← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7571

البيوع المحرمة والمنهي عنها

عبد الناصر بن خضر ميلاد

Полный текст (506 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الانتفاع به لغير ضرورة فكان طاهراً ١. ٢- واستدلوا بحديث ابن عمر وفيه "أن الكلاب كانت تقبل وتدبر في مسجد رسول الله ﷺ ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك"٢، وهذا دليل على طهارة الكلاب٣. ٣- بما روي أن عمر وعمرو بن العاص٤ وردوا حوضاً فقال عمرو بن العاص: "يا صاحب الحوض، أترد السباع ماءك هذا؟ فقال عمر: "يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع، ولا ترد علينا" ٥ ولم يفرق والكلاب من جملة السباع٦. هذا: وقد ناقش القائلون بنجاسة الكلب هذه الأدلة بما يلي: أولاً: بالنسبة للآية الكريمة فقد أجيب عن وجه الدلالة فيها بجوابين: أحدهما: أن في وجوب غسل الصيد الذي تصيده الكلاب خلافاً عند الشافعية، وأما الحنابلة فيوجبون غسل موضع فم الكلب. فقد جاء في كشاف القناع: " ... ويجب غسل ما أصاب فم الكلب، لأنه موضع إصابته نجاسة فوجب غسله كغيره من

стр. 177

من الثياب والأواني"١. وإذا كنا نقول بوجوب الغسل فلا طريق إلى إلزامنا بعدم الغسل، والحق أن هذا الجواب ضعيف، لأن المالكية لم يلزموهم بما في مذهبهم، وإنما احتجوا عليهم بعدم وجود الأمر بالغسل، وهو حق غير مأمور به فكيف يجاب عليهم بما في المذهب؟ إلا أن يقول الحنفية والشافعية والحنابلة أن الغسل مأمور به بدليل آخر وهو الأمر بغسل الآنية في أحاديث الولوغ فيعممون الأمر بالغسل على غير الآنية، وأنه على التسليم بعدم وجوب الغسل فإن ذلك معفو عنه. أما الثاني: فهو القول بإباحة الأكل مما أكلت السباع، ومنها الكلاب عند الصيد المرتب عليه قولكم بعدم طهارة الكلب بناء على هذا فهو قول غير مسلم، وذلك لأنه مع التسليم بعدم وجوب الغسل فإنه لا يشفع في استدلالكم لأن هذا من الأمور المشمولة بالعفو عنها رفعاً للحرج عن العباد٢ ثانياً: أما حديث ابن عمر فقد أجيب عنه: أولاً: أن هذا كان في بداية الإسلام، وقبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب. ثانياً: أو أنهم ربما كانوا لا يغسلون ذلك، لأن البول كان مخفياً، سيما وأن المسجد لم يكن له باب حاجز من دخول الكلاب، كما يظهر من الحديث. ثالثاً: أما الأثر المروي عن عمر وعمرو فيه دلالة على التنجيس، لأن السباع منها ما هو نجس كالكلب فالكلب داخل في لفظة السباع. واستدل القائلون بنجاسة الكلب بما يلي: أ-: ما رواه أبو هريرة٣ من أن الرسول ﷺ قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم

стр. 178

فاغسلوه سبعاً وعفروه الثامنة بالتراب" وفي رواية لمسلم فليرقه وفي أخرى: طهور إناء أحدكم" ١. ووجه الدلالة فيها من أربعة طرق: ١- أنه جاء في بعض الروايات: "طهور إناء أحدكم"، ولفظ الطهور لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا يتصور وجود الحدث على الإناء فلم يبق إلا النجاسة. ٢- ما ورد في رواية عند مسلم فليرقه، ولو كان الماء الذي ولغ فيه الكلب طاهراً لما أمر ﵊ بإراقته لما في ذلك من إضاعة المال. ٣- الأمر بغسل الإناء وذلك آية النجاسة، سيما وأن الأمر بالغسل قد ورد بهذه الصورة المغلظة. ٤- إذا كان هذا كله في فم الكلب وهو أطيب ما فيه، بل إن الفم أطيب موضع في الحيوان لكثرة ما يلهث، فبقية أجزائه من باب أولى. ب- ما روي أن رسول الله ﷺ دعي إلى دار فلم يجب فقيل له في ذلك، فقال: "إن في دار فلان كلباً فقيل له: إن في دار فلان هرة، فقال ﷺ : "إنها ليست بنجسة" ٢ فمفهومه أن الكلب نجس٣. وقد نوقشت هذه الأدلة: بأن الأمر بالغسل ليس للنجاسة بل هو إما للتعبد يؤيد ذلك العدد المخصوص، وهو السبع، والنجاسات إنما تطهر بدون ذلك العدد، ويؤيده أيضاً ورود الأمر بتعفيره بالتراب، ولا مدخل له في غسل النجاسات، كما أن لفظة "طهور" لا تدل على أن المحل كان نجساً، فضلاً عن أن التغليظ في الطهارة يدل على التغليظ في

стр. 179

النجاسة بالمنع، إذ العذرة والبول أغلظ من لعاب الكلب وغسلها دون السبع١. فقد ورد في إحكام الأحكام شرح عمده الأحكام: " ... وأما كونه لا يكون أغلظ من النجاسة العذرة فممنوع عند القائل بنجاسته نعم ليس بأقذر من العذرة ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة الاستقذار"٢. والذي يترجح لدي في هذا الخلاف: هو القول بنجاسة الكلب، وأنه في هذا مثل الخنْزير، وأن نجاسته عينية، وذلك على نحو ما تقرر عند الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية وسحنون وابن الماجشون وأبي عمر من المالكية، وذلك لقوة ما استدلوا به مع سلامته عن المعارض في مقابل ضعف استدلال القائلين بالطهارة مع التسليم بصحته. والله تعالى أعلم.

стр. 180

المطلب الثاني: حكم بيع الكلب اختلف الفقهاء بشأن حكم بيع الكلب فمنهم من أجاز ذلك نظراً إلى ماليته وإمكان الانتفاع به شرعاً، ومنهم من منع ذلك على خلاف في علة المنع، فمنهم من علل ذلك بعدم طهارته، ومنهم من علل المنع بالنهي الشرعي عن اقتنائه، وهذا ما قاله الفقهاء: مذهب الحنفية: القول بجواز بيع الكلب، وقد قاسوا عليه كل ذي ناب من السباع، سوى الخنْزير، وذلك لأن الكلب عندهم مال، فكان محلاً للبيع، حيث إنهم يعتبرون مالية المبيع وإمكان الانتفاع به الركن المهم في البيع، ويقولون إن كل ما فيه منفعة مباحة جاز بيعه. فقد جاء في الاختيار لتعليل المختار: "ويجوز بيع الكلب والفهد والسباع معلماً كان أو غير معلم، وأهل الذمة في البيع كالمسلمين، وعلق الشارح على هذا بقوله: ويجوز بيع الكلب والفهد والسباع معلماً كان أو غير معلم، لأنه حيوان منتفع به حراسة واصطياداً فيجوز، ولهذا ينتقل إلى ملك الموصى له والوارث بخلاف الحشرات

