وهذه الطريقة في إثبات الصفات طردها السلف في جميع الصفات، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية بقوله: "وطرد ذلك ... " بخلاف البيهقي فإنه قصرها على هذه الصفات السبع التي أثبتها.
ويذكر ابن تيمية أن هذه الطريقة تختلف عن طريقة إثبات الصفات بأنفسها، وإن كانتا تتفقان في أن كليهما يدخل في قياس الأولى. وفي بيان اختلاف بين الطريقتين يقول ﵀:
"وهذه الطريق غير قولنا إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أولى، فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها"١.
وإذا اتضح لنا إثبات البيهقي ﵀ لهذه الصفات ودليله لذلك الإثبات من النقل والعقل، فقد وضح أيضاً أنه يلتزم في ذلك الإثبات مبدأ طالما التزمه السلف، وجعلوه أساساً للإثبات، وهو إثباتها له سبحانه على وجه يليق بجلاله وعظمته، لا يشبه أحداً من خلقه، ولا يشبهه أحد منهم.
وفي إيضاح دليل هذا المبدأ الذي يتضمن المبدأ نفسه يقول البيهقي: "فإن قال قائل: فما الدليل على أنه لا يشبه المصنوعات ولا يتصوّر في الوهم؟
قيل لأنه لو أشبهها لجاز عليه ما يجوز على المصنوعات من سمات النقص، وآمارات الحدوث، والحاجة إلى محدث غيره وذلك يقتضي نفيه، فوجب أنه كما وصف نفسه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.
стр. 177
ولأنا نجد كل صنعة فيما بيننا لا تشبه صانعها كالكتابة لا تشبه الكاتب، والبناء لا يشبه الباني، فدل ما ظهر لنا من ذلك على ما غاب عنا، وعلمنا أن صنعة الباري لا تشبهه"١.
فهذا دليل عقلي ساقه البيهقي ﵀ ليسند به رأيه في إثبات هذه الصفات على ضوء قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فقد جمع سبحانه في هذه الآية بين إثبات الصفات، وبين تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقات، فصفاته سبحانه تليق بجلاله وكماله، وصفات خلقه تليق بضعفهم وافتقارهم.
وهكذا يتضح لنا أن البيهقى إنما يتفق مع الأشاعرة في إثبات هذه الصفات، إلا أنه يختلف معهم في طريقة الإثبات، فالبيهقي سلك لذلك طريقي العقل والنقل جميعاً، أما الأشاعرة فاكتفوا بالاستدلال العقلي٢.
والبيهقي بهذا يتفق مع السلف لأنه جمع بين الأمرين مثلهم، كما سبق أن ذكرت إشارة ابن تيمية إلى ذلك.
زيادة الصفات على الذات:
ولهذا الموضوع أهمية خاصة نظراً لكونه المحك الرئيسي في وضوح الرؤية، وبيان المقصد في الكلام عن الصفات، ولهذا لم يهمله البيهقي بل أولاه من العناية ما يليق بأهميته.
وقد سبق أن ذكرت عن المعتزلة نفيهم لهذه الصفات مع أنهم حينما يذكرونها، ويتحدثون عنها، إنما يكون حديثهم ذاك على أساس أنه إثبات للصفات، فهم لا يعترفون لنا بما نتهمهم به مع أنه صريح مذهبهم وإنما
стр. 178
كانوا نفاة لأنهم يثبتون الصفات ألفاظاً لاحقائق لها وراء الذات. فالصفة عندهم - كما سبق أن أوضحت - هي عين الذات، ليست زائدة عليها، وهم يعتبرون رأيهم إثباتاً لا نفي فيه، وأنه هو الذي يجب أن يقال من أجل البعد عن إشراك غير الله معه في أخص وصفه الذي هو القدم عندهم، ومن أجل البعد عن التشبيه، فهذا القول من جانبهم يعتبرونه تصحيحاً للتوحيد.
وقد قابل البيهقي ﵀ رأي المعتزلة هذا، برأيه المقابل له، والذي هو بعينه رأي الأشاعرة جميعاً - موافقين بذلك السلف، وهذا الرأي الذي ارتضاه البيهقي مقابل تماماً لرأي المعتزلة، ويتضمن الرد عليهم.
فعند استدلاله ﵀ على ثبوت هذه الصفات عنون لذلك المنهج بقوله "باب ذكر آيات وأخبار وردت في صفات زائدات على الذات قائمات"١.
ثم سرد الأدلة التي أثبت بها الصفات، وعند تقسيمه للصفات العقلية إلى قسمين ذكر أن القسم الثاني منها "ما يدل خبر المخبر عنه ووصف الواصف له به على صفات زائدات على ذاته قائمات به، وهو كوصف الواصف له بأنه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم"٢.
ومن هذا يتضح لنا أن رأي البيهقي ﵀ هو أن الصفات زائدة على الذات، على العكس من رأي المعتزلة.
стр. 179
وقد استدل لهذا الرأي بدليلين: أحدهما عقلي، والآخر شرعي نقلي.
فأما الدليل النقلي: فثبوت اتصافه سبحانه بهذه الصفات عن طريق نطق النصوص صراحة بإثبات بعضها، أو عن طريق إثبات الأوصاف له سبحانه التي هي بدورها تدل على ثبوت الصفة. وقد بين البيهقي ذلك بقوله: "فإن قال قائل، وما الدليل على أنه حي قادر عالم مريد سميع بصير متكلم، له الحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام؟ قيل: لأ نه يستحيل إثبات موجود بهذه الأوصاف مع نفي هذه الصفات عنه، وحين لزم إثباته بهذه الأوصاف، لزم إثبات هذه الصفات له، قال الله : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ١.
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٢ فأثبت القوة لنفسه وهي القدرة، وأثبت العلم، فدل على أنه عالم بعلم قادر بقدرة"٣.
فهاتان الصفتان - أعني العلم والقدرة - اللتان وردتا في هاتين الآيتين ثبتتا صفتين بصريح النص القرآني في كل منهما، أما بقية الصفات فقد ثبتت أوصافاً، لأن الوصف يستلزم ثبوت الصفة – كما بيت البيهقي – ﵀ – ولا معنى لثبوت الصفة إلا زيادتها على مفهوم الذات.
وهذا ما ذكره التفتازاني أيضاً في شرح العقائد النسفية حيث قال: "وله صفات، لما ثبت من أنه عالم حي قادر، إلى غير ذلك ومعلوم أن
стр. 180
كلاً من ذلك يدل على معنى زائد على مفهوم الواجب، وليس الكل ألفاظاً مترادفة، وإن صدق المشتق على الشيء يقتضي ثبوت مأخذ الاشتقاق له، فثبت له صفة العلم، والقدرة، والحياة وغير ذالك..."١.
وأما الدليل العقلي: فإن العقل لا يتصور وجود وصف لا يقوم بموصوف، كما أنه لا يتصور موصوفاً لا وصف له، ومثل الصفة والموصوف في ذلك كمثل الأثر والمؤثر، فلو جاز وجود فاعل ليس له فعل، لجاز وجود فعل بدون فاعل، إلا أن الأوّل مستحيل، وإذا استحال وجود الأول منهما وهو الفاعل بدون فعل، استحال أيضاً وجود الثاني وهو فعل لا فاعل له. وإذا استحال ذلك استحال أيضاً وجود صفة بدون موصوف كما يستحيل وجود موصوف بدون صفة، لأنه لا معنى لموصوف إلا من قامت به الصفة، ولا معنى لصفة إلا إذا كانت قائمة بموصوف، مثلها في ذلك مثل الفعل الذي لا يمكن وجوده إلا بفاعل، كما لا يمكن وجود الفاعل ولا فعل له.
