← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7571

البيوع المحرمة والمنهي عنها

عبد الناصر بن خضر ميلاد

Полный текст (506 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وجاء في روضة الطالبين: "غناء الإنسان قد يقع بمجرد صوته، وقد يقع بآلة، أما القسم الأول فمكروه وسماعه مكروه ... فإن كان سماعه من أجنبية فأشد كراهة وحكى القاضي أبو الطيب تحريمه ... فإن كان في السماع منها خوف فتنة فحرام بلا خلاف، وكذا السماع من صبي يخاف منه الفتنة ... "١. وجاء في نهاية المحتاج: " ... ويكره الغناء بلا آلة وسماعه" يعني استماعه لا مجرد سماعه من غير قصد ... ويحرم استعمال آلة من شعار الشربة كطنبور وعود وصنج ومزمار عراقي واستماعها"٢. فالمستفاد من نصوص مذهب الشافعية: أن الغناء المجرد مكروه، وأن هذه الكراهة تشتد إذا كانت المغنية أجنبية أو كان المغني فتاً أمرد حتى ولو سلم الفتنة، وأن الاستماع إلى الغناء المجرد مكروه، وأن الكراهة تشتد إذا كان المغني فتاً أمرد أو أجنبية إذا لم يخش الفتنة، وأن هذا الاستماع يحرم إذا خشي الفتنة من سماع غناء الأجنبية أو الأمرد، وأنه لا كراهة إذا كان الاستماع من غير قصد، أما بالنسبة للغناء المصحوب بالآلة فهو حرام، وكذا الاستماع إليه. مذهب الحنابلة: اختلف فقهاء الحنابلة في حكم فعل الغناء والاستماع إليه، فروى عن الإمام أحمد أنه قال إن ذلك لا يعجبه، لأنه ينبت النفاق في القلب، وذهب بعضهم إلى أن فعل الغناء والاستماع إليه محرم، وذهب أبو بكر والخلال٣ إلى إباحة فعل الغناء والاستماع إليه مع الكراهة في ذلك. وقيل إن الغناء إذا لم يكن مصحوباً بآلة فمكروه، ويكره الاستماع إليه، أما إذا كان الغناء مصحوباً بآلة فيحرم، ويحرم الاستماع إليه، أما ضرب الأوتار والنايات والمزامير فحرام، ومن داوم على فعل ذلك

стр. 352

أو الاستماع إليه ترد شهادته. فقد جاء في كشاف القناع: "ويكره سماع الغناء والنوح بلا آلة لهو من عود وطنبور ونحوها، ويحرم معها - أي آلة اللهو- سماع الغناء"١. وجاء في المغني: "فصل في الملاهي" وهي ثلاثة أضرب "محرم" وهو ضرب الأوتار والنايات والمزامير والعود والطنبور والمعزفة والرباب ونحوها، فمن أدام استماعها ردت شهادته ... "٢. وجاء في الكافي: "وهي نوعان: محرم: وهي الآلات المطربة من غير غناء كالمزمار، وسواء كان من عود أو قصب كالشبابة، أو غيره كالطنبور، والعود والمعزفة ... قال أحمد ﵁: لا يعجبني الغناء لأنه ينبت النفاق في القلب، وقال: من خلف ولداً يتيماً له جارية مغنية تباع ساذجة، واختلف أصحابنا فيه، فذهب طائفة إلى تحريمه، وذهب أبو بكر والخلال إلى إباحته مع الكراهة، وهو قول القاضي"٣. فالمستفاد من نصوص مذهب الحنابلة: أنه بالنسبة للغناء المجرد عن الأله فالأصل في المذهب أن يكون مكروها، وكذا الاستماع إليه يكون مكروها، وقد روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه لا يعجبه الغناء والاستماع إليه، وفي المذهب قول بأن هذا الغناء محرم، وكذا الاستماع إليه محرم هو الآخر، وقال أبو بكر والخلال من الحنابلة إنه مباح مع الكراهة، ومقصده فعل الغناء المجرد والاستماع إليه. أما بالنسبة للغناء المصحوب بالآلة: فهو حرام وكذا الاستماع إليه. الموازنة: أولاً: بالنسبة لسماع الغناء المجرد بمراجعة نصوص الفقهاء في هذا الشأن نجد أن: الحنفية: يرون أن فعل الغناء حرام مطلقاً، وأن الاستماع إليه معصية، وإن كان بعضهم يرى أنه يجوز أن يتغنى الشخص لزوال الوحشة عن نفسه بشرط أن يكون وحده.

