ودليلهم في ذاك بيت قاله ... فيما يقال الأخطل النصراني
يا قوم قد غلط النصارى قبل في ... معنى الكلام وما اهتدوا لبيان
ولأجل ذا جعلوا المسيح إلههم ... إذ قيل كلمة خالق رحمن
ولأجل ذا جعلوه ناسوتا ولا ... هوتاً قديماً بعد متحدان١
فما أثبته السلف لله من صفة الكلام الحقيقي المسموع، ومن أنه يتكلم متى شاء كيف شاء هو ما يتفق مع الأدلة الصحيحة والمعقول الصريح، وما ذهب إليه البيهقي والأشاعرة عموماً من القول بالكلام النفسي لا يسعفه الدليل، ولا يكاد يتصوره عقل.
مسألة الحرف والصوت
ثم إن البيهقي - رحمه الله تعالى - ينكر أن يكون كلام الله تعالى بحرف وصوت، وفي بيان رأيه هذا يقول: "إن كان المتكلم ذا مخارج، سمع كلامه ذا حروف وأصوات، والباري جل ثناؤه ليس بذي مخارج، وكلامه ليست بحرف، ولا صوت، فإذا فهمناه ثم تلوناه، تلوناه بحروف وأصوات"٢.
وليس للبيهقي ﵀ دليل على نفي الحرف والصوت عن كلام الله تعالى سوى أنه يرى أن إثبات ذلك يقتضي تشبيه الله بخلقه في أن يكون له مخارج الحروف والأصوات فيكون كلامه يشبه كلام خلقه لأن الحرف والصوت من صفات كلام المخلوقين.
стр. 212
يقول الحافظ ابن حجر معقباً على كلام البيهقي السابق: "وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهد أنها ذات مخارج"١.
ولهذه الشبهة أوّل البيهقي حديث الصوت باحتمال أن يكون الصوت للسماء، أو للملك اللآتي بالوحي، أو لأجنحة الملائكة٢.
وهو بهذا يتفق مع الأشاعرة القائلين بنفي أن يكون الله تعالى متكلماً بحرف وصوت، لأن كلامه سبحانه نفسي، أما الكلام الذي أنزل على رسول الله ﷺ والذي نتلوه، فيقرّون بأنه حرف وصوت إلاّ أنهم يرون أنه مخلوق محدث لأنه ليس كلام الله الحقيقي، بل هو عبارة كلام الله القديم٣. كما سيأتي ذلك فيما بعد إن شاء الله.
وإذا كان كلام الله نفسياً عند البيهقي وأصحابه الأشاعرة وليس بذي حروف وأصوات فما هو الكلام الذي سمعه موسى ﵇ وكيف سمعه مع أن الله تعالى لا يتكلم به بصوت؟
لقد أجاب البيهقي عن هذا السؤال بأن الله تعالى أزال المانع عن موسى ﵇ الذي يمنعه من سماع كلامه بلا حرف ولا صوت، وخلق له قوة أدرك بها كلامه القديم وفي هذا المعنى يقول البيهقي ﵀ عند إيضاحه لمعنى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ٤ يقول:
стр. 213
"فوصف نفسه بالتكلم ووكده بالتكرار فقال تكليماً، ثم ذكر ماكلم الله به موسى وقال بعد ذلك فهذا كلام سمعه موسى ﵇ بإسماع الحق إياه، بلا ترجمان بينه وبينه، دله بذلك على ربوبيته، ودعاه إلى وحدانيته..."١.
ونجد جواباً لذلك أوضح عند السنوسي في شرحه لعقيدة أهل التوحيد الكبرى حيث ذكر أنه تعالى - بفضله - أزال المانع عن موسى ﵇، وخلق اسه سمعاً وقواه حتى أدرك به كلامه القديم٢.
ولذلك يرى الأشاعرة أن كلام الله تعالى لموسى ﵇ حقيقي بهذا المعنى، وهو ما عبر عنه البيهقي كما تقدم.
أما الغزالي من أساطين المذهب الأشعري فإنه يرى أن هذا بحث في الكيفية، وهو أمر غير جائز، فما علينا إلا أن نؤمن بذلك، ولسنا مكلفين بالبحث عنه٣.
أما السلف فإنهم يقفون من رأي البيهقي في مسألة الحرف والصوت موقفاً معاكساً، لأنهم يرون أن الله تعالى متكلم بحرف وصوت إلا أن كلامه لا يشبه كلام خلقه، ولا صوته يشبه أصواتهم كما ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: "وقد نص أئمة الإسلام، أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه تكلم به بحرف وصوت وليس منه شيء كلاماً لغيره، لا جبريل ولا غيره، وأن العباد يقرؤونه بأصوات
стр. 214
أنفسهم، وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارىء، والكلام كلام الباري"١.
كما ذكر ﵀ أن الكلام في هذه القضية إنما حدث في حدود المئة الثالثة، وانتشر في المئة الرابعة، بمعنى أن الكلام فيها حدث بعد أن لم يكن موجوداً في عهد الصحابة والتابعين، بسبب ما وقع من جدال مرير بين السلف والمعتزلة في مسألة القول بخلق القرآن.
كما ذكر أن منشأ الخطأ في هذه المسألة هو عدم التفريق والمباينة بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته، وإلاّ فإن السلف متفقون على التمييز بين صوت الربّ، وصوت العبد، ومتفقون على أن الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه ﷺ حروفه ومعانيه وأنه ينادي عباده بصوته٢.
وليس للبيهقي ومن حذا حذوه في نفي الحرف والصوت سوى الشبهة التي سبق ذكرها.
أما السلف فإنهم استدلوا على مذهبهم القائل بأن الله يتكلم بصوت بحديث أبي سعيد الخدري الذي رواه البخاري: قال النبي ﷺ : "يقول الله: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار..." ٣. وأمثاله من الأحاديث.
стр. 215
وقد رد الحافظ ابن حجر على القائلين بالنفي بناء على القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهد أنها ذات مخارج كالبيهقي وغيره رد عليهم بنفي القياس المذكور، وعدم صحة وروده هنا حيث قال:
"ولا يخفى ما فيه إذ الصوت قد يكون من مخارج.. لكن يمنع القياس المذكور، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به، ثم إما التأويل وإما التفويض ١.
هكذا قال أن ابن حجر، وإلاّ فلا التأويل قال به السلف ولا التفويض، بل يثبتون الصوت على الحقيقة من غير تصوّر مشابهة ولا تمثيل.
