المترتبة على زوال العقل ... والتحريم لكافة المحرمات على هذه الأمة هو تحريم حفظ وصيانة لا تحريم عقوبة وتحريم الخمر صيانة للعقول وحفظ لها ... "١.
وقال في مدارج السالكين: "حرم الله السكر لشيئين ذكرهما في كتابه، وهما إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وذلك يتضمن حصول المفسدة الناشئة من النفوس بواسطة زوال العقل وانتفاء المصلحة التي لا يتم بها إلا بالعقل"٢.
وقد علل بعض المعاصرين ذلك التحريم بمدى تأثير الخمر على مكونات الدم والسائل المنوي وخلافه في جميع خلايا جسم الإنسان ومن هؤلاء الدكتور الطبيب محمد على البار في كتابه الخمر بين الطبّ والفقه حين قال: " ... إن الأغذية والأشربة تتحول بعد الهضم والامتصاص، إما إلى طاقة تحرك الجسم ووقود للعقل والقلب، أو إلى مواد لبناء الأنسجة وإبدال التالف منها بجديد صالح حتى لا تنقص عن ميزانها الذي طبعها الله عليه، والمواد الدهنية والنشوية تتحول إلى طاقة، بينما تتحول المواد البروتنية إلى خلايا وأنسجة، ويقع ذلك ضمن عمليات كيمائية معقدة، فما نأكله أو نشربه يتحول بالتالي إلى محرك لعضلة اليد أو القلب أو اللسان، أو قادح لزند الفكر يتحول إلى بناء لنفس العضلة في اليد أو اللسان أو القلب، أو يجري في العروق مع الدم مكوناً لكريات الدم الحمراء أو البيضاء أو الصفائح أو حيوانات منوية تخرج من الصلب، فكيف إذا كان الطعام أو الشراب خبيثاً كالخمر ولحم الخنْزير وغير ذلك مما حرم الله ... "٣.
إن المطالع لآيات تحريم الخمر وما ورد في كتب السنة بشأن هذا التحريم يجد أن المولى سبحانه قد قرنها بالميسر وهو القمار، وقرنها بالأنصاب وهي حجارة وأوثان كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وقرنها بالأزلام وهي قداح كانوا يستقسمون بها
стр. 212
واعتبرها رجساً من عمل الشيطان وأمر باجتنابها تماماً كما أمر باجتناب عبادة الأوثان وقول الزور، وسماها رجساً وهو أشد الدنس وأوضح بعضاً من مضارها الاجتماعية والدينية كإيقاع العداوة بين الناس والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وفي هذا يقول الحق سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ١.
وهكذا: فقد حرمت الشريعة الإسلامية الخمر لا لشيء إلا من أجل إسعاد البشرية وحمايتها من شرورها وأذاها، فكم دمرت الخمر بيوتاً عامرة، وكم يتمت أطفالاً ورملت نساء، فضلاً عن أنها تجمع بين ضرر القلوب وضرر الأبدان وهي تميت الحياء في الجنس البشري والحياء سياج الأخلاق وأساس التدين ولا دين لمن لا حياء له.
стр. 213
المبحث الثاني: حكم الخمر
اختلف الفقهاء في حكم الخمر من حيث نجاستها أو اعتبارها طاهرة.
مذهب الحنفية: ذهب فقهاء الحنفية إلى القول بنجاسة الخمر نجاسة غليظة -أي مغلظة-.
" ... أما الخمر فيتعلق بها أحكام منها ... أنها نجسة غليظة"١ بمعنى أنها نجسة العين كالبول وغيره من الأعيان النجسة، وأنها محرمة ويحكم على مستحلها بالكفر.
فقد جاء في حاشية ابن عابدين: " ... وهي -أي الخمر- نجسة بنجاسة مغلظة كالبول ويكفر مستحلها ... "٢.
مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى القول بنجاسة الخمر بناء على أنها محرمة العين، وعندهم كل محرم العين نجس الذات إلا ما أثر عن ربيعة أنه قال إنها طاهرة رغم أنها محرمة قياساً على الحرير فهو عند الإمام مالك محرم مع أنه طاهر.
فقد جاء في الخرشي على شرح مختصر خليل: "قوله إلا المسكر لما كان بعض الجمادات مفسداً ومرقداً ومسكراً على ما ستعرفه من الفرق بينها٣ وكان الحكم في الأولين الطهارة دون الأخير المؤلف٤ بما ذكر سواءً كان المسكر مائعاً كالخمر أو جامداً كالحشيش وسواءً كان من العنب أو من غيره على المشهور"٥.
"فكل مسكر مطرب من أي نوع كان من الأنبذة والأشربة محرم العين نجس
стр. 214
الذات، لأن الله تعالى سمى الخمر رجساً كما سمى النجاسات من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنْزير رجساً"١.
وجاء في أحكام القرآن: في قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ أي نجس ولا خلاف في ذلك بين الناس إلا ما يؤثر عن ربيعة أنه قال إنها محرمة، وهي طاهرة، كالحرير عند مالك محرم، مع أنه طاهر ... "٢.
مذهب الشافعية: ذهب الشافعية إلى القول بنجاسة الخمر، وذكر الغزالي٣ أن نجاستها نجاسة مغلظة.
فقد جاء في المجموع: "الخمر نجسة عندنا ... ونقل الشيخ أبو حامد ٤ الإجماع على نجاستها ... "٥.
وأنه يستوي في القول بالنجاسة الخمر المملوكة ملكاً محترماً مثل المملوكة للذمي، وكذلك المملوكة ملكاً غير محترم مثل الخمر التي تحت يد المسلم.
" ... وأعلم أنه لا فرق في نجاسة الخمر بين الخمر المحترمة٦ وغيرها ... "٧.
ويشمل الحكم بالنجاسة عندهم حبات العنب إذا استحال باطنها خمراً.
стр. 215
" ... وكذا لو استحال باطن حبات العنب خمراً فإنه نجس ... "١.
وروي عن إمام الحرمين والغزالي وغيرهما القول بطهارة الخمر المملوكة ملكاً محترماً، وكذلك طهارة باطن حبات العنب إذا استحالتا خمراً وهذا القول ضعيف شاذ.
" ... وحكى إمام الحرمين والغزالي وغيرهما وجهاً ضعيفاً أن الخمر المحترمة طاهرة ووجهاً أن باطن حبات العنب المستحيل طاهر وهما شاذان والصواب النجاسة ... "٢.
مذهب الحنابلة: ذهب الحنابلة إلى القول بنجاسة الخمر لحرمة عينها كالخنْزير وعليه فكل مسكر حرام نجس.
"والخمر نجسة في قول عامة أهل العلم لأن الله تعالى حرمها لعينها فكانت نجسة كالخنْزير وكل مسكر فهو حرام نجس"٣.
"المسكر نجس، خمراً كان أو نبيذاً ... "٤.
الموازنة بين أقوال الفقهاء: نجد أن جميع أهل العلم وجمهور الفقهاء على أن الخمر نجسة على خلاف بسيط فيما بينهم فيما يتعلق في مرد القول بالنجاسة وسبب كونها نجسة على نحو ما تقرر لديهم.
فيرى الحنفية: أن الحكم بنجاسة الخمر كان بسبب نجاسة عينها وما يستفاد من مذهب الشافعية يتفق مع ما قاله الحنفية، في حين أن المالكية ومعهم الحنابلة يقولون بأنها نجسة باعتبار أنها محرمة في عينها، لأنهم يرون أن كل محرم نجس وأن هذا شأن كل مسكر.
وهذا الذي تقرر لدى الجمهور من القول بنجاسة الخمر، ولم يخالفه ولم يشذ عن هذا الإجماع سوى ربيعة الرأي الذي يرى أن الخمر طاهرة كالحرير والسم والحشيش المسكر فرغم التحريم فإن هذه الأشياء تكون طاهرة.
стр. 216
فخلاصة القول أن المسألة فيها قولان:
القول الأول: للجمهور بنجاسة الخمر.
القول الثاني: لربيعة الرأي بطهارة الخمر.
الأدلة:
استدل القائلون بنجاسة الخمر بما يأتي:
أ – قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١.
فإن الله قد سمى الخمر رجساً، والرجس يقع على الشيء المستقذر النجس، والنجس محرم.
ب - قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ ٢.
قالوا لو كانت الخمر في الدنيا طاهرة لفات الامتنان من المولى سبحانه بطهورية خمر الآخرة ٣.
قال الشيخ الشنقيطي بعد أن ساق هذا الاستدلال: "لأن وصفة شراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح الله تعالى – بها خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ٤ وكقوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ ٥ بخلاف خمر الدنيا ففيها غول يغتال العقول وأهلها يصدعون – أي يصيبهم الصداع ... "٦.
ج – عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ قال: إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدرهم الخنْزير ويشربون في آنيتهم الخمر فقال رسول الله ﷺ :
стр. 217
"إن وجدتم غيرها فكلوا منها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء وكلوا واشربوا".
