ج – أن التصوير لذي الروح فقط هو المحرم، ويفهم منه أن غير ذي الروح لا يحرم تصويره، وهذا أصل المذهب الحنبلي.
وعلى هذا فمن خلال النظر في الآراء السابقة نستخلص في المسألة أربعة مذاهب:
المذهب الأول: يرى تحريم التصوير لذي الروح، وهي الصور المجسمة لحيوان أو غيره، سواء كان ذلك عاقلاً أم لا؟ وإلى هذا ذهب المالكية والشافعية في أصل مذهبهم، وهذا ما قال به المتولي وغيره، وهذا ما أطلقه بعض الحنابلة، وما نص عليه في الوجيز.
المذهب الثاني: يرى كراهة تصوير ذي الروح، وهذا ما ذهب إليه الحنفية بعد أن نصوا على عدم كراهة تصوير غير ذي الروح، وهو مذهب الآجري، ومن معه من الحنابلة.
المذهب الثالث: يرى جواز تصوير غير ذي الروح طالما كان بلا رأس، أو بدون الأجزاء التي يعيش منها، وهو قول المالكية والأوزاعي من الشافعية.
المذهب الرابع: التصوير جائز مطلقا، وهو مذهب الإصطخري من الشافعية.
الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول القائلون بحرمة الصور المجسمة بما يأتي:
١- أن القرآن الكريم حقر التماثيل، وقلل من شأنها، واستهان بها وبصانعيها، وعابديها، وسفه أحلامهم، وضلل عقولهم، كما أخبر أن الذين يصنعون هذه التماثيل هالكون ومدمرون لا محالة، وما ذلك إلا لشدة تحريم صناعتها واتخاذها.
وقد وردت آيات قرآنية كثيرة تبين هذه المعاني؛ منها:
قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ*وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ*لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
стр. 317
٢- ما روى نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" ١.
٣- ما رواه ابن مسعود ﵁ قال: دخل النبي ﷺ مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصباً، فجعل يطعنها بعود في يده وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ٢ ٣.
٤- ما رواه جابر ﵁: "أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها حتى محيت كل صورة فيها"٤.
٥- عن أبي الهياج الأسدي٥ قال: قال لي علي ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه الرسول ﷺ : "ألا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" ٦.
واستدل أصحاب المذهب الثاني القائلون بكراهة الصور المجسمة لذي الروح: بذات الأدلة التي ساقها القائلون بالتحريم، غير أنهم نحوا ناحية تفسيرها على غير عمومها، وحملوا النهي الوارد بشأنها على محمل الكراهة، ليشفع ذلك لهم في استدلالهم على وجه كراهة ذلك التصوير.
واستدل أصحاب المذهب الثالث القائلون بإباحة الصور المجسمة وجواز صنعها بما يلي:
١- قوله تعالى ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ ٧.
стр. 318
حيث إن عمل عيسى ﵇ وخلقه من الطين كهيئة الطير يعد تصويراً لذوات الأرواح من الطير، ومع ذلك لم ينكر الله تعالى عليه فعله، بل امتن عليه بذلك وجعلها نعمة منه سبحانه على سيدنا عيسى ﵇، وفي هذا الدلالة على جواز صناعة التماثيل والصور لذوات الأرواح ١.
٢- قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ٢.
حيث دلت هذه الآية على أن صناعة التماثيل في شريعة سيدنا سليمان ﵇ كانت جائزة، فقد أخبر الله سبحانه بهذا ممتنا عليه بذلك.
٣- قوله ﷺ لعائشة ﵂: "يا عائشة إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة: المصورون" ٣.
حيث حمل الوعيد الوارد في الحديث على من صنع التماثيل لتعبد من دون الله تعالى فقط٤.
٤- ما روى أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن الله : "ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذره أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة" ٥.
فإن هذا الحديث وأمثاله كقول النبي ﷺ : "الذين يضاهون بخلق الله" ٦، وفي بعض الروايات: "الذين يشبهون بخلق الله" بعد أن قال: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة".
إن هذه النصوص يتعين حملها على من قصد بتصويرها أن تحدى صنعة الخالق
стр. 319
عز وجل، ويفتري عليه بأن يخلق مثل خلقه، أما من لم يقصد بذلك فلا ١.
واستدل الإصطخري -صاحب المذهب الرابع، القائل بجواز التصوير مطلقا- استدل بأن التحريم كان مقرراً على عهد النبوة وذلك لقرب العهد بالأصنام، وقرب مشاهدة الناس لعبادة الأصنام، فحرم التصوير واتخاذ التماثيل حتى يستقر في نفوسهم بطلان عبادة الأوثان، ولما كان هذا المعنى المقصود من التحريم غير موجود الآن بسبب استقرار النفوس على العدول عن تعظيم الأصنام، فإن التحريم يكون لا معنى له، لأن المقرر أن الحكم يدور مع علته، وأنه يزول بزواله علته، وقد زالت العلة فيزول الحكم ويبقى التصوير على الإباحة والجواز، ودعم الاصطخري استدلاله هذا بقوله إنه لو كان حكم الحظر باقياً لكان استعمال كل من استحسن محرماً، وهو لم يقل به أحد.
والراجح في هذا: هو القول بتحريم الصور المجسمة لذي الروح، كالإنسان والحيوان والتي تعرف بالتماثيل، حيث إنه يشتمل على المضاهاة لخلق الله سبحانه، وبالتالي فلا يجوز بيعها أو شراؤها ونحو ذلك من جميع التصرفات الأخرى. والله تعالى أعلم.
ومن المسائل المفرعة: حكم صناعة واتخاذ هذه الصور إذا كانت غير ممتهنه، كأن تكون معلقة، أو منصوبة مصانة عن الوطء أو الدوس ونحوهما، فقد اختلف الفقهاء في هذا:
مذهب الحنفية: القول بكراهة اتخاذ الصور غير الممتهنة. فقد جاء في شرح فتح القدير: "ويكره أن يكون فوق رأسه في السقف، أو بين يديه، أو بحذائه تصاوير أو صورة معلقة,.."٢. وجاء في بدائع الصنائع: " ... وكذا يكره الدخول إلى بيت فيه صور على سقفه أو حيطانه أو على الستور والأزر والوسائد والعظام...."٣.
стр. 320
فالمستفاد من نصوص الحنفية: القول بكراهة الصور غير الممتهنة كالصور على السقف أو الحيطان والوسائد ونحوها، وكأن الحنفية سووا في الحكم بين الصور الممتهنة وغير الممتهنة في الحكم وهو الكراهية.
مذهب المالكية: قالوا بكراهة اتخاذ الصور غير الممتهنة. فقد جاء في حاشية الدسوقي: ".... وغير ذي ظل كالمنقوش في حائط، أو ورق، فيكره إن كان غير ممتهن,.."١. وجاء في مواهب الجليل: " ... وما لا ظل له فإن كان غير ممتهن فهو مكروه"٢.
فالمستفاد من نصوص المالكية: أن اتخاذ الصور غير الممتهنة كالصور المنقوشة في حائط أو ورق ونحو ذلك مكروه شرعاً.
مذهب الشافعية: قالوا بحرمة اتخاذ الصور غير الممتهنة. فقد جاء في الزواجر عن اقتراب الكبائر: " ... وأما المصور صورة الحيوان فإن كان معلقاً على حائط، أو ملبوس كثوب أو عمامة مما لا يعد ممتهناً فحرام,.."٣. وفي شرح النووي على مسلم: "وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان، فإن كان معلقاً على حائط، أو ثوباً ملبوساً، أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهناً، فهو حرام,.."٤.
فمذهب الشافعية: أن اتخاذ الصور غير الممتهنة كالمعلق على الحوائط ونحو ذلك محرم شرعاً، فصورة الحيوان في المعلق على حائط أو ملبوس كثوب أو عمامة مما لا يعد ممتهناً فهو حرام.
مذهب الحنابلة: قالوا بحرمة اتخاذ الصور غير الممتهنة. فقد جاء في كشاف القناع: "ويحرم على ذكر وأنثى لبس ما فيه صورة حيوان,.. وتعليقه، أي ما فيه صورة.