كما ردّ الإمام أحمد على هذه الشبهة الفاسدة رداً مفحماً لا يدع مجالاً لمفكر أو متأمل حيث قال: ".. وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلاّ من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ٣، أتراها سبحت: بحروف وفهم، ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤، أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان، ولكن الله أنطقها كيف شاء، من غير أن يقول بجوف ولا فم، ولا شفتين ولا لسان٥.
стр. 216
بمعنى أنه ليس من شرط المتكلم أن يكون ذا مخارج، لهذه الأدلة فبطل بذلك التمسك بهذه الشبهة.
وفي إثبات الصوت لله ، ونفي المشابهة بينه وبين أصوات المخلوقين يقول الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: ".. ويذكر عن النبيّ ﷺ أنه كان يحب أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون رفيع الصوت، وأن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله جل ذكره". وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، وقال الله : ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ١ فليس لصفة الله ند ولا مثل ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين٢. ثم ذكر الأحاديث التي تدلّ على ذلك٣.
وقصارى القول أن السلف يرون أن الله تعالى يتكلم بصوت يسمع كما دلت على ذلك الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وأن صوته لا يشبه أصوات خلقه، كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم، وأن سائر كلام الله تعالى ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني.
وفي بيان أن كلام الله تعالى هو مجموع الأمرين، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية موضحاً المذهب الصحيح في ذلك: "والصواب الذي عليه سلف الأمة - كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق
стр. 217
أفعال العباد وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم أتباع النصوص الثابتة، وإجماع الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه ليس شيء من ذلك كلاماً لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسماً لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحروف بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوت القارىء، ولا غيره وإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته، علم المخلوق وقدرته وحياته، فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الربّ يشبه صوت العبد"١.
فهذا هو مذهب السلف الحق، وهو الرأي السديد لاتفاقه مع ما جاء به الوحي الإلهي، الذي يجب أن يكون هو الفيصل عند الاختلاف والحكم عند التنازع، بعيداً عن الأقيسة الباطلة.
فما ادعاه البيهقي في هذه المسألة مردود بما تقدم من الأدلة الدامغة التي اعتمدها السلف في هذه القضية، ويكفينا ترجيحاً لمذهبهم أنهم جعلوا الوحي دليلهم، والتوحيد منهجهم، فالله واحد في صفاته، كما أنه واحد في ذاته، لا يشبه أحداً من خلقه، ولا يشبهه أحد منهم.
стр. 218
قدم الكلام الإلهي
يرى البيهقي ﵀ أن كلام الله تعالى قديم قدم الذات الإلهية، إذ الكلام عنده ملازم لذات الله تعالى أزلاً وأبداً، فلا يجوز أن يكون شيء منه حادثاً.
يقول- ﵀: "وإنما كلامه صفة له أزلية موجودة بذاته، لم يزل كان موصوفاً به، ولا يزال موصوفاً به"١. واستدل على هذا القول بآيات من كتاب الله تعالى فقال: "ثم إن الله تعالى نفى عن كلامه الحدوث بقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٢. فأخبر أنه كان موجوداً مكتوباً قبل الحاجة إليه في أم الكتاب، وقوله : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ٣. فأخبر أن القرآن كان في اللوح المحفوظ، يريد مكتوباً فيه، وذلك قبل الحاجة إليه، وفيه ما فيه منن الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والخبر والاستخبار وإذا ثبت أنه كان موجوداً قبل الحاجة إليه ثبت أنه لم يزل كان٤.
стр. 219
أما من السنة النبوية فاستدل بحديث احتجاج آدم وموسى ﵉ وفيه: "فبكم وجدت الله كتب التوارة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم فهل وجدت فيها: فعصى آدم ربه فغوى؟ قال نعم.." ١ الحديث.
قال البيهقي بعد إيراده لهذا الحديث: "والاختلاف في هذه التواريخ غير راجع إلى شيء واحد، وإنما هو على حسب ماكان يظهر لملائكته ورسله، وفي كل ذلك دلالة على قدم الكلام"٢.
هذا هو استدلال البيهقي من الكتاب والسنة على قدم الكلام الإلهي.
أما من العقل فقد أورد دليلين على هذا الرأي، ونسبهما إلى شيخه أبي بكر بن فورك وهما:
أولأ: إن كلامه تعالى لوكان مخلوقاً لوجب أن يتصف بضده قبل خلقه، لاستحالة أن يخلو الحي من الكلام وضده.
ثانياً: إنه لوكان الكلام مخلوقاً لما خلا الأمر من أن يكون خلقه تعالى في نفسه أو في غيره، أولاً في محل، والأخير باطل لأن الكلام عرض والعرض لا يقوم بنفسه، وكذا الأوّل لاستحالة قيام الحوادث به تعالى ويترتب على الثاني إضافة الكلام إلى ذلك الغير، فلا يكون كلاماً لله تعالى٣.
стр. 220
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى هاتين الحجتين، وذكر أنهما عمدة جميع القائلين بقدم الكلام من الأدلة العقلية كالأشعري وأصحابه ومن وافقهم كالقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وأمثالهما من الحنابلة وهو عمدة الماتوريدية أيضاً١. كما ذكر أيضاً أنهما عمدة من لا يعتمد في الأصول في مثل هذه المسألة إلاّ على العقليات كأبي المعالي ومتبعيه٢.
وقد وافق البيهقي بهذا القول في كلام الله تعالى جميع الأشاعرة والماتوريدية٣.
وهذا الرأي الذي تبناه البيهقي يخالف ما عليه سلف الأمة في هذه المسألة، حيث إن السلف يرون أن كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد، وأن الله متكلم متى شاءك يف شاء٤.
أما عن أدلة البيهقي النقلية التي ساقها ليسند بها رأيه فليس له فيها ما أراد، لأن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ ، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ليس فيها ما يدل على القدم الذي يراه البيهقي. وساق هذه الآيات للاستدلال بها عليه، وإنما دلالتها على وجود القرآن مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل إنزاله على رسول الله ﷺ ، وإذا كان يعتبر أن وجوده
стр. 221
في اللوح المحفوظ قبل إنزاله على رسول الله ﷺ دليل قدمه، فإن ذلك لا يستقيم له، لأنه اللوح المحفوظ مخلوق حادث دون خلاف.
