من استعماله في دبغ الجلود، وأنه لا مانع من بيعه بشرط أن يبين البائع ما به من عيب، وإلا ثبت الخيار للمشتري في الرد، كل هذا إذا كان الطاهر غالباً، وإن كان المتنجس جامداً فتطرح الأجزاء المتنجسة وما حولها ويؤكل الباقي، وبالتالي فلا مانع من الانتفاع به في الاستصباح وغيره، وكذا إمكان بيعه، لأن الحنفية يكتفون باعتبار مالية المبيع.
مذهب المالكية: منع أكل الأدهان المتنجسة مطلقاً، سواء كان ما علقت به النجاسة مائعاً أو جامداً، وبالتالي فإن الانتفاع به على أي وجه ممنوع، وبالتالي فلا مجال للحديث عن بيعه لهذا الغرض.
غير أنهم قالوا بجواز الاستصباح بالدهن المتنجس في غير المسجد، وأنه يمكن استخدامه في صناعة الصابون، ودهن الحبال، والعجل، وصناعة أعلاف للحيوانات؛ وبناء على هذا فلا مانع من بيع الأدهان المتنجسة والزيت النجس لهذا الغرض.
وإن كان مشهور مذهب المالكية هو جواز بيع المتنجس إذا كان قابلاً للتطهير كالثوب النجس، بخلاف ما لا يمكن تطهيره كالزيت المتنجس حيث يمتنع بيعه لتعذر تطهيره.
مذهب الشافعية: أن المتنجسات من حيث إمكان الانتفاع بها وبالتالي بيعها تختلف من هذه الزاوية باختلاف ما علقت به النجاسة ومدى إمكان إزالتها.
فقالوا: إنه إذا أمكن تطهير المتنجس، جاز بيعه والانتفاع به في الاستصباح ونحوه، كالثوب المتنجس حيث إنه يمكن تطهيره ولبسه في غير الصلاة.
أما إذا لم يمكن تطهيره بأن كان مائعاً متنجساً وصارت النجاسة جزءاً منه، فإنه لا يجوز الانتفاع به، وبالتالي فلا يجوز بيعه.
وبالنسبة للاستصباح بالزيت المتنجس، فالصحيح في مذهب الشافعية جوازه، وهو المذهب، وأصح المذهبين؛ والثاني تحريم ذلك الاستصباح.
مذهب الحنابلة: أن الأدهان المتنجسة لا يمكن تطهيرها وبالتالي فلا يجوز أكلها.
стр. 247
واختلفوا بالنسبة للاستصباح بها على ثلاثة أقوال:
الأول: لا يجوز؛ والثاني: يجوز؛ والثالث: يجوز الاستصباح بها في غير المسجد. والخلاف حاصل كذلك في مذهب الحنابلة بشأن بيع الأدهان المتنجسة على ثلاثة أقوال: الأول: لا يجوز، والثاني: يجوز، أما الثالث: يجوز للكافر دون غيره. وعلى هذا:
١- فأكل الأدهان النجسة وكذا المتنجسة محل إجماع على المنع، خاصة لو كانت هذه الأدهان مائعة لعدم إمكان التحرز في تطهيرها، حيث ذابت النجاسة في كافة المحل، وإن كان الحنفية جوزوا أكل المتنجس الجامد بعد طرح النجاسة، فالمالكية والشافعية والحنابلة على منع أكل المتنجس مطلقاً، حتى لو كان جامداً، والحنفية وافقوهم بالنسبة للمائع دون الجامد.
٢- أما الانتفاع بالاستصباح ونحوه بهذه الأدهان المتنجسة، فقال العلماء: إنه يجوز الاستصباح بالدهن المتنجس واستعماله في الدبغ ونحوه وصناعة الصابون والأعلاف والدهانات المختلفة، وعلى هذا مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، وصحيح مذهب الشافعية، وأحد الأقوال عند الحنابلة، ومقابل هذا الرأي أنه لا يجوز الانتفاع بالأدهان المتنجسة في الاستصباح ونحوه في المسجد وغيره إذا لم يمكن تطهيرها بأن كانت زيتاً ونحوه، حيث شملت النجاسة كل أجزائه، وهذا ما عليه مشهور مذهب المالكية، ومقابل الصحيح عند الشافعية، وأحد الأقوال في مذهب الحنابلة.
٣- وما قيل في الانتفاع والاستصباح ونحوه يقال في البيع:
فالمذهب الأول: جواز بيع الأدهان المتنجسة، وهذا مذهب الحنفية، ومذهب المالكية خاصة إذا كان قابلاً للتطهير، وصحيح مذهب الشافعية، وأحد الأقوال عند الحنابلة، وقول آخر يجوز للكافر خاصة.
أما المذهب الثاني: يرى عدم جواز بيع الأدهان المتنجسة، وإلى هذا ذهب مشهور مذهب المالكية خاصة إذا لم يمكن تطهير تلك الأدهان، وما عليه مقابل الصحيح عند
стр. 248
الشافعية وأحد أقوال مذهب الحنابلة.
فالمذاهب في مسألة البيع للأدهان المتنجسة وكذا الاستصباح ونحوه من كافة أوجه الانتفاع تنحصر في المذهبين السابقين تأصيلاً واستدلالاً وترجيحاً، وبناء على هذا فكما أن عرض المذاهب في المسألتين واحد فإن الاستدلال بوجوهه المتعددة واحد كذلك، لأن حكم البيع فرع عن حكم الانتفاع والاتخاذ، وهذا الانتفاع معلق على إمكان التطهير من عدمه، والأخير مرتبط بما إذا كان المتنجس مائعاً أم جامداً.
الأدلة: استدل من قال بجواز البيع والانتفاع بالأدهان المتنجسة بما يلي:
١- ما روي عن علي ﵁ في النجاسة إذا وقعت في الدهن قال: "يستصبح به ويدبغ به الجلود"١.
٢- حديث أبي هريرة ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "فإن كان مائعاً فانتفعوا به" ٢.
٣- حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﵊ سئل عن فأرة ماتت في سمن فقال: "تلقى الفأرة وما حولها ويؤكل الباقي؛" فقيل: يا رسول الله أرأيت لو كان السمن ذائباً؟ فقال: "لا تأكلوه، ولكن انتفعوا به" ٣، وهذا تصريح منه ﷺ بالانتفاع بالمتنجسات.
٤- القياس على الثوب المتنجس بجامع أن كلا النجاستين ليست عينية بل هي بالمجاورة.
ونوقشت هذه الأدلة بما يأتي:
أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أجاب عنه ابن حجر في الفتح قائلاً: وقد احتج بعضهم بما وقع في رواية عبد الجبار بن عمر عند البيهقي في حديث
стр. 249
ابن عمر "إن كان السمن مائعاً فانتفعوا به ولا تأكلوه" قال البيهقي: "وجاء من رواية ابن جريج عن الزهري كذلك، لكن السند ضعيف، والمحفوظ أنه من قول ابن عمر١.
أما القياس على الثوب المتنجس فقد أجاب عنه النووي قائلاً: "والجواب عن قياسهم على الثوب، يمكن غسله بالإجماع بخلاف الدهن لأن المنفعة المقصودة بالثوب هي اللبس، وهو حاصل مع أنه نجس، والمنفعة المقصودة بالزيت الأكل وهو حرام"٢.
واستدل من قال بمنع البيع والانتفاع بالأدهان المتنجسة بما يلي:
١- قوله ﷺ "إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه"، وحرمة الثمن تقتضي حرمة البيع.
٢- قوله ﷺ في حديث الفأرة تقع في السمن: "إذا كان مائعاً فلا تقربوه٣" وفي رواية "فأريقوه" ٤.
فلو كان هناك سبيل إلى تطهيره والانتفاع به، لبينه ﷺ كما فعل في جلد الميتة. فإنه ﷺ أمر بدباغه والانتفاع به.
٣- قياس الأدهان المتنجسة على الأدهان النجسة العين كودك الميتة من جهة وقياسه على الخمر من جهة أخرى بجامع النجاسة، فيحرم الانتفاع لذلك٥.
стр. 250
ونوقشت هذه الأدلة بما يأتي: بالنسبة لحديث الفأرة تقع في السمن.
١- أن المراد بتحريم السمن والأمر بإراقته إذا كان مائعاً، إنما هو تحريم الأكل لأن الأكل هو المقصود الأعظم من السمن١.
