← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7571

البيوع المحرمة والمنهي عنها

عبد الناصر بن خضر ميلاد

Полный текст (506 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والطحال، والأصح في الجميع النجاسة"١. فالمستفاد من نصوص الشافعية: أن الدم المسفوح نجس، وأن هذا الحكم يشمل ما تحلب في الأصل من سمك وكبد وطحال. أما بالنسبة للدم الباقي على اللحم والعظم من البهائم المذبوحة فقد اختلفوا في حكمه، فقال الحليمي ومن وافقه إنه نجس، وهذا هو الظاهر في المذهب، وذلك لأنه دم مسفوح غير أنه لم يسل لقلته، ويرى الآخرون أنه طاهر. وقد فسروا هذا بأنه معفو عنه. مذهب الحنابلة: قال الحنابلة بنجاسة الدم المسفوح، وقد استثنوا من هذا الحكم دم السمك حيث قالوا بطهارته باعتبار أن ميتته طاهرة مباحة، وأن ما له نفس سائلة كالذباب والبق والبراغيث والقمل ونحو ذلك، فقد اختلف فقهاء المذهب بالنسبة لحكم دمه حيث وجدت روايتان في المذهب الحنبلي، الأولى: أنه نجس حيث إنه يشبه الدم المسفوح، والثانية: أنه طاهر لأنه دم حيوان لا ينجس بالموت. وأما بالنسبة للدم الباقي على العروق فمباح عندهم. فقد قال ابن الجوزي٢: "المحرم هو الدم المسفوح"٣. وجاء في الكافي: "والدم نجس ... إلا دم السمك فإنه طاهر، لأن ميتته طاهرة مباحة، وفي دم ما لا نفس له سائله كالذباب والبق والبراغيث والقمل، روايتان؛ إحداهما: نجاسته، لأنه دم أشبه المسفوح. والثانية: طهارته، لأنه دم حيوان لا ينجس

стр. 107

بالموت، أشبه دم السمك، وإنما حرم الدم المسفوح"١. أما بالنسبة للدم الباقي على العروق، والدم الباقي في خلل اللحم بعد الذبح، وما بقي من العروق فمباح. فهذا النص يفيد: أن الأصل في الدم نجاسته، وأن دم السمك طاهر وذلك على سبيل الاستثناء من هذا الأصل، وأن الخلاف حاصل في المذهب الحنبلي حول دم ما لا نفس له سائلة، مثل الذباب ونحوه مابين القول بطهارته والقول بنجاسته، وأن الدم الباقي على العروق وفي خلل اللحم فمباح عندهم. فقد جاء في الإنصاف: " ... قال في الفروع: ولم يذكر جماعة إلا دم العروق. وقال الشيخ تقي الدين فيه: لا أعلم خلافاً في العفو عنه، وأنه لا ينجس المرق، بل يؤكل معها"٢. وجاء في نفس الموضع "غير ما يبقى منه في عرق مأكول بعد ذبحه ولو ظهرت حمرته أي حمرة دم عرق المأكول فإنه طاهر مباح، وكذا ما يبقى في خلال اللحم بعد الذبح طاهر"٣. هذا: وقد اختلف فقهاء المذهب الحنبلي في دم السمك والبق والقمل والبراغيث والذباب ونحوها، فالصحيح في المذهب أنها طاهرة وقيل إنها نجسة. " ... ومنها: دم السمك وهو طاهر على الصحيح في المذهب وعليه الأصحاب، ويؤكل وقيل نجس ومنها: دم البق والقمل والبراغيث والذباب ونحوها وهو طاهر على الصحيح من المذهب ... وهذا ظاهر المذهب ... وعنه نجس"٤. وجاء في كشاف القناع: "وغير دم سمك وغير دم بق وقمل وبراغيث وذباب

стр. 108

ونحوه مما لا يسيل دمه فدمه طاهر"١. واتفق فقهاء المذهب الحنبلي على طهارة الكبد والطحال وأنهما دمان. فقد جاء في الإنصاف: "ومنها الكبد والطحال وهما دمان. لا خلاف في طهارتهما"٢. فالحنابلة: يرون أن الدم المسفوح نجس، وأنه بالنسبة لدم السمك فهو طاهر باعتبار أن ميتته طاهرة، وإن كان نص الإنصاف يفيد أنه مختلف فيه، وأن الصحيح في المذهب أنه طاهر وهذا ما عليه الأصحاب وقالوا بجواز أكله، وقيل إنه نجس. أما بالنسبة لدم البق والقمل والبراغيث والذباب ونحوها فالصحيح في المذهب أنه طاهر، وهذا هو الظاهر في المذهب، وعنه أنه نجس، ولم يذكر هذا الخلاف صاحب الكشاف بل نص على القول بطهارته. أما الدم الباقي في خلل اللحم بعد الذبح، وما بقى في العروق، فقد قال الحنابلة إنه مباح. أما الكبد والطحال فهما دمان وأنه لا خلاف عندهم في طهارته. الموازنة: بمطالعة ما ذكره العلماء بشأن حكم الدم يتضح الآتي: أولاً: بالنسبة للدم المسفوح: فالإجماع حاصل بين الفقهاء على حرمة تناوله كثيراً كان أم قليلاً، وهو الذي يسيل من الحيوان الحي، وكذلك الحيوان الذي يحرم أكله وإن ذكي، أي إن الدم المسفوح وهو الخارج من الذبيحة عند ذبحها وكذا الذي يسيل منها حال حياتها حرام بالاتفاق بين العلماء. ووجه هذا التحريم: أن مثل هذا النوع من الدم يحمل الرطوبات النجسة وأنه لا يطيب اللحم إلا بخروجه، ولهذا تقرر عند عامة الفقهاء تحريم تناول الدم المسفوح وعدم جواز الانتفاع به، وأنه لا يجوز اعتباره محلاً للتداول بين الناس، سواء كان من مأكول اللحم أو كان من غيره، بل هذا أولى بالحكم، وهذا وجه ما استند عليه العلماء

стр. 109

في أمر تحريم الدم المسفوح وما في حكمه. وعلى هذا فالدم المسفوح نجس، ويحرم تناوله والانتفاع به، وذلك لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ ٣. وفي هذا يقول الشوكاني٤: اتفق العلماء على أن الدم حرام وفي الآية الأخرى ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ٥ فيحمل المطلق على المقيد، لأن ما خلط باللحم غير محرم. ونقل القرطبي٦ الإجماع في ذلك٧. هذا: وهناك أدلة تدل على تحريم الدم وعلى نجاسته منها: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ٨. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ ٩.وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ

стр. 110

مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ١. أن امرأة جاءت إلي النبي ﷺ وقالت له: "إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ فقال: "تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي" ٢. فالسنة المطهرة أوضحت أن الدماء كلها نجسة من آدمي أو حيوان، وذلك بدليل الأمر بالغسل والمبالغة في إزالته، وهذا دليل على نجاسته، وذلك مفهوم من الحديث السابق، ولهذا كانت الدماء المسفوحة كلها نجسة، وذلك بإجماع الفقهاء لثبوت نجاسة الدم بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة، وحيث ثبت نجاسته، فإن حكمه من حيث التناول والانتفاع يكون هو الآخر محرماً، ثم يترتب على هذا كله عدم إمكان اعتباره محلاً للبيع وغيره من جميع التصرفات الأخرى على نحو ما سيرد إن شاء الله. وقال ابن العربي: "اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل ولا ينتفع به، وقد عينه الله تعالى ها هنا مطلقاً٣ وعينه في سورة الأنعام مقيداً بالمسفوح، وحمل العلماء ها هنا٤ المطلق على المقيد إجماعاً"٥. وقال أيضاً: "الصحيح أن الدم إذا كان مفرداً حرم منه كل شيء وإنما حرم الدم بالقصد إليه" ٦. وفي هذا يقول العلامة الشوكاني: "وقد اتفق العلماء على أن الدم حرام". وفي الآية الأخرى: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ٧. فيحمل المطلق على المقيد٨.

