← Акыда

Акыда · id 7570

البيهقي وموقفه من الإلهيات

أحمد بن عطية الغامدي

Полный текст (387 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المبحث الأوّل: صفات الذات الخبريّة لقد تناول البيهقي ﵀ هذه الصفات بالكلام على كل صفة منها تفصيلاً، حيث عقد لكلّ واحدة منها باباً خاصاً بها، أورد فيه ما أمكنه جمعه من النصوص الواردة بذكرها، مبيناً وجهة نظره في تلك النصوص، وهل هي تدل على إثبات تلك الصفة على ظاهرها المتبادر منها أم أن المقصود بها معنى آخر غير الظاهر، فقد نهج عند كلامه على هذه الصفات منهجين: أحدهما: منهج الإثبات. وثانيهما: منهج التأويل. ويتجلّى رأيه في ترجمته للصفة، حيث يفرق فيها بين ما يرى إثباته وما يرى تأويله. فما أثبته منها يترجم له بقوله: "باب ما جاء في إثبات كذا" كما فعل في صفة الوجه، واليدين، والعين. أما ما يرى تأويله فيترجم له بقوله: "باب ما جاء في كذا، أو في ذكر كذا"، وهو ما فعله في بقية الصفات. وقد سبق أن أشرت إلى هذه الطريقة عند الكلام على منهجه وذلك في الباب الأوّل من هذا البحث. ومن أجل بيان التفريق بين النظريتين سيكون الحديث فيما يأتي عن الصفات التي أثبتها أولاً، ثم أورد أمثلة الصفات التي اختار فيها القول بالتأويل.

стр. 247

صفة الوجه هذه الصفة هي إحدى الصفات الخبرية التي أثبتها البيهقي ﵀ فقد عقد لها باباً ترجم له بقوله: "باب ماجاء في إثبات الوجه صفة لا من حيث الصورة لورود خبر الصادق به"١. وقد كان إثباته لهذه الصفة إثباتاً حقيقياً، على وجه يليق بجلال الله وعظمته. وكانت أدلته لإثبات هذه الصفة شرعية بحتة، نظراً لكونها من الصفات التي لا تثبت إلاّ بالسمع، فأورد كثيراً من الآيات والأحاديث الناطقة صراحة بإثباتها. فمما أورده من آيات قرآنية قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢. وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ٣. وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ٤. إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ذكر الوجه صفة لله تعالى. أما من السنة فاستدل بأحاديث كثيرة، نورد هنا بعضاً منها.

стр. 248

فمنها: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ١ قال: "هاتان أهون وأيسر" ٢. وحديث أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" ٣. وهذا الحديث كما أثبت به البيهقي ﵀ صفة الوجه لله ﵎، فقد أثبت به صفة الكبرياء أيضاً، حيث قال بعد إيراده لإثبات صفة الوجه: قوله "رداء الكبرياء" يريد به صفة الكبرياء، فهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية يوم القيامة حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن، فإذا دخلوها أراد أن يروه فيروه في جنة عدن٤.

стр. 249

والأحاديث التي أوردها البيهقي في هذا الباب كثيرة، إلا أننا نكتفي بهذين الحديثين، إذ القصد التمثيل لأدلته لا استقصاؤها. وهذه نصوص صريحة صحيحة من السنة النبوية المطهرة وذكرت قبلها آيات من كتاب الله، فالكل تضافر على إثبات هذه الصفة لله سبحانه، مع أنه لو لم يرد في ذلك إلا آية واحدة، أو حديث صحيح واحد لكان فيه غنية كيف وقد وردت الأدلة بهذه الكثرة من الكتاب والسنة جميعاً. وقد سبق البيهقي إلى هذا الرأي أستاذه ابن فورك حيث قال وهو بصدد الكلام عن صفة الوجه: "وذلك من الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلاّ جهة النقل.. وذهب أصحابنا إلى أن الله ذو وجه، وأن الوجه صفة من الصفات القائمة به ... والمقصود بالوجه إثبات وجه بخلاف معقول الشاهد، كما أن إثبات من أضيف إليه الوجه إثبات موجود بخلاف معقول الشاهد"١. وهذا هو مذهب الأشعري أيضاً حيث قال: "من سألنا فقال أتقولون إن لله سبحانه وجهاً؟ قيل له: نقول ذلك خلافاً لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢. وهذا الرأي الذي ارتضاه البيهقي وسبقه إليه الأشعري، وابن فورك مخالف لرأي أصحابه الأشاعرة في هذه القضية، فإنه وإن وجد من متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم من أثبتها، فإن معظم متأخريهم ذهبوا إلى تأويلها بالذات.

стр. 250

يقول البغدادي: "والصحيح عندنا أن وجهه ذاته". ويفسّر قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وبأن معناه: ويبقى ربك. وقال الآمدي: "المعنى بالوجه الذات، ومجموع الصفات، وحمله عليه أولى"١. وذهبت المعتزلة إلى مثل ذلك، فأبو الهذيل العلاف يرى أن لله وجهاً هو هو، كما ذهب النظام إلى أن ذكر الله تعالى للوجه على سبيل التوسع، لا أن ذلك يعني إثبات صفة، وإنما المقصود بالوجه الذات، فيكون معنى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ : ويبقى ربك٢. وممن ذهب إلى تأويل الوجه بالذات الشيخ أبو الفرج بن الجوزي من الحنابلة، وذلك في كتابه: "دفع شبه التشبيه"، حيث أكد في هذا الكتاب بأن المراد بالوجه الذات، لأنه لو كان المراد به صفة زائدة على الذات لكان المعنى المراد في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ أن ذاته تهلك إلا وجهه٣. وقد فسّر قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ في كتابه زاد المسير بأن المراد: ويقى ربك٤. وقد زعم أن هذا هو مذهب الإمام أحمد، وأن لا أحد يعرف مذهبه سواه. إلا أن إثباته لصفة الوجه في مجالسه على الطريقة التي أثبته بها

стр. 251

السلف، حيث قال راداً على المعتزلة في تأويلهم لهذه الصفة: " ... وقول المعتزلة إنه أراد بالوجه الذات فباطل لأنه أضافه إلى نفسه، والمضاف ليس كالمضاف إليه، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.."١. وتفويضه لهذه الصفة وغيرها من الصفات الخبرية في كتابه تلبيس إبليس، حيث قال بعد أن أورد تفسير الآيات الواردة في الصفات: " ... والذي أراه السكوت عن هذا التفسير أيضاً، إلا أنه يجوز أن يكون مراداً"٢. ذلك كلّه أكبر شاهد على اضطرابه في قضية الصفات، وجهله بمذهب الإمام أحمد، فلا يكون حجة على مذهب الحنابلة، ولا ناطقاً أميناً بآرائهم، ﵀، وغفر لنا وله ولجميع المسلمين. وقد أوضح البيهقي ﵀ كيف أن الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ صريحة في إثبات صفة الوجه، صراحة لا تدع مجالاً لمتأول. لأن الله ﵎ أضاف الوجه إلى الذات، ثم وجه النعت إلى الوجه. ولو كان الأمر كما قال هؤلاء المؤولون من أن الوجه هو الذات فيكون صلة لا صفة لقال بعد ذلك ﴿ذُو الْجَلالِ ... ﴾ إلا أن رفعه لكلمة "ذو" يدل على أنه نعت للوجه وأن الوجه صفة لله ﵎: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ فأضاف الوجه إلى الذات، وأضاف النعت إلى الوجه، فقال ﴿ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾

