السلف في تقسيم الصفات، وطريقتهم في إثباتها، فهل وافقهم في إثبات جميع الصفات بقسميها، أم أنه وافق المتكلمين على ماذهبوا إليه من تفويض أو تأويل لبعضها، استناداً إلى بعض الشبه التي علقت بأذهانهم؟ هذا ما سيتضح لنا من خلال الفصول التالية إن شاء الله.

стр. 159

الفصل الرابع: الصفات العقلية تمهيد: تقدم لنا معرفة الضابط الذي وضعه البيهقي لهذه الصفات وهو تعريفه لها بياضا ماكان طريق إثباته أدلة العقول مع ورود السمع به١ بمعنى أن الله تعالى وصف نفسه بها، ووصفه بها رسوله ﷺ ، ودلت عليها العقول. وكما اتضح لنا من التقسيم الذي تبناه البيهقي كما سبق بيانه في الفصل السابق، فإن هذه الصفات منها ما هو ذاتي، ومنها ماهو فعلي. وقبل أن أبدأ تفصيل موقف البيهقي من هذه الصفات أرى من المناسب أن أذكر بين يدي ذلك عرضاً موجزاً لآراء الفرق الإسلامية فيها، حتى يتبين لنا موقع رأي البيهقي منها فأقول: إن من أبرز تلك الطوائف التي وقع بينها النزاع حول هذه الصفات خمس فرق هي: الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة، وهذه تمثل فريق النفاة، والكرامية والأشاعرة، وهاتان الفرقتان تمثلان فريق المثبتين. فأما الجهمية: أتباع الجهم بن صفوان، فهؤلاء ينفون صفات الله تعالى نفياً قاطعاً، فيرون أن كل صفة يجوز إطلاقها على الإنسان فإنه لا يجوز أن يوصف بها الباري سبحانه، لأن في ذلك تشبيهاً لله بخلقه وفي بيان رأي هذه الفرقة في الصفات يقول البغدادي:

стр. 160

" ... وامتنع - أي الجهم - مما وصف الله تعالى بأنه شيء أو حيّ، أو عالم، أو مريد، وقال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء وموجود، وحي، وعالم، ومريد، ونحو ذلك. ووصفه بأنه قادر، وموجد وفاعل، وخالق، ومحي، ومميت، لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده"١. ووصف الجهم لله سبحانه بأنه قادر مع أن العبد قادر أيضاً مبني على مذهبه الذي يرى فيه أن العبد مجبور على فعله، وأنه كالريشة المعلقة في مهب الريح، وإضافة الفعل إلى العبد إنما يكون على سبيل المجاز. وأما المعتزلة: فإنها بجعلها الصفات غير زائدة على الذات فقد دخلت في طائفة النفاة، لأن حقيقة مذهبهم نفي صفات الله ، لأنهم وإن أثبتوا أن الله قادر، حي، موجود، إلاّ أنهم اختلفوا في كيفية استحقاقه سبحانه هذه الصفات. فأما أبو عليّ الجبّائي، وأبو الهذيل العلاف فذهبا إلى أن الله تعالى يستحق هذد الصفات لذاته، فهو سبحانه عالم لذاته، قادر لذاته مريد لذاته. وقال أبو هاشم: "إن هذه الصفات أحوال وراء الذات، فالله تعالى عالم بعالمية، قادر بقادرية، وهذه الأحوال لا موجودة ولا معدومة"٢. وأبرز معالم هذا المذهب أن الصفات عندهم غير زائدة على الذات، بحجة "أنه لا صفة للقديم أخصّ من كونه قديماً، أو مما يقتضي كونه قديماً من الصفة النفسية"٣.

