فالأدلة الشرعية متضافرة على إثبات العلوّ لله ﵎ وكما هو ثابت بالسمع. فهو ثابت بالعقل والفطرة أيضاً.
أما السمع: فجميع الآبات المثبتة للاستواء، ولا تقدّم مما تأوّله البيهقي دون دليل، وحديث الجارية الواضح الدلالة، وحديث الرؤية المشبهة برؤية الشمس والقمر، وحديث الإسراء الذي فيه أن النبي ﷺ لما فرضت عليه الصلاة خمسون بقي يتردد بين موسى ﵇ في السماء السابعة، وبين ربّه جتى خفّفت إلى خمس صلوات، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة المتواترة التي تصل بنا إلى درجة اليقين الذي لا شبهة فيه ولا داعي لذكر المزيد.
أما العقل فيثبت ذلك من وجوه ذكرها شارح الطحاوية.
أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كلّ موجودين، إما أن يكون أحدهما سارياً في الآخر قائماً به كالصفات.
وإما أن يكون قائماً بنفسه بائناً من الآخر.
الثاني: أنه لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه قي ذاته أو خارجاً عن ذاته. والأوّل باطل. أما أوّلاً فبالاتفاق وأما ثانياً فلأنه يلزم أن يكون محلاً للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
والثاني: يقتضي كون العالم واقعاً خارج ذاته فيكون منفصلاً فتعينت المباينة، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول.
الثالث: أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية، لأنه غير معقول، فيكون موجوداً إما داخله وإما خارجه والأوّل باطل، فتعيّن الثاني، فلزمت المباينة١.
стр. 317
وأمّا ثبوته بالفطرة، فإن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهما عند الدعاء، ويقصدون جهة العلوّ بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى. وذكر محمّد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلّم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان. فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرووة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلوّ، لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع بهذه الضرورة عن أنفسنا، قال: فلطم أبو المعالي رأسه ونزل. وقال. حيّرني الهمداني حيّرني. أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقّوه من المرسلين، يجدون في قلوبهم طلباً ضرورياً يتوجه إلى الله، ويطلبه في العلوّ١.
وقد ألف الشيخ ابن قيم الجوزية كتاباً مستقلاً٢ لإثبات هذه القضية حشد فيه من الأدئة الدامغة ما يجعلها من المسلمات التي لا تقبل المراء.
وقبل أن أختم الحديث عن هذه القضية أحب أن أبيّن أن لفظ الجهة فيه إجمال وتفصيل فنحن نوافق على نفيه عن الله ﵎ من وجه، ولكننا نثبته من الوجه الآخر.
ذلك أنه قد يراد بنفي الجهة أن الله تعالى ليس موجوداً في داخل هذا العالم، فإن إريد هذا، فإن الله ﵎ منزه عن أن يكون في شيء من مخلوقاته.
стр. 318
وإن كان المقصود بنفي الجهة نفي الجهة العدمية التي هي عبارة عن أن الله تعالى فوق هذا العالم كلّه، فإن هذه جهة عدمية لا وجودية، ولما كان الله تعالى فوق خلقه، فلا يصح أن يقال إنه سبحانه ليس في جهة، بقصد نفي فوقيّته وعلوّه على خلقه. وعلى هذا فالجهة قسمان:
١ - جهة يجب أن ينزه الله ﵎ عنها، وهو هذا العالم الوجودي. فإن الله تعالى ليس حالاً في شيء من مخلوقاته.
٢ - الجهة الثانية عدم محض، وهو ما فوق العالم. فإثبات جهة لله ﵎ بمعنى أنه فوق العالم على عرشه بائن من خلقه. فهذا واجب شرعاً، مع مراعاة عدم التشبيه والتكييف والتعطيل. لأن هذه الجهة ثابتة لله ﵎ بما تواتر من نصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. بل جميع الأديان السماوية والكتب المنزلة تثبت ذلك. فمن قال إن الله ﵎ فوق العالم، لم يقل بجهة وجودية، بل بجهة عدمية أثبتها الشرع، وأثبتتها الفطرة، والعقل أيضاً.
أما نفي علماء الكلام لهذه الجهة، والذي وافقهم البيهقي عليه فهذا نفي باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
وهذا التفصيل هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وسبقه إليه ابن رشد. فقد قال ابن تيمية موضحاً هذا المعنى: "إذا كان سبحانه فوق الموجودات كلّها، وهو غني عنها، لم يكن عنده جهة وجودية يكون فيها فضلاً عن أن يحتاج إليها.
стр. 319
وإن أريد بالجهة ما فوق العالم فذلك ليس بشيء، ولا هو أمر وجودي، وهؤلاء أخذوا لفظ الجهة بالاشتراك وتوهموا، وأوهموا إذا كان في جهة كان في شيء غيره، كما يكون الإنسان في بيته، ثم رتبوا على ذلك أن يكون محتاجاً إلى غيره والله تعالى غني عن كل ما سواه"١.
فإثبات الجهة لله ﵎ بالمعنى الذي ذكره ابن تيمية ﵀ موافقاً في ذلك ابن رشد، هو ما تضافرت الأدلة الشرعية والعقلية، والفطرية على إثباته.
أما نفي أن يكون الله ﵎ في جهة على الإطلاق، كما هو مذهب البيهقتي فإن هذا إثبات وهمي، وحقيقته نفي الوجود وإن كان أصحابه لم يقصدوا ذلك، وإنما قصدوا التنزيه إلا أنهم وقعوا في خطأ جسيم، خالفوا به الشرع والعقل والفطرة.
النزول وما في معناه
وبعد أن اتضح لنا رأي البيهقي في الاستواء وأنه اختار القول بالتفويض فيه فإنه هنا سلك نفس المسلك، ورضي القول نفسه، ويدخل في معنى النزول من الصفات الثابتة لله ﵎ الإتيان والمجيء فأما الإتيان والمجيء، فقد أورد البيهقي مجموعة من الآيات مصرحة بإثباتهما لله ﵎، منها قوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ٢. وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ٣.
стр. 320
أمّا النزول فقد أورد حديثه المشهور المروي عن أبي هريرة رضي الله عنهقال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل الله إلى السماء الدنيا لشطر الليل - أو لثلث الليل - الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم" ١.
وقد أورده بروايات متعددة عن مجموعة من الصحابة رضوان الله عليهم وهذه نصوص قطعية من الكتاب والسنة في إثبات هذه الصفات، ولكن ما هي الطريق التي اختارها البيهقي لتوجيه ما جاء فيها؟.
الواقع أن البيهقي قد وجدته هنا كحاله عند الحديث عن الاستواء حيث كان أوّل شيء بعد هذه النصوص هو سياقه لرأي أبي الحسن الأشعري بطريقة تشعر برضاه عنه.