стр. 252

ولو كان ذكر الوجه صلة، ولم يكن للذات صفة لقال "ذي الجلال والإكرام" فلما قال: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ علمنا أنه نعت للوجه، وهو صفة للذات١. ولا ريب أن ما ذكره البيهقي ﵀ عن صفة الوجه هو بعينه مذهب السلف رضوان الله عليهم، كما قال الإمام ابن خزيمة: "نحن نقول - وعلماؤنا جميعاً في الأقطار ـ أن لمعبودنا وجهاً كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء، والبهاء ما لو كشف حجابه لاحترقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عنه أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشرما دام في الدنيا الفانية، ونقول: إن وجه ربنا القديم لم يزل بالباقي الذي لا يزال فنفى عنه الهلاك والفناء"٢. كما ذكر ابن خزيمة ﵀ في كلامه عن وجهة الاستدلال بالآية ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ عين ما ذكره البيهقي٣. كما ذكر أن النعت في الآية للوجه الإمام ابن كثير، حيث قال: "وقد نعت تعالى وجهه الكريم بأنه ذو الجلال والإكرام" أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف٤.

стр. 253

كما ذكر ﵀ أن جميع الآيات الوارد فيها ذكر الوجه لله تعالى إنما هو دليل على ثبوته صفة له، كالآية السابقة سواء١. وبهذا المبدأ أخذ البيهقي ﵀ إلا أنه يرى أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ ليست من ذلك النوع، لأن معنى الوجه فيها ليس هو الصفة، بل يرى أن له معنى آخر. فأما أن يكون معنى الوجه في هذه الآية الجهة كما رواه عن الشافعي، أو القبلة كما هو رأي مجاهد. فأما أن يكون معناه الوجه الذي هو صفة الله فلا. فقد قال ﵀ بعد سوقه للأدلة التي أثبت بها الصفة: "وأما قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ فقد حكى المزني عن الشافعي ﵁ أنه قال في هذه الآية يعني - والله أعلم - فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه"٢. كما ذكر بسنده عن مجاهد أنه قال في تفسير هذه الآية:"قبلة الله، فأينما كنت في شرق أو غرب فلا توجهن إلا إليها"٣. وإنما أشار ﵀ بذلك إلى أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، لذلك ينبغي تفسيرها على أحد الرأيين السالفين، وهو تفسير لم يبتدعه البيهقي، بل رواه عن إمامين جليلين من أئمة السلف. ولكن، هل ما رواه عن هذين الإمامين الشافعي ومجاهد من أن الوجه المذكور في هذه الآية، ليس هو الوجه الذي يراد به الصفة وبه

стр. 254

تخرج هذه الآية عن أن تكون من آيات الصفات التي لا يجوز تأويلها هل ذلك متفق عليه بين السلف جميعاً؟. الواقع أن ذلك ليس محل اتفاق، بل للسلف في المسألة رأيان: أحدهما: يمثّل الاتجاه السابق في تفسير الآية، لأنه في نظرهم لا يعد خروجاً عن المنهج السلفي في آيات الصفات، إذ إن هذه الآية ليست منها. والآخر: يرى أن من الأولى أن نسلك بهذه الآية مسلك بقية الآيات الواردة في الصفات، سداً لذريعة التأويل الذي جنى جناية عظمى على العقيدة الإسلامية، وإليك زيادة إيضاح للرأيين: الرأي الأول: وهو ما يمثله القول بأن هذه الآية ليست من آيات الصفات، يقول بأن سياق الآية يدل على أن المراد بالوجه فيها الجهة، أو القبلة وهما معنيان متقاربان، لأن القبلة جهة - وهذا هو الرأي الذي سبق أن ذكرت أن البيهقي ارتضاه ورواه عن مجاهد والشافعي. وهو ما ذهب إلى القول به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذ ذكر أن بعض الناس قد اتهم السلف بتأويل صفة الوجه محتجين بما رواه البيهقي هنا في معنى الآية، مبيناً أنه التفسير الصحيح الذي يتفق مع سياقها وأنه إطلاق جائز في اللغة. يقول ﵀: " ... أحضر بعض أكابرهم كتاب الأسماء والصفات للبيهقي - رحمه الله تعالى - فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السلف. فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا

стр. 255

فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ فقال: نعم، قد قال مجاهد والشافعي يعني قبلة الله، فقلت نعم. هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما وهذا حق، وليست هذه الآية من آيات الصفات، ومن عدها في الصفات فقد غلط، كما فعل طائفة، فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ والمشرق والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة، يقال: أي وجه تريد؟ أي: أي جهة، وأنا أريد هذا الوجه، أي هذه الجهة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ أي تستقبلوا وتتوجهوا"١. وهذا هو تفسير ابن عباس الذي ذكره عنه ابن أبي حاتم واختيار الإمام الشوكاني٢. كالرأي الثاني: وهو القائل بأن هذه الآية من آيات الصفات بها ثبتت صفة الوجه لله تعالى، شأنها في ذلك شأن سائر الآيات الواردة فيها ذكر الوجه، وممن انتصر لهذا الرأي الشيخ ابن قيم الجوزية، الذي أثبت الوجه صفة حقيقية لله ﵎ بستة وعشرين دليلاً. فقد ذكر- ﵀ أنه وإن وجد من السلف من فسر الوجه في هذه الآية دون غيرها بأنه قبلة الله، فإنهم لم يقولوا ذلك إلاّ في هذا الموضع فقط، وعلى فرض صحة ذلك فإنه لا يجوز أن يقال في غيره. مع

стр. 256

أن الصحيح أن القول في هذه الآية ينبغي أن يكون مثل القول في غيرها من الآيات المثبتة للصفات. يقوله- ﵀: " ... على أن الصحيح في قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ أنه كقوله في سائر الآيات التي ذكر فيها الوجه، فإنه قد اطرد مجيئه في الكتاب والسنة مضافاً إلى الربّ سبحانه على طريقة واحدة ومعنى واحد، فليست فيه معنيان مختلفان في جميع المواضبع غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة، وهو قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ هذا لا يتعين حمله على القبلة أو الجهة، ولا يمتنع أن يراد يه وجه الرب حقيقة"١. ثم استدل على صحة ما رآه بأدلة كثيرة، منها: ١ - أنه لا يعرف إطلاق وجه الله على القبلة لغة، ولا شرعاً، ولا عرفاً بل القبلة لها اسم يخصها، والوجه له اسم يخصه، فلا يدخل أحدهما على الآخر ولا يستعار اسمه له. ٢ - أن الآية صريحة في أنه أينما ولى العبد من حضر أو سفر، في صلاة أو غير صلاة فثم وجه الله وذلك أن الآية لا تعرض فيها للقبلة ولا لحكم الاستقبال بل سياقها لمعنى آخر وهو بيان عظمة الرب تعالى، وسعته، وأنه أكبر من كل شيء، وأعظم منه وأنه محيط بالعالم العلوي والسفلي، فذكر في أوّل الآية إحاطة ملكه في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فنبهنا بذلك على ملكه لما بينهما ثم ذكر عظمته سبحانه، وأنه أكبر وأعظم من كل شيء، فأينما ولى العبد وجهه فثم وجه الله، ثم ختم باسمين دالين على العظمة والإحاطة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فذكر

