يغسل الثوب من المني والبول والدم" ١ والذي تقرر فيه أن الثوب إنما يغسل من الغائط والبول والمذي والمني والدم والقيء، فقد سوى النبي ﷺ بين المني والأعيان النجسة المذكورة في طلب الغسل، فكما أن الغسل واجب من الغائط والبول والقيء والدم فكذلك الحال بالنسبة للمني، فدل هذا على نجاسته٢.
واستدلوا بما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ حيث قالت:"كنت أغسل ثوب رسول الله ﷺ إذا كان رطباً، وأفركه إذا كان يابساً"٣.
وقالوا: إن المني خارج معتاد من السبيل فأشبه البول، وأن المذي جزء من المني لأن الشهوة تتخلل كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة.
وقد بنى من قال بنجاسة مني المرأة خاصة، وكذا من قال بنجاسة مني الجماع خاصة، بنى هذا على مخالطة النجاسة من حيث المجرى أي مجري البول من كل من الرجل والمرأة.
واستدل أصحاب المذهب الثاني بما يأتي بما روي عن عائشة ﵂ حيث قالت: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب فقال: "إنما هو بمنْزلة المخاط والبصاق٤ إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" ٥.
هذا فضلاً على أنهم قاسوا المني على التراب في أن كلاً منهما بدء خليقة الإنسان، وما دام التراب طاهراً فالمني طاهر كذلك، وأن الأصل في الأشياء الطهارة ولا ينقل عنها إلى النجاسة إلا بالدليل ولا يوجد دليل.
والذي يترجح لدي: هو القول بطهارة المني لصراحة حديث السيدة عائشة رضي
стр. 142
الله عنها، ولأن الإنسان يخلق منه كالتراب الذي هو أصل خلق الإنسان، فلو كان نجساً لكان ذلك مخالفاً لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ١ ولزم منه نجاسة جسد الإنسان، لأن ما تكون من نجس فهو نجس، وأما خروجه من مجرى البول فلثخونته لا تتخلله النجاسة، وما أصابه من مجرى البول قليل والقليل معفو عنه. والله تعالى أعلم.
стр. 143
المطلب الثاني: حكم بيع المني
لا شك أن الطريق الطبيعي الذي جعله الله سبحانه للاستيلاد إنما هو الاستيلاد الطبيعي، وأن الزواج الشرعي هو الوعاء للجنس والإنجاب، فالتناسل يتم بالتقاء الذكر بالأنثى حيث قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ١ وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ٣ وقد جعل التقاء الذكر بالأنثى وسيلة لاستبقاء النوع الإنساني، ولذا فإنه شرع النكاح، ورغب فيه، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤.
وقال ﷺ : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر
стр. 144
وأحصن للفرج" ١.
وقال ﷺ : "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" ٢وقال ﷺ : "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" ٣.
هذا والوقاع من المقاصد الرئيسية في الزواج لأنه لا يتم التناسل والتكاثر وحفظ النوع إلا به، ولا يتم تحصين الفرج وحفظه من الوقوع في الفواحش إلا عن طريقه، ولا تتم الألفة والمحبة ودوام العشرة بين الزوجين إلا بواسطته، حيث قال سبحانه: ﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ٤ والوقاع يعمق بين الزوجين السعادة الزوجية ويوثق الرباط بينهما٥.
ومن المقرر المعلوم أن المني سواء كان من الذكر أو من الأنثى إنما له غاية واحدة كونه مادة خلق الإنسان، وأن الشرع قد حدد طريقاً واضحاً متفقاً عليه في الاستيلاد وهو النكاح أو ملك اليمين، وأن الله قد حرم الزنا وجعله من الكبائر للمحافظة على الأنساب وعدم اختلاطها، وأن الشرع قد شرع الملاعنة بين الزوجين في حالة أن يتهم الرجل زوجته بالزنا، وذلك لأجل أن لا ينسب الولد إليه في حالة حمل المرأة من الزنا الذي اتهمت به، فمن هنا جاء تحريم بيع المني تحريماً أكيداً.
بناء على أن مشيئة الله قد اقتضت وجود العقم في بعض بني آدم رجالاً أو نساءً
стр. 145
قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ*أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ١.
ولا خلاف بين فقهاء المسلمين أنه يندب العلاج من عدم الإخصاب أو ما يعرف باسم العقم.
وفي زماننا استجدت طرق حديثة في علاج العقم، وقد حدث بسبها جدال كثير وقف معه الطبيب والمريض المسلم حائرين بين متابعة ما قدمته التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال وبين ما تسمح به الشريعة الإسلامية، ومن هذه الصور:
التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب: كما نعلم أن هذه الطريقة الحديثة قد أثارت جدلاً كبيراً بين الحظر والإباحة، وبالرجوع إلى مصادر التشريع الإسلامي لم نجد حكماً صريحاً حول هذا الموضوع، كما أن الفقهاء القدامى لم يتعرضوا له بالبحث، ولم يذكروه في كتبهم إلا ما عرف عند الشافعية باسم "الاستدخال" أي استدخال المني وهو حقن ماء الرجل في قبل المرأة، وهو حلال عندهم بشرط وجود ما يمنع الاتصال المباشر بين الزوجين، أما إذا قام بالزوج مانع يحول دون اتصاله بزوجته على الوجه المشروع كان له أن ينقل ماءه إليها بأية وسيلة أخرى متى كان المني من الزوج إلى زوجته فهذا حلال شرعاً، أما إذا كان الاستدخال بطريق غير مشروع فإنه يكون محرما ولا تثبت العدة، وذلك كما لو أولج زانيا ثم نزع فأمنى فاستدخلته زوجته في قبلها٢.
فقد جاء في كلام الفقهاء الأقدمين: "إن الحمل قد يكون بإدخال الماء للمحل دون اتصال، أما إذا كان الاستدخال بطريق غير مشروع كما لو أولج زانياً ثم نزع فأمنى فاستدخلته زوجته فإنه لا عدة ويكون محرماً في هذه الحالة"٣.
فهذا النص على إطلاقه يفيد أنه لا عدة على المزني بها طالما أن الزنا حصل
стр. 146
بدون إنزال، وأن الاستدخال على هذا النحو المحرم بسبب وسيلة الإنزال وهو الزنا يكون محرماً شرعاً حتى لو كان الاستدخال في قبل الزوجة.
فقد صدر عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الثالث بعمان بتاريخ ٨/صفر/١٤٠٧? الموافق ١١/١٠/١٩٨٦م وبعد التداول تبين للمجلس أن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذه الأيام هي سبع:
الأولى: أن يجري تلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبييضة مأخوذة من امرأة ليست زوجته ثم تزرع اللقيحه في رحم زوجته.
الثانية: أن يجرى التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبييضة الزوجة ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة.
الثالثة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها.
الرابعة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبييضة امرأة أجنبية وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
الخامسة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى.
السادسة: أن تؤخذ نطفة من زوج وبيضة من زوجته ويتم التلقيح خارجياً ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
السابعة: أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحاً داخلياً.
وقد قرروا بهذا أن الطرق الخمسة الأولى كلها محرمة شرعة وممنوعة منعاً باتاً لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية. أما الطريقان: السادس والسابع فقد رأى مجلس المجمع أنه لا حرج من
стр. 147
اللجوء إليهما عند الحاجة مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة١.
وكما صدرت فتوى دار الإفتاء المصرية في موضوع التلقيح الصناعي في الإنسان وأطفال الأنابيب٢. وقد قررت هذه الفتوى الملامح الآتية:
أولاً: المحافظة على النسل من المقاصد الضرورية التي استهدفتها أحكام الشريعة الإسلامية ولذا شرع النكاح وحرم السفاح والتبني.
ثانياً: الاختلاط المباشر بين الرجل والمرأة هو الوسيلة الوحيدة التي يتم بها إفضاء كل منهما بما استكن من جسده وأنه لا يعدل عنها إلاّ لضرورة.