فقد قال: "وأما الإتيان والمجيء فعلى قول أبي الحسن الأشعري ﵁: يحدث الله تعالى يوم القيامة فعلاً يسميه إتياناً ومجيئاً، لا بأن يتحرك، أو ينتقل فإن الحركة والسكون والاستقرار من صفات الأجسام، والله تعالى أحد صمد ليس كمثله شيء، وهذا كقوله : ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، ولم يرد به إتياناً من حيث النقلة، وإنما أراد إحداث الفعل الذي به خرب بنيانهم وخر عليهم السقف من فوقهم، فسمّى ذلك الفعل إتياناً.
стр. 321
وهكذا قال في أخبار النزول، إن المراد به فعل يحدثه الله في سماء الدنيا كلّ ليلة يسميه نزولاً بلا حركة ولا نقلة، تعالى الله عن صفات المخلوقين"١.
ومثل هذا القول ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه قول من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى كالأشعري وغيره٢.
والبيهقي ﵀ أحد نفاتها، إلا أنه هنا وإن ساق رأي الأشعري ومن وافقه فإنه بعد ذلك، اختار القول بالتفويض، والتفويض مسلك آخر لنفاة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى واختياره اللتفويض يدل عليه ما ساقه عن أبي سليمان الخطابى حيث قالك "قال أبو سليمان ﵀ في معالم السنن: وهذا من العلم الذي أمرنا أن تؤمن بظاهره، وأن لا نكشف عن باطنه، وهو من جملة المتشابه، ذكره الله تعالى في كتابه فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية٣.
فالمحكم منه يقع به العلم الحقيقي والعمل، والمتشابه يقع به الإيمان والعلم الظاهر، ويوكل باطنه إلى الله ، وهو معنى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وإنما حظ الراسخين أن يقولوا آمنا به كلّ من عند ربنا، وكذلك ما جاء من هذا الباب في القرآن كقوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ
стр. 322
أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ ١ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ٢ والقول في جميع ذلك عند علماء السلف هو ما قلناه"٣.
وبعد أن أورد البيهقي هذا النص عن الخطابي علق عليه بما يدل على أنه المذهب المختار عنده دون سواه حيث قال: "قلت: وفيما قاله أبو سليمان- ﵀ كفاية وقد أشار إلى معناه القتيبي في كلامه فقال: لا نحتم على النزول منه بشيء، ولكنا نبيّن كيف هو في اللغة والله أعلم بما أراد"٤.
وقد صرّح البيهقي باختيار هذا المذهب - أعني التفويض- في كتاب الاعتقاد الذي يعتبر آخر ما ألّف في العقيدة، فبعد أن اختار القول بالتفويض في مسألة الاستواء على نحو ما تقدّم ذكره قال بعد ذلك: وعلى مثل هذا درج أكثر علمائنا في مسألة الاستواء، وفي مسألة المجيء والنزول والإتيان٥.
فهذه الصفات إذاً ثابتة عند البيهقي ﵀ لورود النصوص الشرعية بها، إلا أن ثبوتها عنده يقتصر على القول بها لفظاً أما المعنى المراد منها فموكول علمه إلى الله وقد أيد مذهبه هذا بنصوص
стр. 323
أوردها عن جماعة من السلف، استنتج منها أن مذهبهم القول بالتفويض في هذا النوع من الصفات، منها ما رواه عن سفيان بين عيينة أنه قال. كلّ ما وصف الله من نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكوت عليه١.
ونظراً لأن البيهقي لا يقول بالتفويض في جميع الصفات عقب على هذاً القول الشامل لها جميعاً بقوله: "وإنما أراد به - والله أعلم - فيما تفسيره يؤدي إلى تكييف، وتكييفه يقتضي تشبيهاً له بخلقه في أوصاف الحدث"٢.
أي أن هذا القول من سفيان إنما أراد به مثل هذه الصفات التي رأى البيهقي أن الحقّ فيها القول بالتفويض، مع أن ابن عيينة ومن قال من السلف بما يشبه قوله هذا لا يريدون به التفويض كما سبق أن بيّنت وإنما يريدون عدم التعرض لنصوصها بتأويل خلاف ظاهرها المتبادر منها.
وكذا ما رواه بسنده عن الوليد بن مسلم قال: "سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في التشبيه فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيفية"٣.
وقد سبق أن ذكرت من شارك البيهقي في القول بالتفويض كما سبق أن ذكرت أيضاً مذهب السلف الصحيح ألا وهو القول بالإثبات الحقيقي، وعدم لزوم التشبيه لما أثبتوه لأنهم يثبتون صفات الله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، لا يشبهه أحد من خلقه فيها، فكما أنه واحد في ذاته، فهو واحد في صفاته.
стр. 324
وكذلك الأمر هنا فالسلف يثبتون هذه الصفات لله ﵎ مع اعتقادهم عدم مشابهة نزوله لنزول خلقه، ومجيئه لمجيئهم، وإتيانه لإتيانهم، وفي بيان ذلك قال الإمام أبو عثمان الصابوني: "ويثبت أصحاب الحديث نزول الربّ كلّ ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزوله المخلوقين، ولا بتمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ ، وينتهون فيه إليه ويمرّون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله، وكذلك يثبتون ما أنزله الله عز وجلاسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ، وقوله عزّ اسمه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ١.
وقال أيضاً: "فلما صحّ خبر النزول عن الرسول ﷺ أقرّ به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ ، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله لا تشبه صفات الخلق كما أن ذاته لا تشبه الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوّاً كبيراً"٢.
وقال الإمام ابن خزيمة ﵀: "نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الربّ من غير أن نصف الكيفية، لأن نبيّنا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك، ولا نبيه ﵇
стр. 325
بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف كيفية النزول. وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليه إذ محال في لغة العرب أن يقول ينزل من أسفل إلى أعلا، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلا إلى الأسفل"١.
فالسلف يثبتون النزول لله ﵎ إثباباً حقيقياً على ما هو متبادر وظاهر اللفظ الوارد وكذلك الإتيان والمجيء.
والتنزيل والإنزال حقيقة مجيء الشيء، أو الإتيان به من علو إلى أسفل، هذا هو المفهوم منه لغة وشرعاً، ذكر ذلك ابن القيم - رحمه الله٢.
وهكذا يتضح لنا أن رأي البيهقي القائل بالتفويض لهذه الصفات مخالف لرأي السلف القائل بإثباتها لله ﵎ على ظاهر المعنى المتبادر منها مع نفي الشبيه عنها.