أما حديث احتجاج آدم وموسى فإنه إنما يدل على القدر وحسب.
أمّا الحجتان العقليتان فإنهما إنما تدلان على مذهب السلف وهو أن الله تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء كيف شاء، فتدلان على أن نوع كلامه قديم لا على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن الكلام شيء واحد قديم، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله١.
وما ذكره البيهقي في الحجة الثانية من قوله بأنه لا يصح أن يكون خلق الكلام في نفسه، لاستحالة أن يكون محلاً للحوادث، فإن هذا كلام غير صحيح، فإن السلف وإن لم يقولوا بأن الله تعالى خلق الكلام في نفسه ولا في غيره، إلأ أنهم يقولون بأنه يتكلم به متى شاء كيف شاء، أي أنهم يجوزون حلول الحوادث بذات الله تعالى على معنى أنه سبحانه يفعل متى شاء كيف شاء، لأن فعله متعلق بمشيئته، وهذا لا يلزم منه حدوث النوع.
وقد تقدم الكلام على مسألة حلول الحوادث بذات الله تعالى٢.
أما ما تصوّره هؤلاء من أن مثل هذا القول يلزم منه أن الله تعالى يخلق الفعل في نفسه فإن هذا اللازم باطل، والله ﵎ منزه عنه باتفاق.
стр. 222
وحدة الكلام الإلهي
وبعد أن قرر البيهقي ﵀ أن الكلام نفسي قديم قائم بذات الله قرر أيضاً أنه معنى واحد لا يتبعض، إن عبر منه بالسريانية كان إنجيلاً، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآناً. فبعد أن أورد ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ الذي قال فيه: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" ١.
بعد أن أورد البيهقي هذا الحديث الذي هو مناط استدلاله على ما ذهب إليه قال: "وفي هذا دليل على أنهم إن صدقوا فيما فسروا من كتابهم بالعربية كان ذلك مما أنزل إليهم، على معنى العبارة عما أنزل إليهم، وكلام الله تعالى واحد، لا يختلف باختلاف العبارات فبأي لسان قرئ، كان قد قرىء كلام الله تعالى، إلاّ أنه إنما يسمى توراة إذا قرئ بالعبرانية وإنما يسمى إنجيلاً إذا قرئ بالسريانية وإنما يسمى قرآناً إذا قرئ بالعربية على اللغات السبع التي أذن صاحب الشرع في قراءته عليهن"٢.
стр. 223
ونفى التبعيض عن كلام الله تعالى بقوله: "التبعيض إنما هو في القراءة الدالة عليه، والقراءة غير المقروء"١.
فكلام الله تعالى - عند البيهقي - معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض لأن كلام الله الحقيقي عنده هوكلامه القديم الذي يقول عنه إنه هو القائم بنفسه تعالى، فلا ينقسم إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، كما صرح بأن الكلام الذي أنزله الله ﵎ على نبيه ﷺ ليس هوكلامه حقيقة، وإنما هو عبارة عنه، ودال عليه، وقوله بوحدة الكلام الإلهي هو الذي حدا به إلي القول بأنه إنما يكون قرآناً إذا قرئ بالعربية وتوراة إذا قرئ بالعبرانية، وإنجيلاً إذا قرئ بالسريانية على معنى أنه لا فرق بين هذه الكتب الثلاثة، لأنها جميعاً – عنده - عبارة عن كلام الله القديم الذي هو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض.
وقد أرجع البيهقي كلام الله جميعه إلى معنى الأمر حيث قال: "ففي كلّ موضع يستدل بسياق الكلام على معنى الأمر"٢.
ورأي البيهقي هو قول جمهور أصحابه الأشاعرة حيث قالوا مثله بوحدة الكلام الإلهي، وإرجماعه إلى معنى الأمر٣.
ولا ريب أن ما ذهب إليه البيهقي ومن وافقه لا يتفق مع مذهب السلف في هذا الموضوع، لأن السلف - رحمهم الله تعالى - يرون أن كلام الله تعالى أنواع فمنه الأمر، والنهي، ومنه الخبر والاستخبار، ومنه النداء وذلك أمر واضح من واقع كلام الله تعالى.
стр. 224
أما قول البيهقي ومن وافقه فإنه واضح البطلان، إذ إن لازمه أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ١ هو معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢ ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٣.
يقول شارح الطحاوية في بيان فساد هذا القول: "وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف، والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله لا يتناهى، فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء، كيف شاء، ولا يزال كذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٥.
ولوكان ما في المصحف عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولو كان ما يقرؤه القارىء ليس كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث قراءته، بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن مكتوب في المصاحف"٦.
стр. 225
أما قول البيهقي بأن كلام الله لا يتبعض فإن هذا قول مردود أيضاً، لأن موسى ﵇ حين سمع كلام الله تعالى - كما تقدم أنه يرى سماع موسى لكلام الله تعالى على معنى أن الله خلق فيه إدراكاً فهم به ذلك المعنى - فهل موسى ﵇ فهم كلام الله كلّه أو بعضه؟ فليس له إلاّ أحد جوابين:
إما أن يقول بأن موسى فهم كلام الله كلّه فيكون موسى قد علم علم الله، وإما أن يكون فهم بعضه، وإذا قال فهم بعضه - ولن يجد محيصاً عنه - فقد تبعض كلام الله تعالى.
وقصارى القول: أن ما ارتضاه البيهقي من القول بأن كلام الله تعالى معنى واحد قديم، لا يتعدد، ولا يتبعض غير منطقي، ولا ينسجم مع الواقع، ولا مع الوحي الذي نراه تارة ينهى، وأخرى يأمر، ومرات ينادي وكل نوع من هذه الأنواع لا يشبه الآخر، بل يختلف عنه، ولو كان الأمر كما قالوا لما كان ثمة حاجة إلى تفسير كلام الله تعالى في تلك الأسفار الضخام، التي هي ثمرة جهد مضن بذله علماء هذه الأمة، بينوا فيها ما أراده الله ﵎ حين أمر وما أراده حين نهى، ليكون المسلم على بصيرة من مقاصد التشريع.