٢- وأما عدم بيان النبي ﷺ للانتفاع به، فلعل ذلك كان لنَزارته وأنه لا يوازي الشغل به، وأوكل المعرفة في حكم الكثير إلى الدليل٢
٣- وأما قياس الأدهان المتنجسة على الأدهان نجسة العين، من جهة، وقياسها على الخمر من جهة أخرى فقد أجيب عن ذلك، بأن الخمر وشحم الميتة نجس العين والأدهان المتنجسة إنما نجست بالمجاوره فقياسها على الثوب النجس أولى من قياسها على شحم الميتة والخمر٣.
والذي يترجح لدي: هو القول بجواز بيع هذه الأدهان والانتفاع بها، بناء على ما فيها من بعض المنافع التي تقوم بالمال، بشرط أن يعلم البائع المشتري بتنجيسه حتى يكون على بينه منه، وأن أدلة الفريقين تدور كلها حول حديث أبي هريرة في الفأرة تقع في السمن، وان أدلة المانعين القائلين بتحريم ثمن الشيء المحرم فإنه لا يستلزم حرمة الانتفاع به وإن كان يستلزم حرمة البيع، والله تعالى أعلم.
جاء في الإنصاف: "تنبيه": قوله: "ويتخرج على ذلك أي على جواز الاستصباح بالأدهان النجسة جواز بيعها، أن المصنف وغيره خرجوا جواز البيع من رواية جواز الاستصباح بها"٤.
стр. 251
الباب الثاني: مانهى الشارع عن الانتفاع به
الفصل الأول: بيع أواني الذهب والفضة
تقرر لدى الفقهاء حرمة الأكل والشرب في أواني١ الذهب والفضة، وأنه لا فرق بين الرجال والنساء، وإن كان التزين والتحلي بهما للنساء جائزاً، وقد كثر الحديث بشأن استخدام المضبب٢ بالذهب أو الفضة، أو المموه٣ أو المطلي أو المطعم أو المكفت٤ بالذهب أو بالفضة، كما أن الفقهاء اختلفوا بشأن استخدام خاتم وساعة الذهب المعدّين للرجال، وحيث انعكس كل هذا على القول بحل أو حرمة البيع لهذه الأمور، فإنه يلزمنا ضرورة معرفة حكم الشرع في هذا، تفريعاً على حل أو عدم استعمال واقتناء أواني الذهب والفضة، وما استثني من تلك الأحكام مراعاة لمصالح العباد تفضلاً وإنعاماً من الله سبحانه، وتمشياً مع مبدأ رفع الحرج عنهم في سلوكيات حياتهم وسنوضح المسائل جميعها في المبحثين الآتيين:
стр. 252
المبحث الأول: حكم أواني الذهب والفضة
المقرر أن حكم بيع أواني الذهب والفضة فرع عن حكم اقتنائها واستعمالها، وهذا يقتضي ضرورة بحث حكم استعمال المتخذ من الذهب والفضة، حتى يتسنى بيان حكم بيع ذلك المتخذ، وسنبين هذا في المطلبين الآتيين:
المطلب الأول: حكم استعمال واقتناء أواني الذهب والفضة
اختلف الفقهاء بشأن حكم استعمال المتخذ من الذهب والفضة في غير التحلي والتزين، ويتضح هذا من خلال بحث ما قالوه على النحو الآتي:
مذهب الحنفية: حرمة استعمال الأواني المتخذة من الذهب والفضة بالنسبة للرجال والنساء.
فقد جاء في مجمع الأنهر: " ... ولا يحل استعمال إناء ذهب أو فضة لرجل أو امرأة"١.
وجاء في اللباب شرح الكتاب: "ولا يجوز الأكل، والشرب، والادهان، والتطيب، وجميع أنواع الاستعمال، في آنية الذهب والفضة، للرجال والنساء"٢.
فمذهب الحنفية: على أنه لا يجوز استعمال إناء الذهب أو الفضة، وأن هذا الحكم عام بالنسبة للرجال والنساء.
مذهب المالكية: حرمة استعمال أواني الذهب والفضة، ولا يحل الأكل والشرب والاغتسال والوضوء.
فقد جاء في حاشية الدسوقي: " ... وحرم إناء نقد من ذهب أو فضه أي استعماله، وحرم اقتناؤه أي ادخاره، ولو لعاقبة دهر، لأنه ذريعة للاستعمال ... فلا يجوز فيه أكل ولا شرب ولا طبخ ولا طهارة، وإن صحت الصلاة ... "٣. وجاء في جواهر الأكليل: "وحرم استعمال إناء نقد ذهب أو فضة لأكل أو شرب أو
стр. 253
غسل، وحرم اقتناؤه ولو لغير الاستعمال، لأنه وسيله إليه ... "١.
فمذهب المالكية: ينص صراحة على حرمة استعمال آنية الذهب أو الفضة في الأكل والشرب ونحوهما.
مذهب الشافعية: قالوا بكراهة اتخاذ واستعمال أواني الذهب والفضة، واختلف في وصف هذه الكراهة، وهل هي كراهة تنْزيهية، أم أنها كراهة تحريمية، فقال في القديم تنْزيهية، وقال في الجديد إنها كراهة تحريمية.
فقد جاء في المهذب: "ويكره استعمال أواني الذهب والفضة، ... وهل يكره كراهية تنْزيه أو تحريم؟ قولان، قال في القديم٢: كراهية تنْزيه، ... وقال في الجديد٣: يكره كراهية تحريم وهو الصحيح ... "٤.
وقيل: إن مذهب الشافعية على القول الصحيح المشهور: أنه يحرم استعمال أواني الذهب والفضة، وحمل أكثر الخرسانيين قول القديم بالكراهة التنْزيهية على أن المشروب نفسه ليس حراماً.
جاء في المجموع: المسألة الثالثة: في أحكام الفصل: فاستعمال الإناء من ذهب أو فضة حرام على المذهب الصحيح المشهور، وبه قطع الجمهور، وحكى المصنف ... قولاً: قديماً أنه يكره كراهة تنْزيه ولا يحرم، وأنكر أكثر الخراسانين هذا القول، وتأوله بعضهم على أنه أراد أن المشروب في نفسه ليس حراماً، ... واتفقوا على أن الصحيح تحريم الاتخاذ وقطع به بعضهم ... "٥.
مذهب الحنابلة: قالوا بحرمة استعمال آنية الذهب والفضة، وهذا ما عليه نص
стр. 254
المذهب الحنبلي، وما عليه الأصحاب، وأكثرهم قطع به، وأنه لم يخالف في هذا سوى أبي الحسن التميمي١ حيث قال بكراهة هذا الاستعمال في حالة اتخاذه مسعطاً، أو قنديلاً، أو نعلين، أو مجمرة، أو مدخنة، وأنه يحرم إذا اتخذ سريراً، أو كرسياً من ذهب أو فضة.
فقد جاء في كشاف القناع: "كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله ولو كان ثميناً كجوهرة ونحوه كالبلور والياقوت والزمرد، وغير الثمين كالخشب والزجاج والجلود والصفر والحديد" ٢.
وجاء في الانصاف: قوله: "إلا آنية الذهب والفضة والمضبب بهما فإنه يحرم اتخاذهما، وهذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب ... لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة ... وعن أبي الحسن التميمي أنه قال: إذا اتخذ مِسْعَطاً، أو قنديلاً، أو نعلين، أو مجمرة، أو مدخنة ذهباً أو فضة كره، ولم يحرم، ويحرم سرير وكرسي ويكره عمل خفين من فضة، ولا يحرم كالنعلين ... قوله: "واستعمالها" يعني: يحرم استعمالهما، وهذا المذهب نص عليه وعليه الأصحاب وأكثرهم قطع به ... "٣.
الموازنة: بمراجعة نصوص كتب الفقه المختلفة بخصوص استعمال آنية الذهب والفضة يتضح لنا أن عامة الفقهاء قالوا بتحريم هذا الاستعمال على وجه الإطلاق، من حيث المستعمل له، ومن حيث كيفية الاستعمال، وأنه لم يخالف في هذا إلا بعض الشافعية في المذهب القديم، حيث قالوا بأنه لا يحرم مثل هذا الاستعمال في غير التحلي والتزين بل يكون مكروهاً، وهذا ما قال به أبو الحسن التميمي من الحنابلة
стр. 255
فالمسألة فيها مذهبان:
المذهب الأول: يرى أنه يحرم على الرجال والنساء استعمال الأواني المتخذة من الذهب والفضة فيما ترجع منفعته إلى البدن، فلا يحل للرجال والنساء والأكل والشرب والاغتسال والوضوء ونحو ذلك في آنية الذهب والفضة، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
المذهب الثاني: يرى أنه لا يحرم على الرجال والنساء استعمال ما اتخذ من الذهب والفضة في غير التحلي والتزين، وأن هذا الاستعمال على هذا النحو مكروه كراهة تنْزيهية. وإلى هذا ذهب الشافعية في رواية لهم في مذهبهم القديم، وهو قول أبي الحسن التميمي من الحنابلة.
