← Акыда

Акыда · id 7570

البيهقي وموقفه من الإلهيات

أحمد بن عطية الغامدي

Полный текст (387 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لذلك فإن المذهب الحق الذي عليه السلف الصالح إزاء هذه الصفات هو إثباتها إثباتاً حقيقياً لله ﵎، كما قال العلامة جمال الدين القاسمي حاكياً مذهبهم ذاك: "مذهب السلف هو إثبات ذلك من غير تكييف له، ولا تشبيه ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الكريم عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل. يجرون على الظاهر ويكلون علمه إليه تعالى، ويقرون بأن تأويله "أي ما يؤول إليه من حقيقة" لا يعلمه إلا الله. وهكذا قولهم في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح"١. وقد أورد الإمام أبو بكر بن خزيمة النصوص التي أوردها البيهقي مستدلاً بها على إثبات صفة اليدين لله ﵎. وإن كلتا يديه يمين لا شمال فيهما، كما ورد في الحديث حيث قال مترجماً لبعض هذه النصوص: "باب ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أن لخالقنا جل وعلا يدين كلتاهما يمينان لايسار لخالقنا إذ اليسار من صفة المخلوقين"٢. إلا أنني أقول أن المنع من إطلاق اليسار على إحدى يدي الله إنما كان تأدباً فقط، لأن إثبات اليمين وإسناد بعض الشؤون إليهما كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وكما في قوله ﵇: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار" يدل على أن له يداً أخرى سوى اليمين. فوصفتا تأدباً بأن كلتيهما يمين.

стр. 282

وقصارى القول: إن ورود ذكر اليمين، والكف، واليد في النصوص السابقة وغيرها يدل أعظم دلالة على ثبوت اليد حقيقة، ويبطل كل محاولات المعطلة في التأويل ويدل كذلك على أن يدي الله ﵎ توصفان باليمين، ويوصف الرب ﵎ بأن له كفاً على الحقيقة دون تكلف تأويل، ودون بحث عن كيفية هي عنا في علم الغيب. الأصابع: وهذه صفة من الصفات الثابتة لله تبارك وتعاك بالسنة الصريحة الصحيحة، وقد أورد البيهقي ﵀ حديثين جاء بذكر هذه الصفة. أحدهما: حديث عبد الله بن مسعود الذي أورده بروايات متعددة وكلها صحيحة وهو أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، أو يا رسول الله، إن الله جعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيهزهن فيقول: أنا الملك، قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ...﴾ الآية١. وثانيهما: حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن،

стр. 283

كقلب واحد يصرفها حيث يشاء". ثم قال رسوله الله ﷺ : "اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك" ١. فهذان الحديثان هما مدار كلام البيهقي حول هذه الصفة. فأما الحديث الأوّل، فله بشأنه موقفان: أحدهما: ردّ ما قد يتوهم من إثبات هذه الصفة به، وإنكار ما جاء فيه. وثانيهما: التأويل إذا كان لا بد من القبول. فأما الموقف الأوّل: فمبني على ما ذكره من كلام للشيخ أبي سليمان الخطابي حول هذا الحديث، والذي رأى فيه البيهقي سلامة التصوّر وصحة التوجيه والاستنتاج وهو قوله: "اليهود مشبهة وفيما يدعونه منزلاً في التوراة. ألفاظ دخل في باب التشبيه، ليس القول بها من مذاهب المسلمين، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بما أنزل الله من كتاب" ٢. والنبي ﷺ أولى الخلق بأن يكون قد استعمله مع هذا الحبر، والدليل على ذلك أنه لم ينطق فيه بحرف تصديقاً له أو تكذيباً، إنما ظهر منه في ذلك الضحك المخيل للرضا مرة، والتعجب والإنكار أخرى، ثم تلا الآية، والآية محتملة للوجهين معاً، وليس فيها للإصبع ذكر، وقول من قال من الرواة: "تصديقاً لقول الخبر ظن وحسبان"٣.

стр. 284

ثم يؤكد البيهقي صحة كلام الخطابي هذا بأثر أسنده إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن اليهود والنصارى وصفوا الربّ ، فأنزل الله على نبيّه ﷺ : ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ثم بين للناس عظمته فقال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فجعل وصفهم ذلك شركاً. قال البيهقي: "هذا الأثر عن ابن عباس إن صح، يؤكد ما قاله أبو سليمان ﵀"١. ومن هذا، تبيّن لنا أن البيهقي يعتمد في إنكاره لما جاء في الحديث على أمور: ١ - أن ذكر الأصابع في الحديث من قول اليهودي. ٢ - أن النبي ﷺ لم ينطق بما يدل على تصديق الخبر. ٣ - دلالة هذين الأمرين على أن إثبات الأصابع من عقيدة اليهود وليس من عقيدة المسلمين. ٤ - إن كثيراً مما ورد في كتب اليهود صريح في التشبيه، والتشبيه ليس من عقائد المسلمين. ٥ - إن النبي ﷺ نهى في حديث آخر عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم، وأولى بأن يكون أول من يطبق ذلك النبي ﷺ وهذا أحد المواقف المقتضية لذلك. ٦ - إن ما ورد في بعض روايات الحديث من قول بعض الرواة عن ضحك النبي ﷺ أنه كان تصديقاً لقول الخبر، إنما هو ظن وحسبان.

стр. 285

هذا عن موقف الرفض كلية للاستدلال بما جاء في الحديث، وهو موقف جد خطير، من قال به وارتضاه - وفي مقدمتهم شيخنا البيهقي - فقد وقع في خطأ كبير، ونحن نجيب عن النقاط التي كانت سبب الرد للاستدلال بأن نقول: أما كون ذكر الأصابع في الحديث من قول اليهودي لا من قول النبي ﷺ فإن ذلك صحيح، وأما أن النبي صلى الله عليه وسلملم ينطق بما يصدق قول الخبر، فإنه قد حصل منه ﷺ مما يدل على التصديق ما هو أبلغ من النطق، وهو سروره ﵇ بقول اليهودي ذاك وابتهاجه بالحق الذي أجراه الله على لسانه ولذلك ضحك ضحكاً شديداً بدت منه أواخر أسنانه ﵇ من شدته، ولو لم يكن ماجاء به ذلك اليهودي حقاً، بل جرأة على وصف الله تعالى بما لا يليق به سبحانه، لما كان هذا الموقف من النبي ﷺ ، بل لحدث ضده، ولتمعر وجهه ﵇ ولغضب غضباً شديداً، ولزجر اليهودي، وبين كذبه فيما قال، ولفند ما زعم سيما وأن قول ذلك الحبر يمس العقيدة في صميمها، لأنه يتعلّق بذات الخالق البارىء . ولذلك فإن إمام الأئمة أبا بكر بن خزيمة يرى بأن مثل هذا الوصف للنبي ﷺ أي بأن ضحكه كان إنكاراً لا تصديقاً- ينافي الإيمان والتصديق برسالة محمّد ﷺ ، فيقول في ذلك: " ... وقد أجل الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق البارئ بحضرته، بما ليس من صفاته، فيسمعه فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلّم به، ضحكاً تبدو نواجذه تصديقاً وتعجباً لقائله، لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته"١.