стр. 226
موقف البيهقي: من مقالة الجهمية والمعتزلة في القرآن
وإذا كان البيهقي ﵀ يرى أن كلام الله تعالى إنما هو معنى قائم بذاته سبحانه، يسمع وتفهم معانيه وإن الحروف تكون أدلة عليه، كما تكون الكتابة إمارات الكلام ودلالات عليه١، على معنى أن هذا الكلام الذي نقرؤه، ونكتبه في المصاحف ليس هو كلام الله حقيقة وإنما هو عبارة عنه، فإنه قد وقف من رأي الجهمية والمعتزلة القائل بأن كلام الله مخلوق، نفس الموقف الذي وقفه السلف من أصحاب هذه المقالة الفاسدة مع اختلافه معهم في حقيقة الكلام، كما سبق أن ذكرنا آنفاً.
فقد اشتهر عن المعتزلة والجهمية قولهم في القرآن بأنه مخلوق محدث، ويقرر القاضي عبد الجبار المعتزلي هذا الرأي بقوله: "وأما مذهبنا في ذلك فهو أن القرآن كلام الله تعالى، ووحيه، وهو مخلوق محدث"٢، بمعنى أن الله تعالى لم يكن متكلماً، وحينما أراد الكلام خلقه في محل، وأسمعه من أراد كما قالوا عن موسى ﵇ أن سماعه لكلام الله تعالى إنما كان تحت الشجرة التي خلق الله كلامه فيها. وهذا هو رأي الجهمية أيضاً٣.
стр. 227
وقد استند هؤلاء إلى آيات كريمات، زاعمين دلالتها على ما ذهبوا إليه، فبعد أن أورد القاضي عبد الجبار رأيهم على النحو السابق عقب عليه بالاستدلال له بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ٢، إلى غير ذلك أن الآيات التي ادعوا دلالتها على مذهبهم.
وقد كان لهذا الرأي الذي تبناه الجهمية وتابعهم عليه المعتزلة أثره في المحن القاسية التي مني بها المسلمون في حقبة من الزمن، كان علماء السلف فيها في منأى من كل رأي يوجد الفرقة في صفوف الأمة إلا أن المعتزلة أبوا إلا إشاعة هذه المقالة الفاسدة، محاولين إيصالها إلى كل ذهن وترسيخها في كل عقل، حتى لو اقتضى ذلك استخدام القوة من أجل إكراه الناس على اعتناق مذهبهم.
وقد حدث ذلك بالفعل كما سبق أن ذكرت من استخدامهم لاثنين من خلفاء بني العباس هما: المأمون والمعتصم، وظلت الفتنة قائمة على أشدها وأئمة الإسلام صامدون في وجه أصحابها، حتى أراد الله تعالى لها الانكشاف على يد المتوكل.
وقد كان فشو هذه المقالة الفاسدة التي تمس العقيدة الإسلامية في صميمها سبباً دافعاً لعلماء السلف على الاشتغال بتفنيدها وبيان زيغها، وتوطيد دعائم الحقّ بالحجّة الساطعة، والبرهان القاطع.
стр. 228
وقد كان البيهقي ﵀ مدركاً لخطورة هذه البدعة، كما أدركها غيره من الأئمة، فشدد النكير على أصحابها، وسلك في الرد عليهم نفس الأسلوب الذي اتخذه علماء السنة سواء المعاصرين لهم أو من أتى بعدهم وشارك في الرد.
فالبيهقي ﵀ يقرر أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ويرد على الجهمية والمعتزلة بأدلة من القرآن الكريم، ففي معرض الرد عليهم أورد الآية المتضمنة لأنواع الوحي الذي كان ينزل على الأنبياء وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ ١.
وقال بعد إيرادها: "فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقاً في شيء مخلوق، لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى، لاستواء جميع الخلق في سماعه من غير الله ووجودهم ذلك عند الجهمية مخلوقاً في غير الله وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين، ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله تعالى لموسى خلقه في شجرة أن يكون من سمع كلام الله من ملك أو من نبي أتاه به من عند الله أفضل مرتبة في سماع الكلام من موسى، لأنهم سمعوه من نبي، ولم يسمعه موسى ﵇ من الله، وإنما سمعه من شجرة.
стр. 229
وأن يزعموا أن اليهود إذ سمعت كلام الله من موسى نبي الله أفضل مرتبة من موسى بن عمران صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم لأن اليهود سمعته من نبي من الأنبياء، وموسى صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم سمعه مخلوقاً في شجرة، ولو كان مخلوقاً في شجرة لم يكن الله مكلماً لموسى من وراء حجاب، ولأن كلام الله لموسى ﵇ لو كان مخلوقاً في شجرة كما زعموا، لزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة ووجب عليهم أن مخلوقاً من المخلقين كلم موسى، وقال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ١. وهذا ظاهر الفساد"٢.
وقد أشار البيهقي إلى أن هذه الوجوه هي استدلال أبي الحسن الأشعري والأمر كما قال٣.
وهكذا ينقض البيهقي ﵀ هذا الرأي الفاسد في كلام الله عامة، وفي القرآن خاصة بإلزامات عقلية لا محيص لهم عنها، تؤدي إلى تهافت رأيهم وظهور زيغه وبطلانه.
كما بين فساد هذا الرأي بأن القرآن لو كان مخلوقاً لكان الله تعالى موجداً له بكلمة "كن" كسائر المخلوقات، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤ وهذا غير صحيح.
стр. 230
وفي ذلك قال- ﵀: "فلو كان القرآن مخلوقاً لكان الله سبحانه قائلاً له "كن"، والقرآن قوله، ويستحيل أن يكون قوله مقولاً له لأن هذا يوجب قولاً ثانياً، والقول في القول الثاني وفي تعلقه بقول ثالث كالأول، وهذا يفضي إلى ما لا نهاية له، وهو فاسد، وإذا فسد ذلك فسد أن يكون القرآن مخلوقاً"١.
كما استدل بتفريق الله بين القرآن والإنسان في مكان واحد، حيث خص القرآن بالتعليم والإنسان بالتخليق حين قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنِ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الأِنْسَانَ﴾ ٢ مبيناً كيف أن هذه الآيات تدل على فساد مذهب الجهمية، بأن الله تعالى جمع بين القرآن والإنسان في هذه الآيات المتعاقبات وخص كلا منهما بأمر لا يشاركه فيه الآخر، فخص القرآن بالتعليم، وخص الإنسان بالتخليق، وهذا يدل على أن القرآن غير مخلوق، لأنه لو كان مخلوقاً لأشركه مع الإنسان في خاصية الخلق، ولقال: "خلق القرآن والإنسان"٣.