стр. 321
وستر الجدر به، وتصويره، كبيرة للوعيد عليه,.."١.
وجاء في حاشية الروض المربع: " ... فتصوير الحيوان حرام وكبيرة، سواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، وسواء كان في الدراهم أو الحيطان أو الثياب أو الورق,.."٢.
فمذهب الحنابلة: حرمة اتخاذ الصور غير الممتهنة، وتعليق ذلك على الجدار، وقد سووا بين الممتهن وغيره، وقالوا تصوير الحيوان حرام وكبيرة، سواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، وسواء كان في الدراهم أو الحيطان أو الثياب أو الورق أو نحو ذلك.
الموازنة: بمطالعة ما قاله الفقهاء بشأن تصوير الصور في غير الممتهن كأن تكون معلقة مصانة عن الدوس والوطء ونحو ذلك يتضح الآتي:
أ - أن الحنفية وكذا المالكية يرون كراهية اتخاذ مثل هذه الصور.
ب - أن الشافعية وكذا الحنابلة يرون حرمة اتخاذ مثل هذه الصور.
فخلاصة الأقوال في هذه المسألة مذهبان:
المذهب الأول: يرى كراهة اتخاذ وصناعة الصور غير الممتهنة، وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية.
المذهب الثاني: يرى حرمة اتخاذ وصناعة الصور غير الممتهنة، وإلى هذا ذهب الشافعية والحنابلة.
الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول القائلون بكراهة اتخاذ الصور غير الممتهنة:
١- بما روى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ حيث قالت: كان لنا ستر فيه تمثال ظاهر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله ﷺ :"حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا"٣.
فلم يأمر النبي ﷺ بهتكه أو نزعه بل أمر بتحويله فقط، وهذا يدل على الكراهة
стр. 322
فقط.
٢- بما روي عن أنس ﵁ قال: كان قرام١ لعائشة رضي الله سترت به جانب بيتها فقال لها النبي ﷺ : "أميطى هذا عني فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي" ٢.
واستدل أصحاب المذهب الثاني القائلون بتحريم اتخاذ الصور غير الممتهنة:
١ - بعموم الأدلة الدالة على تحريم الصور مطلقاً، والتي سبق عرضها كأدلة لمن قال بتحريم الصور مطلقاً.
٢- أن متخذ الصور قد تشبه بالكفار الذين يتخذون الصور في بيوتهم، ويعظمونها، فكرهت الملائكة ذلك، لأن اتخاذ الصور معصية، والمعصية تمنع دخول الملائكة لبيته وصلاتها فيه واستغفارها وتبريكها عليه.
والذي يترجح لدي: هو ما قال به الشافعية والحنابلة، لأن رسول الله ﷺ امتنع عن دخول البيت الذي فيه ستر عليه صورة، وأمر بنَزعه وهتكه، وما ورد في بعض روايات الحديث أنه أظهر كراهيته له وتركه، فهذا -والله أعلم- محمول على صورة غير ذي الروح كالشجرة ونحوه كما قال الحافظ في الفتح، أو يحمل هذا على أنه كان قبل التحريم، كما أشار إليه النووي في شرحه على مسلم، وبالتالي لا يجوز بيع صور ذي الروح التي تعلق على الحائط أو التي توجد في الستائر المعلقة، لأنها غير ممتهنة لما في ذلك من المعصية وشيوع المنكر. والله تعالى أعلم.
حكم الصور الممتهنة:
مذهب الحنفية: لم تصرح كتب الحنفية بحكم الصور الممتهنة غير أنه يفهم من قولهم بكراهة الصور المجسمة لذي الروح، وأنه إذا كانت الصورة غير مجسمة وكانت لغير ذي الروح أو كانت ممتهنة فإنه لا بأس من اتخاذها واستعمالها، تخريجاً على مفهوم قولهم بالكراهة
стр. 323
فيما عدا ذلك.
مذهب المالكية: أن التصوير الموضوع على ما هو ممتهن كحصير وبساط فالأولى تركه. فقد جاء في حاشية الخرشي: "وإن كان ممتهناً فتركه أولى,.."١. وفي شرح منح الجليل: " ... وإن كان في ممتهن كحصير وبساط فخلاف الأولى,.."٢.
مذهب الشافعية: القول بعدم حرمة الصور على الممتهن كبساط ووسادة ونحو ذلك، ولعل هذا فيه احتمال الجواز. فقد جاء في الزواجر عن اقتراف الكبائر: " ... أو ممتهنا كبساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها فلا يحرم, ... "٣.
فمذهب الشافعية: أن صورة الحيوان على ما هو ممتهن كسجادة أو بساط أو حصيرة أو مخدة أو وسادة ونحو ذلك أنه لا بأس من استعمالها واتخاذها.
مذهب الحنابلة: النص على أنه لا يحرم افتراش ما فيه صورة، ولا جعله مخدة، بل وأنه لا يكره فيها ذلك. فقد جاء في الإنصاف: " ... ولا يحرم افتراشه ولا جعله مخدة، بل ولا يكره فيها,.."٤.
الموازنة: حاصل هذه المذاهب أن اتخاذ ما فيه صورة واستعماله على نحو الامتهان كأن كان موضوعاً في وسادة أو مخدة أو بساط أو حصير ونحو ذلك لا بأس به، مع خلاف لفظي في التعبير عن هذا ما بين التصريح بهذا، أو من قال بأنه خلاف الأولى، أو من نص صراحة على عدم حرمة ذلك وعدم كراهته، كما فعل الحنابلة، أو أنه نص على تحريم تصوير ذي الروح وسكت عن غيره، فما يفهم منه أنه لا بأس من استخدامه، خاصة مع وجه امتهانه.
وهذا هو تحقيق القول في مسألة اتخاذ ما به صورة لحيوان ونحوه من شجر وغير ذلك طالما كانت على وجه الامتهان، وهذا هو الراجح في المسألة، تقريراً لوجه ما
стр. 324
قالوه هناك، وما استدلوا به، والمستفاد منه ما تقرر هنا قولاً واستدلالاً. والله تعالى أعلم.
стр. 325
المطلب الثاني: التصوير لغير ذي الروح
يدخل في هذه المسألة التصوير المجسم والمرقوم لما لا روح له، وقد اختلف الفقهاء في هذا على النحو الآتي:
مذهب الحنفية: القول بجواز التصوير لما لا روح له كالشجرة ونحوه، وقالوا بأن مثل هذا النوع من التصوير لا يوجب الكراهة، لأنه لا يحصل الشبه به بمن يعبد التمثال ونحوه. فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... فأما صورة ما لا حياة له كالشجر ونحو ذلك فلا يوجب الكراهة، لأن عبدة الصورة لا يعبدون تمثال ما ليس بذي روح فلا يحصل الشبه بهم,.."١. وجاء في شرح فتح القدير: " ... ولا يكره تمثال غير ذي الروح، لأنه لا يعبد,.."٢.
مذهب المالكية: القول بجواز التصوير لما لا روح له كغير الحيوان كالشجر ونحوه. فقد جاء في شرح منح الجليل: " ... وأما تصوير غير الحيوان كشجرة وسفينة وجامع ومنار فجائز، ولو كان له ظل ويدوم,.."٣. وفي مواهب الجليل: " ... قال الشيخ: التمثال إن كان لغير حيوان كالشجر جاز ... "٤.
مذهب الشافعية: القول بجواز تصوير ما لا روح له مثل الشجر والشمس والقمر ونحو ذلك.
فقد جاء في الزواجر عن اقتراب الكبائر: " ... وأما تصوير صور الشجر ونحوها
стр. 326
مما ليس بحيوان فليس بحرام...."١.
وفي مغني المحتاج: "ويجوز ... صورة شجر ونحوه مما لا روح فيه، كشمس وقمر ... "٢.
وجاء في شرح النووي: " ... وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام،,.. وأما الشجر ونحوه مما لا روح فيه فلا تحرم صنعته، ولا التكسب به، وسواء الشجر المثمر وغيره، وهذا مذهب العلماء كافة إلا مجاهداً٣ فإنه جعل الشجر المثمر من المكروه، قال القاضي٤: لم يقله أحد غير مجاهد,.."٥.