стр. 181

كالحية والعقرب والضب والقنفذ ونحوها لأنه لا ينتفع بها"١. وجاء في بدائع الصنائع: "ويجوز بيع كل ذي مخلب من الطير، معلماً كان أو غير معلم بلا خلاف، وأما بيع كل ذي ناب من السباع سوى الخنْزير كالكلب والفهد والأسد والنمر والذئب والهر ونحوها فجائز عند أصحابنا ... ، ثم عندنا لا فرق بين المعلم وغير المعلم في رواية الأصل فيجوز بيعه كيف ما كان، وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه لا يجوز بيع الكلب العقور ... "٢. فالمستفاد من نصوص الحنفية: هو جواز بيع الكلب وما في حكمه كالفهد والأسد ونحوهما من كل ذي ناب من السباع وذلك باعتبار مالية الكلب المعتبرة أساساً في عقد البيع عندهم وإن كانت هناك رواية لأبي يوسف تمنع بيع الكلب العقور. وهذا بالنسبة لأصل حكم بيع الكلب عند الحنفية، وهذا متمش كذلك بالنسبة لحكم بيع الكلب المأذون في اتخاذه واقتنائه، وذلك للانتفاع به واعتبار ماليته، وهذه المالية والانتفاع متحققة في بيع الكلب للصيد والماشية والزرع ونحو ذلك عملاً بأصلهم من القول بجواز البيع مطلقاً معلما كان أو غير معلم، مأذوناً فيه أم غير مأذون فيه، وهذا فضلاً عن ورود النص باستثناء كلب الصيد، وقيس عليه كلب الزرع والماشية ونحو ذلك. مذهب المالكية: قالوا بأنه لا يصح بيع الكلب مطلقاً سواء كان كلب صيد أو حراسة أو غيرهما وذلك لورود النهي عن بيعه شرعاً وإن صح اقتناء كلب الصيد والحراسة لأن إباحة المنفعة لا تبيح البيع كأم الولد، وهذا هو الأصل في مذهب المالكية وأن هناك من قال بغير هذا فقد قال سحنون بجواز بيع الكلب عامة وأنه لا بأس بثمنه، وكأنه لم يقف كغيره من المالكية في الجواز عند حد ما فيه منفعة ككلب الصيد والحراسة والماشية، ونحو ذلك، فسحنون يخالف في الأصل العام عند المالكية المانع من بيع الكلب وعدم حل ثمنه للنهي عن ذلك. فقد جاء في المنتقى شرح موطأ مالك: قال مالك: "أكره ثمن الكلب الضّاري

стр. 182

وغير الضّاري لنهي رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب"١. وجاء في مواهب الجليل شرح مختصر خليل: " ... والكلب ... وثمنه لا يحل قد حرمه رسول الله ﷺ حين نهى عن ثمنه ... "٢. وجاء في حاشية الدسوقي: " ... وشرط له "عدم نهي" من الشارع عن بيعه إلا ككلب صيد وحراسة وأولى غيرهما ويجوز اتخاذه لهما"٣. وورد في بلغة السالك: "قوله: وقيل بجواز بيعه" هذا قول سحنون فإنه قال: أبيعه وأحج بثمنه ... واتفقوا أن كلاب الماشية يجوز بيعها ككلب البادية ... ولا ككلب صيد وحراسة للنهي عن بيعه وإن كان طاهراً منتفعاً به ... "٤. وهكذا: يتضح لنا أن حكم بيع الكلب بحسب أصله عند المالكية هو المنع، وأن إباحة الانتفاع به لا تبرر جواز بيعه. أما بالنسبة لبيع الكلب للحراسة والصيد ونحوهما فقد اختلف فقهاء المالكية في ذلك، فمنهم من أوقفه عند أصل المذهب في بيع الكلب وقال بعدم بيعه لهذا الغرض حيث سحب الحكم في أصل المنع لبيع الكلب على كلب الصيد والحراسة ونحوهما، ومنهم من اعتبر في كلب الصيد والحراسة ونحوهما الاستثناء من أصل المنع حيث قال فيهما بجواز البيع لما فيه من منفعة حتى إن سحنون صرح بقوله أبيعه وأحج بثمنه، وقد حكى صاحب بلغة السالك الاتفاق عند المالكية على بيع كلاب الماشية ككلب البادية ونحو ذلك. مذهب الشافعية: القول بمنع بيع الكلب سواء كان معلماً أو غير معلم صغيراً كان أو كبيراً ولا قيمة على من أتلفه لنجاسته والنهي عنه، خاصة وأن الشافعية مع غيرهم يشترطون طهارة المبيع، ولهذا فإنهم يمنعون بيع الكلب ونحوه من نجس العين حتى ولو كان للصيد والحراسة ونحوهما. فقد جاء في نهاية المحتاج: عند الحديث عن شروط المبيع: " ... أحدها طهارة عينه شرعاً ولو كانت النجاسة غالبة في مثله، فلا

стр. 183

يصح بيع الكلب ولو معلماً، والخمر يعني المسكر وسائر نجس العين ونحوه ... "١ وجاء في مغنى المحتاج: "وللمبيع شروط: طهارة عينه؛ فلا يصح بيع الكلب والخمر والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل واللبن، وكذا الدهن في الأصح"٢. وجاء في المجموع: " ... أنه لا يحوز بيع الكلب سواء كان معلماً أو غيره، وسواء كان جروا أو كبيراً ولا قيمة على من أتلفه ... قال ابن المنذر: لا معنى لمن جوز بيع الكلب المعلم لأنه مخالف لما ثبت عن رسول الله ﷺ قال: ونهيه عام يدخل فيه جميع الكلاب"٣. فالمستفاد من نصوص الشافعية: هو عدم جواز بيع الكلب، حتى ولو كان معلماً، وذلك لنجاسته عيناً، خاصة وأنهم يشترطون في المبيع طهارة عينه، وهذا الحكم عام يشمل الكلب المعلم وغيره، والمأخوذ للصيد والحراسة والماشية تمشياً مع أصلهم في منع بيع الكلب مطلقاً أي سواء كان مأذوناً فيه أو كان غير مأذون فيه معلماً أو غير معلم. فمسلك الشافعية اعتبار الأصل العام عندهم هو القول بعدم جواز بيع الكلب حتى ولو كان معلماً عملاً بعموم النهي عن ذلك، رغم أنهم جوزوا اقتناءه للصيد ولحراسة الماشية والزرع. مذهب الحنابلة: القول بعدم صحة بيع الكلب ولو كان معلماً، وذلك للنهي عنه، وأنه لا قيمة على من قتل الكلب المعلم. فقد جاء في المغني والشرح الكبير: "لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل أي كلب كان وإن كان معلماً، وبه قال الحسن٤

стр. 184

وربيعه١ وحماد٢ والأوزاعي٣ ... وكره أبو هريرة ثمن الكلب"٤. وجاء في كشاف القناع: الشرط الثالث: "أن يكون المبيع والثمن مالاً لأنه مقابل بالمال إذ هو مبادلة المال بالمال وهو أي المال شرعاً ما فيه منفعة أو لغير حاجة ضرورة، فخرج ما لا نفع فيه أصلاً كالحشرات وما فيه منفعة محرمة كالخمر وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب وما فيه منفعة تباح للضرورة كالميتة في حال المخمصة وخمر لدفع لقمة غص بها ... "٥. وجاء في المغني: "وبيع الكلب باطل وإن كان معلماً ... "٦. ولهذا فقد تقرر عند الحنابلة بطلان بيع الكلب، وعدم صحة ذلك البيع، وذلك لنجاسته ولو كان معلماً أو مأذوناً فيه، لأنهم يحرمون بيع العين النجسة التي يمكن إزالة نجاستها، ونجاسة الكلب لا يمكن إزالتها فمنع بيعه آكد عندهم. الموازنة: بمراجعة نصوص كتب الفقه عند مذاهب الأئمة الأربعة يتضح لنا أن خلاصة أقوال الفقهاء في بيع الكلب كما يلي: المذهب الأول: يرى أنه لا يجوز بيع الكلب مطلقاً، حتى ولو كان معلماً، وإلى هذا ذهب الشافعية والحنابلة وهو أصل مذهب المالكية.