стр. 161

وإن في إثبات زيادة الصفات على الذات ما يؤدي إلى تعدد القدماء، فتشارك الله سبحانه في أخص وصف ذاته وهو القدم، وبذلك تتعدد الإلهية على حد زعمهم. كما قال القاضي عبد الجبّار في بيان هذه الشبهة الضالة: "والأصل في ذلك أنه تعالى لو كان يستحق هذه الصفات لمعان قديمة، وقد ثبت أن القديم إنما يخالف مخالفه بكونه قديماً، وثبت أن الصفة التي تقع بها المخالفة عند الافتراق، بها تقع المماثلة عند الاتفاق وذلك يوجب أم تكون هذه المعاني مثلاً لله تعالى، حتى إذا كان القديم تعالى عالماً لذاته، قادراً لذاته، وجب في هذه المعاني مثله ولوجب أن يكون الله تعالى مثلاً لهذه المعاني"١. وبهذا يتبين لنا أن مذهبهم في الصفات على هذا الوجه هو في الحقيقة نفي لها. وأما الطائفة الثالثة من النفاة فهم: الفلاسفة: وهؤلاء يتفقون أيضاً جمع المعتزلة في نفي الصفات عن الله سبحانه، إلأ أن حجتهم على ذلك االنفي تختلف عن حجة سابقيهم إذ إن المعتزلة - كما تقدم - برروا نفيهم ذاك بأن إثبات صفات لله سبحانه زائدة على الذات، يؤدي إلى القول بتعدد القدماء. أما الفلاسفة فإنهم يخالفونهم مخالفة جذرية في هذا التبرير، إذ إنهم يجوزون تعدد القدماء مثل العقول العشرة، والأفلاك، فإنها قديمة عندهم.

стр. 162

وإنما كان نفيهم للصفات خشية التركيب، فالله تعالى - عندهم واحد بسيط، والصفات الواردة في الشرع من العلم، والقدرة، والإرادة ونحوها من الصفات يزعمون أن إثباتها سلوباً وإضافات لا يستلزم الكثرة والتركيب في ذاته، لأن مفهوم ذلك كله عندهم شيء واحد هو نفس الذات. يقول ابن سينا في النجاة: "فإذا حققت تكون الصفة الأولى لواجب الوجود أنه إن وموجود، ثم الصفات الأخرى يكون بعضها المتعين فيه هذا الوجود مع إضافة، وبعضها هذا الوجود مع السلب وليس واحداً منها موجباً في ذاته كثرة البتة ولا مغايرة"١. ومن هذا النص يتضح لنا أن الفلاسفة إنما يصفون الله سبحانه بأنه "أن وموجود" والوجود لا يوجب كثرة ولا تعدداً، أما ما عدا ذلك من الصفات فإنها إضافات أو سلوب. وهم بهذا يتفقون مع المعتزلة على نفي الصفات. أما فريق المثبتين فيمثله طائفتان: الأشاعرة، والكرامية. فأما الأشاعرة: أتباع أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري فإنهم يثبتون لله سبع صفات زائدة على الذات، ويطلقون عليها اسم صفات المعاني بمعنى وجود معنى لها زائد على الذات وهذه الصفات هي: العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. وقد استدلوا على زيادة هذه الصفات على الذات بأمور ثلاثة.

стр. 163

١ - قياس الغائب على الشاهد، العالم في الشاهد من قام به العلم ولا يختلف الأمر غائباً وشاهداً، لأن العلة واحدة، والشرط واحد فعلة كون الشخص عالماً هو العلم، وكذالك الأمر في الغائب. ٢ - إن هذه الصفات لو لم تكن زائدة على الذات لكان مفهوم كونه حياً، عالماً، قادراً، نفس ذاته، ولم يكن لحملها على ذاته فائدة، وكان قولنا على طريقة الأخبار: الله الواجب، أو العالم أو القادر، بمثابة حمل الشيء على نفسه، واللازم باطل. ٣ - لو كانت هذه الصفات نفس ذاته لكان المفهوم منها كلها أمراً واحداً، وذلك ضروري البطلان١. ولهذه الصفات عند الأشاعرة أحكام أربعة: ١ - إن هذه الصفات ليست هي الذات بل زائدة عليها. ٢ - إنها كلّها قائمة بذاته سبحانه، ولا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته، سواء كان في محل أو لم يكن في محل. ٣ - إن هذه الصفات كلّها قديمة، فإنها إن كانت حادثة كان القديم سبحانه محلاً للحوادث، وهو محال. ٤ - إن الأسامي المشتقة لله سبحانه من هذه الصفات صادقة عليه أزلاً وأبداً٢. وأما الكرامية: أتباع أبي عبد الله محمّد بن كرام السجستاني فقد أثبتوا أيضاً صفات المعاني لله ، زائدة على ذاته. فالله تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، سميع، بصير، وجميع هذه الصفات قديمة أزلية قائمة بذاته سبحانه.