مذهب الحنابلة: جواز تصوير شجر وسفن وشمس وقمر ونحو ذلك، من غير ذي الروح. فقد جاء في كشاف القناع: " ... وتباح صورة غير حيوان كشجر وكل ما لا روح فيه,.."٦. وجاء في الإنصاف: ".... لا يحرم تصوير الشجر ونحوه,.."٧. وفي إعلان النكير على بعض المفتونين بالتصوير: " ... فقوله في هذا الحديث: "يخلق خلقا كخلقي" يعم ذوات الأرواح والشجر وغيره,.."٨.
الموازنة: بمراجعة نصوص الفقهاء بشأن تصوير غير ذي الروح يتضح الآتي:
стр. 327
أ- أن عامة الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وكذا الحنابلة يرون جواز تصوير ما لا روح له نحو الشجر والقمر وغيره، على خلاف طفيف في التعبير عن هذا، فمنهم من قال بالجواز كالحنفية والمالكية والشافعية، ومنهم من عبر بالإباحة كالحنابلة.
ب- أن بعض الفقهاء والمحدثين يرون حرمة تصوير غير ذي الروح، وأنه في هذا شأنه شأن تصوير ذي الروح كالحيوان ونحوه، وذلك على نحو ما ورد بإعلان النكير المقرر فيه رأي بعض الحنابلة المحدثين.
?- أن مجاهداً -صاحب ابن عباس- فرق بين الشجر المثمر الذي قال بأن تصويره مكروه، وبين الشجر غير المثمر الذي جوز تصويره.
وعليه فالمسألة فيها ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: يقول بالجواز على الإطلاق.
المذهب الثاني: يقول بالحرمة على الإطلاق.
المذهب الثالث: فرق بين تصوير الشجر المثمر وغير المثمر، وهذا ما قال به مجاهد - صاحب ابن عباس ﵄، حيث ذكر مذهب هذا صاحب فتح الباري فقد ورد فيه "وقد قيد مجاهد -صاحب ابن عباس- جواز تصوير الشجر بما لا يثمر، أما ما يثمر فألحقه بماله روح، قال عياض: لم يقله أحد غير مجاهد, ... "١.
الأدلة:
أ - استدل القائلون بجواز التصوير لغير ذى الروح بما يأتي:
١- ما روي أن رجلاً ٢ جاء إلى ابن عباس ﵄: فقال: إني رجل أصور هذه الصور، فافتني فيها؟ فقال له أدن مني، فدنا
стр. 328
منه، ثم قال: ادن مني، فدنا منه، حتى وضع يده على رأسه وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً فيعذبه في جهنم"، فقال: "إن كنت لا بد فاعلاً، فاصنع الشجر وما لا نفس له" ١.
فحديث ابن عباس ﵄ نص صريح على جواز تصوير الشجر وكل شيء ليس فيه روح، فتُخصص به عموم النصوص الواردة في النهي عن كل صورة، لأنه في حكم المرفوع.
٢- ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك الليلة فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان فيه تمثال، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، فُمر برأس التمثال يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر يقطع فيجعل منه وسادتان، ومر بالكلب فيخرج" ٢.
٣- ما روي عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم".
وفي الحديث: "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ" ٣.
ففي الحديث تخصيص النهي بذوات الأرواح، إذ إن المصور سيؤمر يوم القيامة بنفخ الروح فيما صوّره، ولا يكون النفخ إلا فيما له روح.
قال النووي: "أي اجعلوه حيواناً ذا روح كما ضاهيتم" ٤.
ب - استدل القائلون بتحريم التصوير لغير ذي الروح: بعموم الأدلة الواردة في حرمة التصوير عموماً، حيث إنها لم تفرق بين ذي الروح وغيره، ومن هذه الأدلة.
١ – قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا
стр. 329
بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ١.
قال القرطبي عند تفسير الآية: "وقد يستدل من هذا على منع تصوير شيء ٢ سواء كان له روح أم لم يكن"٣.
٢ – ما روى عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة".
وهذا الحديث عام شمل الذم والتهديد والتقبيح، فعم كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع وهذا واضح ٤، وهو يشمل ما فيه روح وما ليس فيه روح.
٣ – عموم الأحاديث الواردة في تحريم التصوير والصور وزجر المصورين، حيث إنها لم تفرق بين ذي الروح وغيره، ومن هذه الأدلة بما روى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم".
وقوله ﷺ : "أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون".
٤ – أن من الكفار من كان يصور مالا روح فيه كالشمس والقمر فيعبده من دون الله، فيمتنع تصويره لذلك٥.
ج- استدل مجاهد صاحب ابن عباس فيما يتعلق بالشق الأول، وهو كراهية
стр. 330
تصوير الشجر المثمر خاصة بنفس الأدلة التي ساقها المانعون من تصوير غير ذي الروح، أما فيما يتعلق بالشق الثاني وهو إباحة تصوير الشجر غير المثمر خاصة فقد تمسك بذات ما استدل به المجوزون لتصوير غير ذي الروح مطلقاً.
والذي يترجح لدي: هو القول بجواز تصوير غير ذي الروح كالشجر والنبات والشمس ونحوها، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وذلك لقوة ما استدلوا به، وأنه لا وجه لتفرقة مجاهد بين الشجر المثمر وغير المثمر، ويترتب على هذا الرجحان القول بجواز التجارة فيها بيعاً وشراء فضلاً عن القيام بصناعتها، وأن القول بحرمة تصوير غير ذي الروح قول ضعيف، وأن الحديث الذي رواه ابن عباس ﵄ وقد جوز تصوير الشجر وما لا نفس فيه، وكل شيء ليس فيه روح، وما يدعم ذلك: أن هذا الحديث ورد في الصحيحين، ويمكن الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض فيجب حمل التصوير المذموم في الأحاديث على تصوير ذي الروح.
وقد جاء في عمدة القارى: أن مراد قول الرسول ﷺ : "فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح" هو أن المصور إنما يستحق هذا العذاب لكونه قد باشر تصوير حيوان مختص بالله تعالى، وتصوير جماد ليس في معنى ذلك فلا بأس به" ١ والله تعالى أعلم.
أما بالنسبة للصور الشمسية "الفوتوغرافية": فقد اختلف أهل العلم بشأن حكم الشرع فيما يتعلق بالتصوير الفوتوغرافي، وذلك على قولين:
فمنهم من قال بحرمة هذا التصوير كغيره مما سبق، ومنهم من قال بعدم حرمته لعدم وجود علة التحريم فيه، ولهذا كان منشأ هذا الخلاف هو الإجابة على سؤال مهم وهو: هل التصوير الفوتوغرافي يشتمل على العلة التي من أجلها حرم التصوير بالأيدي أم لا؟ وبمعنى آخر هل التصوير الفوتوغرافي مثل التصوير بالأيدي؟ أم أنه غير مماثل له؟ فمن رأى أنه مثله واشتمل على نفس العلة قال بتحريمه، ومن رأى أنه غير مماثل له قال بجوازه وعدم حرمته، وذلك على النحو الآتي:
стр. 331
المذهب الأول: يرى أن التصوير الفوتوغرافي غير محرم، وأنه مباح شرعاً، وذلك لعدم وجود علة التحريم فيه، وذلك لأن أخذ الصورة بالفوتوغرافيا ليس إلا حبس للضوء، ولهذا كان أخذ الصورة على هذا الوجه ليس خلقاً للصورة، فالتصوير بواسطة هذه الآلة المستحدثة ليس من التصوير المنهي عنه، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم المعاصرين.
فقد جاء في فقه السنة: " ... والصور الفوتوغرافية فهذه كلها جائزة، وكانت ممنوعة في أول الأمر ثم رخص فيها بعد,.."١.
وجاء في الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي: " ... إن أخذ الصورة بالفوتوغرافيا الذي هو عبارة عن حبس الظل بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة، ليس من التصوير المنهي عنه في شيء، لأن التصوير المنهي عنه هو إيجاد صورة وصنع صورة لم تكن موجودة ولا مصنوعة من قبل، يضاهي بها حيواناً خلقه الله تعالى، وليس هذا المعنى موجوداً في أخذ الصورة بتلك الآلة"٢.