ثالثاً: التداوي جائز شرعاً بغير المحرم، بل قد يكون واجباً إذا ترتب عليه حفظ النفس وعلاج العقم وأحد الزوجين.
رابعاً: تلقيح الزوجة بمني زوجها دون شك في استبداله أو اختلاطه بمني غيره من إنسان أو مطلق حيوان، جائز شرعاً.
خامساً: تلقيح بويضة امرأة بمني رجل ليس زوجها، ثم نقل هذه البويضة الملقحة إلى رحم زوجة الرجل صاحب هذا المني حرام ويدخل في معنى الزنا.
سادساً: أخذ بويضة الزوجة التي لا تحمل وتلقيحها بمني زوجها خارج رحمها "أطفال الأنابيب" وإعادتها بعد إخصابها إلى رحم تلك الزوجة دون استبدال أو خلط بمني إنسان آخر أو حيوان لداع طبي وبعد نصح طبيب حاذق بتعيين هذا الطريق بهذه الصورة بهذه الضوابط جائزة شرعاً.
بناءً على ما سبقت الإشارة من أحكام شرعية وفتاوى فقهية فإنه يحرم بيع المني والتصرف فيه، لأن هذا سبيل إلى المحرم وهو اختلاط الأنساب وإشاعة الفاحشة بين الناس.
ولهذا فإن وسائل الاستيلاد المستحدثة من الأمور التي تمجها النفوس السليمة
стр. 148
وترفضها النظرة السليمة، لأنها تفقد كل مزايا الوقاع الطبيعي خاصة وأنها قد تؤدي إلى اختلاط الأنساب المحرم.
وأن من جوز بعض هذه الوسائل قد احتاط كثيراً بوضع العديد من الضوابط اللازمة لذلك، وقد فطن لهذا علماء الإسلام حتى إنهم قد احتاطوا كثيراً عندما تكلموا عن التلقيح الصناعي الداخلي أو الخارجي، ووضعوا له الشروط المهمة، حرصاً على الأنساب من الاختلاط، وسداً لذريعة الزنا المقنع، فكان لا بد أن يكون ذلك بين الزوجين، وأثناء قيام الزوجية، ودون تدخل طرف ثالث في هذا، وأن تتم العملية في وجود الزوج نفسه، وأن يمنع الاحتفاظ بالمني من الزوج منعاً باتاً، ولا يسمح بقيام ما يسمى بنوك المني لأي سبب من الأسباب خاصة وأن كل نوع من نوعي التلقيح الصناعي له مخاطره ومحاذيره١. والله أعلم.
стр. 149
المبحث الثاني: حكم أرواث الحيوانات وحكم بيعها
المطلب الأول: حكم أرواث ١ الحيوانات
اختلف الفقهاء في أرواث البهائم، وسرجين ذوات الحافر، وزرق الطيور، من ناحية طهارتها ونجاستها.
فمذهب الحنفية: أن أرواث البهائم نجسة، وأن الثوب إذا أصابه روث أو إخثاء البقر أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه، وأما إذا أصابه أقل من ذلك فمعفو عنه - أي تجوز الصلاة فيه - وذلك لعدم الاحتراز عنه لامتلاء الطرق بها، وهذه ضرورة مؤثرة في التخفيف، واستثنوا من هذا بول الحمار، فلا يعفى عن قليله وذلك لأن الأرض تنشفه.
فقد جاء في البناية شرح الهداية: " ... وإذا أصاب الثوب من الروث أو من إخثاء البقر أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه عند أبي حنيفة ﵀، لأن النص الوارد في نجاسته وهو ما روي أنه ﵊ رمى بالروثة وقال: "هذا رجس أو ركس"٢ لم يعارضه غيره، ولهذا يثبت التغليظ عنده والتخفيف بالتعارض ... ولأن فيه ضرورة لامتلاء الطرق بها، وهي مؤثرة في التخفيف، بخلاف بول الحمار لأن الأرض تنشفه"٣.
стр. 150
وقالوا: إن الروث نجس بدليل أنهم كرهوا الاستنجاء به وبغيره من الأنجاس، ودليل ذلك: أن النبي ﷺ قال: "لا تستنجوا بالعظم ولا بالروث، فإن العظم زاد إخوانكم الجن، والروث علف دوابهم" ١.
وجاء في بدائع الصنائع: " ... ومنها -أي من النجاسات– ما يخرج من أبدان سائر الحيوانات من البهائم من الأبوال والأرواث على الاتفاق والاختلاف، أما الأبوال فلا خلاف في أن كل ما لا يؤكل لحمه نجس، واختلف في بول ما يؤكل لحمه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: نجس، وقال محمد: طاهر حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسده ويتوضأ منه ما لم يغلب عليه ... وأما الأرواث: فكلها نجسة عند عامة العلماء، وقال زفر٢: روث ما يؤكل لحمه طاهر، وهو قول مالك ... ومنها خرء٣ بعض الطيور من الدجاج والبط، وجملة الكلام فيه أن الطيور نوعان: نوع لا يزرق في الهواء، ونوع يزرق في الهواء، أما ما لا يزرق في الهواء كالدجاج والبط فخرؤهما نجس، لوجود معنى النجاسة فيه وهو كونه مستقذراً لتغيره إلى نتن وفساد رائحته فأشبه العذرة، وفي الأوز عن أبي حنيفة روايتان: روى أبو يوسف عنه أنه ليس بنجس، وروى الحسن عنه أنه نجس، وما يزرق في الهواء نوعان أيضاً: ما يؤكل لحمه كالحمام والعصفور والعقعق٤ ونحوها، وخرؤها طاهر عندنا، وعند الشافعي نجس ... وما لا يؤكل لحمه كالصقر والبازي والحدأه وأشباه ذلك، خرؤها طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد نجس نجاسة غليظة ... وخرء الفأرة نجس لاستحالته إلى خبث ونتن رائحته، واختلفوا في
стр. 151
الثوب الذي أصابه بولها ... وبول الخفافيش١ وخرؤها ليس بنجس لتعذر صيانة الثياب والأواني عنه، لأنها تبول في الهواء وهي فأرة طيارة فلهذا تبول ... "٢.
فالمستفاد من نصوص الحنفية: قولهم بأن جميع ما يخرج من أبدان سائر الحيوانات من النجاسات، سواء كان ذلك من الأرواث أو من الأبوال، على خلاف وتفصيل فرعي داخل المذهب في كل:
أ – الأرواث: الاتفاق في المذهب الحنفي على أن الأرواث كلها نجسة حتى ولو كانت البهائم مأكولة اللحم، ولم يخالف في هذا سوى زفر من أصحاب أبي حنيفة حيث فرق بين روث ما يؤكل لحمه وبين روث ما لا يؤكل لحمه، فقال بطهارة روث ما يؤكل لحمه كخرء بعض الطيور من الدجاج والبط ونحو ذلك.
ب – الأبوال: فقد حصل الاتفاق في المذهب الحنفي على أن بول ما لا يؤكل لحمه نجس، غير أنهم اختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنه نجس. وقال محمد: إنه طاهر، لا ينجس الماء القليل إن وقع فيه، ويجوز التوضؤ منه إلا إذا غلب على الماء فيمتنع الوضوء منه لهذا الغالب على الماء وهو بول ما يؤكل لحمه.
ج – بالنسبة لخرء ما يزرق في الهواء: قال صاحب البدائع: إن الطيور نوعان:
نوع يزرق في الهواء: وهذا على حالين؛ لأنه قد يكون مما يؤكل لحمه، وقد لا يكون كذلك، فإن كانت مما يؤكل لحمه فخرؤها طاهر على مذهب الحنفية بلا خلاف، وذلك كالحمام والعصفور ونحوهما، وإن كان مما لا يؤكل لحمه كالصقر والبازي ونحوهما ففي خرؤها خلاف في المذهب، فعند الإمام وأبي يوسف طاهر، وعند محمد نجس وأن نجاسته غليظة.