стр. 185

المذهب الثاني: يرى جواز بيع كلب الصيد والحراسة ونحوهما، وكلاب الماشية والزرع والبادية، وإلى هذا ذهب سحنون من المالكية، وما حكاه صاحب بلغة السالك من اتفاق المالكية على ذلك. المذهب الثالث: يرى جواز بيع الكلب مطلقاً، أي معلماً كان أم لا، سواء كان للحراسة أو الصيد أم لا، وإلى هذا ذهب الحنفية. الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول القائلون: بمنع بيع الكلب مطلقاً حتى ولو كان معلماً الشافعية والحنابلة وأصل مذهب المالكية بما يأتي: ١- بما روي عن أبي مسعود البدري١: "أن رسول الله ﷺ قد نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن"٢. ٢- وبما روي عن أبي جحيفة٣ –﵁ أن رسول الله ﷺ "نهى عن ثمن الدم وعن ثمن الكلب، ومهر البغي، ولعن آكل الربا، وموكله، والواشمة، والمتوشمة، ولعن المصور"٤. ٣- بما روى عن رافع بن خديج٥ ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : "كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث، وثمن الكلب خبيث" ٦.

стр. 186

٤- عن ابن عباس ﵄ قال: "نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه تراباً" ١. ٥- عن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي" ٢. ٦- القياس على الخنْزير بجامع حرمة الاقتناء في غير حال الحاجة. ونوقشت هذه الأدلة بما يأتي: أ- أن هذه الأحاديث منسوخة، فإنها كانت عند الأمر بقتل الكلاب، حيث لم تكن في الكلاب منفعة مباحة، ولما نسخ الأمر بقتل الكلاب وجاء الأمر بإباحة الاقتناء لبعضها، ثبت أن أحاديث النهي منسوخة. ب – أن قرن ثمن الكلب مع مهر البغي وحلوان الكاهن لا يدل على أن حكمهما واحد فهذه دلالة اقتران وهي ضعيفة٣. استدل أصحاب المذهب الثاني القائلون: بجواز بيع كلب الحراسة والبادية ونحو ذلك، وهو سحنون ومن وافقه من المالكيه على ما خرجوا به عن الأصل في مذهب المالكية بما يأتي: أن تحقيق مصالح العباد ومراعاة ما يحقق المنفعة لديهم يقتضي القول بجواز بيع الكلب للحراسة والزرع والماشية ونحو ذلك مما يستخدم في مصالح العباد كالصيد ونحوه، تحقيقاً لمصالح العباد المعتبرة في الأحكام الشرعية، وقالوا بجواز بيع الكلاب المدربة على الحراسة والكلاب البوليسية المدربة على كشف المجرمين خاصة وأن الحاجة تشتد إلى مثل هذا النوع من الكلاب ومنها المدربة على خدمة مكفوفي البصر

стр. 187

ومساعدتهم في الوصول إلى مقاصدهم. استدل أصحاب المذهب الثالث القائلون: بجواز بيع الكلب مطلقاً معلماً كان أم لا للحراسة أو الصيد أم لا وهم الحنفية بما يأتي: ١- بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ١. ٢- حديث جابر: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب الصيد"٢. ٣- عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من اتخذ كلباً إلا كلب زرع أو غنم أو صيد ينقص من أجره كل يوم قيراط" ٣. ٤- ما روي من الآثار أن عبد الله بن عمرو قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهماً، وقضى في كلب ماشية بكبش٤. ٥- وعن ابن شهاب أنه قال: "إذا قتل الكلب المعلم فإنه يقوم قيمته فيغرمه الذي قتله" ٥. ٦- وعن محمد بن يحي بن حبان الأنصاري٦ قال: "كان يقال يجعل في الكلب الضاري إذا قتل أربعون درهماً"٧.

стр. 188

٧- القياس على الحمار الأهلي بجامع حل الانتفاع في كل. ونوقشت هذه الأدلة من قبل الجمهور بما يأتي: ١- أن الآية الكريمة ليس فيها دليل على حال البيع ولا تعرض له إذ غاية ما فيها إباحة الصيد بهذه الكلاب في قوله سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ١ فأين ذكر حل البيع وذكر إباحة الثمن. ٢- أن حديث جابر لا يدل إلا على حل ثمن كلب الصيد، والحنفية يبيحون أثمان الكلاب كلها المعلم منها وغير المعلم٢. ٣- أن الآثار المروية عن بعض الصحابة وغيرهم في تغريم متلف الكلاب فهي ضعيفة ولا تقوم بها حجة، وعلى تسليم صحتها فليس فيها إلا إيجاب القيمة بدل إتلاف المال وإلا فلا ثمن لميت أصلاً٣. ٤- أما قياس الكلب على الحمار بجامع حل الانتفاع وأن الحمار طاهر الأصل بخلاف الكلب وأن قياس الكلب على الخنْزير أولى لأنه أشبه به ولو فرض تساوي القياسين فالقياس الذي تؤيده النصوص الصحيحة أولى من غيره٤. والراجح: هو القول بعدم جواز بيع الكلب، لصحة أدلة الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، فضلاً عن أنها دالة على حرمة البيع، ومنفّرة من قبض الثمن أيما تنفير على نحو ما ورد آنفاً، في حين أن الأدلة التي ساقها الحنفية لإثبات صحة وجواز بيع الكلب لا ترقى للدلالة على هذا لما في سندها من مقال، غير أنه يراعى الاستثناء الذي تقرر لدى بعض المالكية كسحنون وغيره من استثناء كلب الصيد والحراسة ونحو ذلك من الكلاب المدربة خدمة للعباد وتحقيقاً لمصالحهم. والله أعلم.

стр. 189

المبحث الثاني: حكم الخنزير وحكم بيعه وبيع شعره المطلب الأول: حكم الخنزير مذهب الحنفية: القول بنجاسة الخنْزير نجاسة عينية أي تتعلق بعينه. فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما الخنْزير فقد روي عن أبي حنيفة أنه نجس العين ... "١. وجاء في البناية شرح الهداية: " ... بخلاف الخنْزير لأنه نجس العين ... "٢. فنص كتب الحنفية أن الخنْزير نجس في عينه وأنه رجس وأن الاتفاق في المذهب على هذا. مذهب المالكية: اختلف فقهاء المذهب المالكي بشأن حكم الخنْزير من حيث الطهارة أو عدمها وذلك بناء على المبدأ السائد عندهم من أن كل حي طاهر، ولهذا فقد ذهب عامتهم إلى القول بطهارة الخنْزير والمتولد من عذرة ونحوها. وخالف سحنون وابن الماجشون في هذا وقالا بنجاسة الخنْزير، وقال ابن عرفة إن أكثر فقهاء المذهب قد حملوا قول سحنون وابن الماجشون على نجاسة سؤرهما لا عينهما، ورجح أبو عمر القول بنجاسة كل السباع غير الخنْزير، أما الإمام القرافي٣ فقد ذكر أن الخنْزير نجس العين لا يطهر حتى بالذكاة وأنه لا يطهر شيء منه بها. فقد جاء في حاشية الدسوقي: " ... والطاهر الحي وأل فيه استغراقية أي كل

стр. 190

حي بحرياً أو برياً متولداً من عذرة أو كلباً وخنْزيرا ... "١. وجاء في التاج الإكليل: "والحي" ابن عرفة الحيوان طاهر وقول سحنون وابن الماجشون الخنْزير والكلب نجسان حمله الأكثر على سؤرهما، ورجح أبو عمر نجاسة غير الخنْزير" ٢. وجاء في الذخيرة: " ... الذكاة مطهرة لسائر أجزاء الحيوان لحمه وعظمه وجلده ... إلا الخنْزير ... لأنه سوى بينه وبين الدم ولحم الميتة وهما لا يقبلان التطهير فكذلك هو"٣. فهذا النص يفيد أن الخنْزير نجس العين لا يطهر بالذكاة لحمه أو جلده أو عظمه. فالمستفاد من نصوص المالكية: أن الخلاف حاصل في المذهب بشأن حكم الخنْزير، فيرى سحنون وابن الماجشون أن الخنْزير نجس العين، وهذا ما ذكره الإمام القرافي ورجحه، وإن كان البعض الآخر من المالكية قد نازع في نجاسة الخنْزير، وقال بطهارته بناء على أن كل حي طاهر عندهم، وإلى هذا ذهب ابن عرفة وقد حملوا قول سحنون وابن الماجشون على نجاسة السؤر خاصة. مذهب الشافعية: يقولون بنجاسة الخنْزير، وادعى ابن المنذر الإجماع على نجاسة الخنْزير. فقد جاء في المجموع شرح المهذب: "وأما الخنْزير فهو نجس ... فإذا كان الكلب نجساً فالخنْزير أولى"٤.