وفي بيان هذا الاستدلال العقلي يقول البيهقي: "لو جاز عالم لا علم له، لجاز علم لا لعالم به، كما أنه لو جاز فاعل لا فعل له، لجاز فعل لا لفاعل فلما استحال فاعل لا فعل له، كما استحال فعل لا فاعل له، كذلك يستحيل عالم لا علم له، كما يستحيل علم لا عالم له، ولأن العلم لولم يكن شرطاً في كون العالم عالماً، لم يضر عدمه في كل عالم، حتى يصح كل عالم أن يكون عالماً مع عدم العلم، وحين كان شرطاً في كون
стр. 181
بعضهم عالماً، وجب ذلك في كل عالم، لامتناع اختلاف الحقائق في الموصوفين، ولأن أحكام الفعل يمتنع مع عدم العلم منا به، كما يمتنع مع كوننا غير عالمين به فكما وجب استواء جميع المحكمين في "كونهم علما"١ كذلك يجب استواؤهم في كون العلم لهم، لاستحالة وقوعه من غير ذي علم به منا، ولأن حقيقة العلم ما يعلم به العالم، وبعدمه يخرج من كونه عالماً"٢.
فهذا الدليل العقلي الذي ساقه البيهقي يشتمل على عدة نقاط:
١ - أنه يستحيل عقلاً وجود صفة بدون موصوف، كما يستحيل وجود موصوف لا صفة له.
٢ - أن العلم شرط في كون العالم عالماً، كما هو مشاهد فيما بيننا من العلماء، أن العالم من له علم قائم به.
٣ - قياس الغائب على الشاهد في ذلك، بمعنى أنه إذا كان العالم فيما هو مشاهد بيننا لا يستحق هذه الصفة إلا إذا قامت به حقيقة، فكذلك ما غاب عنا من العلماء ينطبق عليهم نفس المبدأ فالله تعالى عالم بعلم لا يشبه علوم المخلوقات، لأنه يليق بجلاله وعظمته، وكذلك يقال في بقية الصفات.
٤ - أن إحكام الفعل يدل على علم صاحبه واتصافه بجميع صفات الكمال.
٥ - أنه لا معنى لحقيقة العلم في اللغة إلاّ ما يعلم به العالم، لأن من لم يكن كذلك كان جاهلاً، وبهذا يرى البيهقي أن الاستعمال اللغوي يتمشى مع مذهبه.
стр. 182
وذكرالبيهقي ﵀ لصفة العلم هنا دون غيرها لأن ما يقال فيها وينبطق عليها، ينطبق على بقية الصفات، ويقال فيها وإنما ما أراد أن يبيّن طريقة الاستدلال العقلي بتطبيقه على واحدة منها وقد بيّن هدفه هذا حين قال بعد ذلك: "ويقال في بقية الصفات ما قيل في صفة العلم"١.
وهكذا، فإن البيهقي يقرر رأيه القائل بزيادة الصفات على الذات، ردّاً بما ساقه من أدلة نقلية وعقلية على المعتزلة القائلين بأنها عين الذات.
وممن ردّ على المعتزلة في هذا الموضوع الإمام السلفي ابن قتيبة حيث قال في كتابه: "الاختلاف في اللفظ":
"وتعين آخرون في النظر، وزعموا أنهم يريدون تصحيح التوحيد بنفي التشبيه عن الخالق، فأبطلوا الصفات مثل: العلم، والقدرة، والجلال، والعفو، وأشباه ذلك، فقالوا: نقول هو الحليم ولا نقول بحلم وهو القادر ولا نقول بقدرة، وهو العالم ولا نقول بعلم، كأنهم لم يسمعوا إجماع الناس على أن يقولوا: "أسألك عفوك" وأن يقولوا: "يعفو بحلم ويعاقب بقدرة" والقدير هو ذو القدرة، والعفو هو ذو العفو، والجليل هو ذو الجلال، والعليم هو ذو العلم.
فإن زعموا أن هذا مجاز، قيل لهم: ما تقولون في قول القائل: غفر الله لك، وعفا عنك، وحلم الله عنك. أمجاز هو أم حقيقة؟
فإن قالوا هو مجاز، فالله لايغفر لأحد ولا يعفو عن أحد، ولا يحلم عن أحد على الحقيقة، ولن يركبوا هذه وإن قالوا حقيقة فقد وجب في
стр. 183
المصدر ما وجب في الصدر، لأنا نقول: غفر الله مغفرة، وعفا عفواً، وحلم حلماً، فمن المحال أن يكون واحد حقيقة والآخر مجازاً"١.
ومن هذا يخلص ابن قتيبة إلى إبطال رأي المعتزلة في الصفات القائل بأنها عين الذات بأمرين:
أحدهما: مخالفة ذلك الرأي لإجماع المسلمين.
وثانيهما: مخالفته لقواعد اللغة العربية.
أما شيخ الإسلام بن تيمية فيرد عليهم بأن الذات الموصوفة لا تنفك عن الصفات أصلاً ولا يمكن وجود ذات خالية عن الصفات، فدعوى المدّعي وجود حي عليم، قدير، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، كدعوى قدرة وعلم وحياة لا يكون الموصوف بها حياً عليماً قديراً، بل دعوى شيء موجود قائم بنفسه قديم أو محدث عري قد جميع الصفات ممتنع في صرريح العقل٢.
وما ذكره ابن تيمية هنا موافق لما ذكره البيهقي فيما تقدم، إلا أنني أرى كلام ابن تيمية هنا أوجز وأوضح.
وهكذا نتبيّن اتفاق البيهقي، والأشاعرة، والسلف، في القول بزيادة الصفات على الذات خلافاً للمعتزلة. ووضوح الأدلة الشرعية في إثبات هذه الصفات لله إثباتاً زائداً عل مفهوم الذات، لم يكن يستدعي مثل هذا البحث، لأن ذللك من الأمور العقلية المسلمة، إلاّ أن لذلك
стр. 184
سبباً ذكره ابن تيمية ﵀ وهو أن الجهمية لما كانوا ينفون أن يكون لله وصف قائم به، علم أو قدرة، أو إرادة أو كلام، وقد أثبتها المسلمون، صاروا يقولون: هؤلاء أثبتوا صفات زائدة على الذات، وقد صار طائفة من مناظريهم الصفاتية يوافقونهم على هذا الإطلاق، ويقولون: الصفات زائدة على الذات التي وصفوا - لها صفات ووصف - فيشعرون الناس أن هناك ذاتاً متميزة عن الصفات، وأن لها صفات متميزة عن الذات١.
والبيهقي ﵀ – وإن كان رد على نفاة الصفات من المعتزلة الذين جعلوها عين الذات، بالقول بزيادتها على الذات على النحو السابق، إلاّ أنه لا يقول بالتمييز بين الذات والصفة، وإنما غرضه أن يبين عدم صحة وجود ذات بدون صفات، كما اتضح مما ذكرت آنفاً والذي هو عين التحقيق الذي ارتضاه ابن تيمية. ولذلك يبين البيهقي الصلة التي يراها بين الذات والصفات فيقول: "ونعتقد في صفات ذاته أنها لم تزل موجودة بذاته، ولا تزال، ولا نقول فيها إنها هو ولا غيره، ولا هو هي ولا غيرها"٢.