стр. 152
أما ما لا يزرق في الهواء: فالاتفاق حاصل في المذهب على أنه خرءه نجس وذلك كالدجاج والبط.
أما في الأوز: فعن الإمام أبي حنيفة روايتان: نقل الأولى عنه أبو يوسف وقال فيها أنه ليس بنجس ومراده الخرؤ والثانية نقلها عنه الحسن فأورد أنه نجس.
وقال الحنفية: إن خرء الفأرة نجس، أما بالنسبة لبول الخفافيش وخرئها فليس بنجس.
مذهب المالكية: القول بأن أرواث البهائم من بول وعذرة ونحو ذلك نجسة إلاّ إذا كانت من مأكول اللحم ولم يتغذ بنجس فتكون طاهرة.
واختلفوا بالنسبة لفضلة ما تولد من مباح وغيره، واختلفوا في أثر وقوع روث البهائم في الماء أثناء شربها، وقدر العفو عن ذلك، فقالوا: إنه إذا وقع روث أو بول ماشية في ماء أثناء شربها منه فإن الماء لا يتنجس للضرورة التي تجعل هذا من الأمور المعفو عنها، سواء كانت الماشية نعماً أو غيرها، ومن المالكية من يرى نجاسة الماء إذا وقع فيه الروث، وإلى هذا ذهب ابن عرفة.
فقد جاء في مواهب الجليل: "وينجس كثير طعام مائع بنجس، قال ابن عرفة المشهور أن الطعام المائع ينجس بحلول يسير نجاسة"١
وجاء في جواهر الإكليل: "إن الماء لا يتنجس بوقوع روث وبول ماشية ألقته فيه حال شربها منه، سواء كانت الماشية نعماً أو غيرها"٢.
وورد في الشرح الكبير: " ... والطاهر بول وعذرة يعني روثاً من مباح أكله إلا المتغذي منه بنجس أكلاً أو شرباً تحقيقاً أو ظناً كشك، وكان شأنه ذلك كدجاج وفأر، لا إن لم يكن شأنه ذلك كحمام، وخرج بالمباح المحرم والمكروه وفضلتهما نجسة"٣.
стр. 153
وفي حاشية الدسوقي: "قوله وبول وعذرة من مباح هذا وإن كان طاهراً لكنه يستحب غسل الثوب ونحوه عند مالك إما لاستقذاره أو مراعاة للخلاف، لأن الشافعية يقولون بنجاستها، وأما ما تولد من مباح وغيره من محرم أو مكروه كالمتولد من الغنم والسباع أو من البقر والحمير فهل تكون فضلته طاهرة أو نجسة، والظاهر أنه يلحق بالأم لقولهم كل ذات رحم فولدها بمنْزلتها ... قوله يعني روثاً أي لأن العذرة إنما تقال لفضلة الآدمي، وأما فضلة غيره فإنما يقال لها روث. قوله إلا المتغذى بنجس أي فبوله وروثه نجسان مدة ظن بقاء النجاسة في جوفه"١.
وجاء في شرح منح الجليل: "إن روث وبول الماشية التي ألقته فيه حال شربها فليس منه مغيرة تغييراً كثيراً أو يسيراً، هذا الماء طهور إذ الروث عندهم غير طاهر فالتشبيه ليس تاماً، هذا هو المعروف من روايتي اللخمي، والرواية الأخرى تقييد الضرر بالكثير والعفو عن اليسير، وحمل عليها بعض الشارحين٢ كلام المصنف فجعل التشبيه تاماً وسواء كانت الماشية نعماً أو غيرها، وفي المجموعة طهورية الغدير المتغير بروث النعم مطلقاً، ويستحسن تركه مع وجود غيره"٣.
فيستفاد من نصوص المالكية: أن بول وعذرة المأكول اللحم طاهرة، إلاّ إذا كان متغذياً بنجس فإنها تنجس لهذا أو لمراعاة الخلاف فيها، وقال مالك باستحباب غسل الثوب منه لاستقذاره أو مراعاة للخلاف فيه، ونصوا على أن فضلة محرم الأكل أو مكروهه نجسة.
واختلفوا بالنسبة لفضلة ما تولد من مباح وغيره من محرم أو مكروه كالمتولد من الغنم والسباع أو المتولد من البقر والحمير، والظاهر: القول بأنه يلحق بالأم، أي إنه إذا كانت أمه مأكولة اللحم كانت فضلته طاهرة، وإلاّ كانت نجسة.
стр. 154
وقال المالكية: إن روث وبول الماشية الذي يقع منها في الماء أثناء شربها ولم يغير هذا الماء تغييراً قليلاً أو كثيراً لا يؤثر في الماء، ويظل ذلك الماء طهوراً، وهذه هي الرواية الأولى عند اللخمي المالكي، والرواية الثانية تقصر هذا الحكم على ما لو كان الروث أو البول الملاقي للماء أثناء شرب الماشية يسيراً حيث يكون هذا معفواً عنه دون الكثير من ذلك.
مذهب الشافعية: أن روث الماشية نجس، وأن الماء يتنجس بوقوعه فيه.
فقد جاء في المهذب: " ... وروث وبول ... أن هذه الأشياء نجسة، ومنها روث الماشية عندهم نجس، ويتنجس الماء بوقوعه فيه ... "١.
وفي حاشية قليوبي: "قوله: وروث ولو من مأكول اللحم خلافاً لمالك فهو أعم من تعبير أصله بالعذرة لأنها فضلة الآدمي خاصة ومثله البول"٢.
وفي مغني المحتاج: " ... وروث ولو من سمك وجراد ... " ٣ يعني نجس.
فنصوص مذهب الشافعية: تفيد أن روث البهائم وما في حكمه كالبول نجس، وأن الماء يتنجس بوقوع هذه الأرواث فيه، فروث الحيوانات نجسة حتى ولو كان ذلك من سمك أو جراد أو من مأكول اللحم.
مذهب الحنابلة: القول بنجاسة أرواث البغال والحمير وسباع البهائم والطير والجوارح خاصة لو كانت من غير مأكول اللحم أو من إنسان غير الأنبياء، أما سائر الأنبياء فما يخرج عنهم فهو طاهر والنجس منا طاهر منهم.
فقد جاء في كشاف القناع: "وأبوالها وأرواثها" أي أن البغال والحمير وسباع البهائم والطير الجوارح نجسة ... والبول والغائط من آدمي وما لا يؤكل نجسة، من غيره ﷺ ومن غير سائر الأنبياء فالنجس منا طاهر منهم"٤.
стр. 155
فنص مذهب الحنابلة يفيد: على أن أرواث البهائم كلها نجسة وأن المائع يتنجس بوقوعها فيه كالماء ونحوه.
وأن هذا الحكم يشمل ما كان من مأكول اللحم ومن غيره، وأنه يسري على ما خرج من الإنسان بخلاف ما يخرج من الأنبياء فإنه على طهارته.
الموازنة: بمراجعة ما قاله الفقهاء بالنسبة لحكم الأرواث والأبوال من حيث الطهارة من عدمها نجد آراءهم تتبلور فيما يأتي:
المذهب الأول: يرى أن أرواث البهائم نجسة حتى ولو كانت من مأكول اللحم، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة.
المذهب الثاني: يرى أن بول وعذرة مأكول اللحم – أي مباح أكله - طاهر، وذلك بشرط ألا يكون قد تغذى بنجس، فإن كان قد تغذى بنجس فإن بوله وعذرته تكون نجسة تبعاً لذلك النجس الذي تغذى به، وإلى هذا ذهب المالكية، وهم في هذه الجزئية يتفقون مع الجمهور.