стр. 257

اسمه الواسع عقيب قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ كالتفسير والبيان والتقرير له. ٣ - أنك إذا تأملت الأحاديث الصحيحة وجدتها مفسرة للآية مشتقة منها كقوله ﷺ "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه" وقوله: "فإنه يقبل عليه بوجهه مالم يصرف وجهه عنه" وقوله: "فإن الله بينه وبين القبلة" وقوله: "إن الله يأمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته مالم يلتفت" رواه ابن حبان في صحيحه والترمذي. وقال: "إن العبد إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة أقبل الله عليه بوجهه، فلا ينصرف عنه حتى ينصرف أو يحدث حدث سوء" ١. وهكذا رجح ابن القيم أن يكون الوجه المذكور في الآية الكريمة: ﴿فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ بمعنى وجه الرحمن، وقد سبقه إلى ذلك إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة٢. ومع احترامي لما ذهب إليه البيهقي ومن معه، أقول: "إن ما ذهب إليه ابن القيم هو الرأي الأصح. إذ إن كل آية في كتاب الله تعالى، وكلّ حديث في سنة رسول الله ﷺ ورد بذكر صفة من صفات الله سبحانه فإن الإثبات هو الغرض من ذلك الإيراد، وما وقع فيه المؤولون من تعطيل لا ينبغي أن نسنده بالقول في بعض الآيات بما يجعلهم ينسبون التأويل إلى السلف، الذين هم منه براء.

стр. 258

ثم إن الأدلة التي ذكرها ابن القيم مقنعة، ولا يلزم من ذلك الإثبات أن يشابه رأي السلف فيه رأي الحلولية القائلين بأن الله بذاته في كل مكان، لأن السلف ﵏ يثبتون الفوقية والاستواء لله تعالى، ويقولون إنه سبحانه بذاته مستو على عرشه بائن من خلقه، ولذلك قالوا عن المعية: إنها ليست بالذات بل بالعلم، ولا تأويل لأنه معنى حقيقي، ومعية حقيقية فإنه - كما قال ابن القيم - مع دلالة العقل والفطرة وجميع الكتب السماوية على أن الله عال على خلقه فوق جميع المخلوقات هو مستو على عرشه، وعرشه فوق السموات كلّها، فهو سبحانه محيط بالعالم كله، فأينما ولى العبد فإن الله مستقبله. بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط، وإذا كان عالي المخلوقات المحيط يستقبل سافلها المحاط به بوجهه من جميع الجهات والجوانب فكيف بشأن من هو بكل شيء محيط، وهو محيط، ولا يحاط به، كيف يمتنع أن يستقبل العبد وجهه تعالى حيث كان وأين كان"١. إلى أن قال ﵀ عن هذه الآية: "... فأخبر أن الجميع ملكه، وقد خلقه، وقد علم بالفطرة والشرع أن الله تعالى فوق العالم محيط بالمخلوقات، عال عليها بكل اعتبار، فمن استقبل جهة من الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب أو بين ذلك فإنه متوجه إلى ربه حقيقة، والله تعالى قبل وجهه إلى أي جهة صلى، ومع ذلك فوق سمواته عال على

стр. 259

عرشه، ولا يتوهم تنافي الأمرين بل اجتماعهما هو الواقع ولهذا عامة أهل الإثبات جعل هذه الآية من آيات الصفات، وذكرها مع نصوص الوجه مع قولهم إن الله فوق سمواته على عرشه"١. وهكذا يتضح لنا أن هذه الآية من آيات الصفات بها ثبتت صفة الوجه كغيرها سواء بسوإء. صفة العين وهذه إحدى الصفات التي أثبتها البيهقي ﵀ لورودها بأدلة قاطعة من الكتاب والسنة. يقوله ﵀: "باب ما جاء في إثبات العين صفة لا من حيث الحدقة"٢ ثم شرع في سوق أدلته لهذا الإثبات. فأما من القرآن الكريم، فقد ورد ذكر العين في خمسة مواضع منه مضافة إلى الله ﵎ وقد أوردها البيهقي، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٣ وقوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٤ وقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٥ وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٦.

стр. 260

أما من السنة: فأورد حديث نافع قال: إن عبد الله بن عمر أخبره أن المسيح ذكر بين ظهراني الناس، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ليس بأعور، إلاّ أن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأنه عينه عنبة طافية" رواه البخاري في الصحيح عن موسى بن إسماعيل عن جويرية وقال في متنه: فقال: "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه" ١. وحديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال ما بعث نبي إلاّ قد أنذر الدجال، ألا وأنه أعور، وأن ربكم ليس بأعور٢. قال ﵀ بعد أن ساق هذا الحديث: "وفي هذا نفي نقص العور عن الله سبحانه، وإثبات العين له صفة"٣. ومن أجل بيان أن ما ذهب إليه من أن العين الواردة في الآيات والتي تضمنت إثباتها هذه الأحاديث صفة لله تعالى استند إلى تفسير ابن عباس ﵄ لقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قال: "بعين الله ﵎"٤.

стр. 261

وهذا التفسير عن ابن عباس ذكره الطبري في تفسيره، ورواه عن قتادة أيضاً، وذهب هو إلى اختياره والقول به١. ثم ذكر أن بعض أصحابه - ويعني بهم الأشاعرة - قد أولوا صفة العين الواردة في الآيات بالرؤية، وبعض آخر أولها بالحفظ والكلاءة وأنها من صفات الفعل، وأن من قال بأحد هذين التأويلين زعم أن المراد بخبر نفي نقص العور عن الله ﵎، أنه لا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين من الآفات والنقائص٢. وهذا ما ذهب إليه الجويني، والبغدادي، والرازي من أساطين الأشاعرة٣. كما أولها المعتزلة بالعلم٤. وهي تأويلات فاسدة، ما أنزل الله بها من سلطان، الغرض منها الهرب من إثبات صفة العين لله ﵎، وقد رد عليهم مؤكداً إن ما وردت به النصوص ظاهر في إثبات العين صفة لله سبحانه، لائقة بجلاله٥. ويؤيد ما ذهب إليه البيهقي ماورد في رواية البخاري من إشارته ﷺ إلى عينه عند بيانه الصفة التي نعرف بها ربّنا سبحانه وهو كماله في صفاته، ونقصان الدجال بإصابته بالعور في عينه اليمنى. وهذا إثبات صريح لصفة العين، ورد ملجم لكل مؤول.

