الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول على إباحة استعمال المضبب بالفضة بما يلي:
١- بما روي عن عاصم الأحول١ قال: "رأيت قدح رسول الله ﷺ عند أنس بن
مالك وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، وقال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا"٢.
٢- بما روي عن أنس ﵁ قال: "كانت قبيعة سيف النبي ﷺ من فضة"٣.
لقد أفاد الحديثان جواز استعمال المحلى أو المضبب بالفضة، وقد استدل بالحديث الأول من يقصر حل الاستعمال على اليسير من الضبة، وقال: إن موضع الشعب من القدح كان يسيراً، ولهذا جاز ما كان في مقداره.
٣- أن الحاجة تدعو إلى هذه الضبة، فإذا كانت يسيرة فلا يكون فيها سرف، ولا خيلاء، فكانت بمثابة الضبة من الصفر٤.
استدل أصحاب المذهب الثاني على كراهة استعمال المضبب بالفضة بما يلي:
١- حديثا أم سلمة وحذيفة بن اليمان السابقان، اللذان يدلان على كراهة الأكل والشرب في أواني الفضة، ويقاس على الأكل والشرب فيهما وجوه الاستعمال المختلفة كما قال الجمهور، وإذا كره استعمال المتخذ من الفضة فإن هذا الاستعمال
стр. 282
يحصل باستعمال المضبب بها فيكره ذلك.
٢- بما روي عن ابن عمر ﵄: "أنه كان لا يشرب في قدح فيه حلقه أو ضبة من فضة"١.
٣- بما روي عن عائشة ﵂: "أنها نهت أن تضبب الآنية، أو تحلق بالفضة"٢.
لقد كان امتناع ابن عمر عن الشرب من قدح فيه حلقة أو ضبة من فضة، ونهي عائشة عن تضبيب الآنية أو تحلقيها بالفضة، لا يكون منهما إلا عن توقيف، لأنه لا مدخل للرأي فيه، فدل هذان الأثران على كراهة استعمال المضبب بالفضة.
والراجح في هذا: هو ما ذهب إليه القائلون بإباحة استعمال المضبب بالفضة إذا كانت الضبة يسيرة ودعت الحاجة إليها، على نحو ما ذهب إليه جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة ومن وافقهم من المالكية كالقاضي عبد الوهاب، لقوة ما استدلوا به، فضلاً عن أن هذه الضبة تابعة لما ضبب بها فأبيحت، لأن العبرة بالمتبوع دون التابع، وأن الحاجة تدعو إلى هذه الضبة، فإن كانت يسيرة فلا يكون سرفاً ولا خيلاء. وأما ما استدل به القائلون بكراهة استعمال المضبب من حديثي أم سلمة وحذيفة فلا دلالة فيهما على ذلك، لأنه لم يرد فيهما النهي صراحة عن استعمال المضبب بالفضة أو ذكر حكم التضبيب بها، والله أعلم.
стр. 283
المطلب الرابع: حكم بيع المضبب بالفضة
اكتفت كتب الفقه المختلفة حسب ما اطلعت عليه بالنص على حكم استعمال واتخاذ المضبب بالفضة، وما جرى بشأن ذلك من خلاف بين العلماء على نحو ما تقرر في المطلب السابق، ولهذا فلا مناص من تخريج حكم بيع ذلك المضبب واستخلاص حكمه مما ذكره العلماء بشأن استعمال ذلك المضبب، فالخلاف هناك له أثره هنا على
стр. 284
نحو ما يلي:
مذهب الحنفية: إباحة بيع المضبب بالفضة من نحو السيف والسكين والمنطقة المضببة، وقالوا: إن العبرة في عين ذلك المضبب بالفضة، فطالما كان الأصل مباحاً في استعماله واتخاذه، كان التابع كذلك، وأن هذا الحكم يسري بعينه في البيع، فلا بأس من بيع المضبب بالفضة عندهم، بناء على جواز استعماله وتخريجاً عليه.
مذهب المالكية: كراهية بيع الإناء المضبب بالفضة، وأن هذا لا يعجب الإمام مالكاً على نحو ما ورد في العتبية بشأن الأكل والشرب في الإناء المضبب بالفضة، المعتبر أصلاً لحكم الشرع بالنسبة لبيع هذا الإناء على هذا النحو تخريجا للحكم هناك على ما استقر عند المالكية هناك؛ وعند القاضي عبد الوهاب المالكي جواز بيع ذلك الإناء بناء على جواز الأكل والشرب فيه عنده إذا كانت الضبة يسيرة.
مذهب الشافعية: حرمة بيع المضبب بالفضة، وهذا ما عليه جمهور فقهاء الشافعية إذا كانت الضبة كبيرة كلها أو بعضها لزينة، وإن كانت لحاجة فإن بيعها لا يكون محرماً بل يقف عند حد الكراهة، وهذا الحكم تخريجاً على ما قاله جمهور الشافعية بشأن استعمال واتخاذ المضبب بالفضة، واستخلاصاً لحكم غير المنصوص مما شمله النص الشرعي.
مذهب الحنابلة: إباحة بيع المضبب بالفضة بناء على قولهم بإباحة استعمالها واتخاذها، وأن هذا الحكم مشروط بعدة شروط منها: أن تكون الضبة يسيرة، ولحاجة، ومن الفضة، وأن الصحيح في المذهب الحنبلي عدم كراهية البيع المتحقق فيه هذه الشروط، وقيل يكره ذلك البيع.
الموازنة: بمراجعة ما تم استخلاصه وتخريجه في مسألة بيع المضبب بالفضة يتضح الآتي:
أن الحنفية يرون أنه لا بأس من بيع المضبب بالفضة، بناء على إباحة استعماله واتخاذه.
стр. 285
أن ظاهر مذهب المالكية كراهة بيع المضبب، تخريجا على قولهم بهذا في حكم استعماله واتخاذه؛ وهناك وجه مقابل لهذا على القول بتحريم ذلك البيع، وإن كان القاضي عبد الوهاب المالكي يرى أن ذلك البيع جائز.
أن الخلاف عند الشافعية تشعب كثيراً ما بين من قال بعدم كراهية بيع المضبب، طالما كان قليلاً ولحاجة، وإن كان للزينة، أو كان كثيراً، فإن بيعه يكون مكروهاً حتى ولو كان لحاجة، ومنهم من قال إن بيعه للزينة محرم مطلقاً، أي قليلا كان أم كثيراً، ومنهم من يقول بأنه يحرم بيعه للشرب ولا يحرم فيما سواه.
أن الصحيح عند الحنابلة عدم كراهة بيع المضبب بالفضة، وقيل إن هذا البيع مكروه.
وعلى هذا فمسألة بيع المضبب بالفضة يحكمها مذهبان مخرجان على خلاف العلماء بشأن أصل هذه المسألة، وهو حكم استعمال واتخاذ المضبب بالفضة.
المذهب الأول: يرى إباحة بيع المضبب بالفضة، وإلى هذا ذهب الحنفية، وهو قول القاضي عبد الوهاب المالكي إذا كانت الضبة يسيرة، وهو قول الشافعية إذا كانت الضبة يسيرة، ولحاجة، وفي غير موضع الشرب، وهذا ما عليه الحنابلة عند تحقق شروط هذه الإباحة عندهم.
المذهب الثاني: يرى أن بيع المضبب بالفضة مكروه، وهذا ما عليه صحيح مذهب المالكية، وهو قول للشافعية، ورواية للحنابلة.
الأدلة: لما كان حكم بيع المضبب بالفضة مخرجاً على حكم الاستعمال والاتخاذ، فقد كانت الآراء في المسألة هي ذات الآراء، وعليه فإن الأدلة التي استند إليها كل فريق هي ذات الأدلة هنا، ووجه الاستدلال بها لا يخرج عما سبق بيانه حيث كان وجه الدعوى واحداً.
الراجح في هذا: هو القول بإباحة بيع المضبب بالفضة خاصة إذا كانت الضبة يسيرة، وكانت لحاجة داعية إليها حيث لا سرف فيها ولا خيلاء، وأن الحكم يكون للأصل وهو المتبوع دون التابع وهو الضبة، والله تعالى أعلم.