стр. 111

وقال الشوكاني - أيضاً "وما هنا من تحريم مطلق الدم مقيد بكونه مسفوحاً كما تقدم حملاً للمطلق على المقيد" ١. وقال الرازي الجصاص٢: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ ٣ وقال: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ ٤ فلو لم يرد في تحريمه غير هاتين الآيتين لاقتضى ذلك تحريم سائر الدماء قليلها وكثيرها فلما قال في آية أخرى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ٥. دل ذلك على أن المحرم هو الدم المسفوح دون غيره. وأخبرنا معمر٦ عن قتادة ٧ قوله: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ قال: حرم من الدم ما كان مسفوحاً٨. وهكذا جاء في تفسير الطبري: "وتقييد الدم المحرم بأنه المسفوح دليل على أن الدم غير المسفوح حلال غير نجس: قال عكرمة ٩: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ لولا هذه

стр. 112

الآية لتُتُبِّعَ من العروق ماَ تَتَّبعت اليهود. وقال قتادة: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ حرم من الدم ما كان مسفوحاً ١.

стр. 113

المبحث الثاني: حكم بيع الدم المسفوح سبق أن تقرر حرمة الدم المسفوح، وأن هذا محل اتفاق بين جميع الفقهاء، والثابت عند العلماء أن ما حرمه الله علينا لا يجوز الانتفاع به بأي وجه من الوجوه، فيكون بيعه حراماً تبعاً لهذا، وبمطالعة كتب الفقه نجد أن عامة الفقهاء قد اتفقوا على تحريم بيع الدم المسفوح ونجاسته ويتضح هذا مما يأتي: مذهب الحنفية: ذهب فقهاء الحنفية إلى بطلان بيع الدم المسفوح، لكونه محرماً شرعاً، وللنهي عن بيعه لعدم ماليته المعتبرة أساساً لعقدالبيع عندهم. فقد جاء في الهداية: "وإذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرما، فالبيع فاسد، كالبيع بالميتة والدم والخمر والخنْزير"١، فتعليل منع البيع هو كونه محرماً. مذهب المالكية: هو القول ببطلان بيع الدم، لأنهم يشترطون طهارة كل من الثمن والمثمون، والدم نجس عندهم. فقد جاء في الشرح الكبير: وهو يعدد النجاسات "ودم مسفوح أي جار بسبب فصد أو ذكاة أو نحو ذلك إذا كان من غير سمك وذباب، بل ولو كان مسفوحاً من سمك وذباب وقراد وحلم خلافاً لمن قال بطهارته منها"٢. وجاء في القوانين الفقهية "وأما الثمن والمثمون فيشترط في كل واحد منهما ... أن يكون طاهراً ... فقولنا طاهر تحرزاً عن النجس فإنه لا يجوز بيعه"٣. مذهب الشافعية: اشترط فقهاء الشافعية طهارة المبيع، وقالوا بعدم جواز بيع الدم لعدم تحقق شرط الطهارة فيه، لأنه نجس غير طاهر. فقد جاء في شرح المحلي على منهاج الطالبين: "وللمبيع شروط خمسة: أحدها:

стр. 114

طهارة عينه، فلا يصح بيع الكلب والخمر وغيرها من نجس العين ... والمعنى في المذكورات نجاسة عينها فألحق بها باقي نجس العين" ١. وعلى هذا فقد ذهبوا إلى بطلان بيع الدم، وذلك لأنه نجس العين فهو غير طاهر. وجاء في مغني المحتاج:"إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنْزير والأصنام، وقيس بها ما في معناها"٢. وجاء في نهاية المحتاج: "والمستحيل في باطن الحيوان نجس فمنه دم ... "٣. ومثله في مغني المحتاج: "والمستحيل في باطن الحيوان نجس وهو دم ولو تحلب من كبد أو طحال لقوله تعالى: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ ٤ أي الدم المسفوح لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ ٥ ٦. فالمستقر عليه من رأي فقهاء الشافعية الاتفاق على بطلان بيع الدم لنجاسته، فطهارة المبيع شرط أساسي في البيع، فنجس العين وما ألحق به من غيره لا يجوز بيعه عند الشافعية. مذهب الحنابلة: ذهب فقهاء الحنابلة إلى القول ببطلان بيع الدم، لأنه لا يصح عندهم بيع عين النجاسة ولا الأعيان المتنجسة. فقد جاء في المغنى والشرح الكبير: "القسم الثاني: ما أكل لحمه فالخارج منه ثلاثة

стр. 115

أنواع "أحدها" نجس وهو الدم وما تولد منه" ١ "ولا يجوز بيع الخنْزير ولا الميتة ولا الدم ... "٢. فبيع الدم عندهم باطل. الموازنة: وهكذا نجد أن الفقهاء قد اتفقوا على تحريم بيع الدم، بناء على حرمة تناوله والانتفاع به، وأن الخلاف بينهم في سبب ذلك التحريم ووجه تعليله، فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة يرون أن سبب المنع من البيع إنما هو النجاسة، وذلك لأنهم يشترطون طهارة المبيع كي يصح البيع. خلافاً لمنهج الحنفية في وجه ذلك التعليل حيث وجدناهم يبنون هذا المنع على كونه محرماً، كما نصت بعض كتبهم، كالهداية للمرغيناني، أو المالية والتقويم في المبيع كما نصت بعض كتبهم كبدائع الصنائع والبحر الرائق وغيرهما٣، لأنهم يرون جواز بيع النجس للانتفاع به. وعلى هذا: فالمحقق فيما قاله الحنفية في هذا الشأن يجد أنهم في حقيقة الأمر لم يخالفوا ما عليه الجمهور في أصل منع بيع الدم، وإنما فقط كان لهم وجه في تعليل هذا المنع وهو عدم ماليته، في حين أن الجمهور قد اعتبروا سبب منع بيع الدم إنما هو نجاسته. ولهذا انحصر الخلاف بين الفقهاء في أمر واحد هو وجه تعليل منع بيع الدم ما بين قائل بأنه لتحريمه والنهي عنه لنجاسة، أو لعدم ماليته. وحكمة تحريم الدم ومنع بيعه: هي قذارته وضرره، وقد أثبت الطب الحديث ذلك، فهو مركز خصب للجراثيم والميكروبات، التي تشكل أسرع وسائل لنقل عدوى الأمراض، كالدودة الكبدية التي تتلف كبد الإنسان، والتي تنتقل إلى الإنسان من الحيوان عن طريق الدم٤.

стр. 116

المبحث الثالث: خلاصة ما قاله الفقهاء بشأن بيع الدم استبان لنا فيما سبق اتفاق العلماء على أن الدم المسفوح محرم شرعاً، وذلك لنجاسته وأنه لهذا حرم تناوله، وبالتالي فقد حرم اعتباره محلاً للانتفاع به لهذا السبب، أو لأن المالية غير معتبرة فيه، وذلك لأن المال ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة. فالدماء المسفوحة كلها نجسة، وذلك بإجماع الفقهاء، وذلك لثبوت نجاسة الدم بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة، وحيث ثبت نجاسته، فإن حكمه من حيث التناول والانتفاع يكون هو الآخر محرماً، وهذا يترتب عليه عدم إمكان اعتباره محلاً للبيع وغيره من كافة التصرفات الأخرى. ففقهاء الحنفية: متفقون على أن المحرم من الدم إنما هو الدم المسفوح دون الذي في العروق والعالق باللحم بعد الذبح، وذلك لطهارته وعدم إمكان وصفه بالمسفوح، في حين أن الخلاف حاصل بينهم بشأن دم السمك، حيث قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله بطهارته، في حين أن أبا يوسف –﵀ يقول بنجاسته١. وفقهاء المالكية: متفقون كذلك على أن الدم المسفوح نجس، وأن هذه النجاسة تشمل الدم الخارج من السمك والذباب والقراد، غير أنهم قد اختلفوا بشأن تحديد الدم المسفوح من السمك، وهل هو الدم الخارج عند التقطيع الأول دون الذي خرج في التقطيع الثاني؟ وقد استظهر بعضهم أن المسفوح إنما هو الخارج عند التقطيع الأول٢. وفقهاء الشافعية: يرون أن الدم المسفوح نجس، حتى ولو تحلب من سمك أو كبد أو طحال، رغم أنهم يرون طهارة كل من الكبد والطحال.