وفي رواية عند الإمام أحمد عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: "قلت يا نبي الله إن أرضنا أرض أهل الكتاب وإنهم يأكلون لحم الخنْزير، ويشربون الخمر، فكيف أصنع بآنيتهم وقدورهم؟ قال: لا إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا" ١.
وقال الخطابي: "والأصل في هذا أنه إذا كان معلوماً من حال المشركين أنهم يطبخون في قدورهم لحم الخنْزير ويشربون في آنيتهم الخمور، فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد الغسل والتنظيف"٢، فقد علق استعمال آنية الكفار على عدم وجدان غيرها، وعلق إباحة استعمالها على غسلها واقتنائها بالماء وهذا هو شأن النجاسات.
د – بما روى الطبري عن سيف٣ عن أبي المجالد٤ قالوا: بلغ عمر أن خالداً دخل الحمام فتدلك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر فكتب إليه: بلغني أنك تدلكت بخمر، وإن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر إلا أن تغسل كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم فإنها نجسة فإن فعلتم فلا تعودوا، فكتب إليه خالد: إنا قتلناهم فعادت غسولا غير خمر.
فكتب إليه عمر: إني أظن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه، فانتهى إليه ذلك.
فهذا قول عمر بن الخطاب ﵁ فقد صرح بأن الخمر نجسة ولا يجوز أن تمسها أجساد المسلمين، ولم يعرف له مخالف من الصحابة، فكان ذلك كالإجماع٥.
стр. 218
و – واستدل الإمام القرافي على نجاسة الخمر، بأن علة النجاسة الاستقذار، فمتى كانت العين غير مستقذرة، فحكم الله في تلك العين عدم النجاسة، فعلة الطهارة عدم تحقق علة النجاسة وهي الاستقذار والخمر تقتضي الإبعاد وما كان كذلك كان مستقذراً وكان نجساً فالخمر نجسة١.
واستدل لربيعة الرأي بما يأتي:
أ – ما ذكر القرطبي قال: "وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم ولنهى الرسول ﷺ عنه كما نهى عن التخلي في الطرق"٢.
ونوقش هذا الاستدلال بما يأتي:
١- أن الصحابة فعلت ذلك لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كُنُف في بيوتهم، وقالت عائشة ﵂ إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور.
٢- وأيضا فإنه يمكن التحرز منها فإن طرق المدينة كانت واسعة ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرا يعم الطريق كلها بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز منها.
٣- هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها وأنه لا ينتفع بها٣.
٤- الطرق التي أريقت فيها الخمر ليست مواضع للصلاة بل هي مواضع الاستطراق، وعلى فرض أنه يشق الاحتراز منها فربما وطئها المار فنقول إذا وطئها فإن
стр. 219
رجله أو نعله يطهره ما بعده من الأرض الطاهرة.
٥- وقد يقال إن الخمر لما أريقت في الطرقات وخالطها التراب وتعرضت للشمس والهواء كان ذلك سبيلا لاستهلاك الخمر واستحالتها وذهاب المادة المسكرة منها بدليل أنه لو أخذ كثير من التراب الذي أريقت عليه وحل بماء فإنه لا يسكر.
٦- ولا يستساغ القول بأنها لو كانت نجسة لنهي عن إراقتها في الأسواق كنهيه ﷺ عن التغوط في الأسواق، لأن هذا التغوط لا يتناسب مع المروءة فضلاً عن أنه لو ساغ لكل واحد التغوط في الأسواق لاستمر ذلك إلى الأبد وفيه ما فيه من الضرر باستمرار النجاسة والاستقذار مع حاجة الناس إلى الأسواق بينما الخمر إنما أريقت في وقت تحريمها فحسب ولم تتكرر إراقتها في كل وقت وزمن كالتغوط في الأسواق١.
ب - واستدل القائلون بطهارة الخمر أيضاً بأنه لا يلزم من كون الشيء محرماً أنه يكون نجساً فكم من محرم في الشرع ليس بنجس وذلك كالذهب والحرير فهما محرمان على الرجال مع أنهما طاهران وكالسم فهو محرم رغم أنه طاهر٢.
ونوقش هذا الاستدلال بما قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ يدل على نجاستها، فإن الرجس في اللسان النجاسة، ثم لو التزمنا ألاّ نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصا لتعطلت الشريعة فإن النصوص فيها قليلة.
فأي نص يوجد على تنجس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك؟ وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة٣.
والراجح في هذا: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من نجاسة الخمر لما ذكرناه من الأدلة، ولأن من قال بطهارتها ليس لديه دليل سوى إراقة الخمر في شوارع المدينة، وهذا لا ينهض دليلاً على الطهارة لما بيناه من مناقشة هذا الدليل، بل هو دليل على النجاسة، لأن الطاهر لا يراق في الشوارع، وإنما يحتفظ به في أي وجه من وجوه
стр. 220
الانتفاع، فإراقتها دليل على أنها نجسة لا تصلح لأي استعمال، وهذا ما فهمه الصحابة ﵃، والقول بطهارتها لم يقل به أحد منهم كما قدمنا عن عمر بن الخطاب وعائشة أم المؤمنين ﵃ أجمعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والحشيشة المسكرة حرام ومن استحل المسكر منها فقد كفر، بل هي في أصح قولي العلماء نجسة كالخمر، فالخمر كالبول والحشيشة كالعذرة"١.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد سياق آية المائدة "ويفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمر نجس العين لأن الله تعالى قال إنها رجس، والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس، وقيل إن أصله من الركس وهو العذرة والنتن"٢. والله تعالى أعلم.
стр. 221
المبحث الثالث: حكم التداوي بالخمر، وحكم بيعها
المطلب الأول: حكم التداوي بالخمر
مذهب الحنفية: ذهب الحنفية إلى القول بحرمة التداوي بالخمر، وعدم جواز الانتفاع بالخمر في المداواة وغيرها من الأمور " ... وكذا لا يجوز الانتفاع بها للمداواة وغيرها ... "١. " ... ولا يجوز بها التداوي على المعتمد قاله المصنف"٢.
وروي عن جماعة من أئمة بلخ٣ أنه يجوز للمريض شرب الخمر للتداوي، إذا أشار إليه الطبيب بذلك وعلم يقيناً أنه يصح، وأن ذلك يحل له.
"ولو أن مريضاً أشار إليه الطبيب بشرب الخمر، روي عن جماعة من أئمة بلخ أنه ينظر إن كان يعلم يقيناً أنه يصح حل له التناول ... "٤.
واختلفت الرواية عندهم في تناول القليل من الخمر للتداوي إذا لم يجد ما يقوم مقام ذلك القليل من الخمر من الحلال.
" ... هل يجوز شرب القليل من الخمر للتداوي إذا لم يجد شيئاً يقوم مقامه فيه وجهان ... "٥.
وفي هذا يقول علاء الدين الحصكفي٦ في الدر المختار: "اختلف في التداوي
стр. 222
بالمحرم قيل: يرخص إذا علم فيه الشفاء ولم يعلم دواء آخر كما رخص الخمر للعطشان وعليه الفتوى ... "١، يعني عند الحنفية فهم يبيحون استعمال الدواء المحرم في حالة الضرورة، وذلك بعد إخبار الطبيب الحاذق المسلم بأن الدواء الحرام يتعين استعماله في هذه الحالة كما ورد في الفتاوى الهندية، ويؤيد هذا ما قاله ابن عابدين "فلو خاف الهلاك عطشاً وعنده خمر له شربه قدر ما يدفع العطش إن علم أنه يدفعه" وقال في موضع آخر "بأن خاف هلاكه منه ولا يجد ما يزيله إلا الخمر"٢.
فالمستفاد من نصوص الحنفية: أنه لا يجوز استعمال الدواء المحرم إلا إذا حصل اليقين أو غلبة الظن بأنه لا يمكن إنقاذ الحياة إلا بهذا الدواء مع وجود اليقين، كذلك بأن هذا الدواء منقذ للحياة عادة، وذلك بدلالة الطبيب المسلم أو بأية طريقة أخرى موثوق بها.
مذهب المالكية: القول بأن التداوي بالخمر محرم، وأن هذا لا يجوز حتى ولو كان ذلك بقصد التداوي، أو كان لخوف الموت، وهذا على أساس عدم تيقن البرء بتناولها، الأمر الذي يستلزم عدم إباحة المحرم وهو شرب الخمر، وهذا على الرأي المشهور في المذهب.
"قوله لا يجوز استعمال الخمر لأجل دواء ولو لخوف الموت"٣.
"مسألة: وأما التداوي فالمشهور من المذهب أنه لا يحل ذلك ... لأن التداوي لا يتيقن البرء به، فلم يجز أن يستعمل المحظور فيه"٤.
فالمستفاد من نصوص المالكية: أن التداوي بالخمر محرم، وأن هذا لا يجوز حتى ولو كان ذلك لخوف الموت، وذلك على الرأي المشهور في مذهب المالكية، وذلك لعدم تيقن البرء بتناولها.
стр. 223
مذهب الشافعية: القول بحرمة شرب الخمر للتداوي أو في حالة العطش، إلا أنهم أجازوا لمن غص بلقمة أن يدفعها بالخمر إذا لم يجد غيرها.