стр. 286
المطلب الخامس: حكم استعمال المموه بالذهب والفضة
اختلف الفقهاء في حكم استعمال المموه بالذهب أو الفضة في الأكل والشرب أو غيرهما على نحو ما يأتي:
مذهب الحنفية: حل وإباحة استعمال المموه بالذهب والفضة والانتفاع به، إذا كان لا يخلص منه شيء، سواء كان ذلك مستعملاً في الأكل، أو في الشرب، أو غيرهما.
فقد جاء في بدائع الصنائع: "وأما الأواني المموهة بماء الذهب والفضة الذي لا يخلص منه شيء فلا بأس بالانتفاع بها في الأكل والشرب وغير ذلك بالإجماع، وكذا لا بأس بالانتفاع بالسرج، والركاب، والسلاح، والسرير، والسقف المموه، لأن التمويه ليس بشيء"١.
فمذهب الحنفية: على أنه لا بأس باستعمال المموه، سواء كان التمويه بالذهب أو بالفضة، لأن التمويه لا أثر له لقلته.
مذهب المالكية: حرمة استعمال المموه بالذهب أو الفضة، وأنه يحرم كذلك استعمال المطعم بذهب أو فضة أو المكفف بها، واستظهر ابن عبد السلام في المموه الإباحة، وتردد في المغشي، ويرجح الناقل عنه المنع.
فقد جاء في مواهب الجليل: "وفي المغشي والمموه" ٢ ... قال في التوضيح تردد ابن عبد السلام في المغشي، واستظهر في المموه الإباحة لأنه ليس بإناء ذهب، انتهى.
стр. 287
قلت: بل في كلام ابن عبد السلام ميل إلى ترجيح المنع في المغشي، وأما المموه فالأظهر فيه الإباحة والمنع بعيد ... "١.
فقد تردد ابن عبد السلام بالنسبة للمغشي غير أنه قد استظهر في المموه الإباحة، معللاً هذا بأن ما حدث به التمويه لا يجعل الإناء إناء ذهب حتى يمنع، ويرى المصنف في قول ابن عبد السلام المنع في المغشي.
مذهب الشافعية: اختلف فقهاء الشافعية بشأن استعمال المموه بالذهب أو الفضة، فيرى أكثرهم حل استعماله، والانتفاع به، بشرط ألا يحصل من المموه شيء عند العرض على النار، وإلا فإن حصل منه شيء فإن استعماله يكون محرماً، وذلك لكثرته، وهذا هو الأصح.
ويرى البعض أن المموه إذا حك فاجتمع منه شيء حرم، وإلا فلا، وهو قريب من القول الأول، بناء على كثرة التموية من عدمه. ومقابل الأصح أن استعمال المموه حرام مطلقاً، سواء كان قليلاً أم كثيراً، وذلك للخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
فقد جاء في مغني المحتاج: "ويحل المموه أي المطلي بذهب أو فضة، ومنه تمويه القول: أي تلبيسه. فإن موَّه غير النقد كإناء نحاس وخاتم وآلة حرب منه بالنقد ولم يحصل منه شيء ولو بالعرض على النار، أو مموَّه النقد بغيره أو صدئ مع حصول شيء من المموه به أو الصدأ حل استعماله في الأصح ... فإن حصل شيء من النقد في الأولى لكثرته، أو لم يحصل شيء من غيره في الثانية لقلته، حرم استعماله ... "٢.
وفي نهاية المحتاج: " ... ويحل الإناء المموه أي المطلي بذهب أو فضة أي يجوز استعماله في الأصح لقلة المموَّه به فكأنه معدوم. والثاني يحرم للخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فإن كثر المموَّه به بأن كان يحصل منه شيء بالعرض على النار حرم ... "٣.
مذهب الحنابلة: اختلف الحنابلة بشأن حكم استعمال واتخاذ المموه والمطلي
стр. 288
بالذهب أو الفضة، فالصحيح في المذهب أنه يحرم استعمال المموه بالذهب أو الفضة، أو المطعم بأحدهما، أو المطلي، أو المكفت بشيء من ذلك، وقيل إن هذا الاستعمال غير محرم، وقيل إن بقي لون الذهب أو الفضة حرم، وإلا فلا، وقيل إن اجتمع منه شيء عند حكه حرم وإلا فلا بناء على الكثرة والقلة.
فقد جاء في الإنصاف: "حكم المموه والمطلي، والمطعم، والمكفف ونحوه بأحدهما كالمصمت على الصحيح من المذهب؛ وقيل: لا، وقيل: إن بقي لون الذهب أو الفضة، وقيل: واجتمع منه شيء إذا حُكُّ حرم، وإلا فلا ... "١.
وجاء في كشاف القناع: " ... ويحرم اتخاذ واستعمال إناء مموه بذهب أو فضة ... ويحرم اتخاذ واستعمال إناء ونحوه مطعم بذهب أو فضة، ... ويحرم اتخاذ واستعمال إناء ونحوه مطلي بذهب أو فضة، ... ويحرم اتخاذ واستعمال إناء ونحوه مكفت كالمنقوش منهما أي من الذهب والفضة أو من أحدهما"٢
الموازنة: إن من يطالع كتب الفقه المختلفة بشأن المموه والمطلي ونحوهما بالذهب والفضة، يتضح له الآتي:
أن مذهب الحنفية يرى أنه لا بأس من استعمال المموه بالذهب أو بالفضة في الأكل ونحوه، معللين ذلك بأن طبيعة التموية تكون قليلة بالنسبة لأصل الشيء الحاصل له التمويه ولهذا فلا أثر لها.
أن أصل مذهب المالكية على حرمة استعمال المموه بالذهب أو بالفضة، وكذلك الشأن بالنسبة للمطعم، وإن كان ابن عبد السلام قد استظهر في المموه الإباحة.
أن فقهاء الشافعية مختلفون بشأن استعمال المموه فعند أكثرهم أن الأصل في هذا الاستعمال هو الإباحة إلا إذا أثر التمويه على الاستعمال، بأن كان كثيراً
стр. 289
ملحوظاً، فإنه يكون حراماً، وهذا هو الأصح في المذهب، ومقابل الأصح أن استعمال المموه حرام مطلقاً.
أن الحنابلة صحيح مذهبهم حرمة استعمال المموه والمطلي والمطعم مطلقاً، أي سواء كان بالذهب أم لا، وسواء كان كثيراً أم كان قليلاً، وهناك رأي في المذهب يرى أنه غير محرم على الإطلاق، وقيل إن بقي لون الذهب أو الفضة حرم وإلا فلا. وقيل إن اجتمع عند حكه حرم وإلا فلا.
هذا بمراعاة أن إطلاق الفقهاء لهذه الأحكام شامل لحكم استعمال المموه والمطلي والمطعم بالذهب أو الفضة القليل والكثير على السواء.
وبناء عليه فالمسألة فيها مذهبان:
المذهب الأول: يرى حل استعمال المموه بالذهب أو الفضة، وهذا ما ذهب إليه الحنفية، وهو قول ابن عبد السلام من المالكية، وقول الشافعية في الأصح عندهم، وهو قول عند الحنابلة.
المذهب الثاني: يرى حرمة استعمال المموه، وهذا هو أصل مذهب المالكية والحنابلة، ومقابل الأصح عند الشافعية، وقول عند الشافعية والحنابلة، إذا كان التموية كثيراً.
هذا وإطلاق الفقهاء لهذه الأحكام شامل لحكم استعمال المموه والمطلي والمطعم بالذهب أو الفضة سواء كان ذلك قليلاً أو كثيراً، وإن كان المالكية يفرقون بين المموه.
والمغشى حيث تردد ابن عبد السلام في المغشى واستظهر الإباحة في المموه.
الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول القائلون بحل استعمال المموه بالذهب أو الفضة بما يلي:
١- أن المموه بالذهب أو الفضة إذا عرض على النار ولم يحصل شيء من المعدن المموه به فهذا يدل على قلة المموه به وكأنه معدوم، ومثل هذا لا يؤدي إلى خيلاء أو كسر لقلوب
стр. 290
الفقراء١.