ولكن البيهقي مع موقفه هذا القائل يتفويض هذه الصفات وعدم معرفة مراد الله منها، فإنه يجزم أنه لا يريد بها إثبات حركة وانتقال له سبحانه، ولذلك أورد نقد الخطابي لمن أثبت ذلك حيث قال: "وقد زل
стр. 326
بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال فحاد عن هذه الطريقة حين ووى حديث النزول ثم أقبل على نفسه فقال: إن قال قائل: كيف ينزل ربّنا إلى السماء؟ قيل له ينزل كيف يشاء. فإن قال: هل يتحرك إذا نزل؟ فقال: إن شاء يتحرك، وإن شاء لم يتحرك، وهذا خطأ فاحش عظيم، والله تعالى لا يوصف بالحركة لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله ﵎ متعال عنهما ليس كمثله شيء"١.
إلا أن لمثبتي هذه الصفات من علماء السلف حول قضية الحركة والانتقال بالنسبة لله ﵎ أقوالاً ثلاثة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: "واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في النزول والإتيان والمجيء وغير ذلك، هل يقال: إنه بحركة وانتقال؟ أم يقال بغير حركة وانتقال؟ أم يمسك عن الإثبات والنفي؟ على ثلاثة أقوال:
فالأول: قول أبي عبد الله بن حامد وغيره.
والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته.
والثالث: قول أبي عبد الله بن بطة وغيره"٢.
стр. 327
فأما قول ابن حامد فقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن الحامل له عليه هو أنه يرى أن إثبات النزول حقيقة لا يكون إلاّ بهذا الوجه، لأن حقيقته لا تثبت إلاّ بالانتقال، وأنه لا يوجد في العقل ولا في النقل ما يحمل الانتقال عليه، فإنه كالمجيء والإتيان والذهاب والهبوط والانتقال جنس لأنواع المجيء والإتيان والنزول. وليس في القول بلازم النزول والمجيء والإتيان ونحوها محذور البتة، ولا يستلزم ذلك نقصاً لا سلب كمال، بل هو الكمال نفسه، وهذه الأفعال كمال ومدح فهي حقّ دال عليه النقل، ولازم الحقّ حقّ.١
أما أصحاب القول الثاتي وهو القول الذي ارتضاه البيهقي فقد ردّ عليهم ابن القيم ﵀ بقوله: "وأما الذين نفوا الحركة والانتقال فإن نفوا ما هو من خصائص المخلوق فقد أصابوا، ولكن أخطؤوا في ظنّهم أن ذلك لازم أثبته لنفسه"٢.
وأما القول الثالث وهو الإمساك عن الإثبات والنفي فهو القول الأسعد بالصواب والأولى بالاتباع، لأن فيه التزاماً بما ورد في النصوص من إثبات ما أثبتته والسكوت عما سكتت عنه.
وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ "أن صحة هذه الطريقة تظهر ظهوراً تاماً فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت النصّ عنها مجملة محتملة لمعنيين صحيح وفاسد كلفظ الحركة والانتقال... ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حقّ وباطل، فهذه لا تقبل مطلقاً، ولا ترد
стр. 328
مطلقاً فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات ولم ينفها عنه، فمن أثبتها مطلقاً فقد أخطأ ومن نفاها مطلقاً فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له، فإن الانتقال يراد به انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلما مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرّب تبارك رتعالى، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى.
ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلاً، وانتفاله أيضاً من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلاً، فهذا المعنى حق في نفسه لا يعقل كون الفاعل فاعلاً إلاّ به، فنفيه عن الفاعل نفي حقيقة الفعل، تعطيل له.
وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه،. وقد دلّ القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة وينزل لفصل القضاء بين عباده، وبأتي في ظلل من الغمام والملائكة وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة.. وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقات، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له.."١.
فالسكوت عن الإثبات والنفي هو المنهج السليم الذي يتفق مع النصوص الشرعية، مع اعتقاد إثبات المعنى الصحيح من هذه الألفاظ المجملة والسكوت عن اللفظ فقط.
стр. 329
والحاصل أن النزول والإتيان والمجيء صفات ثابتة لله ﵎ على الحقيقة، ولا يجوز التأوبل فيها ولا يجوز التفويض أيضاً لأن ذلك كله مخالف لصريح النصوص الشرعية الثابتة. فالبيهقي جانب طريق السلف في اعتقاده سلامة التفويض.
أما مؤوّلوا هذه الصفات فهم المعتزلة ومتأخرو الأشاعرة وجماعةمن أصحاب الإمام أحمد كابن الجوزي وابن الزاغوني زاعمين أن هذا مروي عن أحمد، فقد أولوا النزول بنزول أمره ورحمته وكذلك المجيء والإتيان١.
وتأولها جماعة بمعنى القصد والإرادة ونحو ذاك، وقد ذكر ابن تيمية ﵀ أن ابن الزاغوني وغيره جعلوا ذلك إحدى الروايتين عن أحمد ورد عليه بقوله:
"والصواب أن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل من الصحابة شيئاً منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الحديث"٢.
فالنزول والإتيان والمجيئء صفات ثابتة لله ﵎ على الحقيقة. فهو سبحانه ينزل ويجيء ويأتي وهو لا يزال فوق عرشه ولا يخلو العرش منه مع دنوّه منه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض، بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك٣.
стр. 330
مع أن إثبات الحقيقة هو ما جاءت به النصوص، إلاّ أن تصوّر كيفيّتها أمر مستحيل، لأن الأمر متعلق بذات الله ﵎ التي لا يمكننا إدراكها أو تصوّرها، إلاّ أننا نؤمن قطعاً أنها ليست كذوات خلقه.
فلا التفويض الذي قال به البيهقي صحيح، ولا التأويل الذي ذهب إليه غيره. إذ هذان المنهجان لا مكان لهما عند السلف بل الإثبات الحقيقي هو ما ذهبوا إليه.
رأيه في بقيّة الصفات
وإذا كان البيهقي ﵀ قد رضي التفويض في صفتي الاستواء والنزول على نحو ما تقدم، فإنه سلك في بقية صفات الفعل الخبرية مسلكاً آخر هو مسلك التأويل، ومن هذه الصفات التي ارتضى فيها التأويل صفة الضحك، والغضب، والمحبة، والتعجب، والكراهية ونحو ذلك. وسأورد هنا أمثلة من تلك الصفات وما ذهب إليه من معان لتأويلعها.
فأما الضحك: فقد ذهب ﵀ إلى أنه قد يراد منه الإخبار عن الرضى. وأورد مما يراه يصدق عليه هذا المعنى حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يضحك الله إلي رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل، فيقاتل في سبيل الله فيستشهد" ١.