وفي كتاب الجامع بين ﵀ مراده من نفي الغيرية والعينية، بأن نفي العينية لأن إثباتها يقتضي أن تكون الصفة موصوفة بما اتصفت به الذات المرادفة لها، فيكون العلم عالماً، والقدرة قادرة وذلك مستحيل،
стр. 185
كما نفيت الغيرية لاستحالة مفارقة الصفة للموصوف، ولأن من معاني الغيرية ما لا يستحيل مفارقة أحدهما لصاحبه بوجه"١.
ورأي البيهقي هذا موافق لما عليه أئمة أهل السنة، الذي ذكره ابن تيمية فقال: "قالت الأئمة: لا نقول الصفة هي الموصوف، لأنا لا نقول: لا هي هو، ولا هي غيره، فإن لفظ الغير فيه إجمال، قد يراد به المباين للشيء، أو ما قارن أحدهما الآخر، وما قاربه بوجود أو زمان أو مكان، ويراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر وعلى الأول فليست الصفة غير الموصوف، ولا بعض الجملة غيرها، وعلى الآخر فالصفة غير الموصوف، وبعض الجملة غيرها.
فامتنع السلف والأئمة من إطلاق لفظ الغير، على الصفة، نفياً أو إثباتاً، لما في ذلك من الإجمال والتلبيس، حيث صار الجهمي يقول: القرآن هو الله أو غير الله؟ فتارة يعارضونه بعلمه، فيقولون: علم الله هو الله أو غيره؟ إن كان ممن يثبت العلم، أو لا يمكنه نفيه. وتارة يحلون الشبهة ويثبتون خطأ الإطلاقين: النفي والإثبات، لما فيه من التلبيس، بل يستفصل السائل فيقال له: إن أردت بالغير ما يباين الموصوف فالصفة لا تباينه، فليست غيره، وإن أردت بالغير ما يمكن فهم الموصوف على سبيل الإجمال وإن لم يكن هو، فهو غير بهذا الاعتبار"٢.
وهناك إطلاق آخر ذكره ابن تيمية عن بعض الصفاتية وهو القول بأن الصفة لا هي الموصوف ولا غيره، وهو قول أبي الحسن الأشعري٣.
стр. 186
وهذا الإطلاق له معنى صحيح وهو أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة، بل هي غيرها، وليست غير الموصوف بل الموصوف بصفاته شيء واحد غيرمتعدد١.
وهكذا نرى أن إثبات البيهقي ﵀ للصفات مقابل لرأي المعتزلة، الذي يثبت صفات هي عين الذات، وذلك - كما ذكرت آنفاً - نفي لتلك الصفات، لأنه لا معنى لاتصافه سبحانه بصفة إلاّ ومفهوم تلك الصفة زائد على مفهوم الذات، مع عدم انفكاك الصفة عن الذات الموصوفة بها، وعدم جواز خلوها عنها. فالله سبحانه حي بحياة، قادر بقدرة، عالم بعلم، سميع بسمع بصير ببصر، مريد بإرادة، متكلم بكلام، لا كما قال المعتزلة إنه عالم بعلم هو ذاته، أو إنه عالم بعالمية، على ما أثبته أبو هاشم المعتزلي من أحوال لا وجود لها.
قدم الصفات:
أما عن قدم هذه الصفات، فإن القول به هو رأي البيهقي ﵀ موافقاً بذلك أصحابه من الأشاعرة، فقد تقدم تعريفه لها بأنها ما استحقه – سبحانه - فيما لم يزل ولا يزال٢. بمعنى أن جميع هذه الصفات السبع قديمة، لا يجوز أن يكون شيء منها حادثاً.
وهذا الرأي هو أحد الأحكام الأربعة التي وضعها المتكلمون من الأشاعرة لهذه الصفات٣.
وقد استدل البيهقي لقدمها بدليل عقلي يقول فيه "فإن قال قائل: وما الدليل على أنه لم يزل حياً، قادراً، عالماً، مريداً، سميعاً، بصيراً، متكلتما؟
стр. 187
قيل: لأنه لولم يكن كذلك لكان موصوفاً بأضدادها من موت أو عجز أو آفة، ولو كان كذلك لاستحال أن يقع منه فعل، وفي صحة الفعل منه دليل على أنه لم يزل كذلك ولا يزال كذلك ١.
أي: إنه سبحانه لولم يكن متصفاً بهذه الصفات في الأزل، لكان متصفاً بأضدادها، لاستحالة خلوه من الصفة وضدها، ووقوع الفعل منه سبحانه على هذا الوجه الذي نرى دليل على اتصافه بها. وهذا هو بعينه دليل ثبوتها الذي سبق أن ذكرت عنه، فهي إذن ثابتة له في الأزل.
والقول باتصافه سبحانه بها الأزل محل الاتفاق بين البيهقي ومن وافقه، وبين السلف. فهي عنده قديمة، ولا يجوز أن يوصف شيء منها بالحدوث، بحجة أننا إذا جوزنا حدوث شيء منها فقد جوزنا حلول الحوادث بذات الله ، والحوادث لا تحل إلاّ بحادث مثلها.
وقبل أن أشرع في إيضاح الآراء في مسألة حلول الحوادث بذات الله تعالى، ووجه الحقّ فيها، أحبّ أن أبيّن أن ما قاله البيهقي والأشاعرة عن قدم الصفات هو ما ارتضاه متأخرو الماتوريدية في جميع الصفات، الذاتية منها والفعلية٢.
حلول الحوادث بذات الله تعالى:
أما عن هذه القضية فإن البيهقي ومن وافقه في القول بقدم الصفات وعدم جواز حدوث شيء منها، يرون أن ما نشاهده مما يدل على حدوث هذه الصفات، من المرئيات التي حدثت بعد أن لم تكن والمسموعات التي ظهرت، إلى غير ذلك، يرون أنها من متعلقات الصفات القديمة، وليس في شيء منها دليل على حدوث الصفة.
стр. 188
وفي ذلك يقول البيهقي: "علم الله أزلي متعلق بالمعلومات عند حدوثها"١.
"وسمعه أزلي متعلق بإدراك المسموعات عند ظهورها وبصره أزلي متعلق بإدراك المرئيات عند وجودها من غير حدوث معنى فيه تعالى الله عن أن يكون محلاً للحوادث، وأن يكون شيء من صفات ذاته محدثاً"٢.
وهذه الجملة الأخيرة ترشدنا إلى الشبهة التي حملت البيهقي ومن وافقه على القول بقدم الصفات، لأننا إذا جوزنا حدوثها فقد جوزنا حلول الحوادث بذات الله تعالى، وذلك محال عندهم. وهذه القضية أعني القول بمنع حلول الحوادث، بذات الله تعالى، محل اتفاق بين المتكلّمين من أشاعرة ومعتزلة، وكذلك الفلاسفة.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى "هو مذهب أكثر أهل الحديث، بل قول أئمة الحديث، وهو الذي نقلوه عن سلف الأمة، وأئمتها. وكثير من الفقهاء والصوفية أو أكثرهم، وفيهم من الطوائف الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية الحنابلة، من لا يحصي عدده إلاّ الله"٣.