٢- أن التمويه ليس بشيء، لأنه لا يخلص منه شيء من المعدن المموه به، ولهذا فلا يحرم استعمال المموه به٢.
واستدل أصحاب المذهب الثاني على حرمة استعمال المموه بالذهب أو الفضة بما يلي:
١- بما روي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من شرب في إناء ذهب أو فضة أو من إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم" ٣.
فقد بين هذا الحديث الشريف الوعيد الشديد لمن يشرب في إناء فيه شيء من الذهب أو الفضة، والذي يتمثل في تجرعه نار جهنم، وهذا الوعيد لا يكون إلا على فعل أمر حرمه الشارع، فدل هذا على حرمة استعمال المموه بالذهب أو الفضة، لأن فيه شيئاً من هذين المعدنين.
٢- أن العلة التي من أجلها حرم المتخذ من الذهب أو الفضة وهو الخيلاء وكسر قلوب الفقراء توجد في المموه بأي من هذين المعدنين فحرم استعماله٤.
والراجح في هذا:
هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول، خاصة ما تقرر عند الشافعية من تحفظ في الاستعمال للمموه بالذهب أو الفضة في وجوه الاستعمال المختلفة، على نحو ما ذهب الحنفية في إطلاق الاستعمال إذا كان ذلك التمويه قليلاً لا يجتمع منه شيء إذا حك أو عرض على النار، ولأن هذا التمويه لا يعد سرفاً، ولا يترتب عليه ما يترتب على ما اتخذ بكامله من الذهب والفضة، والله تعالى أعلم.
стр. 291
المطلب السادس: حكم بيع المموه بالذهب أو الفضة
لم أجد فيما اطلعت عليه من كتب الفقه المختلفة النص الصريح على حكم بيع
стр. 292
المموه بالذهب أو الفضة١، وعلى هذا فإن حكم البيع يخرج على حكم الاستعمال والاتخاذ باعتبار أن العلاقة وطيدة بين البيع والاستعمال، فمن ناحية يعتبر البيع وسيلة للاستعمال، كما أن البيع في ذات الوقت يترتب حكمه على حكم هذا الاستعمال.
مذهب الحنفية: إباحة بيع المموه بالذهب أو الفضة، بناء على قولهم بأنه لا بأس من استعماله واتخاذه، واستناداً على أن طبيعة التمويه تكون يسيرة بالنسبة لأصل الشيء، ولهذا فلا أثر لها على الأصل حيث كان هو المتبوع والعبرة به بيعاً وتعاملاً واستعمالاً واتخاذاً.
مذهب المالكية: حرمة بيع المموه بالذهب أو الفضة، تأسياً على حرمة اتخاذه واستعماله، وهذا بحسب أصل المذهب المالكي، وإن كان ابن عبد السلام من المالكية يرى إباحة بيعه بناء على قوله بإباحة استعماله واتخاذه باعتبار أن التمويه لا أثر له لقلته.
مذهب الشافعية: في الأصح إباحة بيع المموه بالذهب أو الفضة، ومقابل الأصح أن بيع المموه بالذهب أو الفضة حرام بناء على حرمة استعماله عندهم.
مذهب الحنابلة: اختلف فقهاء الحنابلة بشأن بيع المموه بالذهب أو الفضة، بناء على الخلاف الحاصل بينهم بشأن استعمال واتخاذ ذلك المموه. فصحيح مذهبهم حرمة بيعه مطلقاً قليلاً كان أم كثيراً.
الموازنة: بمراجعة ما سبق تخريجاً واستخلاصاً يتضح أن آراء العلماء بشأن بيع المموه بالذهب والفضة تنحصر في مذهبين:
المذهب الأول: يرى حل وإباحة بيع المموه بالذهب والفضة، باعتبار أن التمويه بطبيعته يسير ولا أثر له، وهذا ما ذهب إليه الحنفية، وابن عبد السلام من المالكية، وقول للشافعية في الأصح عندهم، وقول للحنابلة.
стр. 293
المذهب الثاني: يرى حرمة بيع المموه بالذهب والفضة، وهذا ما قال به أصل مذهب المالكية والحنابلة، ومقابل الأصح عند الشافعية.
الأدلة: استدل كل فريق على ما ذهب إليه بنفس ما استدلوا به في أصل هذه المسألة، وهو ما قالوا به بشأن استعمال واستخدام المموه بالذهب والفضة باعتبار أن تلك المسألة أصل لما نحن بشأنه هنا تأصيلاً واستدلالاً.
الراجح في هذا: تأصيلاً على ما سبق يتضح رجحان ما ذهب إليه أنصار المذهب الأول من القول بحل وإباحة بيع المموه بالذهب، بناء على كونه يسيراً ولا أثر له، وباعتبار أن الراجح في أصل الخلاف هو إباحة الاستعمال لهذا المموه، والله تعالى أعلم.
стр. 294
المطلب السابع: حكم اتخاذ خاتم وساعة الذهب المعدين للرجال واستعمالهما
اتفق الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن تحلي الرجال بالذهب حرام، وأن التحلي والتزين بالذهب خاص بالنساء، وبناء على هذا فإذا كان الذهب يصاغ أو يصنع ليلبسه الرجال خاصة فإنه يحرم لبسه وكذا يحرم بيعه كالخواتم الذهبية الخاصة بالرجال المعروفة عند الصاغة.
مذهب الحنفية: النص على كراهية التزين بالذهب بالنسبة للرجال، وهو يشمل كالتختم ونحو ذلك كلبس ساعة من ذهب ونحوها.
فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... يكره للرجال التزين بالذهب كالتختم ونحوه ولا يكره للمرأة ... "١.
مذهب المالكية: عدم جواز تختم الرجال بالذهب وكذا التختم بالنحاس والحديد ونحو ذلك.
جاء في مواهب الجليل: " ... مسألة التختم بالذهب ... لا يجوز – قال البرزلي المنقول أن الذهب لا يجوز، واختلف إذا كان فيه مسمار ذهب، وأما النحاس والحديد
стр. 295
فمكروه، حكاه ابن رشد وغيره، ومثل ذلك القزدير والرصاص، وأخذ من قوله "التمس ولو خاتماً من حديد" الجواز ... وخاتم الفضة مستحب، ويستحب جعله في اليد اليسرى "قلت" عن بعض الأوائل كراهته إلا لضرورة الطبع كما اتخذه النبي ﷺ وخلفاء المسلمين بعده، وقال شيخنا الفقيه الإمام وهذا إذا اتخذ للسنة، وأما اليوم فلا يفعله غالباً إلا من لا خلاق له، أو يقصد به غرض سوء، فأرى أنه لا يباح لمثل هؤلاء اتخاذه، لأنه زينة لمعصية، أو لمباهاة، لا لقصد حسن ... "١.
فمذهب المالكية: أن التختم بالذهب للرجال لا يجوز، ولو أن النص لم يخص الرجال بالذكر فإن هذا مفهوم من الأصل العام من إباحة تزين المرأة بالذهب ونحوه، فالكلام يخص الرجال هنا، والحكم خاص بهم دون النساء من الأمة.
مذهب الشافعية: أنه يحرم على الرجال التزين بالذهب باعتبار الأصل في المسألة وهو المنصوص عليه شرعاً وأنه لم يبح هذا إلا للنساء فقط دون الرجال، وعلى هذا فالتختم بالذهب هو الآخر مشمول بذات الحكم وهو الحرمة.
ففي مغني المحتاج: ".. ويحرم على الرجال حلي الذهب ولو في آلة الحرب ... "٢.
مذهب الحنابلة: حرمة التختم بالذهب للرجال، حتى ولو كان ذلك يسيراً، وأن هذا على عكس التختم بغير الذهب.
ففي كشاف القناع: " ... وكذلك يباح فص الخاتم جوهره ولو بلغ ثمنها مهما بلغ، ويحرم ذهباً ولو كان يسيراً"٣.
الموازنة: بمراجعة ما قاله الفقهاء بالنسبة لتختم الرجال بالذهب نجد أن عامة أهل العلم وكافة الفقهاء يرون منع تختم الرجال بالذهب، وأن هذا لم يبح سوى للنساء، وأن جمهورهم عبر عن هذا بالحرمة، في حين أن الحنفية قد عبروا عنه
стр. 296
بالكراهة، ولعل قصدهم بهذا هو الكراهة التحريمية القريبة في تدرجها الشرعي من التحريم، وهكذا يتقرر أن جمهور الفقهاء يرون أن تحلي الرجال بالذهب محرماً شرعاً وذلك على سبيل الإطلاق سواء.