وجاء في كتاب الحلال والحرام: " ... وأما الصور الشمسية الفوتوغرافية فالأصل فيها الإباحة، ما لم يشتمل موضوع الصورة على محرم كتقديس صاحبها تقديساً دينياً أو تعظيمه تعظيماً دنيوياً، وخاصة إذا كان المعظم من أهل الكفر والفساق,.."٣.
وجاء في كتاب المجموع الثمين: " ... والتقاط الصورة بالآلة ليس مضاهاة لخلق الله، بل هو نقل الصورة التي خلقها الله تعالى نفسها، فهو ناقل لخلق الله لا مضاهاة له، ... فلو قلد شخص كتابة شخص لكانت كتابة الثاني غير كتابة الأول وهي مشابهة لها، ولو نقل كتابته بالصورة الفوتوغرافية لكانت الصورة هي كتابة الأول، وإن كان عمل نقلها من الثاني، فهكذا نقل الصورة بالآلة الفوتوغرافية الكاميرا هي تصوير
стр. 332
الله نقل بواسطة آلة التصوير ... "١.
المذهب الثاني: فيرى تحريم التصوير الفوتوغرافي وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم المعاصرين.
فقد جاء في كتاب الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام: ".... أن التصوير بجميع أنواعه تماثيل أو غير تماثيل منقوشاً باليد أو فوتوغرافيا مأخوذاً بالآلة كله حرام,.."٢.
وجاء في كتاب إعلان النكير على المفتونين بالتصوير: " ... ولا يخفي على عاقل أن التصوير بالآلة الفوتوغرافية هو الذي يطابق صور الحيوانات غاية المطابقة، بخلاف التصوير المنقوش بالأيدي فإنه قد لا يطابقها من كل وجه وعلى هذا فيكون التصوير بالآلة الفوتوغرافية أشد تحريماً من التصوير المنقوش بالأيدي والله أعلم,.."٣.
وجاء في كتاب آداب الزفاف: ".... سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة، لها ظل أو لا ظل لها، يدوية أو فوتوغرافية، فإن ذلك كله لا يجوز,.."٤.
جاء في كتاب النهضة الإصلاحية: " ... وإني أحب أن تجزم الجزم كله أن التصوير بآلة التصوير "الفوتوغراف" كالتصوير باليد تماماً، فيحرم على المؤمن تسليطها للتصوير، ويحرم عليه تمكين مسلطها لالتقاط صورته بها، ولأنه بهذا التمكين يعين فعلاً على فعل محرم غليظ، وليس من الصواب في شيء ما ذهب إليه أحد علماء عصرنا هذا من استباحة التصوير بتلك الآلة,.."٥.
الأدلة: استدل المذهب الأول القائل بأن التصوير الفوتوغرافي غير محرم وأنه مباح بما يأتي:
١- أن الأصل في الأشياء الإباحة وذلك عملاً بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي
стр. 333
خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعا﴾ ١. فقد دلت هذه الآية على إباحة كل ما أوجده الله لنا في الأرض٢، والتصوير الفوتوغرافي يدخل في معنى هذه الآية، لأنه مما خلق الله لنا في الأرض، ولم يرد في الشرع نص على تحريمه٣.
٢ – إن هذا النوع من التصوير غير متحقق فيه علة التحريم التي قام على أساسها النهي عن التصوير وهي المضاهاة التي تعتبر علة التحريم في التصوير، وذلك لأن التقاط الصورة بالآلة ليس مضاهاة لخلق الله، بل هو نقل للصورة التي خلقها الله تعالى نفسها، فهو ناقل لخلق الله وليس مضاهاة له، فالصورة في التصوير الفوتوغرافي مجرد نقل لتصوير الله سبحانه بآلة التصوير المستخدمة لهذا الغرض٤.
٣ – أن التصوير الفوتوغرافي لا يخرج عن مجرد حبس للصورة الموجودة، وأنه بهذا لا يسمى تصويرا، لأن التصوير إيجاد صورة لم تكن، ولهذا فإن التصوير الفوتوغرافي يشبه الصورة في المرآة وهي لا يمكن أن يقال لها صورة أو إن أحدا صورها، والذي تصنعه آلة التصوير هو صورة لما في المرآة، غاية الأمر أن المرآة "الفوتوغرافي" تثبت الظل الذي يقع عليها، والمرآة ليست كذلك٥.
٤ – أن التصوير الفوتوغرافي له فوائد عديدة، وأن الحاجة داعية إليه، وفيه تحقيق لمنافع العباد حيث إن فيه الإعانة على كمال أمور الدنيا والدين بالنسبة للأمة في مجموعها في هذا العصر.
ب- واستدل المذهب الثاني القائل بتحريم التصوير الفوتوغرافي:
١ – أن علل تحريم التصوير الواردة في النصوص الشرعية موجودة في الصور
стр. 334
الفوتوغرافية، فمن ذلك كونها -أي الصورة- سبباً لتعظيم غير الله، ومن ذلك كونها مضاهاة لخلق الله، ومن ذلك كونها تمنع دخول الملائكة.
٢ – أن عموم الأحاديث المستفاد منها تحريم التصوير ولعن المصورين والأمر بطمس الصورة وهتكها وتمزيقها، أن هذا العموم يرد على التصوير الفوتوغرافي، حيث إن هذا يسمى صوراً، وأن ذات العمل يسمى تصويراً، ومن يقوم به يسمى مصوراً، ومن هذه النصوص:
قوله ﷺ : "لعن الله المصورين" ١ حيث إن لفظ المصورين في الحديث عام بدخول أل المفيدة استغراق الجنس، أي جنس المصورين جميعاً دون استثناء، ومنهم أصحاب التصوير الفوتوغرافي.
قوله ﷺ : "كل مصور في النار" ٢ والمعروف أن لفظ "كل" من ألفاظ العموم ولهذا شمل النص كل مصور، ومنه صاحب التصوير الفوتوغرافي.
٣ – أن الأحاديث الآمرة باتقاء الشبهات شاملة للتصوير الفوتوغرافي، حيث إنه لا يخرج عن دائرة المتشبهات التي أمر النبي ﷺ باجتنابها والاحتياط بالامتناع منه، ومن الأحاديث الآمرة باتقاء الشبهات قولهصلى الله عليه وسلم "دع ما يريبك إلى مالا يريبك" ٣ وقوله ﷺ : "الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" ٤.
وبعد الموازنة بين القولين السابقين: تقرر أن التصوير الفوتوغرافي لاشك داخل في
стр. 335
عموم نصوص النهي عن التصوير، وذلك بحسب الأصل، لأن النصوص عامة شاملة لكل أنواع التصوير، وعلة التحريم حاصلة في التصوير الفوتوغرافي من عدم دخول الملائكة المكان الذي توجد به صور، وأن الشرع لم يصرح باستثناء ذلك النوع من التصوير، غير أن الحاجة إلى التصوير الفوتوغرافي ماسة في العصر الحاضر مما يجوز إباحته استثناء من أصل المنع والتحريم، عملاً بقواعد الشرع في إباحة بعض المحرمات عند وجود الحاجة الداعية إليها.
فالتصوير الفوتوغرافي على هذا جائز خاصة في العصر الحالي، وذلك لترتب قضاء مصالح الناس عليه كالتصوير من أجل استخراج البطاقات الشخصية والعائلية وجواز السفر ورخصة القيادة ونحو ذلك.
وهذا الجواز وإن كان فيه خروجاً عن الأصل إلا أنه ورد في السنة الصحيحة إباحة جواز اتخاذ الصور المحرمة عند وجود الحاجة إليها ترتب المصلحة المعتبرة عليها، ومن ذلك ما صح عن الربيع بنت معوذ قالت:
"أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة، من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا الصغار منهم -إن شاء الله- ونذهب إلى المسجد ونجعل لهم اللعبة من العهن١ فنذهب بهم معنا، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناهم ذاك حتى يكون عند الإفطار وفي رواية: فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم"٢.