стр. 262

وما ادعاه ابن حجر حين قال: "ولم أر في كلام أحد من الشراح حمل هذا الحديث على معنى خطر لي، فيه إثبات التنزيه، وحسم مادة التشبيه عنه، وهو: أن الإشارة إلى عينه ﷺ إنما هي بالنسبة إلى عين الدجال فإنها كانت صحيحة مثل هذه ثم طرأ عليها العور لزيادة كذبه في دعوى الآلهية.. ولم يستطع دفع ذلك عن نفسه"١. ما ادعاه هنا من تأويل لهذا الحديث، في نظري أنه يصرف الإشارة عن مقصدها السديد وهو تحقيق اتصافه سبحانه بصفة العين حقيقة لا تأويل فيها، وليس في هذا المعنى تشبيه لأن المقصد تحقيق الوجود على ما يليق بالله ﵎. وإثبات البيهقي ﵀ لهذه الصفة إثبات وجود لا تكييف فيه لا ريب أنه بعينه مذهب السلف، كما ذكره هو نفسه عن ابن عباس في تفسير الآية، وكما بينت أنه رأي قتادة واختيار الإمام الطبري، وهو ما ذهب إليه الإمام ابن خزيمة حيث قال بعد أن ساق الآيات التي ذكرها البيهقي: "فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما أثبت الخالق البارىء لنفسه من العين، وغير مؤمن من ينفي عن الله ﵎ ما قد أثبته في محكم تنزيله"٢. وكما يظهر من اقتصار البيهقي ﵀ على الألفاظ الواردة في الآيات من ذكر عين واحدة، أو أعين، وجمعه بين لفظي الإفراد والجمع بأن المراد: صفة واحدة، والجمع على معنى التعظيم٣.

стр. 263

وقوله عن حديث الدجال: "إن المقصود منه نفي نقص العور عن الله سبحانه، وإثبات العين له صفة - كما سبق أن ذكرت عنه - بمعنى أن الإثبات لعين واحدة، ونفي النقص عنها لا يثبت غيرها، فيظهر من ذلك كلّه أنه لا يثبت عينين لله ﵎، بحجة أن ذلك لم يرد وهي حجة سكت عن ذكرها إلاّ أن كلامه يدل عليها. إلاّ أن السلف يخالفونه في ذلك حيث يرون أن الأحاديث الواردة في صفة الدجال تؤكد إثبات عينين لله ﵎، فيقول الدارمي عثمان بن سعيد: "العور عند الناس ضد البصر، والأعور عندهم ضد البصير بالعينين"١. ويقول أيضاً: ففي تأويل قول رسول الله ﷺ "إن الله ليس بأعور" بيان أنه بصير ذو عينين خلاف الأعور٢. والمعروف من منهج السلف أنهم حينما يثبتون الصفة لله ﵎ عند ورود النص بها، فإنما يثبتونها على معناها الظاهر المتبادر منها، مع نفي التشبيه والمماثلة بين صفات الله وصفات خلقه وبيانه ﷺ للعلامة التي نعرف بها الدجال حين ادعائه الألوهية، وهي وجود نقص فيه منزه ربنا سبحانه عنه، وهو أنه أعور عين اليمنى، فإن المتبادر إلى الذهن لأول مرة أن الله ﵎ له عينان خلافاً للدجال الذي عورت عينه اليمنى، والعور المعروف في اللغة هو ذهاب حس إحدى العيني٣، وإثباتنا لذلك إنما هو إثبات وجود وكمال، لا إثبات تشبيه.

стр. 264

وممن ذهب إلى أن الله ﵎ يوصف بأن له عينين بلا كيف الإمام ابن خزيمة١ وأبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري٢ ولم يخرج المثبتون لذلك عما ورد به الشرع صراحة. وأما ما قاله الشيخ محمّد زاهد الكوثري حيث قال: "من قال له عينان ينظر بهما فهو مشبه قائل بالجارحة"٣. فهو كلام معهود من جميع المعطلة، إذ يتهمون كل من أثبت صفة لله ﵎ إثباتاً حقيقياً لورود النص بتلك الصفة، بأنه مشبه، ومجسم، إلأ أن هذا اتهام باطل، ومردود على أصحابه، لأن السلف يثبتون ما أثبته الله لنفسه إثباتاً من غير تعطيل، ولا تشبيه، بل يثبتونها له على ما يليق بجلاله وعظمته، ويعتقدون اعتقاداً جازماً بأن الله لا يشبه أحداً من خلقه، ولا يشبهه سبحانه أحد منهم، فهو واحد في أسمائه وصفاته والمشبهة ممقوتون من جانب السلف مقت المعطلة، واتهامهم بالتشبيه لا يصدر إلاّ من جاهل بمذهبهم، أو مغرض يريد التمويه والتلبيس والله المستعان. وقد كان البيهقي ﵀ موفقاً فيما ذهب إليه من الإثبات على منهج السلف ﵀. إلأ أن ما استعمله من عبارات هنا يقصد بها نفي المشابهة بين الله وبين خلقه في حالة الإثبات من مثل قوله عن صفة الوجه: "لا من حيث الصورة" وعن صفة العين: "لا من حيث الحدقة" وعن صفة اليد: "لا

стр. 265

من حيث الجارحة" فإنها - وإن كانت صحيحة من حيث المعنى - عبارات مبتدعة لم يستعملها السلف من أجل التنزيه، فيكفي في هذا الباب أن نعلم قطعاً أن كل صفة ثابتة لله سبحانه فإنها لا تشبه صفات خلقه ولا تشبهها صفاتهم، لأن صفات الله ﵎ تليق بجلاله وعظمته وصفات خلقه تليق بضعفهم وافتقارهم، فنفصل في الإثبات، ونجمل في النفي والتنزيه، سيراً على منهج القرآن الكريم الذي أجمل النفي المتضمن للتنزيه، في مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وفصل الإثبات في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إلى غير ذلك مما ورد من التنزيه المجمل والإثبات المفصل. بخلاف ما ابتدعه المتكلمون الذين يجملون في الإثبات ويفصلّون في النفي. صفة اليدين وهذه صفة ثالثة من صفات الذات الخبرية، أثبتها البيهقي ﵀ حيث ترجم لها بقوله: "باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة، لورود خبر الصادق به"١. وقد أثبتها لأنه قد وردت أدلة صريحة بذلك الإثبات، لا تحتمل التأويل أبداً. وقد بين موقفه من النصوص الواردة بذكر هذه الصفة وهو موقف يتمثل في تقسيم تلك النصوص إلى قسمين:

стр. 266

أحدهما: جعله دليل ذلك الإثبات، لأن صيغة وروده يقتضي إثبات اليد الواردة فيها على أنها صفة حقيقية لله ﵎ وتأويلها يؤدي إلى أمور باطلة عقلاً وشرعاً. ثانيهما: لا يدل صراحة على إثبات تلك الصفة لأن اليد الواردة فيه لها معان غير معنى اليد التي هي صفة لله ﵎ فيكون المقصود باليد فيها إما الملك، أو القدرة، أو الرحمة أو النعمة، أو جرى ذكرها صلة في الكلام. فأمّا أدلة الإثبات فهي كقوله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ هذا من القرآن الكريم. أما من السنة: فمنها حديث الشفاعة، الذي رواه أنس عن النبي ﷺ قال: "يجمع المؤمنون يوم القيامة، فيهتمون فيقولون لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون يا آدم، أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كلّ شيء، اشفع لنا إلى ربّنا حتى يريحنا من مكاننا هذا ... " الحديث٢. وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احتجّ آدم وموسى ﵉، فقال موسى لآم: يا آدم آنت أبونا خيبتنا

стр. 267

وأخرجتت من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك حب الألواح بيده، أتلومني على أمر قضاه الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين عاماً؟ فقال رسول الله ﷺ : فحجّ آدم موسى فحجّ آدم موسى" ١. وحديث عبد الله بن الحارث عن أبيه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن الله خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده" ٢. ففي تلك الآيات وهذه الأحاديث أوجب البيهقي حمل اليد على الصفة لأن حملها على غير ذلك غير سائغ، لما فيه من نفي المعنى الذي جاءت من أجله هذه النصوص، وهو الإشارة إلى اختصاص آدم عن إبليس بأن الله خلقه بيده، ومشاركة موسى ﵇ له في هذه الخاصية بأن كتب له الله ﵎ التوراة بيده، كما اختصت جنة الفردوس عن سائر الجنات بأن غرس الله بيده. فاختصت هذه الأمور عن غيرها من مخلوقات الله بأن تعلقت بتلك الصفة التي هي اليد وذلك أكبر شاهد على

стр. 268

أن اليد في تلك النصوص صفة حقيقية لله ﵎ بها خلق الله تعالى بعض مخلوقاته بدون واسطة تشريفاً لها على سائر الخلق. وفي هذا المعنى يقول البيهقي ﵀:"فأما قوله : ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلا يجوز أن يحمل على الجارحة، لأن الباري ﷻ واحد، لا يجوز عليه التبعيض، ولا على القوّة والملك والنعمة والصلة، لأن الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم، وعدوه إبليس، فيبطل واذكر من تفضيله عليه لبطلان معنى التخصيص، فلم يبق إلا أن يحملا على صفتين تعلقتا بخلق آدم، تشريفاً له، دون خلق إبليس، تعلق القدرة بالمقدور، لا من طريق المباشرة، ولا من حيث المماسة وكذلك تعلقت بما روينا في الأخبار من خط التوراة وغرس الكرامة لأهل الجنة، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها فلم يجزحملها على غيرالصفة١. وقال في كتاب الاعتقاد: "وقال الله : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ بتشديد الياء من الإضافة، وذلك تحقيق في التثنية وفي ذلك منع من حملهما على النعمة، والقدرة لأنه ليس لتخصيص التثنية في نعم الله ولا في قدرته معنى يصح، لأن نعم الله أكثر من أن تحصى ولأنه خرج مخرج التخصيص، وتفضيل آدم ﵇ على إبليس وحملهما على القدرة أو على النعمة يزيل معنى التفضيل لاشتراكهما فيها ولا يجوز حملهما على الماء والطين، لأنه لو أراد ذلك لقال: لما خلقت من يدي، كما يقال: صنعت هذا الكوز من الفضة أو من النحاس، فلما قال بيدى علمنا أن المراد بهما غير ذلك"٢.

стр. 269

وهكذا يثبت البيهقي ﵀ اليد صفة لله ﵎ بأدلتها التي أوردها، راداً على المؤولين، الذين يرى البيهقي ﵀ في رأيهم خروجاً عن المعنى الصواب، والطريق الأسلم، ويتلخص رده الذي تضمنه كلامه السابق في النقاط التالية: ١ - أن تأويل اليد بالقدرة - في هذه النصوص - يؤدي إلى إبطال الخاصية التي اختص الله ﵎ بها بعض مخلوقاته وفضلهم بها على غيرهم، وذلك لأننا إذا قلنا بأن المقصود باليد القدرة، فإن إبليس أيضاً خلقه الله بقدرته، فلا فرق حينئذ بينه وبين آدم ﵇، ولا معنى لتخصيص خلق آدم بأنه كان بيد الله. ٢ - إن التثنية في "بيديّ" تبطل القول بالتأويل أيضاً، لأن التشديد تحقيق في التثنية، وتخصيص التثنية في نعم الله وقدرته ليس له معنى يصح، لأن قدرة الله تعالى واحدة لا حدود لها، ونعمة لا تحصى كثرة، فلا يصح تأويلها بأن المراد "بقدرتي" أو "بنعمتي" لعدم جواز انحصار قدرة الله ونعمه في عدد. ٣ - أن تأويل اليدين في الآية بالماء والطين غير صحيح، لأنه لو أراد ذلك لقال "من يدي" إذ الماء والطين يكونان حينئذ ابتداء الخلق فيكون منهما. فلما قال "بيدي" علمنا أنه أراد الصفة الحقيقية التي بها كان الخلق. وقد كان البيهقي واضحاً في رأيه القائل بإثبات اليدين صفة حقيقية لله ﵎، إلا أنه ذكر ضمن ما تقدم كلاماً أوقعه فيما فر منه حيث قال: " ... فلم يبق إلا أن يحملا على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفاً له، دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور، لا من طريق المباشرة ... "١.

стр. 270

لأن إبليس خلقه الله بقدرته لا من طريق المباشرة، بل بكلمة "كن" وآدم ﵇ خلقه الله بيده من غير واسطة تفضيلاً له على إبليس لعنه الله، وقد روى الطبري عن مجاهد، عن ابن عمر في تفسير هذه الآية قال: "خلق الله أربعة بيده: العرش، وعدن، والقلم، وآدم. ثم قال لكل شيء كن فكان"١. وقال العلامة جمال الدين القاسمي عن خلق الله لآدم المذكور في آية: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فقال: أي بنفسي من غير توسط٢. فخلق الله ﵎ لآدم كان خلقاً مباشراً مخالفاً لسائر مخلوقاته التي خلقها بكلمة "كن" وخلقه له سبحانه بهذه الطريقة لإبراز فضيلة آدم ﵇، وتشريفه على إبليس اللعين الذي استكبر وأبى السجود له زاعما أنه خير. وكلام البيهقي جملة يدل على أنه يرى ذلك، ولعله إنما تحرج من التعبير عن خلق الله لآدم بالمباشرة ظاناً أن ذلك يقتضي اعتقاد حاجة الله إلى وسائط يخلق بها، أو أن ذلك يقتضي تشبيهاً وتجسمياً، إلا أن هذه النظرة كانت خاطئة لأن إثبات أن الله خلق آدم بيده مباشرة من غير واسطة، إنما كان ذلك من الله ليخص آدم بأمر، لا أنه محتاج إلى تلك المباشرة ليتم الخلق، كما أن ذلك لا يقتضي تشبيهاً ولا تجسيماً لأن كل فعل من أفعال الله تعالى، أو صفة من صفات ذاته، إنما نثبتها له على ما يليق بجلاله وكماله، مع إيماننا العميق بأن لا أحد في خلقه يشبهه ولا يشبه أحداً منهم بأي وجه، تعالى الله عن مشابهة خلقه علوّاً كبيراً.