وقد أضاف المالكية أحكاماً أخرى في هذا الشأن فقالوا: إن روث البهائم الذي يقع منها أثناء شربها في الماء لا يؤثر في ذلك الماء، فيجوز الوضوء منه، فهو طهور إلا إذا غلب الروث على الماء؛ وفرق اللخمي منهم فقال: المعفو عنه والذي لا يؤثر في كون الماء طهوراً إنما هو القليل دون الكثير، أما الكثير فيؤثر في كون الماء طهوراً، وعليه لا يجوز الوضوء منه.
المذهب الثالث: فهو لزفر من الحنفية، وهو يفرق في الحكم بين روث ما يؤكل لحمه، وروث ما لا يؤكل لحمه فقال: روث ما يؤكل لحمه طاهر، وروث ما لا يؤكل لحمه نجس.
وعلى هذا فهو يتفق مع الجمهور بالنسبة لحكم روث ما لا يؤكل لحمه، في حين أنه يتفق مع المالكية بالنسبة لحكم ما يؤكل لحمه.
الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول: بما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله
стр. 156
عنه: "أن النبي ﷺ طلب منه أحجاراً للاستنجاء، فأتى بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى الروثة وقال: إنها ركس" ١ أي نجس، لأن الركس هو النجس حيث إنه خارج من الدبر وقد أحالته الطبيعة فكان نجساً كالغائط، والحديث يدل على نجاسة الروثة، إذ لو كانت طاهرة لاستجمر بها النبي ﷺ .
أما أصحاب المذهب الثاني: فلم ترد لهم أدلة صريحة في كتب الفقه المختلفة ولعل مستندهم في هذا هو طهارة أصل الحيوان المأكول اللحم فكان روثه كذلك طاهراً.
وقد استند زفر في قوله بنجاسة روث ما لا يؤكل لحمه على نفس مستند الجمهور القائلين بالنجاسة مطلقاً، في حين أنه فيما يتعلق بالشق الآخر من رأيه -وهو قوله بطهارة روث ما يؤكل لحمه- فإن مستنده في هذا هو اعتبار أصل الحيوان المأكول اللحم من حيث طهارته.
والذي يترجح لدي في هذا الخلاف: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من القول بنجاسة أرواث البهائم وما في حكمها، وذلك لقوة ما استدلوا به. والله تعالى أعلم.
стр. 157
المطلب الثاني: حكم بيع رجيع الحيوانات
سبق أن علمنا نجاسة العذرة، وهي الغائط الذي يلقيه الإنسان المعروف برجيع بني آدم١، وأن السرقين -أو يقال له السرجين- وهي رجيع غير الإنسان من الحيوان٢ وغيره المعروف بالزبل نجس هو الآخر٣.
فالزبل لغة: السرقين، وهما فضلة الحيوان الخارجة من الدبر، والمزبلة مكان طرح الزبل وموضعه، والجمع مزابل٤.
стр. 158
والسرقين: أصلها "سركين" بالكاف فعربت إلى الجيم والقاف، فيقال سرجين وسرقين، والروث والسرقين لفظان مترادفان١.
فالسرجين والسرقين والروث ألفاظ مترادفة، وأصل الكلمة سركين، وأنها عربت إلى الجيم والقاف، وقال علماء اللغة: إن الزبل هو السرقين، وهو فضلة الحيوان الخارجة من الدبر، وقالوا: إن السرقين هو رجيع غير الإنسان.
وقد اختلف الفقهاء بشأن حكم بيع العذرة والسرجين "الزبل"، فمنهم من قال بجواز ذلك، ومنهم من منعه، ومنهم من فرق في الحكم بين الشيئين، وذلك بناء على مدى الانتفاع بهما من عدمه، أو على أساس المالية وعدمها عند البعض، أو على أساس النجاسة عند البعض الآخر.
مذهب الحنفية: القول بصحة بيع السرقين والسرجين والبعر، ولو خالصتين، لجواز الانتفاع بهما، أما العذرة فلا يجوز بيعها خالصة لعدم جواز الانتفاع بها بأي وجه، فلا تكون مالاً، أما العذرة المخلوطة بالتراب فيصح بيعها إذا كان التراب غالبا، لجواز الانتفاع بها، أما إذا كانت العذرة غالبة فلا يصح بيعها ولا هبتها، وروي عن الإمام أبي حنيفة القول بأن كل شيء أفسده الحرام والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه، وما كان غالبا عليه الحرام لم يجز بيعه ولا هبته، وعلى هذا فمناط صحة البيع وعدمه هو المالية والانتفاع وليس الطهارة، وذلك لأن المقرر أن الحنفية لم تشترط طهارة المبيع مكتفين بإمكان الانتفاع به والمقرر على أساسها مالية ذلك المبيع.
فقد جاء في بدائع الصنائع: "ويجوز بيع السرقين والبعر، لأنه مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق، فكان مالاً، ولا ينعقد بيع العذرة الخالصة، لأنه لا يباح الانتفاع بها بحال، فلا تكون مالاً، إلا إذا كان مخلوطاً بالتراب، والتراب غالب فيجوز بيعه، لأنه يجوز الانتفاع به، وروي عن أبي حنفية ﵁ أنه قال: كل شيء أفسده الحرام، والغالب عليه الحلال، فلا بأس ببيعه، ونبين ذلك، وما كان الغالب عليه الحرام، لم يجز
стр. 159
بيعه ولا هبتة ... "١.
فقد أطلق الحنفية جواز بيع السرجين والبعر لحل الانتفاع بها شرعاً، وهذا بخلاف العذرة لأنه لا ينتفع بها إلا مخلوطة، حيث إن العادة جرت على الانتفاع بها بعد خلطها بالتراب أو الرماد بحيث يكون ذلك المضاف إليها غالباً عليها.
وهكذا نجد أن الحنفية لم ينظروا إلى النجاسة حين يقولون بعدم انعقاد البيع أو فساده أو عدم جوازه، لأنهم لم يشترطوا طهارة المبيع، وعليه يبنون حكمهم بعدم الانعقاد وما يترتب عليه من الفساد وعدم الجواز على ما اشترطوه في المبيع بالنسبة لعقد البيع وهو المالية، وإمكان الانتفاع بالمبيع.
وفي رد المختار على الدر المختار: "السرجين والسرقين ... والمراد أنه يجوز بيعهما ولو خالصين ... ويجوز بيع السرقين والبعر والانتفاع به ... ولم ينعقد بيع العذرة خالصة بخلاف بيع السرقين والمخلوطة بتراب"٢.
فالحنفية على أن العذرة الخالصة لا ينعقد بيعها، أما المخلوطة بتراب فيجوز بيعها، وأما السرجين والسرقين والبعر فيجوز بيعهما ولو خالصين كما يجوز الانتفاع بهما.
أي إن الحنفية يرون صحة بيع السرجين والبعر ولو خالصتين، وانه بالنسبة للعذرة فلا يجوز بيعها خالصة، ويجوز بيع المخلوطة بالتراب أو الرماد إذا كان التراب أو الرماد غالباً، فأساس مذهب الحنفية هو إمكان الانتفاع والمالية المعتبرة في عقد البيع ركنا لديهم دون اعتبار للنجاسة أو الطهارة، لأنهم لم يشترطوا طهارة المبيع طالما كانت المالية متحققة ووجه الانتفاع قائماً.
مذهب المالكية: أن الأعيان النجسة لا يصح بيعها، وإن كان الخلاف حاصل بين فقهاء المذهب بالنسبة لبعض الصور، وقد فصل المالكية القول بشأن بيع العذرة
стр. 160
والزبل وذلك على النحو الآتي:
بالنسبة للعذرة: فقد ذكروا في حكم بيعها أربعة أقوال: أحدها: القول بمنع البيع. والثاني: بكراهيته. والثالث: القول بجواز بيع العذرة. أما القول الرابع: فقد فرق بين حالة الاختيار فقال بمنع البيع، وبين حالة الاضطرار حيث قال بجواز البيع.