стр. 331
وقد روى هذا التأويل عن أبي سليمان الخطابي ﵀ حيث قال: "قال أبو سليمان الخطابي ﵀ قوله "يضحك الله سبحانه": الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو يستنفرهم الطرب غير جائز على الله ، وهو منفي عن صفاته، إنما هو مثل ضربه لهذا الصنيع الذي يحل محلّ العجب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم، ومعناه في صفة الله الإخبار عن الرضى بفعل أحدهما والقبول للآخر، ومجازاتهما على صنيعهما الجنة، مع اختلاف أحوالهما وتباين مقاصدهما"١.
وقد يراد بالضحك أيضاً - عند البيهقي - الإظهار والبيان وأورد من هذا النوع حديث أبي رزين قال: قال النبي ﷺ : "ضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب خيره"، فقلت يا رسول الله ويضحك الرب؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، قلت: لن نعدم من رب يضحك خيراً" ٢.
وأسند البيهقي هذا التأويل إلى أبي الحسن بن مهدي الطبري حيث قال: "قال أبو الحسن: فمعنى قول النبي ﷺ : "يضحك الله" أي: يبين ويبدي من فضله ونعمه ما يكون جزاء لعبده الذي رضي عمله"٣.
وقد استدل البيهقي لصحة هذا التأويل بما رواه عن العرب من مثل قولها: "ضحكت الأرض إذا أنبتت"؛ وقول الشاعر:
"وضحك المزن بها ثم بكى"٤.
стр. 332
فالبيهقي ﵀ يرى التأويل للنصوص الواردة بإثبات هذه الصفة حسب ما يقتضيه السياق، والحامل له على التأويل ما تقدم من قوله راوياً عن أبي سليمان الخطابي أن الضحك الذي نعرفه هو ما يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح، أو يستنفرهم الطرب. ولشبهة أن يكون المتبادر إلى الذهن - عند الإثبات الحقيقي - هذا المعنى عمد البيهقي إلى القول بالتأويل.
إلأ أن هذا التأويل غير صحيح كما أن تلك الشبهة فاسدة فأما فساد الشبهة فإننا إذا أثبتنا صفة الضحك لله ﵎، فإننا نثبته على ما يليق بجلاله، لأنه سبحانه يتعالى عما يعتري البشر من انفعالات، هي صفة نقص يجب أن يتنزه الرب ﵎ عنها.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ردّ هذه الشبهة وذلك التأويل: "الضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال، وإذا قدر حيان أحدهما يضحك مما يضحك منه، والآخر لا يضحك قط، كان الأول أكمل من الثاني. ولهذا قال النبي ﷺ : "ينظر الرب إليكم قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب".
فقال له أبو رزين العقيلي: يا رسول الله، أو يضحك الرب؟ قال: "نعم قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً". فجعل الأعرابي العاقل بصحّة فطرته ضحكه دليلاً على إحسانه وإنعامه، فدلّ على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال، والشخص العبوس الذي لا يضحك قط هو مذموم بذلك، وقد قيل في اليوم الشديد العذاب إنه: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ .
стр. 333
وقد روي أن الملائكة قالت لآدم: "حياك الله وبياك" أي: أضحكك. والإنسان حيوان ناطق ضاحك. وما يميز الإنسان عن البهيمة صفة كمال، فكما أن النطق صفة كمال، فكذلك الضحك صفة كمال، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان الضحك فينا مستلزماً لشيء من النقص، فالله منزه عن ذلك وذلك الأكثر مختص لا عام. فليس حقيقة الضحك مطلقاً مقرونة بالنقص، كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص، ووجودنا مقرون بالنقص أيضاً"١.
وهكذا يتضح لنا أن الحقّ في هذه الصفة أنها كمال ثابت لله ﵎، لا يجوز نفيه عنه بحجّة أن ضحك الإنسان مستلزم لنقص فيه من خفة روح واستنفار طرب، لأننا حين نثبت هذه الصفة له ﵎ فإننا نثبتها كمالاً مطلقاً لله ﵎، وننزهه سبحانه عما يلزمها من النقص بالنسبة للمخلوق، لأن صفات الله جميعها كمال مطلق لا يعتريه نقص، لأن النقص من لوازم صفات المخلوقين والخالق يتعالى عن ذلك. فالصفة تابعة للذات المتصفة بها وذات الله منزهة عن كلّ نقص وهي بذلك لا تشبه ذواتنا فلا يلزمها ما يلزم ذواتنا من النقص.
وهكذا القول في بقيّة هذا النوع من الصفات، والتي ذهب البيهقي إلى تأويلها، وذلك بعد أن ساق أدلتها من الكتاب والسنة، ولا أرى ثمة
стр. 334
ضرورة للاستطراد في سرد تلك الأدلة إلاّ أنني أبيّن وجهة نظر البيهقي بشأن ما أوّله سالكاً طريق التمثيل والإجمال.
فمثلاً على ذلك بالإضافة إلى ما تقدم في صفة الضحك نأخذ صفات المحبة والبغض والكراهية الواردة في كثير من النصوص التي أوردها البيهيقي، كقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾ ١
وقوله ﷺ : "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" ٢.
وجديث البراء بن عازب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في الأنصار: "لا يحبهم إلاّ مؤمن، ولا يبغضهم إلاّ منافق من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" ٣.
وحديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ : قال "من أحب لقاء الله أحب الله، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " قال: فقالت عائشة، أو بعض أزاوجه: إنا نكره الموت، قال: ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت يبشر برضوان الله وكراماته، فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر الموت بشر بعذاب الله وعقوبته فإذا بشر بذلك كره لقاء الله وكره الله لقاءه ٤.
стр. 335
وغير ذلك مما جاء في إثبات هذه الصفات، وقد أورده البيهقي١.
حيث ذهب البيهقي ﵀ إلى تأويل المحبة بمعنى المدح والإكرام، والبغض والكراهية بالذم والإهانة.
وقد أشار إلى أن أبا الحسن الأشعري قد أرجع جميع هذه الصفات إلى معنى الإرادة.
يقول ﵀: "المحبة والبغض والكراهية عند بعض أصحابنا من صفات الفعل، فالمحبة عنده بمعنى المدح له بإكرام مكتسبه والبغضة والكراهية بمعنى الذمّ له بإهانة ما اكتسبه... وهما عند أبي الحسن يرجعان إلى إرادته إكرامهم وتوفيقهم، وبغضه غيرهم أو من ذمّ فعله إلى إرادته إهانتهم وخذلانهم، ومحبّته الخصال المحمودة يرجع إلى إرادته إكرامه ما اكتسبتها، وبغضه الخصال المذمومة يرجع إلى إرادته إهانة ما اكتسبها"٢.