стр. 286

وهذا الحديث يمثل نوعاً من أنواع السنة، وهو التقرير لأنه ﵇ أقرّ كلام اليهودي ورضيه، وإلا لما سكت عليه، بل كان فند قوله وأظهر كذبه فيه في الحال. وبهذا يبطل المزعم الثالث وهو أن إثبات الأصابع من عقيدة اليهود لا من عقيدة المسلمين، وأي مانع يمنع من أن تتفق اليهودية مع الإسلام في بعض العقائد التي سلمت من التحريف في دينهم إذ إن عقيدة الإسلام واحدة في كشف الشرائع. وإنما الديانات الأخرى اعتراها تحريف وتبديل مس العقائد إلى جانب التشريعات، وإذا كان هذا الإثبات عقيدة لليهود فهو مما سلم من التحريف. وأما وصف كثير مما ورد عن اليهود بأنه صريح في التشبيه والتشبيه ليس من عقائد المسلمين، فيكفي أن ذلك كثير وذلك لا يشمل القليل الباقي، وهذا الحديث يدلّ على أن اليهود يثبتون هذه الصفة بغض النظر عن أنهم يشبّهونها بصفات خلقه، لأن تشبيه اليهود لصفة من الصفات لا يوجب علينا نفيها باب نثبتها لله على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه أو تأويل أو تعطيل. وأما ما ورد من نهيه ﷺ عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم فيما قالوا، فإن هذه بالنسبة لأمة الإسلام عامة، والنبي ﷺ الذي هو رسولها لا يأمر أمته بأمر إلا ويكون أوّل العاملين به، ولا ينهاهم عن آخر إلا وهو أوّل من يبادر إلى اجتنابه، إلا أنه يختلف عن أمته، لأنه رسول يوحى إليه فإذا كان ما سمعه من أهل الكتاب حقاً جاءه الوحي بإقراره، وإذا كان باطلاً جاءه بتكذيبه وإبطاله وهنا - أي في مجال العقيدة - لا مجال لعدم التصديق وعدم التكذيب، بل لا بد من واحد منهما، لأن العقيدة واضحة، وهذه القصة وقعت مع سيد البشر وتمس العقيدة في صميميا، فاليهودي صادق فيما قال، وإلا لبادر ﵇ بالردّ والزجر، وبيان الواضح الصحيح في القضية.

стр. 287

أما إن ما ورد من قول بعض الرواة عن ضحك النبي ﷺ أنه كان تصديقاً، فإن ذلك ليس ظناً وحسباناً لأنه وارد من صحابي أعرف منا بالعقيدة الصحيحة وبأحوال النبي ﷺ التي منها أنه لا يضحك للكذب ويعجب له، بل يتمعّر وجهه، فيكذب صحاحبه، ويوضح زيف قوله، وما كان لصحابي أن يقول مثل هذا القول جزافاً وهم أحرص الأمة على إيضاح العقيدة الحقة، فعنهم جاءنا الإسلام عن رسول الله ﷺ مصوّراً على حقيقته بروايتهم لأقواله، وأفعاله وتقريراته، التي تمثّل الرافد الثاني من روافد الإسلام بعد كتاب الله . وهذا كلّه يوضح أيضاً عدم صحة ما رواه البيهقي عن ابن عباس مؤكداً به كلام الخطابي، ولم أجد العبارة الأخيرة التي هي بيت القصيد وهي قوله: "فجعل وصفهم ذلك شركاً" لم أجدها في شيء من كتب التفسير التي نقلت رأي ابن عباس في تفسير الآية. وعلى فرض صحته فإنه بعيد كل البعد عن أن يكون القصد منه نفي صحّة ما قاله اليهودي، لأن ذلك لا يعدو كونه إشارة إلى سبب نزول الآية وهو ما ذكره من أن أهل الكتاب من يهود ونصارى وصفوا الله بأوصاف لا تليق به فأنزل الله هذه الآية تبين عظمة الله وكذبهم فيما قالوا وهو سبب ذكره الطبري عن غير ابن عباس١. والآية مكية. بينما القصة حدثت في المدينة.

стр. 288

وأما الموقف الثاني: وهو قبول ما جاء في الخبر، وتأويله. فإن ذلك مبني على فرض صحّة أن ضحك النبي ﷺ كان إقراراً وتصديقاً. وذلك لا يعني - في نظر البيهقي - إثبات هذه الصفة على ظاهرها، بل المقصود بما جاء في الحديث أحد أمرين: فإما أن يكون المراد بما جاء في الحديث إظهار قدرة الله تعالى على خلقه، جرياً في ذلك على ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ . وإما أن يكون المراد بذلك إصبعاً من أصابع خلقه، لا إصبع نفسه. فأما التأويل الأوّل: فيقول فيه: " ... ولو صح الخبر من طريق الرواية كان ظاهو اللفظ منه متأولاً على نوع من المجاز، أو ضرب من التمثيل قد جرت به عادة الكلام بين الناس في عرف تخاطبهم، فيكون المعنى في ذلك على تأويل قوله : ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ أي: قدرته على طيها، وسهولة الأمر في جمعها، وقلة اعتياصها عليه بمنزلة من جمع شيئاً في كفه، فاستخف حمله، فلم يشتمل بجميع كفه عليه لكنه يقله ببعض أصابعه، فقد يقول الإنسان في الأمر الشاق إذا أضيف إلى الرجل القوي: إنه ليأتي عليه بإصبع واحدة، أو أنه يعمله بخنصره أو أنه يكفيه بصغرى أصابعه، أو ما أشبه ذلك من الكلام الذي يراد به الاستظهار في القدرة عليه والاستهانة به"١.

стр. 289

أما التأويل الثاني: فما عزاه إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمّد ابن مهدي الطبري ﵀ من قوله: "إنا لا ننكر هذا الحديث، ولا نبطله لصحة سنده، ولكن ليس فيه أن يجعل ذلك على إصبع نفسه، وإنما فيه أن يجعل ذلك على إصبع، فيحتمل أنه أراد إصبعاً من أصابع خلقه، قال - أي الطبري - وإذا لم يكن ذلك في الخبر لم يجب أن يجعل إصبعاً"١. وهذان التأويلان اللذان ارتضاهما البيهقي هما من ضمن تأويلات ذكرها شيخه ابن فورك، وأشار إلى صحتها جميعها٢. على معنى أن ما ورد في الحديث صالح لأن يحمل على أحد هذه التأويلات. ويبدو أن البيهقي يفضل هذا الموقف الأخير الذي يقتضي قبول الحديث مع تأويله على أحد الوجهين اللذين ذكرهما لأنه قد ثبت في حديث آخر - وهو الحديث الثاني من الحديثين اللذين صدرت هذا المبحث بذكرهما - ثبت ذكر الأصابع مضافة إلى الله فلم يجد البيهقي ﵀ طريقاً له سوى التأويل. وهذا الحديث هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي تقدّم ذكره وفيه: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن".