كما استدل بقوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٤ ففرق بين خلقه وأمره بالواو الذي هو حرف الفصل بين الشيئين المتغايرين فدل على أن قوله غير خلقه٥.
стр. 231
ومما ردّ البيهقي على هذا القول الباطل ما عاب الله ﵎ به على المشركين من قولهم عن القرآن الكريم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ١ حيث إن مات زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولاً للبشر٢.
ويزيد هذا الدليل وضوحاً ما ذكره الإمام عثمان بن سعيد الدارمي من استدلاله بهذه الآية على تكفير الجهمية، حيث قال مستدلاً على ذلك: ".. أما من الكتاب فما أخبر الله عن مشركي قريش من تكذيبهم بالقرآن، فكان من أشد ما أخبر عنهم من التكذيب بالقرآن، أنهم قالوا "هو مخلوق" كما قالت الجهمية سواء.
قال الوحيد وهو الوليد بن المغيرة المخزومي: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ وهذا قول جهم: إن هذا إلا مخلوق وكذلك قول من يقول بقوله، وقول من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ ٣ ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٤ و ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ ٥ معناهم في جميع ذلك ومعنى جهم في قوله يرجعان إلى أنه مخلوق ليس بينهما فيه من البون كغرز إبرة، ولا قيس شعرة.
стр. 232
فبهذا نكفرهم كما أكفر الله به أئمتهم من قريش، وقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ١ إذ قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٢ لأن كلّ إفك وتقول وسحر واختلاق، وقول البشر كله لا شك في شيء منه أنه مخلوق، فاتفق من الكفر بين الوليد بن المغيرة وجهم بن صفوان الكلمة والمراد في أنه مخلوق"٣.
وهذا الإلزام الشديد الذي أورده الإمام الدارمي، بل إنه يرى أنه صحيح مذهبهم، لذلك سواهم في هذا بكفار قريش.
أخذ البيهقي هذا الإلزام - كما تقدم - إلا أنه أورده بلهجة أخف وكلام أوجز.
والجهمية أتباع جهم بن صفوان الترمذي لا أحد يشك في كفرهم لهذا الرأي، ولآراء فاضحة أخرى، كنفي الأسماء والصفات المتضمن تكذيباً صريحاً لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
كما سلك البيهقي في الرد على أصحاب هذه المقالة أسلوباً آخر، هو بيان تهافت استدلالهم الذي اعتمدوا عليه وإليك أمثلة لذلك، فقد سبق أن ذكرت من الآيات التي استدلوا بها على أن القرآن مخلوق قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ . وقد بين البيهقي ﵀ أن استدلالهم غير صحيح وأن للآيتين معنى غير ما أرادوا.
стр. 233
فالأولى: ليس المراد منها أن القرآن نفسه محدث، وإنما أراد بالمحدث ذكر القرآن لهم، وتلاوته عليهم، وعلمهم به، فكل ذلك محدث، والمذكور المتلو المعلوم غير محدث، كما أن ذكر العبد لله تعالى محدث، والمذكور غير محدث١.
أو أن المراد على أظهر المعاني التي أرجعها إليها الإمام أحمد أن المحدث هو تنزيله على لسان الملك الذي أتى به، فالتنزيل هو المحدث٢.
أما الآية الثانية: فقد بين البيهقي أيضاً أنها لا تدل على ما ذهب إليه الجهمية والمعتزلة، لأن جعلناه بمعنى: سميناه قرآناً عربياً، وأنزلناه مع الملك الذي أسمعناه إياه حتى نزل به بلسان العرب ليعقلوا معناه٣.
وهكذا ينقض البيهقي أدلتهم على هذا النمط، يبين أن المراد من الآيات التي استدلوا بها خلاف ما راموا من معنى.
وهذا هو أسلوب السلف في رد استدلال المعتزلة على هذا المذهب الخطير، ويتضح لنا ذلك بمطالعة كتبهم مثل: كتاب الردّ على الجهمية للإمام أحمد، والردّ على الجهمية للدارمي، ومناظرة الأخير مع بشر المريس، وبيانه لتهافت آرائهم، وتقبيح السلف لها في كتابه "النقص على بشر المريس" حتى روى عن عبد الله بن المبارك قوله: "لأن أحكي كلام اليهود والنصارى، أحبّ إليّ من أن أحكي كلام الجهمية"٤.
стр. 234
ولبيان موافقة البيهقي للسلف في هذا الأسلوب أورد مثالاً لذلك رد الإمام ابن قتيبة استدلال المعتزلة والجهمية بالآيتين السالفتين حيث قال: " ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ فإن الجعل يكون بمعنيين: أحدهما خلق، والآخر غير خلق، فأما الموضع الذي يكون فيه خلقاً، فإذا رأيته متعدياً إلى مفعول واحد لا يجاوزه كقول الله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ١. فهذا بمعنى: خلق ...
وأما الموضع الذي يكون فيه غير الخلق فإذا رأيته متعدياً إلى مفعولين كقوله: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ ٢ أي: صيرتم، وكقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ ٣ ... فإن هم وجدوا في القرآن كله "جعل" متعدية إلى القرآن وحده ليقضوا عليه بالخلق، فنحن نتابعهم.
وكذلك المحدث ليس هو في موضع بمعنى مخلوق، فإن أنكروا ذلك فليقولوا في قول الله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ أنه يخلق ... وكذلك قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أي: ذكر حدث عندهم لم يكن قبل ذلك"٤.
وقد أورد البيهقي قدراً كبيراً من أقوال السلف الناطقة بما قرره من أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، فمنها ما رواه عن سفيان بن عيينة ﵀ أنه قال: "أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو ابن دينار يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق"٥.
стр. 235
وما رواه عن جعفر بن محمّد أنه سئل: يا ابن رسول الله، ما تقول في القرآن خالق أم مخلوق؟ قال: أقول فيه ما يقول أبي وجدي: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله عز وجل١.
وما رواه عن مالك بن أنس ﵁ أنه قال: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق"٢. إلى غير ذلك مما أورده عن السلف من أقوال كلّها مصرحة بمذهبهم في أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق.