стр. 117

كما أن فقهاء الشافعية: قد اختلفوا بشأن حكم الدم الباقي على اللحم والعظم وفي العروق من الحيوانات المأكولة المذبوحة، فمنهم من قال بأنه نجس معفو عنه، وهذا هو الظاهر، وقال آخرون إنه طاهر١. وذهب فقهاء الحنابلة: إلى القول بنجاسة الدم المسفوح، أما بالنسبة للدم الباقي على العروق والدم الباقي في خلل اللحم بعد الذبح وما يبقى من العروق فمباح، وعللوا هذا بأنه معفو عنه، وقال بعضهم إنه لا ينجس المرق بل يؤكل معها٢. هذا: وقد اقتضت حكمة الله تعالى بعباده رفع الحرج عنهم باستثناء بعض الدماء من الأحكام السابق ذكرها من حيث التناول، وإمكان جعلها محلاً للتصرفات دفعاً لهذا الحرج ورفعاً للضيق، إما لسبب عدم الاحتراز عنها – أي عن بعض أنواع الدماء – مثل الدم المتبقى على العروق وما بين العظام وما اختلط باللحم، وأما بسبب الضرورة كما في حالة سد رمق العطش، أو بالنص عليه مثل حالة الكبد والطحال. أولاً: الكبد والطحال اتفق العلماء على أن الكبد والطحال مستثنيان من تحريم الدم الشامل لجميع أنواعه، فرغم أنهما دمان إلا أنهما مباحان بالنص تناولاً، وبالتالي فإن هذا الاستثناء يسري بدوره على البيع والشراء، فالبيع يرد عليهما. وقد تقرر هذا الاستثناء بالاتفاق بين الفقهاء استناداً إلى ما رواه عبد الله بن عمر٣ ﵄ عن النبي ﷺ حين قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال".

стр. 118

وعلى هذا كان استثناء الكبد والطحال من التحريم بالنص على ذلك فضلاً عن طهارتهما، وهكذا كان الإجماع على إباحتهما وإمكان تناولهما وإيراد جميع التصرفات الشرعية عليهما، ومن ذلك البيع والشراء، وإن كان الخلاف فقط في اعتبارهما دماً أو لحماً. وعن الطهارة بشأنهما – قال المرداوي في الإنصاف "ومنها الكبد والطحال وهما دمان لا خلاف في طهارتهما" ١. وفي كشاف القناع: "والكبد والطحال من مأكول: طاهران لحديث: "أحلت لنا ميتتان ودمان" "٢. وجاء في أيسر التفاسير: بشأن تفسير قوله تعالى ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ٣ أو مصبوباً صباً لا الدم المختلط بالعروق والعظم واللحم كالكبد والطحال"٤. وذكر ابن العربي في أحكام القرآن: بعد أن أورد حكم الدم من حيث الطهارة وعدمها ومن حيث تناوله قال:"ثم اختلف الناس في تخصيص هذا العموم في الكبد والطحال، فمنهم من قال: إنه لا تخصيص في شيء من ذلك، قاله مالك، ومنهم من قال: هو مخصوص من الكبد والطحال، قاله الشافعي، والصحيح أنه لم يخصص، وأن الكبد والطحال لحم يشهد بذلك العيان الذي لا يعارضه بيان ولا يفتقر إلى برهان"٥. غير أن البعض الآخر رجح كونهما دمين وأنهما طاهران وشملهما الاستثناء من التحريم بموجب النص السابق في الحديث الذي رواه ابن عمر، فقد ورد في تفسير آيات الأحكام: "وكذلك الكبد والطحال مجمع على عدم حرمته وإن كان في الأصل

стр. 119

دماً"١. أي إن الإجماع قائم على حلهما وعلى طهارتهما وإمكان تداولهما بيعاً وشراء، وإنما الخلاف فقط في وصفهما، وهل هما دمان ورد بشأنهما الاستثناء أم أنهما لحمان قد شهد بهما العيان؟ أي أنهما غير مخصوصين من عموم التحريم الوارد في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ٢، وعلى هذا كان الخلاف بين العلماء القائلين بحلهما فيما إذا كان مخصوصين من عموم النهي عن تناول الدم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ أو غير مخصوصين من ذلك، فمنهم من قال: إنهما غير مخصوصين من هذا العموم، ومنهم من قال: هما مخصوصان منه، وقد صحح ابن العربي عدم التخصيص وقال: إن الكبد والطحال لحم ويشهد بذلك العيان. وقد صحح غيره أنهما دمان ورد بشأنهما الاستثناء٣. ثانياً: دم السمك: اختلف الفقهاء بشأن مدى طهارة دم السمك، وبالتالي هل يدخل ضمن الاستثناءات الواردة بشأن الدماء الطاهرة من حيث التناول والبيع والشراء من عدمه؟ مذهب الحنفية: اختلف فقهاء الحنفية بشأن طهارة دم السمك، فالإمام أبو حنيفة ﵀ يرى ما ذهب إليه عامة الفقهاء من أن دم السمك طاهر، وهذا ما وافقه عليه محمد بن الحسن الشيباني، خلافاً لما قال به أبو يوسف من القول بنجاسة دم السمك. فقد جاء في بدائع الصنائع: "وأما دم السمك فقد روي عن أبي يوسف أنه نجس، وبه أخذ الشافعي٤ اعتباراً بسائر الدماء ... وعند أبي حنيفة ومحمد طاهر

стр. 120

لإجماع الأمة على إباحة تناوله مع دمه، ولو كان نجساً لما أبيح، ولأنه ليس بدم حقيقة بل هو ماء تلون بلون الدم لأن الدموي لا يعيش في الماء ... "١. وفي أحكام القرآن: "إن دم السمك ليس بنجس، لأنه يؤكل بدمه"٢. فالمستفاد من هذه النصوص: أن أبا حنيفة ومحمداً يريان أن دم السمك طاهر، لإجماع الأمة على إباحة تناوله، لأنه لو كان نجساً لما أبيح تناوله، أو لأنه ليس بدم حقيقة بل هو ماء تلون بلون الدم وذلك لأن الدموي لا يعيش في الماء، ويرى أبو يوسف أنه نجس اعتباراً بسائر الدماء. مذهب المالكية: اختلف المالكية بشأن تحديد الدم المسفوح في السمك هل هو الدم الخارج عند التقطيع الأول دون الذي خرج في التقطيع الثاني، أم هو الخارج من جميع التقطيعات؟ واستظهر بعضهم الأول، غير أنني لم أجد فيما اطلعت عليه من كتب المالكية من صرح بهذا البعض. وقال ابن العربي المالكي بطهارة الدم الخارج من السمك والذباب، فالخلاف بشأن الدم المسفوح من السمك، فقيل نجس وقيل طاهر. فقد جاء في الشرح الكبير: "ودم مسفوح: أي جار بسبب فصد أو ذكاة أو نحو ذلك، إذا كان من غير سمك وذباب بل ولو كان مسفوحاً من سمك وذباب وقراد وحلم، خلافاً لمن قال بطهارته منها، وأما قبل سيلانه من السمك فلا يحكم بنجاسته، ولا يؤمر بإخراجه، فلا بأس بإلقائه في النار حياً"٣. وجاء في مواهب الجليل: " ... اختلف الناس في السمك هل له دم أم لا؟ فقال بعضهم لا دم له، والذي ينفصل عنه رطوبة تشبه الدم لا دم، ولذلك لا تسود إذا تركت في الشمس كسائر الدماء بل تبيض. قال ابن الإمام٤: وليس ذلك بصحيح، لأن عدم اسوداده لو سلم من كل السمك فذلك لما خالطه من الرطوبة لا لأنه ليس