فقد أجازت السنة الشريفة بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن.
ومن ذلك أيضاً ما صح عن أم المؤمنين عائشة ﵂: "أنها كانت تلعب بالبنات– أي اللعب الصغيرة على صورة البنات– فكان النبي ﷺ يأتي لي بصواحبي يلعبن
стр. 336
معي"١ فقد خص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصورة، وبه جزم القاضي عياض ونقله عن الجمهور٢.
وعليه: فأرى إباحة وجواز التصوير الفوتوغرافي للحاجة الماسة إليه في الوقت الحاضر، ولتحقيقه للمصلحة العامة، فهو يحقق مصلحة دينية متمثلة في تصوير الأعمال الحربية النافعة، ومصلحة دنيوية تتمثل في تصوير من يشتبه في أمرهم، وتصوير من يحتاج إلى تحقيق شخصيتهم لئلا يشبهوا بغيرهم، كما أن المصور بالآلة الفوتوغرافية لا يفعل إلا مجرد تثبيت الصورة التي أمامه بحالها على نحو ما خلق الله سبحانه، فهو لا يحاكي الخالق بل يثبت ما أوجده الله سبحانه بنفس الهيئة والرسم، وهذا الجواز مشروط بعدم اشتمال موضع الصور على محرم كإظهار مواطن الفتنة والأنوثة في النساء بتصويرهن عاريات أو شبه عاريات أو متبرجات ونحو ذلك مما حرم شرعاً، فلا مانع من ممارسة هذا العمل والاتجار فيه بيعاً وشراء وإن الضرورات تقدر بقدرها. والله تعالى أعلم.
стр. 337
المبحث الثاني: حكم بيع الصور بأنواعها
لم أجد فيما اطلعت عليه من كتب المذاهب الأربعة نصاً على حكم بيع الصور بأنواعها المختلفة، وإنما وجدت في بعض كتب الشافعية والحنابلة نصوصاً تمنع بيع الأصنام ومن هذه النصوص:
ما جاء في مغني المحتاج: ".... أن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام وقيس بها ما في معناها"١.
فهذا نص على حرمة بيع الأصنام ومعها ما ذكر، ونص على أن ما في معناها يقاس ويخرج حكمه عليها.
وجاء في كشاف القناع: " ... ولا يصح بيع دم وخنزير وصنم"٢.
والمقرر أن الأصنام تدخل في الصور المجسمة، وعليه استخرجت من هذه النصوص حرمة بيع الصور بجميع أنواعها.
هذا فضلاً عن أن صحة البيع وصحة التصرفات الأخرى الناقلة للملكية مبني على جواز اتخاذ واقتناء واستعمال تلك الأعيان أو عدم جواز ذلك ومنعه، وقد بينا في المبحث السابق آراء الفقهاء في اتخاذ الصور:
أ- بالنسبة للصور المجسمة:
المذهب الأول: يرى حرمة الصور المجسمة، وعليه يمكن أن نخرج حرمة بيعها تبعاً وإعمالاً لما تقرر من حرمة اتخاذها، وإلى هذا ذهب كل من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
المذهب الثاني: يرى جواز صناعة الصور المجسمة واتخاذها، هذا عند بعض
стр. 338
الشافعية، وبناء عليه يجوز بيعها تبعاً لما تقرر لديهم من جواز الاتخاذ والصنعة.
والراجح: ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول المنتهي إلى حرمة بيع الصور المجسمة.
ب- بالنسبة للصور غير الممتهنة:
المذهب الأول: رأى كراهية اتخاذ وصناعة الصور غير الممتهنة، وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية وبناءً عليه فإن بيع هذه الصور يكون مكروهاً.
المذهب الثاني: يرى حرمة اتخاذ وصناعة الصور غير الممتهنة، وإلى هذا ذهب الشافعية والحنابلة وبناءً عليه فإن بيع هذه الصور يكون محرماً.
والراجح: هو حرمة بيع مثل هذه الصور على نحو ما ذهب الشافعية والحنابلة. والله تعالى أعلم.
ج – بالنسبة للصور الممتهنة: فإنه لا مناص من سحب ما تقرر لدينا بشأن اتخاذ وصنع الصور للأشجار ونحوها، المشتبه على ما هو ممتهن بالدوس ونحوه مثل المتخذ على وسادة أو مخدة أو سجادة أو بساط أو حصير ونحو ذلك مما يتحقق معه وجه امتهان المصنوع وعدم تقديسه أو تعظيمه بصونه عن الامتهان، ولما كان المقرر أنه لا بأس من اتخاذ مثل هذه الصور على ذلك النحو، فإن الحكم هنا بشأن بيعها وتداولها وإجراء جميع التصرفات عليها مخرج على ذلك الحكم، وبالتالي فلا بأس من بيعها طالما أننا قد تفادينا تقديسها أو تعظيمها بالامتهان.
د- بالنسبة لصور غير ذي الروح:
المذهب الأول: يرى جواز اتخاذ الصور لغير ذي الروح وإلى هذا ذهب كل من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة فهو مذهب عامة الفقهاء، وعليه يخرج جواز بيع الصور المصورة عليها غير ذي الروح وفقا لما ذهب إليه الجمهور.
المذهب الثاني: يرى حرمة الصور لغير ذي الروح وهذا عند بعض العلماء خلافا للجمهور، وعليه يخرج حرمة بيع صور غير ذي الروح عندهم.
стр. 339
المذهب الثالث: يرى جواز الصور لغير ذي الروح من الشجر غير المثمر دون الشجر المثمر، وهذا ما قال به مجاهد صاحب ابن عباس، وعليه نخرج جواز بيع صور الشجر غير المثمر دون صور الشجر المثمر عنده.
والراجح: هو القول بجواز بيع صور غير ذي الروح من الشجر ونحوه مطلقاً، وهو ما قال به جمهور الفقهاء بناءً على ما ترجح هناك من قولهم بجواز ذلك النوع من التصوير. والله تعالى أعلم.
هـ- بالنسبة للصور الفوتوغرافية:
المذهب الأول: يرى جواز صناعة واتخاذ الصور الفوتوغرافية سداً لحاجة الناس إليها، وهذا ما قال به جمهور أهل العلم المعاصرين، وعليه نخرج جواز بيعها عندهم.
المذهب الثاني: يرى حرمة صناعة واتخاذ الصور الفوتوغرافية، وهذا ما ذهب إليه بعض المعاصرين.
والراجح: ما قال به أصحاب المذهب الأول من جمهور أهل العلم المعاصرين رفعاً للحرج عن الناس، وتحقيقاً لمصالحهم، وذلك بمراعاة عدم اشتمال موضوع الصورة على محرم كتقديس صاحبه تقديساً دينياً أو تعظيمه تعظيماً دنيوياً خاصة ما إذا كان المعظم من أهل الكفر والفساق١.
стр. 340
المبحث الثالث: المستثنيات
حكم لعب الأطفال وحكم بيعهن
مذهب الحنفية: القول بجواز بيع لعب الأطفال تخريجاً على قولهم بجواز صناعة الصور غير المجسمة لغير ذي الروح، فلم تنص كتبهم فيما اطلعت عليه على حكم صناعة واتخاذ لعب الأطفال وحكم بيعها١، فكان الحكم لهذه الأمور مخرجا على ما استقر لديهم من جواز صناعة واتخاذ الصور لغير ذي الروح.
مذهب المالكية: جواز بيع لعب الأطفال لتلعب بها وللتدريب على تربية الأولاد. فقد جاء في حاشية الدسوقي: " ... يستثنى من المحرم تصوير لعبة على هيئة بنت صغيرة لتلعب بها البنات الصغار فإنه جائز، ويجوز بيعهن وشرؤاهن لتدريب البنات على تربية الأولاد,.."٢. وجاء في مواهب الجليل: " ... وكلما قل الشبه قوي الجواز، لما جاء عن عائشة ﵂ أنها كانت تلعب بها بعلم رسول الله ﷺ فلا ينكر ذلك عليها، بل كان يرسل الجواري إليها، وكل ما جاز اللعب به جاز عمله وبيعه، قال ذلك أصبغ في سماعه من الجامع والله الموفق. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ كنت ألعب بالبنات في بيت رسول الله ﷺ قال النووي٣ قال القاضي عياض فيه جواز اللعب بهن، قال وهن مخصوصات من الصور المنهي عنها بهذا الحديث، ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن
стр. 341
قال وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن,.."١.