فقد جاء في مغني المحتاج: " ... ومن غص بلقمة أساغها بخمر إن لم يجد غيرها، والأصح تحريمها لدواء وعطش ... "١.
وجاء في المجموع: " ... المذهب الصحيح تحريم الخمر للتداوي والعطش ... "٢.
وفي نهاية المحتاج: " ... ولو كان التداوي بها لتعجيل شفاء كما يكون لرجائه وأنه يجوز بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك أو معرفة المتداوي به إن عرف، ويشترط عدم ما يقوم مقامه مما يحصل به التداوي من الطاهرات ... "٣.
فالنص يشعر بجواز استعمال الخمر للتداوي إذا كان ذلك لتعجيل شفاء أو رجائه، وأن الجواز يشترط له أن يوصى بذلك طبيب مسلم عدل، أو يسبق علم المتداوي بحصول الشفاء أو تعجيله فضلاً عن انعدام ما يقوم مقام الخمر في التداوي من الأشياء الطاهرة.
مذهب الحنابلة: قالوا بعدم جواز التداوي بالخمر ولا بشيء فيه محرم.
" ... ولا يجوز شربه للذة ولا لتداوٍ ... "٤.
وجاء في المغني: "ولا يجوز التداوي بمحرم، ولا شيء فيه محرم مثل ألبان الأنثى، ولحم شيء من المحرمات، ولا شرب الخمر للتداوي"٥.
فالحنابلة: يمنعون التداوي بالخمر، وقالوا بعدم جواز شربها لغرض التداوي، فقد اعتبروا الأصل في هذه وهو التحريم، ومنعوا التداوي بكل محرم وبما فيه محرم.
الموازنة: من خلال النظر فيما قاله الفقهاء بشأن التداوي بالخمر يتضح
стр. 224
التالي:
أ – أن ما عليه الحنفية: بحسب أصلهم أن التداوي بالخمر محرم، وأنه لا يجور الانتفاع بها في المداواة وغيرها.
أن بعض علماء بلخ يجوزون تناول المريض للخمر بشرطين أحدهما: أن يشير عليه الطبيب بذلك وثانيهما: أن يتيقن صحة ذلك وأنه يحل له.
أنه بالنسبة لتناول القليل للتداوي إذا لم يجد غيره من الحلال فقد اختلف فقهاء المذهب بشأن إباحة ذلك، فمنهم من أجاز ذلك، ومنهم من منعه.
ب – المالكية: يرون في المشهور عندهم حرمة التداوي بالخمر، حتى ولو كان لخوف الموت، وأن مقابل المشهور يرى جواز ذلك في حدود الضرورة، وأن هذا لم ينص عليه وإنما استفيد من النص على المشهور.
ج – الشافعية: يرون حرمة شرب الخمر للتداوي ودفع العطش وأنه لا يجوز دفع الغصة إذا لم يجد غيرها. كما أنه يجوز التداوي بالخمر للشفاء أو رجاء الشفاء بشروط خاصة.
د – الحنابلة: يرون أنه لا يجوز التداوي بالخمر أو ما فيه محرم.
وخلاصة القول: أن هناك مذهبين في المسألة:
المذهب الأول: يرى عدم جواز التداوي بالخمر وحرمة هذا، وإليه ذهب جمهور الحنفية، وأحد قولين للمالكية، والصحيح عند الشافعية، وهو رأي الحنابلة.
المذهب الثاني: يرى جواز التداوي بالخمر وهو أحد قولي الحنفية والشافعية.
الأدلة: استدل القائلون بجوازالتداوي بالخمر:
١ – بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ١.
стр. 225
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢.
وجه الدلالة: أن ما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب، فقد أسقط الله سبحانه تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة إليه، فما دام الشيء محرماً علينا فلا شفاء لنا فيه، فإذا اضطررنا إليه فلا يحرم علينا حينئذ بل هو حلال، وهو لنا حينئذ شفاء والضرورات تبيح المحظورات من طعام وشراب.
٢ – وبما روى أنس قال: "قدم ناس من عكل أو عرينه فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون قال أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله".
وجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ أباح للعرنيين التداوي بشرب أبوال الإبل وهي محرمة ونجسة، إلا أنها لما كانت مما يستشفى بها في بعض العلل رخص لهم في تناولها، فكذلك الخمر تباح عند ضرورة التداوي والاستشفاء بها قياسا على إباحة التداوي بأبوال الإبل المحرمة عند الضرورة إلى التداوي بها.
واستدل القائلون بتحريم التداوي بالخمر:
١ – بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
وجه الدلالة: أنه تعالى أخبر في هذه الآية أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ٤، وأمر باجتنابها، واجتنابها عام في كل الأحوال في البيع والشراء والتداوي
стр. 226
والشرب.
قال القرطبي قوله: "فاجتنبوه" يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه، لا بشرب، ولا بيع، ولا تخليل، ولا مداواة، ولا غير ذلك ... "١.
٢- عن وائل بن حجر الحضرمي٢ أن طارق بن سويد الجعفي ﵁ – "سأل النبي ﷺ عن الخمر؟ فنهاه عنها – أو كره أن يصنعها – فقال: "إنما أصنعها للدواء فقال: إنها ليست بدواء ولكنها داء" ٣.
٣- وبما روي عن طارق بن سويد الحضرمي أنه قال: قلت: يا رسول الله إن بأرضنا أعناباً نعتصرها فنشرب منها، قال: "لا. فعاودته فقال: لا. فقلت: إنا نستشفي بها للمريض فقال: إن ذلك ليس بشفاء، ولكنه داء" ٤.
وجه الدلالة من هذين الحديثين: أنه ﷺ صرح بأن الخمر ليست بدواء ولكنها داء وفي هذا دلالة صريحة على تحريم التداوي بها كيف وقد بين ﷺ أنها داء وهل يعقل أن يزال الداء بالداء.
٤ – عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام" ٥.
٥ – عن ابن مسعود ﵁ قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم
стр. 227
عليكم"١.
وجه الدلالة من هذين الحديثين: أنه ﷺ بين مشروعية الدواء وأنه شيء مشروع، وهو لا ينافي التوكل، ومع هذا نهى ﷺ عن التداوي بالمحرمات، والخمر محرمة، فالتداوي بها حرام بنص الحديث، وكذلك قول عبد الله بن مسعود يفيد تحريم التداوي بالخمر، لأنها محرمة والله لم يجعل الشفاء فيما حرم علينا.
٦ – قال ابن القيم: "إن النبي ﷺ نهى عن التداوي بالخمر، وإن كانت مصلحة التداوي بها راجحة على مفسدة ملا بستها -أي كما كان يظن سابقًا- سداً لذريعة قربانها واقتنائها ومحبة النفوس لها، فحسم علينا المادة حتى في تناولها على وجه التداوي وهذا من أبلغ سد الذرائع"٢.
٧ – قال ابن تيمية: "وليس هذا مثل أكل المضطر للميتة، فإن ذلك يحصل به المقصود قطعاً وليس له عنه عوض، والأكل منها واجب، وهنا لا يعلم حصول الشفاء ولا يتعين هذا الدواء بل الله تعالى يعافي عباده بأسباب متعددة ... والذين جوزوا التداوي بالمحرم قاسوا ذلك على إباحة المحرمات كالميتة والدم للمضطر، وهذا ضعيف"٣.
قال الصنعاني بعد قوله: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
والحديث دليل على أنه يحرم التداوي بالخمر، لأنه إذا لم يكن فيه شفاء، فتحريم شربها باق لا يرفعه تجويز أن يدفع بها الضرر عن النفس٤.
والراجح في هذا: هو ما ذهب إليه القائلون بتحريم التداوي بالخمر، وذلك
стр. 228
للنص على تحريم التداوي بالمحرمات، فقد بين القرآن الكريم أن الخمر رجس وأمر باجتنابها، وهذا عام في كل شيء لم يقيد، فيعم ترك شربها، وترك التداوي بها، وترك بيعها وشرائها، ولأنه ﷺ بين أنها داء وليس من المعقول طلب الشفاء بالداء، وهذا هو الأصل في المسألة غير أنه إذا حصل اليقين أو غلبة الظن بأنه لا يمكن إنقاذ الحياة إلا بهذا الدواء المحرم مع التيقن بأن هذا الدواء الحرام يعد منقذاً للحياة عادة فإنه لا مانع من التداوي به على هذا النحو بهذه الضوابط والله تعالى أعلم.
стр. 229
المطلب الثاني: حكم بيع الخمر
اختلف الفقهاء بشأن حكم بيع الخمر، وذلك على النحو الآتي:
مذهب الحنفية: قالوا بأنه لا يجوز بيع الخمر، لأنه يحرم على المسلم تملكها والانتفاع بها، فإذا كانت الخمر ثمناً، فالبيع فاسد، وإذا كانت الخمر مبيعاً فإذا كان الثمن ديناً أو نقوداً فالبيع باطل، أما إذا كان الثمن عيناً فالبيع فاسد.
فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... ومنها أنه يحرم على المسلم تمليكها وتملكها بسائر أسباب الملك، من البيع والشراء وغير ذلك، لأن كل ذلك انتفاع بالخمر، وأنها محرمة الانتفاع على المسلم ... إلا أنها تورث لأن الملك في الموروث ثبت شرعاً من غير صنع العبد فلا يكون ذلك من باب التمليك والتملك، والخمر إن لم تكن متقومة فهي مال عندنا فكانت قابلة في الجملة ... أن البيع مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه قال الله ﵎ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ١ وقد وجد هنا لأن الأشربة مرغوب فيها، والمال اسم لشيء مرغوب فيه، إلا أن الخمر مع كونها مرغوباً فيها لا يجوز بيعها بالنص الذي روينا، والنص ورد باسم الخمر فيقتصر على مورد النص، وعلى هذا الخلاف إذا أتلفها إنسان يضمن عنده أي عند أبي حنيفة -وعندهما- أي عند الشيخين لا
стр. 230
يضمن ... "١.
وجاء في حاشية ابن عابدين: " ... ولا يجوز بيعها، لأن الله تعالى لما نجسها فقد أهانها والتقوم يشعر بعزتها ... "٢.
فعدم جواز بيع الخمر عند الحنفية مبني على أن الخمر نجسة، وأن هذه النجاسة تجعلها مهانة فلا يستساغ تقويهما، فلا تكون محلاً للبيع، فإذا كان المقابل في عقد بيعها نقداً فيبطل البيع، لأن الخمر تكون المقصود بالتملك بخلاف ما إذا كان المقابل في عقد بيعها عيناً فإن البيع يكون فاسداً باعتبار أن حقيقة البيع قد تحققت وهي مبادلة مال بمال فهي أقرب ما تكون إلى عقد المقايضة عند غيرهم.
" ... والبيع بالخمر والخنْزير فاسد لوجود حقيقة البيع، وهو مبادلة المال بالمال، فإنه مال عند البعض، والباطل لا يفيد ملك التصرف ... وأما بيع الخمر والخنْزير إن كان قوبل بالدين كالدراهم والدنانير، فالبيع باطل، وإن كان قوبل بعين، فالبيع فاسد حتى يملك ما يقابله، وإن كان لا يملك عين الخمر والخنْزير، ووجه الفرق: أن الخمر مال وكذا الخنْزير مال عند أهل الذمة، إلا أنه غير متقوم، كما أن الشرع أمر بإهانته وترك إعزازه وفي تملكه بالعقد مقصوداً إعزاز له، وهذا لأنه متى اشتراهما بالدراهم، فالدراهم غير مقصودة، لكونها وسيلة، كما أنها تجب في الذمة. وإنما المقصود الخمر، فسقط التقويم أصلاً، بخلاف ما إذا اشترى الثوب بالخمر، لأن المشتري للثوب إنما يقصد تملك الثوب بالخمر، وفيه إعزاز بالثوب دون الخمر، فبقي ذكر الخمر معتبراً في تملك الثوب بالخمر، لا في حق ملك نفس الخمر، حتى فسدت التسمية ووجبت قيمة الثوب دون الخمر، وكذا إذا باع الخمر بالثوب، لأنه يعتبر شراء الثوب بالخمر مقايضة ... "٣.
فالنص يفيد أن بيع الخمر، إن كان مقابل البيع ديناً كالدراهم والدنانير، فإن البيع
стр. 231
يكون باطلاً، وإن كان مقابل بيع الخمر عيناً، فإن البيع يكون فاسداً، ومقابل البيع يملك فشراء الثوب بالخمر يعتبر مقايضة، وإن كان لا يملك عين الخمر، والخمر مال عند أهل الذمة، لكنه غير متقوم، لأن الشرع أمر بإهانته وترك إعزازه، وحين تشتري الخمر بالدراهم، تكون الدراهم غير مقصودة، لأنها وسيلة لما أنها تجب في الذمة، وإنما المقصود بالعقد هو الخمر فسقط التقويم أصلاً. وهذا بخلاف الحال حين يشتري الثوب بالخمر، لأن المشتري للثوب إنما يقصد تملك الثوب بالخمر وفيه إعزاز للثوب دون الخمر.
وجاء في اللباب في شرح الكتاب: " ... إذا كان أحد العوضين أو كلاهما محرماً فالبيع فاسد، كالبيع بالميتة أو بالدم أو بالخمر أو بالخنْزير ... "١.
مذهب المالكية: القول بعدم جواز بيع الخمر وما في حكمها من النجاسات، وذلك لأن الله سبحانه لما جعلها نجسة فقد أهانها، وبيعها يشعر بتقويمها وعزتها، وهذا مناف لما تقرر من نجاستها.
فقد جاء في مواهب الجليل: " ... ولا يجوز بيع الحر، والخنْزير، والقرد، والخمر، والدم ... "٢. فقد نص على عدم جواز بيع بعض الأشياء، وعد منها صراحة الخمر، فتقرر عدم جواز بيعها.
وجاء في المقدمات الممهدات: " ... فأما ما لا يصح ملكه فلا يجوز بيعه بإجماع كالحر والخمر والخنْزير ... "٣.
فقد دل النص على أن الخمر لا يصح تملكها، وعلى هذا لا يجوز بيعها، ذلك لأن الإجماع منعقد على أن ما لا يصح تملكه فلا يجوز بيعه.
وجاء في القوانين الفقهية: " ... وأما الثمن والمثمون فيشترط في كل واحد منهما ... أن يكون طاهراً منتفعاً به، معلوماً مقدوراً على تسليمه فقولنا "طاهراً"
стр. 232
تحرزا، من النجس، فإنه لا يجوز بيعه كالخمر والخنْزير ... "١.
دل نص القوانين الفقيهة على عدم جواز بيع الخمر تمشياً مع أصل المذهب المالكي بكون الخمر نجسة غير طاهرة، وبناء عليه منع بيعها لنجاستها، لأن من شروط صحة البيع عند المالكية طهارة الثمن والمثمون.
مذهب الشافعية: قالوا بعدم صحة بيع الخمر، لكونها نجسة في نفسها، لأنهم يرون أن الأعيان ضربان: نجس، وطاهر، والنجس على ضربين نجس في نفسه، ونجس بملاقاة نجاسة، والنجس في نفسه لا يجوز بيعه، والخمر نجسة العين.
فقد جاء في مغني المحتاج: " ... فلا يصح بيع الكلب والخمر ... "٢. وفي نهاية المحتاج: "فلا يصح بيع الكلب ولو معلما، والخمر -يعني المسكر- وسائر نجس العين ونحوه ... "٣. وجاء في المهذب: "الأعيان ضربان: نجس، وطاهر. فأما النجس فعلى ضربين: نجس في نفسه، ونجس بملاقاة نجاسة. فأما النجس في نفسه فلا يجوز بيعه، وذلك مثل الكلب والخنْزير والخمر ... "٤.
فنص المهذب: يقرر ما عليه الشافعية من القول بعدم جواز بيع الخمر، بناء على نجاستها باعتبار أنها نجسة في نفسها، فكانت تلك النجاسة سبباً في عدم جواز البيع.
مذهب الحنابلة: قالوا بعدم جواز بيع الخمر لنجاستها لأنهم يشترطون مالية المبيع، والمال عندهم هو ما يباح نفعه مطلقاً كما يجوز اقتناؤه بلا حاجة، والخمر لا تعتبر مالاً، لأن فيها نفعاً محرماً، كما أنها لا تباح إلا عند الضرورة، وهي نجسة العين. والمقرر أن العين النجسة أو المتنجسة لا يجوز بيعها، وقالوا: كما لا يجوز بيعها، لا يجوز التوكل في بيعها أو شرائها إعمالا لأصل المنع من ذلك عندهم.
فقد جاء في المغنى والشرح الكبير: "ولا يجوز بيع الخمر، ولا التوكل في بيعه،
стр. 233
ولا شرائه ... "١. وجاء في كتاب الكافي: " ... ولا يجوز بيع الخمر والميتة والخنْزير والأصنام ... "٢. وفي شرح منتهى الإرادات: "الثالث: كون المبيع مالاً وهو ما يباح نفعه مطلقاً أو اقتناؤه بلا حاجة، فخرج ما لا نفع فيه كالحشرات، وما فيه نفع محرم كخمر، وما لا يباح إلاّ عند الضرورة كالميتة ... "٣.
الموازنة: بالرجوع إلى أقوال الفقهاء بشأن بيع الخمر يتضح لنا أن الاتفاق حاصل بين جميع أهل العلم وجمهور الفقهاء على منع بيع الخمر، مع اختلاف طفيف في التعبير عن ذلك المنع، فمنهم من عبر عنه بعدم الجواز كالمالكية والحنابلة، ومنهم من عبر عن هذا بعدم الصحة كالشافعية. كما أن هؤلاء قد عللوا المنع بعلل تكاد تكون قريبة في معناها ومفادها، فمنهم من بنى المنع على كونها نجسة، وأن اعتبار بيعها يجعلها متقومة وهذا ينافي إهانتها بسبب النجاسة على نحو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة والمالكية الذين اعتبروا أن السبب في منع بيع الخمر نجاستها، وعدم طهارتها، وتحريمها، وذلك لأن كل نجس محرم، ولا يصح بيع المحرم النجس.