فرأي هؤلاء الجهمية في القرآن باطل باتفاق السلف والأشاعرة بمن فيهم البيهقي، وإذا كان الرأيان قد تشابها في النظرة إلى رأي الجهمية، فإن القارئ قد يظن أن الفريقين يدينان برأي واحد في القرآن، إلا أن الأمر خلاف ذلك، فبين الرأيين بون شاسع، إذ يتضح لنا من مجموع ما تقدم من نصوص في بحث مسألة الكلام بجميع جوانبها أن البيهقي ومعه الأشاعرة يرون أن هذا القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا ليس هو كلام الله القديم وإنما هو عبارة عنه، ودلالة عليه، وهو مخلوق، لأن كلام الله الحقيقي نفسي قديم، ونفوا أن يكون كلام الله الحقيقي هو معجزة الرسول ﷺ .
وقد بين ذلك الآمدي- من أساطين الأشاعرة- حين قال مفرقاً بين مذهبه هو وأصحابه وبين مذهب المعتزلة: "وأما ما قيل من أن القرآن معجزة الرسول فيمتنع أن يكون قديماً فتهويل لا حاصل له، فإنا مجمعون على أن القرآن الحقيقي ليس بمعجزة الرسول، وإنما الاختلاف في
стр. 236
أمر وراءه وهو أن ذلك القرآن الحقيقي ماذا هو؟ فنحن نقول إنه المعنى القائم بالنفس والخصم يقول: إنه حروف وأصوات أوجدها الله تعالى، وعند وجودها انعدمت وانقضت، وأن ما أتى به الرسول، وما نتلوه نحن ليس هو ذلك وإنما هو مثال له، على نحو قراءتنا لشعر المتنبي، وامرئ القيس، فإنه ليس ما يجري على ألسنتنا هو كلام امرئ القيس، وإنما هو مثله"١.
ومعنى هذا أن الكلام الذي بين أيدينا يطلق عليه قرآناً من باب تسمية الدلالات باسم المدلولات وإلا فإن القرآن الحقيقي قائم بذات الله تعالى لا ينفك عنه أزلاً وأبداً. وهذا هو مذهب البيهقي كما يفهم من كلامه الذي أوردته في صدر هذا المبحث وفي المباحث السابقة.
أما السلف فإنهم يرون أن هذا القرآن الذي بين أيدينا هو كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه، وهو صفة من صفاته لأنه كلام الله تعالى وكلامه سبحانه قديم النوع حادث الآحاد فالله تعالى تكلم به، وأسمعه الملك فنزل به على نبينا محمد ﷺ ، والكلام لمن قاله مبتدءا، لا لمن قاله مبلغاً، وهو عند السلف صفة ذات ملازمة لذات الله تعالى لم تخل منها في وقت من الأوقات، وهي صفة فعل أيضاً، لأنه متكلم متى شاء كيف شاء بحرف وصوت، كما ورد ذلك في النصوص الصريحة.
وهكذا فقد كان رأي السلف جامعاً لما عند الفريقين من حق فخرجوا برأي واضح الموافقة لصريح المعقول، وصحيح المنقول. فالخلاف
стр. 237
بين البيهقي وأصحابه من جانب وبين السلف من جانب آخر ينحصر - هنا - في حقيقة الكلام ما هو؟ وإلا فالكل يقول إن القرآن الحقيقي غير مخلوق، وإنما قال الأشاعرة بخلق القرآن المنزل على محمّد ﷺ ، لأنهم يقولون إنه ليس هو القرآن الحقيقي، وإنما هو عبارة عنه ودلالات عليه، أما القرآن الحقيقي فهو نفسي قديم وهو غير مخلوق، وهذا رأي واضح البطلان - كما تقدم عند الكلام على المبحث الخاص بحقيقة الكلام.
стр. 238
الفصل السادس: الصفات الخبرية
تمهيد:
تسمى هذه الصفات خبرية، لأن طريق إثباتها لله تعالى الخبر الصادق الذي جاء به الكتاب، أو السنة الصحيحة، أما العقول فليس لها دور في إثإت هذه الصفات سوى التصديق بها بعد ثبوتها بطريق الوحي.
وقد وردت نصوص قرآنية بإثبات بعض الصفات، ثم جاءت السنة الصحيحة بإثبات ما أثبته القرآن الكريم، وبإثبات صفات أخرى لم يتعرض القرآن الكريم لها، إلا أن الكل وحي فيجب علينا إثبات ذلك كله لأن الرسول ﷺ أوتي القرآن ومثله معه فهو لا ينطق عن الهوى.
وهذه الصفات الخبرية كسالفتها قسمان:
(أ) ذاتيّة.
(ب) فعليّة.
فالذاتيّة منها: كالوجه، واليدين، والعين، والقدم، والنفس والإصبع، والساق، وغير ذلك.
والفعليّة: مثل النزول، والاستواء، والإتيان، والمجيء، والمحبة، والرضا، والغضب، والضحك، وغيرها.
والناس فيها فريقان:
(أ) فريق المثبتين.
(ب) فريق النفاة.
كما هو الحال في الصفات العقلية السالفة.
стр. 239
(أ) أما المثبتون فقسمان:
أحدهما: يجرون هذه الصفات على ظاهرها، ولكن دون تمييز بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فهؤلاء طائفة المشبهة، وهم أصناف شتى وقد ذكر أهل العلم مقالاتهم تفصيلاً، مثل الشيخ عبد القاهر البغدادي، وأبي الحسن الأشعري، وغيرهما.
وأشهر هؤلاء المشبهة الهاشمية أصحاب هشام بن الحكم الرافضي وأصحاب هشام بن سالم الجواليقي١. وداود الجواربي، ومقاتل بن سليمان٢.
ومن هذه الطائفة أيضاً الكرامية، أصحاب أبي عبد الله محمّد بن كرام السجستاني، الذين غالوا في الإثبات إلى حد التجسيم.
وأول من أظهر عقيدة التشبيه طائفة من الرافضة تسمى السبئية أتباع عبد الله بن سبأ، اليهودي الذي أظهر الإسلام، من أجل الكيد لأهله، مع بقائه على يهوديته إذ إن هذه الفرقة الضالة ألهّت علياً ﵁، وشبهوه بذات الإله الحق، فلما أحرق قوماً منهم لهذا السبب قالوا له: الآن علمنا أنك إله، لأن النار لا يعذب بها إلا الله كما ذكر ذلك عنهم البغدادي٣.