стр. 189
كما ذكر الرازي في كتاب الأربعين أن هذا القول لازم لجميع الطوائف التي أنكرته، بل ذكر أن أبا البركات البغدادي وهو من أشهر الفلاسفة المتأخرين قال به صراحة١.
ففي هذه المسألة إذاً رأيان:
أحدهما: يقول بجواز حلول الحوادث بذات الله تعالى، وهو رأي جمهور المحدّثين وأئمتهم.
والآخر: يمنع ذلك، وهو مذهب البيهقي، ومن وافقه من المتكلمين والفلاسفة.
وكل من الفريقين لا بد وأن يسلك في الاستدلال على مذهبه في هذه القضية السمع، أو العقل، أو الاثنين جميعاً، وهما طريقان ليس للنفاة فيهما نصيب مما يقوي رأي المحدثين، ويدل على أنه الحقّ فالشبهة الوحيدة التي قادت النفاة ومنهم البيهقي على سلوك هذا المنهج ذكرها إمام الحرمين الجويني من معاصري شيخنا وهي: أنه قامت الحوادث به لم يخل عنها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث٢.
وهي متضمنة للدليل الذي سبق أن ذكرت استدلال البيهقي به على حدوث العالم. إلأ أن هذا الكلام لا دليل لهم فيه على هذه القضية فهو كلام مجمل يشتمل على حق وباطل، لأنه إن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح.
стр. 190
وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول، والاستواء، والإتيان، كما يليق بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل١. وهو ماقصده النفاة هنا، ووجه بطلانه أنه ينفي اتصاف الله سبحانه بصفات الكمال المتعلقة بمشيئته وقدرته، مما يؤدي إلى إضافة العجز إلى الله .
أما المثبتون فإن استدلالهم سليم لسلامة المنهج الذي ساروا عليه، والتصور العقلي المتناسق والمنسجم مع روح ذلك المنهج ذلك أنهم سلكوا طريقي النقل والعقل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولا ريب أن الطرق الدالة على الإثبات والنفي، إما السمع وإما العقل، أما السمع فليس مع النفاة منه شيء بل القرآن والأحاديث هي من جانب الإثبات كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٥. وأمثال ذلك مما وردها القرآن فإنه كثير..
стр. 191
وأما الطرق العقلية فالمثبتون يقولون إنها من جانبهم دون جانب النفاة، كما تزعم النفاة أنها من جانبهم وذلك أنهم قالوا إن قدرته على ما يقوم به من الكلام والفعل صفة كمال، ومن المعلوم أن من قدر على أن يفعل ويتكلم أكمل ممن لا يقدر على ذلك كما أن قدرته على أن يبدع الأشياء صفة كمال، والقادر على الخلق أكمل ممن لا يقدر على الخلق، وقالوا: الحي لا يخلو عن هذا والحياة هي المصححة لهذا كما هي المصححة لسائر الصفات، وإذا قدر حي لا يقدر على أن يفعل بنفسه، ويتكلم بنفسه، كان عاجزاً بمنزلة الزمن والأخرس"١.
وهذا الرأي الذي اختاره ابن تيمية وذكر أنه مذهب السلف وأنه الحق الذي يؤيده الدليل الشرعي والعقلي هو بعينه رأى الكرامية.
وكل ما بين الكرامية والسلف من خلاف في هذه المسألة هو أنهم يجعلون لما يحدث في ذاته ابتداء ويقولون: إنه لم يكن متكلماً ولا فاعلاً في الأزل ثم صار متكلماً وفاعلاً فيما لا يزال، كما إن ما يحدث في ذاته عندهم لا يقبل العدم والزوال٢.
وهكذا يتضح لنا أن القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى بمعنى أنه يتكلم متى شاء ويفعل ما يريد هو الرأي الصحيح بدلالة العقل والنقل. كما اتضح لنا موافقة البيهقي للأشاعرة على ما وضعوه من أحكام لهذه الصفات، والتي سبق ذكرها في أوّل هذا الفصل.
стр. 192
المبحث الثاني: صفات الفعل العقلية
سبق لنا بيان أن من صفات الفعل ماهو عقلي، كما أن صفات الذات منها ما هو عقلي أيضاً.
وقد عرف البيهقي ﵀ صفات الفعل جميعاً، العقلي منها والخبري بأنها: "تسميات مشتقة من أفعاله، ورد السمع بها مستحقة له فيما لا يزال دون الأزل"١.
وقد علل تعريفه هذا لصفات الأفعال: بأن الأفعال التي اشتقت منها هناه الصفات لم تكن في الأزل٢.
ومثل للعقلية منها بالخلق، والرزق، والإحياء والإماتة والعفو، والعقوبة٣.
وإنما سمي هذا النوع من الصفات عقلياً، لأن العقل دل على ثبوتها، مع ورود النص بها، كما سبق أن ذكرت عند بيان صفات الذات العقلية.
فالبيهقي ﵀ يرى أن مصدر إثبات هذه الصفات العقل والشرع جميعاً.
وإذا كان ﵀ لم يسهب في بيان هذه الصفات على مثل ما فعل في صفات الذات السالفة، فإنه بين طريقته إجمالاً، بمعنى أن الطريق
стр. 193
التي ثبتت بها هذه الصفات هي بينها الطريق التي ثبتت بها صفات الذات العقلية، حيث قال في الصفات العقلية بنوعيها: إنها ما كان طريق إثباته أدلة العقول مع ورود السمع به١.
واكتفى من كلامه عن صفات الفعل العقلية ببيان الفارق الذي تضمنه التعريف، حيث ذكر فيما سبق قدم صفات الذات العقلية وذكر هنا حدوث صفات الفعل العقلية، وهو بهذا يوافق الأشاعرة القائلين هم أيضاً بحدوثها٢، وهذا رأي المعتزلة٣.
وقد استدل البيهقي - ربه الله- لثبوت صفات الفعل بالكتاب والسنة.
فمما استدلّ به من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٤. وقوله ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ٥ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ٦
إلى سائر ما ورد في كتاب الله تعالى، في هذا المعنى. فهذا دليله ﵀ من القرآن على ثبوت الصفات الفعلية عامة وصمفات الفعل العقلية المتعدية خاصة.
стр. 194
وأما من السنة فقد استدل بحديث عمران بن حصين قال: "أتيت رسول الله ﷺ فجاءه نفر من أهل اليمن فقالوا: يا رسول الله، أتيناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أوّل هذا الأمر كيف كان؟ قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كلّ شيء، ثم خلق السموات والأرض" ١.
ووجهة استدلاله على إثبات صفات الفعل بهذه النصوص واضحة إذ إنها ناطقة بإثباتها.
وأما استدلاله بها على حدوثها فإن الآيات تضمنت إثبات صفة الخلق الذي هو إيجاد للشيء من العدم، وإيجاد الشيء بعد عدمه أمر حادث.
وأما الحديث فقد بين وجهة استدلاله به بقوله: قوله "كان الله ولم يكن شيء غيره" لا الماء ولا العرش، ولا غيرهما، وكل ذلك أغيار، وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ يعني: به ثم خلق الماء، وخلق العرش على الماء"٢.