стр. 290

وقد أوّل البيهقي هذا الحديث: "بأن المراد أن القلوب تحت قدرته وملكه، وفائدة تخصيصها بالذكر أن الله تعالى جعل القلوب محلاً للخواطر، والإيرادات، والعزوم، والنيات، وهي مقدّمات الأفعال، ثم جعل سائر الجوارح تابعة لها في الحركات والسكنات، ودلّ بذلك على أن أفعالنا مقدورة لله تعالى مخلوقة، لا يقع شيء دون إرادته، ومثل لأصحابه قدرته القديمة بأوضح ما يعقلون من أنفسهم، لأن المرء لا يكون أقدر على شيء منه على ما بين إصبعيه"١. وهذا التأويل بعينه ما ذهب إليه ابن فورك٢ شيخ البيهقي. كما يرى البيهقي أنه ربما كان المراد بالإصبعين: نعمتي النفع والدفع، أو أثرية في الفضل والعدل، ويؤيد هذا الاحتمال بما ورد في بعض روايات هذا الحديث: "إذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه" وقوله في سياق الخبر: "يا مقلب القلوب ثبّت قلبي" ٣. وبهذا يتضح لنا أن رأي البيهقي في الأحاديث الواردة بإثبات الأصابع لله تعالى، تأويلها على حسب ما يقتضيه سياق كل نصّ. فأما عن موقفنا من كلامه على الحديث الأوّل، فقد سبق بيانه. أما الحديث الثاني فإنني أقول: إن تأويل ما ورد فيه غير جائز لأن ذلك ينافي ما ورد من أجله، فهو إلى جانب إظهار قدرة الله يثبت هذه الصفة إثباتاً حقيقياً، إذ وردت بلفظ الإفراد مرة، والتثنية أخرى، والجمع ثالثة.

стр. 291

وهذا هو موقف السلف في أمثال هذه النصوص أنهم يثبتونها على ظاهرها من غير تأويل أو تشبيه. اسمع ما قاله أحد أئمة السلف في الردّ على مؤولي هذا الحديث وهو الإمام أبومحمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال ﵀: "إن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث، لأنه ﵇ قال في دعائه: "يامقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك"، فقالت له إحدى أزواجه: أو تخاف يا رسول الله على نفسك؟ فقاك: "إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله ". فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى، فهو محفوظ بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت؟، ولم احتج على المرأة التي قالت له: "أتخاف على نسفك؟ " بما يؤكد قولها، وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروساً بنعمتين"١. ثم يبين بعد ذلك رأيه في ما ورد به الحديث قوله: "فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههنا؟ قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر "يحمل الأرض على إصبع" وكذا إصبعين، ولا يجوز أن تكون الإصبع ههنا نعمة. ... ولا نقول إصبع كأصابعنا، ولا يد كأيدينا، ولا قبضة كقبضاتنا لأن كل شيء منه لا يشبه شيئاً منا"٢. فهذا هو مذهب السلف بشأن هذه الصفة وأمثالها، وهو المذهب الحقّ لموافقته لما جاءت به النصوص الحديثية إذ لا فرق عندهم في الإثبات

стр. 292

بين ما ورد بالكتاب، أو بالسنة لأنها المصدر الثاني للتشريع فإذا صحت أفادتنا وجوب اعتقاد ما نصت عليه، على وفق الظاهر منه دون تكلّف تأويل، ودون تشبيه، إذ إن ذلك يدور على وفق قاعدة وضعها القرآن لتكون منهجاً قوياً لإثبات الحقّ المصحوب بالتنزيه وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فإثبات أي صفة يقتضي منا عدم تمصوّر مشابهة أحد من خلقة له فيها. إذ إن إثباتها له - سبحانه - إنما يكون على ما يليق بعظمته وجلاله. وقد أورد البيهقي ﵀ الكثير من الصفات التي سار فيها على منهج التأويل لها، بعد أن أورد أخباراً اشتملت على ذكرها، وكلّها أخبار صحيحة، ليس فيها مطعن جملة، ومما ذكره من الصفات مصحوبة بالأحاديث التي ذكرها: الساعد والذراع والساق، والقدم، والرجال، والجنب، ثم أخذ يؤول كلّ صفة إلى ما يرى أن سياق الحديث يدلّ عليه ويرى ذلك أمراً جائزاً في اللغة. وإذا كان البيهقي قد أثبت الوجه، واليد، والعين، وهي بعض من صفات الذات الخبرية، فما الذي دعاه إلى تأويل الباقي منها؟ الواقع أنه قد شعر بأن ما أثبته منها سيكون حجة عليه فيما نفاه فأعد الجواب عن ذلك بأن قال: "فإن قيل: فهلا تأؤلت اليد والوجه على هذا النوع من التأويل، وجعلت الأسماء فيها أمثالاً كذلك؟ قيل: إن هذه الصفات مذكورة في كتاب الله بأسمائها وهي صفات مدح، والأصل أن كل صفة جاء بها الكتاب أو صحّت بأخبار التواتر، أو رويت من طريق الآحاد وكان لها أصل في الكتاب أو خرجت على بعض معانيه، فإنا نقول بها، ونجريها على ظاهرها من غير تكييف،

стр. 293

وما لم يكن له في الكتاب ذكر، ولا في التواتر أصل، ولا له بمعاني الكتاب تعلّق، وكان مجيئه عن طريق الآحاد، وأفضى بنا القول إذا أجريناه على ظاهره إلى التشبيه فإنا نتأوّله على معنى يحتمله الكلام، ويزول معه معنى التشبيه، وهذا هو الفرق بين ما جاء في ذكر القدم، والرجل، والساق وبين اليد والوجه، والعين"١. وقد سار فى منهجه هذا على طريقة الخطابي الذي حكى عنه نفس الكلام٢. فالبيهقي إذاً يرى أن هذه الصفات لم تثبت بأي نوع من أنواع الأدلة التي يرى أن إثبات الصفات على ظاهرها لا يكون إلا بها وتلك الأنواع هي: ١ - أن تثبت صراحة بكتاب الله تعالى. ٢ - إو تكون ثابتة بأخبار متواترة. ٣ - أو تكون أدلتها أحاديث آحاد وكان لها أصل في كتاب الله تعالى أو لها تعلّق بمعانيه. وهو بذلك يرى أن هذه الأنواع لم تتوفّر إلا في أدلّة الصفات الثلاث التي أثبتها، وهي: الوجه، والعين، واليدين. أما ما سوى ذلك فإنما ورد ذكره في أخبار آحاد، وإجراؤه على الظاهر يفضي إلى التشبيه - في نظر البيهقي - لذلك كان تأويله لها.