стр. 164

وقالوا أيضاً: إنه تعالى لم يزل خالقاً، رازقاً، منعماً، من غير وجود خلق ورزق ونعمة منه. وأن معنى خالقيته قدرته على الخلق ورازقيته قدرته على الرزق وإنعامه قدرته على الإنعام١. وبعد هذه الإلمامة الموجزة بمذاهب المتكلمين حول الصفات العقلية، يأتي أساس الكلام عن هذه القضية، وهو ما يتعلق برأي البيهقي، وسوف أقسم هذا الفصل إلى مبحثين رئيسيين: المبحث الأوّل: صفات الذات العقلية. المبحث الثاني: صفات الفعل العقلية.

стр. 165

المبحث الأوّل: صفات الذات العقليّة عرف البيهقي ﵀ صفات الذات عامة بأنها: ما استحقه فيما لم يزل ولا يزإل، كما تقدم بيانه. ومثل للعقلية منها بسبع صفات هي - كما تقدم -: الحياة، والقدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر، والكلام. وهذه الصفات السبع هي ما اصطلح المتكلمون على تسميته صفات معان. وإلى جانب الأدلة النقلية التي أسهب في إيرادها لإثبات هذه الصقات السبع، أورد أدلة عقلية أيضاً لنفس الغرض، وذلك بناء على رأيه فيها أنها ثابتة بالأمرين جميعاً، وسيكون الكلام في هذا المبحث على عدة نقاط تتعلق بهذا النوع من الصفات، ولا ريب أن الكلام على ما يتعلق بالإثبات له الصدارة، وسيكون الكلام على الاستدلال النقلي سابقاً لأنه هو الأصل. الأدلة النقليّة: وقد كانت أدلته هذه منبعها الكتاب والسنة، كما ذكر أيضاً أنه استند في ذلك إلى إجماع سلف الأمة. ثم عقد لكلّ صفة من هذه الصفات السبع باباً أورد فيه ما يدل على ثبوتها من النقل ونحن نسير معه في طريقته التي سار عليها من إيراد لكل صفة مستقلة عن الأخرى، إلاّ أننا نقتصر فيما نورده من أدلة على ذكر أمثلة مما ذكره البيهقي من نصوص.

стр. 166

صفة الحياة وفي إثباتها قال: "باب ماجاء في إثبات صفة الحياة"، ثم شرع في إيراد مجموعة من الآيات والأحاديث اشتملت على إثبات هذه الصفة. فأما الآيات فمنها قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ٣ وأما ما أورده من الأحاديث فمنها حديث ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ كان يقوله: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، أعوذ بعزتك، لا إله إلاّ أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون" ٤. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي ساقها لإثبات هذه الصفة. وهي وإن كانت لم تتناول صفة الحياة بصريح العبارة وإنما اشتملت على إثبات اسمه الحي، فإنها دليل أيضاً على ثبوت هذه الصفة لله ، إذ قد بين البيهقي ﵀ أنه إذا ثبت أن الله موجود، ووصف بأنه حي، فقد وصف بزيادة صفة على الذات هي الحياة، لأن كل اسم يشتمل إثباته على إثبات الصفة التي يدل عليها، إذ لولا ذلك لاقتصر الله ﷺ فيما سمى به نفسه على ما ينبىء عن وجود الذات فقط، وقد سبق بيان ذلك٥.

стр. 167

صفة العلم وأورد لإثباتها مجموعة من الآيات والأحاديث. فمما أورده من الآيات قوله تعالى: ﴿يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ١. وقوله سبحانه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٢ أما من السنة فقد أورد قصة الخضر مع موسى ﵉ وفيها: "...وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ﵇: ما نقص علمي وعلمك من علم الله تعالى إلاّ مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.." ٣. ومن أجل ما قد يتوهم من كلام الخضر هذا أن علم الله تعالى يعتريه النقص، دفع البيهقي هذا التوهم الذي قد يتبادر لبعض ضعاف العقول، دفعه بما رواه عن أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي٤ في معنى هذا الكلام وتخريجه: "هذا له وجهان: أحدهما: أن نقر العصفور ليس بناقص للبحر، فكذلك علمنا لا ينقص من علمه شيئاً وهذا كما قيل:

стр. 168

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم.....بهن فلول من قراع الكتاتب أي: ليس فيهم عيب، وعلى هذا قول الله : ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاماً﴾ ١ أي: لا يسمعون فيها لغواً البتة. والآخر: إن قدر ما أخذناه جميعاً من العلم إذا اعتبر بعلم الله الذي أحاط بكل شيء، لا يبلغ من علم معلوماته في المقدار إلاّ كما يبلغ أخذ هذا العصفور من البحر، فهو جزء يسير فيما يدرك قدره، فكذلك القدر الذي علمناه الله تعالى في النسبة إلى ما يعلمه ، كهذا القدر اليسير من هذا البحر٢. ولدفع هذا التوهم أيضاً قال الإمام النووي: قال العلماء لفظ النقص هنا ليس على ظاهره، وإنما معناه: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر، هذا على التقريب إلى الإفهام، وإلاّ فنسبة علمهما أقل وأحقر٣. وهذا هو الوجه الثاني الذي ذكره الإسماعيلي كما رواه عنه البيهقي. صفة القدرة وبنفس الأسلوب يثبت هذه الصفة، فمما أورده من الآيات قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ ٥

стр. 169

أما من السنة المطهرة فأورد مجموعة كبيرة من الأحاديث، ومن أبرزها حديث الاستخارة الذي رواه بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة كما يعلّمنا السورة من القرآن يقول: إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك..." الحديث١. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي ساقها البيهقي. الإرادة وقد أثبتها بنفس الأسلوب الذي أثبت به الصفات السابقة. فمما أورده من آيات قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢. وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣ وقوله سبحانه: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ ٤ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٥

стр. 170

أما من السنة: فمما أورده منها: حديث معاوية بن أبي سفيان الذى رواه بسنده عن حميد بن عبد الرحمم بن عوف قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو خطيب يقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله" ١. وحديث الرجل الذي يبقى بين الجنة والنار يقول: "يارب اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيقول الله : فهل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول لا وعزتك فيعطي ربه ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله تعالى وجهه عن النار، فإذا أقبل بوجهه على الجنة فرأى بهجتها فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثم قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة..." الحديث٢. إلى غير ذلك من النصوص القرآنية والحديثية التي أوردها لإثبات صفة الإرادة التي هي والمشيئة بمعنى واحد٣. السمع والبصر ومما أثبت به هاتين الصفتين من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ٥.

стр. 171

أما من السنة: فحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفاً أو نعلو شرفاً، ولا نهبط في واد إلاّ رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم ما تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته..." الحديث"١. صفة الكلام ومما أورده البيهقي ﵀ لإثبات هذه الصفة من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ٢. وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ٣ وغيرها من الآيات. أما من السنة: فقد أورد حشداً كبيراً من النصوص منها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تكفل الله تعالى لمن جاهد في سبيله، لا

стр. 172

يخرجه من بيته إلاجهاد في سبيل الله، وتصديق كلمته بأن يدخد الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" ١. والأحاديث التي تدل على ثبوت هذه الصفة كثيرة جداً، وقد أورد البيهقي ﵀ عدداً كبيراً منها. وأولى هذه الصفة عناية خاصة. ونظراً لفرط اهتمامه بها، وتشعب الكلام فيها، ومكانتها من مسألة القول بخلق القرآن، التي تعتبر من أخطر القضايا التي احتدم النزاع فيها بين المعتزلة من جهة، والأشاعرة والسلف من جهة أخرى نظراً لذلك كله سأفرد هذه الصفة بالبحث في فصل مستقل، وذلك بعد الفراغ من بحث الصفات العقلية بنوعيها إن شاء الله. وقصارى القول: أن هذه الصفات السبع قد أولاها البيهقي عناية كبيرة، فدلل على ثبوتها عقلاً ونقلاً، وقد رأيت أن يكون إيرادي لأدلته النقلية فيما سبق محض تمثيل، ليكون القارىء على بصيرة من المنهج الذي سلكه لإثباتها، ولأن محاولة الإتيان على جميع الأدلة النقلية التي أوردها لهذا الغرض يطول علينا الكلام، مع أن آية واحدة أو حديثاً صحيحاً واحداً كاف لإثبات الصفة التي ورد بها. وغرضي من الطريقة التي سرت عليها هنا هو بيان منهجه السلفي الذي سلكه لإثبات هذه الصفات. بقي هنا عرض الجانب الآخر من استدلال البيهقي وهو الجانب العقلي، إذ سبق أن عرفنا تسميته لهذه الصفات عقلية لثبوتها بالعقل أيضاً.