كان ذلك في التختم أم في غير ذلك وسواء كان في ذلك كثيراً أم كان قليلاً وقد استندوا في هذا إلى ما يأتي:
١ – ما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم" ١.
٢ – ما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ "أنه نهى عن خاتم الذهب"٢.
٣ – ما روي عن عمران بن حصين قال: "نهى رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب"٣.
٤ – ما روي عن عبد الله بن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل، فنَزعه وطرحه وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيطرحها في يده" فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله ﷺ خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله ﷺ "٤.
стр. 297
هذا: فضلاً عن أن الأصل في تحلي الرجال بالذهب إنما هو التحريم، وأن الإباحة لضرورة الختم أو النموذج وقد اندفعت هذه الضرورة بالأدنى وهي الفضة.
ومثل هذا الحكم وهو تحريم تحلي الرجال بخاتم الذهب ينصرف على لبس الساعة المصنوعة من الذهب أو ما فيها شيء من الذهب، وهذا الحكم يسري كذلك بالنسبة للساعة المطلية والمموهة بالذهب لذات العلة في التحريم.
стр. 298
المطلب الثامن: حكم بيع خاتم وساعة الذهب المعدين للرجال
استبان لنا فيما سبق الإجماع على حرمة تختم الرجال بخاتم الذهب وما في حكم ذلك كساعة الذهب ونحوها، وحيث إنني لم أجد فيما اطلعت عليه من كتب المذاهب ما يفيد حكم بيع خاتم الذهب وما في حكمه حيث إن هذه الأمور مستحدثه وعلى هذا فلا مناص من تخريج حكم البيع على حكم الاتخاذ والاستعمال وذلك إعمالاً لقاعدة: أن ما حرم استعماله حرم تبعاً لذلك اتخاذه وادخاره، ويترتب على هذا حرمة بيعه والتعامل فيه، لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه، ولأن البيع يترتب عليه إمكان الاتخاذ وبالتالي الاستعمال فما يؤدي إليهما وهو البيع يكون محرماً هو الآخر.
وبالنسبة لساعة الذهب المعدة للرجال فإنها من الأمور المستحدثة، وعلى هذا كان حكمها من حيث البيع وعدمه مخرجاً على ما انتهى إليه حكم بيع الخاتم وهو المنع، وذلك لاشتراكهما في ذات العلة وهي الزينة والخيلاء مع شمولها لذات الحكم المنصوص عليه وهو حرمة تزين الرجال بالذهب على أي وجه من وجوه التزين.
وبطبيعة الحال فإن الخاتم أو الساعة المخلوطة بالذهب فإن الحكم للغالب في ذلك المخلوط فإن غلب الذهب كان مشمولاً بالحكم المقرر وهو الحرمة وإن لم يكن الذهب غالبا كان مشمولا بالحكم المقرر وهو الحل، أما الخاتم أو الساعة المطليان أو المموهان بالذهب فالأصل فيهما الحل بناء على ما ترجح من القول بحل استعمال المموه وإباحة بيعه.
стр. 299
المطلب التاسع في المستثنيات
سبق أن تقرر ما نص عليه الفقهاء من أن تحريم بيع الأواني والأدوات المصنوعة من الذهب والفضة كان بسبب حرمة الاستعمال المترتب بدوره على حرمة الاتخاذ والاقتناء ولهذا فإنه إذا جاز الاستعمال استثناء لضرورة شرعية جاز تبعاً لهذا اعتباره محلاً للبيع وذلك بمراعاة حدوده إعمالاً لقاعدة أن الضرورة تقدر بقدرها.
وعلى هذا فإن الفقهاء أباحوا اتخاذ الأنف من الذهب أو الفضة إذا احتيج إلى ذلك، استناداً إلى ما روي عن عبد الرحمن بن طرفة: "أن جده عرفجة بن أسعد الكناني١ أصيب أنفه يوم الكُلاب٢ فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ بأن يتخذ أنفاً من ذهب"٣.
فقد أفاد هذا الحديث جواز اتخاذ الأنف من الذهب أو الفضة، والحكمة في استعمال الذهب في ذلك أنه لا يصدأ إذا كان خالصاً، بخلاف الفضة، وأن الأنف ينتن إذا اتخذ من الفضة فلا بد من اتخاذه من ذهب فكان ضرورة، فسقط اعتبار حرمته٤.
أما اتخاذ السن وإن تعددت من الذهب أو الفضة أو ربطها بشريط متخذ من أي منهما أو حشو السن، فالفقهاء لهم تفصيل في حكمه، فالخلاف بينهم على جواز اتخاذ السن وإن تعددت، والشريط الذي يربطها عند التخلخل أو حشوها أو اتخاذ
стр. 300
الأنملة أو الأذن من الفضة فيما يأتي:
مذهب الحنفية: اختلف الحنفية في هذا، ففي رواية عن أبي حنيفة ورواية عن أبي يوسف أنه لا يحل شد الأسنان بالذهب ولا اتخاذها أو اتخاذ الأنملة أو الأذن منه، وأن هذا مكروه، ورواية أخرى عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن بأنه يحل اتخاذ السن من الذهب وإن تعددت والشريط الذي يربطها والأنملة والأذن.
فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما شد السن المتحرك بالذهب، فقد ذكر الكرخي ﵀ أنه يجوز، ولم يذكر خلافاً، وذكر في الجامع الصغير أنه يكره عند أبي حنيفة؛ وعند محمد ﵀ لا يكره ولو شدها بالفضة لا يكره بالإجماع ... وكذا لو جدع أنفه فاتخذ أنفا من ذهب لا يكره بالاتفاق، لأن الأنف ينتن بالفضة فلا بد من اتخاذه من ذهب، فكان فيه ضرورة فسقط اعتبار حرمته" ١.
وعليه فنص البدائع: يفيد أن الخلاف في شد السن المتحرك بالذهب بين المجوز والقائل بكراهته، وأنه لا خلاف بالنسبة لشدها بالفضة وكذلك لا خلاف فيما لو اتخذ أنفاً من ذهب عند جدعه، وذلك لضرورة أنه لو اتخذه من فضة لأصابه النتن.
وجاء في حاشية ابن عابدين: " ... قوله: "المتحرك" قيد به لما قال الكرخي: إذا سقطت ثنية رجل فإن أبا حنيفة يكره أن يعيدها ويشدها بفضة أو ذهب ويقول هي كسن ميتة، ولكن يأخذ سن شاة ذكية يشد مكانها، وخالفه أبو يوسف فقال: لا بأس به، ولا يشبه سنه سن ميتة استحسن ذلك. وبينهما فرق عندي – وإن لم يحضرني. زاد في التاترخانية٢: قال بشر٣: قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن ذلك في مجلس
стр. 301
آخر فلم ير بإعادتها بأساً. قوله: "وجوزهما محمد" أي: جوز الذهب والفضة أي جوز الشد بهما، وأما أبو يوسف فقيل معه، وقيل مع الإمام قوله "لأن الفضة تنتنه" ... وأشار إلى الفرق للإمام بين شدّ السن واتخاذ الأنف، فجوز الأنف من الذهب لضرورة نتن الفضة، لأن المحرم لا يباح إلا لضرورة، وقد اندفعت في السن بالفضة فلا حاجة إلى الأعلى وهو الذهب، قال الإتقاني١: ولقائل أن يقول مساعدة لمحمد: لا نسلم أنها في السن ترتفع بالفضة لأنها تنتن أيضاً"٢.
فمذهب الحنفية: عدم شد السن المتحركة بذهب، وإنما يمكن شدها بالفضة، وخالف في هذا محمد بن الحسن، وجوز شدها بالذهب والفضة على السواء، فشد السن بالفضة لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فقط في شدها بالذهب وقد كره أبو حنيفة شدها بفضة أو بذهب.