الأدلة: استدل جمهور الفقهاء على ما ذهبوا إليه من أن استعمال أواني الذهب والفضة محرم، وأن اتخاذ الأواني من هذين النقدين قد حرمه الشرع استدلوا بما يأتي:
١- ما روي عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر١ في بطنه نار جهنم" ٢.
حيث أفاد هذا الحديث الوعيد الشديد لمن يشرب في إناء فيه شيء من الذهب والفضة، وهذا الوعيد لا يكون إلا على فعل المحرم الذي حرمه الشارع، فدل هذا على حرمة استعمال الآنية المتخذه من الذهب أو الفضة في الشرب ونحوه.
٢- ما روي عن حذيفة بن اليمان٣ ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ
стр. 256
يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ ١ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" ٢.
فقد دل هذا الحديث على أن رسول الله ﷺ قد نهى عن الشرب في أواني الذهب والفضة، وعن الأكل في صحافهما، والمعروف أن النهي عند الإطلاق يفيد التحريم.
٣- ما روي عن ابن أبي ليلى٣ أن حذيفة بن اليمان كان بالمدائن فاستسقى، فأتاه دهقان٤ بإناء من فضة، فرماه به، فلو أصابه لكسر منه شيئاً، ثم قال: "إنما رميته به لأنني نهيته عنه"٥.
فقد أفاد هذا الأثر أن حذيفة ﵁ قد فهم تحريم الأكل والشرب فيما اتخذ من الذهب والفضة، من نهي رسول الله ﷺ حتى إنه استحل عقوبة الدهقان لمخالفته إياه.
هذا فضلاً عما سبق من نصوص، فإن الإجماع قد انعقد على تحريم الأكل والشرب فيما اتخذ من الذهب والفضة، وذلك على نحو ما حكاه الإمام النووي، وقال ابن قدامة: لا أعلم خلافاً في حرمة استعمال آنية الذهب والفضة٦.
كما أنه في استعمال المتخذ من الذهب والفضة، التجبر والتشبه في ذلك بالأعاجم والأكاسرة المتكبرين المتجبرين، وتنعما بنعم المترفين المسرفين، وأن في
стр. 257
استعمال ما اتخذ من هذين المعدنيين فخراً، وخيلاء، وسرفاً، وكسراً لقلوب الفقراء١.
واستدل من قال بكراهة استعمال ما اتخذ من هذين المعدنين: بنفس ما استدل به جمهور الفقهاء غير أنهم قد انفردوا بتوجيه هذا الاستدلال بما يخدم دعواهم، وهي كراهية استعمال أواني الذهب والفضة، وأن حد المنع لا يصل إلى درجة الحرمة وقالوا:
إن النهي عن استعمال ما اتخذ من هذين المعدنين، إنما هو لما في استعماله من التشبه بالأعاجم، وهذا النهي لا يقتضي التحريم، إنما يقتضي الكراهة، ولأن النهي الوارد عن استعمال ذلك للتزهيد بدليل قول رسول الله ﷺ : "إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" ٢.
والحق أن النهي في الأحاديث مطلق، وهو يفيد التحريم عند الإطلاق لأنه حقيقته، وأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، ولأن الوعيد الشديد الوارد في حديث أم سلمة لا يكون إلا على فعل شيء محرم.
والذي يترجح لدي: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء القائلون بحرمة استعمال الرجال والنساء ما اتخذ من الذهب والفضة في غير التحلي والتزين، وذلك لما استدلوا به من السنة، وقول الصحابي، ولما في استعمالهما من السرف والفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
ويؤكد هذا ما ورد في شرح فتح القدير: "المحرم هو الاستعمال بأي وجه كان، لما فيه التخيير والإسراف"٣.
وما ورد في المغني: "ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً ... ويحرم اتخاذ آنية الذهب والفضة، ... فما حرم استعماله مطلقاً، حرم اتخاذه على هيئة
стр. 258
الاستعمال ... ويحرم استعمال الآنية مطلقاً في الشرب والأكل وغيرهما، لأن النص ورد بتحريم الشرب والأكل وغيرهما في معناهما ... "١.
стр. 259
المطلب الثاني: حكم بيع أواني الذهب
مذهب الحنفية: لم تنص كتب الحنفية التي اطلعت عليه صراحة على حكم بيع أواني الذهب والفضة١ مكتفية بما تقرر في شأن اتخاذ هذه الأواني، وبما ورد في شأن بيع الذهب بالذهب، أو بيع الذهب بالفضة والعكس. وبناء على هذا فحكم بيع أواني الذهب والفضة مخرج على هذين الأمرين، وحيث كان حكم اتخاذ هذه الأواني في المذهب الحنفي على نحو ما سبق هو الحرمة مطلقاً أي فيما يتعلق بأواني الذهب والفضة، وبالنسبة للرجال والنساء على السواء، فإن حكم بيع هذه الأواني يكون هو الآخر على الحرمة وذلك لعدم كسر قلوب الفقراء، ولعدم التأثير على صرف النقدين المحتاج إليهما في التعامل بين الناس.
مذهب المالكية: القول بحرمة بيع أواني الذهب والفضة تخريجاً على قولهم بحرمة اتخاذ واستعمال مثل هذه الأواني في الأكل والشرب ونحو ذلك، بمراعاة أن معظم ما طالعته من كتب المالكية لم تتعرض صراحة لمسألة بيع هذه الأواني، وإن كانت بعض هذه الكتب قد ذكرت أن بعض المالكية يرى أنه إن كانت صنعة الإناء لا يقابلها شيء من العوض فإن البيع يصح، وإلا فإن البيع يكون على المنع وهذا ما ذكره ابن دقيق العيد٢.
فقد جاء في مواهب الجليل: " ... وبحث فيه الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد بأنه إن كان لا يقابل الصنعة شيء من العوض فظاهر -أي يصح البيع، وإن كان مع
стр. 260
المقابلة فلا يسلم هذا الحكم- أي لا يصح البيع ... "١.
مذهب الشافعية: اختلف فقهاء الشافعية بشأن حكم بيع آنية الذهب والفضة، وذلك كأثر لاختلافهم فيما سبق بشأن حكم اتخاذ واقتناء مثل هذه الآنية، حيث ذكرت معظم كتب الشافعية أنه ينبغي أن يبني البيع على الاتخاذ، وقالوا إن جوزناه – أي الاتخاذ – صح البيع وإن حرمناه -أي الاتخاذ- حرم البيع.
فقد جاء في المجموع: " ... إذا باع إناء ذهب أو فضة، قال القاضي أبو الطيب٢ البيع صحيح، لأن المقصود عين يصح بيعها، هكذا أطلق القاضي هنا، ونقل أبو علي البندنيجي٣ في جامعه هنا اتفاق الأصحاب عليه، وينبغي أن يبنى على الاتخاذ، فإن جوزناه صح البيع، وإن حرمناه كان حكمه حكم ما إذا باع جارية مغنية تساوي ألفاً بلا غناء، والفين بسبب الغناء ... "٤.
فمذهب الشافعية: على الخلاف في حكم هذا البيع، فالقاضي أبو الطيب يطلق القول بصحة بيع آنية الذهب والفضة، وقد تقرر الخلاف في إشارة الإمام النووي إلى أن القول في البيع مترتب على القول في الاتخاذ، وحيث كان الآخر محل خلاف، كان ذلك الخلاف سارياً هنا، كذلك بين قائل بالصحة، وبين قائل بالكراهة، وهؤلاء مختلفون بطبيعة الحال بشأن تكييف ووصف هذه الكراهة بين الكراهة التحريمية والكراهة التنْزيهية.
مذهب الحنابلة: القول بحرمة بيع أواني الذهب والفضة، بناء على أن مذهبهم
стр. 261
حرمة الاستعمال، وأن هذا ماعليه نص المذهب الحنبلي، وما عليه الأصحاب، وأن أكثرهم قطع به، ولم يخالف في هذا سوى أبي الحسن التميمي حيث قال بكراهية البيع تخريجاً على كراهية الاستعمال.
فقد جاء في حاشية ابن القاسم على الروض المربع: " ... يحرم تحصيلها بنحو شراء أو إيهاب ولو لم يقصد الاستعمال ... "١.
فما عليه أصل المذهب الحنبلي هو حرمة بيع أواني الذهب والفضة مطلقاً، بصرف النظر عن الغرض من اقتنائها واتخاذها.