стр. 173

الأدلة العقلية: وهذا هو الجانب الآخر الذي يثبت البيهقي به ما تقدم من الصفات ويتمثل ذلك الاستدلال جملة في أنه لو لم يتصف بإحدى الصفتين المتقابلتين لكان متصفاً بالأخرى لا محالة فإذا لم يكن حياً، كان ميتاً وإذا لم يكن عالماً كان جاهلاً وإذا لم يكن قادراً كان عاجزاً. ولذلك يكون دليل حياته وقدرته وعلمه ظهور فعله – سبحانه - في خلقه، وظهور ذلك الفعل بما يشتمل عليه من إحكام وإتقان يدلنا على أن فاعله متصف بالحياة والقدرة والعلم، لأن ذلك لا يصح وقوعه من متصف بأضداد هذه الصفات من موت وعجز وجهل. وفي ذلك يقول البيهقي: "فإن قال قائل: وما الدليل على أنه حي عالم قادر؟ قيل ظهور فعله دليل حياته، وقدرته، وعلمه لأن ذلك لا يصح وقوعه من ميت ولا عاجز ولا جاهل به دل ذلك على أنه بخلاف وصف من لا يتأتى ذلك منه، ولا يكون بخلاف ذلك إلا هو حي قادر عالم"١. أما دليل اتصافه بالإرادة فثبوت اتصافه بالحياة والقدرة والعلم لأن من كان كذلك لم يكن مكرهاً ولا مغلوباً، ومن لم يكن كذلك لا بد أن يكون مريداً. يقول البيهقي: "فإن قال قائل: وما الدليل على أنه مريد؟ قيل: لأنه حي عالم ليس بمكره ولا مغلوب، ولا به آفة تمنعه، وكل حي خلا مما يضاد العلم، ولم يكن به آفة تخرجه من الإرادة، كان مريداً مختاراً، قاصداً"٢.

стр. 174

وأما اتصافه بصفتي السمع والبصر، فدليل ذلك أنه قد ثبتت له سبحانه صفة الحياة، ووجود حي خال من الاتصاف بما يدرك المسموع والمرئي ومن الاتصاف بالآفة المانعة من ذلك أمر مستحيل، ويستحيل وصفه بالآفة من هذين الوصفين، لأن ذلك يقتضي كونه ممنوعاً، والممنوع لا بد له من مانع، وذلك من صفات المحدثين، والله تعالى منزه عن ذلك. وفي بيان هذا الاستدلال يقول البيهقي ﵀: "فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سميع بصير؟ قيل: لأنه حي، ويستحيل وجود حي يتعرى عن الوصف بما يدرك المسموع والمرئي أو بالآفة المانعة منه، ويستحيل تخصيصه من أحد هذين الوصفات بالآفة، لأنها منع والمنع يقتضي مانعاً وممنوعاً، ومن كان ممنوعاً كان مغلوباً، وذلك من صفات المحدث، والبارئ قديم لم يزل، فهو سميع بصير لم يزل ولا يزال"١. رأما دليل اتصافه بالكلام فهو ثبوت الحياة له أيضاً، وثبوت عدم وجود آفة تمنعه من الكلام، وكل حي خلا من ذلك فلا بد وأن يكون متكلماً كما أن مخاطبته سبحانه لخلقه على لسان نبيه بالأمر والنهي، دليلاً على اتصافه بهذه الصفة. ولبيان ذلك يقول: "فإن قال قائل: وما الدليل على أنه متكلم؟ قيل: لأنه حي ليس بساكت، ولا به آفة تمنعه من الكلام، وكل حي كان كذلك كان متكلماً، ولأنه يستحيل لزوم الخطاب، ووجود الأمر عمن لا يصح منه الكلام، فوجب أن يكون متكلماً"٢.

стр. 175

ويلاحظ أن طريقة البيهقي هذه تتضمن طريق الأولى التي سلكها كثير من علماء السلف، كما ستأتي إشارة ابن تيمية إلى ذلك إن شاء الله، لأنها تتضمن القول بأن ذلك إذا كان ثابتاً في حقّ المخلوق وهو صفة كمال، فالخالق سبحانه أولى بالاتصاف به، وإذا تنزه المخلوق عن الاتصاف بضده فإن الخالق أولى بالتنزه عنه. والبيهقي وإن لم يصرح بذلك إلا أن ذلك مفهوم طريقته، والبيهقي بذلك يوافق السلف في الطرق التي سلكوها، إذ السلف كما يستدلون بالنصوص فإنهم لا يهملون العقل في هذه الناحية، بل يرون أنها كما ثبتت بالنص فهي ثابتة بالعقل أيضاً١. إلا أن ثمة عدة طرق عقلية لإثبات هذه الصفات قال بها السلف وهذه التي سلكها البيهقي واحدة منها، ويقررها ابن تيمية بقوله: "من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظار السنة في هذا الباب أنه لولم يكن موصوفاً بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالقدرة لوصف بالعجز، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس والبكم، وطرد ذلك أنه لولم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلاً فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى وتلك صفة نقص ينزه عنها الكامل من المخلوقات، فتنزيه الخالق عنها أولى"٢.