стр. 294

فأحاديث الآحاد لا يحتج بها مفردة لإثبات العقيدة في نظره وهذه قضية خطيرة، والقول بها مرفوض تمام الرفض، لأنه قول مبتدع لم يقل به أحد من سلف هذه الأمة، ولم يخطر لأحدهم على بال. ويلزم من هذا القول الخاطئ ردّ مئات الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ لمجرد أنها لم تتواتر. والتواتو ليس شرطاً لصحة الاستدلال بالحديث، بل المهم صحة ثبوته عن رسول الله ﷺ . وإذا صحّ وجب علينا العمل به اعتقاداً أو تشريعاً. وقد تناول الإمام ابن القيم ﵀ هذا الزعم الباطل من وجوه كثيرة إلا أن ما ذكرته كاف لإبطال هذا الرأي، ومن أراد المزيد فعليه بمراجعة ابن القيم لذلك١. بقي أن نعرف رأى البيهقي في النوع الثاني من الصفات الخبرية وهو الفعلية منها. وذلك ما سيتضح لنا من المبحث التالي إن شاء الله.

стр. 295

المبحث الثاني: صفات الفعل الخبريّة لقد عرفنا في المبحث السابق ما ذهب إليه البيهقي في صفات الذات الخبرية ورأينا كيف أنه سلك فيها منهجا - هما: الإثبات لبعضها والتأويل للبعض الآخر، وفي هذا المبحث سوف يكون الحديث عن صفات الفعل الخبرية، وهي القسم الثاني من الصفات الخبرية. وقبل أن أبدأ الحديث عنها مفصلاً أحب أن أبيّن أن البيهقي ﵀ سلك فيها منهجين أيضاً هما: التأويل والتفويض وليس لها من الإثبات نصيب عند البيهقي، مع أنه أورد أدلتها صريحة واضحة من النصوص الشرعية إلا أنه فوض القول في الاستواء والنزول وما في معناه كالمجيء والإتيان، زاعماً أن هذا هو مذهب السلف وهو أسلم في هذه الصفات خاصة، وقد كان تقويضه لها على أساس أن الآيات الواردة بذكرها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وإن حظ الراسخين في العلم أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ كما سيتبين لنا في موضعه من هذا المبحث بإذن الله. إلا أنني أرى من المناسب أن أقدم بين يدي هذا المبحث إجمالاً لمعنى المحكم والمتشابه في اللغة والاصطلاح، فأقول: إن للمحكم في اللغة إطلاقات متعددة، منها ما ذكره ابن منظور حين قال: " ... والعرب تقول: حكمت، وأحكمت، وحكمت، بمعنى منعت ورددت ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكماً، لأنه يمنع الظالم من الظلم. قال الأصمعي: أصل الحكومة ردّ الرجل عن الظلم قال: ومنه سميت حكمة اللجام لأنها ترد الدابة. وقال الأزهري: وحكم الشيء

стр. 296

وأحكمه كلاهما منعه من الفساد"١. إلى غير ذلك من الإطلاقات التي تتفق جميعها في معنى عام هو - كما يقول الشيخ محمّد رشيد رضا: "المنع"٢. أما المتشابه: فيطلق في اللغة على المماثلة بين شيئين والعبارات الواردة في معنى المتشابه لا تعني أكثر من ذلك. يقوله ابن منظور: "الشَّبْه والشَّبَه، والشَّبِيه، المثل، والجمع أشباه وأشبه الشيء ماثله ... "٣. أما في اصطلاح العلماء: فقد وقع بينهم في ذلك اختلاف كبير فقد ذكر الإمام الطبري عن السلف في ذلك ما لا يقل عن سبعة أقوال: فمن قائل إن المحكمات هي الناسخ، والحلال والحرام، والحدود والفرائض، وما يؤمن به ويعمل به. والمتشابهات: المنسوخ، الأمثال، والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به. وهذا مروي عن ابن عباس، وقتادة، وابن مسعود، والسدي والضحاك وغير هم. ومنهم من قال: إن المحكم ما أحكم الله فيه بيان الحلال والحرام وما سوى ذلك فهو متشابه، يصدق بعضه بعضاً. وهو مروي عن مجاهد وعكرمة.

стр. 297

ومنهم من قال: إن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل بعض السور مثل: "الم" و"المص". وهذا القول مروي عن ابن عباس أيضاً. إلى غير ذلك من الأقوال التي أوردها الطبري عن السلف١. التي لا يوجد فيها أي قول يجعل آيات الصفات من المتشابه، وإنما القول بذلك حدث متأخراً من بعض العلماء، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وذكره أيضاً الشيخ محمود الألوسي في تفسيره فقال: "واعلم أن كثيراً من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد، والقدم، والنزول إلى السماء الدنيا، والضحك، والعجب، وأمثالها من المتشابه"٢. وهذا القول مشهور عن بعض الأشاعرة ومنهم البيهقي إلا أن البيهقي يختلف عنهم في أنه لم يجعل جميع هذه الصفات من المتشابه، بل اقتصر على صفة الاستواء والنزول وما في معناه، أما بقية الصفات فأثبتها كما تقدم في اليد والعين والوجه، أو أوّلها كما هو مذهبه في بقيتها. ولا داعي للاستطراد في ذكر ما دار حوله هذه المسألة من نزاع طويل، إذ المهم أن نعرف أن السلف بريئون من ذلك، إذ لم يقل أحد منهم بالتفويض لأن آيات الصفات من المتشابه كما ادعى ذلك البيهقي، وسيتضح لنا ذلك أكثر من ثنايا هذا المبحث بإذن الله ولنبدأ أولاً بما فوض فيه من هذه الصفات وهي الاستواء والنزول والمجيء والإتيان.

стр. 298

صفة الاستواء وهي من أهم الصفات التي بحثها البيهقي ﵀ كما أن الكلام حولها يعد من أكثر ما دار الكلام حوله من مباحث الصفات. وقد ورد إثبات هذه الصفة لله ﵎ في سبعة مواضع من كتابه العزيز وهي: قوله تعالى: في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١. وقوله في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ٢. وقوله في سورتي الأعراف ويونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٣. وقوله في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٤. وقوله في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٥. وقوله في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٦.

стр. 299

فأمّا العرش فإن البيهقي ﵀ قد ذهب إلى القول بأنه السرير، وأنه جسم مجسم، خلقه الله تعالى، وأمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه، والطواف به، كما خلق في الأرض بيتاً، وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة، وذكر أن أقوال المفسرين مجتمعة على هذا الرأي١. وأما الاستواء: فإنه يذهب فيه إلى القول بالتفويض زاعماً أن هذا هو مذهب السلف، وأنه هنا أسلم من التأويل الذي رأيناه يذهب إليه في بعض ما مضى من الصفات الخبرية. ولذلك رأيناه يصدر كلامه عن هذه الصفة بذكر هذا الرأي وتأييده بعبارات نقلها عن السلف، ظاناً أنها ترمي إلى القول بالتفويض. يقول ﵀ بعد إيراده للآيات السابقة - التي بها ثبتت هذه الصفة لله ﵎ يقول: "فأما الاستواء، فالمتقدمون من أصحابنا ﵃ كانوا لا يفسرونه، ولا يتكلمون فيه، كنحو مذهبهم في أمثال ذلك"٢. ثم ذكر بسنده عن الأوزاعي قوله: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ويؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا". وذكر بسنده أيضاً عن يحيى بن يحيى أنه قال: "كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى فكيف استوى؟ قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، فأمر به أن يخرج".