стр. 121

بدم. انتهى. والمشهور أن دمه كسائر الدماء المسفوحة نجس، وغير مسفوحة طاهر، ومقابل المشهور أنه طاهر مطلقاً، وهو قول القابسي١. واختاره ابن العربي انتهى من التوضيح. قال في الجواهر٢: وقال ابن العربي: لمالك فيه قولان، والصحيح أنه طاهر، ولو كان نجساً لشرعت ذكاته. واعلم أن الخلاف في دمه إنما هو إذا سال، وأما قبل ذلك فلا يحكم بنجاسته ولا يؤمر بإخراجه، فقد قال مالك في سماع ابن القاسم لا بأس بإلقائه في النار حياً ... "٣. وجاء في حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير: " ... وهل الدم المسفوح الذي في السمك هو الخارج عند التقطيع الأول لا ما خرج عند التقطيع الثاني أو الجاري عند جميع التقطيعات؟ واستظهر بعضهم الأول، خلافاً لمن قال بطهارته ... ويترتب على هذا الخلاف جواز أكل السمك الذي يوضع بعضه على بعض ويسيل دمه من بعضه على بعض وعدم جواز ذلك، فعلى كلام المصنف لا يؤكل منه إلا الصف الأعلى، وعلى كلام ابن العربي يؤكل كله ... "٤. فيستفاد من نصوص المالكية: أن المشهور في المذهب أن دم السمك كسائر الدماء، فإذا كان مسفوحاً كان نجساً، وإن كان غير مسفوح كان طاهراً، وأن مقابل المشهور أنه طاهر مطلقاً مسفوحاً أو غير مسفوح، وهو قول القابسي وما اختاره ابن العربي، والثابت عندهم أن الخلاف في دم السمك إذا سال أما قبل ذلك فلا يحكم بنجاسته.

стр. 122

مذهب الشافعية: قالوا بأن دم السمك نجس كغيره من الدماء، وقيل بل هو طاهر وذلك لأن ميتة السمك طاهرة فكذلك دمه يكون طاهراً. فقد جاء في المهذب: "وفي دم السمك وجهان؛ أحدهما: نجس كغيره، والثاني: طاهر لأنه ليس بأكثر من الميتة، وميتة السمك طاهرة فكذلك دمه"١. ومثل ذلك جاء في المجموع: " ... أما الوجهان في دم السمك فمشهوران، ونقلهما الأصحاب أيضاً في دم الجراد، ونقلهما الرافعي أيضاً في الدم المستحلب من الكبد والطحال، والأصح في الجميع النجاسة.."٢. فالخلاف حاصل بين فقهاء الشافعية: بشأن دم السمك من حيث طهارته أو نجاسته، فمن قال بطهارته علل ذلك باعتبار طهارة ميتته، فيكون دمه كذلك، ومن قال بنجاسته علل ذلك باعتبار الحكم في الدماء عامة، وقد حكت كتب الشافعية هذا الخلاف، وذكر صاحب المجموع أن الأصح القول بالنجاسة. مذهب الحنابلة: اختلف فقهاء الحنابلة بشأن دم السمك، والصحيح في المذهب أنه طاهر، وفيه رواية أنه نجس. فقد جاء في الإنصاف: "ومنها دم السمك، وهو طاهر على الصحيح في المذهب، وعليه الأصحاب، ويؤكل ... وقيل نجس ... "٣. وفي كشاف القناع: " ... طاهر ولو ظهرت حمرته نصاً، لأنه لا يمكن التحرز منه كدم سمك، لأنه لو كان نجساً لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح كحيوان البر، ولأنه يستحيل ماء ويؤكلان أي دم عرق المأكول ودم السمك كالكبد"٤. فالصحيح عند الحنابلة أن دم السمك طاهر، وأن هذا ما عليه الأصحاب، وأباحوا أكله، وهناك قول في المذهب يقول بنجاسته.

стр. 123

فخلاصة القول بالنسبة لدم السمك ما يأتي: أن الحنفية يرون طهارة دم السمك، معللين ذلك بالإجماع عليه، ولأنه ليس بدم حقيقة، ولم يخالف في هذا سوى أبي يوسف حيث قال بنجاسة دم السمك بالنظر إلى الدماء عامة، والأصل فيها وهو النجاسة. أن المالكية يرون أن دم السمك كسائر الدماء، وعلى هذا فإنه لو كان مسفوحاً فإنه يكون نجساً، وإن كان غير مسفوح كان طاهراً، وهذا هو المشهور في مذهب المالكية، وإن كان مقابل ذلك المشهور من يرى أنه طاهر مطلقاً. أن الشافعية قد اختلفوا فيما بينهم في حكم دم السمك، فمنهم من قال بطهارته باعتبار طهارة ميتته، وأنه في هذا يكون أولى بذات الحكم وهو الطهارة ومنهم من قال بنجاسته بالنظر إلى أصل الحكم في الدماء عامة وهو النجاسة، وقد ذكرت كتب الشافعية أن هذا هو الصحيح في المذهب. أما الحنابلة فالصحيح من مذهبهم هو القول بطهارة دم السمك، وأن هذا هو ما عليه الأصحاب، وقالوا بإباحة أكله، وإن كان هناك قول في المذهب يرى نجاسته. وعلى هذا: فعامة الحنفية والصحيح عند الحنابلة وقول للشافعية ومقابل المشهور عند المالكية على أن دم السمك طاهر، في حين أن الشافعية في أصح مذهبهم أنه نجس، وقد وافقهم على هذا أبو يوسف من الحنفية ورواية في مذهب الحنابلة وعلى تفصيل في مذهب المالكية، حيث قالوا: إنه يأخذ حكم الدماء عامة، فإن كان مسفوحاً كان نجساً، وإن كان غير مسفوح كان طاهرا. والذي يترجح لدي هو: القول بطهارة دم السمك وإمكان بيعه وتناوله مع السمك ذاته، وأن دم السمك يأخذ نفس حكم الكبد والطحال على نحو ما سبق، وذلك لأن دم الحيوان المائي خارج عن عموم تحريم دم الحيوان الحي أو الميت إذا كان مسفوحاً، لأن عموم هذا الدم نجس، بخلاف دم السمك ونحوه من الحيوانات المائية، حيث اعتبره عامة الفقهاء طاهراً، ومما يؤكد هذا ما علل به الحنفية قولهم بطهارة دم السمك من أنه مجمع عليه، وأنه لا يعتبر دماً حقيقياً وبالتالي لا يشمله عموم تحريم

стр. 124

الدم، كما أن ميتته طاهرة، ولهذا كان دمه كذلك طاهراً على نحو ما علل من ذهب إلى هذا من الشافعية. وقد أجمعت الأمة على إباحة تناول السمك مع دمه، ولو كان نجساً لما أبيح، ولأنه ليس بدم حقيقة بل هو ماء تلون بلون الدم وذلك لعدم إمكان تعايش الدم في الماء. والله تعالى أعلم. ثالثاً: الدم المختلط باللحم والعظم: يرى عامة أهل العلم استثناء الدم العالق باللحم والعروق من الشاة أو نحوها، من مأكول اللحم المذكى من حرمة التناول وإجراء التصرفات عليه من بيع ونحوه، تبعاً لذات اللحم والعروق والعظام، من ذلك المأكول عند ذبحه بالطريق الشرعي، وهذا ما عليه الفتوى رفعاً للحرج والضيق عن العباد، وإن كان الخلاف قائما بينهم بشأن طهارته، ومدى التفرقة بينه وبين الدم المسفوح، فمن قائل بأنه طاهر، ومن قائل بأنه نجس وأن هذه النجاسة معفو عنها، ومن قائل بأنه غير مسفوح، أي الخلاف حاصل بين الفقهاء بشأن علة إباحة الدم الباقي في العروق، فمنهم من قال لأنه طاهر، ومنهم من قال للعفو عنه، فكأنه نجس معفو عنه، وذلك على نحو ما ذكر بعض الشافعية. مذهب الحنفية: اتفق فقهاء الحنفية على أن المحرم من الدم هو الدم المسفوح دون الدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح، حيث إنه طاهر لأنه غير مسفوح، ولأبي يوسف معفو عنه في الأكل غير معفو عنه في الثياب لتعذر الاحتراز عنه في الأكل وإمكانه في الثوب. فقد جاء في أحكام القرآن: " ... أما اللحم الذي يخالطه الدم فلا بأس به" وروى القاسم بن محمد١ عن عائشة – أنها سئلت عن الدم يكون في اللحم المذبوح، قالت: إنما نهى الله عن الدم المسفوح" ثم استطرد قائلاً: ولا خلاف بين الفقهاء في جواز أكل اللحم مع بقاء أجزاء من الدم في العروق، ولأنه غير مسفوح، ألا ترى أنه متى صبّ عليه