الموازنة: بمطالعة نصوص الفقهاء بشأن حكم الشرع فيما يتعلق ببيع أواني الذهب والفضة يتضح الآتي:
١- أن مذهب الحنفية، وكذا جمهور المالكية، وبعض الشافعية، وما عليه أصل مذهب الحنابلة، هو القول بحرمة بيع آنية الذهب والفضة ترتيباً على حرمة الاتخاذ والاستعمال لهذه الأواني.
٢- أن بعض الشافعية ممن قال بجواز الاتخاذ لهذه الأواني، يقول هنا بصحة البيع، ومن هؤلاء القاضي أبو الطيب، ترتيباً على صحة وجواز اتخاذ آنية الذهب والفضة، وذكرت بعض كتب الشافعية أن هذا اتفاق الأصحاب.
٣- أن بعض الشافعية يرى كراهية بيع هذه الأواني، مع خلاف في وصف وتكييف هذه الكراهية، بين قائل بأنها تحريمية، وقائل بأنها تنْزيهية، وأن القول بالكراهة هو ما عليه أبو الحسن التميمي الحنبلي.
فالمسألة تخلص في مذاهب ثلاثة:
الأول: حرمة بيع أواني الذهب والفضة مطلقاً، سواء كان ذلك للرجال والنساء، وسواء كان للأكل أو الشرب أو غيرهما، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء.
الثاني: صحة بيع أواني الذهب والفضة، بناء على القول بجواز اتخاذها، وهذا ما
стр. 262
عليه بعض الشافعية كأبي الطيب.
الثالث: كراهية بيع أواني الذهب والفضة، وهذا ما عليه بعض الشافعية، وهو قول أبي الحسن التميمي من الحنابلة.
الأدلة: استدل القائلون بحرمة بيع أواني الذهب والفضة بنفس ما استدلوا به على حرمة اتخاذ هذه الأواني على نحو ما سبق، خاصة وأن أغلب أقوالهم بحرمة البيع جاءت تخريجاً على حرمة ما قالوه بالنسبة للاتخاذ والاستعمال.
وتمسك أبو الطيب الشافعي ومن وافقه -فيما ذهبوا إليه من القول بصحة بيع آنية الذهب والفضة- بأن هذه الأواني تعتبر عيناً يصح بيعها، بناء على صحة اتخاذها واستعمالها، حيث تقرر عند هؤلاء أن ما صح اتخاذه صح بيعه، بل إن هذا يعد أصلاً عاماً تأكد تقريره، ولما كان مذهبهم إنما هو جواز الاستعمال والاتخاذ، كان قولهم هنا هو صحة بيع هذه الأواني.
أما من قال بالكراهة كأبي الحسن التميمي فقد تمسك بنفس ما استند إليه الجمهور القائلون بحرمة بيع هذه الآنية، غير أنهم سلكوا مسلكاً خاصاً بهم يخدم دعواهم ووجهوا هذه الأدلة بما يقف عند حد الكراهية وعدم بلوغ الحكم درجة الحرمة الشرعية.
والراجح في هذا: هو القول بعدم صحة بيع أواني الذهب والفضة مطلقاً على نحو ما ذهب إليه الجمهور، وذلك تأسياً على ما ترجح من القول بحرمة الاتخاذ والاستعمال لهذه الآنية في الأكل والشرب ونحوهما، فضلاً عن قوة ما استدلوا به، كما أن جواز البيع سيؤدي غالباً إلى الاتخاذ والاستعمال المحرمين فكان ما أدى إليه هو البيع محرماً هو الآخر سداً لذريعة المفاسد فيما بين الناس. والله تعالى أعلم.
стр. 263
المبحث الثاني: حكم المضبب بالذهب والفضة
إن الحديث عن حكم الشرع بشأن المضبب بالذهب والفضة، متفرع على حكم الشرع في ذلك التضبيب بأحد النقدين، وهل هو حرام، أم أنه حلال، أم أنه مكروه، وهذا بدوره يستلزم ضرورة بيان حكم استعمال المضبب بالذهب أو الفضة أو المموه بأحدهما، ويتضح هذا من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول: حكم استعمال المضبب بالذهب
اختلف الفقهاء بشأن حكم استعمال المضبب بالذهب على النحو الآتي:
مذهب الحنفية: أطلق علماء المذهب القول بإباحة استعمال السيف، والسكين، والمنطقة١ المضببة بالذهب، وقالوا بأنه لا بأس بشد فص الخاتم بمسمار من ذهب، لأنه تابع للفص، والعبرة بالأصل دون التبع، وعزو هذا القول لأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، في حين أن أبا يوسف من الحنفية يرى حرمة استعمال المضبب بالذهب مطلقاً باستثناء السيف والسكين والمنطقة المضببة بالذهب، فيباح استعمالها، وكذلك الخاتم الذي ثبت فصه بمسمار من ذهب، وقد خالف في هذا الإمام أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن - رحمهما الله - حيث قالا بإباحة استعمال الإناء المضبب بالذهب في الأكل والشرب وقد قيد صاحب الفتاوى الهندية هذا بعدم وضع فاه على موضع الذهب والفضة كما أنه أباح الجلوس على السرير والكرسي المضببين بالذهب، وقيد استعمال السرج واللجام والركاب المضبب بالذهب بعدم الجلوس على موضع الذهب والفضة.
стр. 264
فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما الإناء المضبب بالذهب فلا بأس بالأكل والشرب فيه عند أبي حنيفة ﵁، وهو قول محمد ذكره في الموطأ، وعند أبي يوسف يكره، "وجه" قول أبي يوسف أن استعمال الذهب حرام بالنص، وقد حصل باستعمال الإناء فيكره "وجه"
قولهما أن هذا القدر من الذهب الذي عليه هو تابع له والعبرة للمتبوع دون التابع كالثوب المعلم، ... وعلى هذا الخلاف الجلوس على السرير المضبب، والكرسي، والسرج، واللجام، والركاب، والتفر المضببة، وكذا المصحف المضبب على هذا الخلاف ... وأما السيف المضبب والسكين فلا بأس به بالإجماع، وكذلك المنطقة المضببة لورود الآثار بالرخصة بذلك في السلاح، ولا بأس بشد الفص بمسمار الذهب لأنه تبع للفص والعبرة للأصل دون التبع"١.
وجاء في الفتاوى الهندية: "ولا بأس بالأكل والشرب في إناء مذهب ومفضض، إذا لم يضع فاه على الذهب والفضة وكذا المضبب من الأواني والكراسي إذا لم يقعد على الذهب والفضة، وكذا في حلقة المرآة من الذهب والفضة، وكذا المجمر واللجام والسرج والركاب إذا لم يقعد عليه، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه كره جميع ذلك، وقيل محمد ﵀ معه، وقيل مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى"٢.
مذهب المالكية: حرمة استعمال المضبب بالذهب مطلقاً، أي سواء كانت الضبة قليلة أم كبيرة، لحاجة أم لزينة، وإن كان هناك قول في المذهب بكراهية استعمال الإناء المضبب بالذهب في الأكل والشرب ونحو ذلك، وأن هذا فهم من قول الإمام مالك ﵀ "لا يعجبني أن يشرب في إناء مضبب" وهذا يحتمل التحريم والكراهة، والظاهر هو الكراهة.
فقد جاء في مواهب الجليل: " ... والأصح من القولين في المضبب وذي الحلقة المنع كما صرح به ابن
стр. 265
الحاجب١ وابن الفاكهاني٢ وغيرهما ... قال مالك في العتبية٣ لا يعجبني أن يشرب في إناء مضبب، ولا ينظر في مرآة فيها حلقة، وهو يحتمل التحريم والكراهة، قال ابن عبد السلام٤ وظاهره الكراهة وهو الذي عزاه المازري٥، والمذهب عندنا كراهة الشرب في الإناء المضبب إذا كان يسيراً، قال بعض شيوخنا وعلة مجرد السرف لا تقتضي التحريم كأواني البلور التي لها الثمن الكثير واليا قوت، فإن استعمالها عندنا جائز غير حرام لكنه مكروه للسرف"٦
فمذهب المالكية: في المضبب بالذهب هو الحرمة، وإن كان هناك قول بكراهة استعمال ذلك المضبب، وقد قال الإمام مالك: لا يعجبني الشرب في المضبب، وهذا
стр. 266
يحتمل أمرين أحدهما الحرمة والآخر الكراهة، وقد رجح ابن عبد السلام أن الظاهر إنما هو الكراهة،
وقال المازري والمذهب عندنا كراهة الشرب في الإناء المضبب إذا كانت الضبة يسيرة.