стр. 300

وذكر عن ربيعة الرأي أنه سئل عن قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: الكيف مجهول والاستواء غير معقول ويجب علي وعليك الإيمان بذلك كلّه". وذكر عن سفيان بن عيينة قوله: "كلّ ما وصف الله تعالى من نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكوت عليه". ثم قال: "وعلى هذه الطريقة يدلّ مذهب الشافعي ﵁، وإليها ذهب أحمد بن حنبل، والحسين بن الفضل البلخي، ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي"١. وذكر بعد ذلك آراء أخرى سأعرض لذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. إلا أنني أحب أن أقرّر هنا أوّلاً أن التفويض هو الرأي الصحيح في نظر البيهقي بدليل تأييده له بآثار السلف السابقة، وبدليل ما ذكره في كتاب الاعتقاد الذي يعتبر آخر كتاب جمع فيه ما يراه واجب الاعتقاد حيث قال بعد أن ورد النصوص الواردة في هذا الشأن: "ثم المذهب الصحيح في جميع ذلك الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف، وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا، ومن تبعهم من المتأخرين، وقالوا: الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة، وقبوله من جهة التوقيف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز"٢.

стр. 301

وهذه الطريقة هي إحدى طريقتين أشار البيهقي إليهما، ونسبهما إلى أصحاب الحديث، حيث قال: "وأهل الحديث فيما ورد به الكتاب والسنة من أمثال هذا، ولم يتكلم أحد من الصحابة والتابعين في تأويله على قسمين: منهم من قبله وآمن به ولم يؤوله، ووكل علمه إلى الله، ونفى الكيفية والتشبيه عنه. ومنهم من قبله، وآمن به وحمله على وجه يصح استعماله في اللغة، ولا يناقض التوحيد"١. وهو يشير بذلك إلى انحصار الحق في هاتين الطريقتين اللتين اختار الأولى منهما هنا، وسلك الثانية في كثير من المواضع كما تقدم. فالبيهقي ﵀ يرى أن الاستواء قد ورد بإثباته لله ﵎ مجموعة من الآيات لا يسع أحد إنكار ما جاء فيها، إلا أنه لا يرى الإثبات الحقيقي، لذلك عمد - هنا - إلى التقيد باللفظ فقط مع التفويض في المراد بالمعنى، فجوز اعتقاد أن الله في السماء على العرش، لأنه سبحانه - أخبر بذلك، ولكن ما معناه؟ هذا أمر يتوقف البيهقي عن الخوض فيه، زاعماً أن هذه هي طريقة السلف، وأن هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. فقد ذكر - بعد سوقه لهذا الرأي عن السلف - ذكر بسنده عن عائشة ﵂ قولها: "قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ

стр. 302

تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ١. قالت ﵂: قال رسول الله ﷺ "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" ٢. وقد سبق أن ذكرت أنه لم يقل أحد من السلف بأن آيات الصفات من المتشابه، بل ذلك ابتدعه جماعة من المتأخرين، وليس لقولهم هذا ما يسنده من كلام السلف، فنسبته إليهم بدون دليل لا اعتبار له بل المشهور والمعروف عنهم إثباتهم للصفات جميعها بما فيها الاستواء إثباتاً حقيقياً. وسوف أتناول بعد قليل النظرتين إلى مذهب السلف - أعني من نظر إليهم على أنهم مفوضون، ومن نظر إليهم على أن مذهبهم التأويل، إلا أنني هنا أذكر بقية الآراء التي تعرض لها البيهقي في هذه الصفة، إذ يوجد آراء أخرى تعرض لها البيهقي وهي: ١ - أن الله جل ثناؤه فعل في العرش فعلاً سماه استواء، كما فعل في غيره فعلاً سماه رزقاً ونعمة، أو غيرهما من أفعاله، وهو رأي أبي الحسن الأشعري. وهذا الرأي مستحسن عند البيهقي، بدليل تعقيبه عليه بقوله: "ثم لم يكيف الاستواء، إلا أنه جعله من صفات الفعل، لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وثم للتراخي، والتراخي إنما يكون في الأفعال، وأفعال الله توجد بلا مباشرة منه إياها ولا حركة"٣.

стр. 303

وهذا الرأي يشتمل على نفي لقيام الصفات الاختيارية بذات الله ﵎. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان المقصود من هذا الرأي في الاستواء: "ومعنى ذلك عنده - أي عند الأشعري - وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته أن يخلق في العرش معنى يسميه استواء، وهو عند الأشعري تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به فعل، بل يجعل أفعاله اللازمة كالنزول والاستواء، كأفعاله المتعدية كالخلق والإحسان، وكلّ ذلك عنده هو المفعول المنفصل عنه"١. والبيهقي ﵀ وإن استحسن هذا الرأي في كتاب الأسماء والصفات فإنه جزم بصحة الرأي السابق وأرجحيته واقتصر عليه في كتاب الاعتقاد الذي يعتبر متأخراً في التأليف عن كتاب الأسماء والصفات. ٢ - أن معنى الاستواء: الاعتلاء، كما يقول: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي بمعنى علا في الجو، فوجد فوق رأسي، والقديم سبحانه عال على عرشه. ونسب هذا القول إلي أبي الحسن علي بن محمّد الطبري، وذكر أنه رأى أصحابه من الأشاعرة مستنداً إلى ما ذكره أبو بكر بن فورك منهم٢.

стр. 304

وقد ذكره البيهقي على أن أصحابه يقصدون علوّ المكانة لا علوّ الذات، إلا أن هذا غير صحيح، فعلي بن محمّد الطبري قصد بذلك إثبات الاستواء على طريقة السلف كما ذكر ذلك عنه الذهبي١. وسيأتي مزيد بيان لهذا المذهب إن شاء الله. والقول بأن معنى الاستواء علوّ المكانة والقهر ذهب إليه جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكر بن فورك شيخ البيهقي، كما في كتابه مشكل الحديث٢. ٣ - وثمة رأي ثالث في الاستواء ذكره البيهقي وهو القول بأن معناه: الاستيلاء والغلبة والقهر، كما يقال استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها، واستدل أصحابه بقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق ونسبه البيهقي أيضاً إلى كثير من متأخري الأشاعرة٣، ومنهم سيف الدين الآمدي، وأبو حامد الغزالي وغيرهما٤. وهو رأي المعتزلة أيضاً٥. إلا أن هذا الرأي مرفوض تماماً عند البيهقي، لأن الاستيلاء عبارة عن غلبة مع توقع ضعف٦.