стр. 240
وثانيهما: يجرون هذه الصفات على ظاهرها أيضاً فيثبتونها على حقيقتها لله كما أثبتوا غيرها من الصفات، إلا أنهم يجرونها على ظاهرها اللائق بجلال الله، فلا يشبهونه بخلقه لأنهم يثبتون لله تعالى ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، إثباتاً لا تمثيل فيه، ولا تشبيه وينزهونه عن مشابهة خلقه تنزيهاً بريئاً عن التعطيل، فاتخذوا طريقاً وسطاً بين المؤولة المعطلة والمشبهة المجسمة، وهؤلاء هم السلف، الذين اتبعوا طريق الوحي من كتاب وسنة، إثباتاً ونفياً، فالإثبات طريقهم لأنه الذي صرح به الوحي، والتنزيه كذلك، لأنه ملازم لذلك الإثبات، عملاً بقوله تعالى في جانب التنزيه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقوله في تمام الآية عن جانب الإثبات: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١ وقوله سبحانه في جانب التنزيه أيضاً: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٢ وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٣ فكان إثباتهم للصفات عملاً بآيات الإثبات، كما كان تنزيههم له سبحانه عملاً بآيات التنزيه.
وبذلك وفق أهل السنة للعمل بجميع النصوص الواردة في الصفات، نفياً وإثباتاً، فأصابوا الحق والسداد.
وسيأتي عند الكلام عن مذهب البيهقي في هذه الصفات زيادة إيضاح لمذهب السلف إن شاء الله.
стр. 241
(ب) فريق النفاة:
ويتمثل هؤلاء في الجهمية والمعتزلة، وبعضه الأشاعرة.
١ - الجهمية:
وقد تقدم القول عنهم بأنهم قد نفوا جميع الصفات العقلية منها والخبرية، بحجّة أن في إثباتها تشبيهاً لله بخلقه، فلم يروا حلاً لذلك إلا النفي المحض، وهذه الفرقة - كما هو ظاهر من أمرها - هي أكثر الفرق تطرفاً في باب القول في الصفات.
٢ - المعتزلة:
ويذهب هؤلاء إلى نفي الصفات الخبرية، وتأويل النصوص الواردة بها، لأنهم يرون أن الأدلة التي ثبتت بها وهي النصوص الشرعية من كتاب وسنة، يرون هذه الأدلة أدلة ظنية، وما لم يقم عليها دليل عقلي - الذي هو الدليل القطعي عندهم - فلا يجوز إثباتها، ويرون أيضاً أن تلك الأدلة الظنية - في زعمهم - معارضة بالدليل القطعي وهو دليل العقل القائم على أن الله ليس جسماً، وإثباتها يرونه تجسيماً، لذلك أولوا الاستواء بالاستيلاء، والعين بالعلم، والوجه بالذات، واليد بالقوة والجنب بالطاعة والساق بالشدة، إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة التي طرحوها لأمثال هذه الصفات١.
стр. 242
٣ - الأشاعرة:
وبالرغم من اتفاق هؤلاء على إثبات الصفات العقلية، كما عرفنا ذلك في الفصل السابق إلا أنهم يختلفون في إثبات الصفات الخبرية.
فالمتأخرون منهم: كأبي المعالي الجويني، والغزالي والرازي لا يثبتونها، ويؤولون ما ورد فيها من آيات وأحاديث صحيحة لأمرين هما عين السبب الذي دفع المعتزلة إلى نفيها.
الأول منهما: أن إثباتها يقتضي تشبيه الله تعالى بخلقه ويؤدي إلى التجسيم.
وثانيهما: أن الأدلة عليها ظنية، لأنها تتمثل في مجرد ظواهر شرعية، وهذه معارضة عندهم بما يعتبرونه أدلة قطعية وهي الأدلة العقلية. وبناء على هذا اختلفت نظرتهم حيال الأدلة الشرعية الدالة على الصفات الخبرية على رأيين:
الأوّل: تفويض العلم بمعانيها إلى الله جل شأنه.
الثاني: أو تأويل تلك النصوص، بصرفها عن ظواهرها إلى معان تليق بالله تعالى حسب زعمهم.
وفي بيان هذين المسلكين يقول سعد الدين التفتازاني:
" ... أما ظواهر الشرع فكقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ١، و ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ٢. و ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ ﴿وَيَبْقَى
стр. 243
وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ١. و ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٢، و ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٣... إلى غير ذلك.
وكقوله ﵇ للجارية الخرساء: "أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فلم ينكر عليها، وحكم بإسلامها..." إلى أن قال:
والجواب: أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظواهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله تعالى، مع عتقاد حقيقتها جرياً على الطريق الأسلم، الموافق للوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٤، أو تؤول تأويلات مناسبة، موافقة لما عليه، الأدلة العقلية، على ما ذكر في كتب التفاسير، وشروح إلأحاديث سلوكاً للطريق الأحكم الموافق للعطف في: ﴿إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ٥.
ويبدو من هذا أن علماء الأشاعرة لم يتفقوا على تأويل نصوص الصفات الخبوية، بل منهم من ذهب إلى القول بالتفويض فيها، كما أن منهم من انتهى في آخو أمره إلى الرجوع إلى مذهب السلف، وهو الإثبات كما ذكر ذلك ابن القيم وابن تيمية عن الجويني إمام الحرمين"٦.
стр. 244
هذا عن مذهب المتأخرين من الأشاعرة.
أما المتقدمون: مثل رئيسهم أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي ينتسبون إليه، ويدعون أنهم على مذهبه وأبي بكر الباقلاني، فإنهم يثبتون الصفات الخبرية من الاستواء، والوجه واليدين، وغيرها مما وصف الله تعالى به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ في السنة الصحيحة الصريحة. كما ذكر ذلك في كتاب الإبانة حيث قال:
" ... قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربنا ، وسنة نبينا ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، عند ظهور الضلال، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدعة المبتدعات ...
وجملة قولنا ... إن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وإن له عيناً بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ١ ..."
إلى آخر ما ذكره في كتاب الإبانة مما يتفق مع مذهب السلف. وقد ذكر مثل هذا في كتابه مقالات الإسلاميين٢.
стр. 245
وأما الباقلاني، أبو بكر محمّد بن الطيب، الذي وصفه ابن تيمية ﵀ بأنه أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس فيهم مثله، لا قبله، ولا بعده١. فإنه ذكر في كتاب التمهيد أنه يثبت جميع الصفات الذاتية والفعلية العقلية والخبرية٢.