стр. 191

وفي مغنى المحتاج: " ... ادعى ابن المنذر في كتاب الإجماع، إجماع العلماء على نجاسة الخنْزير"١. فمذهب الشافعية: أن الخنْزير نجس العين، وأنه في هذا أولى كذلك من الكلب، فإذا كان الكلب نجساً، كان الخنْزير أولى بالحكم عليه بالنجاسة. مذهب الحنابلة: الاتفاق على القول بنجاسة الخنْزير، وأن النجاسة متعلقة بعينه. فقد جاء في الأنصاف: " ... وقطع المصنف: أن نجاسة الخنْزير كنجاسة الكلب وهو الصحيح في المذهب وعليه الأصحاب"٢. وجاء في كشاف القناع: "والكلب والخنْزير نجسان"٣. فالحنابلة: متفقون على القول بنجاسة الخنْزير وأن هذه النجاسة تتعلق بعينة. الموازنة: بمراجعة ما ذكره الفقهاء على اختلاف مذاهبهم بشأن حكم الخنْزير من حيث الطهارة أو عدمها يتضح أن خلاصة القول في هذا الخلاف تنتهي إلى مذهبين: المذهب الأول: يرى أن الخنْزير نجس، وأن هذه النجاسة تتعلق بعينه، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية كسحنون وابن الماجشون والقرافي وأبي عمر. المذهب الثاني: يرى أن الخنْزير طاهر، وأنه ليس بنجس العين، وذلك بناء على أن كل حي طاهر، وإلى هذا ذهب جمهور المالكية. الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول القائلون بنجاسة عين الخنْزير: أ- قوله تعالى: ﴿.... أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ ٤ فهذا القرآن العظيم

стр. 192

يصف لحم الخنْزير بأنه رجس، وأما تخصيص اللحم بالذكر دون سائر الأجزاء فيوضحه الجصاص حين يقول: " ... واللحم – وإن كان مخصوصاً بالذكر فإن المراد جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر لأنه أعظم منفعته، وما يبتغى منه ... كما نص على تحريم قتل الصيد على المحرم والمراد حظر جميع أفعاله في الصيد، وخص القتل بالذكر لأنه أعظم ما يقصد به الصيد، كقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ١. فخص البيع بالنهي لأنه كان أعظم ما يبتغون من منافعهم والمعنى جميع الأمور الشاغلة عن الصلاة كذلك خص لحم الخنْزير بالنهي تأكيداً لحكم تحريمه وحظراً لسائر أجزائه فدل على أن المراد بذلك جميع أجزائه وإن كان النص خاصاً في لحمه"٢. ب- حديث أبي ثعلبة الخشني وفيه: "يا رسول الله: إن أرضنا أرض أهل الكتاب وإنهم يأكلون لحم الخنْزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدروهم، قال: " إن لم تجدوا غيرها فارحضوها٣ بالماء ... "... الحديث"٤. ج - القياس على الكلب لأنه أسوأ حالاً منه إذ إنه مندوب إلى قتله، ولا يجوز اقتناؤه بحال بخلاف الكلب الذي يجوز اقتناؤه للحاجة. واستدل أصحاب المذهب الثاني القائلون بطهارة عين الخنْزير: ١ - تمسكوا بإعمال القاعدة العامة المقررة من أن كل حي طاهر، وأن من هذا الخنْزير فهو طاهر في عينه. ٢ – أن مراد من قال بنجاسته محمول على القول بنجاسة سؤره وليس بنجاسة عينه. والراجح في هذا: هو ما عليه جمهور الفقهاء من القول بنجاسة عين الخنْزير وأنه

стр. 193

رجس لقوة ما استدلوا به من النصوص والقياس، ولأن هذا الحكم متفق مع طبيعة الأمور لأن النفس البشرية تعاف الخنْزير وتستقذره. والله تعالى أعلم.

стр. 194

المطلب الثاني حكم بيع الخنزير مذهب الحنفية: القول ببطلان بيع الخنْزير إذا كان مبيعاً. " ... وبيع الميتة والدم ... والخنْزير والحر ... باطل"١. أما إذا كان عوضاً عن المبيع "ثمناً" فإن البيع يكون فاسداً، لأن الحنفية في أصولهم يفرقون بين الباطل والفاسد٢. فقد جاء في شرح فتح القدير: "وإذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرماً فالبيع فاسد كالبيع بالميتة والدم والخنْزير والخمر، وكذا إذا كان غير مملوك كالحر ... والبيع بالخمر والخنْزير فاسد لوجود حقيقة البيع وهو مبادلة المال بالمال ... "٣. فهناك فرق عند الحنفية بين الباطل والفاسد، وأن الباطل ما كان بحسب أصله باطلاً، والفاسد ما كان الخلل بحسب وصفه، وقالوا إن بيع الخنْزير باطل، ولا ينعقد أصلاً كما ورد في نص الاختيار لتعليل المختار، بخلاف البيع بالخنْزير حيث يكون البيع فاسداً، لأن الخلل في هذه الحالة يتعلق بوصف العقد، وليس بأحد أركانه المعتبرة عندهم وهي

стр. 195

مبادلة مال بمال، والخنْزير مال عندهم فصح أن يكون مقابلاً في عقد البيع مع فساد ذلك العقد. وجاء في بدائع الصنائع: " ... ولا ينعقد بيع الخنْزير من المسلم لأنه ليس بمال في حق المسلمين، فأما أهل الذمة فلا يمنعون من بيع الخمر والخنْزير أما على قول بعض مشايخنا فلأنه مباح الانتفاع به شرعاً لهم كالخل وكالشاه لنا فكان مالاً في حقهم فيجوز بيعه ... وعن بعض مشايخنا حرمة الخمر والخنْزير ثابتة على العموم في حق المسلم والكافر لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات هو الصحيح من مذهب أصحابنا فكانت الحرمة ثابتة في حقهم لكنهم لا يمنعون عن بيعها لأنهم لا يعتقدون حرمتها ويتمولونها ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون ... "١. فقد تقرر وجه الخلاف بشأن بيع الخنْزير من المسلم وأنه لا ينعقد ذلك البيع لأنه ليس بمال في حقه، أما أهل الذمة ففي بيعهم للخنْزير خلاف، فعند بعض مشايخ الحنفية أن هذا يجوز ولا يمنعون من ذلك البيع لأنه مباح الانتفاع به عندهم، وعند بعض المشايخ من الحنفية أنهم يمنعون من ذلك البيع تمشياً مع أصل المنع عملاً بعموم الحكم وأنه لا فرق بين المسلم وغيره في هذا الشأن. مذهب المالكية: قالوا بحرمة بيع الخنْزير وحرمة ثمنه. " ... وبيع الخنْزير حرام وثمنه حرام ... "٢. لأنهم يرون أن بيع كل نجاسة لا تدعو الضرورة إلى استعمالها أو لم تعم بها البلوى حرام، ومن ذلك بيع الخنْزير لأنه لا تدعو إلى بيعه ضرورة. " ... فبيع كل نجاسة لا تدعو الضرورة إلى استعمالها ولا تعم بها البلوى حرام كالخمر والميتة والخنْزير"٣. فالمستفاد من نصوص المالكية: حرمة بيع الخنْزير، وحرمة ثمنه، وذلك لنجاسته،