стр. 125

الماء ظهرت تلك الأجزاء فيه، وليس هو بمحرم إذ ليس هو مسفوحاً"١. وجاء في بدائع الصنائع: " ... والدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر، لأنه ليس بمسفوح، ولهذا حل تناوله مع اللحم، وروي عن أبي يوسف أنه معفو عنه في الأكل غير معفو في الثياب، لتعذر الاحتراز عنه في الأكل وإمكانه في الثوب"٢. فالمستفاد من نصوص الحنفية: أنه لا بأس من تناول اللحم العالق به بعض الدم في العروق، وذلك لأنه دم غير مسفوح وليس بمحرم فهو دم طاهر، ولهذا حل تناوله مع اللحم. وإن كان لأبي يوسف رأي في هذه الجزئية وهو أنه دم معفو عنه في الأكل خاصة، لتعذر الاحتراز عنه دون غيره، كما في الثياب مثلاً لإمكان الاحتراز عنه. فأصل مذهب الحنفية طهارة الدم العالق باللحم أو بالعروق، لأنه غير مسفوح، وإن كان المستفاد من رأي أبي يوسف أنه ليس كذلك، ولكنه معفو عنه في الأكل لعدم الاحتراز عنه، فأبو يوسف يرى أنه نجس غير معفو عنه. مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى القول بجواز تناول الدم الباقي على اللحم والعروق، وأنه لا بأس من شموله بالبيع مع اللحم والعروق، لأنه لا يمكن التحرز عنه؛ فأساس التجاوز عن الدم العالق بالعروق هو عدم إمكان تحرز الناس عنه، وتحقيقاً لرفع الحرج عنهم. فقد جاء في أحكام القرآن: " ... قال الإمام الحافظ٣: الصحيح أن الدم إذا كان مفرداً حرم منه كل شيء، وإن خالط اللحم جاز، لأنه لا يمكن الاحتراز منه، وإنما حرم الدم بالقصد إليه"٤. وجاء في حاشية الدسوقي: " ... ودم لم يسفح وهو الذي لم يجر بعد موجب خروجه بذكاة شرعية، وهو الباقي في العروق، وكذا ما يوجد في قلب الشاة بعد

стр. 126

ذبحها، وأما ما يوجد في بطنها فهو من المسفوح فيكون نجساً، وكذا الباقي في محل الذبح، لأنه من بقية الجاري"١. وجاء في الجامع لأحكام القرآن: "وأما الدم فمحرّم ما لم تعم به البلوى، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم والعروق، وروي عن عائشة أنها قالت: "كنا نطبخ البرمة٢ على عهد رسول الله ﷺ تعلوها الصفرة من الدم، فنأكل ولا ننكره"٣٤. فالمستفاد من نصوص المالكية: أنهم يجوزون تناول اللحم العالق به الدم وذلك لعدم إمكان الاحتراز عنه؛ فعندهم جواز تناول الدم المخالط للحم لهذا السبب، وذكرت بعض كتبهم كحاشية الدسوقي أنه دم غير مسفوح فجاز تناوله وإمكان بيعه مع اللحم. مذهب الشافعية: اختلف فقهاء الشافعية بالنسبة لحكم الدم الباقي على العروق واللحم والعظام من البهائم المذبوحة، فذهب الحليمي وجماعة إلى أنه نجس، وأن هذه النجاسة معفو عنها، وذلك هو الظاهر، لأنه مسفوح إلا أنه لم يسل لقلته، وقال الآخرون إنه طاهر، وقيل إن مراد من عبر بالطهارة أنه معفو عنه. أما الدم الباقي على اللحم وعظامه من المذكاة فهو نجس معفو عنه. فقد جاء في نهاية المحتاج: "أما الدم الباقي على اللحم وعظامه من المذكاة فنجس معفو عنه كما قاله الحليمي ... ومراد من عبر بطهارته أنه معفو عنه"٥. وجاء في مغني المحتاج: "أما الدم الباقي على اللحم وعظامه فقيل إنه طاهر،

стр. 127

وهو قضية كلام المصنف في المجموع وجرى عليه السبكي١، ويدل له من السنة قول عائشة ﵂: "كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله ﷺ تعلوها الصفرة من الدم فيأكل ولا ينكره"٢ وظاهر كلام الحليمي وجماعة أنه نجس معفو عنه، وهذا هو الظاهر لأنه دم مسفوح وإن لم يسل لقلته ... "٣. فالمستفاد من نصوص الشافعية: أن الدم الباقي على اللحم وعظامه نجس، لأنه دم غير مسفوح، وإن لم يسل لقلته، غير أنه معفو عنه لعدم إمكان التحرز عنه عند التناول، وإلى هذا ذهب الحليمي وجماعة من الشافعية. في حين أن الرأي المقابل يرى أنه طاهر، وذكرت كتب الفقه الشافعي تفسيراً لهذا القول بأن مراد من قال به: أنه معفو عنه. مذهب الحنابلة: أن الدم الذي يبقى على عروق مأكول اللحم بعد ذبحه طاهر على صحيح المذهب الحنبلي، وبالتالي فلا مانع من تناوله تبعاً لهذا اللحم أو ما علق به، وكذلك الحكم بالنسبة للدم الباقي في خلل اللحم بعد الذبح، وإن كان هناك من قال بنجاسته، وهذا ظاهر كلام القاضي على نحو ما نقله العلامة ابن الجوزي، وذكر الشيخ تقي الدين عدم الخلاف في العفو عنه، وأنه لا ينجس المرق بل يؤكل معها، وذلك لعدم إمكان التحرز عنه. وقد جاء في الإنصاف: " ... ودم عروق المأكول طاهر على الصحيح من المذهب، ولو ظهرت حمرته ونص عليه، وهو الصحيح من المذهب، وهو من المفردات، لأن العروق لا تنفك عنه فيسقط حكمه، لأنه ضرورة، وظاهر كلام

стр. 128

القاضي١ في الخلاف: نجاسته، قال ابن الجوزي: المحرم هو الدم المسفوح، ثم قال القاضي: فأما الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح وما يبقى في العروق فمباح. قال في الفروع ولم يذكر جماعه إلاّ دم العروق. وقال الشيخ تقي الدين فيه: لا أعلم خلافا في العفو عنه وأنه لا ينجس المرق بل يؤكل معها ... "٢. وجاء في كشاف القناع: " ... ودم عرق مأكول بعد ما يخرج بالذبح وما في خلال اللحم طاهر ولو ظهرت حمرته نصاً، لأنه لا يمكن التحرز منه"٣. الموازنة: بمراجعة ما قاله الفقهاء بشأن الدم العالق بالعروق يتضح لنا: أن الحنفية: يرون أنه طاهر، وذلك لأنه غير مسفوح، وإن كان أبو يوسف يرى أنه مسفوح غير أنه معفو عنه في الأكل لعدم الاحتراز عنه وأنه نجس في غير الأكل إذا علق بالثياب. المالكية: أنه مباح لعموم البلوى به، أو لعدم الاحتراز منه، وأن الباقي في محل الذبح نجس، لأنه من المسفوح. الشافعية: أنه نجس معفو عنه، لعدم إمكان الاحتراز، وقيل: بأنه طاهر، وفسر هذا بأنه معفو عنه. الحنابلة: اختلفوا، هم الآخرون بشأن حكم الدم الباقي على العروق، فمنهم من قال بأنه طاهر، ومنهم من قال بأنه نجس معفو عنه. وهذا يوضح أن الاتفاق حاصل بين العلماء على أن الدم العالق بالعروق والمختلط باللحم من مأكول اللحم المذكى ذكاة شرعية مستثنى من الحكم الأصلي للدم وهو النجاسة باعتبار أصله، وبالتالي فإن هذا الاستثناء له أثره بالنسبة للدم على هذا النحو.