مذهب الشافعية: القول بحرمة استعمال المضبب بالذهب، وذلك في أصل المذهب، غير أنه قد وجد تفصيل بين فقهاء المذهب فيما يتعلق بمقدار الضبة والغرض منها.
فقد جاء في مغني المحتاج: "وما ضبب من إناء بذهب أو فضة ضبة كبيرة وكلها أو بعضها وإن قل لزينة حرم استعماله واتخاذه ... " ١.
وجاء في المهذب: "وأما المضبب بالذهب، فإنه يحرم قليله وكثيره، ... فإن اضطر إليه جاز ... " ٢
وجاء في المجموع: "فرع" "إذا ضبب الإناء تضبيباً جائزاً فله استعماله مع وجود غيره من الآنية التي لا فضة فيها، وهذا لا خلاف فيه صرح به إمام الحرمين وغيره ... "٣.
فأساس مذهب الشافعية: حرمة استعمال المضبب بالذهب مع خلاف في المذهب بشأن مقدار الضبة والغرض منها، فنص مغني المحتاج حرمة الضبة من ذهب ومن فضة إذا كانت كبيرة وكانت لزينة كلها أو بعضها، في حين أن نص المهذب يفيد أنه يحرم استعمال ضبة الذهب على وجه التحديد قليلها وكثيرها على السواء، وأنه إذا اضطر إليه جاز، وقد علق المجموع حكم الاستعمال على حكم التضبيب ذاته.
مذهب الحنابلة: القول بحرمة استعمال المضبب بالذهب مطلقاً، سواء كانت الضبة كبيرة أو صغيرة، باستثناء قبيعة٤ السيف من الذهب، فإنها تباح، وهذا هو صحيح المذهب، وإن
стр. 267
كان الخلاف جارياً بشأن مقدار الضبة والغرض منها، وبالتالي حكم استعمالها.
فقد جاء في الإنصاف: " ... الضبة من الذهب فلا تباح مطلقاً، وهو الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم، ... وقيل: يباح يسير الذهب، قال أبو بكر١: يباح يسير الذهب، ... وقيل يباح لحاجة، واختاره الشيخ تقى الدين وصاحب الرعاية٢، وأطلق ابن تميم٣ في الضبة اليسيرة من الذهب الوجهين، قال الشيخ تقى الدين: وقد غلط طائفة من الأصحاب حيث حكت قولاً بإباحة يسير الذهب تبعاً في الآنية عن أبي بكر، ... فائدة: حد الكثير ما عُدَّ كثيراً، على الصحيح من المذهب، وقيل: ما استوعب أحد جوانب الإناء، وقيل: ما لاح على بعد؛ ... يسيره بالشروط المتقدمة فتباح، وكثيره لغير حاجة فلا تباح مطلقاً على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وجزم به.
واختار الشيخ تقي الدين الإباحة إذا كانت أقل مما هي فيه، وكثيره لحاجة٤ فلا تباح على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور وهو ظاهر في المحرر٥؛ ... وقيل لا يحرم اختاره ابن عقيل وهو مقتضى اختيار الشيخ تقي الدين بطريق الأولى، ... ويسيره لحاجة، فلا تباح على الصحيح من المذهب نص عليه وقطع به في الهداية ... " ٦.
стр. 268
وجاء في كشاف القناع: "إلا المضبب بضبة يسيرة عرفاً، أي في عرف الناس، لأنه لم يرد تحديدها من فضة لحاجة١، كتشعيب قدح احتاج إلى ذلك فيجوز تشعيبه واستعماله؛ ... بخلاف الكبيرة والتي لغير حاجة، وعلم منه أن ضبة الذهب حرام مطلقاً ... ومباشرتها بدونها أي بدون الحاجة تكره، لأن فيها استعمالاً للضبة بلا حاجة في الجملة، ولا تحرم لإباحة الاتخاذ"٢.
فالخلاف حاصل في مذهب الحنابلة بشأن استعمال المضبب بالذهب على هذا النحو:
فصحيح المذهب أن الضبة من الذهب لا يباح استعمالها مطلقاً أي سواء كانت قليلة أم كثيرة لحاجة أم لزينة، وهذا ما عليه الأصحاب في المذهب الحنبلي، وقال: أبو بكر بإباحة يسير الذهب، وقيل يباح لحاجة وهذا ما اختاره الشيخ تقي الدين وصاحب الرعاية، وقال ابن تميم بالوجهين، ونص كشاف القناع يفيد أن ضبة الذهب حرام مطلقاً.
الموازنة: من خلال مطالعة نصوص الفقهاء بشأن حكم الشرع في استعمال المضبب بالذهب يتبين الآتي:
أن الحنفية مختلفون بشأن هذه المسألة حيث يرى الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني أنه لا بأس بالأكل والشرب في الإناء المضبب بالذهب، باعتبار أن المدار على المتبوع دون التابع، فطالما كان الإناء وهو المتبوع لا بأس به، كان التابع وهو القدر من الذهب في الضبة كذلك لا بأس به، في حين أن أبا يوسف يرى كراهية ذلك، وهذا الخلاف.
يجري بالنسبة للكرسي والسرير واللجام ونحو ذلك، خلافاً للسكين والسيف ونحو
стр. 269
ذلك حيث لا بأس به على سبيل الإجماع.
أن المالكية يرون حرمة استعمال المضبب بالذهب مطلقاً، سواء كانت قليلة أو كثيرة، لحاجة أو لزينة، وهناك رأي في المذهب يقول بكراهية استعمال الإناء المضبب بالذهب في الأكل والشرب خاصة.
أن أساس مذهب الشافعية هو حرمة استعمال المضبب بالذهب، وإن كان الخلاف في مقدار الضبة والغرض منها.
وأن صحيح مذهب الحنابلة أنه لا يباح استعمال الضبة من الذهب مطلقاً، سواء كانت قليلة، أم كثيرة، لحاجة، أم لزينة، وقال أبو بكر بإباحة يسير الذهب، وقيل يباح لحاجة.
فخلاصة القول في مسألة استعمال المضبب بضبة الذهب تنحصر في مذهبين:
المذهب الأول: يرى حرمة استعمال المضبب بالذهب، وإلى هذا ذهب المالكية، وهو أساس مذهب الشافعية، على خلاف وتفصيل بشأن مقدار الضبة، والغرض منها، وهو صحيح مذهب الحنابلة، وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف من الحنفية.
المذهب الثاني: يرى إباحة استعمال المضبب بالذهب، وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن حيث عبرا عن هذا بأنه لا بأس به، وهو قول لأبي بكر من الحنابلة خاصة ما إذا كانت الضبة يسيرة، وفي قول عندهم إذا كانت الضبة لحاجة.
الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول القائلون بحرمة استعمال المضبب بالذهب بما يلي:
١- ما روي عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم".
٢- وبما روي عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
فقد نهى رسول الله ﷺ عن استعمال المتخذ من الذهب في الأكل والشرب، وهذا يفيد التحريم للوعيد الشديد الوارد في حديث أم سلمة، ويقاس على الأكل
стр. 270
والشرب غيرهما من وجوه الاستعمال كما سبق بيانه١ فتحرم كذلك، وما ضبب بذهب قد اشتمل على ذهب، وإذا حرم استعمال المتخذ من الذهب، فإنه يحرم استعمال المشتمل عليه كذلك.
٣- فضلاً عن أن علة التحريم هي الفخر، والخيلاء، والسرف، وكسر قلوب الفقراء، وإذا كانت هذه هي علة التحريم، فإن الخيلاء والفخر وغيرهما من وجوه الاستعلاء والتجبر تكون موجودة في ذلك التضبيب، وأنها في الذهب أشد من الفضة٢.
واستدل أصحاب المذهب الثاني القائلون بإباحة استعمال المضبب بالذهب بما يلي:
١- ما روي عن مزيدة العصري٣ قال: "دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح، وعلى سيفه ذهب وفضة"٤.
فدل هذا الحديث على إباحة استعمال المضبب بالذهب، وقد استدل به الحنابلة على ما ذهبوا إليه من إباحة استعمال السيف إذا كانت قبيعته من الذهب.
٢- فضلاً عن أن مقدار الذهب الذي تتخذ فيه الضبة تابع لما ضبب به، والعبرة للمتبوع دون التابع، كالثوب المعلم ٥، والجبة المكفوفة ٦ بالحرير٧.