стр. 196

ولأن الضرورة لا تدعو إلى ذلك ولا تعم بها البلوى. مذهب الشافعية: قالوا بعدم جواز بيع الخنْزير، وذلك لأنه نجس العين، أي نجس في نفسه، وهم يقسمون الأعيان إلى أعيان نجسة وأعيان طاهرة، ويقسمون الأعيان النجسة إلى نجسة في عينها ونجسة بملاقاة غيرها ولا يجوزون بيع نجس العين. "باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز: الأعيان ضربان نجس وطاهر، فأما النجس فعلى ضربين نجس في نفسه، ونجس بملاقاة نجاسة، فأما النجس في نفسه فلا يجوز بيعه وذلك مثل الكلب والخنْزير والخمر والسرجين وما أشبه ذلك من النجاسات"١. "وشرط في المعقود عليه مثمنا أو ثمنا خمسة أمور: أحدها: طهر له أو إمكان لطهره بغسل فلا يصح بيع نجس ككلب وخمر وغيرهما مما هو نجس العين وإن أمكن طهره بالاستحالة كجلد ميتة لأنه ﷺ نهى عن ثمن الكلب وقال: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنْزير" والمعنى في المذكورات نجاسة عينها فألحق بها باقي نجس العين"٢. فأساس تحريم بيع الخنْزير عند الشافعية هو نجاسة عينه فضلاً عن النهي عن ذلك. وجاء في نهاية المحتاج: " ... كالنهي عن بيع مال الغير بغير إذنه وبيع الخمر والكلب والخنْزير والملامسة والمنابذه ... "٣. وعليه فمذهب الشافعية: عدم جواز بيع الخنْزير لنجاسة عينه، وأنه في هذا الحكم مثل كل ما كانت عينه نجسة كالكلب والخمر ونحوهما. مذهب الحنابلة: قالوا بعدم جواز بيع الخنْزير، وذكر ابن المنذر إجماع أهل العلم على القول بعدم جواز بيع الخنْزير والإجماع على حرمة بيعه وشرائه.

стр. 197

"ولا يجوز بيع الخنْزير ولا الميتة ولا الدم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به. وأجمعوا على تحريم الميتة والخمر وعلى أن بيع الخنْزير وشراءه حرام"١. "ولا يصح بيع دم وخنْزير وصنم ... "٢. فالمستفاد من نصوص الحنابلة: هو عدم جواز بيع الخنْزير وكذا شرائه. الموازنة: إن الاتفاق حاصل بين الفقهاء على حرمة بيع الخنْزير لنجاسته ولعدم ماليته وعدم الانتفاع به ولورود النص الصريح بالنهي عن بيع الخنْزير، وإن كان هناك اختلاف في التعبير عن ذلك ما بين عدم الصحة وعدم الجواز والبطلان والفساد. فالحنفية: قد فرقوا بين ما إذا كان الخنْزير مبيعاً أم كان ثمناً، وقالوا إنه إذا كان مبيعاً كان البيع باطلاً، في حين أنه إذا كان ثمناً فإن البيع يكون فاسداً وذلك بناء على أنهم يفرقون في أصول مذهبهم بين الباطل والفاسد، فالباطل ما كان باطلاً بأصله في حين أن الفاسد ما كان الخلل فيه راجعاً إلى وصف فيه. أما المالكية فقد عبروا عن ذلك بحرمة بيع الخنْزير وحرمة ثمنه وذلك لأنهم يرون أن بيع كل نجاسة لا تدعو الضرورة إلى استعمالها أولم تعم بها البلوى حرام. والشافعية: يعبرون بعدم جواز بيع الخنْزير قياساً على نجاسة عينه، في حين أن الحنابلة يعبرون بعدم جواز بيع الخنْزير، وحكى ابن المنذر منهم الإجماع على حرمة ذلك البيع وعبر بالحرمة للدلالة على عدم جواز ذلك البيع. وهذا الخلاف في اللفظ والعبارة فقط، ولا مشاحة في ذلك فلا أثر له من حيث الحكم لأن الجميع متفق على منع بيع الخنْزير. وهذه خلاصة ما قالوه: الحنفية: يرون عدم انعقاد بيع الخنْزير في حق المسلم، وأن البيع باطل إذا كان مبيعاً وفاسداً إذا كان ثمناً، واختلف فقهاء الحنفية بالنسبة لغير المسلم فقيل يجوز لهم

стр. 198

بيعه وقيل لا يجوز منهم والمسلمون سواء في عدم صحة البيع، لأن نجاسة الخنْزير ثابتة على العموم في حق المسلم وغيره. وهكذا: نجد أن الحنفية فقط هم الذين ينفردون بذكر حكم البيع بالنسبة لغير المسلم ولم يتعرض لحكم ذلك بقية الفقهاء. المالكية: يرون حرمة البيع وحرمة ثمن الخنْزير. الشافعية: يرون عدم جواز بيع الخنْزير. الحنابلة: يرون عدم جواز بيع الخنْزير. الأدلة: أ – استدل الحنفية: على ما ذهبوا إليه بالنسبة لبيع الخنْزير: بأن بيع الخنْزير باطل، ولا ينعقد أصلاً بخلاف البيع به حيث يكون البيع فاسداً وذلك لأن الخلل في هذه الحالة يكون متعلقاً بوصف العقد وليس بأحد أركانه المعتبرة وهي مبادلة مال بمال، وقالوا إن الخنْزير نجس العين إلا أنه مال عندهم، ولهذا صح أن يكون مقابلاً في عقد البيع، وإن كان ذلك العقد فاسداً لما شابه في الوصف فقط، وتمسك من فرق منهم بين بيع الخنْزير من المسلم وغير المسلم بأنه لا ينعقد بالنسبة للمسلم لأنه ليس بمال في حق المسلمين بخلاف أهل الذمة حيث يعتبر مالاً عندهم لأنه مباح الانتفاع به شرعاً لديهم ولهذا فلا مانع من بيعه في حقهم، وقد تمسك بعض الحنفية ممن لا يرون فارقاً بين المسلم والكافر بالنسبة لبيع الخنْزير تمسكوا بالأصل العام وهو منع بيع الخنْزير سواء كان من المسلم أم من غيره فكانت الحرمة ثابتة في حق غير المسلمين على العموم لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات على الصحيح من مذهب الحنفية فعموم الحكم لا يفرق بين المسلم وغيره في هذا الشأن. ب – استدل المالكية: بأن بيع كل نجاسة لا تدعو الضرورة إلى استعمالها ولم تعم بها البلوى حرام، وأن الخنْزير لا تدعو ضرورة إلى استعماله، وأنه نجس في عينه، فحرم بيعه وحرم ثمنه.

стр. 199

ج – واستدل الشافعية: بأن الخنْزير نجس في عينه وهو رجس وقد ورد النهي عن ذلك، لأن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب، وقال: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنْزير" وأن المعنى في المذكورات نجاسة عينها وأن الشرط عند الشافعية هو طهارة المعقود عليه وقسموا الأعيان النجسة إلى قسمين: أحدهما نجس في نفسه، ونجس بملاقاة النجاسة، وقالوا إن النجس في نفسه لا يجوز بيعه وعدوا من ذلك الخنْزير، فتقرر عندهم عدم جواز بيع الخنْزير للنجاسة والنهي صراحة عن بيعه. د – أما الحنابلة فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بالنسبة لبيع الخنْزير بالحرمة من حيث كونه مبيعاً أو ثمناً وللنهي عن ذلك شرعاً. الراجح في هذا: هو ما كان عليه إجماع أهل العلم وعامة الفقهاء على منع بيع الخنْزير بصرف النظر عن التعبير عن هذا أو وجه التعليل أو الاستدلال وأن هذا الحكم يسري بعمومه في حق المسلم والكافر على السواء، وأنه لا وجه للتفرقة بينهما عند بعض الحنفية لأن الكافر مخاطب بحكم التحريم فشمله القول بمنع بيع الخنْزير في حقه على نحو ما ذهب البعض الآخر من الحنفية وما عليه عامة فقهاء المذاهب المختلفة والله تعالى أعلم.