مذهب الشافعية: قالوا بجواز البيع تخريجاً على جواز صنعها استثناء من الأصل بتحريم الصور المجسمة تخريجاً على جواز اللعب وصناعة هذه اللعب واتخاذها. فقد جاء في حاشية إعانة الطالبين: " ... نعم يجوز تصوير لعب البنات،,.. وحكمته تدريبهن أمر التربية, ... "٢. وجاء في مغني المحتاج: "فائدة: يستثنى من صورة الحيوان لعب البنات، فلا تحرم,.."٣.
وهكذا يستفاد من هذه النصوص: تخريج الشافعية حكم بيع لعب البنات على حكم صناعتها واتخاذها على سبيل الاستثناء، وعدم تحريمها.
مذهب الحنابلة: يرى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عدم جواز بيع أو اتخاذ لعب الأطفال إلا إذا كانت صورة مقطوعة الرأس أو لم تكن صورة، أما اللعبة إذا كانت صورة غير مقطوعة الرأس فلا يجوز اللعب بها أو اتخاذها وبالتالي لا يجوز بيعها، أما إذا كانت صورة مقطوعة الرأس أو لم تكن صورة فقد جوز شراؤها، وهذا الحكم خرج عند الحنابلة على قولهم بشأن صناعة واتخاذ مثل هذه اللعب.
فقد جاء في المغني: " ... قال أحمد ولا بأس باللعب ما لم تكن صورة, ... "٤. وجاء في كشاف القناع: ".... ولا بأس بلعب الصغيرة بلعب غير مصورة أو مقطوع رأسها أو صورة بلا رأس، ولا بأس بشرائها نصاً,.."٥.
الموازنة: بمطالعة كتب الفقه استبان لنا أن معظم هذه الكتب فيما اطلعت عليه لم تنص صراحة على حكم بيع لعب الأطفال باستثناء بعض كتب المالكية التي صرحت بهذا وعليه فقد خُرج حكم بيع هذه اللعب عند عامة الفقهاء على حكم
стр. 342
صنعها واتخاذها وخلاصة القول في هذا الشأن مذهبان:
المذهب الأول: يرى جواز بيع لعب الأطفال، وهو منصوص مذهب المالكية وما خُرج عند الحنفية والشافعية على حكم صناعتها واتخاذها حيث جوزوا ذلك.
المذهب الثاني: يرى منع بيع لعب الأطفال إلا إذا كانت اللعبة على هيئة صورة مقطوعة الرأس، أو لم تكن صورة أصلاً، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة تخريجاًَ على قولهم بشأن صناعة واتخاذ مثل هذه اللعب للأطفال، حيث اعتبروا هذا القيد هناك.
الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول بما يأتي:
١- حديث عائشة ﵂ قالت: "قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها١ ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة، لعب، فقال:"ما هذا يا عائشة؟ " قالت: بناتي، ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع فقال: "ما هذا الذي أرى وسطهن؟ " قالت: فرس قال: "ما هذا الذي عليه؟ " قالت: جناحان قال: "فرس له جناحان؟ " قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأ يت نواجذه٢"٣.
٢- حديث عائشة ﵂ قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي فكان ﷺ إذا دخل يتقمعن٤ منه فُيسرّ بهن٥ إلى فيلعبن معي"٦.
стр. 343
٣- حديث الربيع بنت معوذ ﵂: "أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: " من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم" قالت: فكنا نصومه بعد ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار".
٤- أن لعب الأطفال تعتبر حاجة ماسة وأمراً لا بد من وجوده، وذلك من أجل تدريب البنات على تربية أولادهن في المستقبل، وتدبير شؤون بيوتهن، وكفاً لإيذائهن داخل البيت، وهذه مصلحة كبيرة تتعلق بحق الصغار والكبار.
استدل أصحاب المذهب الثاني: استدل الحنابلة فيما ذهبوا إليه من قولهم بعدم جواز بيع واتخاذ لعب الأطفال بنفس ما استدل به من قال بحرمة الصور وحرمة اتخاذها وحرمة بيعها.
واستدلوا على ما قالوه من جواز اتخاذ وبيع لعب الأطفال إذا كانت على هيئة صورة غير أنها مقطوعة الرأس أو لم تكن صورة أصلاً بنفس ما استدل به الجمهور هنا من جواز اتخاذ وبيع لعب الأطفال.
والذي يترجح لدي: هو جواز بيع لعب الأطفال وهي المصنوعة من العهن والرقاع والخرق ونحو ذلك، وأن مثل هذه اللعب تدخل السرور والبهجة على قلوب الأطفال الصغار، مما يجعلهم مرحين متفائلين في الحياة غير منقبضين على أنفسهم، وقد لمحنا هذا الفرح والسرور من لعب السيدة عائشة ﵂ ومعها الجواري. والله تعالى أعلم.
стр. 344
الفصل الثالث: بيع آلات اللهو
وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: آلات اللهو.
المبحث الثاني: النرد.
المبحث الثالث: الشطرنج.
стр. 345
تمهيد
اللهو لغة: من لهى عن الشيء لَهياً ولُهيَاناً بمعنى: سها عنه وترك ذكره، وأضرب عنه. وألهاه شغله ولها بالشيء من باب عدا: لعب به، وتلهى مثله١، ويقال: لهوت بالشيء ألهو به لهواً، وتلهيت به إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت به عن غيره٢.
فاللهو: أساسه اللعب والتشاغل والغفلة بما يتلهى به عن غيره، سواء كان ذلك الغير يتعلق بأمر الدين أو أمر الدنيا، فالإضراب والسهو عن شيء ما يعد لهواً عنه وانشغالاً وتركاً لذكره أو تذكره.
ومن هنا: كان التلهي والسهو من الإنسان بهذه الملاهي عن ذكر الله والانشغال عنه والغفلة والصد عن ذكر الله سبحانه.
وآلات اللهو: هي الأدوات التي يتهلى بها وتسمى بالملاهي،٣ كآلة اللعب المعروف قديماً بالنرد الطاولة والشطرنج، وآلات الموسيقى بكافة أنواعها المعازف كالعود٤ والقيتار٥ والناي٦
стр. 346
والطبل١ والدف٢ والطنبور٣ وغير ذلك.
بعد أن عرفنا أن اللهو يراد به السهو والغفلة ذاتهما، فهذه آلات وأدوات ووسائل ذلك التلهي والسهو والغفلة.
وقد سميت بالملاهي ومنها آلات اللعب المعروفة قديماً كالنرد والشطرنج وجميع الآلات الموسيقيه من العود والناي والقيتار والدف والطنبور والطبل ونحو ذلك من المعازف الحديث.
стр. 347
المبحث الأول: آلات اللهو
تتنوع آلات اللهو إلى نوعين: نوع يستعمل في الغناء مثل المعازف ١ والمزامير والنايات ونحوها، ونوع لا يستعمل في الغناء وإنما يتخذ في اللهو والقمار مثل النرد والشطرنج.
الغناء لغة ٢: بالكسر والمد - السماع، وقيل: هو رفع الصوت وموالاته وقيل: الغناء من الصوت ما طرب به، ويقال: غناه الشعر وغنى به وتغنى به بمعنى واحد، وغنى بالمرأة: تغزل بها، إذا ذكرها في شعره وغنى يزيد مدحه أو هجاه كتغنى به فيهما، ويراد به رفع الصوت بالشعر أو ما يقال به من الزجر على نحو مخصوص.