ورأي البيهقي هذا في الحديث هو أحد القولين اللذين ذكرهما شارح الطحاوية في معناه حيث قال: "والناس في هذا الحديث على قولين:
стр. 195
بعد أن لم يكن يفعل شيئاً من الأزل إلى حين ابتداء الفعل، ولا كان الفعل ممكناً.
٢ - والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود، الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش كما أخبر القرآن بذلك في غير موضع"١.
وكلام البيهقي السالف يدل على أنه من أصحاب الرأي الأول، الذي يتضمن القول بنفي تسلسل الحوادث، الذي سنبين الآراء حوله ووجه الحق فيه في نهاية هذا المبحث إن شاء الله.
وليس معنى قول البيهقي بحدوث هذه الصفات، أنه يلزمه القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى، والذي سبق أن بينت أنه يرفض القول به، لأنه لا يرى قيامها بذات الله سبحانه، شأنه في ذلك شأن أصحابه الأشاعرة الذين يرون أن أفعال الله تعالى عبارة عن تعليقات القدرة بالمقدورات، دون قيام فعل بذاته تعالى، إذ إنهم يثبتون للقدرة تعلقين:
١ - تعلق صلوحي قديم.
٢- تعلق تنجيزي حادث.
فالأول: صلاحيتها في الأزل لإيجاد كل ممكن فيما لا يزال أي حين وجوده.
والثاني: إبرازها بالفعل للممكنات التي أراد الله وجودها فتعلقها في الأزل أعم لأنها صالحة في الأزل لإيجاد كل ممكن على أي صفة كانت، بخلاف تعلقها التنجيزي فإنه تعلقها بالممكن الذي أراد الله وجوده على صفة كذا...٢.
стр. 196
والرأي المقابل لرأي البيهقي والأشاعرة هو رأي الماتريدية القائلين برجوع جميع صفات الأفعال هذه إلى صفة واحدة هي صفة التكوين، وهذه قديمة عندهم، ومغايرة لصفة القدرة.
وقد عرفوا صفة التكوين بأنها صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى كصفة العلم والقدرة١.
ويقولون إن الله تعالى متصف بهذه الصفة أزلاً، وإن جميع صفات الله تعالى قديمة بدون استثناء، لأن هذه صفات كمال ومدح والله سبحانه منزه عن حدوثها، لأن معنى ذلك أنه كان محلاً للنقص الذي يقتضيه فقد صفة من الصفات.
وفي ذلك يقول النسفي: "وقال أصحابنا: إنه كان خالقاً لقيام صفة الخلق وهو التكوين بذاته في الأزل، كما كان عالماً قادراً سميعاً بصيراً، وصار الحاصل أن جميع ما هو صفة الله تعالى كان أزلياً، وهو تعالى كان موصوفاً به في الأزل، تعالى ربّنا أن يحدث له صفات المدح"٢.
وهذا شبيه بالحل الذي ارتضاه الغزالي لقضية تسلسل الحوادث في جانب الماضي، والذي سنتعرض لذكره بعد قليل.
وقد بنى الماتوريدية مذهبهم في إثبات هذه الصفة التي هي مرجع جميع صفات الأفعال العقليّة المتعدية من خلق ورزق وإحياء وإماتة وغير ذلك، بنوا مذهبهم هذا على أن التكوين لا بد أن يكون غير المكون، لأنه
стр. 197
لو كان نفس المكان للزم أن يكون المكون موجوداً بنفسه ضرورة أنه مكون بالتكوين الذي هو عينه، ويلزم من هذا أن يكون المكون قديماً مستغنياً عن الصانع وهو محال، كما يلزم ألاّ يكون للخالق تعلق بالعالم سوى أنه أقدم منه وقادر عليه من غير صنع وتأثير فيه ضرورة تكونه بنفسه. وهذا لا يوجب كونه خالقاً والعالم مخلوقاً له، كما أن التكوين إذا كان عن المكون لا يكون قائماً بذات الله تعالى١.
وقد ظهر من كلامهم هذا أنهم رادون به على من قد يتوهم أنهم يوافقون الفلاسفة في القول بقدم العالم، أو القائلين بتسلسل الحوادث في جانب الماضي.
فهنا إذاً رأيان متقابلان:
أحدهما: رأي متأخري الأشاعرة الذي اختاره البيهقي، وهو القول بحدوث هذه الصفات، لأن القول بقدمها يفضي إلى القول بتسلسل الحوادث وهو ممنوع عندهم.
ثانيهما: رأي متأخري الماتوريدية القائل بقدمها بل قدم جميع الصفات، لأنهم يرون أن ذلك هو الذي يجب أن يقال من أجل أن يوصف الله سبحانه بصفات الكمال أزلاً وأبداً، ولأنهم يرون أن ذلك لا يؤدي إلى القول بتسلسل الحوادث، لأن التكوين غير المكون.
وإذا قلنا بحدوثها فإن ذلك يقتضي القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى. وقد سبق أن بينت أن القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى - على المعنى الذي ذكرت - هو الرأي السليم كما سيأتي أن القول
стр. 198
بتسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل هو الصحيح أيضاً الذي نكون بموجبه قد أثبتنا لله سبحانه صفات الكمال اللائقة به أزلاً وأبداً. وهذا هو رأي السلف، لأنهم لا يقولون بقدم الصفات مطلقاً، كما لا يقولون بحدوثها مطلقاً بل مترددة بين القدم والحدوث، فنوعها هو القديم، وآحادها هي الحادثة.
فالرب تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء والفعل من لوازم الحياة فالرب لم يزل حياً فعالاً كما ذكر ذلك ابن تيمية عن الإمام أحمد بن حنبل، والبخاري صاحب الصحيح، ونعيم بن حماد الخزاعي، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم١.
ولا شك أن هذا القول مستلزم لجواز القول بتسلسل الحوادث، وهو ما التزمه السلف - كما سيأتي وفيما يلي نعرضه للبحث في هذا الموضوع، مبينين الآراء فيه، وموضحين المذهب الذي نراه صحيحاً مدعماً بالأدلة فأقول وبالله التوفيق.
الآراء في تسلسل الحوادث:
التسلسل ذو شقين:
(أ) تسلسل في جانب الماضي.
(ب) تسلسل في جانب المستقبل.
وقد اختلف الناس في التسلسل بنوعيه على ثلاثة آراء:
стр. 199
٢ - إمكانه في المستقبل دون الماضي، وهو قول كثير من أهل الكلام من الجهمية، والمعتزلة، ومن وافقهم من الكرامية والأشعرية والشيعة وغير هم.
٣ - إمكانه في الماضي والمستقبل، وهو قول أئمة أهل الحديث، وأئمة الفلاسفة وغيرهم١.
وقد سبق أن ذكرت تعليل البيهقي لقوله بحدوث صفات الأفعال، بأن الأفعال التي اشتقت منها حدثت بعد أن لم تكن وهذا تصريح بمنع التسلسل في جانب الماضي الذي هو محل الخلاف بين السلف والمتكلمين.
وقد استدل المانعون له في جانب الماضي بأدلة أشهرها ما يسمى برهان التطبيق ويتلخص هذا الدليل في أنهم يقدرون الحوادث من زمن الهجرة مثلاً إلى ما لا يتناهى، والحوادث من زمن الطوفان إلى ما لا يتناهى أيضاً، ثم يوازنون بين الجملتين فيقولون: إن تساوتا لزم مساواة الزائد للناقص، وهذا ممتنع، وإن تفاضلتا لزم أن يكون فيما لا يتناهى تفاضل وهو محال٢.