في حين أن الحنفية: مع اتفاقهم مع الجمهور على منع بيع الخمر وعدم اعتبارها محلاً للتعامل، لنجاستها، وعدم ماليتها، فإنهم فقط فرقوا بين حالتين بسبب أنهم يفرقون بين الباطل والفاسد بحسب منهجهم في الأصول، وقالوا: إن الخمر إذا كانت محلاً للتعاقد وكان المقابل لها نقداً كان العقد باطلاً، في حين أنها إذا كانت ثمناً فإن العقد يكون فاسداً يملك فيه المبيع بالقبض من جانب المشتري لوجود حقيقة البيع وهو مبادلة مال بمال.
فالحنفية مع الجمهور في منع بيع الخمر بسبب نجاستها وعدم ماليتها وإهانتها، وأنهم فقط يخالفونهم في وصف العقد وقالوا بأنه يختلف هذا الوصف بحسب كون الخمر محلاً للعقد أي مثمناً فإن العقد يكون باطلاً، وإن كان ثمناً فالعقد يكون فاسداً،
стр. 234
وذلك كأثر لما عليه أصولهم من التفرقة بين الباطل بأصله وبين الفاسد بوصفه.
وهذا ما استدل به عامة أهل العلم:
١- عن ابن عمر ﵁ قال:"قال رسول الله ﷺ لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومتباعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمول إليه" ١.
٢- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى يعرض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده فيها شيء فليبعه ولينتفع به". قال: فما لبثنا إلاّ يسيراً حتى قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء، فلا يشربها، ولا يبعها ولا ينتفع بها. قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها"٢.
٣- عن نافع بن كيسان٣ أن أباه أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله ﷺ وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إني جئتك بشراب طيب، فقال رسول الله ﷺ : "يا كيسان، إنها قد حرمت بعدك، قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ إنها قد حرمت وحرم ثمنها فانطلق كيسان إلى الزقاق فأخذ بأرجلها ثم أهراقها"٤.
٤- عن عائشة ﵂ قالت: "لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة خرج رسول الله ﷺ فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن التجارة في الخمر"٥.
стр. 235
٥- عن مالك عن نافع أن رجالاً من أهل العراق سألوا ابن عمر ﵄ فقالوا: إنا نبتاع من ثمر النخيل والعنب فنعصره خمراً فنبيعها، فقال لهم: "إني أشهد الله عليكم وملائكته ومن سمع من الجن والإنس إني لأمركم أن لا تبيعوها" ١ وفي الموطأ: "إني لأمركم أن لا تبيعوها، ولا تبتاعوها ولا تعصروها ولا تشربوها ولا تسقوها فإنها رجس من عمل الشيطان"٢.
فقد دلت هذه النصوص مجتمعة على عدم جواز بيع الخمر وما في حكمها من المسكرات المحرمة، حيث صرحت بالنهي عن التعامل بشأنها واعتبارها محلاً للتصرفات بالاتجار ونحوه، بناء على حرمة تناولها، ولنجاسة عينها، مع عدم ماليتها حتى إن بعض النصوص صرحت بلعن من ابتاعها كما هو الحال في حديث ابن عمر ﵄.
وبهذا يتضح لنا ويترجح القول بحرمة بيع الخمر وجميع التصرفات الأخرى بشأنها، وأن هذا يسري بطبيعة الحال على جميع الأشربة المحرمة الأخرى كالنبيد ونقيع الزبيب ونحو ذلك. والله تعالى أعلم.
стр. 236
الفصل السادس: حكم بيع المتنجسات والانتفاع بها
مذهب الحنفية: القول بجواز بيع المتنجسات كلها، لا فرق عندهم بين الأدهان المتنجسة، والثياب المتنجسة، ولا بين بيعها من مسلم أو كافر، لكنهم فيما يختص بالأدهان المتنجسة يشترطون البيان، فإن لم يبينها البائع، فالمشتري بالخيار في فسخ البيع أو إمضائه، لكنهم يكرهون الاستصباح بها في المساجد، لما فيه من إدخال النجاسة.
فقد جاء في حاشية ابن عابدين: " ... ولا يضر أثر دهن، إلاّ ودك دهن ميتة، لأنه عين النجاسة حتى لا يدبغ به جلد بل يستصبح به في غير مسجد ... قال الرافعي ... بل يستصبح به في غير مسجد، أي بالدهن المتنجس لا بودك الميتة"١.
فنص حاشية ابن عابدين أن أثر الدهن المتنجس لا ضرر فيه، أي لا يمنع الانتفاع أو البيع، إلا ودك دهن الميتة لأن نجاسته عينية، وعليه لا يصح الانتفاع به في دبغ الجلد وغيره، وقيل يصح الانتفاع به في الاستصباح في غير المسجد، وقال الرافعي الذي يصح الاستصباح به هو الدهن المتنجس لا دهن ودك الميتة، فدهن ودك الميتة، لا يصح الانتفاع به عنده بحال.
وفي بدائع الصنائع: " ... إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، أنه إن كان جامداً تلقى الفأرة وما حولها ويؤكل الباقي، وإن كان ذائباً لا يؤكل، ولكن يستصبح به، ويدبغ به الجلد، ويجوز بيعه وينبغي للبائع أن يبين عيبه، فإن لم يبين وباعه ثم علم به المشتري فهو بالخيار إن شاء رده وإن شاء رضي به ... لأن ما تنجس باختلاط النجاسة به والنجاسة معلومة لا يباح أكله ويباح الانتفاع به فيما وراء الأكل كالدهن النجس أنه ينتفع به استصباحاً إذا كان الطاهر غالباً"٢.
стр. 237
فقد نص الكاساني في البدائع: على أنه إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فإنه لا مانع من الاستصباح به، بشرط أن يكون الطاهر غالباً، وأنه لا مانع من الانتفاع به في غير الأكل، لأن نجاسة الدهن الواقع فيه الفأرة معلومة، وقد عرض لما عليه رأي الحنفية من أنه إذا كان جامداً فإن الفأرة تلقى وما حولها، ولا مانع من أكل الباقي، وبالتالي فإن بيعه يكون جائزاً، وكذا جميع أوجه الانتفاع به. وذلك بخلاف ما لو كان مائعاً، فإن النجاسة تسري فيه، وبالتالي يمتنع أكله، ولا مانع من الانتفاع به في الاستصباح واستخدامه في الدبغ وغيره، إذا كان الطاهر غالباً، ويجوز بيعه إلا أنه يجب على البائع بيان عيبه للمشتري، وإلا فإن الخيار يثبت للمشتري عند علمه بهذا.
مذهب المالكية: التفريق بين ما كانت نجاسته ذاتية، وبين ما نجاسته كالذاتية، فأما ما نجاسته ذاتية كالخمر والميتة فقد سبق بيان حكمه عند الحديث عن بيع الخمر والميتة، وأما ما كانت نجاسته كالذاتية كالزيت واللبن والعسل والخل تقع فيه النجاسة، فقد اختلف في حكم بيعه والانتفاع به، أما البيع فقد روى ابن وهب جوازه لكن مشهور مذهبهم المنع، وأما الانتفاع فالراجح من مذهبهم جواز الانتفاع به إلا في شيئين: الأول الآدمي فلا يجوز له شربه أو أكله، وفي الادهان به خلاف، الراجح فيه الكراهة، وتجب إزالته عند الصلاة، أو الطواف، أو دخول المسجد.
الثاني المساجد: فلا يجوز الاستصباح بالزيت المتنجس، إلا أن يكون المصباح خارجه والضوء داخله فيجوز، أما الثياب المتنجسة فيجوز بيعها عندهم، بشرط أن يبين البائع تنجسها، ويجوزون الانتفاع بالثياب المتنجسة في غير الصلاة، وفي غير الأوقات التي يعرق بها، ويجوزون عمل الصابون من الزيوت المتنجسة.
فقد جاء في القوانين الفقهية: " ... واختلف في بيع الزيت النجس، فمنع في المشهور مطلقاً، وأجاز ابن وهب إذا بين، واختلف في الاستصباح به في غير المساجد ... "١.
стр. 238
وهكذا تقرر الخلاف في مذهب المالكية بشأن بيع الزيت النجس، وأن المشهور في المذهب منع بيعه مطلقاً، وإن كان بعض المالكية كابن وهب أجاز ذلك البيع بشرط البيان للمشتري، وذكر الخلاف بشأن مدى جواز الاستصباح به في غير المساجد.