المطلب الأول: حكم سماع الغناء
مذهب الحنفية: اختلف فقهاء الحنفية في حكم الغناء المجرد عن الآلة أي غير المصحوب بآلة عزف، فقال بعضهم حرام مطلقاً -أي فعل الغناء-، أما الاستماع إليه فهو معصية، وقال البعض يجوز أن يتغنى الشخص لزوال الوحشة عن نفسه إذا كان وحده، أما الغناء المصحوب بالمزامير فحرام، وكذلك يحرم الاستماع إليه، ولا يجوز قصد الاستماع إلى الغناء بالمزامير، ولا الجلوس عليها، فإذا كان المستمع للغناء شخصاً يقتدى به فله أن يمنعهم ويكفهم عن الغناء إذا قدر على ذلك، وإلا فعليه أن يخرج ولا يقعد معهم، أما إذا كان المستمع للغناء شخصاً غير مقتدى به فلا يلزمه الخروج إذا ابتلي بذلك بعد أن حضر، أما إذا علم أن هنالك غناء بمزامير ودعي إليه فلا يلزمه إجابة الدعوى، فالحرمة عندهم شاملة للغناء والاستماع إليه ويدخل فيه رقص المتصوفة.
стр. 348
فقد جاء في البحر الرائق: "ومن دعي إلى وليمة وثمة لعب بها وغناء يقعد ويأكل ... يعني إذا أحدث الغناء واللعب بعد حضوره يقعد ويأكل ولا يترك ولا يخرج"١. وجاء في الفتاوى الهندية: ".... يجوز التغني لدفع الوحشة إذا كان وحده على سبيل اللهو.... السماع والقول.... في زماننا حرام لا يجوز القصد إليه والجلوس عليه وهو الغناء والمزامير...." ٢. وجاء في تبيين الحقائق: "وقال أبو حنيفة: ابتليت بهذا مرة، هذا إذا لم يكن مقتدى به، فإن كان مقتدى به ولم يقدر على منعهم يخرج ولا يقعد، لأن في ذلك شين الدين، وفتح باب المعصية على المسلمين ... وإن كان ذلك على المائدة فلا يقعد ... وإن كان هناك لعب وغناء قبل أن يحضرها فلا يحضرها، لأنه لا يلزمه إجابة الدعوة إذا كان هناك منكر ... ودلت المسألة على أن الملاهي كلها حرام حتى التغني بضرب القضيب، وكذا قول أبي حنيفة: ابتليت يدل على ذلك لأن الابتلاء يكون بالمحرم ... واختلفوا في التغني المجرد، قال بعضهم: إنه حرام مطلقاً والاستماع إليه معصية ... "٣.
وجاء في مجمع الأنهر: ".... استماع صوت الملاهي معصية، والجلوس عليها فسق؛.... والإطلاق شامل لنفس الفعل واستماعه بالفعل كرقص المتصوفة والتصفيق وضرب الأوتار والصنج والبوق ونحوها ... "٤.
فالمستفاد من نصوص مذهب الحنفية: أن الاستماع لصوت الملاهي معصية وأن الجلوس والحضور في مجالسها فسق، وأنه يجب على الإنسان ألا يحضر مجالس الغناء خاصة لو كان بالمزامير، وأنه إذا تواجد في مثل هذه المجالس عليه أن يخرج لأن في ذلك فتحاً لباب المعصية على المسلمين، وأنه إذا دعي إلى مائدة على هذا النحو لا يجب عليه تلبية الدعوة.
стр. 349
أما الغناء المجرد فقد اختلفوا فيه فقال بعضهم: إنه حرام مطلقاً والاستماع إليه معصية، وقال بعض الحنفية يجوز أن يتغنى الشخص لزوال الوحشة عن نفسه إذا كان وحده.
مذهب المالكية: الاستماع إلى الغناء مكروه بشرط ألا يكون مصحوباً بآلة عزف، وألا يكون الغناء قبيحاً، ولا يحمل على قبيح، وسواء في هذه الكراهية إذا كان الغناء بسب عرس أو صنيع أو بدونهما، وسواء في الحرمة إن تكرر الاستماع أو لم يتكرر، ويكره فعل الغناء ككراهة الاستماع.
أما الاستماع إلى الغناء القبيح أو الذي يحمل على القبيح فحرام ولو لم يكن مصحوباً بآلة العزف.
أما الغناء المصحوب بآلة عزف والاستماع إليه فحرام، سواء كان قبيحاً أو لم يكن قبيحاً، وسواء حمل على قبيح أو لم يحمل عليه، وسواء أكان بسبب عرس أو صنيع أو لم يكن بسببهما، وسواء تكرر ذلك أم لم يتكرر. فقد جاء في شرح منح الجليل: "سماع الغناء" ... وظاهره كان مع آلة أم لا؟..، وذكر ابن عبد الحكم: سماع العود جرحة ... والغناء إن كان بغير آلة فهو مكروه، أما إذا كان الغناء بآلة فإن كانت ذات أوتار كالعود والطنبور فممنوع وكذا المزمار واستظهر إلحاقه بالمحرمات ... وإن أطلق محمد في سماع العود أنه مكروه وقد يريد به التحريم ... "١.
وجاء في حاشية الدسوقي: "سماع الغناء".... مكروه إذا لم يكن بقبيح ولا حمل عليه ولا بآلة، وإلا حرم ... ولكن المعتمد كما قال شيخنا أنه متى كان بكلام قبيح، أو يحمل على قبيح، أو كان بآلة كان حراماً، سواء كان بعرس أو صنيع أو غيرهما، تكرر أم لا، فعلاً أو سماعاً، وإن لم يكن بقبيح ولم يحمل عليه ولم يكن بآلة فالكراهة، سواء كان بعرس أو صنيع أو غيرهما، تكرر أم لا، فعلاً أو سماعاً ... ولا بآلة أي كعود وقانون٢، وقوله وإلا حرم، أي وإلا بأن تخلف شرط من الشروط
стр. 350
الثلاثة كان سماعه وكذا فعله حراماً، ولو في عرس على المعتمد ... "١.
فالمستفاد من نصوص المالكية: أن الغناء المجرد مكروه بشرط أن لا يكون قبيحاً ولا يدعوا إلى قبيح، وأما إذا كان قبيحاً أو دعا إلى قبيح فيكون حراماً وأن الاستماع إليه إذا لم يكن قبيحاً ولا يدعو إلى قبيح مكروه وأن الاستماع للغناء القبيح أو الذي يدعوا إلى قبيح حرام.
أما عن الغناء المصحوب بالآلة: فهو حرام والاستماع إليه حرام هو الآخر قبيحاً كان أم غير قبيح دعا إلى قبيح أم لم يدع.
مذهب الشافعية: قالوا بأنه يكره الغناء بلا آلة، ويكره استماعه، وتشتد الكراهة إذا كان الاستماع إلى مغنية أجنبية، أو كان المغني فتاً أمرد، حتى لو سلم من خوف الفتنة من الاستماع إلى غنائهما، وحكى القاضي أبو الطيب تحريم الاستماع إلى غنائهما في هذه الحالة، أما إذا خشي الفتنة أو خافها من الاستماع إلى غناء الجارية الأجنبية والفتى الأمرد فيحرم السماع مطلقاً.
أما إذا كان الغناء مصحوباً بآلة فيحرم، وكذلك يحرم الاستماع إليه، ويحرم كذلك العزف والضرب على الآلات التي يستعملها القوم المجتمعون على شرب المحرم مثل العود والطنبور والمزمار العراقي، كما يحرم الاستماع للعزف على هذه لتسببها للطرب، ولا يكره سماع الغناء في غير قصد إذا لم يكن مصحوباً بآلة.
فقد جاء في مغني المحتاج: "ويكره الغناء بلا آلة ويكره سماعه" والمراد استماعه ... أما مع الآلة فحرامان واستماعه بلا آلة في الأجنبية أشد كراهة، فإن خيف من استماعه منها أو من أمرد فتنة فحرام قطعاً، ... ويحرم استعمال أو اتخاذ آلة من شعار "الشّربة" ... واستعمال الآلة هو الضرب بها كالطنبور وعود وصنج ومزمار عراقي، ويحرم استماعها أي الآلة المذكورة لأنه يطرب"٢.