стр. 176

وهذه الطريقة في إثبات الصفات طردها السلف في جميع الصفات، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية بقوله: "وطرد ذلك ... " بخلاف البيهقي فإنه قصرها على هذه الصفات السبع التي أثبتها. ويذكر ابن تيمية أن هذه الطريقة تختلف عن طريقة إثبات الصفات بأنفسها، وإن كانتا تتفقان في أن كليهما يدخل في قياس الأولى. وفي بيان اختلاف بين الطريقتين يقول ﵀: "وهذه الطريق غير قولنا إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أولى، فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها"١. وإذا اتضح لنا إثبات البيهقي ﵀ لهذه الصفات ودليله لذلك الإثبات من النقل والعقل، فقد وضح أيضاً أنه يلتزم في ذلك الإثبات مبدأ طالما التزمه السلف، وجعلوه أساساً للإثبات، وهو إثباتها له سبحانه على وجه يليق بجلاله وعظمته، لا يشبه أحداً من خلقه، ولا يشبهه أحد منهم. وفي إيضاح دليل هذا المبدأ الذي يتضمن المبدأ نفسه يقول البيهقي: "فإن قال قائل: فما الدليل على أنه لا يشبه المصنوعات ولا يتصوّر في الوهم؟ قيل لأنه لو أشبهها لجاز عليه ما يجوز على المصنوعات من سمات النقص، وآمارات الحدوث، والحاجة إلى محدث غيره وذلك يقتضي نفيه، فوجب أنه كما وصف نفسه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.

стр. 177

ولأنا نجد كل صنعة فيما بيننا لا تشبه صانعها كالكتابة لا تشبه الكاتب، والبناء لا يشبه الباني، فدل ما ظهر لنا من ذلك على ما غاب عنا، وعلمنا أن صنعة الباري لا تشبهه"١. فهذا دليل عقلي ساقه البيهقي ﵀ ليسند به رأيه في إثبات هذه الصفات على ضوء قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فقد جمع سبحانه في هذه الآية بين إثبات الصفات، وبين تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقات، فصفاته سبحانه تليق بجلاله وكماله، وصفات خلقه تليق بضعفهم وافتقارهم. وهكذا يتضح لنا أن البيهقى إنما يتفق مع الأشاعرة في إثبات هذه الصفات، إلا أنه يختلف معهم في طريقة الإثبات، فالبيهقي سلك لذلك طريقي العقل والنقل جميعاً، أما الأشاعرة فاكتفوا بالاستدلال العقلي٢. والبيهقي بهذا يتفق مع السلف لأنه جمع بين الأمرين مثلهم، كما سبق أن ذكرت إشارة ابن تيمية إلى ذلك. زيادة الصفات على الذات: ولهذا الموضوع أهمية خاصة نظراً لكونه المحك الرئيسي في وضوح الرؤية، وبيان المقصد في الكلام عن الصفات، ولهذا لم يهمله البيهقي بل أولاه من العناية ما يليق بأهميته. وقد سبق أن ذكرت عن المعتزلة نفيهم لهذه الصفات مع أنهم حينما يذكرونها، ويتحدثون عنها، إنما يكون حديثهم ذاك على أساس أنه إثبات للصفات، فهم لا يعترفون لنا بما نتهمهم به مع أنه صريح مذهبهم وإنما