إلا أن هذا الاستدلال غير صالح من وجهة نظر مجيزي التسلسل في الماضي لأنهم يقولون: "لا نسلم أن حصول مثل هذا التفاضل في ذلك ممتنع، بل نحن نعلم أن من الطوفان إلى ما لا نهاية له في المستقبل أعظم من الهجرة إلى ما لا نهاية له في المستقبل، وكذلك من الهجرة إلى ما لا بداية
стр. 200
له في الماضي أعظم من الطوفان إلى ما لا بداية له في الماضي، وأن كلاً منهما لا بداية له، فإن ما لا نهاية له من هذا الطرف وهذا الطرف، ليس أمراً محصوراً محدوداً موجوداً حتى يقال هما متوازنان في المقدار، فكيف يكون أحدهما أكثر.
بل كونه لا يتناهى معناه أنه يوجد شيئاً بعد شيء دائماً، فليس هو مجتمعاً محصوراً والاشتراك في عدم التناهي لا يقتضي التساوي في المقدار إلا إذا كان ما يقال عليه إنه لا يتناهى قدراً محدوداً، وهذا باطل، فإن ما لا يتناهى ليس له حد محدود، ولا مقدار معين، بل هو بمنزلة العدد المضعف، فكما أن اشتراك الواحد والعشرة والمائة، والألف في التضعيف الذي لا يتناهى لا يقتضي تساوي مقاديرها، فكذلك هذا.
وأيضاً فإن هذين هما متناهيان من أحد الطرفين وهو الطرف المستقبل غير متناهيين من الطرف الآخر وهو الماضي، وحينئذ فقول القائل للزم التفاضل فيما لا يتناهى غلط، فإنه إنما حصل في المستقبل وهو الذي يلينا وهو متناه، ثم هما لا يتناهيان من الطرف الذي لا يلينا وهو الأزل.
وهما متناهيان من الطرف الذي يلينا وهو طرف الأبد فلا يصح أن يقال وقع التفاوت فيما لا يتناهى، إذ هذا يشعر بأن التفاوت حصل في الجانب الذي لا آخر له وليس كذلك بل إنما حصل التفاضل في الجانب المنتهي الذي له آخر فإنه لم ينقض"١.
стр. 201
والحاصل أن القول بجوار تسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل هو القول الصحيح، فإنه سبحانه لم يزل حياً، والفعل من لوازم الحياة، فلم يزل فاعلاً لما يريد كما وصف بذلك نفسه حيث قال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فعال لما يريد﴾ ١.
والآية تدل على أمور:
أحدها: أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته.
الثاني: أنه لم يزل كذلك، لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء، على نفسه، وأن ذلك من كماله سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادماً لهذا الكمال في وقت من الأوقات. وقد قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. ولما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثاً بعد أن لم يكن.
الثالث: أنه إذا أراد شيئاً فعله، فإن "ما" موصولة عامة أي يفعل كل ما يريد أن يفعله، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله.
الرابع: أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعل فعل وما فعله فقد أراده. بخلاف المخلوق فإنه يريد ما لا يفعل، وقد يفعل ما لايريده، فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده.
الخامس: إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال وإن كل فعل له إرادة تخصه، هذا هو المعقول في اانظر فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام ويفعل ما يريد.
стр. 202
السادس: إن كان ما صح أن تتعلق به إرادته جاز فعله..
والقول بأن الحوادث لها أوّل يلزم منه التعطيل قبل ذلك وأن الله لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلاً. ولا يلزم من ذلك قدم العالم، لأن كل ما سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تعالى له، ليس له من نفسه إلاّ العدم، والفقر والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى، والله تعالى واجب الوجود لذاته غني لذاته، والغني وصف ذاتي لازم له سبحانه وتعالى١.
فالقول بدوام الحوادث أزلاً وأبداً، هو الذي يتفق مع النصوص الشرعية التي تثبت لله كل كمال، وتنزهه عن كل نقص وأي كمال أوفى من إثبات ما أثبته لنفسه، ونفي ما نفاه عنها.
أما ما ذكره الإمام الغزالي من حل لمشكلة التسلسل وهو القول بأن الله تعالى متصف في الأزل بأنه فاعل بالقوة لأنه قادر على الفعل وليس فاعلاً حقيقة، والذي يبينه بقوله:
" ... والكشف للغطاء عن هذا أن السيف في الغمد يسمى صارماً، وعند حصول القطع به، وفي تلك الحالة على الاقتران يسمى صارماً، وهما بمعنيين مختلفين فهو في الغمد صارم بالقوة، وعند حصول القطع صارم بالفعل، فمعنى تسمية السيف في الغمد صارماً أن الصفة التي يحصل بها القطع في الحال لا يتصور في ذات السيف وحدته واستعداده، بل لأمر آخر وراء ذاته،
стр. 203
وبالمعنى الذي يسمى السيف في الغمد صارماً يصدق اسم الخالق على الله تعالى في الأزل فإن الخلق إذا جرى بالفعل لم يكن لتجدد أمر في الذات لم يكن، بل كل ما يشترط لتحقيق الفعل موجود في الأزل، وبالمعنى الذي يطلق حالة مباشرة القطع للسيف اسم الصارم، لا يطلق في الأزل، ... فقد ظهر أن من قال إنه لا يصدق في الأزل هذا الاسم فهو محق، وأراد به المعنى الأول"١.
إلا أن الغزالي ليس محقاً في كلامه هذا، وما ارتضاه من حل إنما يؤدي إلى تصور اتصافه سبحانه بصفة لا كمال فيها، لأن كمال صفة الخلق في إثبات اتصافه سبحانه بها بالفعل لا بالقوة فحسب. إذ الأدلة الشرعية تدل على ذلك. فيجب أن نعتقد بأن الله تعالى فعال لما ييريد، فهو يخلق متى شاء كيف شاء، وصفة الخلق ثابتة له سبحانه أزلاً وأبداً، وقوله سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ استفهام إنكاري دليل على خطأ ما ذهب إليه الغزالي والذي هو عين تصور الماتوريدية في قولهم بقدم الصفات.
стр. 204
الفصل الخامس: صفة الكلام
لقد كان الحديث حول هذه الصفة موضع اهتمام كبير من البيهقي حيث إن من اطلع على كتابيه اللذين خصصهما لمباحث العقيدة يلحظ هذا الاهتمام الكبير الذي أولاه هذه الصفة، إذ إنه ﵀ – خصص في كتاب الأسماء والصفات عدة أبواب طوال، تضم عشرات الصفحات الحافلة بشتى المسائل التي تتعلق بهذه الصفة كما خصص لها في كتاب الاعتقاد باباً من أكبر أبوابه.