وجاء في مواهب الجليل: "وينتفع بمتنجس لا نجس في غير مسجد وآدمي" مراده بالمتنجس ما كان طاهراً في الأصل وأصابته نجاسة، كالثوب النجس، والزيت، والسمن، ونحوه تقع فيه فأرة أو نجاسة، وبالنجس ما كانت عينه نجسة، كالبول، والعذرة، والميتة، والدم، وذكر أن الأول ينتفع به في غير المسجد والآدمي وشمل سائر وجوه الانتفاع، فيستصبح بالزيت في غير المسجد، ويستحفظ منه، ويعمل منه الصابون، لكن تغسل الثياب فيه بماء طاهر، ويدهن به الحبل والعجلة ... والمشهور أن ما يقبل التطهير كالثوب النجس يجوز بيعه، وما لا يقبله كالزيت النجس لا يجوز بيعه، ... إذ لا يصح نفي كل منفعة تضاف للآدمي، لأنه يجوز له الاستصباح بالدهن النجس وعمله صابونا، وعلف الطعام النجس للدواب والعسل النجس للنحل وهو من منفعته ... ولا بأس بلبس الثوب النجس والنوم فيه، ما لم يكن وقت يعرق فيه، فيكره.."١.
فأصل مذهب المالكية: جواز الانتفاع بالمتنجس في غير مسجد وآدمي، وهذا الحكم خاص بالمتنجس، لا النجس بأصله، أي ما كان في أصله طاهراً، ثم لحقته النجاسة، كالثوب النجس، والسمن، والزيت الذي أصابته نجاسة، بأن وقعت فيه على نحو الفأرة إذا وقعت، وأنه يخرج من هذا ما كان نجساً في عينه، أي بحسب أصله كالبول، والميتة، والدم، وأن المتنجس كالدهن ونحوه، يخرج عن أصل المنع من الانتفاع به في غير مسجد وآدمي، فلا بأس من الاستصباح به في غير مسجد، ويصنع منه الصابون ونحوه، ويدهن به الحبل والعجلة وعلف الطعام النجس للدواب ونحوها.
ومشهور مذهب المالكية هو جواز بيع المتنجس، إذا كان قابلاً للتطهير، كالثوب النجس بخلاف ما لا يمكن تطهيره كالزيت المتنجس حيث يمتنع بيعه لتعذر تطهيره.
стр. 239
وجاء في الكافي: " ... إذا وقعت ميتة أو شيء من النجاسات في طعام أو الشراب جامداً طرحت الميتة والنجاسات وما حولها وانتفع بباقيه، وإن كان ذائباً أريق كله وإن كان زيتاً فلا بأس باستعماله في الصابون للغسل، ولا بأس بالاستصباح به في غير المساجد، ولا يجوز أكله ولا بيعه ولا تطهر الأدهان النجسة بغسلها، وهذا تحصيل مذهب مالك وطائفة من المدنيين١، ومنهم من أجاز غسل ألبان النجس والزيت النجس ... "٢.
فنص الكافي: يفيد أنه إن وقعت نجاسة في طعام أو شراب، وكان ذلك الطعام جامداً، فإن النجاسة وما حولها تطرح وينتفع بالباقي، وإن كان ذائباً أي غير جامد فإنه يجب إراقته كله، غير أنه إذا كان الشيء الواقع به النجاسة ذائباً وكان زيتاً فلا بأس من الاستفادة به في صناعة الصابون لاستعماله في الغسل ونحوه أو الاستصباح به في غير المسجد، غير أنه لا يجوز أكله ولا بيعه وأنه لا تطهر الأدهان النجسة بغسلها، وأن هذا تحصيل مذهب مالك وطائفة من المدنيين، وإن كان هناك من قال بجواز غسل ألبان النجس والزيت النجس، وهذا يستفاد منه إمكان استعماله بعد هذا الغسل، وبالتالي جواز بيعه.
وجاء في الشرح الكبير: "فلا يوقد بزيت تنجس، إلا إذا كان المصباح خارجه والضوء فيه فيجوز، ولا يبنى بالمتنجس، فإن بني به ليس بطاهر ولا يهدم، وفي غير آدمي فلا يأكله ولا يشربه ولا يدهن به، إلا أن الادهان به مكروه على الراجح إن علم أن عنده ما يزيل به النجاسة، ومراده بغيرهما أن يستصبح بالزيت المتنجس، ويعمل به صابون ثم تغسل الثياب بالمطلق بعد الغسل به، ويدهن به حبل وعجلة وساقية، ويسقى به ويطعم للدواب ... "٣.
стр. 240
فالمستفاد من نص الشرح الكبير: منع الاستصباح بالزيت المتنجس داخل المسجد، وأنه إذا كان لا بد من ذلك فإن المصباح يكون خارج المسجد، والضوء فقط يكون مشعاً بداخل المسجد صوناً، له عن ملاقاة ذلك المتنجس، - وأنه لا يبنى المسجد بالمتنجس لأنه ليس بطاهر، وأنه إذا بني به لا يهدم البناء، كما أن الآدمي يمنع من أكل أو شرب المتنجس أو الادهان به، إلا أن الادهان بالمتنجس مكروه إذا كان عنده ما يزيل به النجاسة على القول الراجح عندهم، إلا أنه يجوز له الاستصباح بالزيت المتنجس وعمله صابوناً، أو علف الطعام المتنجس للدواب، ولبس الثوب المتنجس في غير المسجد وفي غير الصلاة.
وهكذا: كان مذهب المالكية على أنه يجوز الانتفاع بالمتنجس في غير مسجد وآدمي، خاصة لو كان المتنجس طاهراً بحسب أصله ثم لحقته النجاسة كالثوب المتنجس، ولهذا كان مشهور مذهب المالكية هو جواز بيع الشيء المتنجس إذا كان قابلاً للتطهير كالثوب المتنجس، بخلاف ما لو كان تطهيره غير ممكن كالزيت المتنجس فلا يجوز بيعه لهذا السبب، وقالوا بأنه إذا وقعت النجاسة في طعام أو شراب وكان جامداً طرحت النجاسة وما حولها وأمكن الانتفاع بالباقي أكلاً وبيعاً ونحو ذلك، بخلاف ما لو كان الطعام الذي لاقته النجاسة مائعاً فإنه لا مناص من التخلص منه جملة كالزيت ونحوه، حيث لا يتصور الانتفاع به لإذابة النجاسة فيه، وإن كان هناك وجه للانتفاع به في حالة الزيت المتنجس حيث إنه يمكن استعماله في صناعة الصابون للغسل ونحوه أو للاستصباح به في غير مسجد، ورغم هذا نصوا على عدم جواز أكله أو بيعه.
مذهب الشافعية: قالوا بصحة بيع الثوب المتنجس، لإمكان تطهيره، وكذا بجواز لبسه في غير الصلاة، وأما المتنجسات الأخرى كالزيت ونحوه فعندهم فيها خلاف مبني على الخلاف في إمكان تطهيرها، فالراجح من المذهب عدم صحة البيع لعدم إمكان تطهيرها، وهناك وجه بإباحة البيع لإمكان التطهير؛ وهم يجيزون الاستصباح بها في ظاهر مذهبهم، وهناك وجه بعدم الجواز لأنه لا تؤمن مباشرة النجاسة، ولما قد يعلق
стр. 241
في ثياب المستصبح من دخان النجاسة وهو نجس عندهم.
فقد جاء في نهاية المحتاج: "ولا بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل واللبن وكذا الدهن في الأصح لتعذر تطهيره ... "١.
ففي هذا النص على عدم جواز بيع المتنجس طالما تعذر تطهيره مثل الخل واللبن والدهن ونحو ذلك، وهذا يعني بمفهوم المخالفة أنه إذا أمكن تطهير الشيء المتنجس كالثوب فلا مانع من بيعه.
وجاء في حاشية الباجوري على ابن القاسم: " ... أنه إذا تنجس مائع تعذر تطهيره كالزيت المتنجس لا يمكن تطهيره في الأصح، خلافاً لمن قال بأنه يمكن تطهيره فإنه لو أمكن لما أمر النبي ﷺ بإراقة السمن ... ، وأما ما يمكن تطهيره بالغسل ولم تستر النجاسة جزأ فيه صح بيعه، وإن أمكن تطهيره بغير الغسل كالمكاثرة في الماء القليل لم يصح"٢.
فالمائع المتنجس إن تعذر تطهيره لم يصح بيعه، خاصة وأن الأصح في مذهب الشافعية عدم إمكانية تطهير المائع المتنجس، وعلى أية حال إن كان تطهير المائع ممكناً فإما أن يكون ذلك بالغسل بالماء بحيث إن النجاسة لا تصير جزءاً منه، ففي هذه الحالة لا بأس من بيعه، بخلاف ما إن كان تطهير المائع ممكناً بغير الغسل، كأن كان بالمكاثرة في الماء القليل، فإن بيع ذلك المائع المتنجس في هذه الحالة لا يصح.
وجاء في مغني المحتاج: " ... ولا بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل، واللبن، والصبغ٣، والآجرّ٤ المعجون بالزبل، لأنه في معنى نجس العين، أما ما يمكن تطهيره كالثوب المتنجس، والآجُرّ المعجون بمائع نجس، فإنه يصح بيعه لإمكان طهره.