стр. 178

كانوا نفاة لأنهم يثبتون الصفات ألفاظاً لاحقائق لها وراء الذات. فالصفة عندهم - كما سبق أن أوضحت - هي عين الذات، ليست زائدة عليها، وهم يعتبرون رأيهم إثباتاً لا نفي فيه، وأنه هو الذي يجب أن يقال من أجل البعد عن إشراك غير الله معه في أخص وصفه الذي هو القدم عندهم، ومن أجل البعد عن التشبيه، فهذا القول من جانبهم يعتبرونه تصحيحاً للتوحيد. وقد قابل البيهقي ﵀ رأي المعتزلة هذا، برأيه المقابل له، والذي هو بعينه رأي الأشاعرة جميعاً - موافقين بذلك السلف، وهذا الرأي الذي ارتضاه البيهقي مقابل تماماً لرأي المعتزلة، ويتضمن الرد عليهم. فعند استدلاله ﵀ على ثبوت هذه الصفات عنون لذلك المنهج بقوله "باب ذكر آيات وأخبار وردت في صفات زائدات على الذات قائمات"١. ثم سرد الأدلة التي أثبت بها الصفات، وعند تقسيمه للصفات العقلية إلى قسمين ذكر أن القسم الثاني منها "ما يدل خبر المخبر عنه ووصف الواصف له به على صفات زائدات على ذاته قائمات به، وهو كوصف الواصف له بأنه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم"٢. ومن هذا يتضح لنا أن رأي البيهقي ﵀ هو أن الصفات زائدة على الذات، على العكس من رأي المعتزلة.

стр. 179

وقد استدل لهذا الرأي بدليلين: أحدهما عقلي، والآخر شرعي نقلي. فأما الدليل النقلي: فثبوت اتصافه سبحانه بهذه الصفات عن طريق نطق النصوص صراحة بإثبات بعضها، أو عن طريق إثبات الأوصاف له سبحانه التي هي بدورها تدل على ثبوت الصفة. وقد بين البيهقي ذلك بقوله: "فإن قال قائل، وما الدليل على أنه حي قادر عالم مريد سميع بصير متكلم، له الحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام؟ قيل: لأ نه يستحيل إثبات موجود بهذه الأوصاف مع نفي هذه الصفات عنه، وحين لزم إثباته بهذه الأوصاف، لزم إثبات هذه الصفات له، قال الله : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ١. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٢ فأثبت القوة لنفسه وهي القدرة، وأثبت العلم، فدل على أنه عالم بعلم قادر بقدرة"٣. فهاتان الصفتان - أعني العلم والقدرة - اللتان وردتا في هاتين الآيتين ثبتتا صفتين بصريح النص القرآني في كل منهما، أما بقية الصفات فقد ثبتت أوصافاً، لأن الوصف يستلزم ثبوت الصفة – كما بيت البيهقي – ﵀ – ولا معنى لثبوت الصفة إلا زيادتها على مفهوم الذات. وهذا ما ذكره التفتازاني أيضاً في شرح العقائد النسفية حيث قال: "وله صفات، لما ثبت من أنه عالم حي قادر، إلى غير ذلك ومعلوم أن

стр. 180

كلاً من ذلك يدل على معنى زائد على مفهوم الواجب، وليس الكل ألفاظاً مترادفة، وإن صدق المشتق على الشيء يقتضي ثبوت مأخذ الاشتقاق له، فثبت له صفة العلم، والقدرة، والحياة وغير ذالك..."١. وأما الدليل العقلي: فإن العقل لا يتصور وجود وصف لا يقوم بموصوف، كما أنه لا يتصور موصوفاً لا وصف له، ومثل الصفة والموصوف في ذلك كمثل الأثر والمؤثر، فلو جاز وجود فاعل ليس له فعل، لجاز وجود فعل بدون فاعل، إلا أن الأوّل مستحيل، وإذا استحال وجود الأول منهما وهو الفاعل بدون فعل، استحال أيضاً وجود الثاني وهو فعل لا فاعل له. وإذا استحال ذلك استحال أيضاً وجود صفة بدون موصوف كما يستحيل وجود موصوف بدون صفة، لأنه لا معنى لموصوف إلا من قامت به الصفة، ولا معنى لصفة إلا إذا كانت قائمة بموصوف، مثلها في ذلك مثل الفعل الذي لا يمكن وجوده إلا بفاعل، كما لا يمكن وجود الفاعل ولا فعل له. وفي بيان هذا الاستدلال العقلي يقول البيهقي: "لو جاز عالم لا علم له، لجاز علم لا لعالم به، كما أنه لو جاز فاعل لا فعل له، لجاز فعل لا لفاعل فلما استحال فاعل لا فعل له، كما استحال فعل لا فاعل له، كذلك يستحيل عالم لا علم له، كما يستحيل علم لا عالم له، ولأن العلم لولم يكن شرطاً في كون العالم عالماً، لم يضر عدمه في كل عالم، حتى يصح كل عالم أن يكون عالماً مع عدم العلم، وحين كان شرطاً في كون
следующие страницы →