وجوز ذلك محمد بن الحسن، واختلف النقل عن أبي يوسف، فقيل إنه مع الإمام، وقيل إنه موافق لصاحبه محمد بن الحسن ووجهة نظر الإمام أن الحاجة تندفع بالشد بالفضة وأنه لا ضرورة في شدها بالذهب، في حين أن محمد بن الحسن وجه كلامه بأن الفضة تنتنه، وفرق الإمام بين الشد واتخاذ الأنف حيث اعتبر الضرورة في الأنف، وقال بجواز اتخاذ الذهب في الأنف باعتبار أن الفضة تنتنه.
مذهب المالكية: القول بأنه لا مانع من اتخاذ الأنف من ذهب عند جدعها، وذلك لضرورة أنها تنتن لو اتخذت من فضة، وأنه من باب التداوي، وأنه بالنسبة لشد السن المتحرك بالذهب فقد ورد بشأنه الخلاف، فقال ابن عرفة إنه لا مانع من ذلك، وإنه يستوي في هذا الذهب والفضة، وأن هذا ما عليه الأكثر من المالكية.
стр. 302
فقد جاء في مواهب الجليل: "ص١: "والسيف" ش: قال في التوضيح في كتاب الذكاة وسواء اتصلت الحلية بأصله كالقبضة أو كانت في الغمد ص: "والأنف" ش لئلا ينتن فهو من باب التداوي ص: "وربط سن" ش: كذلك ما يشد به محل سن سقطت قاله ابن عرفة ص "مطلقاً" ش: أي بالذهب والفضة وهو راجع إلى جميع ما تقدم على المعروف الذي عليه الأكثر ... "٢.
فمذهب المالكية: أنه لا خلاف في أخذ الأنف من الذهب عند جدعه، لأنه من باب التداوي، ولضرورة أن ينتن لو اتخذ من فضة، وأن الخلاف بشأن ربط السن المتحركة بالذهب، وأن الأكثر فيما ذكره ابن عرفة على جوازه، وأن شأنه في هذا الحكم شأن الفضة على السواء.
مذهب الشافعية: يحل اتخاذ السن، وإن تعددت من الذهب، وكذلك الشريط الذي يربط بها طالما أن ذلك كان لضرورة. فقد جاء في المجموع: " ... وقال أصحابنا: فيباح له الأنف والسن من الذهب، ومن الفضة، وكذا شد السن العليلة بذهب وفضة جائز ويباح أيضاً الأنملة منهما ... "٣.
مذهب الحنابلة: يحل اتخاذ السن، وإن تعددت، والشريط الذي يربطها والأنملة والأذن من الذهب.
فقد جاء في الكافي: " ... ويباح ربط أسنانه بالذهب إذا خشي سقوطها لأنه في معنى أنف الذهب ... "٤. وفي مجموع فتاوى ابن تيمية: " ... فإنما أبيح الذهب للأنف، وربط الأسنان لأنه اضطرار، وهو يسد الحاجة يقيناً كالأكل في المخمصة"٥.
стр. 303
الموازنة: بمراجعة ما قاله الفقهاء بشأن ربط السن المتحركة أو اتخاذها من الذهب أو الفضة وكذا اتخاذ الأنف من هذا عند جدعها أو اتخاذ الأنملة ونحوها يتضح الآتي:
أنه بالنسبة لاتخاذ الأنف من الذهب عند جدعها، فالاتفاق حاصل بين الفقهاء على جواز هذا، وذلك لضرورة أنها تنتن لو اتخذت من الفضة، وأن هذا من باب التداوي، وإنما الخلاف حاصل فقط بشأن ربط السن المتحركة أو سد مكانها أو اتخاذها من ذهب بعد أن اتفقوا على جواز هذا بالفضة.
فالحنفية: على خلاف في هذا، فعند الإمام أو ما وافقه عليه أبو يوسف في رواية له أنه لا يجوز هذا، وعند محمد بن الحسن، وفي رواية أخرى لأبي يوسف أنه يجوز اتخاذ السن من الذهب أو ربطها عند تحركها به.
والمالكية: على جواز ذلك عند أكثرهم فيما قاله ابن عرفة، وأن ربط السن أو شدها بالذهب يجوز مثل شدها بالفضة وإن كانت عبارة كتبهم يتضح منها أن هناك من يرى عدم جواز ذلك.
والشافعية والحنابلة: متفقون على حل اتخاذ السن أو شدها وكذا الأنملة من الذهب.
وعليه فالخلاف في هذه المسألة وهو شد السن المتحركة بالذهب ينحصر في مذهبين:
المذهب الأول: يرى حل ذلك وجوزاه على نحو ما ذهب الشافعية والحنابلة وجمهور المالكية ورواية أبي حنيفة وقول لأبي يوسف من الحنفية.
المذهب الثاني: يرى عدم جواز هذا، وهو قول محمد بن الحسن، ورواية أخرى لأبي يوسف وبعض المالكية.
الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول على حل اتخاذ السن والشريط الذي يربطها والأذن والأنملة من الذهب بما يلي:
стр. 304
١- ما روى هشام بن عروه عن أبيه عن ابن عمر "أن أباه سقطت ثنيته١ فأمره النبي ﷺ أن يشدها بذهب"٢.
٢- ما روى هشام بن عروه عن أبيه عن عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول قال: "اندقت ثنيتي يوم أحد، فأمرني النبي ﷺ أن اتخذ ثنية من ذهب"٣.
٣- بما روي عن إبراهيم بن عبد الرحمن مولى موسى بن طلحة قال: "رأيت موسى بن طلحة بن عبد الله قد شد أسنانه بذهب"٤.
٤- بما روي عن واقد بن عبد الله التميمي٥ عمن رأى عثمان ﵁ "أنه كان يشد أسنانه بالذهب٦، وفي رواية أخرى. أنه ضبب أسنانه بذهب"٧.
٥- بما روى محمد بن سعدان عن أبيه قال: "رأيت أنس بن مالك يطوف به بنوه على سواعدهم وقد شد أسنانه بذهب"٨.
стр. 305
واستدل أصحاب المذهب الثاني القائلون بعدم جواز اتخاذ الأجزاء السابقة من الذهب:
أن الأصل في الذهب هو حرمة استعماله، وإباحته للضرورة، وهي تندفع بالأدنى وهو الفضة، فلا حاجة إلى الأعلى وهو الذهب، فبقي على أصل الحرمة والضرورة في حديث عرفجة لم تندفع باستعمال ما هو دون الذهب، حيث أنتن فتعين استعمال الذهب لدفع الضرورة١.
والراجح في هذا: جواز اتخاذ السن والشريط الذي يربطها والأنملة والأذن ونحوها من الذهب طالما أن الضرورة أو الحاجة ماسة لهذا الاستعمال وأشار بها طبيب مسلم عدل ثقة حاذق ولم يترتب على اتخاذها حدوث الضرر بالمريض، وأن جواز استعمال واتخاذ هذه الأجزاء من الذهب والفضة يترتب عليه، فإنه لا مانع من تداولها بالبيع إعمالاً للضرورة ودفع الضرر عن العباد. والله تعالى أعلم.
стр. 306
الفصل الثاني: وبيع الأصنام والصور
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: بيان حكم الشرع للصور بأنواعها.
المبحث الثاني: حكم بيع الصور بأنواعها.
المبحث الثالث: في المستثنيات.
стр. 307
تمهيد
الأصنام: جمع صنم. وهو تمثال من حجر أو خشب أو معدن، كانوا يزعمون أن عبادته تقربهم إلى الله، وقيل هو الوثن، وقيل إن الوثن له جثة، والصنم ما كان مصوراً، فبينهما عموم وخصوص وجهي، لأنه لو كان مصوراً كان وثناً وصنماً ١.
ويطلق التصوير المجسم على فعل الأصنام والتماثيل.
فالصورة المجسمة: هي جوهر متصل بسيط لا وجود لمحله دونه، قابل للأبعاد الثلاثة هي الطول والعرض والعمق وهذا هو شأن كل ذي جسم شاخص، وهذا النوع من الصور هو ما يعرف بذوات الظل من المجسمات التي تتميز عن غيرها بأنها لها طول وعرض وعمق ويكون لها جسم بحيث تكون أعضاؤها نافرة بارزة تشغل حيزاً من الفراغ وتتميز باللمس بالإضافة إلى تميزها بالنظر٢.