وقد نقل عنه ابن تيمية وابن القيم من كتاب الإبانة له مايشبه كلامه في التمهيد، وذكر ابن القيم عنه ما كتبه في "رسالة الحيرة" مما يطابق كلامه في كتابيه التمهيد والإبانة٣.
وبعد عرضنا للآراء حول الصفات الخبرية، ننتقل إلى عرض رأي البيهقي فيها، حتى يمكننا أن نقف على حقيقة موقفه منها، وإلى أي هذه المذاهب انتهى.
ولنبدأ أولاً ببيان مذهبه في صفات الذات الخبرية الذي يمثل المبحث الأول من هذا الفصل.
стр. 246
المبحث الأوّل: صفات الذات الخبريّة
لقد تناول البيهقي ﵀ هذه الصفات بالكلام على كل صفة منها تفصيلاً، حيث عقد لكلّ واحدة منها باباً خاصاً بها، أورد فيه ما أمكنه جمعه من النصوص الواردة بذكرها، مبيناً وجهة نظره في تلك النصوص، وهل هي تدل على إثبات تلك الصفة على ظاهرها المتبادر منها أم أن المقصود بها معنى آخر غير الظاهر، فقد نهج عند كلامه على هذه الصفات منهجين:
أحدهما: منهج الإثبات.
وثانيهما: منهج التأويل.
ويتجلّى رأيه في ترجمته للصفة، حيث يفرق فيها بين ما يرى إثباته وما يرى تأويله.
فما أثبته منها يترجم له بقوله: "باب ما جاء في إثبات كذا" كما فعل في صفة الوجه، واليدين، والعين. أما ما يرى تأويله فيترجم له بقوله: "باب ما جاء في كذا، أو في ذكر كذا"، وهو ما فعله في بقية الصفات. وقد سبق أن أشرت إلى هذه الطريقة عند الكلام على منهجه وذلك في الباب الأوّل من هذا البحث.
ومن أجل بيان التفريق بين النظريتين سيكون الحديث فيما يأتي عن الصفات التي أثبتها أولاً، ثم أورد أمثلة الصفات التي اختار فيها القول بالتأويل.
стр. 247
صفة الوجه
هذه الصفة هي إحدى الصفات الخبرية التي أثبتها البيهقي ﵀ فقد عقد لها باباً ترجم له بقوله: "باب ماجاء في إثبات الوجه صفة لا من حيث الصورة لورود خبر الصادق به"١.
وقد كان إثباته لهذه الصفة إثباتاً حقيقياً، على وجه يليق بجلال الله وعظمته. وكانت أدلته لإثبات هذه الصفة شرعية بحتة، نظراً لكونها من الصفات التي لا تثبت إلاّ بالسمع، فأورد كثيراً من الآيات والأحاديث الناطقة صراحة بإثباتها.
فمما أورده من آيات قرآنية قوله تعالى:
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢.
وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ٤.
إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ذكر الوجه صفة لله تعالى.
أما من السنة فاستدل بأحاديث كثيرة، نورد هنا بعضاً منها.
стр. 248
فمنها: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ١ قال: "هاتان أهون وأيسر" ٢.
وحديث أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" ٣.
وهذا الحديث كما أثبت به البيهقي ﵀ صفة الوجه لله ﵎، فقد أثبت به صفة الكبرياء أيضاً، حيث قال بعد إيراده لإثبات صفة الوجه: قوله "رداء الكبرياء" يريد به صفة الكبرياء، فهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية يوم القيامة حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن، فإذا دخلوها أراد أن يروه فيروه في جنة عدن٤.
стр. 249
والأحاديث التي أوردها البيهقي في هذا الباب كثيرة، إلا أننا نكتفي بهذين الحديثين، إذ القصد التمثيل لأدلته لا استقصاؤها.
وهذه نصوص صريحة صحيحة من السنة النبوية المطهرة وذكرت قبلها آيات من كتاب الله، فالكل تضافر على إثبات هذه الصفة لله سبحانه، مع أنه لو لم يرد في ذلك إلا آية واحدة، أو حديث صحيح واحد لكان فيه غنية كيف وقد وردت الأدلة بهذه الكثرة من الكتاب والسنة جميعاً.
وقد سبق البيهقي إلى هذا الرأي أستاذه ابن فورك حيث قال وهو بصدد الكلام عن صفة الوجه: "وذلك من الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلاّ جهة النقل.. وذهب أصحابنا إلى أن الله ذو وجه، وأن الوجه صفة من الصفات القائمة به ... والمقصود بالوجه إثبات وجه بخلاف معقول الشاهد، كما أن إثبات من أضيف إليه الوجه إثبات موجود بخلاف معقول الشاهد"١.
وهذا هو مذهب الأشعري أيضاً حيث قال: "من سألنا فقال أتقولون إن لله سبحانه وجهاً؟ قيل له: نقول ذلك خلافاً لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢.
وهذا الرأي الذي ارتضاه البيهقي وسبقه إليه الأشعري، وابن فورك مخالف لرأي أصحابه الأشاعرة في هذه القضية، فإنه وإن وجد من متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم من أثبتها، فإن معظم متأخريهم ذهبوا إلى تأويلها بالذات.
стр. 250
يقول البغدادي: "والصحيح عندنا أن وجهه ذاته". ويفسّر قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وبأن معناه: ويبقى ربك.
وقال الآمدي: "المعنى بالوجه الذات، ومجموع الصفات، وحمله عليه أولى"١.
وذهبت المعتزلة إلى مثل ذلك، فأبو الهذيل العلاف يرى أن لله وجهاً هو هو، كما ذهب النظام إلى أن ذكر الله تعالى للوجه على سبيل التوسع، لا أن ذلك يعني إثبات صفة، وإنما المقصود بالوجه الذات، فيكون معنى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ : ويبقى ربك٢.
وممن ذهب إلى تأويل الوجه بالذات الشيخ أبو الفرج بن الجوزي من الحنابلة، وذلك في كتابه: "دفع شبه التشبيه"، حيث أكد في هذا الكتاب بأن المراد بالوجه الذات، لأنه لو كان المراد به صفة زائدة على الذات لكان المعنى المراد في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ أن ذاته تهلك إلا وجهه٣.
وقد فسّر قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ في كتابه زاد المسير بأن المراد: ويقى ربك٤.
وقد زعم أن هذا هو مذهب الإمام أحمد، وأن لا أحد يعرف مذهبه سواه. إلا أن إثباته لصفة الوجه في مجالسه على الطريقة التي أثبته بها