стр. 242
"وكذا الدهن" كالزيت إذ لا يمكن تطهيره ... لأنه لو أمكن لما أمر بإراقة السمن ... ، والثاني: يمكن تطهيره بغسله، بأن يوضع على قُلّتي ماء، أو يصب عليه ماء يغمره ثم يحرك حتى يصل إلى جميع أجزائه، ... ولو تصدق بدهن نجس لنحو استصباح به على إرادة نقل اليد جاز ... "١.
فنص مغني المحتاج أن المتنجس المتعذر تطهيره مثل الخل واللبن والصبغ ونحوه لا يمكن بيعه، وذلك لأنه في معنى نجس العين، ونص على أنه إذا أمكن تطهيره فإنه لا مانع من بيعه والانتفاع به بعد تطهيره ويجوز التصدق بالدهن النجس للاستصباح به.
وجاء في المجموع: " ... نص الشافعي على جواز الاستصباح بالزيت النجس ... وهو المذهب، وذكر أكثر الخراسانيين٢ في جوازه قولين: أصحهما جوازه، والثاني تحريمه، لأنه يؤدي إلى ملابسته وملابسة دخانه، ودخانه نجس على الأصح، والخلاف في جواز الاستصباح جاز في الزيت النجس والسمن، ... وسائر الأدهان المتنجسة، ... والصحيح في الجميع جواز الاستصباح ... "٣.
وعليه فإن الصحيح في مذهب الشافعية هو جواز الاستصباح بالزيت المتنجس، وقد نص عليه الإمام الشافعي، ونقل عن أكثر الخراسانيين أن في جوازه قولين: أصحهما الجواز، والثاني تحريم الاستصباح، وهذا الخلاف يجري في سائر الأدهان. والصحيح فيها جميعاً هو جواز الاستصباح.
مذهب الحنابلة: القول بعدم جواز بيع الأدهان المتنجسة، وهناك رواية عن الإمام أحمد بجواز بيعه للكافر، وأجازوا دفع الدهن المتنجس لكافر لفكاك مسلم، لأنه ليس ببيع حقيقة وإنما هو استنقاذ المسلم به، وأما الاستصباح به فالراجح من مذهبهم جواز ذلك في غير المساجد، على وجه لا تتعدى نجاسته إلى المنتفع، ويحكمون بالعفو عن قليل الدخان إذا أصاب ثياب
стр. 243
المستصبح.
فقد جاء في المغني والشرح الكبير "مسئلة" "ولا يجوز بيع الأدهان النجسة" في ظاهر كلام أحمد ﵁، لأن أكله حرام لا نعلم فيه خلافاً، ... وإذا كان حراماً لم يجز بيعه، ... ولأنه نجس، فلم يجز بيعه قياساً على شحم الميتة، وعنه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاستها، لأنه يعتقد حلها ويستبيح أكلها، ... والصحيح الأول، ... ولأنه لا يجوز بيعها من مسلم فلا يجوز بيعها لكافر، كالخمر والخنْزير فإنهم يعتقدون حله ولا يجوز بيعه لهم، ولأنه دهن نجس، فلم يجز بيعه لكافر كشحوم الميتة. قال شيخنا ويجوز أن يدفع إلى الكافر في فكاك مسلم، ويعلم الكافر بنجاسته، لأنه ليس ببيع في الحقيقة، إنما هو استنقاذ المسلم به ... اختلفت الرواية في الاستصباح بالزيت النجس فروي عنه أنه لا يجوز، ... وهو قول ابن المنذر، وعنه إباحته، لأن ذلك يروى عن ابن عمر، لأنه أمكن الانتفاع به من غير ضرر فجاز كالطاهر، ... ويتخرج على جواز الاستصباح به جواز بيعه، ... لأنه يجوز الانتفاع به من غير ضرورة فجاز بيعه ... "١.
ومن خلال هذا النص يتضح لنا أنه لا يجوز بيع الأدهان النجسة في ظاهر كلام الإمام أحمد، وعنه يجوز بيعها لكافر يعلم نجاستها، والصحيح الأول: أي عدم بيعها مطلقاً حتى لكافر ... إلا أنه يجوز دفعها للكافر مقابل فكاك المسلم إذا علم الكافر بنجاستها، لأن ذلك ليس بيعاً؛ وقد اختلفوا بشأن الاستصباح بالزيت النجس: فروي عنه عدم الجواز، وهذا ما عليه ابن المنذر، وروي عنه إباحة الاستصباح، ويخرج على هذه الرواية جواز البيع لإمكان الانتفاع به.
وجاء في شرح منتهى الإرادات: " ... ولا يطهر دهن تنجس، لأنه ﷺ سئل عن السمن تقع فيه الفأرة: [فقال إن كان مائعاً فلا تقربوه] ، ولو أمكن تطهيره لما أمرنا بإراقته"٢.
وفي كشاف القناع: " ... ويجوز الاستصباح بدهن متنجس في غير مسجد، ولا
стр. 244
يحل أكله ولا بيعه ... "١.
وعلى هذا: فلا يحل أكل المتنجس، ولا بيعه، إلا أنه يجوز الاستصباح بدهن متنجس في غير المسجد.
فقد نص صاحب الكشاف على أنه يجوز الاستصباح بالدهن المتنجس في غير المسجد.
وجاء في كتاب الكافي: " ... وما نجس من الأدهان كالزيت، فظاهر المذهب تحريم بيعها ... وعنه: يباع لكافر، ويُعلم بحاله، لأنه يعتقد حله، وفي جواز الاستصباح بها روايتان إحداهما: لا يجوز، لأنه دهن نجس، أشبه شحم الميتة. والثانية: يجوز، لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر، أشبه الانتفاع بالجلد اليابس قال أبو الخطاب: ويتخرج على جواز الاستصباح بها، جواز بيعها ... "٢.
وعلى هذا: فإن الاستصباح بالدهن المتنجس محل خلاف في المذهب الحنبلي، فالرواية الأولى لا تجوز الاستصباح، في حين أن الرواية المقابلة تجوز الاستصباح، وتخرج على هذا جواز بيعه، وروي عنه جواز بيعه لكافر يعلم بنجاسته.
وقد نص على أن ظاهر المذهب تحريم ما نجس من الأدهان كالزيت ونحوه.
وجاء في الإنصاف: "وفي جواز الاستصباح روايتان:
إحداهما: يجوز، وهو المذهب صححه في التصحيح ... قال الزركشي٣ هذا أشهر الروايتين ونصرها في المغني واختاره الخرقي٤ والشيخ تقي الدين وغيرهما وجزم به في الإفادات في باب النجاسة.
стр. 245
والرواية الثانية: لا يجوز الاستصباح بها جزم به في الوجيز١"٢.
فقد ذكر صاحب الإنصاف أن في جواز الاستصباح بالدهن النجس روايتين في مذهب الحنابلة، إحداهما: جوازه وهي الصحيحة وهي المذهب، كما نقل عن كتاب التصحيح، وقال الزركشي إنها الأشهر من الروايتين، وعليها جماعة من العلماء ونصروها أما الرواية الثانية: فهي عدم جواز الاستصباح بها وهذا ما عليه صاحب الوجيز.
فالمستفاد من نصوص الحنابلة: أن الأدهان المتنجسة نجسة، وأنه لا يمكن تطهيرها، وذلك لعدم إمكان وصول الماء إلى جميع أجزائها، وعلى هذا تكون محرمة لا يجوز أكلها.
أما بالنسبة لمسألة بيعها من عدمه فللحنابلة في هذا أقوال:
الأول: أنه لا يجوز بيعها لنجاستها، وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة.
الثاني: أنه يجوز بيعها، لأنه يجوز الانتفاع بها في الاستصباح.
الثالث: أنه يجوز بيعها لكافر يعلم نجاستها.
أما بخصوص إمكان الاستصباح بها فهو الآخر محل خلاف في المذهب:
قيل: إنه لا يجوز الاستصباح بها مطلقاً.
وقيل: يجوز ذلك الاستصباح مطلقاً.
وقيل: يجوز الاستصباح به في غير المسجد.
الموازنة: بالنظر فيما قاله الفقهاء بشأن الأدهان المتنجسة:
مذهب الحنفية: التفرقة بين الدهن الجامد وغير الجامد، فيقولون إنه إذا تنجس الدهن الذائب أي المائع فإنه لا يؤكل، غير أنه يمكن الانتفاع به في الاستصباح ونحوه
стр. 246
من استعماله في دبغ الجلود، وأنه لا مانع من بيعه بشرط أن يبين البائع ما به من عيب، وإلا ثبت الخيار للمشتري في الرد، كل هذا إذا كان الطاهر غالباً، وإن كان المتنجس جامداً فتطرح الأجزاء المتنجسة وما حولها ويؤكل الباقي، وبالتالي فلا مانع من الانتفاع به في الاستصباح وغيره، وكذا إمكان بيعه، لأن الحنفية يكتفون باعتبار مالية المبيع.
مذهب المالكية: منع أكل الأدهان المتنجسة مطلقاً، سواء كان ما علقت به النجاسة مائعاً أو جامداً، وبالتالي فإن الانتفاع به على أي وجه ممنوع، وبالتالي فلا مجال للحديث عن بيعه لهذا الغرض.