أما التصوير اليدوي: وهو فن تمثيل الأشخاص والأشياء بالألوان، ويسمى الرسم، وذلك للتفريق بينه وبين التصوير بآلة التصوير.
فقد جاء في المعجم الوسيط: "بأنه نقش صورة الأشياء، أو الأشخاص على لوح أو حائط أو نحوهما بالقلم أو بالفرجون أو بآلة التصوير"٣.
وعلى هذا فإنه أي التصوير اليدوي يخرج عن فعل الأصنام وسمي هذا النوع من التصوير يدوياً مع أن المصور يستخدم آلة كالريشة والقلم ونحوهما وذلك لأن هذا التصوير يعتمد في إتقانه على مهارة يد المصور٤.
والصور في اللغة: جمع صورة ويجمع أيضاً على تصاوير يقال: صور الشيء جعل
стр. 308
له صورة مجسمة، والتصوير هو نقش صورة الأشياء أو الأشخاص على لوح أو حائط أو نحوهما بالقلم أو ما شابه ذلك، أو بآلة التصوير "التصوير الشمسي" وهذا التصوير ولو أنه يعتمد على بعض الآلات، إلا أنه من حيث اعتماده على مهارة يد المصور المعتبرة أساساً في الإتقان يسمى يدوياً ١.
وهناك علاقة وثيقة بين الأصنام والصور.
فقد ورد في لسان العرب: "إن التمثال في اللغة: الصورة، وقيدها بعضهم بذات الظل، والتمثال اسم مصدر من فعل مثل، وجمعه تماثيل، وظل كل شيء تمثاله، وهو مأخوذ من المماثلة والمشابهة بين الشيئين والمساواة بينهما٢.
وجاء في القاموس المحيط: "التمثال بالفتح: التمثيل "يعني عمل مثيل للشيء كالتصوير. وبالكسر: الصورة" ٣ ولم يقيد الصورة بكونها مجسمة بل أطلق، وهذا يدل على أن لفظ التمثال لا يختص استعماله بالصور المجسمة فقط.
وفي المعجم الوسيط: "إن التمثال يطلق على الصورة في الثوب يقال: في ثوبه تماثيل: صور حيوانات"٤.
فأطلق على المجسده وهي المجسمة والمسطحة، وهي التي تنقش بالألوان لفظاً واحداً وهو التماثيل.
وهذا يدل على أن أهل اللغة يطلقون لفظ التمثال على الصورة عموما ً.
فعلماء اللغة: يعتبرون التمثال هو الصورة، وإن كان بعضهم قيدها بذات الظل، وقالوا إن ظل كل شيء تمثاله، حيث المشابهة والمماثلة بين الشيئين.
وما في المعجم الوسيط: أن التمثال يطلق على الصورة في الثوب ونحوه.
ومراد أهل اللغة: أن لفظ التمثال لا يختص استعماله بصور ذات الظل بل إن
стр. 309
لفظ تمثال وتماثيل يطلق – أيضاً حتى على الصور المجسمة من غير ذوات الظل.
والمقرر في الشريعة الإسلامية أنها حاربت اتخاذ واقتناء التماثيل في بيوت المسلمين، وذلك في إطار محاربة الترف في كل مظاهر أرباب الترف والتنعم الذي كان يملأ البيوت في العصور الجاهلية، وفي المباحث الآتية نستوضح حكم الشرع بالنسبة لكافة الصور وأنواعها ومدى جواز بيعها والتعامل بشأنها، وما استثناه الشارع الكريم من الأحكام العامة لبيع الصور والتعامل فيها.
стр. 310
المبحث الأول: بيان حكم الشرع للصور بأنواعها
للصور والتصوير أنواع مختلفة باعتبارات مختلفة، فباعتبار الوسيلة المستخدمة فيه نوعان: تصوير يدوي، سواء كان ذلك التصوير مسطحا أو كان مجسما، أما النوع الثاني فهو التصوير الآلي، وهذا النوع له أقسام متعددة: فمنه التصوير الفوتوغرافي، ومنه السنمائي، ومنه التلفزيوني، ومنه التصوير بالأشعة.
وينقسم التصوير باعتبار ذات الصورة - أي من حيث طبيعة الصورة نفسها - إلى قسمين: الأول: التصوير المجسم، والثاني: التصوير المسطح.
كما أن التصوير ينقسم كذلك من حيث الحياة وعدمها إلى قسمين: الأول: صور ذوات الروح. أما الثاني: صور غير ذوات الروح ١.
المطلب الأول الصور المجسمة
وهي التي تعرف في الواقع بالتماثيل، والتي تعتبر في السابق والحاضر من مظاهر الترف والتنعم يزين بها أرباب الترف بيوتهم وقصورهم ويتفننون في صنعها.
والمراد بالتصوير المجسم: كل تمثال أو صورة لها جسم شاخص وحجم بارز وأعضاء نافرة، إن كانت الصورة لذي روح، تشغل حيزا من الفراغ يدرك بالنظر وباللمس معا، ويكون لها بسبب ذلك الجسم البارز ظل إذا قابلت أحد مصادر الضوء، سواء كانت هذه الصورة كاملة أو ناقصة، مشوهة أو غير مشوهة، وسواء كانت لإنسان، أو حيوان لذي روح، أو لغير ذي روح٢.
وقد أجمع الفقهاء على حرمة اتخاذ واقتناء هذا النوع من الصور المجسمة، والتي
стр. 311
تتميز بأنها تحتوي على ظل، حيث وردت الأحاديث الصحيحة والصريحة بالنهي عن صناعتها وعن تصوير ما فيه روح، سواء كان إنساناً أو حيواناً أو طيراً، ولا غرابة في محاربة الإسلام الحنيف لهذه التماثيل وتواجدها في بيوت المسلمين، وعلة تحريم التصوير على هذا النحو متعددة فمنها: أن التصوير فيه مضاهاة لخلق الله سبحانه، وتشبيه فعل المخلوق بفعل الخالق، وأن صناعة صور ذوات الروح المحرمة واتخاذها فيه تشبيه بفعل من كانوا يصنعون الصور والتماثيل ويعبدونها من دون الله تعالى، فقد كان أهل الشرك ومن نحا نحوهم من اليهود والنصارى يضعون الصور والتماثيل ليتخذوها واسطة بين الله وخلقه، أو لأجل أن تذكرهم بحال الأنبياء والصالحين، كما صنع قوم نوح وأهل الكتاب، ثم آل بهم الأمر إلى عبادتها من دون الله الواحد القهار، فقد كان تصوير ذوات الأرواح وسيلة إلى الغلو فيها من دون الله تعالى، وربما جر ذلك إلى عبادة تلك الصورة وتعظيمها، هذا فضلاً أن النهي عن إضاعة المال وتبذيره، والمعروف أن إنفاق المال في التصوير والصور مما لا ضرورة إليه، ولا مصلحة تترتب عليه، وفيه إسراف وتبذير.
موقف الفقهاء من التصوير للصور المجسمة لذوات الأرواح:
مذهب الحنفية: القول بكراهة الصورة المجسمة لذوات الأرواح، حيث نصت كتبهم على عدم كراهة تصوير غير ذي الروح كالشجر، وبينت المراد من النهي الوارد هنا إنما هو ذي الروح. فقد جاء في شرح فتح القدير: ".... والتمثال خاص بمثال ذي الروح لكن المراد هنا ذو الروح فإن غير ذي الروح لا يكره كالشجر,.." ١. وفي بدائع الصنائع: " ... وكذا النهي إنما جاء عن تصوير ذي الروح,.." ٢. وفي البناية شرح الهداية: " ... التمثال ما يصور تشبيها بخلق الله تعالى من ذوات الروح، والصورة عام، وروى عن ابن عباس ما يدل على أن التمثال والصورة واحد وهو أنه نهى مصوراً عن التصوير فقال كيف أصنع وهو كسبي؟ فقال: إن لم يكن لك بد
стр. 312
فعليك بتمثال الأشجار,.." ١.