стр. 129

وأن الخلاف فقط في تعليل هذا الاستثناء، فمنهم من علله بطهارته باعتبار طهارة أصله المأكول المذكى، ومنهم من علله باعتبار أنه معفو عنه لقلته وعدم إمكان التحرز رغم أنه نجس عندهم. وخلاصة القول: أن العلماء لهم مذهبان في حكم تناول الدم غير المسفوح وهو الذي يختلط باللحم أو يبقى في العروق بعد تذكية الحيوان. المذهب الأول: يرى جواز تناول الدم غير المسفوح مع ما علق فيه من اللحم، وإن غير أعلى الإناء الذي يطبخ فيه، وإليه ذهب الحنفية والمالكية وهو قول عند الشافعية وقول للحنابلة. المذهب الثاني: يرى حرمة تناول الدم مطلقاً وإن كان غير مسفوح، وهذا هو الأظهر من مذهب الشافعية وما ذهب إليه الحنابلة في رواية في المذهب. الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول بما يأتي: ١ – قوله تعالى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ١. حيث أفادت هذه الآية أن ما يحرم تناوله من الدم إنما هو المسفوح فقط دون غيره، وعلى هذا فلا يحرم تناول الدم غير المسفوح، وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لولا أن الله تعالى قال: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ لتتبع الناس ما في العروق"٢، فلا تلتفتوا إلى ما يعزى إلى ابن مسعود٣ في الدم، فالمراد به الدم المسفوح

стр. 130

كما فسرته الآية الأولى، قال هذا ابن عباس وسعيد بن جبير١، فما حرم الله سبحانه هو الدم المسفوح حملاً للمطلق على المقيد فغير المسفوح ليس داخلاً في النهي٢. ٢- ما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كنا نطبخ اللحم فتعلو الصفرة على البرمة من الدم، فيأكل ذلك النبي ﷺ ولا ينكره"٣. ٣- روى أبو غالب٤ عن أبي أمامة الباهلي٥ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام فأتيتهم فبينما نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة٦ من دم، فاجتمعوا عليها يأكلونها، فقالوا: هلم فكل: فقلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم، فأقبلوا عليه، قالوا: وما ذلك؟ فتلوت عليهم هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ٧"٨. فقد أفاد هذا الحديث حرمة ما كان يفعله أهل الجاهلية، من تناول الدم المسفوح حيث كان أحدهم إذا أدركه الجوع أخذ محددا٩ من عظم أو نحوه فيقصد به بعيره أو غيره من الحيوانات ثم يجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه وهذا هو الدم المسفوح. وقد

стр. 131

أخبر أبو أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قد حرم تناوله واستشهد على هذا بآية المائدة فدل هذا على أن الذي يحرم تناوله هو الدم المسفوح. ٤ – ما رواه القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: "إنما نهى عن الدم السافح" ١ وروى عنها أنها قالت: "لولا أن الله تعالى قال: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ٢ لتتبع الناس ما في العروق". فقد أفاد قول عائشة ﵂ أن ما يحرم تناوله من الدم هو المسفوح ليس غيره، وأما غيره فلا يحرم تناوله. ٥ – ما رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄: "أنه سئل عن الطحال فقال كلوه. قالوا: إنه دم. فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح"٣. حيث أفاد هذا قصر ما يحرم تناوله من الدم على المسفوح منه، وانحصار الحرمة فيه دون غيره. هذا كله فضلاً: عما رواه ابن العربي من إجماع العلماء على أن المطلق من الدم في آية المائدة محمول على المقيد منه بالمسفوح في آية الأنعام، وما قاله القرطبي من أن العلماء أجمعوا على أن الدم المختلط باللحم لا يحرم٤. واستدل أصحاب المذهب الثاني بما يأتي: ١ – قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ٥. حيث إن هذه الآية مدنية من آخر ما نزل من القرآن، وإن كان تحريم الدم في آية الأنعام المكية مقيداً بالدم المسفوح، إلا أن هذه الآية نزلت بعدها فحرمت الدم كله مسفوحاً أو غير مسفوح، تدرجاً في تشريع الأحكام، فحرم في أول الإسلام بمكة الدم المسفوح، ثم حرم بالمدينة الدم كله،

стр. 132

فمن لم يحرم إلا المسفوح وحده فقد أحل ما حرم الله تعالى في الآية الأخرى، ومن حرم الدم جملة فقد أخذ بالآيتين جميعاً، وقد حرم بعد آية الأنعام أشياء ليست فيها كالخمر وغيره، فوجب تحريم كل ما جاء نص بتحريمه بعد ذلك، والدم جملة مما نزل تحريمه بعد تلك الآية، فوجب تحريمه. ٢ – ما روى ابن كريب١ عن جبير بن نفير٢ أنه قال: "قالت لي عائشة أم المؤمنين: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم، قالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها حراماً فحرموه"٣. فهذه السورة جاء في بعض آياتها تحريم الدم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ ٤ وقول عائشة هذا يفيد حرمة تناول الدم عامة، للنص على حرمة تناوله في هذه السورة التي هي آخر ما نزل من القرآن. والذي يترجح لدي: هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول من أن الدم الذي يحرم تناوله هو الدم المسفوح، وذلك لقوة ما استدلوا به، ولأن المطلق الذي حرم تناوله في آيتي البقرة والمائدة قيد في آية الأنعام بالمسفوح، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المطلق في آيتي البقرة والمائدة يحمل على المقيد في آية الأنعام، وقد تأيد هذا الحمل بقول ترجمان القرآن ابن عباس، واستشهاد أبي أمامة الباهلي بآية المائدة على حرمة تناول الدم المسفوح، وقصر عائشة النهي عن تناول الدم على المسفوح منه، فلو كان المراد بالنهي عن تناول الدم عموماً لما خفي هذا على أمثال ابن عباس وعائشة وغيرهما من الصحابة ﵃.

стр. 133

وإن كانت السيدة عائشة ﵂ قد صرحت بحكم ما يعلو على البرمة وهو أنه معفو عنه للضرورة، وهي عدم إمكان التحرز عنه، ويستفاد من هذا أن ما لم يدخل في الحدود التي استثنتها السيدة عائشة محكوم بالأصل العام في المسألة وهو التحريم، فاستثناء السيدة عائشة غير متوسع فيه ومحكوم بضوابط دقيقة، والله تعالى أعلم.