стр. 200

المطلب الثالث: حكم بيع شعر الخنزير إن الإجماع قائم على منع بيع جميع أجزاء الخنْزير، ولكنهم اختلفوا في شعره. مذهب الحنفية: اختلف فقهاء الحنفية بشأن بيع شعر الخنْزير، فمنهم من ذهب إلى جواز بيعه، لأنه حكم بطهارته، والصحيح في المذهب أنه لا يجوز بيعه، لأنه نجس تبعاً لأصله، لأن الخنْزير نجس العين، إلا أنه رخص في بيعه تبعاً للرخصة في استعماله للخرازين للضرورة، لأن عملهم لا يأتي إلا به. " ... وأما شعره فقد روي أنه طاهر يجوز بيعه، والصحيح أنه نجس لا يجوز بيعه، لأنه جزء منه، إلا أنه رخص في استعماله للخرازين١ للضرورة ... "٢.

стр. 201

"ولا يجوز بيع شعر الخنْزير، لأنه نجس العين فلا يجوز بيعه إهانة له، ويجوز الانتفاع به للخرز للضرورة، فإن ذلك العمل لا يتأتى بدونه ... "١. مذهب المالكية: يروى عن ابن القاسم جواز الانتفاع بشعر الخنْزير الوحشي، كصوف الميتة، وأنكر هذا بعض فقهائهم، لأن صوف الميتة إنما حل لأنه حلال منها وهي حية، وشعر الخنْزير ليس بحلال حياً ولا ميتاً، ولا يباع ولا يؤكل ثمنه. " ... وسمعت ابن القاسم يقول لا بأس ببيع شعر الخنْزير الوحشي وهو كصوف الميتة ... وشعر الخنْزير ليس بحلال حياً ولا ميتاً ولا يباع، ولا يؤكل ثمنه، ولا تجوز التجارة فيه ... "٢. فابن القاسم يرى أنه لا بأس ببيع شعر الخنْزير الوحشي، وأنه في هذا يشبه صوف الميتة، وذلك خلاف لما عليه أصل مذهب المالكية من منع ذلك البيع. مذهب الشافعية: القول بمنع بيع شعر الخنْزير قياساً على منع بيع جملته وجميع أجزائه بإطلاق المنع من الاتخاذ والتناول وبالتالي منع البيع شامل لجميع أجزاء الخنْزير، شأن أصله وجملته في هذا المنع. قال النووي: "أجمع المسلمون على تحريم شحمه أي الخنْزير ودمه وسائر أجزائه ... "٣. وحرمة ذلك تقتضي منع بيعه واعتباره محلاً للتصرفات الأخرى، وهم في هذا اعتبروا أصل المنع في الخنْزير وسحبوا ذلك على جميع أجزائه، ومن هذه الأجزاء شعره ولا اعتبار لحالة ضرورة الخرز عندهم. مذهب الحنابلة: ذهب الحنابلة إلى أن أجزاء الخنْزير، نجسة تبعاً لنجاسة الخنْزير، لأن الخنْزير نجس العين عندهم، وأجزاء الحيوان تابعة لأصله سواء انفصلت عنه حال

стр. 202

الحياة أو الموت، والنجس عندهم لا يجوز بيعه لأنهم يشترطون طهارة المبيع، وبناء على هذا لا يجوز عندهم بيع أجزاء الخنْزير ومنها الشعر. قال ابن قدامة: " ... وكل حيوان فشعره مثل بقية أجزائه، ما كان طاهراً فشعره طاهر، وما كان نجساً فشعره كذلك، ولا فرق بين حالة الحياة وحالة الموت"١. واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في الخرز بشعر الخنْزير، فروي عنه كراهة استعمال شعر الخنْزير في الخرز لكراهة استعمال العين النجسة، وبالتالي لا يجوز بيع شعر الخنْزير للخرز، وروي عنه جواز الخرز بشعر الخنْزير، وعليها يخرج صحة بيع شعر الخنْزير للخرز. فقد جاء في المغني: " ... واختلفت الرواية عن أحمد في الخرز بشعر الخنْزير، فروي عنه كراهته لأنه استعمال العين النجسة ولا يسلم من التنجيس بها فحرم الانتفاع بها كجلده ... والثانية يجوز الخرز به ... لأن الحاجة تدعو إليه"٢. الموازنة: بمراجعة ما قاله الفقهاء بشأن بيع شعر الخنْزير يتضح الآتي: أن الحنفية: قد اختلفوا في هذا الخصوص: فمنهم من قال بجواز بيعه بناء على قولهم بطهارته غير أن الصحيح في المذهب القول بمنع بيع شعر الخنْزير لنجاسته بنجاسة أصله، وذكرت بعض كتبهم كالبدائع أنه يجوز بيعه للخرازين للضرورة. المالكية: اختلف فقهاء المذهب بشأن بيع شعر الخنْزير، فروي عن ابن القاسم أنه يجوز بيعه خاصة ما إذا كان من الخنْزير الوحشي، وقال بأنه يجوز الانتفاع به، فجاز بيعه، وأنه في هذا مثل صوف الميتة، وهذا مخالف لما عليه أصل مذهب المالكية من القول بمنع بيعه، لأنه ليس بحلال حياً ولا ميتاً، فلا يباع ولا يؤكل ثمنه. الشافعية: قالوا بمنع بيع شعر الخنْزير باعتبار منع أصله فكافة أجزاء الخنْزير مشمولة بمنع بيع ذات الخنْزير، ومن هذه الأجزاء شعره، وقالوا بعدم اعتبار حالة

стр. 203

ضرورة الخرز، فالاتفاق في المذهب الشافعي على منع بيع شعر الخنْزير. الحنابلة: الأصل في مذهب الحنابلة منع بيع شعر الخنْزير لنجاسته بنجاسة أصله، وهو الخنْزير، وقالوا بأن شعر الحيوان مثل بقية أجزائه، فما كان طاهراً فشعره كذلك، وما كان نجساً فشعره نجس. والخلاف فقط منحصر بشأن الخرز بشعر الخنْزير، وبالتالي بيعه لهذا الغرض. فالرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى مختلفة ففي رواية عنه: أن الخرز به مكروه لكراهة استعمال العين النجسة، وبالتالي كره بيعه لهذا الغرض، وعنه رواية أخرى، يجوز الخرز بشعر الخنْزير للضرورة، وبالتالي جاز بيعه لهذا الغرض ولذات العلة. فخلاصة القول بشأن بيع شعر الخنْزير تتلخص في مذهبين: المذهب الأول: يرى جواز بيع شعر الخنْزير، وذلك في قول عند الحنفية بناء على طهارته أو لضرورة الخرز به، وهو رواية عن ابن القاسم من المالكية لجواز الانتفاع به خاصة لو كان من الخنْزير الوحشي، وهناك رواية عن الإمام أحمد تجوز بيع شعر الخنْزير لضرورة الخرز. المذهب الثاني: يرى منع بيع شعر الخنْزير، وهذا هو الصحيح في مذهب الحنفية، وما عليه أصل مذهب المالكية، وهو اتفاق مذهب الشافعية حتى لو كان في حالة ضرورة الخرز، وهو أصل مذهب الحنابلة، حتى ولو كان لضرورة الخرز. الأدلة: استدل القائلون بجواز بيع شعر الخنْزير: بأن شعره طاهر منتفع به ولهذا جاز بيعه تحقيقاً لمنافع العباد وأنه في هذا يشبه صوف الميتة المنتفع به. واستدل القائلون بمنع بيع شعر الخنْزير: بأنه نجس بنجاسة أصله وهو الخنْزير وأن شعر الخنْزير ليس بحلال حياً ولا ميتاً وأنه لا يباع ولا يؤكل ثمنه ولا تجوز التجارة فيه وأن منع بيع شعر الخنْزير موافق لما يحقق إهانة الخنْزير، وهذا عند من لم يشترط طهارة المبيع، وعند من يرى ضرورة طهارة المبيع، فإنه يمنع لنجاسته بنجاسة أصله.