فقد نصت كتب الحنفية على عدم كراهية غير ذوي الروح، وهذا يفهم منه أن تصوير ذي الروح مكروه شرعاً.
مذهب المالكية: القول بتحريم الصورة المجسمة لذوات الأرواح، أي ماله ظل ويقيم، فهو حرام. فقد جاء في حاشية الخرشي: " ... التمثال إذا كان لغير حيوان كالشجر جائز، وإذا كان لحيوان فماله ظل ويقيم فهو حرام بإجماع,.. وما لا ظل له إذا كان غير ممتهن فهو مكروه، وإن كان ممتهنا فتركه أولى,.." ٢.
فالتمثال إذا كان لغير حيوان كان جائزاً، أما إذا كان لحيوان، فإن كان له ظل فهو حرام، وإن لم يكن له ظل، فإن كان غير ممتهن، كان مكروهاً، وإن كان ممتهناً فالأولى تركه.
وجاء في شرح منح الجليل: ".... يحرم صور مجسدة لحيوان عاقل أو غيره، كامل الأعضاء الظاهرة التي لا يعيش بدونها ولها ظل على كجدار لا مبنية في وسطه، لأنها لا ظل لها، كالنقش، ويحرم تصوير ما استوفى الشروط المتقدمة، إن كان يدوم كخشب وطين وسكر وعجين إجماعاً، وكذا إذا كان لا يدوم كقشر بطيخ خلافاً لأصبغ، وغير ذي الظل يكره إن كان في غير ممتهن كحائط وورق، فإن كان في ممتهن كحصير وبساط فخلاف الأولى,.." ٣.
يستفاد من هذا النص: أن الصور المجسدة لحيوان عاقل أو غير عاقل يحرم صنعها، ويحرم تصوير ما استوفى الشروط، بأن كان كامل الأعضاء الظاهرة التي لا يعيش بدونها، ولها ظل إن كان يدوم كخشب وطين وسكر وعجين إجماعاً، وكذلك الحكم إذا كان لا يدوم كما لو صنع من قشر البطيخ خلافاً لما ذهب إليه أصبغ، أما غير ذي الظل فإنه مكروه إذا كان في غير ممتهن، كحائط وورق، أما إذا كان في ممتهن كحصير
стр. 313
ونحوه كان اتخاذه خلافاً للأولى.
مذهب الشافعية: القول بتحريم الصورة المجسمة لذوات الأرواح، وقال بعضهم بجواز ذلك. فقد جاء في الزواجر عن اقتراف الكبائر: " ... وأما فعل التصوير لذي الروح فهو حرام مطلقاً، وإن أغفل من الصورة أعضاؤها الباطنة أو بعض الظاهرة مما توجد الحياة مع فقده ... وأما المصور صورة الحيوان فإن كان معلقاً على حائط أو ملبوس كثوب وعمامة أو نحوه مما لا يعد ممتهناً فحرام، أو ممتهناً كبساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها فلا يحرم ... "١.
" ... ويحرم تصوير حيوان ... قال المتولى٢: وسواء أعمل لها رأساً أم لا؟ وقال الأوزاعي: إن المشهور عندنا جواز التصوير إن لم يكن له رأس,.. وهذا هو الظاهر"٣.
وجاء في الحاوي الكبير "وقال أبو سعيد الإصطخري ٤: إنما كان التحريم على عهد النبي ﷺ لقرب عهدهم بالأصنام ومشاهدتهم بعبادتها ليستقر في نفوسهم بطلان عبادتها وزوال تعظيمها، وهذا المعنى قد زال في وقتنا لما قد استقر في النفوس من العدول عن تعظيمها، فزال حكم تحريمها وحظر استعمالها، وقد كان في الجاهلية من يعبد كل ما استحسن من حجر أو شجر، فلو كان حكم الحظر باقياً لكان استعمال كل ما استحسن حراما ... " ٥.
стр. 314
فمذهب الشافعية: أن فعل التصوير للصور المجسمة لذوات الأرواح محرم شرعاً، حتى ولو أغفل من الصور ما يستشف منه ملامحها، وأما صورة الحيوان على ما هو ممتهن كسجادة أو بساط أو مخدة أو وسادة ونحو ذلك فلا بأس به، وقال المتولى: التصوير للحيوان حرام، سواء كان للصورة رأس أم لا؟ وقال الأوزاعي إن المشهور عند الشافعية جواز التصوير لما لا رأس له، وذكر صاحب المغني أن هذا هو الظاهر.
غير أن صاحب الحاوي الكبير قد أورد أن أبا سعيد الأصطخري قال إن هذا التحريم كان في عهد النبي ﷺ لقرب العهد بالأصنام، وحيث زال هذا المعنى، فلا معنى للقول بالتحريم، وقال إنه لو كان حكم الحظر باقياً لكان استعمال كل ما استحسن حراماً.
مذهب الحنابلة: القول بحرمة تصوير ما فيه روح خلافاً للأجرى وغيره. فقد جاء في الإنصاف: ".... يحرم تصوير ما فيه روح ... وأطلق بعضهم تحريم التصوير,.. وقال في الوجيز: ويحرم التصوير واستعماله، وكره الآجري١ وغيره ... يحرم تعليق ما فيه صورة حيوان وستر الجدار به وتصويره على الصحيح من المذهب وقيل: لا يحرم.... وهو ظاهر ما جزم به في المغني والشرح, ... ولا يحرم افتراشه ولا جعله مخدة بل ولا يكره فيها,.."٢.
فمذهب الحنابلة: حرمة تصوير ما فيه روح، وعند الآجري وغيره هذا التصوير مكروه، ويحرم تصوير الحيوان وستر الجدار بصورته، وقيل لا يحرم ولا يحرم افتراشه، ولا جعله مخدة، بل ولا يكره ذلك.
الموازنة: بمراجعة نصوص الفقهاء بشأن حكم الشرع بالنسبة لتصوير ذي الروح يتضح الآتي:
الحنفية يرون كراهة تصوير ذي الروح، ونصوا على أن تصوير غير ذي الروح
стр. 315
ليس بمكروه.
المالكية أن الاتفاق حاصل لديهم بشأن تحريم الصور المجسدة لحيوان عاقل أو غير عاقل، كالتمثال ونحوه، طالما كان كامل الأعضاء، أو كان له ظل ويدوم، أي يمكن استمراره، وأن الخلاف فيما لو كان التمثال مصنوعاً مما لا يدوم، كما لو صنع من قشر البطيخ مثلا، فالمذهب أنه الآخر يحرم تصويره، ويرى أصبغ أنه غير محرم، وقالوا بالنسبة لغير ذي الظل: إنه إن كان في غير ممتهن كحائط وورق فإن تصويره يكون مكروهاً، وإن كان ممتهناً كحصير وبساط كان تصويره خلاف الأولى.
أن الخلاف حاصل بين الشافعية بشأن التصوير لذي الروح من حيوان وغيره.
أ – فالمذهب أن فعل التصوير لذي الروح حرام مطلقاً، حتى وإن أغفل من الصورة بعض أجزائها، أي بأن كانت غير مكتملة، وإلى هذا ذهب المتولي موافقاً لأصل المذهب هنا.
ب – وقيل: إن المصور صورة الحيوان على ما لا يعد ممتهناً، فإن التصوير يكون حراماً بخلاف ما لو كانت الصورة هذه معلقة على ممتهن كبساط يداس، ومخدة، ووسادة، فلا يحرم.
ج – وقال الأوزاعي: إن المشهور عندنا جواز التصوير إن لم يكن له رأس، وهذا هو الظاهر في المذهب.
د – وقال الإصطخري: إن التصوير جائز مطلقاً، لأن تحريمه كان في بداية عهد الناس بالإسلام مع قرب عهدهم بالأصنام، وقد زال هذا السبب الآن.
أما مذهب الحنابلة في التصوير فعلى الخلاف الآتي:
أ – أن التصوير محرم مطلقاً، أي سواء كان لذي الروح أم لا، وهذا ما أطلقه بعض الحنابلة وما نص عليه في الوجيز من حرمة التصوير واستعماله.