стр. 134

الفصل الثالث: بيع فضلات الإنسان والحيوان اختلف الفقهاء في حكم بيع فضلات الإنسان والحيوان، وذلك بناء على اختلافهم في نجاسة هذه الفضلات، أو أنها مكرمةُ باعتبارها جزءاً من الإنسان، أو على أساس عدم ماليتها وعدم إمكان الانتفاع بها، على خلاف فيما لو كانت الأبوال والسرقين١ من مأكول اللحم أم من غيره. وهذا يستلزم ضرورة إلقاء الضوء على أهم هذه المسائل، حتى يتضح لنا إمكانية بيع فضلات الإنسان والحيوان ونحوه، وذلك في المباحث الآتية:

стр. 135

المبحث الأول حكم المني وحكم بيعه المطلب الأول: حكم المني المني لغة: بفتح الميم وكسر النون وتشديد الياء عام يشمل ماء الرجل وماء المرأة١. والمني في عرف الشرع: هو ماء الرجل، أبيض ثخين، يتدفق في خروجه دفعة بعد دفعة ويخرج بشهوة، ويتلذذ بخروجه، ثم إذا خرج يعقبه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل قريبة من رائحة العجين، وإذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض. أما ماء المرأة: فهو أصفر رقيق، وقد يبيض لفضل قوتها٢. وقد اختلف الفقهاء بشأن طهارة المني وذلك على النحو الآتي: مذهب الحنفية: قالوا بأن المني نجس يجب غسله إن كان رطباً، وإذا جف على الثوب أجزأ الفرك، وكذلك الشأن بالنسبة لكل ما يخرج من بدن الإنسان وكان موجباً للتطهير، حتى إن بعضهم ذهب إلى أن نجاسته غليظة. جاء في البناية شرح الهداية: "والمني نجس يجب غسله إن كان رطباً، فإذا جف على الثوب أجزأ فيه الفرك"٣. وجاء في بدائع الصنائع: " ... أما أنواع الأنجاس فمنها ما ذكره الكرخي ٤ في مختصره أن كل ما خرج من بدن الإنسان مما يجب بخروجه الوضوء أو الغسل فهو

стр. 136

نجس، من البول، والغائط، والودي١، والمذي٢، والمني، ودم الحيض، والنفاس، والاستحاضة، والدم السائل من الجرح، والصديد، والقيء ملء الفم، لأن الواجب بخروج ذلك مسمى بالتطهير"٣. وجاء في الاختيار لتعليل المختار: "وكل ما يخرج من بدن الإنسان وهو موجب للتطهير فنجاسته غليظة، وذلك كالغائط والبول والدم والصديد والقيء ولا خلاف فيه، وكذلك المني"٤. فالمستفاد من نصوص الحنفية: أن المني نجس حيث إنه موجب للغسل والتطهير، فإن كل ما يخرج من بدن الإنسان على هذا النحو يكون نجساً، وأن نجاسته غليظة، وأنه لا خلاف في هذا، وأن المني شأنه شأن الغائط والبول والدم والصديد والقيء. مذهب المالكية: القول بأن المني نجس، على خلاف في اعتبار هذه النجاسة بحسب أصله أم باعتبار ممره على محل البول النجس؟ وقد بنوا حكمهم في هذا على طلب غسل الثوب والموضع منه، وقالوا بأن الشيء إنما يغسل من الغائط والبول والمذي والمني والدم والقيء، وأن المني خارج من مخرج معتاد من السبيل فأشبه البول، وأن المذي جزء من المني، لأن الشهوة تتخلل كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة. فقد جاء في حاشية الدسوقي: "وكل ما يخرج من بدن الإنسان موجباً للغسل فنجاسته غليظة كالبول والغائط ونحوه، وكذلك المني"٥. وجاء في الشرح الكبير: "ومن النجس مني ومذي وودي، ولو من مباح الأكل في الثلاثة للاستقذار والاستحالة إلى فساد ولأن أصلها دم ولا يلزم من العفو عن

стр. 137

أصلها العفو عنها"١. وفي مواهب الجليل: "والمني نجس، قال المصنف٢ وغيره لا نعلم فيه خلافاً وحكى ابن فرحون وفيه الخلاف عن صاحب الإرشاد، وتأوله ابن الفرات ٣بأن المراد الخلاف هل هو نجس لأصله أو لممره قلنا وليس ذلك بظاهر ونص كلامه في الإرشاد٤ والمشهور نجاسة فيه يعني الآدمي، وقال في عمدته٥: وفي المني قولان: وأما الخلاف الذي ذكره هل هو نجس لأصله أو لممره على محل البول ... وقد اتفق الأصحاب على نجاسة مني الآدمي ما عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – وغسل عائشة ﵂ المني من ثوبه ﷺ تشريع ... "٦. فالمستفاد من نصوص المالكية: القول بنجاسة المني، وأن هذا لا خلاف عليه في مذهب المالكية، وأن بعضهم قد حكى خلافاً في تعليل نجاسته هل كانت بسبب أصله أم كانت بسبب ممره؟ أي باعتبار ما يمر فيه في مجرى البول، مع اتفاق الأصحاب على أن الحكم بنجاسة مني الآدمي قد استثني منه مني الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا لا يضره ما ثبت عن أم المؤمنين عائشة ﵂ من أنها كانت تغسل ثوبه ﷺ ، لأن هذا في إطار تشريع الغسل لا لكون منيه ﷺ ليس بطاهر. وحكى ابن فرحون أن في حكمه خلاف عن صاحب الإرشاد.

стр. 138

مذهب الشافعية: قالوا إن المني طاهر، وذلك على الأظهر عندهم. فقد جاء في المهذب: " ... وأما مني الآدمي فهو طاهر ... "١. وجاء في مغني المحتاج: " ... وأما مني الآدمي فطاهر على الأظهر ... الثاني: أنه نجس مطلقاً، لأنه يستحيل في الباطن فأشبه الدم، والثالث: أن مني المرأة نجس بناء على نجاسة رطوبة فرجها، وألحق مني الخنثى بمني المرأة على هذا القول ... "٢. فالمستفاد من نصوص الشافعية: أن مني الآدمي طاهر، وذلك على الأظهر في المذهب، وقد حكى صاحب مغني المحتاج أقوالاً أخرى منها: أن مني الآدمي نجس مطلقاً لأنه يستحيل في الباطن فأشبه الدم، ومنها أن مني المرأة وحده هو النجس وذلك لنجاسة رطوبة فرجها، وأن مني الخنثى يلحق بمني المرأة في هذا الحكم. مذهب الحنابلة: اختلف فقهاء الحنابلة بشأن حكم طهارة المني، والمذهب عندهم القول بطهارته، وهذا ما عليه الأصحاب، وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد. فقد جاء في المغنى: اختلفت الرواية عن أحمد في المني، فالمشهور: أنه طاهر، وعنه: أنه كالدم، أي أنه نجس ويعفى عن يسيره، وعنه: أنه لا يعفى عن يسيره ويجزئ فرك يابسه على كل حال. والرواية الأولى هي المشهورة في المذهب، وهو قول سعد بن أبي وقاص٣ وابن عمر، وقال ابن عباس: "امسحه عنك بإذخرة٤ أو خرقة، ولا تغسله إن شئت٥"٦.

стр. 139

فمشهور مذهب الحنابلة طهارة مني الآدمي، وهناك رواية عن الإمام أحمد أنه نجس كالدم يعفى عن يسيره، وفي رواية لا يعفى عن ذلك اليسير. وجاء في الإنصاف: "قوله: ومني الآدمي طاهر، هذا هو المذهب مطلقاً، وعليه جماهير الأصحاب ونصروه، سواء كان من احتلام أو جماع، من رجل أو امرأة، لا يجب فيه فرك ولا غسل. وقال أبو إسحاق ١: يجب أحدهما، فإن لم يفعل أعاد ما صلى فيه قبل ذلك. وعنه أنه نجس يجزئ فرك يابسه ومسح رطبه، واختاره بعض الأصحاب. وعنه أنه نجس يجزئ فرك يابسه من الرجل دون المرأة ... وعنه أنه كالبول فلا يجزئ فرك يابسه، وقطع به ابن عقيل٢ في مني الخصي٣، لاختلاطه بمجرى بوله، وقيل: مني الجماع نجس دون مني الاحتلام، ذكره القاضي، وقيل: مني المرأة نجس دون مني الرجل، حكاه بعض الأصحاب، وقيل: مني المستجمر٤ نجس دون غيره٥. فالذي يستفاد من نصوص الحنابلة وما عليه جماهير الأصحاب وأيدوه أن مني الآدمي طاهر بصرف النظر عن سبب إنزاله، وسواء كان من رجل أم كان من امرأة، وأنه لا يجب فركه ولا غسله، وقال أبو إسحاق بوجوب أحد الأمرين:

стр. 140

الفرك أو الغسل. وهناك رواية عن الإمام أنه نجس، وأنه يجزي فرك يابسه ومسح رطبه، وأن هذا هو اختيار بعض الأصحاب. وهناك رواية أخرى عنه أنه نجس يجزئ فرك يابسه من الرجل دون المرأة. وعنه أنه كالبول فلا يجزئ فرك يابسة. وقيل: إن مني الجماع نجس دون مني الاحتلام وذلك باعتبار مخالطته لرطوبة فرج المرأة. وقيل: مني المرأة نجس دون مني الرجل وهذا ما حكاه بعض الأصحاب. وقيل: مني المستجمر نجس دون غيره. الموازنة: إن الناظر فيما قاله الفقهاء يجد أن الخلاف بينهم ينحصر في مذهبين، وذلك لأن مرد كل ما ورد من أقوال متعددة إلى هذين القولين إجمالاً، وإن كانت كتب الحنابلة كالإنصاف قد فرعت في هذا الخلاف: المذهب الأول: يرى أن المني نجس، وهذا قول الحنفية والمالكية ورواية عند الشافعية ورواية عن الإمام أحمد وبعض الحنابلة بالنسبة لمني المرأة ومني الجماع عند البعض الآخر. المذهب الثاني: القول بأن المني طاهر، وهذا ظاهر مذهب الشافعية ومذهب جماهير أصحاب أحمد بن حنبل ومن قال من الحنابلة بطهارة مني الرجل دون مني المرأة ومن قال منهم بأن مني الاحتلام طاهر دون مني الجماع وقول عن صاحب الإرشاد حكاه ابن فرحون. الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول بما يأتي: بحديث عمار بن ياسر١ ﵁ وفيه يقول النبي ﷺ لعمار بن ياسر: "إنما

стр. 141

يغسل الثوب من المني والبول والدم" ١ والذي تقرر فيه أن الثوب إنما يغسل من الغائط والبول والمذي والمني والدم والقيء، فقد سوى النبي ﷺ بين المني والأعيان النجسة المذكورة في طلب الغسل، فكما أن الغسل واجب من الغائط والبول والقيء والدم فكذلك الحال بالنسبة للمني، فدل هذا على نجاسته٢. واستدلوا بما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ حيث قالت:"كنت أغسل ثوب رسول الله ﷺ إذا كان رطباً، وأفركه إذا كان يابساً"٣. وقالوا: إن المني خارج معتاد من السبيل فأشبه البول، وأن المذي جزء من المني لأن الشهوة تتخلل كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة. وقد بنى من قال بنجاسة مني المرأة خاصة، وكذا من قال بنجاسة مني الجماع خاصة، بنى هذا على مخالطة النجاسة من حيث المجرى أي مجري البول من كل من الرجل والمرأة. واستدل أصحاب المذهب الثاني بما يأتي بما روي عن عائشة ﵂ حيث قالت: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب فقال: "إنما هو بمنْزلة المخاط والبصاق٤ إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" ٥. هذا فضلاً على أنهم قاسوا المني على التراب في أن كلاً منهما بدء خليقة الإنسان، وما دام التراب طاهراً فالمني طاهر كذلك، وأن الأصل في الأشياء الطهارة ولا ينقل عنها إلى النجاسة إلا بالدليل ولا يوجد دليل. والذي يترجح لدي: هو القول بطهارة المني لصراحة حديث السيدة عائشة رضي

стр. 142

الله عنها، ولأن الإنسان يخلق منه كالتراب الذي هو أصل خلق الإنسان، فلو كان نجساً لكان ذلك مخالفاً لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ١ ولزم منه نجاسة جسد الإنسان، لأن ما تكون من نجس فهو نجس، وأما خروجه من مجرى البول فلثخونته لا تتخلله النجاسة، وما أصابه من مجرى البول قليل والقليل معفو عنه. والله تعالى أعلم.

стр. 143

المطلب الثاني: حكم بيع المني لا شك أن الطريق الطبيعي الذي جعله الله سبحانه للاستيلاد إنما هو الاستيلاد الطبيعي، وأن الزواج الشرعي هو الوعاء للجنس والإنجاب، فالتناسل يتم بالتقاء الذكر بالأنثى حيث قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ١ وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ٣ وقد جعل التقاء الذكر بالأنثى وسيلة لاستبقاء النوع الإنساني، ولذا فإنه شرع النكاح، ورغب فيه، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤. وقال ﷺ : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر

стр. 144

وأحصن للفرج" ١. وقال ﷺ : "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" ٢وقال ﷺ : "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" ٣. هذا والوقاع من المقاصد الرئيسية في الزواج لأنه لا يتم التناسل والتكاثر وحفظ النوع إلا به، ولا يتم تحصين الفرج وحفظه من الوقوع في الفواحش إلا عن طريقه، ولا تتم الألفة والمحبة ودوام العشرة بين الزوجين إلا بواسطته، حيث قال سبحانه: ﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ٤ والوقاع يعمق بين الزوجين السعادة الزوجية ويوثق الرباط بينهما٥. ومن المقرر المعلوم أن المني سواء كان من الذكر أو من الأنثى إنما له غاية واحدة كونه مادة خلق الإنسان، وأن الشرع قد حدد طريقاً واضحاً متفقاً عليه في الاستيلاد وهو النكاح أو ملك اليمين، وأن الله قد حرم الزنا وجعله من الكبائر للمحافظة على الأنساب وعدم اختلاطها، وأن الشرع قد شرع الملاعنة بين الزوجين في حالة أن يتهم الرجل زوجته بالزنا، وذلك لأجل أن لا ينسب الولد إليه في حالة حمل المرأة من الزنا الذي اتهمت به، فمن هنا جاء تحريم بيع المني تحريماً أكيداً. بناء على أن مشيئة الله قد اقتضت وجود العقم في بعض بني آدم رجالاً أو نساءً

стр. 145

قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ*أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ١. ولا خلاف بين فقهاء المسلمين أنه يندب العلاج من عدم الإخصاب أو ما يعرف باسم العقم. وفي زماننا استجدت طرق حديثة في علاج العقم، وقد حدث بسبها جدال كثير وقف معه الطبيب والمريض المسلم حائرين بين متابعة ما قدمته التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال وبين ما تسمح به الشريعة الإسلامية، ومن هذه الصور: التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب: كما نعلم أن هذه الطريقة الحديثة قد أثارت جدلاً كبيراً بين الحظر والإباحة، وبالرجوع إلى مصادر التشريع الإسلامي لم نجد حكماً صريحاً حول هذا الموضوع، كما أن الفقهاء القدامى لم يتعرضوا له بالبحث، ولم يذكروه في كتبهم إلا ما عرف عند الشافعية باسم "الاستدخال" أي استدخال المني وهو حقن ماء الرجل في قبل المرأة، وهو حلال عندهم بشرط وجود ما يمنع الاتصال المباشر بين الزوجين، أما إذا قام بالزوج مانع يحول دون اتصاله بزوجته على الوجه المشروع كان له أن ينقل ماءه إليها بأية وسيلة أخرى متى كان المني من الزوج إلى زوجته فهذا حلال شرعاً، أما إذا كان الاستدخال بطريق غير مشروع فإنه يكون محرما ولا تثبت العدة، وذلك كما لو أولج زانيا ثم نزع فأمنى فاستدخلته زوجته في قبلها٢. فقد جاء في كلام الفقهاء الأقدمين: "إن الحمل قد يكون بإدخال الماء للمحل دون اتصال، أما إذا كان الاستدخال بطريق غير مشروع كما لو أولج زانياً ثم نزع فأمنى فاستدخلته زوجته فإنه لا عدة ويكون محرماً في هذه الحالة"٣. فهذا النص على إطلاقه يفيد أنه لا عدة على المزني بها طالما أن الزنا حصل
следующие страницы →