стр. 305

وذكر ردّ ابن الأعرابي من علماء اللغة على رجل قال له: إنما معنى استوى استولى، فقال له ابن الأعرابي ما يدريك؟ العرب لا تقول استولى على العرش فلان حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل قد استولى عليه، والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر١. وهذه الآراء التي ذكرها البيهقي تعتبر من أشهر الآراء في مسألة الأستواء، وإلا فهناك آراء أخرى، ولكن لا داعي لاستقصائها لأن الذي يهمنا هنا هو تحديد رأي البيهقي، ومن ثم معرفة المذهب الصحيح في هذه الصفة. وقد تحدد لنا رأي البيهقي أنه التفويض، الذي زعم أنه مذهب السلف، بعباراته التي نقلها عنهم في أكثر من مكان. وممن ذهب إلى القول بأن مذهب السلف التفويض الإمام السيوطي حيث قال: "وجمهور أهل السنة، منهم السلف، وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها"٢. ونقل السيوطي الرأي نفسه عن الرازي أيضاً٣. وممن نسب التفويض إلى السلف الشيخ عبد العظيم الزرقاني في مناهل العرفان حيث قال: "مذهب السلف ويسمى مذهب المفوضة ... وهو تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده، بعد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة٤.

стр. 306

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل صرح بعض المتأخرين بأن السلف متفقون مع الخلف على التأويل بمعني صرف نصوص الصفات عن ظواهرها، غير أن السلف كان تأويلهم إجمالياً، بمعنى أنهم يقطعون بأن ظاهر النصوص غير مراد، إلا أنهم لم يعينوا المراد، أما الخلف فقد عينوه١. وكلا الادعائين غير مسلم بهما. لأن المذهب الصحيح الذي تدل عليه النصوص المثبتة للصفات الاختيارية عامة، وصفة الاستواء على وجه الخصوص تدل على الإثبات الحقيقي لتلك الصفة، وفق ما تضمنه ذلك النص من معنى، مع الجزم بعدم المشابهة في ذلك بين الخالق والمخلوق. وهذا هو مذهب السلف القويم، فلا تأويل ولا تفويض في المعنى الذي أريد إثباته لله ﵎ وفيما يلي نورد تصويراً لمذهب السلف الصحيح، كما صوره أتباعهم السلفيون من أئمة أهل السنة من المحدثين والفقهاء، بإيراد بعض أقوالهم التي يثبتون لنا بها أن ما يظهر من نصوص الصفات هو المراد عند السلف دون ما عداه من المعاني، ولا يترتب على ذلك أي شبهة من تشبيه أو تجسيم، أو نحو ذلك مما يدعيه المتأخرون عن علماء الكلام.

стр. 307

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعاً، مثل: إن الله فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم ... علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منها قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك ... إلى أن قال: ما رأيت أحداً منهم نفاها (يعني الصفات الخبرية) وإنما ينفون التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه مع إنكارهم على من ينفي الصفات أيضاً"١. وقال في موضبع آخر: "وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي تسميها الجهمية متشابهات، فبين معانيها آية، آية، وحديثاً حديثاً، ولم يتوقف في شيء منها هو والأئمة قبله مما يدلّ على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها، لم يكن مذهباً لأئمة السنة، وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها، وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرّف، ولا يلحد فيها"٢. وقال ابن القيم: "تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات، وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها، وإمرارها، مع فهم معانيها، وإثبات حقائقها أعني فهم أصل المعنى، لا فهم الكنه والكيفية"٣.

стр. 308

هذا عن مذهب السلف في الصفات عامة. أما بالنسبة للاستواء خاصة فقد ثبت عن غير واحد من السلف أنهم فسروه بما يتفق مع مذهبهم من الإثبات، فقد قال الإمام أبو حنيفة ﵀ في تفسير معنى الاستواء: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي: علا١. وقال أبو العالية: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ارتفع. وقال مجاهد: "استوى": علا على العرش٢. وحكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس "استوى بمعنى استقر، وفسر أبو عبيدة استوى بمعنى صعد"٣. وبهذه التفسيرات الواردة عن غير ابن عباس في تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع، يندفع ما وجهه البيهقي إلى التفسير الذي ذكره عن ابن عباس من أنه فسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: صعد٤. حيث ذكر أن هذا النقل عن ابن عباس فيه ضعف لضعف ناقله وهو الكلبي. واختار التفسير القائل: إن استوى بمعنى أقبل، فقد قال ﵀ – استوى: بمعنى أقبل صحيح، لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء والقصد هو الإرادة، وذلك هو جائز في صفات الله تعالى ولفظ ثم تعلق بالخلق لا بالإرادة٥.

стр. 309

إلأ أن رواية ذلك عن غير ابن عباس، يؤيد صحته وهذه المعاني التي صرح بها بعض السلف هي ما أراده الأئمة بعباراتهم التي نقلها عنهم البيهقي، فيما تقدم على أنهم يقصدون التفويض وليس كذلك. قال أبو عمر بن عبد البر حافظ المغرب، وهو - كما هو معروف - من أئمة المالكية، فهو أعرف من غيره بما قصده مالك من عبارته السابقة - التي ذكرها البيهقي. قال أبو عمر: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلّها في القرآن، والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك"١. وقال القاضي أبو يعلى في بيان مقصد الأئمة من أمثال أقوالهم التي نقلها البيهقي: "لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ظاهرها، وأنها من صفات الله، لا تشبه بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد، وسائر الأئمة. وذكر كلام بعضهم في ذلك"٢. والخلاصة: إن المذهب الصحيح أن يقال في الصفات قول السلف ﵃ الذي تحقق أنه إجراء لنصوصها على ظاهرها فنثبتها إثباتاً حقيقياً، لا تمثيل فيه، ولا تحريف ولا تعطيل. فكما أن الله تعالى واحد في ربوبيته، وإلهيته، فهو واحد في صفاته، لا يشبه أحداً من خلقه، ولا يشبهه أحد منهم.

стр. 310

فالاستواء إذاً ثابت لله ﵎ حقيقة فهو مستوى على عرشه بمعنى أنه عال ومرتفع عليه من غير حاجة منه سبحانه إليه، لأنه هو الذي خلقه وجعله أعلى المخلوقات ثم استوى عليه ﵎. ومذهب الإثبات هذا هو ما ذكره البيهقي عن أبي الحسن الطبري على أنه علو مكانة، وهي نظرة إلى هذا القول غير صائبة، إذ إنه ﵀ قصد بذلك الإثبات على طريقة السلف، فهو عال بذاته على عرشه. وإذا ثبت أن الله ﵎ مستو على عرشه، وعرشه فوق سمواته وأعلى مخلوقاته، فقد ثبت بذلك إثبات جهة العلو لله ﵎، وهذا الأمر - يعني إثبات الجهة لله ﵎ قد نفاه البيهقي ﵀. ذلك أنه حينما اختار القول بالتفويض في صفة الاستواء فوقف على اللفظ كما ورد به النص دون أن يتجاوز ذلك إلى تفسيره بالنسبة لله ﵎ لأن ذلك في نظره من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله - أتى إلى الجهة الثابتة لله ﵎ ثبوتاً قطعياً فنفاها. وهاتان المسألتان - أعني الجهة والاستواء - بينهما صلة وثيقة لأن الجهة لازمة للاستواء. يقوله ﵀ مبيناً مذهبه في عدم إثبات جهة لله ﵎: " ... لكنه مستو على عرشه كما أخبره، بلا كيف، بلا أين"١.