стр. 351
وجاء في روضة الطالبين: "غناء الإنسان قد يقع بمجرد صوته، وقد يقع بآلة، أما القسم الأول فمكروه وسماعه مكروه ... فإن كان سماعه من أجنبية فأشد كراهة وحكى القاضي أبو الطيب تحريمه ... فإن كان في السماع منها خوف فتنة فحرام بلا خلاف، وكذا السماع من صبي يخاف منه الفتنة ... "١.
وجاء في نهاية المحتاج: " ... ويكره الغناء بلا آلة وسماعه" يعني استماعه لا مجرد سماعه من غير قصد ... ويحرم استعمال آلة من شعار الشربة كطنبور وعود وصنج ومزمار عراقي واستماعها"٢.
فالمستفاد من نصوص مذهب الشافعية: أن الغناء المجرد مكروه، وأن هذه الكراهة تشتد إذا كانت المغنية أجنبية أو كان المغني فتاً أمرد حتى ولو سلم الفتنة، وأن الاستماع إلى الغناء المجرد مكروه، وأن الكراهة تشتد إذا كان المغني فتاً أمرد أو أجنبية إذا لم يخش الفتنة، وأن هذا الاستماع يحرم إذا خشي الفتنة من سماع غناء الأجنبية أو الأمرد، وأنه لا كراهة إذا كان الاستماع من غير قصد، أما بالنسبة للغناء المصحوب بالآلة فهو حرام، وكذا الاستماع إليه.
مذهب الحنابلة: اختلف فقهاء الحنابلة في حكم فعل الغناء والاستماع إليه، فروى عن الإمام أحمد أنه قال إن ذلك لا يعجبه، لأنه ينبت النفاق في القلب، وذهب بعضهم إلى أن فعل الغناء والاستماع إليه محرم، وذهب أبو بكر والخلال٣ إلى إباحة فعل الغناء والاستماع إليه مع الكراهة في ذلك. وقيل إن الغناء إذا لم يكن مصحوباً بآلة فمكروه، ويكره الاستماع إليه، أما إذا كان الغناء مصحوباً بآلة فيحرم، ويحرم الاستماع إليه، أما ضرب الأوتار والنايات والمزامير فحرام، ومن داوم على فعل ذلك
стр. 352
أو الاستماع إليه ترد شهادته.
فقد جاء في كشاف القناع: "ويكره سماع الغناء والنوح بلا آلة لهو من عود وطنبور ونحوها، ويحرم معها - أي آلة اللهو- سماع الغناء"١. وجاء في المغني: "فصل في الملاهي" وهي ثلاثة أضرب "محرم" وهو ضرب الأوتار والنايات والمزامير والعود والطنبور والمعزفة والرباب ونحوها، فمن أدام استماعها ردت شهادته ... "٢. وجاء في الكافي: "وهي نوعان: محرم: وهي الآلات المطربة من غير غناء كالمزمار، وسواء كان من عود أو قصب كالشبابة، أو غيره كالطنبور، والعود والمعزفة ... قال أحمد ﵁: لا يعجبني الغناء لأنه ينبت النفاق في القلب، وقال: من خلف ولداً يتيماً له جارية مغنية تباع ساذجة، واختلف أصحابنا فيه، فذهب طائفة إلى تحريمه، وذهب أبو بكر والخلال إلى إباحته مع الكراهة، وهو قول القاضي"٣.
فالمستفاد من نصوص مذهب الحنابلة: أنه بالنسبة للغناء المجرد عن الأله فالأصل في المذهب أن يكون مكروها، وكذا الاستماع إليه يكون مكروها، وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه لا يعجبه الغناء والاستماع إليه، وفي المذهب قول بأن هذا الغناء محرم، وكذا الاستماع إليه محرم هو الآخر، وقال أبو بكر والخلال من الحنابلة إنه مباح مع الكراهة، ومقصده فعل الغناء المجرد والاستماع إليه.
أما بالنسبة للغناء المصحوب بالآلة: فهو حرام وكذا الاستماع إليه.
الموازنة:
أولاً: بالنسبة لسماع الغناء المجرد بمراجعة نصوص الفقهاء في هذا الشأن نجد أن:
الحنفية: يرون أن فعل الغناء حرام مطلقاً، وأن الاستماع إليه معصية، وإن كان بعضهم يرى أنه يجوز أن يتغنى الشخص لزوال الوحشة عن نفسه بشرط أن يكون وحده.
стр. 353
المالكية: يرون أن فعل الغناء المجرد مكروه بشرط أن لا يكون قبيحاً ولا يدعو إلى قبيح، وكذا الاستماع إليه على هذا النحو يكون مكروهاً، فإن كان قبيحا أو يدعو إلى قبيح كان فعله حراماً وكذا الاستماع إليه.
الشافعية: يرون أن الغناء المجرد مكروه وكذا الاستماع إليه، وأن هذه الكراهة تشتد إذا كانت المغنية أجنبية أو كان المغني فتاً أمرد، وأن الاستماع إلى المغنية الأجنبية أو إلى الفتى الأمرد يكون حراماً إذا خشي الفتنة، وأنه لا كراهة إذا كان الاستماع من غير قصد.
الحنابلة: يرون أن فعل الغناء المجرد والاستماع إليه مكروه، وذكر في المذهب قول بأن هذا الغناء محرم وكذا الاستماع إليه، وروي عن الإمام أحمد أنه لا يعجبه الغناء والاستماع إليه وقال أبو بكر والخلال إنه مباح مع الكراهة.
وخلاصة القول في حكم الغناء المجرد والاستماع إليه:
المذهب الأول: يرى أن فعل الغناء المجرد وكذا الاستماع إليه محرم شرعاً وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية إن كان الغناء قبيحاً أو يدعو إلى قبيح، والشافعية إذا كان فعل الغناء والاستماع إليه من أجنبية أو فتى أمرد إذا خشي الفتنة، وهو قول لدى الحنابلة.
المذهب الثاني: يرى أن فعل الغناء المجرد وكذا الاستماع إليه مكروه شرعاً وإلى هذا ذهب المالكية إذا لم يكن الغناء قبيحاً ولا يدعو إلى قبيح، وهو مذهب الشافعية ما لم يكن من مغنية أجنبية أو فتى أمرد، وهو مذهب الحنابلة.
المذهب الثالث: يرى إباحة الغناء المجرد وذلك عند بعض الحنفية إذا كان الشخص وحده ولا يكون على سبيل اللهو وكان ذلك بقصد زوال الوحشة، وهو قول لأبي بكر والخلال غير أن هذا مع الكراهة وأن الاستماع من غير قصد لا يكون مكروهاً وهذا يستفاد منه القول بإباحته وهو قول لدى الشافعية.
стр. 354
الأدلة: أ - استدل أصحاب المذهب الأول على حرمة سماع الغناء المجرد بما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١.
أن لهو الحديث الذي ورد في هذه الآية فسر بالغناء وأشباهه فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ﴿مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: نزلت في الغناء وأشباهه"٢.
وقال عبد الله بن مسعود وقد سئل عن هذه الآية: "هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات"٣ وبمثل قولهما قال جابر وعكرمة والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد.
وقال الحسن البصري "نزلت في الغناء والمزامير"٤.
٢- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ ٥.
أن اللغو في هذه الآية عام، وهو في اللغة الباطل من الكلام الذي لا فائدة فيه، والآية خارجة مخرج المدح لمن يعرض عن اللغو، ولا يخالط أهله ٦.
٣- روى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامه الباهلي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل تعليم المغنيات، ولا شراؤهن، ولا بيعهن، ولا اتخاذهن؛ وثمنهن حرام، وقد أنزل الله ذلك في كتابه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، والذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته بالغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما
стр. 355
صدره وظهره حتى يسكت" ١.
٤- بما روي عن عبد الرحمن بن غنم٢ قال: حدثني أبو مالك الأشعري٣ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير" ٤.
٥- بما روي عن عقبة بن عامر٥ ﵁ أن النبي ﷺ قال: " كل شيء يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن من الحق" ٦.
٦- أن الغناء يخرج الإنسان عن الاعتدال، ويغير العقل وبيان هذا: أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صمته من غيره، من تحريك رأسه وتصفيق يديه