стр. 271

وأما الموقف الثاني للبيهقي تجاه النصوص الواردة بذكر اليد مضافة إلى الله سبحانه، فهو تأويلها إلى معنى آخر يدل عليه السياق في الآية أو الحديث، كالملك، أو القدرة، والرحمة، والنعمة، أو تكون صلة في الكلام وفي ذلك يقول: "وقد روينا ذكر اليد في إخبار آخر، إلا أن سياقها يدل على أن المراد بها الملك، والرحمة، والنعمة، أو جرى ذكرها صلة في الكلام"١. ويفرق بين هذا الموقف والذي قبله بأن ما تقدم ذكره يوجب التفضيل، والتفضيل إنما يحصل بالتخصيص، فلم يجز حملها فيه على غير الصفة، وكذلك في كل موضع جرى ذكرها على طريق التخصيص، فإنه يقتضي تعلق الصفة التي تسمى بالسمع يداً بالكائن فيما خص بذكر ما فيه تعلق الصفة بمقتضاها ثم لا يكون في ذلك بطلان موضع تفضيل آدم ﵇ على إبليس، لأن التخصيص إذا وجد له في معنى دون إبليس لم يضر مشاركة غيره إياه في ذلك المعنى، بعد أن لم يشاركه فيه إبليس٢. ويعني بهذا الكلام: أن كلّ نصّ من آية أو حديث جاءت بذكر اليد معلقة بكائن ما على سبيل التخصيص والتفضيل له عما سواه بأمر من الأمور فإن هذا النوع من النصوص هو الذي يوجب حمل اليد الواردة فيه على الصفة، ويكون دليل إثباتها كالنصوص السابقة. أما ما سوى ذلك فمصيره التأويل إلى المعنى الذي يدلّ عليه السياق.

стр. 272

فمما جاءت فيه اليد بمعنى الملك والقدرة - في نظر البيهقي ومن حذا حذوه - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ١. ومما جاءت فيه اليد صلة في الكلام قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾ ٢. أما قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٣ فالمقصود به تعظيم أمر البيعة، وقوله ﷺ : "الأيدي ثلاث: يد الله هي العليا ... " الحديث٤. قصد به تعظيم أمر الصدقة ... إلى غير ذلك من الأمثلة التي أوردها البيهقي على أن المراد بها معنى آخر يدل عليه السياق غير الصفة٥. وهذا التفريق بين النصوص الواردة بذكر اليد سبقه إلى القول به شيخه ابن فورك٦. إلا أن هذه تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، فهي - كما قال عنها الشيخ محمد صديق حسن خان - إنها تأويلات من طريق السلف بمراحل بعيدة، ولا طائل تحتها لمن يريد الله ورسوله فالواجب قصر اللفظ على مورده من دون تكييف ولا تعطيل، والتأويل نوع من بيان الكيفية عند من يعرف مدارك الشرع٧.

стр. 273

هكذا قال الشيخ محمد صديق وهو كلام صحيح لا غبار عليه لأن ذكر اليد مضافة إلى صاحبها تحدد المراد، فإذا ذكرت اليد أو غيرها من الصفات مضافة إلى الله ﵎ فإنها تعني الصفة الحقيقية لا محالة ولا يعترض علينا بأننا إذا اعتبرنا اليد فى قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ صفة نكون قد أثبتنا أيادي كثيرة، أو أننا قد أشركنا مع آدم في الخاصية - وهي خلق الله له بيده - سواه لأننا نقول إن بين هذه الآية وبين قوله تعالى عن خلق آدم: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فرقاً من وجهين: أحدهما: أنه هنا أضاف الفعل إليه، وبين أنه خلقه بيديه وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي. الثاني: أن من لغة العرب أنهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ أي: يديهما، وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ٢ أي قلباكما، فكذلك قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٣. إلا أننا نقول إن إضافة الأيدي إلى الله هنا للدلالة على الصفة الحقيقية لله ﵎، وقد قال الإمام الشوكاني في تفسير هذه الآية: "أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا شركة، وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص والتفرد بالخلق كما يقول الواحد منا عملته بيدي للدلالة على تفرده بعمله"٤.

стр. 274

فهناك إذاً رأيان واضحان للبيهقي تجاه ما جاء في اليد: أحدهما: جعله دليلاً للإثبات لصراحته في ذلك. والآخر: رآه لا يصلع دليلاً، لأن السياق - في نظره - لا يساعد على ذلك، الأمر الذي به فارق منهج السلف. والمهم: أن البيهقي أثبت هذه الصفة إثباتاً حقيقياً، وهو بذلك يوافق ما عليه السلف من ذلك الإثبات إلا أنه استدل ببعض أدلتهم لانها جميعاً، إذا اتضح مما سبق تفريقه بين النصوص الواردة في ذلك. أما السلف فإنهم يستدلون بكل نص من آية أو حديث وردت اليد فيه مضافة إلى الله ، حيث إن الإمام ابن خزيمة - وهو من أعظم أئمتهم - جعل جميع النصوص التي من هذا النوع دليلاً للإثبات سواء منها ما استدل به البيهقي وما صرفه عن المراد. فقد قال ابن خزيمة ﵀: "باب ذكر إثبات اليد للخالق جل وعلا، والبيان أن الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله أنه خلق آدم ﵇، ثم ذكر ما استدل به البيهقي من القرآن الكريم، وزاد عليه ما لم يرض به البيهقي دليلاً، كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾ وغيرهما من الآيات التي يرى البيهقي خروجها عن المقصد، وعدم دلالتها على المراد. كما ذكر من السنة عين أدلة البيهقي، وزاد عليها ما أخرجه البيهقي عن الإمام أحمد بن حنبل١. وتوضيح ابن عبد البرّ لمذهب السلف تعقيباً على عبارتهم تلك يبرز حقيقة مذهبهم وزيف من ادعى من المتكلمين أن مذهبهم التفويض لأن معنى عبارتهم هو ذلك فهذا ادعاء باطل وعبارتهم بمنأى عنه.