فقد جاء في الشرح الكبير: " ... وقد حصل في بيع العذرة أربعة أقوال: المنع، ... والكراهية على ظاهرها، ... والجواز، ... والفرق بين الضرورة لها فيجوز، وعدمها فيمنع ... "١.
أما بالنسبة للزبل: فقد اختلفت النقول عنهم، فذكر أنه يجوز، وقيل لا يجوز بناء على نجاسته، وروى عن أشهب القول بجواز البيع عند الضرورة فقط، وظاهر المدونة الكراهة إذا لم تكن هناك ضرورة.
فقد جاء في بلغة السالك لأقرب المسالك في شرحه لقول صاحب الشرح الصغير: "فلا يباع كزبل" "وحاصل ما فيه أنه ذكر ابن عرفة فيه ثلاثة أقوال: المنع مطلقاً، والجواز مطلقاً، وقال أشهب بجوازه عند الضرورة، وظاهر المدونة الكراهة إن لم تكن ضرورة"٢.
وعلى هذا فأصل مذهب المالكية على عدم صحة بيع الأعيان النجسة، إلاّ أن هناك اختلافاً في تطبيق هذا الأصل على الأفراد، فالنجاسة التي لا تدعو الضرورة لاستعمالها ولا تعم بها البلوى حرم بيعها كالخمر والميتة، أما النجاسة التي تدعو الضرورة إلى استعمالها فقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال.
أما الصور المختلف فيها فهي: كل ما فيه منفعة مقصودة، فاختلف فيه لمراعاة تلك المنفعة، لأن سبب منع بيع النجس هو عدم وجود المنفعة أصلاً، أو إلغاء هذه المنفعة بواسطة الشارع وعدم الاعتداد بها منه لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً،
стр. 161
والزبل يدخل في هذه الصورة؛ وأخرى فيها منفعة ولكن نجاستها ذاتية مثل العذرة والمنع هو أصل المذهب في بيع النجاسات، أما القول بالجواز فلمراعاة الضرورة، أما القول بالكراهة فللتعارض الذي بين الأمرين "المنع وحالة الضرورة" ولأن أخذ ثمن النجس ليس من مكارم الأخلاق عند من يقول بالكراهة.
فقد جاء في مواهب الجليل: "واعلم أن المذهب على أن الأعيان النجسة لا يصح بيعها، إلا أن في بعضها خلافاً يتبين بذكر آحاد الصور، ... فبيع كل نجاسة لا تدعو الضرورة إلى استعمالها ولا تعم بها البلوى حرام كالخمر والميتة لحمها وشحمها ولحم الخنْزير، ... واختلف فيما تدعو الضرورة إلى استعماله على ثلاثة أقوال، ... والصور المختلف فيها هي كل ما فيه منفعة مقصودة، فلأجل مراعاة تلك المنفعة اختلف العلماء، إذ قد علم أنه إنما منع بيع النجس لأنه لا منفعة فيه أصلاً، أو ما فيه منفعة منع الشارع منها فصار وجودها كالعدم لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، فمن تلك الصور الزبل ... صور أخر نجاستها ذاتية وفيها منفعة منها العذرة، ... واعلم أن القول بالمنع هو الجاري على أصل المذهب في المنع من بيع النجاسات، والقول بالجواز لمراعاة الضرورة، ومن قال بالكراهة تعارض عنده الأمران ورأى أن أخذ الثمن عن ذلك ليس من مكارم الأخلاق، والقول الآخر لأجل أن العلة في الجواز إنما هي الاضطرار فلا بد من تحققها"١.
فالمستفاد من نصوص مذهب المالكية: أنهم مختلفون بالنسبة لبيع العذرة والزبل.
فبالنسبة للعذرة: فعندهم أقوال في المذهب: قول بمنع بيعها، وقول بكراهية البيع، وقول بالجواز، وقول بجواز البيع للضرورة دون غيرها.
أما بالنسبة للزبل: فعندهم قول بالجواز، وآخر بمنع بيع الزبل، وقال أشهب بجواز البيع عند الضرورة، وفي المدونة كراهية البيع عند عدم الضرورة.
مذهب الشافعية: ذهب الشافعية إلى منع بيع العذرة والسرجين، لنجاستهما قياساً على
стр. 162
الخمر والميتة والخنْزير على أساس أن هذه من الأعيان النجسة أي تخريجاً على ما نص عليه الشارع من النجاسات، وحرم بيعها، وذلك لأن جواز البيع عند الشافعية مترتب على طهارة عين المبيع.
فقد جاء في مغني المحتاج: "وللمبيع شروط: طهارة عينه، فلا يصح بيع الكلب، والخمر، والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره، والخل، واللبن، وكذا الدهن في الأصح"١.
وفي فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب: "وشرط في المعقود عليه مثمناً أو ثمناً خمسة أمور: أحدها: طهر له، أو إمكان لطهره بغسل، فلا يصح بيع نجس ككلب وخمر وغيرهما مما هو نجس العين وإن أمكن طهره بالاستحالة، ... والمعنى في المذكورات نجاسة عينها فألحق بها باقي نجس العين"٢.
وجاء في المهذب: "الأعيان ضربان: نجس وطاهر، فأما النجس فعلى ضربين: نجس في نفسه ونجس بملاقاة النجاسة، فأما النجس في نفسه فلا يجوز بيعه وذلك مثل الكلب والخنْزير والخمر والسرجين وما أشبه ذلك من النجاسات"٣.
فالمستفاد من نصوص مذهب الشافعية: أن الأعيان إما نجسة أو طاهرة، والنجسة إما نجسة لذاتها أو بسبب ملاقاتها للنجاسة، ويدخل السرجين – عندهم – في الأعيان النجسة لذاتها، وعليه فهم يحرمون بيعه وأخذ ثمنه قياساً على الخمر والميتة والدم.
مذهب الحنابلة: قالوا بعدم جواز بيع العذرة والسرجين، وذلك لنجاستهما كالميتة ونحوها مما ورد به النص من حيث النجاسة ومنع البيع، وهذا هو أصل مذهب الحنابلة وهو المشهور في المذهب، وإن كان الظاهر عندهم جواز بيع سرجين ما يؤكل لحمه لطهارته كروث الإبل والبقر والحمام.
فقد جاء في المبدع: " ... الظاهر أنه يجوز بيع الطاهر منها كروث الإبل والبقر
стр. 163
والحمام وكل ما يؤكل، ولكن المشهور في المذهب عدم جواز بيع السرجين مطلقاً"١.
وفي الكافي: "ولا يجوز بيع الدم ولا السرجين النجس، لأنه مجمع على تحريمه ونجاسته فأشبه الميتة"٢.
وعليه لا يجوز بيع السرجين النجس على أصل مذهبهم، لاشتراطهم لصحة البيع طهارة العين المعقود عليها أو على منفعتها وكونها مباحة النفع من غير حاجة.
وجاء في الروض المربع: "ويشترط للبيع سبعة شروط ... وعدّ منها: الشرط الثالث: أن تكون العين المعقود عليها، أو على منفعتها مباحة النفع من غير حاجة ... ثم أخذ يعدد وجه تطبيق هذا الشرط ثم قال ... والميتة لا يصح بيعها ... ولا السرجين النجس لأنه كالميتة"٣.
وجاء في المغني والشرح الكبير: " ... لنا أنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة ... ولأنه رجيع نجس فلم يجز بيعه كرجيع الآدمي"٤.
فالمشهور عند الحنابلة عدم بيع السرجين لانعقاد الإجماع على نجاسته، وإن كان في المذهب قول بإباحة بيع سرجين ما يؤكل لحمه كروث الإبل والبقر والغنم والحمام ونحو ذلك.
الموازنة: اختلفت الأقوال وتباينت النقول عن المذاهب المختلفة بالنسبة لحكم بيع رجيع الحيوانات العذرة والسرقين والسرجين والزبل، وهذا يستتبع إيراد تفاصيل هذه الأقوال في كل مذهب على حدة من خلال مطالعة نصوصهم.