ولا شكّ أن رأي البيهقي هو الأول الذي قال به جمهور الأشاعرة بدليل جعله هذه الصفات تحت نوع الصفات الفعلية، وإنما غرضه من ذكر رأي أبي الحسن الأشعري بيان الجانب الآخر الذي ذهب إليه شيخ المذهب الذي ينتسب إليه الأشاعرة وهو بهذا يوافق متأخري أصحابه من الأشاعرة، وعلى رأسهم شيخه أبو بكر بن فورك رحمه الله٣.
стр. 336
وسار في بقيّة هذا النوع من الصفات على هذه الطريق المخالفة كما سبق أن بيننا لما عليه السلف من الإثبات اللائق لله ﵎.
وبهذا يتبيّن لنا أن البيهقي ﵀ إنما أثبت من الصفات الخبريّة ثلاث صفات هي: اليد، والعين، والوجه. أما بقيّة الصفات فسلك فيها منهجي التأويل والتفويض التأويل لبعضها والتفويض لبعضها الآخر.
وهذا أمر واضح الدلالة على تردد البيهقي وعدم ثبوته على منهج واحد في مجال التطبيق لما ساقه من أدلة لهذه الصفات إذ جمع في ذلك بين المناهج الثلاثة.
وهذا مفارقة واضحة لمنهج السلف الذي اختار القول الإثبات لجميع الصفات.
بقي أن نعرف رأي البيهقي في مسألة الرؤية التي اهتم بها اهتماماً بالغاً، حتى أفردها التأليف في كتاب مستقل، وهذا ما سيتضح لنا من الفصل التالي. إن شاء الله.
стр. 337
الفصل السابع: رؤية الله تعالى
وهذه المسألة ذات شقين: رؤية في الدنيا، ورؤية في الآخرة.
أما رؤية الله ﵎ في الدنيا فقد وقع النزاع فيها بين العلماء حول نبيّنا محمّد ﷺ ، هل رأى ربّه ليلة الإسراء أم لا؟ على رأيين فمنهم من أثبتها، ومنهم من نفاها.
وكان الخلاف في ذلك قد وقع منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم وقد شددت عائشة ﵂ النكير على من قال بأن الرسول ﷺ رأى ربه بعيني رأسه١.
أما من عداه من الخلق فلم يقع خلاف بين العلماء في عدم وقوعها لهم، إذ اتفقوا جميعاً على أنه لم يره أحد منهم في الدنيا.
وليست هذه المسألة هي ما نحن بصدد بحثه هنا، بل الغرض من عقد هذا الفصل هو الحديث عن موقف البيهقي من رؤية الله ﵎ في الآخرة، التي هي من أشرف مسائل أصول الدين، وأجلها، لأنها الغاية التي يتسابق المؤمنون من أجل نيلها، والحصول من نعيم الجنة - التي هي غايته - عليها، لذلك كانت هذه القضية العظمى محل اهتمام كبير من البيهقي ﵀ إذ أولاها عناية خاصة، حتى إنه أفردها بالتأليف في كتاب مستقلّ، كما أشار إلى ذلك في كتاب الاعتقاد٢.
стр. 338
وقد كان الخلاف في هذه القضية على رأيين:
أحدهما: القول بإثباتها للمؤمنين يوم القيامة وهو مذهب سلف الأمة جميعاً، وقد ذهب إليه الأشاعرة بمن فيهم البيهقي.
وثانيهما: القول بالمنع، وهو مذهب الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية١، واستدلوا بأدلة تعرض لها البيهقي بالنقض والتفنيد، مبنياً أنها إنما تدل على مذهب الإثبات، لا على ماذهبوا إليه من باطل.
وسوف أقوم أولاً بإيضاح رأي البيهقي وأدلته على النحو التالي:
لقد ذهب ﵀ إلى القول بإثبات رؤية المؤمنين لربّهم بأبصارهم يوم القيامة وفي ذلك يقول: "باب القول في إثبات رؤية الله في الآخرة بالأبصار"٢. ثم شرع في إيراد أدلته على هذا الإثبات من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
فأما أدلته من القرآن الكريم فمنها:
١ - قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣.
حيث يرى ﵀ أنّ النظر الوارد في الآية المقصود به الرؤية. وقد روى تفسير هذه الآية بذلك عن ابن عباس وغيره من السلف٤.
стр. 339
وهذه الآية من أظهر الأدلة على هذه القضية، ومع ذلك عمد النفاة إلى تأويلها، وتحريفها عن موضعها، حيث قاموا بتأويل النظر الوارد في الآية إلى معنى الانتظار فكأنه - تعالى - قال: وجوه يومئذ ناضرة لثواب ربها منتظرة١.
إلا أن البيهقي ﵀ تصدى لهذا التأويل، فرده حيث قام بحصر معاني النظر الواردة في القرآن الكريم، متوصلاً بذلك إلى أن المقصود به في هذه الآية الرؤية، حيث قال ﵀:
"وليس يخلو النظر من وجوه: إما أن يكون الله عنى به نظر الاعتبار كقوله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ٢، أو يكون عنى به نظر الانتظار كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ٣ أو يكون عنى نظر التعطف والرحمة كقوله: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ ٤، أو يكون عنى الرؤية كقوله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ٥.
ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نظر التفكر والاعتبار، لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار، وإنما هي دار اضطرار، ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار لأنه ليس في شيء من أمر الجنة انتظار، لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، والآية خرجت مخرج
стр. 340
البشارة لأهل الجنة، فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم، والنعيم المقيم، فهم ممكنون مما أرادوا، وقادرون عليه، وإذا خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم، وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نظر الاعتبار.
ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمعناه: نظر العينين اللتين في الوجه. كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ ١، وأراد بذلك تقلب عينيه نحو السماء ولأنه قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ونظر الانتظار لا يكون مقروناً بإلى، لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار "إلى" ألا ترى أن الله قال: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ٢، لم يقل "إلى" إذ كان معناه الانتظار ... ولا يجوز أن يكون الله سبحانه أراد نظر التعطف والرحمة، لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم.
فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر وهو أن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنها رائية ترى الله . ولا يجوز أن يكون معناه إلى ثواب ربّها ناظرة، لأن ثواب الله غير الله، وإنما قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ ولم يقل: إلى غيرربها ناظرة، والقرآن على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة"٣.
فالبيهقي ﵀ يرى أن هذه الآية صريحة في الرؤية لأن الاستعمالات الواردة في النظر لا مكان لها هنا، لأن كل استعمال له صيغة خاصة وهذه تختلف عنها، وقد قرن النظر فيها صراحة بالوجه ولا معنى لذلك سوى الرؤية بالعينين اللتين فيه.