стр. 275

فجميع النصوص الواردة بإضافة اليد إلى الله فإن حقيقة اللفظ فيها، وظاهرة "يد" يستحقها الخالق كالعلم والقدرة، بل كالذات والوجود. أما رأي البيهقي القائل بالتفريق بين النصوص الواردة في هذا الموضوع فقد وافق فيه شيخه أبا بكر بن فورك الذي سبقه بهذا التفريق١. إلا أن البيهقي خرق تلك القاعدة التي وضعها لمعرفة النص الذي يتخذ دليلاً من غيره، خرقها بجعله قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ من أدلة الإثبات، لأنها ليست من النوع الذي جعله مناط الاستدلال، فإن اليد الواردة في الآية لم تأت معلقة بكائن على سبيل التخصيص، الأمر الذي يوقع البيهقي في تناقض كان باستطاعته عدم الوقوع فيه لو سلك منهج السلف القائل بدلالة جميع النصوص - الوارد فيها ذكر اليد مضافة إلى الله - على إثبات هذه الصفة. وهناك رأي ثالث للأشاعرة - وهو القول بتأويل اليد الواردة في جميع المواضع، كما هو رأي الجويني، والرازي والبغدادي والآمدي وغيرهم٢. وكل موضع له تأويل بحسبه. أما المعتزلة فمنهم من جعل اليد كناية عن النعمة، أو عن القادرية عند من يثبت الأحوال منهم٣.

стр. 276

وجميع هذه التأويلات التي ذهب إليها الأشاعرة في بعض النصوص عند قوم، وفي جميعها عند آخرين منهم، على اختلاف في التأويل حسب ما يقتضيه السياق - في نظرهم - وكذلك تأويل المعتزلة جميعها فاسدة فساداً واضحاً. أما القائلون بالتأويل مطلقاً، فقد بين البيهقي فساد رأيهم - كما تقدم - وأما من قال بتأويل البعض - ومنهم البيهقي - فإن أمرهم أهون، إذ المهم أنهم أثبتوا الصفة إثباتاً قاطعاً، وردّوا على من أولها في جميع الأحوال. أما رأيهم الآخر فوجهة نظر خاطئة، خالفوا بها ما أجمع عليه السلف من حمل اليد على الحقيقة في جميع مواردها، لصراحة الأدلة على ذلك. وإذا كان البيهقي قد أثبت صفة الوجه والعين واليد، إثباتاً حقيقياً، فهل هذا المسلك هو ما نهجه في بقية صفات الذات الخبرية أم أنه اتخذ طريقاً أخرى؟ الواقع أن البيهقي لم يثبت بقية الصفات، بل مال فيها إلى التأويل، وفيما يلي نأخذ أمثلة منها لنتبين منهج البيهقي فيها بعد أن عرفنا ما أثبته منها. اليمين والكف: وإذا كان البيهقي - رحمه إلله - قد أثبت اليدين صفة لله ﵎، مستدلاً ببعض ما ورد في ذلك من نصوص، فإن ثمة نصوصاً أخرى وردت بذكر اليمين والكف، سردها البيهقي في باب مستقل عنون له بقوله: "باب ما ذكر في اليمين والكف"١.

стр. 277

فمن النصوص التي ذكرها تحت هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ ٢. وحديث أبي هريرة ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض" ٣. وحديث ابن عمررضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" ٤. وحديث أبي هريرة رضي الله عنهقال: قال رسول الله ﷺ : "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم ينقصه مما في يمينه قال: وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" ٥.

стр. 278

وحديث أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله" ١. إلى غير ذلك من النصوص التي أوردها البيهقي. ولكن هل البيهقي بإيراده لهذه النصوص يثبت اليمين والكف صفتين لله ﵎، أم ما هو موقفه منها؟ الواقع أن ترجمة البيهقي لهذا الباب بعيدة عن قصد الإثبات لأننا رأيناه في الصفات التي يثبتها يترجم لها بقوله: "ماجاء في إثبات كذا..." بخلاف ترجمته للباب هنا بقوله: "باب ما ذكر..." ومقصوده بذلك أن ذكر اليمين، والكف في هذه النصوص ليس المراد به إثبات هاتين الصفتين، إذ إنه يرى أن اليمين والكف لا تخرجان عن معنى اليد. لذلك فإن النصوص الواردة بذكر اليمين والكف على سبيل التعلق بكائن ما، صالحة لأن تكون أدلة إثبات لصفة اليد، على منوال ما تقدم ذكره في النصوص التي جعلها دليلاً لإثبات هذه الصفة. ولبيان ذلك يقول: "اليمين يراد به اليد، والكف عبارة عن اليد واليد لله تعالى صفة بلا جارحة، فكل موضع ذكرت فيه فالمراد بذكرها تعلقها بالكائن المذكور معها، من الطي، والأخذ، والقبض، والبسط،

стр. 279

والمسح والقبول، والإنفاق، وغير ذلك، تعلق الصفة الذاتية بمقتضاها من غير مباشرة، وليس في ذلك تشبيه بحال"١. إلا أنه يرى أن الاستدلال بها على إثبات صفة اليد ليس أمراً حتمياً، بل قصد بإيراده لهذا الكلام التنبيه على صلاحية هذا النوع من النصوص للاستدلال على إثبات صفة اليد، مع أنه يجوز أن يراد باليمين والكف معان أخرى سوى اليد، بدليل ما ذكره فيما بعد من قوله: "واليمين المذكور في الأخبار التي ذكرناها محمول في بعضها على القوّة والقدرة ... وفي بعضها على حسن القبول، لأن في عرف الناس أن أيمانهم تكون مرصدة لما عز من الأمور، وشمائلهم لما هان منها والعرب تقول: فلان عندنا باليمين أي بالمحل الجليل، ومنه قول الشاعر: أقول لناقتي إذ بلغتني ... لقد أصبحت عندي باليمين أي بالمحل الجليل٢. ويقول في الكف بالنسبة لله ﵎، إن المراد به ملكه وسلطانه، ويستدل على ذلك بما ذكر من أن عمر بن الخطاب ﵁ كان كثيراً ما يردد في خطبته على المنبر: خفض عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها وإما أن يكون بمعنى النعمة٣.

стр. 280

وبناء على ماتقدم فإنه أول اليمين في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ بأن المراد الإخبار عن الملك والقدرة، أو إنه أراد: ذاهبات بقسمه، أي أقسم ليفنيها. وقوله: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي: بالقوة والقدرة. كما أول القبضة في الآية بأن المراد بها الملك والقدرة، أو الإفناء والإذهاب.١ وهكذا سار في تأويله لباقي النصوص. وهي تأويلات أسندها إلى من يسميهم أهل النظر، ويقصد بهم علماء الكلام من الأشاعرة، وعلى رأسهم شيخه أبو بكر بن فورك الذي أخذ عنه هذه التأويلات مباشرة٢. هذه هي السبيل التي اختارها البيهقي لهذه النصوص مع أنه يحكي أن مذهب السلف إمرارها كما جاءت حيث قال: "أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ماكتبنا من الآيتين والاخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله ﵎ واحد لا يجوز عليه التبعيض"٣. ثم ذكر تأييداً لما قال: إن قتادة لم يفسر آية ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ..﴾ الآية. وذكر قول سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله تعالى من نفسه لا كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه٤. متصوراً من ذلك أن مذهبهم التفويض، وليس الأمر كذلك، إذ أنهم يعنون بالسكوت عليه إمراره على الظاهر دون بحث عن الكيفية أو تكلف لتأويل صارف لذلك الظاهر المتبادر إلى الذهن- كما سبق أن أوضحت.