стр. 204

وبطبيعة الحال فإن بعض المانعين من بيع شعر الخنْزير استثنى حال ضرورة الخرز وقال بجواز بيعه لهذا الغرض إعمالاً لحالة الضرورة أو تحقيقاً لمنافع العباد. والراجح: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة وأصل مذهب المالكية والصحيح من مذهب الحنفية من القول بمنع بيع شعر الخنْزير لنجاسته أو لعدم ماليته وإهانته وأنه لا ضرورة الآن في استعمال شعره في الخرز لوجود البدائل الكثيرة وهي أفضل وأمتن. والله تعالى أعلم.

стр. 205

الفصل الخامس: بيع الخمر وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: حكمة تحريم الخمر المبحث الثاني: حكم الخمر المبحث الثالث: حكم التداوي بالخمر، وحكم بيعها

стр. 206

تمهيد الخمر في اللغة: ما أسكر من عصير العنب، وسميت بهذا لأنها تخامر العقل، وحقيقة الخمر إنما هي ما كان من العنب دون ما كان من سائر الأشياء١. قال الفيروز آبادي: "الخمر ما أسكر من عصير العنب، وهو عام وقد يُذكر والعموم أصح لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب وما كان شرابهم إلا البُسر والتمر سميت خمراً لأنها تخمر العقل وتستره أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت أو لأنها تخامر العقل أي تخالطه"٢. وقال الزبيدي بشرح قول صاحب القاموس: "أو عام" أي ما أسكر من عصير كل شيء، لأن المدار على السكر وغيبوبة العقل، وهو الذي اختاره الجماهير، وسمي الخمر خمراً لأنها تخمر العقل وتستره، أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت"٣. فقد أطلق اسم الخمر على سائر الأنبذة المسكرة لما فيها من مخامرة العقل. وكان الإطلاق اللغوي قائما على أساس الستر والتغطية، فمادة "خمر" تدور بإزاء معانٍ حول الستر والتغطية والكتم والمخالطة، وهذا المعنى اللغوي يتسق مع المعنى الاصطلاحي للخمر عند الفقهاء على ما سيرد حالاً فضلاً عن اتساقه مع وظيفة الخمر الطبيعية، لأن الخمر تستر العقل وتغطيه وهي تخالطه وتكتم عمله ولو إلى حين لأن شارب الخمر لا يفكر بطريقة اعتيادية فالخمر خالطت عقله فسترته وغطته.

стр. 207

الخمر في اصطلاح الفقهاء: مذهب الحنفية: إطلاق اسم الخمر على المعتصر من العنب النيء الذي غلا واشتد وقذف بالزبد. فقد جاء في الاختيار لتعليل المختار: "الخمر وهي النيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد ... "١. وهذا ما عليه الإمام أبو حنيفة من تعريف الخمر خلافاً لما عليه الصاحبان أبو يوسف ومحمد من تعريفهم للخمر بأنها "ماء العنب إذا غلا واشتدوقذف بالزبد أو لم يقذف به ... "٢. مذهب المالكية: أن الخمر تطلق على كل ما يسكر سواء كان ذلك من العنب أو غيره من جميع الأشربة الأخرى المسكرة وأنه يستوي في هذا القليل والكثير. فقد جاء في الكافي في فقه أهل المدينة: "الخمر شراب العنب المسكر، وكل شراب أسكر كثيره أو قليله فهو خمر"٣. فالنص يفيد أن الخمر شراب العنب المسكر، وكذلك كل شراب أسكر كثيره أو قليله، وعلى هذا فالخمر عندهم ما اتخذ من عصير العنب ودخلته النشوة المطربة. مذهب الشافعية: أن الخمر تطلق على جميع الأشربة المسكرة من نقيع التمر والزبيب وغيرهما كالشعير والتمر أو العسل أو البر ونحو ذلك، ولم تنص كتب الشافعية فيما اطلعت عليه صراحة على تعريف الخمر واكتفت ببيان حكمها وحكم ما يقاس عليها من جميع الأشربة. فقد جاء في مغني المحتاج: "كل شراب أسكر كثيره حرم هو وقليله، من جميع الأشربة من نقيع التمر والزبيب وغيرهما"٤. وجاء في المهذب: "واسم الخمر يقع

стр. 208

على كل مسكر ... "١. فالشافعية في هذا متفقون مع المالكية في التسمية وكذا في الحكم على المعتصر من العنب فقط، الخمر عند الشافعية يطلق على المسكر من عصير العنب وإن لم يقذف بالزبد. مذهب الحنابلة: أن الخمر هي اسم لكل مسكر، أي تطلق على كل ما يسكر، سواء من العنب أو الشعير أو نحو ذلك، وسواء كان ذلك قليلاً أو كثيراً من كافة الأشربة. فقدجاء في المغني: "أن كل مسكر حرام قليله وكثيره وهو خمر حكمه حكم عصير العنب ... "٢. وجاء في كشاف القناع: "ويسمى كل شراب أسكر خمراً"٣. فالحنابلة على أن كل شراب أسكر فهو خمر قذف أم لا اشتد أم لا؟ وعلى هذا: فإطلاق اسم الخمر لدى جمهور الفقهاء "المالكية والشافعية والحنابلة" إطلاق أوسع مما عليه الحال عند الحنفية، الذين قصروا مسمى الخمر على المعتصر من العنب النيء الذي غلا واشتد وقذف بالزبد فقط بخلاف غيره من سائر الأنبذة مثل نبيذ التمر والشعير والحنطة ونحوها فإنه لا تسمى خمراً عندهم، في حين أن هذه الأشربة تسمى خمراً عند المالكية والشافعية والحنابلة، فالخمر عندهم تطلق على كل ما يسكر قليله أوكثيره سواء كان ذلك من العنب أو من الشعير أو التمر أو العسل أو البر أو غير ذلك. فكل ما من شأنه أن يسكر فهو خمر ولا عبرة بالمادة التي أخذ منها فما كان مسكراً من أي نوع من الأنواع فهو خمر يستوي في ذلك ما كان من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير أو ما كان من غير هذه الأشياء فأساس الكلام في الخمر إنما هو مخامرة العقل وسكره وتغطيته وإفساد إدراكه.

стр. 209

وفي هذا يقول ابن تيمية: "وكل ما يغيب فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغيب العقل حرام بإجماع المسلمين ... فإن كل ما يغيب العقل يحرم باتفاق المسلمين"١. ويقول ابن قيم الجوزية: "إن الخمر يدخل فيها كل مسكر مائعاً كان أو جامداً عصيراً أو مطبوخاً"٢.

стр. 210

المبحث الأول: حكمة تحريم الخمر اتفق الفقهاء على تحريم الخمر، لأنها أم الخبائث بسبب إفسادها للعقول، ولصدها عن ذكر الله وعن الصلاة، فضلاً عن إيقاعها للعداوة بين الناس، فهي رجس وعمل من أعمال الشيطان وأداة تلاعبه بالناس، من أجل هذا كانت محلاً للنهي، والأمر باجتنابها حيث قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ١. فالخمر أم الخبائث لأنها تفسد العقول والأبدان والأخلاق والأنفس والمجتمعات، وتحريم الخمر أشد من تحريم اللحوم الخبيثة٢، فإن الخمر يجب اجتنابها مطلقاً ولا يجوز اقتناؤها، ويحرم بيعها وشراؤها والمساهمة فيها، لأن المفاسد الناشئة عنها أعظم من مفاسد الأطعمة الخبيثة٣، وحيث إن الشارع قد حرم الخبائث لما فيها من الفساد والأضرار بالعقول والأبدان والأخلاق، فقد ظهر على الذين استحلوا بعض المحرمات من الأطعمة والأشربة من النقص بقدر ما فيها من المفسدة ٤. وفي هذا يقول ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان: "حرم الله شرب القطرة من الخمر وإن لم تحصل مفسدة الكثير لكون قليلها ذريعة إلى شرب كثيرها"٥. وقال في إعلام الموقعين: "إن الله تعالى حرم الخمر لما فيها من المفاسد الكثيرة