ب – وقال الآجري ومن معه بكراهة التصوير مطلقاً، أي سواء كان لذي روح أم لا؟
стр. 316
ج – أن التصوير لذي الروح فقط هو المحرم، ويفهم منه أن غير ذي الروح لا يحرم تصويره، وهذا أصل المذهب الحنبلي.
وعلى هذا فمن خلال النظر في الآراء السابقة نستخلص في المسألة أربعة مذاهب:
المذهب الأول: يرى تحريم التصوير لذي الروح، وهي الصور المجسمة لحيوان أو غيره، سواء كان ذلك عاقلاً أم لا؟ وإلى هذا ذهب المالكية والشافعية في أصل مذهبهم، وهذا ما قال به المتولي وغيره، وهذا ما أطلقه بعض الحنابلة، وما نص عليه في الوجيز.
المذهب الثاني: يرى كراهة تصوير ذي الروح، وهذا ما ذهب إليه الحنفية بعد أن نصوا على عدم كراهة تصوير غير ذي الروح، وهو مذهب الآجري، ومن معه من الحنابلة.
المذهب الثالث: يرى جواز تصوير غير ذي الروح طالما كان بلا رأس، أو بدون الأجزاء التي يعيش منها، وهو قول المالكية والأوزاعي من الشافعية.
المذهب الرابع: التصوير جائز مطلقا، وهو مذهب الإصطخري من الشافعية.
الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول القائلون بحرمة الصور المجسمة بما يأتي:
١- أن القرآن الكريم حقر التماثيل، وقلل من شأنها، واستهان بها وبصانعيها، وعابديها، وسفه أحلامهم، وضلل عقولهم، كما أخبر أن الذين يصنعون هذه التماثيل هالكون ومدمرون لا محالة، وما ذلك إلا لشدة تحريم صناعتها واتخاذها.
وقد وردت آيات قرآنية كثيرة تبين هذه المعاني؛ منها:
قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ*وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ*لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
стр. 317
٢- ما روى نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" ١.
٣- ما رواه ابن مسعود ﵁ قال: دخل النبي ﷺ مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصباً، فجعل يطعنها بعود في يده وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ٢ ٣.
٤- ما رواه جابر ﵁: "أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها حتى محيت كل صورة فيها"٤.
٥- عن أبي الهياج الأسدي٥ قال: قال لي علي ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه الرسول ﷺ : "ألا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" ٦.
واستدل أصحاب المذهب الثاني القائلون بكراهة الصور المجسمة لذي الروح: بذات الأدلة التي ساقها القائلون بالتحريم، غير أنهم نحوا ناحية تفسيرها على غير عمومها، وحملوا النهي الوارد بشأنها على محمل الكراهة، ليشفع ذلك لهم في استدلالهم على وجه كراهة ذلك التصوير.
واستدل أصحاب المذهب الثالث القائلون بإباحة الصور المجسمة وجواز صنعها بما يلي:
١- قوله تعالى ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ ٧.
стр. 318
حيث إن عمل عيسى ﵇ وخلقه من الطين كهيئة الطير يعد تصويراً لذوات الأرواح من الطير، ومع ذلك لم ينكر الله تعالى عليه فعله، بل امتن عليه بذلك وجعلها نعمة منه سبحانه على سيدنا عيسى ﵇، وفي هذا الدلالة على جواز صناعة التماثيل والصور لذوات الأرواح ١.
٢- قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ٢.
حيث دلت هذه الآية على أن صناعة التماثيل في شريعة سيدنا سليمان ﵇ كانت جائزة، فقد أخبر الله سبحانه بهذا ممتنا عليه بذلك.
٣- قوله ﷺ لعائشة ﵂: "يا عائشة إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة: المصورون" ٣.
حيث حمل الوعيد الوارد في الحديث على من صنع التماثيل لتعبد من دون الله تعالى فقط٤.
٤- ما روى أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن الله : "ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذره أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة" ٥.
فإن هذا الحديث وأمثاله كقول النبي ﷺ : "الذين يضاهون بخلق الله" ٦، وفي بعض الروايات: "الذين يشبهون بخلق الله" بعد أن قال: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة".
إن هذه النصوص يتعين حملها على من قصد بتصويرها أن تحدى صنعة الخالق
стр. 319
عز وجل، ويفتري عليه بأن يخلق مثل خلقه، أما من لم يقصد بذلك فلا ١.
واستدل الإصطخري -صاحب المذهب الرابع، القائل بجواز التصوير مطلقا- استدل بأن التحريم كان مقرراً على عهد النبوة وذلك لقرب العهد بالأصنام، وقرب مشاهدة الناس لعبادة الأصنام، فحرم التصوير واتخاذ التماثيل حتى يستقر في نفوسهم بطلان عبادة الأوثان، ولما كان هذا المعنى المقصود من التحريم غير موجود الآن بسبب استقرار النفوس على العدول عن تعظيم الأصنام، فإن التحريم يكون لا معنى له، لأن المقرر أن الحكم يدور مع علته، وأنه يزول بزواله علته، وقد زالت العلة فيزول الحكم ويبقى التصوير على الإباحة والجواز، ودعم الاصطخري استدلاله هذا بقوله إنه لو كان حكم الحظر باقياً لكان استعمال كل من استحسن محرماً، وهو لم يقل به أحد.
والراجح في هذا: هو القول بتحريم الصور المجسمة لذي الروح، كالإنسان والحيوان والتي تعرف بالتماثيل، حيث إنه يشتمل على المضاهاة لخلق الله سبحانه، وبالتالي فلا يجوز بيعها أو شراؤها ونحو ذلك من جميع التصرفات الأخرى. والله تعالى أعلم.
ومن المسائل المفرعة: حكم صناعة واتخاذ هذه الصور إذا كانت غير ممتهنه، كأن تكون معلقة، أو منصوبة مصانة عن الوطء أو الدوس ونحوهما، فقد اختلف الفقهاء في هذا:
مذهب الحنفية: القول بكراهة اتخاذ الصور غير الممتهنة. فقد جاء في شرح فتح القدير: "ويكره أن يكون فوق رأسه في السقف، أو بين يديه، أو بحذائه تصاوير أو صورة معلقة,.."٢. وجاء في بدائع الصنائع: " ... وكذا يكره الدخول إلى بيت فيه صور على سقفه أو حيطانه أو على الستور والأزر والوسائد والعظام...."٣.
стр. 320
فالمستفاد من نصوص الحنفية: القول بكراهة الصور غير الممتهنة كالصور على السقف أو الحيطان والوسائد ونحوها، وكأن الحنفية سووا في الحكم بين الصور الممتهنة وغير الممتهنة في الحكم وهو الكراهية.
مذهب المالكية: قالوا بكراهة اتخاذ الصور غير الممتهنة. فقد جاء في حاشية الدسوقي: ".... وغير ذي ظل كالمنقوش في حائط، أو ورق، فيكره إن كان غير ممتهن,.."١. وجاء في مواهب الجليل: " ... وما لا ظل له فإن كان غير ممتهن فهو مكروه"٢.
فالمستفاد من نصوص المالكية: أن اتخاذ الصور غير الممتهنة كالصور المنقوشة في حائط أو ورق ونحو ذلك مكروه شرعاً.
مذهب الشافعية: قالوا بحرمة اتخاذ الصور غير الممتهنة. فقد جاء في الزواجر عن اقتراب الكبائر: " ... وأما المصور صورة الحيوان فإن كان معلقاً على حائط، أو ملبوس كثوب أو عمامة مما لا يعد ممتهناً فحرام,.."٣. وفي شرح النووي على مسلم: "وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان، فإن كان معلقاً على حائط، أو ثوباً ملبوساً، أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهناً، فهو حرام,.."٤.
فمذهب الشافعية: أن اتخاذ الصور غير الممتهنة كالمعلق على الحوائط ونحو ذلك محرم شرعاً، فصورة الحيوان في المعلق على حائط أو ملبوس كثوب أو عمامة مما لا يعد ممتهناً فهو حرام.
مذهب الحنابلة: قالوا بحرمة اتخاذ الصور غير الممتهنة. فقد جاء في كشاف القناع: "ويحرم على ذكر وأنثى لبس ما فيه صورة حيوان,.. وتعليقه، أي ما فيه صورة.