غير أنهم قالوا بجواز الاستصباح بالدهن المتنجس في غير المسجد، وأنه يمكن استخدامه في صناعة الصابون، ودهن الحبال، والعجل، وصناعة أعلاف للحيوانات؛ وبناء على هذا فلا مانع من بيع الأدهان المتنجسة والزيت النجس لهذا الغرض.
وإن كان مشهور مذهب المالكية هو جواز بيع المتنجس إذا كان قابلاً للتطهير كالثوب النجس، بخلاف ما لا يمكن تطهيره كالزيت المتنجس حيث يمتنع بيعه لتعذر تطهيره.
مذهب الشافعية: أن المتنجسات من حيث إمكان الانتفاع بها وبالتالي بيعها تختلف من هذه الزاوية باختلاف ما علقت به النجاسة ومدى إمكان إزالتها.
فقالوا: إنه إذا أمكن تطهير المتنجس، جاز بيعه والانتفاع به في الاستصباح ونحوه، كالثوب المتنجس حيث إنه يمكن تطهيره ولبسه في غير الصلاة.
أما إذا لم يمكن تطهيره بأن كان مائعاً متنجساً وصارت النجاسة جزءاً منه، فإنه لا يجوز الانتفاع به، وبالتالي فلا يجوز بيعه.
وبالنسبة للاستصباح بالزيت المتنجس، فالصحيح في مذهب الشافعية جوازه، وهو المذهب، وأصح المذهبين؛ والثاني تحريم ذلك الاستصباح.
مذهب الحنابلة: أن الأدهان المتنجسة لا يمكن تطهيرها وبالتالي فلا يجوز أكلها.
стр. 247
واختلفوا بالنسبة للاستصباح بها على ثلاثة أقوال:
الأول: لا يجوز؛ والثاني: يجوز؛ والثالث: يجوز الاستصباح بها في غير المسجد. والخلاف حاصل كذلك في مذهب الحنابلة بشأن بيع الأدهان المتنجسة على ثلاثة أقوال: الأول: لا يجوز، والثاني: يجوز، أما الثالث: يجوز للكافر دون غيره. وعلى هذا:
١- فأكل الأدهان النجسة وكذا المتنجسة محل إجماع على المنع، خاصة لو كانت هذه الأدهان مائعة لعدم إمكان التحرز في تطهيرها، حيث ذابت النجاسة في كافة المحل، وإن كان الحنفية جوزوا أكل المتنجس الجامد بعد طرح النجاسة، فالمالكية والشافعية والحنابلة على منع أكل المتنجس مطلقاً، حتى لو كان جامداً، والحنفية وافقوهم بالنسبة للمائع دون الجامد.
٢- أما الانتفاع بالاستصباح ونحوه بهذه الأدهان المتنجسة، فقال العلماء: إنه يجوز الاستصباح بالدهن المتنجس واستعماله في الدبغ ونحوه وصناعة الصابون والأعلاف والدهانات المختلفة، وعلى هذا مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، وصحيح مذهب الشافعية، وأحد الأقوال عند الحنابلة، ومقابل هذا الرأي أنه لا يجوز الانتفاع بالأدهان المتنجسة في الاستصباح ونحوه في المسجد وغيره إذا لم يمكن تطهيرها بأن كانت زيتاً ونحوه، حيث شملت النجاسة كل أجزائه، وهذا ما عليه مشهور مذهب المالكية، ومقابل الصحيح عند الشافعية، وأحد الأقوال في مذهب الحنابلة.
٣- وما قيل في الانتفاع والاستصباح ونحوه يقال في البيع:
فالمذهب الأول: جواز بيع الأدهان المتنجسة، وهذا مذهب الحنفية، ومذهب المالكية خاصة إذا كان قابلاً للتطهير، وصحيح مذهب الشافعية، وأحد الأقوال عند الحنابلة، وقول آخر يجوز للكافر خاصة.
أما المذهب الثاني: يرى عدم جواز بيع الأدهان المتنجسة، وإلى هذا ذهب مشهور مذهب المالكية خاصة إذا لم يمكن تطهير تلك الأدهان، وما عليه مقابل الصحيح عند
стр. 248
الشافعية وأحد أقوال مذهب الحنابلة.
فالمذاهب في مسألة البيع للأدهان المتنجسة وكذا الاستصباح ونحوه من كافة أوجه الانتفاع تنحصر في المذهبين السابقين تأصيلاً واستدلالاً وترجيحاً، وبناء على هذا فكما أن عرض المذاهب في المسألتين واحد فإن الاستدلال بوجوهه المتعددة واحد كذلك، لأن حكم البيع فرع عن حكم الانتفاع والاتخاذ، وهذا الانتفاع معلق على إمكان التطهير من عدمه، والأخير مرتبط بما إذا كان المتنجس مائعاً أم جامداً.
الأدلة: استدل من قال بجواز البيع والانتفاع بالأدهان المتنجسة بما يلي:
١- ما روي عن علي ﵁ في النجاسة إذا وقعت في الدهن قال: "يستصبح به ويدبغ به الجلود"١.
٢- حديث أبي هريرة ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "فإن كان مائعاً فانتفعوا به" ٢.
٣- حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﵊ سئل عن فأرة ماتت في سمن فقال: "تلقى الفأرة وما حولها ويؤكل الباقي؛" فقيل: يا رسول الله أرأيت لو كان السمن ذائباً؟ فقال: "لا تأكلوه، ولكن انتفعوا به" ٣، وهذا تصريح منه ﷺ بالانتفاع بالمتنجسات.
٤- القياس على الثوب المتنجس بجامع أن كلا النجاستين ليست عينية بل هي بالمجاورة.
ونوقشت هذه الأدلة بما يأتي:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أجاب عنه ابن حجر في الفتح قائلاً: وقد احتج بعضهم بما وقع في رواية عبد الجبار بن عمر عند البيهقي في حديث
стр. 249
ابن عمر "إن كان السمن مائعاً فانتفعوا به ولا تأكلوه" قال البيهقي: "وجاء من رواية ابن جريج عن الزهري كذلك، لكن السند ضعيف، والمحفوظ أنه من قول ابن عمر١.
أما القياس على الثوب المتنجس فقد أجاب عنه النووي قائلاً: "والجواب عن قياسهم على الثوب، يمكن غسله بالإجماع بخلاف الدهن لأن المنفعة المقصودة بالثوب هي اللبس، وهو حاصل مع أنه نجس، والمنفعة المقصودة بالزيت الأكل وهو حرام"٢.
واستدل من قال بمنع البيع والانتفاع بالأدهان المتنجسة بما يلي:
١- قوله ﷺ "إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه"، وحرمة الثمن تقتضي حرمة البيع.
٢- قوله ﷺ في حديث الفأرة تقع في السمن: "إذا كان مائعاً فلا تقربوه٣" وفي رواية "فأريقوه" ٤.
فلو كان هناك سبيل إلى تطهيره والانتفاع به، لبينه ﷺ كما فعل في جلد الميتة. فإنه ﷺ أمر بدباغه والانتفاع به.
٣- قياس الأدهان المتنجسة على الأدهان النجسة العين كودك الميتة من جهة وقياسه على الخمر من جهة أخرى بجامع النجاسة، فيحرم الانتفاع لذلك٥.
стр. 250
ونوقشت هذه الأدلة بما يأتي: بالنسبة لحديث الفأرة تقع في السمن.
١- أن المراد بتحريم السمن والأمر بإراقته إذا كان مائعاً، إنما هو تحريم الأكل لأن الأكل هو المقصود الأعظم من السمن١.
٢- وأما عدم بيان النبي ﷺ للانتفاع به، فلعل ذلك كان لنَزارته وأنه لا يوازي الشغل به، وأوكل المعرفة في حكم الكثير إلى الدليل٢
٣- وأما قياس الأدهان المتنجسة على الأدهان نجسة العين، من جهة، وقياسها على الخمر من جهة أخرى فقد أجيب عن ذلك، بأن الخمر وشحم الميتة نجس العين والأدهان المتنجسة إنما نجست بالمجاوره فقياسها على الثوب النجس أولى من قياسها على شحم الميتة والخمر٣.
والذي يترجح لدي: هو القول بجواز بيع هذه الأدهان والانتفاع بها، بناء على ما فيها من بعض المنافع التي تقوم بالمال، بشرط أن يعلم البائع المشتري بتنجيسه حتى يكون على بينه منه، وأن أدلة الفريقين تدور كلها حول حديث أبي هريرة في الفأرة تقع في السمن، وان أدلة المانعين القائلين بتحريم ثمن الشيء المحرم فإنه لا يستلزم حرمة الانتفاع به وإن كان يستلزم حرمة البيع، والله تعالى أعلم.
جاء في الإنصاف: "تنبيه": قوله: "ويتخرج على ذلك أي على جواز الاستصباح بالأدهان النجسة جواز بيعها، أن المصنف وغيره خرجوا جواز البيع من رواية جواز الاستصباح بها"٤.