وليس عجيباً أن يولي البيهقي هذه الصفة عناية خاصة ويبحثها في إفاضة وتحليل، وذلك لاتصالها الوثيق بمسألة خطيرة تبني الجهمية من المعتزلة ترويجهما ونشرها بشتى الأساليب، ألا وهي مسألة القول بخلق القرآن، التي وقعت بسببها المحنة على أهل السنة في عهدي المأمون والمعتصم من خلفاء بني العباس، حتى لقد ضرب الإمام أحمد، وطيف به في الأسواق، مما جعل الناس يتنازعون في هذه المسألة نزاعاً كبييراً، وينقسمون طوائف مختلفة، حتى قيل إن علم الكلام إنما سمي كذلك أخذاً من الكلام في هذه الصفة.
وقد ذكر شارح الطحاوية أن الخلاف في هذه القضية ينحصر في تسعة أقوال، ذكرها ناسباً كل قول إلى صاحبه١، إلا أن أشهر تلك الأقوال في نظري - ثلاثة، قال بها ست فرق وهي:
стр. 205
١ - الفلاسفة والصابئة، ويرون أن الكلام هو ما يفيض على النفوس، إما من العقل الفعال، أو من غيره، ويزعمون أن الله إنما كلم موسى من سماء عقله، أي بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج١.
٢ - المعتزلة والجهمية، زعموا أن معنى كونه تعالى متكلماً أنه خالق للكلام في غيره، وليس الكلام صفة قائمة به٢.
٣ - الكلابية والأشعرية، ذهبوا إلى أن الله تعالى متكلم بكلام قائم بذاته أزلاً وأبداً، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، وقالوا: إن ذلك الكلام معنى واحد في الأزل هو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كان محظور، والخبر عن كل مخبر عنه، إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً، وقالوا: معنى القرآن والتوراة والإنجيل واحد، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، والأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له٣.
стр. 206
هذا هو ملخص الآراء في هذه القضية، بقي أن نعرف مقصدنا الأساسي ألا وهو رأي البيهقي ﵀ فأقول وبالله التوفيق.
إن البيهقي لم يخرج في هذه المسألة برأي جديد، يستقل به من أصحابه الأشاعرة، بل إنه وافقهم في كل ما ذهبوا اليه من أن الكلام نفسي، وأنه قديم أزلي، وليس بحرف ولا صوت، وإن هذا الكلام الذي نقرؤه عبارة عن كلام الله القديم، والمعنى فيه واحد. وإليك مصداق ذلك كله من كلامه هو، مع بيان وجه الحق في كل ما طرقه من مسائل هذه القضية.
حقيقة الكلام الإلهي
يقول البيهقي ﵀ – "الكلام هو نطق نفس المتكلم، بدليل ما روينا عن أمير المؤمنين عمررضي الله عنه في حديث السقيفة: فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر ﵄، فكان عمر يقول: "والله ما أردت بذاك إلاّ أني قد هيّأت كلاماً أعجبني، وفي رواية أخرى: وكنت قد زّورت مقالة أعجبتني فسمي تزوير الكلام في نفسه كلاماً قبل التلفظ به"١.
والبيهقى بهذا يبين أن رأيه في الكلام أنه معان تقوم بنفس المتكلم، واستدل من اللغة بقول عمر ﵁، وهذا الرأي للبيهقي فيه موافقة كاملة لرأي أصحابه من الإشارة.
стр. 207
يقول إمام الحرمين الجويني: "الكلام هو القول القائم بالنفس"١.
وكذلك قال الجرجاني في شرح المواقف، وهو صريح مذهب الأشاعرة عموماً٢.
ومما استدل به هؤلاء لهذا الرأي قول الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
قال الآمدي بعد إيراده لهذا البيت: "وهذا الإطلاق والاشتهار دليل على صحة إطلاق الكلام على ما في النفس"٣.
وإذاً فالبيهقي - رحمه الله تعالى - في قوله بأن الكلام النفسي يوافق الأشاعرة، ويخالف السلف، إذ إن مذهب السلف في هذه المسألة يختلف اختلافاً كبيراً عن رأي هؤلاء لأن حقيقة كلام الله تعالى عندهم أنه ما يسمع منه أو من المبلّغ عنه، فإذا سمعه السامع علمه وحفظه٤.
يقول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀: "فالله المتكلم أولاً وآخراً، لم يزل له الكلام، إذ لا متكلم غيره، ولا يزال له الكلام إذ لا يبقى متكلم غيره، فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ٥ أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ وكيف يعجز عن الكلام من علم العباد الكلام، وأنطق الأنام؟
стр. 208
قال الله في كتابه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ١. فهذا لا يحتمل تأويلاً غير نفس الكلام...
وقال لقوم موسى حين اتخذوا العجل فقال: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً...﴾ ٢ وقال: ﴿عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٣.
قال أبوسعيد: ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصاً بلا تأويل، ففيما عاب الله به العجل في عجزه عن القول والكلام بيان بين أن الله غير عاجز عنه، وأنه متكلم وقائل، لأنه لم يكن يعيب العجل بشيء هو موجود فيه"٤.
وإذاً فالسلف - رحمهم الله تعالى - يرون أن كلام الله تعالى حقيقي في الكلام المسموع، وأنه يتكلم بحرف وصوت، وأن كلامه لا يشبه كلام خلقه، ويرون أن إثبات الكلام نفسياً، كما هو رأي البيهقي - هو إضافة نقص إلى الله ، إذ إن الأخرس له خواطر يريد التكلم بها، ولكنه مع ذلك لا يستطيع، فالله منزه عن مثل هذا العجز، الذي يعتبر نقصاً في المخلوق، والله ﵎ منزه عن كل نقص بل أولى بالتنزه عن ذلك النقص من المخلوق، فهو سبحانه متصف بكل صفات الكمال، ومتكلم بمشيئته وقدرته وإرادته، متى شاء كيف شاء.
стр. 209
هذا عن مذهب السلف المقابل لمذهب البيهقي ومن هو على رأيه.
أما ما استدل به البيهقي ﵀ من قول عمر رضي اللله عنه: "زورت في نفسي كلاماً" وما استدل به غيره مما ذهب نفس المذهب من مثل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ١ فليس لهم فيه حجة، لأن الكلام إذا أطلق فإنما يراد به اللفظ والمعنى جميعاً وليس المعنى وحده، أما إذا قيد الكلام بالنفس ونحوها، فإن دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق، وهنا قيد الكلام بالنفس، ولم يطلقه وهذا دليل على أن الكلام المطلق إنما هو اللفظ والمعنى جميعاً، على أنه يحتمل أنهم قالوا بألسنتهم قولاً خفياً٢.
ويرد على البيهقي وجميع من وافقه في القول بالكلام النفسي يرد عليهم بقوله ﷺ : "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" ٣. وقوله: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" ٤. واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحتها بطلت صلاته واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب، من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك، فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام٥.
стр. 210
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به" ١. فقد أخبر النبي ﷺ أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، وأخبر أنه لا يؤخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان، باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة، لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب٢.
فقول البيهقي في الكلام غير صحيح، لما ذكرناه من أدلة قاطعة بأن الكلام إذا أطلق فإنه إنما يراد به اللفظ والمعنى جميعاً وأن حديث النفس لا يسمى كلاماً إلا إذا قيد.
أما ما أورده أصحاب البيهقي من استدلال بقول الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد......... فإني أعجب من استدلالهم بقول هذا النصراني على مسألة من أهم مسائل العقيدة الإسلامية ويزيد العجب من ذلك إذا علمنا أنهم كثيراً ما يردون استدلالات السلف على مسائل العقيدة بأنها أحاديث آحاد، كيف وقد قيل إن هذا البيت مصنوع وليس للأخطل، بل مصنوع ومنسوب إليه.