стр. 341
٢ - ومما استدل به ﵀ على إثبات الرؤية وله تعالى حاكياً قول كليمه موسى له: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ١.
كما استدل البيهقي ﵀ بهذه الآية لإثبات الرؤية فقد استدل بها من قال بنفيها٢.
لذلك كان عرضه لوجهة استدلاله بها متضمناً للرد على أولئك النفاة حيث قال ﵀: "وما يدلّ على أن الله يرى بالأبصار قول موسى الكليم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ولا يجوز أن يكون نبي من الأنبياء، قد ألبسه الله جلباب النبيين، وعصمه مما عصم منه المرسلين يسأل ربّه ما يستحيل عليه، وإذا لم يجز ذلك على موسى ﵇، فقد علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلاً، وإن الرؤية جائزة على ربنا .
ومما يدل على ذلك قول الله : ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ .
فلما كان الله قادراً على أن يجعل الجبل مستقراً كان قادراً على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى، فدلّ ذلك على أن الله قادر على أن يري نفسه عباده المؤمنين وأنه جائز رؤيته، وقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أراد به في الدنيا دون الآخرة، بدليل ما مضى من الآية"٣.
وهذا الكلام الذي ساقه البيهقي هنا يتضمن أمرين:
أحدهما: وجهة الاستدلال على الإثبات.
стр. 342
وثانيهما: طريقة الردّ على من استدل بها لنفي.
أما وجهة الاستدلال فهي: أن موسى ﵇ نبي من الأنبياء وقد عصمهم الله، ولو كانت رؤية الله مستحيلة لما طلبها موسى ﵇، فطلبه لها دليل على جوازها.
كما أن الحائل الذي وضعه الله دون رؤية موسى لربه وهو عدم استقرار الجبل دليل على أن الله تعالى لو جعله مستقراً لرآه موسى ﵇، وذلك دليل على جواز رؤية العباد لربّهم وأن الله قادر على أن يريهم ذاته سبحانه.
أما طريقة الردّ على النفاة: فبالإضافة إلى ما تقدم في وجهة الاستدلال فإن قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أراد به في الدنيا لا في الآخرة.
٣ - ومما استدل به البيهقي- ﵀ لإثبات هذه المسألة قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٢.
حيث ذكر ﵀ أن المراد بالزيادة في هاتين الآيتين النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة، وأورد تفسير الزيادة هنا بالرؤ ية عن رسول الله ﷺ ، كما أورد ذلك التفسير عن جماعة من السلف رضوان الله عليهم.
يقول ﵀: " ... ولأنه قال: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ فسر رسول الله ﷺ المبين عن الله ، فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه، والتابعين الذين أخذوا عن
стр. 343
الصحابة أن الزيادة في هذه الآية النظر إلى وجه الله ﵎، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية الله في الآخرة بالأبصار"١.
ثم ذكر من الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية حديث صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً لم تروه؛ قال: فيقولون: فما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه. قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً هو أحب إليهم منه".
قال ثم قرأ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٢.
وروى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري من الصحابة، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط وقتادة وغيرهم من التابعين٣.
وقد استدل نفاة الرؤية بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ ٤.
فردّ البيهقي على هؤلاء بأن هذه الآية خاصة في الدنيا أو أن المراد بها نفي الإدراك الذي هو الإحاطة دون الرؤ ية، وفي ذلك يقول:
стр. 344
" ... ولا حجة لهم في قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ فإنه إنما أراد به لا تدركه أبصار المؤمنين في الدنيا دون الآخرة، ولا تدركه أبصار الكافرين مطلقاً، كما قال: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١.
فلما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أنه يثبت المؤمنين برفع الحجاب لهم عن أعينهم حتى يروه، ولما قال في وجوه المؤمنين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ فقيدها بيوم القيامة، ووصفها فقال: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ ثم أثبت لها الرؤية فقال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ علمنا أن الآية الأخرى في نفيها عنهم في الدنيا دون الآخرة، وفي نفيها عن الوجوه الباسرة دون الوجوه الناضرة جمعاً بين الآيتين، وحملاً للمطلق من الكلام على المقيد منه.
ثم قد قال بعض أصحابنا: إنما نفى عنه الإدراك دون الرؤ ية، والإدراك هو الإحاطة بالمرئي دون الرؤ ية، فالله يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علما"٢.
وقد اختار هذا التفسير الأخير للآية جماعة من مثبتي الرؤية من السلف وغيرهم، وجعلوها دليلاً على الإثبات على نقيض تصور نفاة الرؤية لما اشتملت عليه، ومن هؤلاء الذين اختاروا هذا الاتجاه فخر الدين الرازي من أئمة الأشاعرة، والإمام ابن القيم، وابن تيمية والألوسي وغيرهم من العلماء
стр. 345
يقول الرازي في تقرير وجه الدلالة: "لو لم يكن الله تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته، والعلوم والقدرة، والإرادة، والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها، فثبت أن قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية، وهذا يدلّ على أن قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يفيد كونه تعالى جائز الرؤية.
وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع رؤيته، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤ يته ومن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته"١.
وقال ابن القيم ﵀ مبيناً دلالة الإثبات وأن هذا ما ذهب إليه شيخه ابن تيمية " ... والاستدلال بهذه الآية على جواز الرؤية أعجب، فإنها من أدلة النفاة، وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال بها أحسن تقرير وألطفه، وقال: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا في ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية، وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإن الله إنما ذكرها في سياق التمدح ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية.
وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح الربّ ﵎ بالعدم إلا إذا تضمن أمراً وجودياً كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن
стр. 346
كمال القيومية، ... فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ كَلاَّ...﴾ ١ فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك"٢.
ولا تخفي وجاهة رأي من ذهب إلى الاستدلال بها على الرواية مفسرين الإدراك في الآية بالإحاطة.
وأما الأحاديث الدالة على إثبات الرؤية فمتواترة، وقد ذكر البيهقي ﵀ بعضاً منها، ومما ذكره منها:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن ناساً قالوا: يارسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "هل تمارون في رؤية القمر ليلة البدر وليس دونه سحاب؟ " قالوا لا يارسول الله، قال: "هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا يارسول الله، قال: "فإنكم ترونه كذلك" ٣.
٢ - حديث جرير بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "أما إنكم ستعرضون على ربّكم
стр. 347
عز وجل، فترونه كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ١.