стр. 271
والراجح في هذا: ما ذهب إليه القائلون بتحريم استعمال الأواني والآلات وغيرها المضببة بالذهب مطلقاً، سواء كانت الضبة كبيرة أو صغيرة، وهو ما عليه مذهب المالكية والشافعية وجمهور الحنابلة، لقوة ما استدلوا به، ولأنه لا حاجة إلى اتخاذ هذه الضبة من الذهب إذ يمكن اتخاذها من معدن آخر فتندفع الحاجة به، والله تعالى أعلم.
стр. 272
المطلب الثاني: حكم بيع المضبب بالذهب
ما سبق كان عن حكم الشرع بالنسبة لاستعمال الآنية المضببة بالذهب، وهذا الحكم على ما فيه من خلاف وما يترجح بشأنه، يخرج عليه حكم بيع المضبب بالذهب، بناء على أن عامة كتب الفقه فيما اطلعت عليه لم تنص صراحة على هذا اكتفاء منها بما تقرر بشأن اتخاذ واستعمال ما ضبب من الآنية بضبة الذهب.
مذهب الحنفية: اختلف فقهاء الحنفية بشأن بيع المضبب بالذهب بناء على اختلافهم في استعماله فيرى الإمام أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن إباحة بيع المضبب بالذهب، مشياً على أن العبرة بالأصل دون التبع، فطالما كان الأصل مباحاً وبيعه لا منع منه، كان حكمه كذلك بعد أن ضبب بالذهب، سواء كان ذلك في السيف أو السكين أو المنطقة والسرج واللجام والركاب ونحو ذلك من آنية الأكل والشرب، في حين أن أبا يوسف ﵀ يرى حرمة بيع المضبب بالذهب تخريجاً على قوله بحرمة استعماله واتخاذه، بناء على أن القول ببيعه يؤدي إلى استعماله، وهذا ممنوع عنده فما يعتبر ذريعة إليه ممنوع هو الآخر فكان البيع ممنوعاً.
فقد ورد حكم الاستعمال للمضبب بالذهب عند الحنفية المخرج عليه حكم البيع هنا في بدائع الصنائع " ... وأما الإناء المضبب بالذهب فلا بأس بالأكل والشرب فيه عند أبي حنيفة ﵁، وهو قول محمد ذكره في الموطأ، وعند أبي يوسف يكره "وجه" قول أبي يوسف أن استعمال الذهب حرام بالنص، وقد حصل باستعمال الإناء فيكره "وجه" قولهما إن هذا القدر من الذهب الذي عليه هو تابع له والعبرة للمتبوع دون التابع كالثوب
стр. 273
المعلم ... "١.
مذهب المالكية: منع بيع المضبب بالذهب بحسب أصل المذهب المالكي، سواء كانت الضبة يسيره أم كثيرة، وسواء كانت لحاجة أم كانت لزينة، وإن كان هناك قول في المذهب استخلص من أن الإمام مالكاً يقول بأنه لا يعجبه الشرب في مثل هذا الإناء، ومفاد هذا القول كراهية البيع، بناء على كراهية الاستعمال، والأصح القول بمنع بيع المضبب بالذهب، فقد ورد حكم الاستعمال لهذا المضبب في مواهب الجليل " ... والأصح في القولين في المضبب وذي الحلقة المنع، كما صرح به ابن الحاجب وابن الفاكهاني وغيرهما ... "٢.
مذهب الشافعية: منع بيع المضبب بالذهب، بناء على أن الأصل في المذهب الشافعي حرمة استعمال ذلك المضبب على هذا النحو، وإن كان الخلاف فقط قد تعلق بمقدار الضبة المستخدمة بين من يقول بحرمة القليل، وأن شأنه في هذا شأن الكثير، وبين من بنى قوله في الاستعمال على مقدار الضبة، وعلى الغرض من استعمالها، فجوز القليل إن كان لحاجة، وبناء عليه قد خرج حكم بيع المضبب بالذهب عند الشافعية على حكم الاستعمال، ولما كان الأصل في المذهب حرمة الاستعمال مطلقاً سواء كانت الضبة يسيرة أم لا، وسواء كانت قليلة أم لا؟ فإن هذا يعتبر هنا هو أساس المذهب والأصل فيه مع مراعاة الخلاف في الضبة اليسيرة أو الكبيرة لحاجة بين من أجراها على الأصل، ومن قال بجواز الاستعمال على هذا النحو.
فقد جاء في مغني المحتاج: "وما ضبب من إناء ذهب أو فضة ضبة كبيرة وكلها أو بعضها وإن قل لزينة حرم استعماله واتخاذه ... "٣.
стр. 274
مذهب الحنابلة: منع بيع المضبب بالذهب، وذلك بحسب أصل المذهب الحنبلي، وما عليه الأصحاب في المذهب، وأن هذا شامل للضبة اليسيرة والكثيره على سواء، طالما كانت لزينة، وذلك بناء على ما استقر في أصل المذهب بالنسبة للاستعمال لمثل هذه الضبة، وذلك خلافاً لما عليه القاضي أبو بكر، وما اختار الشيخ تقي الدين، وصاحب الرعاية، بإباحة ذلك البيع.
فقد جاء في الإنصاف حكم استعمال المضبب بضبة الذهب المخرج عليه حكم بيع ذلك المضبب، فجاء فيه: " ... الضبة من الذهب فلا تباح مطلقاً، وهو الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم، ... وقيل: يباح يسير الذهب ... "١.
الموازنة: بمراجعة ما استقر عليه الفقهاء بشأن بيع المضبب بالذهب بناء على تخريجهم هذا الحكم على ما نصوا عليه من حكم الاستعمال يتضح الآتي:
أن الحنفية مختلفون بشأن بيع المضبب بالذهب، بناء على خلافهم في أصل المسألة، وهو الاستعمال، فالإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن على إباحة بيع ذلك المضبب بصرف النظر عن كم هذه الضبة أو الغرض من استعمالها، وذلك خلافاً لما عليه أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة من القول بكراهية بيع المضبب بالذهب تأسياً على قول كراهية استعماله.
المالكية على حرمة بيع الإناء المضبب بالذهب مطلقاً بصرف النظر عن كم الضبة والغرض منها، وهناك رأي في المذهب يرى كراهية ذلك البيع.
أن أصل مذهب الشافعية منع بيع المضبب بالذهب، مع خلاف طفيف بشأن مقدار الضبة والغرض منها، حيث يوجد قول في المذهب بأنه لا بأس بإباحة بيع الضبة اليسيرة للحاجة.
الحنابلة على منع بيع المضبب بالذهب مطلقاً، تخريجاً على صحيح مذهبهم من
стр. 275
القول بعدم إباحة استعمال المضبب بالذهب، خلافاً لما عليه أبو بكر منهم بإباحة بيع الضبة اليسيرة خاصة لو كانت للحاجة.
يتضح لنا أن العلماء لهم في مسألة بيع المضبب بالذهب آراء متعددة تخلص في مذهبين:
المذهب الأول: يرى منع بيع المضبب بالذهب، وإلى هذا ذهب المالكية وما عليه أصل مذهب الشافعية، وصحيح مذهب الحنابلة وهو قول أبي يوسف من الحنفية.
المذهب الثاني: يرى إباحة بيع المضبب بالذهب، وإلى هذا ذهب كل من الإمام أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن الشيباني، وهو قول لأبي بكر من الحنابلة خاصة ما إذا كانت الضبة يسيرة، وهو قول عند الحنابلة إذا كانت لحاجة.
الأدلة: باعتبار أن حكم بيع الضبة من الذهب قد خرج على حكم استعمالها واتخاذها، فإن أدلة المذهب هنا هي ذات الأدلة التي تمسك بها كل بحسب قوله في الاستعمال، على نحو ما تقرر في المطلب السابق، ولذات السبب المقرر هنا وهو تخريج الحكم على سابقه باعتباره أصلاً فيه.
الراجح في هذا: بعد مراجعة ما انتهى إليه الخلاف في أصل هذه المسألة، وهو ما ترجح لدى العلماء بشأن استعمال الأواني والآلات ونحوها مما ضبب بالذهب مطلقاً، يتضح هنا فيما تخرج عليه رجحان ما ذهب إليه أنصار المذهب الأول من القول بحرمة ومنع بيع المضبب بالذهب، وذلك لقوة ما تمسكوا به، ومنعاً لما يؤدي إلى كسر قلوب الفقراء بتداول هذه الأواني على هيئة تضبيبها بالذهب. والله تعالى أعلم.
стр. 276
المطلب الثالث: حكم استعمال المضبب بالفضة
اختلف الفقهاء في حكم استعمال المضبب بالفضة ١على النحو الآتي:
مذهب الحنفية: إباحة استعمال السيف والسكين والمنطقة المضببة بالفضة، وإباحة استعمال الإناء والكرسي والسرير وغيرها مما ضبب بالفضة قليلة كانت الضبة أو
стр. 277
كثيرة، إذا كان يتقى موضع الضبة من هذه الأشياء.