مذهب الحنفية: تعددت أقوال الحنفية في هذا الشأن على نحو ما يأتي:
стр. 164
١– صحة بيع السرقين أوالسرجين والبعر، ولو خالصتين، وذلك لإمكان الانتفاع بهذه الأشياء.
٢ – عدم جواز بيع العذرة الخالصة، وكذا المخلوطة إذا كانت العذرة غالبة، أما إذا كان التراب المخلوط بالعذرة هو الغالب فلا مانع من بيعها.
مذهب المالكية: بالنسبة للعذرة: هناك رأي يمنع بيعها، وقول ثان أن بيعها مكروه، ورأي ثالث بجواز بيعها، وقول رابع بجواز بيعها في حالة الاضطرار وعدم جواز ذلك في حالة الاختيار.
وبالنسبة للزبل: ففيه أقوال أربعة هو الآخر: رأي بالجواز، وآخر: بعدم جواز بيعه، وثالث: لأشهب بجواز بيعه عند الضرورة، ورابع في المدونة: بكراهة بيعه عند عدم الضرورة.
مذهب الشافعية: منع بيع العذرة والسرجين، بناء على نجاسة هذه الأشياء، وتأسياً على قولهم باشتراط طهارة المبيع.
مذهب الحنابلة: أصل مذهبهم على منع بيع العذرة والسرجين للنجاسة، وهذا هو المشهور عندهم، وهناك رواية في المذهب بجواز بيع سرجين ما يؤكل لحمه بخلاف ما لا يؤكل حيث إنه لا يصح بيعه تمشيا مع أصل المذهب.
وعلى هذا فخلاصة الأقوال ما يأتي:
أولاً: بالنسبة للسرقين: فيه مذهبان:
الأول: أنه يصح بيع السرقين والسرجين والبعر ولو خالصتين، وهذا هو ما ذهب إليه الحنفية، وفي رواية عن المالكية، ورواية عند الحنابلة في سرجين ما يؤكل لحمه.
أما الثاني: فيمنع بيع السرجين والسرقين، وهذا ما ذهب إليه الشافعية، وهو رواية عند المالكية وفي قول للحنابلة.
ثانياً بالنسبة للعذرة: ففيها المذاهب الآتية:
стр. 165
الأول: عدم جواز بيع العذرة، وهو رواية عند المالكية ومذهب الشافعية وفي القول المشهور عند الحنابلة، ورواية عندهم: سرجين ما لا يؤكل لحمه، وهو قول الحنفية في العذرة الخالصة غير المخلوطة، والمخلوطة إذا كانت العذرة غالبة.
الثاني: كراهية بيع العذرة في قول عند المالكية.
الثالث: جواز بيع العذرة في رواية عند المالكية، وجواز بيع العذرة المخلوطة إذا كان ما خالطها من تراب أو رماد غالباً في قول عند الحنفية.
الرابع: التفرقة بين حالة الاختيار والاضطرار، فيمنع البيع في حالة الاختيار ويجوز في حالة الاضطرار.
والذي يترجح لدي في هذا الخلاف:
أولاً بالنسبة للعذرة: فالذي يترجح بشأنها عدم جواز بيعها بناء على نجاسة عينها، وأنه لا توجد ضرورة للانتفاع بها عند عامة الناس، فالعادة لم تجر على الانتفاع بها حتى من قال بجواز بيع المخلوط منها بالتراب أو الرماد انتهى إلى أن التراب أو الرماد هو الغالب في الخليط، أو كان هذا يمنع أثر العذرة، فالحكم عنده لما غلب في ذلك الخليط. وبهذا ينتهي أيضاً – إلى منع بيع ما يطلق عليه اسم العذرة أو النجس مطلقاً.
ثانياً بالنسبة للسرقين: فالذي يترجح هو القول بجواز بيعها رغم نجاستها العينية للانتفاع بها فتحقق ماليتها على ما ذهب إليه الحنفية، أو إعمالاً لحالة الضرورة والحاجة التي تجيز الانتفاع بها في كثير من البلاد بهدف تحسين خصوبة الأرض وتكثير ريعها، فكان بيعها جائزاً لهذا السبب حتى عند من قال بنجاستها وانتهى في الأصل إلى عدم بيعها. والله تعالى أعلم.
стр. 166
المطلب الثالث: حكم التداوي بأبوال الحيوانات
المقرر أن الأصل في أبوال الأنعام من الإبل ونحوها هو المنع أي منع تناولها، وذلك لنجاسة هذه الأبوال، غير أنه إذا كان ذلك التناول بقصد التداوي فقد أجازه
стр. 167
الفقهاء خروجاً عن هذا الأصل، رغم نجاسته دفعاً لحالة الضرورة، وهي قصد الشفاء طالما أنه قد تحتم هذا التناول، وهذا ما عليه الفقهاء مع خلاف بينهم في التعبير، فمنهم من عبر عنه بأنه لا بأس بالتداوي، ومنهم من قال لا بأس بشرب أبوال الأنعام الثمانية، ومنهم من عبر بجواز تناول أبوال الحيوانات بغرض التداوي، وهذا ما قالوه:
مذهب الحنفية: القول بأنه لا بأس بالتداوي بأبوال الحيوانات وغيرها من سائر الأبوال، وقال بهذا أبو يوسف.
فقد جاء في الفتاوى الهندية: " ... لا بأس بأبوال الإبل ولحم الفرس للتداوي"١. وجاء في الدر المختار شرح تنوير الأبصار: " ... [كره لحم الأتان] ... وبول الإبل، وأجازه أبو يوسف للتداوي"٢.
وهناك رأي آخر للحنفية: وهو حرمة التداوي بأبوال الإبل وغيرها من سائر الأبوال.
فقد جاء في شرح فتح القدير: " ... لا يحل شربه للتداوي ولا لغيره، لأنه لا يتقين بالشفاء فيه ... "٣.
فالخلاف حاصل بين فقهاء المذهب الحنفي بشأن التداوي بأبوال الحيوانات، فذهب أبو يوسف إلى جواز ذلك التداوي رفعاً لضرورة العلاج به، وهناك رأي مخالف في المذهب بعدم جواز التداوي بأبوال الإبل ونحوها.
مذهب المالكية: يرى بأنه يحل شرب أبوال الحيوانات بغرض التداوي
فقد جاء في المنتقى شرح موطأ مالك: " ... ولا بأس بشرب أبوال الأنعام الثمانية التي ذكرها الله سبحانه٤؛ قيل له: أكل ما يؤكل لحمه؟ قال: لم أقل إلا أبوال
стр. 168
الأنعام الثمانية، بل ولا خير في أبوال الآدمي ... " ١.
فالمالكية: على جواز التداوي بأبوال الإبل ونحوها مما ورد في سورة الأنعام من الضأن اثنان ومن المعز اثنان ومن الأبل اثنان ومن البقر اثنان فكان المجموع ثمانية غير أنهم التزموا بحدود الأنعام الثمانية المنصوص عليها في سورة الأنعام ومنها الإبل، فقد قال تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ... ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وقال: ﴿وَمِنَ الْأِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢.
مذهب الشافعية: يرى جواز تناول أبوال الحيوانات بغرض التداوي وفي حالة الضرورة دون ما سواها، أي عند عدم تيسر طاهر آخر لهذا التداوي.
فقد جاء في المجموع: " ... وإنما يجوز التداوي في النجاسة إذا لم يجد طاهراً يقوم مقامها، فإن وجده حرمت النجاسات بلا خلاف، وعليه يحمل حديث: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" ٣ فهو حرام عند وجود غيره، وليس حراماً إذا لم يجد غيره،.. وإنما يجوز ذلك إذا كان المتداوي عارفاً بالطب، يعرف أنه لا يقوم غير هذا مقامه، أو أخبره بذلك طبيب مسلم عدل ويكفي طبيب واحد ... "٤.