٣ - حديث أبي سعيد الخدري قال: قلنا يارسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: "هل تمارون في رؤية الشمس في الظهيرة صحواً ليس دونها سحاب؟ " قال: قلنا لا يارسول الله. قال: "فهل تمارون في وؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيه حجاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "ما تمارون في رؤيته يوم القيامة إلا كما تمارون في رؤية أحدهما" ٢.
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة المتواترة في هذه المسألة وإنما أردت التمثيل لا الاستقصاء.
وبعد أن أورد ﵀ هذه الأحاديث علق عليها ببيان اتفاق سلف هذه الأمة على ما جاء فيها من إثبات رؤية الله تعالى وأن الخلاف فيها لم يوجد بينهم أبداً، إذ لو وجد لنقل إلينا.
يقول ﵀ معلقاً: "وروينا في إثبات الرؤية عن أبي بكر الصديق ﵁، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس وأبي موسى، وغيرهم ﵃، ولم يرو عن أحد منهم نفيها ولو كانوا فيها مختلفين لنقل اختلافهم إلينا، وكما أنهم لما اختلفوا في رؤيته بالأبصار في الدنيا نقل اختلافهم في ذلك إلينا، فلما
стр. 348
نقلت رؤية الله بالأبصار عنهم في الآخرة ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف - يعني في الآخرة - كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في الآخرة متفقين مجتمعين"١.
ولا ريب أن ما ذهب إليه البيهقي من إثبات لهذه المسألة هو الرأي الذي لا يجوز العدول عنه لصراحة ما أورده من أدلة لذلك، ولإجماع سلف الأمة عليه، وكما حكى البيهقي ﵀ هذا المذهب القويم عن سلف الأمة حكاه عنهم أيضاً غيره من علماء السلف أنفسهم.
وممن حكاه من السلف، وانتصر له، وقرر عدم جواز الذهاب إلى سواه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ حيث قال - بعد أن أورد - الأدلة التي ذكرها هنا البيهقي:
"فهذه الأحاديث كلّها وأكثر منها قد رويت في الرؤية على تصديقها، والإيمان بها، أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا ولم يزل المسلمون قديماً وحديثاً يروونها، ويؤمنون بها لا يستنكرونها، ولا ينكرونها، ومن أنكرها من أهل الزيغ نسبوه إلى الضلال بل كان من أكبر رجائهم، وأجزل ثواب الله في أنفسهم، النظر إلى وجه خالفهم، حتى ما يعدلون به شيئا من نعيم الجنة"٢.
وقال أيضاً: "قد صحت الآثار عن رسول الله ﷺ فمن بعده من أهل العلم، وكتاب الله الناطق به، فإذا اجتمع الكتاب وقول الرسول، وإجماع الأمة، لم يبق لمتأوّل عندها تأويل إلا لمكابر أو جاحد"٣.
стр. 349
ثم سرد تلك الأدلة التي ذكرها البيهقي من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وآثار سلف الأمة، ووجهها نفس التوجيه وردّ على المؤوّلين بما رد به البيهقي.
وإذا كان البيهقي ﵀ يتفق مع السلف في إثبات رؤية المؤمنين لربّهم، وهو الأمر الذي قال به الأشاعرة أيضاً، فهل ذلك الاتفاق حول هذه المسألة تام من جميع الوجوه؟
الواقع أن ثمة مسألة مهمة تتعلق بهذه القضية هي مسألة الجهة، لأن السلف حين أثبتوا الرؤية أثبتوا الجهة أيضاً، لأنها لازمة لها أما البيهقي ومعه أصحابه الأشاعرة فقد أثبتوا الرؤية ونفوا لازمها وقد سبق الحديث عن مسألة الجهة عند الكلام عن الاستواء وبينا كيف أن ثبوتها أمر حتمي عقلاً وشرعاً وفطرة بالمعنى الصحيح الذي أشرت إليه هناك.
إلا أن البيهقي استدل على نفيها هنا بحديث جرير بن عبد الله السابق، والذي فيه: "لا تضامون في رؤيته".
ووجه استدلاله به: أن التضام المذكور معناه: لا يجتمع بعضكم إلى بعض في جهته، لأنه يرى في جميع الجهات، وليس له جهة معينة كما للمخلوق.
وفي إيضاح ذلك يقول ﵀ حاكياً عن شيخه أبا الطيب الصعلوكي١ قال: "سمعت الشيخ الإمام أبا الطيب سهل بن محمّد بن سليمان ﵀ يقول فيما أملاه علينا في قوله: "لا تضامون في
стр. 350
رؤيته" - بضم التاء وتشديد الميم – يريد: لا تجتمعون لرؤيته في جهته، ولا يضم بعضكم إلى بعض لذلك، فإنه لا يرى في جهة كما يرى المخلوق في جهة، ومعناه - بفتح التاء -: لا تضامون لرؤيته، مثل معناه بضمها، لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة وهو دون تشديد الميم، من الضيم معناه: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلّها، وهو يتعالى عن جهة.
قال والتشبيه برؤية القمر ليعين الرؤية، دون تشبيه المرئي تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"١.
وقد ذكر هذا التوجيه عن أبي بكر بن فورك شيخ البيهقي، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وردّ عليه، بأن هذا القول انفرد به هؤلاء الأشاعرة دون بقية طوائف الأمة، وأن هذا معروف الفساد ضرورة ولأجل ذلك ذهب بعض حذاقهم إلى موافقة المعتزلة في ما ذهبوا إليه من نفي الرؤية والجهة معاً وتفسير الرؤية بأنها زيادة انكشاف وليس رؤية حقيقية٢.
ثم قام بعد ذلك برد الاستدلال بالحديث الذي استدلّ به البيهقي لنفي الجهة بقوله رداً على ما ذكره عن ابن فورك مما يتفق مع ما ذهب إليه البيهقي تماماً: "وأما قوله: إن الخبر يدلّ على أنهم يرونه لا في جهة، وقوله "لا تضامون" معناه لا تضمكم جهة واحدة في رؤيته؛ فإنه لا في جهة، فهذا تفسير للحديث بما لا يدلّ عليه ولا قاله أحد من أئمة العلم،
стр. 351
بل هو تفسير منكر عقلاً وشرعاً، ولغة. فإن قوله "لا تضامون" يروى بالتخفيف، أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيء الحسن كالهلال، فإنه قد يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى وهو سبحانه يتجلى تجلياً ظاهراً فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته، وهذه الرواية المشهورة.
وقيل "لا تضامون" بالتشديد، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض، كما يتضام الناس عند رؤية الشيء الخفي كالهلال ... فإما أن يروى بالتشديد ويقال: "لا تضامون" أي: لا تضمكم جهة واحدة فهذا باطل لأن التضام انضمام بعضهم إلى بعض. فهو تفاعل كالتماس والتراد، ونحو ذلك ...