стр. 311

بمعنى أن الاستواء ثابت لله ﵎ خبراً، إلا أنه لا ينبغي لنا البحث عن معناه، لأن ذلك بحث في الكيف، كما أن الإشارة إليه بأين تؤدي إلى إثبات الجهة، ولا جهة له، لأننا إنما أثبتنا الاستواء لورود الخبر به، فأثبتناه لفظاً، مفوضين في المراد منه. ويقول في موضع آخر: " ... فإنه لا يرى في جهة كما يرى المخلوق ... وهو يتعالى عن جهة"١. وهذا تصريح بنفي الجهة. ومن أبرز ما استدل به البيهقي على نفي الجهة والمكان عن الله حديث الادلاء، وهو ما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدرون ما هذه التي فوقكم.." إلى أن قال: "والذي نفس محمّد بيده لو أنكم دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لهبط على الله ﵎"، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ٢. قال البيهقي: " ... والذي روي في آخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهر في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة والباطن فلا يصح إدرإكه بالكون في مكان. واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي ﷺ : "أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" ٣، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان"٤.

стр. 312

فهذا الحديث وتلك الآية كما استدلّ بها الجهمية القائلون بالحلول، استدل بها الأشاعرة القائلون بنفي أن يكون الله في جهة من الجهات. ولا شك في بطلان الاستدلالين معاً. أما الأوّل فبشاعته لا تخفى، وبطلانه لا يحتاج إلى دليل، وأما الثاني - وهو ما ذهب إليه البيهقي - فإنه استدلال غير صحيح، لأن الأسماء الأربعة الواردة في الحديث متقابلة، اسمان منها لأزلية الربّ وأبديته واسمان لعلوه وقربه. فالمراد بالظهور هنا العلو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ ١. أي: يعلوه٢. وأما اسم الباطن فإنه يدلّ على أن الله مع علوّه بذاته سبحانه على جميع مخلوقاته، فإنه قريب منهم بعلمه سبحانه كما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية٣، فالحديث دليل لمثبتي الجهة لا لنفاتها. وقد صرح السلف- ﵏ بإثبات علوّه سبحانه بذاته على جميع المخلوقات - كما ذكر البيهقي ذلك عن عبد الله بن المبارك رادّاً على من تعلق بقوله لإثبات الجهة فقال: " ... وأما الحكاية التي تعلق بها من يثبت لله تعالى جهة ... وذكر بسنده إلى علي بن الحسن قال: سألت عبد الله بن المبارك، قلت: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه. قلت: فإن الجهمية تقول هو هذا. قال إنا لا نقول كما قالت الجهمية، نقول: هو هو، قلت: بحد؟ قال أي والله بحد، قال البيهقي: إنما

стр. 313

أراد عبد الله بن المبارك بالحق حد السمع، وهو أن خبر الصادق ورد بأنه على العرش استوى فهو على عرشه كما أخبر، وقصد بذلك تكذيب الجهمية فيما زعموا نه بكل مكان وحكايته تدلّ على مراده١. فإما أن ابن المبارك قصد الردّ على الجهمية القائلين بأن الله تعالى بكل مكان، فهذا صحيح، لأن قولهها هذا كفر بواح، إذ إنه تكذيب لله ﵎ فيما أخبر عن نفسه أنه على عرشه لا أنه بكل مكان كما قال هؤلاء. وإما أن هذا الكلام لا يدل على أن ابن المبارك يقول بإثبات الجهة، وأن اعتماد مثبتيها على كلامه هذا ليس في محله فإن هذا ادعاء خاطىء، لأن ابن المبارك لم يقصد التقيد الوارد في النص دون معرفة معناه، وإنما أراد تحديد المراد من الآية أن الله تعالى بذاته مستو على عرشه استواء حقيقياً، معروف المعنى، مجهول الكيف، كما أنه لم يقصد بالحد بيان مسافة وأبعاد، تعالى الله عن أن نضيف إليه ما لم يصف به نفسه، فالسلف متقيدون بالنصوص في باب العقيدة كلّه، والصفات بوجه أخص. كل علّق البيهقي على قول آخر لابن المبارك يثبت الاستواء والفوقية لله ﵎ وهو قوله: "نعرف ربّنا فوق سبع سموات على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية إنه ههنا - وأشار إلى الأرض" علّق عليه البيهقي بقوله: "قلت: قوله: بائن من خلقه، يريد به ما فسره بعده من نفي قول الجهمية، لا إثبات جهة من جانب آخر، يريد ما أطلقه الشرع".

стр. 314

فكلّ ما تقدم يدلّ على نفي البيهقي للجهة، بل صريح في ذلك. أما النصوص الواردة بإثباتها فقد عمد البيهقي ﵀ إلى تأويلها كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٣. أوّلها بأنها محمولة على ما ورد في آيات الاستواء، فيكون المعنى في الجميع: من على العرش٤. إلا أن إثباته أن الله على العرش إنما هو لموافقة الدليل المصرح بذلك مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وهو أمر أثبته البيهقي لفطاً فقط، وفوض في معناه، فيكون موقفه فيما أوّله على منوالها التفويض أيضاً، لأن الإحالة على معنى مفوض فيه تفويض كذلك. وهذا كما هو ظاهر تحكم لا دليل عليه، وقد سبق أن بينت بطلان كون مذهب السلف التفويض. كما أول قوله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٥ بأن صعود الكلم الطيب والصدقة الطيبة إلى السماء عبارة عن حسن القبول لهما، وأوّل عروج الملائكة الوارد في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٦ بأن المراد عروجهم إلى مقامهم في السماء٧.

стр. 315

إلا أن إثبات العلوّ والفوقيّة لله ﵎. تواترت به الأدلة العقلية والنقلية ومن أبرز الأدلة التي تدل على أن الله في السماء عال على عرشه الذي هو أعلى مخلوقاته سبحانه حديث الجارية، الذي ذكره البيهقي، وأعله بالاضطراب. إلا أن الحديث ثابت في صحيح مسلم وفيه قال راوي الحديث معاوية بن الحكم السلمي: " ... وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية، فأطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك عليّ قلت: يارسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها" فأتيته بها فقال لها: "اين الله؟ " قالت في السماء. قال: "من أنا؟ ": قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة" ١. قال البيهقي: "وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعاً، من حديث الأوزاعي ججاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية. وظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه"٢. والواقع أن مسلماً قد ذكر قصة الجارية ولم يهملها، وهذا يدل على صحتها، وأن البيهقي لم يكن متأكداً من قوله ذاك، أو لعل النسخة التي كانت بيده كانت ناقصة. فقصة الجارية صحيحة، وهي من أوضح الأدلة على إثبات جهة العلو لله ﵎، وعلى صحة الإشارة إليه بأين التي أنكرها البيهقي وأصحابه٣.