مذهب الحنابلة: يرى جواز شرب أبوال الحيوانات بغرض التداوي
فقد جاء في الإنصاف: فائدة: "لو وجد بولاً.. والحالة هذه.. قدم على الخمر
стр. 169
لوجوب الحد بشربه دون البول فهو أخف تحريماً ... " ١.
مراده حالة الضرورة وعدم إمكان طاهر أخر لهذا التداوي.
وجاء في مجموع الفتاوى: " ... ولست أعلم مخالفاً في جواز التداوي بأبوال الإبل ... "٢.
فمذهب الحنابلة: كغيرهم على جواز التداوي بأبوال الإبل في حالة الضرورة، وذلك عند عدم وجود غيره لهذا التداوي.
بالموازنة بين أقوال الفقهاء: نجد أنهم أجازوا التداوي بأبوال الحيوانات بشرط أن لا يجد غيرها من المباح وأن يخبره طبيب ثقة بأن شفاءه فيها بإذن الله.
واستدلوا على ذلك بما روى أنس قال: "قدم ناس من عكل٣ أو عرينة٤ فاجتووا٥ المدينة فأمرهم النبي ﷺ بلقاح٦ وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمرت٧ أعينهم والقوا في الحرة٨يستسقون فلا
стр. 170
يستقون"١، قال أبو قلابة٢ فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله"٣.
ووجه الاستدلال منه أنه ﷺ أباح لهم التداوي بأبوال الإبل وهي نجسة، وهذا دليل على جواز التداوي بها".
واستدل القائلون بجواز التدواي في حالة الضرورة بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ٤ فهذه الآية دلت على جواز التداوي بالنجس عند الضرورة.
والذي يترجح لدي: هو القول بحل التداوي بأبوال الحيوانات، إذا لم يوجد طاهر يقوم مقامها في التداوي به، ووصفها للمريض طبيب مسلم عدل ثقة حاذق بمهنة الطب. والله تعالى أعلم.
стр. 171
الفصل الرابع: بيع الكلب والخنزير
وفيه مبحثان
المبحث الأول: حكم الكلب وحكم بيعه
المبحث الثاني: حكم الخنزير وحكم بيعه وحكم بيع أجزائه
стр. 172
المبحث الأول: حكم الكلب وحكم بيعه
جمع العلامة ابن قيم الجوزية في زاد المعاد - ما حرم في ثلاثة أجناس حيث قال: "مشارب تفسد العقول، ومطاعم تفسد الطباع، وتغذي غذاءً خبيثاً، وأعيان تفسد الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك، فصان بالتحريم النوع الأول العقول عما يزيلها ويفسدها، وبالثاني القلوب عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها والغاذي شبيه بالمغتذي، وبالثالث الأديان عما وضع لإفسادها، فتضمن هذا التحريم صيانة العقول والقلوب والأديان١.
وفي المباحث الآتية نلقي الضوء على ما قاله العلماء بشأن نجاسة الكلب، وحكم بيعه، ثم نتبع ذلك بالحديث عما قاله العلماء بشأن نجاسة الخنْزير، وحكم بيعه وبيع شعره.
المطلب الأول: حكم الكلب
مذهب الحنفية: اختلف فقهاء الحنفية بشأن حكم الكلب، من حيث نجاسته أو عدمها، فمنهم من قال بنجاسته، وأنه في هذا مثل الخنْزير، وأن نجاسته مغلظة، ومنهم من قال بأنه ليس بنجس، وأنه في هذا مثل سائر الحيوانات غير الخنْزير.
فقد جاء في الاختيار لتعليل المختار: " ... والثالث نجس ... الكلب وسباع البهائم ... "٢.
وورد في بدائع الصنائع: " ... وأما الكلب فالكلام فيه بناء على أنه نجس العين أم لا، وقد اختلف مشايخنا فيه فمن قال إنه نجس العين، فقد ألحقه بالخنازير، فكان حكمه حكم الخنْزير، ومن قال إنه ليس نجس العين، فقد جعله مثل سائر الحيوانات
стр. 173
سوى الخنْزير، وهذا هو الصحيح ... "١.
وجاء في البحر الرائق: " ... إن الصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس ... "٢.
ومثله في البناية شرح الهداية: " ... الصحيح من المذهب عندنا عين الكلب نجسة ... "٣.
وبهذا يتضح أن فقهاء الحنفية قد اختلفوا بشأن حكم الكلب، فمنهم من قال بنجاسته، باعتبار أنه يلحق بالخنْزير، وأنه يأخذ حكمه من حيث النجاسة، ومنهم من قال بعدم نجاسة عينه وألحقه بسائر الحيوانات غير الخنْزير طاهرة العين.
مذهب المالكية: القول بطهارة الكلب حيث أطلقوا القول بطهارة كل السباع، ولما كان الكلب سبعاً فقد قالوا بطهارته، وهذا هو المقرر في أصل المذهب المالكي، وإن كان البعض منهم قد خالف في هذا مثل ابن الماجشون٤ وسحنون وقالوا بنجاسة الكلب، وحمله الأكثر على نجاسة سؤر الكلب لا عينه، وذهب أبو عمر٥ إلى القول بنجاسة كل السباع ومنها الكلب والخنْزير.
فقد جاء في الكافي: " ... وتحصيل مذهبه أنه طاهر ... ومذهب مالك في
стр. 174
الكلب أنه طاهر"١.
وفي حاشية الدسوقي: " ... والطاهر الحي وأل فيه استغراقية أي كل حي بحرياً كان أو برياً ولو متولداً من عذرة أو كلباً وخنْزيرا ... "٢.
وورد في التاج والإكليل: "والحي ابن عرفة الحيوان طاهر، وقول سحنون وابن الماجشون الخنْزير والكلب نجسان حمله الأكثر على سؤرهما ورجح أبو عمر نجاسة غير الخنْزير"٣.
وجاء في المقدمات الممهدات: " ... أنه طاهر ... أن السباع محمولة على الطهارة لأن الكلب سبع من السباع ... "٤.
فمن خلال مطالعة نصوص المالكية يتقرر لدينا أنهم يقولون بطهارة الكلب وعدم نجاسته، لأن كل حي عندهم طاهر، حتى إنهم قالوا بطهارة الخنْزير، وكذا المتولد من عذرة، وهذا القول هو أصل مذهبهم، غير أنه قد روي عن سحنون وابن الماجشون أن الكلب والخنْزير نجسان، وإن كان معظم المالكية قد حمل هذا القول على نجاسة سؤرهما وليس نجاسة عينهما، وقد رجح أبو عمر من المالكية القول بنجاسة غير الخنْزير من السباع كالكلب وغيره.
مذهب الشافعية: قالوا بنجاسة الكلب. فقد جاء في المجموع: "وأما الكلب فهو نجس"٥. وجاء في مغني المحتاج: في باب النجاسة " ... هي كل مسكر مائع وكلب ... "٦.
فمذهب الشافعية: القول بنجاسة الكلب عيناً وأن الاتفاق حاصل في المذهب على هذا.
стр. 175
مذهب الحنابلة: قالوا بنجاسته.
فقد جاء في كشاف القناع: " ... والكلب والخنْزير نجسان"١.
وجاء في شرح منتهى الإرادات: "وما لا يؤكل من الطير والبهائم ... ، نجس ... والذئب والفهد والكلب ... " ٢.
وورد في المغني: "النجاسة تنقسم إلى قسمين: [أحدهما] "نجاسة الكلب والخنْزير المتولد منهما ... "٣.
فمذهب الحنابلة: أن الكلب نجس، وأنه في هذا مثل الخنْزير، وكذلك يتنجس عندهم ما تولد عنهما.