وعلى فرض صحته فإنه نصراني، وليس من اللائق أن يستدل بكلام قوم ضلوا في معنى الكلام حيث زعموا أن عيسى ﵇ هو نفس كلمة الله، واتحد اللاهوت بالناسوت. وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن القيم ﵀ في نونيته:
стр. 211
ودليلهم في ذاك بيت قاله ... فيما يقال الأخطل النصراني
يا قوم قد غلط النصارى قبل في ... معنى الكلام وما اهتدوا لبيان
ولأجل ذا جعلوا المسيح إلههم ... إذ قيل كلمة خالق رحمن
ولأجل ذا جعلوه ناسوتا ولا ... هوتاً قديماً بعد متحدان١
فما أثبته السلف لله من صفة الكلام الحقيقي المسموع، ومن أنه يتكلم متى شاء كيف شاء هو ما يتفق مع الأدلة الصحيحة والمعقول الصريح، وما ذهب إليه البيهقي والأشاعرة عموماً من القول بالكلام النفسي لا يسعفه الدليل، ولا يكاد يتصوره عقل.
مسألة الحرف والصوت
ثم إن البيهقي - رحمه الله تعالى - ينكر أن يكون كلام الله تعالى بحرف وصوت، وفي بيان رأيه هذا يقول: "إن كان المتكلم ذا مخارج، سمع كلامه ذا حروف وأصوات، والباري جل ثناؤه ليس بذي مخارج، وكلامه ليست بحرف، ولا صوت، فإذا فهمناه ثم تلوناه، تلوناه بحروف وأصوات"٢.
وليس للبيهقي ﵀ دليل على نفي الحرف والصوت عن كلام الله تعالى سوى أنه يرى أن إثبات ذلك يقتضي تشبيه الله بخلقه في أن يكون له مخارج الحروف والأصوات فيكون كلامه يشبه كلام خلقه لأن الحرف والصوت من صفات كلام المخلوقين.
стр. 212
يقول الحافظ ابن حجر معقباً على كلام البيهقي السابق: "وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهد أنها ذات مخارج"١.
ولهذه الشبهة أوّل البيهقي حديث الصوت باحتمال أن يكون الصوت للسماء، أو للملك اللآتي بالوحي، أو لأجنحة الملائكة٢.
وهو بهذا يتفق مع الأشاعرة القائلين بنفي أن يكون الله تعالى متكلماً بحرف وصوت، لأن كلامه سبحانه نفسي، أما الكلام الذي أنزل على رسول الله ﷺ والذي نتلوه، فيقرّون بأنه حرف وصوت إلاّ أنهم يرون أنه مخلوق محدث لأنه ليس كلام الله الحقيقي، بل هو عبارة كلام الله القديم٣. كما سيأتي ذلك فيما بعد إن شاء الله.
وإذا كان كلام الله نفسياً عند البيهقي وأصحابه الأشاعرة وليس بذي حروف وأصوات فما هو الكلام الذي سمعه موسى ﵇ وكيف سمعه مع أن الله تعالى لا يتكلم به بصوت؟
لقد أجاب البيهقي عن هذا السؤال بأن الله تعالى أزال المانع عن موسى ﵇ الذي يمنعه من سماع كلامه بلا حرف ولا صوت، وخلق له قوة أدرك بها كلامه القديم وفي هذا المعنى يقول البيهقي ﵀ عند إيضاحه لمعنى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٤ يقول:
стр. 213
"فوصف نفسه بالتكلم ووكده بالتكرار فقال تكليماً، ثم ذكر ماكلم الله به موسى وقال بعد ذلك فهذا كلام سمعه موسى ﵇ بإسماع الحق إياه، بلا ترجمان بينه وبينه، دله بذلك على ربوبيته، ودعاه إلى وحدانيته..."١.
ونجد جواباً لذلك أوضح عند السنوسي في شرحه لعقيدة أهل التوحيد الكبرى حيث ذكر أنه تعالى - بفضله - أزال المانع عن موسى ﵇، وخلق اسه سمعاً وقواه حتى أدرك به كلامه القديم٢.
ولذلك يرى الأشاعرة أن كلام الله تعالى لموسى ﵇ حقيقي بهذا المعنى، وهو ما عبر عنه البيهقي كما تقدم.
أما الغزالي من أساطين المذهب الأشعري فإنه يرى أن هذا بحث في الكيفية، وهو أمر غير جائز، فما علينا إلا أن نؤمن بذلك، ولسنا مكلفين بالبحث عنه٣.
أما السلف فإنهم يقفون من رأي البيهقي في مسألة الحرف والصوت موقفاً معاكساً، لأنهم يرون أن الله تعالى متكلم بحرف وصوت إلا أن كلامه لا يشبه كلام خلقه، ولا صوته يشبه أصواتهم كما ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: "وقد نص أئمة الإسلام، أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه تكلم به بحرف وصوت وليس منه شيء كلاماً لغيره، لا جبريل ولا غيره، وأن العباد يقرؤونه بأصوات
стр. 214
أنفسهم، وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارىء، والكلام كلام الباري"١.
كما ذكر ﵀ أن الكلام في هذه القضية إنما حدث في حدود المئة الثالثة، وانتشر في المئة الرابعة، بمعنى أن الكلام فيها حدث بعد أن لم يكن موجوداً في عهد الصحابة والتابعين، بسبب ما وقع من جدال مرير بين السلف والمعتزلة في مسألة القول بخلق القرآن.
كما ذكر أن منشأ الخطأ في هذه المسألة هو عدم التفريق والمباينة بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته، وإلاّ فإن السلف متفقون على التمييز بين صوت الربّ، وصوت العبد، ومتفقون على أن الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه ﷺ حروفه ومعانيه وأنه ينادي عباده بصوته٢.
وليس للبيهقي ومن حذا حذوه في نفي الحرف والصوت سوى الشبهة التي سبق ذكرها.
أما السلف فإنهم استدلوا على مذهبهم القائل بأن الله يتكلم بصوت بحديث أبي سعيد الخدري الذي رواه البخاري: قال النبي ﷺ : "يقول الله: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار..." ٣. وأمثاله من الأحاديث.
стр. 215
وقد رد الحافظ ابن حجر على القائلين بالنفي بناء على القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهد أنها ذات مخارج كالبيهقي وغيره رد عليهم بنفي القياس المذكور، وعدم صحة وروده هنا حيث قال:
"ولا يخفى ما فيه إذ الصوت قد يكون من مخارج.. لكن يمنع القياس المذكور، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به، ثم إما التأويل وإما التفويض ١.
هكذا قال أن ابن حجر، وإلاّ فلا التأويل قال به السلف ولا التفويض، بل يثبتون الصوت على الحقيقة من غير تصوّر مشابهة ولا تمثيل.
كما ردّ الإمام أحمد على هذه الشبهة الفاسدة رداً مفحماً لا يدع مجالاً لمفكر أو متأمل حيث قال: ".. وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلاّ من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ٣، أتراها سبحت: بحروف وفهم، ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤، أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان، ولكن الله أنطقها كيف شاء، من غير أن يقول بجوف ولا فم، ولا شفتين ولا لسان٥.