فقد جاء في بدائع الصنائع: "وأما السيف المضبب والسكين فلا بأس به بالإجماع، وكذا المنطقة المضببة، لورود الآثار بالرخصة بذلك في السلاح، ولا بأس بشد الفص بمسمار الذهب لأنه تبع للفص، والعبرة للأصل دون التبع، كالعلم للثوب ونحوه، ... وأما شد السن المتحرك بالذهب فقد ذكر الكرخي ﵀ أنه يجوز، ولم يذكر خلافاً، وذكر في الجامع الصغير أنه يكره عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يكره، ولو شدها بالفضة لا يكره بالإجماع""١.
فمذهب الحنفية: أنه لا بأس من استعمال السيف المضبب والسكين ونحو ذلك، وأنه لا يكره بالإجماع عند الحنفية شد السن المتحرك بالفضة.
مذهب المالكية: كراهية الشرب في الإناء المضبب بالفضة. فقد جاء في مواهب الجليل: " ... وقال مالك في العتبية لا يعجبني أن يشرب في إناء مضبب، ولا ينظر في مرآة فيها حلقة، وهو يحتمل التحريم والكراهة، قال ابن عبد السلام وظاهره الكراهة، وهو الذي عزاه المازري للمذهب، وكذا بعض من تكلم على الخلاف، ... والمذهب عندنا كراهة الشرب في الإناء المضبب، كما كره النظر في مرآة فيها حلقة فضة، قال القاضي عبد الوهاب ويجوز عندنا استعمال المضبب إذا كان يسيراً، ... وعلة مجرد السرف لا تقتضي التحريم، كأواني البلور التي لها الثمن الكثير والياقوت فإن استعمالها عندنا جائز غير حرام لكنه مكروه للسرف انتهى ... "٢.
فمذهب المالكية: أن الإمام مالكاً لا يعجبه الشرب في إناء مضبب، وذكرت كتب المالكية أنه يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة، غير أن الظاهر هو الكراهة، وقال صاحب مواهب الجليل إن المذهب كراهة الشرب في الإناء المضبب، وقال القاضي عبد الوهاب بجواز استعمال المضبب إذا كان يسيراً.
مذهب الشافعية: يرى جمهور الشافعية أن ما ضبب بضبة كبيرة كلها أو بعضها
стр. 278
لزينة حرم استعمالها، وإن كانت صغيرة بقدر الحاجة فلا يحرم للصغر، ولا يكره للحاجة، فإن كانت الضبة صغيرة وكلها أو بعضها لزينة، أو كانت كبيرة كلها لحاجة، جاز مع الكراهة فيهما، أما في الأولى فللصغر، ولقدرة معظم الناس على مثلها، وكره لفقد الحاجة، وأما الثانية فللحاجة وكره للكبر.
فقد جاء في المهذب: "وأما المضبب بالفضة فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال إن كان قليلاً للحاجة لم يكره لما روى أنس ﵁: "أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشَّفة سلسلة من فضة"١ وإن كان للزينة كره لأنه غير محتاج إليه، ولا يحرم، لما روى أنس قال: "كان نعل سيف رسول الله ﷺ من فضة، وقبيعة سيفه من فضة، وما بين ذلك حلق الفضة"٢، وإن كثيراً للحاجة كره لكثرته، ولم يحرم للحاجة، وإن كان كثيراً للزينة حرم، لقول ابن عمر: "لا يتوضأ ولا يشرب من قدح فيه حلقة من فضة أو ضبة من فضة"٣ ... ومن أصحابنا من قال: يحرم في موضع الشرب، لأنه يقع الاستعمال به، ولا يحرم فيما سواه، لأنه لا يقع به الاستعمال، ومنهم من قال يكره ولا يحرم، لحديث أنس في سيف رسول الله ﷺ "٤.
فمذهب الشافعية: أن استعمال المضبب بالفضة مختلف فيه بحسب ما إذا كان قليلاً أم لا؟ ولحاجة أم لا؟ في موضع شرب أم لا؟ وأن منهم من قال: إن كان قليلاً للحاجة لم يكره وإن كان للزينة كره، ومنهم من قال: إن كان كثيراً للحاجة: كره وإن كان للزينة حرم؛ ومنهم من قال: يحرم استعمال المضبب في موضع الشرب، ولا يحرم فيما سواه؛ ومنهم قال: يكره ولا يحرم.
стр. 279
مذهب الحنابلة: أن الضبة إن كانت كثيرة حرم الاستعمال، سواء كانت الضبة لحاجة أو لغيرها، وإن كانت يسيرة أبيح استعمال المضبب بها، واشترط أبو الخطاب لإباحة استعمال المضبب أن تدعو الحاجة إلى هذه الضبة، وقال القاضي يباح الاستعمال سواء دعت الحاجة إلى الضبة أو لم تدع، ويرون أنه تكره مباشرة موضع الفضة بالاستعمال حتى لا يكون مستعملاً لها.
فقد جاء في الإنصاف: قوله: "إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة". استثنى للإباحة مسألة واحدة؛ لكن بشروط: منها: أن تكون ضبة، وأن تكون يسيرة، وأن تكون لحاجة، ولم يستثنها المصنف، لكن في كلامه أومأ إليها، وأن تكون من الفضة ولا خلاف في جواز ذلك، بل هو إجماع بهذه الشروط، ولا يكره على الصحيح من المذهب، وقيل: يكره.
فائدة: في "الضبة" أربع مسائل، كلها داخلة في كلام المصنف في المستثنى والمستثنى منه يسيرة بالشروط المتقدمة، فتباح، وكثيرة لغير حاجة فلا تباح مطلقاً على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب وجزم به، واختار الشيخ تقي الدين الإباحة إذا كانت أقل مما هي فيه، وكثيرة لحاجة، فلا تباح على الصحيح من المذهب وعليه الجمهور ... ويسيره لحاجة: فلا تباح على الصحيح من المذهب، نص عليه، ... وإن كان التضبيب بالفضة وكان يسيراً على قدر حاجة الكسر فمباح، ... قال في تجريد العناية١: لا تباح اليسيرة لزينة في الأظهر وقيل: لا يحرم، اختاره جماعة من الأصحاب"٢.
فمذهب الحنابلة: استثناء الضبة اليسيرة من الفضة واعتبار استعمالها مباحاً، غير أن هذا مشروط بعدة شروط: أن تكون ضبة، وأن تكون يسيرة، وأن تكون لحاجة،
стр. 280
وأن تكون من الفضة، وأنه لا خلاف في جواز هذا الاستعمال على وجه تحقيق هذه الشروط، وأن هذا لا يكره على الصحيح من المذهب، وقيل يكره.
الموازنة: بمطالعة كتب الفقهاء على اختلاف مذاهبها بشأن استعمال المضبب بالفضة يتضح الآتي:
أن الحنفية يرون إباحة استعمال المضبب بالفضة، وأنه لا بأس بشد السن المتحرك بضبة من فضة.
أن الظاهر من مذهب المالكية كراهية استعمال المضبب والشرب فيه، وأن هذا يقابله احتمال القول بالتحريم، وأن هذين الاحتمالين فهما من قول الإمام مالك أنه لا يعجبه الشرب في إناء مضبب، وإن كان القاضي عبد الوهاب المالكي يقول بجواز استعمال المضبب إذا كان يسيراً.
أن الخلاف حاصل لدى الشافعية بشأن استعمال المضبب بالفضة، وذلك بحسب ما إذا كان قليلاً أو كثيراً، فإن كانت قليلة وكانت للحاجة لم يكره ذلك الاستعمال، وإن كانت للزينة كره، وإن كانت كثيرة لحاجة كره، وللزينة حرم، ومنهم من قال بأنها يحرم استعمالها في موضع الشرب، ولا يحرم فيما سواه.
أن الحنابلة قد استثنوا الضبة اليسيرة من الفضة، وقالوا بإباحتها طالما كانت ضبة يسيرة لحاجة، وكانت من فضة، وقيل بكراهية ذلك. والصحيح عدم الكراهة.
فخلاصة ما قاله الفقهاء في هذه المسألة يتلخص في مذهبين:
المذهب الأول: يرى إباحة استعمال المضبب بالفضة، وإلى هذا ذهب الحنفية وما قال به القاضي عبد الوهاب المالكي إذا كانت الضبة يسيرة، وما قال به الشافعية في الضبة اليسيرة للحاجة، خاصة ما إذا لم تكن في موضع الشرب على نحو ما ذكر بعضهم، وهذا ما عليه الحنابلة عند تحقق شروط هذه الإباحة.