الموازنة: بالنظر فيما سبق عرضه من نصوص وآراء الفقهاء بالنسبة لحكم الكلب فيما يتعلق بطهارته أو عدمها يتضح لنا أن جملة الأقوال تتلخص في مذهبين هما:
المذهب الأول: يرى أن الكلب طاهر، وأنه يخالف الخنْزير في هذا الحكم، وإلى هذا ذهب المالكية في أصل مذهبهم، وهو رواية عن بعض الحنفية.
المذهب الثاني: يرى نجاسة الكلب، وأنه في هذا يشبه الخنْزير، وأن نجاسته مغلظة، وإلى هذا ذهب الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية ومن خالف من المالكية مثل سحنون وابن الماجشون وأبي عمر.
استدل القائلون بطهارة الكلب بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ٤ ووجه الدلالة من هذه الآية يتضح من:
أنه لم يأمر بغسل محل فم الكلب فدل ذلك على طهارته ٥، فضلاً أنه أباح تعليمها والانتفاع بها في الصيد وأكل ما صادته، ولأنه من جملة الجوارح وقد أبيح
стр. 176
الانتفاع به لغير ضرورة فكان طاهراً ١.
٢- واستدلوا بحديث ابن عمر وفيه "أن الكلاب كانت تقبل وتدبر في مسجد رسول الله ﷺ ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك"٢، وهذا دليل على طهارة الكلاب٣.
٣- بما روي أن عمر وعمرو بن العاص٤ وردوا حوضاً فقال عمرو بن العاص: "يا صاحب الحوض، أترد السباع ماءك هذا؟ فقال عمر: "يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع، ولا ترد علينا" ٥ ولم يفرق والكلاب من جملة السباع٦.
هذا: وقد ناقش القائلون بنجاسة الكلب هذه الأدلة بما يلي:
أولاً: بالنسبة للآية الكريمة فقد أجيب عن وجه الدلالة فيها بجوابين:
أحدهما: أن في وجوب غسل الصيد الذي تصيده الكلاب خلافاً عند الشافعية، وأما الحنابلة فيوجبون غسل موضع فم الكلب. فقد جاء في كشاف القناع: " ... ويجب غسل ما أصاب فم الكلب، لأنه موضع إصابته نجاسة فوجب غسله كغيره من
стр. 177
من الثياب والأواني"١.
وإذا كنا نقول بوجوب الغسل فلا طريق إلى إلزامنا بعدم الغسل، والحق أن هذا الجواب ضعيف، لأن المالكية لم يلزموهم بما في مذهبهم، وإنما احتجوا عليهم بعدم وجود الأمر بالغسل، وهو حق غير مأمور به فكيف يجاب عليهم بما في المذهب؟ إلا أن يقول الحنفية والشافعية والحنابلة أن الغسل مأمور به بدليل آخر وهو الأمر بغسل الآنية في أحاديث الولوغ فيعممون الأمر بالغسل على غير الآنية، وأنه على التسليم بعدم وجوب الغسل فإن ذلك معفو عنه.
أما الثاني: فهو القول بإباحة الأكل مما أكلت السباع، ومنها الكلاب عند الصيد المرتب عليه قولكم بعدم طهارة الكلب بناء على هذا فهو قول غير مسلم، وذلك لأنه مع التسليم بعدم وجوب الغسل فإنه لا يشفع في استدلالكم لأن هذا من الأمور المشمولة بالعفو عنها رفعاً للحرج عن العباد٢
ثانياً: أما حديث ابن عمر فقد أجيب عنه:
أولاً: أن هذا كان في بداية الإسلام، وقبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب.
ثانياً: أو أنهم ربما كانوا لا يغسلون ذلك، لأن البول كان مخفياً، سيما وأن المسجد لم يكن له باب حاجز من دخول الكلاب، كما يظهر من الحديث.
ثالثاً: أما الأثر المروي عن عمر وعمرو فيه دلالة على التنجيس، لأن السباع منها ما هو نجس كالكلب فالكلب داخل في لفظة السباع.
واستدل القائلون بنجاسة الكلب بما يلي:
أ-: ما رواه أبو هريرة٣ من أن الرسول ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم
стр. 178
فاغسلوه سبعاً وعفروه الثامنة بالتراب" وفي رواية لمسلم فليرقه وفي أخرى: طهور إناء أحدكم" ١.
ووجه الدلالة فيها من أربعة طرق:
١- أنه جاء في بعض الروايات: "طهور إناء أحدكم"، ولفظ الطهور لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا يتصور وجود الحدث على الإناء فلم يبق إلا النجاسة.
٢- ما ورد في رواية عند مسلم فليرقه، ولو كان الماء الذي ولغ فيه الكلب طاهراً لما أمر ﵊ بإراقته لما في ذلك من إضاعة المال.
٣- الأمر بغسل الإناء وذلك آية النجاسة، سيما وأن الأمر بالغسل قد ورد بهذه الصورة المغلظة.
٤- إذا كان هذا كله في فم الكلب وهو أطيب ما فيه، بل إن الفم أطيب موضع في الحيوان لكثرة ما يلهث، فبقية أجزائه من باب أولى.
ب- ما روي أن رسول الله ﷺ دعي إلى دار فلم يجب فقيل له في ذلك، فقال: "إن في دار فلان كلباً فقيل له: إن في دار فلان هرة، فقال ﷺ : "إنها ليست بنجسة" ٢ فمفهومه أن الكلب نجس٣.
وقد نوقشت هذه الأدلة:
بأن الأمر بالغسل ليس للنجاسة بل هو إما للتعبد يؤيد ذلك العدد المخصوص، وهو السبع، والنجاسات إنما تطهر بدون ذلك العدد، ويؤيده أيضاً ورود الأمر بتعفيره بالتراب، ولا مدخل له في غسل النجاسات، كما أن لفظة "طهور" لا تدل على أن المحل كان نجساً، فضلاً عن أن التغليظ في الطهارة يدل على التغليظ في
стр. 179
النجاسة بالمنع، إذ العذرة والبول أغلظ من لعاب الكلب وغسلها دون السبع١.
فقد ورد في إحكام الأحكام شرح عمده الأحكام: " ... وأما كونه لا يكون أغلظ من النجاسة العذرة فممنوع عند القائل بنجاسته نعم ليس بأقذر من العذرة ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة الاستقذار"٢.
والذي يترجح لدي في هذا الخلاف: هو القول بنجاسة الكلب، وأنه في هذا مثل الخنْزير، وأن نجاسته عينية، وذلك على نحو ما تقرر عند الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية وسحنون وابن الماجشون وأبي عمر من المالكية، وذلك لقوة ما استدلوا به مع سلامته عن المعارض في مقابل ضعف استدلال القائلين بالطهارة مع التسليم بصحته. والله تعالى أعلم.
стр. 180
المطلب الثاني: حكم بيع الكلب
اختلف الفقهاء بشأن حكم بيع الكلب فمنهم من أجاز ذلك نظراً إلى ماليته وإمكان الانتفاع به شرعاً، ومنهم من منع ذلك على خلاف في علة المنع، فمنهم من علل ذلك بعدم طهارته، ومنهم من علل المنع بالنهي الشرعي عن اقتنائه، وهذا ما قاله الفقهاء:
مذهب الحنفية: القول بجواز بيع الكلب، وقد قاسوا عليه كل ذي ناب من السباع، سوى الخنْزير، وذلك لأن الكلب عندهم مال، فكان محلاً للبيع، حيث إنهم يعتبرون مالية المبيع وإمكان الانتفاع به الركن المهم في البيع، ويقولون إن كل ما فيه منفعة مباحة جاز بيعه.
فقد جاء في الاختيار لتعليل المختار: "ويجوز بيع الكلب والفهد والسباع معلماً كان أو غير معلم، وأهل الذمة في البيع كالمسلمين، وعلق الشارح على هذا بقوله: ويجوز بيع الكلب والفهد والسباع معلماً كان أو غير معلم، لأنه حيوان منتفع به حراسة واصطياداً فيجوز، ولهذا ينتقل إلى ملك الموصى له والوارث بخلاف الحشرات