ثم يقال: الراؤون كلّهم في جهة واحدة على الأرض، وإن قدر أن المرئي ليس في جهة فكيف يجوز أن يقاله: "لا تضمكم جهة واحدة" وهم كلّهم على الأرض - أرض القيامة - أو في الجنة، وكل ذلك جهة ووجودهم نفسهم لا في جهة ومكان ممتنع حساً وعقلاً"١.
وبهذا يتضح لنا أن البيهقي قد أخطأ في استدلاله بالحديث الآنف الذكر على نفي الجهة، لعدم صحة تفسيره له، وتصوّره لما ورد الحديث من أجله.
وقد لاحظت أن إثبات البيهقي وأصحابه للرؤية ونفي لازمها إنما هو نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم. لذلك كان المعتزالة أكثر منطقية مع أنفسهم حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فراراً من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة.
стр. 352
الفصل الثامن: خلق الله لأفعال العباد
وهذه قضية أخرى من أهم القضايا التي تناولها العلماء بالحديث وقد بلغت عنايتهم بها إلى حدّ أن بعضهم أفردها بالتأليف، كما فعل الإمام الجليل محمّد بن إسماعيل البخاري ﵀ حيث ألف فيها كتابه القيم "خلق أفعال العباد".
وقد أدلى البيهقي ﵀ بدلوه في بحث هذه المسألة مبيناً وجه الحقّ الذي يراه بشأنها.
وهذه المسألة ذات صلة وثيقة بمسألة القضاء والقدر، التي أفردها البيهقي بالتأليف في كتاب مستقل.
وقبل أن أبدأ بالحديث عنها أحبّ أن أشير إلى أن بدعة إنكار القدر قد وجدت في عصر مبكر، من أيام الصحابة رضوان الله عليهم الذين شددوا النكير على أصحابها حين بلغتهم مقالتهم، وتبرؤوا منهم. فقد ذكر البيهقي ﵀ عن يحيى بن يعمر أنه قال: "كان أوّل من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقنا حجاجاً أنا وحميد بن عبد الرحمن، فلما قدمنا قلنا: لو لقينا بعض أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقوله هؤلاء القوم في القدر، قال فوافقنا عبد الله بن عمر في المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله.
قال يحيى: فظننت أن صاحبي يكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إنه ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويعرفون العلم، يزعمون أن لا
стр. 353
قدر، إنما الأمر آنف. فقال عبد الله: فإذا لقيتم أولئك فأخبروهم أني بريء منهم وهم مني براء. والذي يحلف به عبد الله بن عمر لوكان لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله عز وجلمنه، حتى يؤمن بالقدر كلّه خيره وشره"١.
ثم ذكر حديث عمر بن الخطاب ﵁، الذي ذكر فيه سؤال جبريل ﵇ للنبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وفيه: " ... ثم قال يا محمّد، أخبرني عن الإيمان فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر كلّه خيره وشرّه من الله تعالى" ٢.
وقد اشتهرت هذه المقالة الفاسدة عن معبد الجهني، الذي يعد أوّل مبتدع لها، وتابعه عليها غيلان الدمشقي الذي سال في الحديث عنها سيل المأء حتى قتله الخليفة هشام بن عبد الملك سنة: ١٠٦? حين استفحل أمره بالدعوة جهاراً إلى بدعته٣.
إلا أن تلك البدعة المشؤومة لم تمت بموت صاحبها، فقد احتضنها المعتزلة، الذين أنكروا القدر، وأسندوا أفعال العباد إلى قدرهم موافقة لرأي معبد وغيلان، حتى اشتهر تلقيبهم بالقدرية لذلك٤.
وقد عرف البيهقي ﵀ الإيمان بالقدر بقوله: "الإيمان بالقدر هو: الإيمان بتقدم علم الله سبحانه بما يكون من إكساب الخلق وغيرها، من المخلوقات وصدور جميعها عن تقدير منه، وخلق لها خيرها وشرها"٥.
стр. 354
وبهذا التعريف تتبيّن لنا العلاقة بين مسألة القدر ومسألة أفعال العباد. فهذه الأخيرة جزء من تلك المسألة الشائكة. والبيهقي ﵀ من مثبتي القدر، وقد ألف في إثباته كتاباً خاصاً، إلا أنني هنا أقصر الحديث على جانب واحد، وهو أهم جوانب هذه القضية ألا وهو الحديث عن خلق أفعال العباد.
وقبل أن أبدأ الحديث عن رأي البيهقي فيها أحبّ أن أبيّن الآراء التي اشتهرت حول هذه المسألة وهي عبارة عن رأيين متقابلين:
أحدهما: رأي الجهمية الجبرية.
وثانيهما: رأي المعتزلة القدرية.
١ - فأمّا الجبرية ورئيسهم جهم بن صفوان السمرقندي فزعمت أن التدبير في أفعال الخلق كلّها لله تعالى، وهي كلّها اضطراريّة كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجاز، وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله.
٢ - وأمّا المعتزلة فقابلت هؤلاء الجبرية إذ قالوا إن جميع الأفعال الاتحارية من جميع الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق الله تعالى١.
أما البيهقي فإنه حينما تناول هذه المسألة بالحديث عنها فإنه - بما أورده من أدلة لتقرير ما ذهب إليه - يرد بذلك على المعتزلة الذين يقولون بما يخالف رأيه.
стр. 355
فقد ذهب ﵀ إلى اعتقاد أن أفعال العباد جميعها مخلوقة ومقدرة لله سبحانه وتعالىمستدلاً على ذلك بما ورد في كتاب الله تعالى حيث قال ﵀: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١. فدخل فيه الأعيان والأفعال من الخير والشر وقال: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ ٢. فنفى أن يكون خالق غيره، ونفى أن يكون شيء سواه غير مخلوق فلو كانت الأفعال غير مخلوقة لكان الله سبحانه خالق بعض الأشياء دون جميعها، وهذا خلاف الآية.
ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله خالق الأعيان والناس خالقي الأفعال لكان خلق الناس أكثر من خلقه، ولكانوا أتم قوة منه، وأولى بصفة المدح من ربّهم سبحانه. ولأن الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٣. فأخبر أن أعمالهم مخلوقة لله "٤.
إلى غير ذلك من الآيات التي استدل بها البيهقي على أن الله عز وجلخانق لجميع أفعال عباده خيرها وشرها.
ومما ذهب إليه البيهقي ﵀ أن أفعال العباد جميعها مقدرة لله ﵎، لا يخرج شيء منها عن قدرته ومشيئته، لأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى. واستدل لذلك بقوله سبحانه: ﴿وَمَا