المذهب الثاني: يرى كراهية استعمال المضبب بالفضة، وإلى هذا ذهب المالكية في صحيح مذهبهم والشافعية، سواء كانت قليلة للزينة أو كثيرة لحاجة، وهو قول عند الحنابلة.
стр. 281
الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول على إباحة استعمال المضبب بالفضة بما يلي:
١- بما روي عن عاصم الأحول١ قال: "رأيت قدح رسول الله ﷺ عند أنس بن
مالك وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، وقال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا"٢.
٢- بما روي عن أنس ﵁ قال: "كانت قبيعة سيف النبي ﷺ من فضة"٣.
لقد أفاد الحديثان جواز استعمال المحلى أو المضبب بالفضة، وقد استدل بالحديث الأول من يقصر حل الاستعمال على اليسير من الضبة، وقال: إن موضع الشعب من القدح كان يسيراً، ولهذا جاز ما كان في مقداره.
٣- أن الحاجة تدعو إلى هذه الضبة، فإذا كانت يسيرة فلا يكون فيها سرف، ولا خيلاء، فكانت بمثابة الضبة من الصفر٤.
استدل أصحاب المذهب الثاني على كراهة استعمال المضبب بالفضة بما يلي:
١- حديثا أم سلمة وحذيفة بن اليمان السابقان، اللذان يدلان على كراهة الأكل والشرب في أواني الفضة، ويقاس على الأكل والشرب فيهما وجوه الاستعمال المختلفة كما قال الجمهور، وإذا كره استعمال المتخذ من الفضة فإن هذا الاستعمال
стр. 282
يحصل باستعمال المضبب بها فيكره ذلك.
٢- بما روي عن ابن عمر ﵄: "أنه كان لا يشرب في قدح فيه حلقه أو ضبة من فضة"١.
٣- بما روي عن عائشة ﵂: "أنها نهت أن تضبب الآنية، أو تحلق بالفضة"٢.
لقد كان امتناع ابن عمر عن الشرب من قدح فيه حلقة أو ضبة من فضة، ونهي عائشة عن تضبيب الآنية أو تحلقيها بالفضة، لا يكون منهما إلا عن توقيف، لأنه لا مدخل للرأي فيه، فدل هذان الأثران على كراهة استعمال المضبب بالفضة.
والراجح في هذا: هو ما ذهب إليه القائلون بإباحة استعمال المضبب بالفضة إذا كانت الضبة يسيرة ودعت الحاجة إليها، على نحو ما ذهب إليه جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة ومن وافقهم من المالكية كالقاضي عبد الوهاب، لقوة ما استدلوا به، فضلاً عن أن هذه الضبة تابعة لما ضبب بها فأبيحت، لأن العبرة بالمتبوع دون التابع، وأن الحاجة تدعو إلى هذه الضبة، فإن كانت يسيرة فلا يكون سرفاً ولا خيلاء. وأما ما استدل به القائلون بكراهة استعمال المضبب من حديثي أم سلمة وحذيفة فلا دلالة فيهما على ذلك، لأنه لم يرد فيهما النهي صراحة عن استعمال المضبب بالفضة أو ذكر حكم التضبيب بها، والله أعلم.
стр. 283
المطلب الرابع: حكم بيع المضبب بالفضة
اكتفت كتب الفقه المختلفة حسب ما اطلعت عليه بالنص على حكم استعمال واتخاذ المضبب بالفضة، وما جرى بشأن ذلك من خلاف بين العلماء على نحو ما تقرر في المطلب السابق، ولهذا فلا مناص من تخريج حكم بيع ذلك المضبب واستخلاص حكمه مما ذكره العلماء بشأن استعمال ذلك المضبب، فالخلاف هناك له أثره هنا على
стр. 284
نحو ما يلي:
مذهب الحنفية: إباحة بيع المضبب بالفضة من نحو السيف والسكين والمنطقة المضببة، وقالوا: إن العبرة في عين ذلك المضبب بالفضة، فطالما كان الأصل مباحاً في استعماله واتخاذه، كان التابع كذلك، وأن هذا الحكم يسري بعينه في البيع، فلا بأس من بيع المضبب بالفضة عندهم، بناء على جواز استعماله وتخريجاً عليه.
مذهب المالكية: كراهية بيع الإناء المضبب بالفضة، وأن هذا لا يعجب الإمام مالكاً على نحو ما ورد في العتبية بشأن الأكل والشرب في الإناء المضبب بالفضة، المعتبر أصلاً لحكم الشرع بالنسبة لبيع هذا الإناء على هذا النحو تخريجا للحكم هناك على ما استقر عند المالكية هناك؛ وعند القاضي عبد الوهاب المالكي جواز بيع ذلك الإناء بناء على جواز الأكل والشرب فيه عنده إذا كانت الضبة يسيرة.
مذهب الشافعية: حرمة بيع المضبب بالفضة، وهذا ما عليه جمهور فقهاء الشافعية إذا كانت الضبة كبيرة كلها أو بعضها لزينة، وإن كانت لحاجة فإن بيعها لا يكون محرماً بل يقف عند حد الكراهة، وهذا الحكم تخريجاً على ما قاله جمهور الشافعية بشأن استعمال واتخاذ المضبب بالفضة، واستخلاصاً لحكم غير المنصوص مما شمله النص الشرعي.
مذهب الحنابلة: إباحة بيع المضبب بالفضة بناء على قولهم بإباحة استعمالها واتخاذها، وأن هذا الحكم مشروط بعدة شروط منها: أن تكون الضبة يسيرة، ولحاجة، ومن الفضة، وأن الصحيح في المذهب الحنبلي عدم كراهية البيع المتحقق فيه هذه الشروط، وقيل يكره ذلك البيع.
الموازنة: بمراجعة ما تم استخلاصه وتخريجه في مسألة بيع المضبب بالفضة يتضح الآتي:
أن الحنفية يرون أنه لا بأس من بيع المضبب بالفضة، بناء على إباحة استعماله واتخاذه.
стр. 285
أن ظاهر مذهب المالكية كراهة بيع المضبب، تخريجا على قولهم بهذا في حكم استعماله واتخاذه؛ وهناك وجه مقابل لهذا على القول بتحريم ذلك البيع، وإن كان القاضي عبد الوهاب المالكي يرى أن ذلك البيع جائز.
أن الخلاف عند الشافعية تشعب كثيراً ما بين من قال بعدم كراهية بيع المضبب، طالما كان قليلاً ولحاجة، وإن كان للزينة، أو كان كثيراً، فإن بيعه يكون مكروهاً حتى ولو كان لحاجة، ومنهم من قال إن بيعه للزينة محرم مطلقاً، أي قليلا كان أم كثيراً، ومنهم من يقول بأنه يحرم بيعه للشرب ولا يحرم فيما سواه.
أن الصحيح عند الحنابلة عدم كراهة بيع المضبب بالفضة، وقيل إن هذا البيع مكروه.
وعلى هذا فمسألة بيع المضبب بالفضة يحكمها مذهبان مخرجان على خلاف العلماء بشأن أصل هذه المسألة، وهو حكم استعمال واتخاذ المضبب بالفضة.
المذهب الأول: يرى إباحة بيع المضبب بالفضة، وإلى هذا ذهب الحنفية، وهو قول القاضي عبد الوهاب المالكي إذا كانت الضبة يسيرة، وهو قول الشافعية إذا كانت الضبة يسيرة، ولحاجة، وفي غير موضع الشرب، وهذا ما عليه الحنابلة عند تحقق شروط هذه الإباحة عندهم.
المذهب الثاني: يرى أن بيع المضبب بالفضة مكروه، وهذا ما عليه صحيح مذهب المالكية، وهو قول للشافعية، ورواية للحنابلة.
الأدلة: لما كان حكم بيع المضبب بالفضة مخرجاً على حكم الاستعمال والاتخاذ، فقد كانت الآراء في المسألة هي ذات الآراء، وعليه فإن الأدلة التي استند إليها كل فريق هي ذات الأدلة هنا، ووجه الاستدلال بها لا يخرج عما سبق بيانه حيث كان وجه الدعوى واحداً.
الراجح في هذا: هو القول بإباحة بيع المضبب بالفضة خاصة إذا كانت الضبة يسيرة، وكانت لحاجة داعية إليها حيث لا سرف فيها ولا خيلاء، وأن الحكم يكون للأصل وهو المتبوع دون التابع وهو الضبة، والله تعالى أعلم.