стр. 211

المترتبة على زوال العقل ... والتحريم لكافة المحرمات على هذه الأمة هو تحريم حفظ وصيانة لا تحريم عقوبة وتحريم الخمر صيانة للعقول وحفظ لها ... "١. وقال في مدارج السالكين: "حرم الله السكر لشيئين ذكرهما في كتابه، وهما إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وذلك يتضمن حصول المفسدة الناشئة من النفوس بواسطة زوال العقل وانتفاء المصلحة التي لا يتم بها إلا بالعقل"٢. وقد علل بعض المعاصرين ذلك التحريم بمدى تأثير الخمر على مكونات الدم والسائل المنوي وخلافه في جميع خلايا جسم الإنسان ومن هؤلاء الدكتور الطبيب محمد على البار في كتابه الخمر بين الطبّ والفقه حين قال: " ... إن الأغذية والأشربة تتحول بعد الهضم والامتصاص، إما إلى طاقة تحرك الجسم ووقود للعقل والقلب، أو إلى مواد لبناء الأنسجة وإبدال التالف منها بجديد صالح حتى لا تنقص عن ميزانها الذي طبعها الله عليه، والمواد الدهنية والنشوية تتحول إلى طاقة، بينما تتحول المواد البروتنية إلى خلايا وأنسجة، ويقع ذلك ضمن عمليات كيمائية معقدة، فما نأكله أو نشربه يتحول بالتالي إلى محرك لعضلة اليد أو القلب أو اللسان، أو قادح لزند الفكر يتحول إلى بناء لنفس العضلة في اليد أو اللسان أو القلب، أو يجري في العروق مع الدم مكوناً لكريات الدم الحمراء أو البيضاء أو الصفائح أو حيوانات منوية تخرج من الصلب، فكيف إذا كان الطعام أو الشراب خبيثاً كالخمر ولحم الخنْزير وغير ذلك مما حرم الله ... "٣. إن المطالع لآيات تحريم الخمر وما ورد في كتب السنة بشأن هذا التحريم يجد أن المولى سبحانه قد قرنها بالميسر وهو القمار، وقرنها بالأنصاب وهي حجارة وأوثان كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وقرنها بالأزلام وهي قداح كانوا يستقسمون بها

стр. 212

واعتبرها رجساً من عمل الشيطان وأمر باجتنابها تماماً كما أمر باجتناب عبادة الأوثان وقول الزور، وسماها رجساً وهو أشد الدنس وأوضح بعضاً من مضارها الاجتماعية والدينية كإيقاع العداوة بين الناس والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وفي هذا يقول الحق سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ١. وهكذا: فقد حرمت الشريعة الإسلامية الخمر لا لشيء إلا من أجل إسعاد البشرية وحمايتها من شرورها وأذاها، فكم دمرت الخمر بيوتاً عامرة، وكم يتمت أطفالاً ورملت نساء، فضلاً عن أنها تجمع بين ضرر القلوب وضرر الأبدان وهي تميت الحياء في الجنس البشري والحياء سياج الأخلاق وأساس التدين ولا دين لمن لا حياء له.

стр. 213

المبحث الثاني: حكم الخمر اختلف الفقهاء في حكم الخمر من حيث نجاستها أو اعتبارها طاهرة. مذهب الحنفية: ذهب فقهاء الحنفية إلى القول بنجاسة الخمر نجاسة غليظة -أي مغلظة-. " ... أما الخمر فيتعلق بها أحكام منها ... أنها نجسة غليظة"١ بمعنى أنها نجسة العين كالبول وغيره من الأعيان النجسة، وأنها محرمة ويحكم على مستحلها بالكفر. فقد جاء في حاشية ابن عابدين: " ... وهي -أي الخمر- نجسة بنجاسة مغلظة كالبول ويكفر مستحلها ... "٢. مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى القول بنجاسة الخمر بناء على أنها محرمة العين، وعندهم كل محرم العين نجس الذات إلا ما أثر عن ربيعة أنه قال إنها طاهرة رغم أنها محرمة قياساً على الحرير فهو عند الإمام مالك محرم مع أنه طاهر. فقد جاء في الخرشي على شرح مختصر خليل: "قوله إلا المسكر لما كان بعض الجمادات مفسداً ومرقداً ومسكراً على ما ستعرفه من الفرق بينها٣ وكان الحكم في الأولين الطهارة دون الأخير المؤلف٤ بما ذكر سواءً كان المسكر مائعاً كالخمر أو جامداً كالحشيش وسواءً كان من العنب أو من غيره على المشهور"٥. "فكل مسكر مطرب من أي نوع كان من الأنبذة والأشربة محرم العين نجس

стр. 214

الذات، لأن الله تعالى سمى الخمر رجساً كما سمى النجاسات من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنْزير رجساً"١. وجاء في أحكام القرآن: في قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ أي نجس ولا خلاف في ذلك بين الناس إلا ما يؤثر عن ربيعة أنه قال إنها محرمة، وهي طاهرة، كالحرير عند مالك محرم، مع أنه طاهر ... "٢. مذهب الشافعية: ذهب الشافعية إلى القول بنجاسة الخمر، وذكر الغزالي٣ أن نجاستها نجاسة مغلظة. فقد جاء في المجموع: "الخمر نجسة عندنا ... ونقل الشيخ أبو حامد ٤ الإجماع على نجاستها ... "٥. وأنه يستوي في القول بالنجاسة الخمر المملوكة ملكاً محترماً مثل المملوكة للذمي، وكذلك المملوكة ملكاً غير محترم مثل الخمر التي تحت يد المسلم. " ... وأعلم أنه لا فرق في نجاسة الخمر بين الخمر المحترمة٦ وغيرها ... "٧. ويشمل الحكم بالنجاسة عندهم حبات العنب إذا استحال باطنها خمراً.

стр. 215

" ... وكذا لو استحال باطن حبات العنب خمراً فإنه نجس ... "١. وروي عن إمام الحرمين والغزالي وغيرهما القول بطهارة الخمر المملوكة ملكاً محترماً، وكذلك طهارة باطن حبات العنب إذا استحالتا خمراً وهذا القول ضعيف شاذ. " ... وحكى إمام الحرمين والغزالي وغيرهما وجهاً ضعيفاً أن الخمر المحترمة طاهرة ووجهاً أن باطن حبات العنب المستحيل طاهر وهما شاذان والصواب النجاسة ... "٢. مذهب الحنابلة: ذهب الحنابلة إلى القول بنجاسة الخمر لحرمة عينها كالخنْزير وعليه فكل مسكر حرام نجس. "والخمر نجسة في قول عامة أهل العلم لأن الله تعالى حرمها لعينها فكانت نجسة كالخنْزير وكل مسكر فهو حرام نجس"٣. "المسكر نجس، خمراً كان أو نبيذاً ... "٤. الموازنة بين أقوال الفقهاء: نجد أن جميع أهل العلم وجمهور الفقهاء على أن الخمر نجسة على خلاف بسيط فيما بينهم فيما يتعلق في مرد القول بالنجاسة وسبب كونها نجسة على نحو ما تقرر لديهم. فيرى الحنفية: أن الحكم بنجاسة الخمر كان بسبب نجاسة عينها وما يستفاد من مذهب الشافعية يتفق مع ما قاله الحنفية، في حين أن المالكية ومعهم الحنابلة يقولون بأنها نجسة باعتبار أنها محرمة في عينها، لأنهم يرون أن كل محرم نجس وأن هذا شأن كل مسكر. وهذا الذي تقرر لدى الجمهور من القول بنجاسة الخمر، ولم يخالفه ولم يشذ عن هذا الإجماع سوى ربيعة الرأي الذي يرى أن الخمر طاهرة كالحرير والسم والحشيش المسكر فرغم التحريم فإن هذه الأشياء تكون طاهرة.
следующие страницы →