стр. 316

فالأدلة الشرعية متضافرة على إثبات العلوّ لله ﵎ وكما هو ثابت بالسمع. فهو ثابت بالعقل والفطرة أيضاً. أما السمع: فجميع الآبات المثبتة للاستواء، ولا تقدّم مما تأوّله البيهقي دون دليل، وحديث الجارية الواضح الدلالة، وحديث الرؤية المشبهة برؤية الشمس والقمر، وحديث الإسراء الذي فيه أن النبي ﷺ لما فرضت عليه الصلاة خمسون بقي يتردد بين موسى ﵇ في السماء السابعة، وبين ربّه جتى خفّفت إلى خمس صلوات، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة المتواترة التي تصل بنا إلى درجة اليقين الذي لا شبهة فيه ولا داعي لذكر المزيد. أما العقل فيثبت ذلك من وجوه ذكرها شارح الطحاوية. أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كلّ موجودين، إما أن يكون أحدهما سارياً في الآخر قائماً به كالصفات. وإما أن يكون قائماً بنفسه بائناً من الآخر. الثاني: أنه لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه قي ذاته أو خارجاً عن ذاته. والأوّل باطل. أما أوّلاً فبالاتفاق وأما ثانياً فلأنه يلزم أن يكون محلاً للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. والثاني: يقتضي كون العالم واقعاً خارج ذاته فيكون منفصلاً فتعينت المباينة، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول. الثالث: أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية، لأنه غير معقول، فيكون موجوداً إما داخله وإما خارجه والأوّل باطل، فتعيّن الثاني، فلزمت المباينة١.

стр. 317

وأمّا ثبوته بالفطرة، فإن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهما عند الدعاء، ويقصدون جهة العلوّ بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى. وذكر محمّد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلّم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان. فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرووة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلوّ، لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع بهذه الضرورة عن أنفسنا، قال: فلطم أبو المعالي رأسه ونزل. وقال. حيّرني الهمداني حيّرني. أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقّوه من المرسلين، يجدون في قلوبهم طلباً ضرورياً يتوجه إلى الله، ويطلبه في العلوّ١. وقد ألف الشيخ ابن قيم الجوزية كتاباً مستقلاً٢ لإثبات هذه القضية حشد فيه من الأدئة الدامغة ما يجعلها من المسلمات التي لا تقبل المراء. وقبل أن أختم الحديث عن هذه القضية أحب أن أبيّن أن لفظ الجهة فيه إجمال وتفصيل فنحن نوافق على نفيه عن الله ﵎ من وجه، ولكننا نثبته من الوجه الآخر. ذلك أنه قد يراد بنفي الجهة أن الله تعالى ليس موجوداً في داخل هذا العالم، فإن إريد هذا، فإن الله ﵎ منزه عن أن يكون في شيء من مخلوقاته.

стр. 318

وإن كان المقصود بنفي الجهة نفي الجهة العدمية التي هي عبارة عن أن الله تعالى فوق هذا العالم كلّه، فإن هذه جهة عدمية لا وجودية، ولما كان الله تعالى فوق خلقه، فلا يصح أن يقال إنه سبحانه ليس في جهة، بقصد نفي فوقيّته وعلوّه على خلقه. وعلى هذا فالجهة قسمان: ١ - جهة يجب أن ينزه الله ﵎ عنها، وهو هذا العالم الوجودي. فإن الله تعالى ليس حالاً في شيء من مخلوقاته. ٢ - الجهة الثانية عدم محض، وهو ما فوق العالم. فإثبات جهة لله ﵎ بمعنى أنه فوق العالم على عرشه بائن من خلقه. فهذا واجب شرعاً، مع مراعاة عدم التشبيه والتكييف والتعطيل. لأن هذه الجهة ثابتة لله ﵎ بما تواتر من نصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. بل جميع الأديان السماوية والكتب المنزلة تثبت ذلك. فمن قال إن الله ﵎ فوق العالم، لم يقل بجهة وجودية، بل بجهة عدمية أثبتها الشرع، وأثبتتها الفطرة، والعقل أيضاً. أما نفي علماء الكلام لهذه الجهة، والذي وافقهم البيهقي عليه فهذا نفي باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. وهذا التفصيل هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وسبقه إليه ابن رشد. فقد قال ابن تيمية موضحاً هذا المعنى: "إذا كان سبحانه فوق الموجودات كلّها، وهو غني عنها، لم يكن عنده جهة وجودية يكون فيها فضلاً عن أن يحتاج إليها.

стр. 319

وإن أريد بالجهة ما فوق العالم فذلك ليس بشيء، ولا هو أمر وجودي، وهؤلاء أخذوا لفظ الجهة بالاشتراك وتوهموا، وأوهموا إذا كان في جهة كان في شيء غيره، كما يكون الإنسان في بيته، ثم رتبوا على ذلك أن يكون محتاجاً إلى غيره والله تعالى غني عن كل ما سواه"١. فإثبات الجهة لله ﵎ بالمعنى الذي ذكره ابن تيمية ﵀ موافقاً في ذلك ابن رشد، هو ما تضافرت الأدلة الشرعية والعقلية، والفطرية على إثباته. أما نفي أن يكون الله ﵎ في جهة على الإطلاق، كما هو مذهب البيهقتي فإن هذا إثبات وهمي، وحقيقته نفي الوجود وإن كان أصحابه لم يقصدوا ذلك، وإنما قصدوا التنزيه إلا أنهم وقعوا في خطأ جسيم، خالفوا به الشرع والعقل والفطرة. النزول وما في معناه وبعد أن اتضح لنا رأي البيهقي في الاستواء وأنه اختار القول بالتفويض فيه فإنه هنا سلك نفس المسلك، ورضي القول نفسه، ويدخل في معنى النزول من الصفات الثابتة لله ﵎ الإتيان والمجيء فأما الإتيان والمجيء، فقد أورد البيهقي مجموعة من الآيات مصرحة بإثباتهما لله ﵎، منها قوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ٢. وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ٣.

стр. 320

أمّا النزول فقد أورد حديثه المشهور المروي عن أبي هريرة رضي الله عنهقال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل الله إلى السماء الدنيا لشطر الليل - أو لثلث الليل - الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم" ١. وقد أورده بروايات متعددة عن مجموعة من الصحابة رضوان الله عليهم وهذه نصوص قطعية من الكتاب والسنة في إثبات هذه الصفات، ولكن ما هي الطريق التي اختارها البيهقي لتوجيه ما جاء فيها؟. الواقع أن البيهقي قد وجدته هنا كحاله عند الحديث عن الاستواء حيث كان أوّل شيء بعد هذه النصوص هو سياقه لرأي أبي الحسن الأشعري بطريقة تشعر برضاه عنه. فقد قال: "وأما الإتيان والمجيء فعلى قول أبي الحسن الأشعري ﵁: يحدث الله تعالى يوم القيامة فعلاً يسميه إتياناً ومجيئاً، لا بأن يتحرك، أو ينتقل فإن الحركة والسكون والاستقرار من صفات الأجسام، والله تعالى أحد صمد ليس كمثله شيء، وهذا كقوله : ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، ولم يرد به إتياناً من حيث النقلة، وإنما أراد إحداث الفعل الذي به خرب بنيانهم وخر عليهم السقف من فوقهم، فسمّى ذلك الفعل إتياناً.
следующие страницы →