стр. 281

لذلك فإن المذهب الحق الذي عليه السلف الصالح إزاء هذه الصفات هو إثباتها إثباتاً حقيقياً لله ﵎، كما قال العلامة جمال الدين القاسمي حاكياً مذهبهم ذاك: "مذهب السلف هو إثبات ذلك من غير تكييف له، ولا تشبيه ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الكريم عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل. يجرون على الظاهر ويكلون علمه إليه تعالى، ويقرون بأن تأويله "أي ما يؤول إليه من حقيقة" لا يعلمه إلا الله. وهكذا قولهم في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح"١. وقد أورد الإمام أبو بكر بن خزيمة النصوص التي أوردها البيهقي مستدلاً بها على إثبات صفة اليدين لله ﵎. وإن كلتا يديه يمين لا شمال فيهما، كما ورد في الحديث حيث قال مترجماً لبعض هذه النصوص: "باب ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أن لخالقنا جل وعلا يدين كلتاهما يمينان لايسار لخالقنا إذ اليسار من صفة المخلوقين"٢. إلا أنني أقول أن المنع من إطلاق اليسار على إحدى يدي الله إنما كان تأدباً فقط، لأن إثبات اليمين وإسناد بعض الشؤون إليهما كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وكما في قوله ﵇: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار" يدل على أن له يداً أخرى سوى اليمين. فوصفتا تأدباً بأن كلتيهما يمين.

стр. 282

وقصارى القول: إن ورود ذكر اليمين، والكف، واليد في النصوص السابقة وغيرها يدل أعظم دلالة على ثبوت اليد حقيقة، ويبطل كل محاولات المعطلة في التأويل ويدل كذلك على أن يدي الله ﵎ توصفان باليمين، ويوصف الرب ﵎ بأن له كفاً على الحقيقة دون تكلف تأويل، ودون بحث عن كيفية هي عنا في علم الغيب. الأصابع: وهذه صفة من الصفات الثابتة لله تبارك وتعاك بالسنة الصريحة الصحيحة، وقد أورد البيهقي ﵀ حديثين جاء بذكر هذه الصفة. أحدهما: حديث عبد الله بن مسعود الذي أورده بروايات متعددة وكلها صحيحة وهو أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، أو يا رسول الله، إن الله جعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيهزهن فيقول: أنا الملك، قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ...﴾ الآية١. وثانيهما: حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن،

стр. 283

كقلب واحد يصرفها حيث يشاء". ثم قال رسوله الله ﷺ : "اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك" ١. فهذان الحديثان هما مدار كلام البيهقي حول هذه الصفة. فأما الحديث الأوّل، فله بشأنه موقفان: أحدهما: ردّ ما قد يتوهم من إثبات هذه الصفة به، وإنكار ما جاء فيه. وثانيهما: التأويل إذا كان لا بد من القبول. فأما الموقف الأوّل: فمبني على ما ذكره من كلام للشيخ أبي سليمان الخطابي حول هذا الحديث، والذي رأى فيه البيهقي سلامة التصوّر وصحة التوجيه والاستنتاج وهو قوله: "اليهود مشبهة وفيما يدعونه منزلاً في التوراة. ألفاظ دخل في باب التشبيه، ليس القول بها من مذاهب المسلمين، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بما أنزل الله من كتاب" ٢. والنبي ﷺ أولى الخلق بأن يكون قد استعمله مع هذا الحبر، والدليل على ذلك أنه لم ينطق فيه بحرف تصديقاً له أو تكذيباً، إنما ظهر منه في ذلك الضحك المخيل للرضا مرة، والتعجب والإنكار أخرى، ثم تلا الآية، والآية محتملة للوجهين معاً، وليس فيها للإصبع ذكر، وقول من قال من الرواة: "تصديقاً لقول الخبر ظن وحسبان"٣.

стр. 284

ثم يؤكد البيهقي صحة كلام الخطابي هذا بأثر أسنده إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن اليهود والنصارى وصفوا الربّ ، فأنزل الله على نبيّه ﷺ : ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ثم بين للناس عظمته فقال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فجعل وصفهم ذلك شركاً. قال البيهقي: "هذا الأثر عن ابن عباس إن صح، يؤكد ما قاله أبو سليمان ﵀"١. ومن هذا، تبيّن لنا أن البيهقي يعتمد في إنكاره لما جاء في الحديث على أمور: ١ - أن ذكر الأصابع في الحديث من قول اليهودي. ٢ - أن النبي ﷺ لم ينطق بما يدل على تصديق الخبر. ٣ - دلالة هذين الأمرين على أن إثبات الأصابع من عقيدة اليهود وليس من عقيدة المسلمين. ٤ - إن كثيراً مما ورد في كتب اليهود صريح في التشبيه، والتشبيه ليس من عقائد المسلمين. ٥ - إن النبي ﷺ نهى في حديث آخر عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم، وأولى بأن يكون أول من يطبق ذلك النبي ﷺ وهذا أحد المواقف المقتضية لذلك. ٦ - إن ما ورد في بعض روايات الحديث من قول بعض الرواة عن ضحك النبي ﷺ أنه كان تصديقاً لقول الخبر، إنما هو ظن وحسبان.

стр. 285

هذا عن موقف الرفض كلية للاستدلال بما جاء في الحديث، وهو موقف جد خطير، من قال به وارتضاه - وفي مقدمتهم شيخنا البيهقي - فقد وقع في خطأ كبير، ونحن نجيب عن النقاط التي كانت سبب الرد للاستدلال بأن نقول: أما كون ذكر الأصابع في الحديث من قول اليهودي لا من قول النبي ﷺ فإن ذلك صحيح، وأما أن النبي صلى الله عليه وسلملم ينطق بما يصدق قول الخبر، فإنه قد حصل منه ﷺ مما يدل على التصديق ما هو أبلغ من النطق، وهو سروره ﵇ بقول اليهودي ذاك وابتهاجه بالحق الذي أجراه الله على لسانه ولذلك ضحك ضحكاً شديداً بدت منه أواخر أسنانه ﵇ من شدته، ولو لم يكن ماجاء به ذلك اليهودي حقاً، بل جرأة على وصف الله تعالى بما لا يليق به سبحانه، لما كان هذا الموقف من النبي ﷺ ، بل لحدث ضده، ولتمعر وجهه ﵇ ولغضب غضباً شديداً، ولزجر اليهودي، وبين كذبه فيما قال، ولفند ما زعم سيما وأن قول ذلك الحبر يمس العقيدة في صميمها، لأنه يتعلّق بذات الخالق البارىء . ولذلك فإن إمام الأئمة أبا بكر بن خزيمة يرى بأن مثل هذا الوصف للنبي ﷺ أي بأن ضحكه كان إنكاراً لا تصديقاً- ينافي الإيمان والتصديق برسالة محمّد ﷺ ، فيقول في ذلك: " ... وقد أجل الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق البارئ بحضرته، بما ليس من صفاته، فيسمعه فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلّم به، ضحكاً تبدو نواجذه تصديقاً وتعجباً لقائله، لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته"١.
следующие страницы →