стр. 353

المالكية: يرون أن فعل الغناء المجرد مكروه بشرط أن لا يكون قبيحاً ولا يدعو إلى قبيح، وكذا الاستماع إليه على هذا النحو يكون مكروهاً، فإن كان قبيحا أو يدعو إلى قبيح كان فعله حراماً وكذا الاستماع إليه. الشافعية: يرون أن الغناء المجرد مكروه وكذا الاستماع إليه، وأن هذه الكراهة تشتد إذا كانت المغنية أجنبية أو كان المغني فتاً أمرد، وأن الاستماع إلى المغنية الأجنبية أو إلى الفتى الأمرد يكون حراماً إذا خشي الفتنة، وأنه لا كراهة إذا كان الاستماع من غير قصد. الحنابلة: يرون أن فعل الغناء المجرد والاستماع إليه مكروه، وذكر في المذهب قول بأن هذا الغناء محرم وكذا الاستماع إليه، وروي عن الإمام أحمد أنه لا يعجبه الغناء والاستماع إليه وقال أبو بكر والخلال إنه مباح مع الكراهة. وخلاصة القول في حكم الغناء المجرد والاستماع إليه: المذهب الأول: يرى أن فعل الغناء المجرد وكذا الاستماع إليه محرم شرعاً وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية إن كان الغناء قبيحاً أو يدعو إلى قبيح، والشافعية إذا كان فعل الغناء والاستماع إليه من أجنبية أو فتى أمرد إذا خشي الفتنة، وهو قول لدى الحنابلة. المذهب الثاني: يرى أن فعل الغناء المجرد وكذا الاستماع إليه مكروه شرعاً وإلى هذا ذهب المالكية إذا لم يكن الغناء قبيحاً ولا يدعو إلى قبيح، وهو مذهب الشافعية ما لم يكن من مغنية أجنبية أو فتى أمرد، وهو مذهب الحنابلة. المذهب الثالث: يرى إباحة الغناء المجرد وذلك عند بعض الحنفية إذا كان الشخص وحده ولا يكون على سبيل اللهو وكان ذلك بقصد زوال الوحشة، وهو قول لأبي بكر والخلال غير أن هذا مع الكراهة وأن الاستماع من غير قصد لا يكون مكروهاً وهذا يستفاد منه القول بإباحته وهو قول لدى الشافعية.

стр. 354

الأدلة: أ - استدل أصحاب المذهب الأول على حرمة سماع الغناء المجرد بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١. أن لهو الحديث الذي ورد في هذه الآية فسر بالغناء وأشباهه فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ﴿مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: نزلت في الغناء وأشباهه"٢. وقال عبد الله بن مسعود وقد سئل عن هذه الآية: "هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات"٣ وبمثل قولهما قال جابر وعكرمة والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد. وقال الحسن البصري "نزلت في الغناء والمزامير"٤. ٢- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ ٥. أن اللغو في هذه الآية عام، وهو في اللغة الباطل من الكلام الذي لا فائدة فيه، والآية خارجة مخرج المدح لمن يعرض عن اللغو، ولا يخالط أهله ٦. ٣- روى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامه الباهلي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل تعليم المغنيات، ولا شراؤهن، ولا بيعهن، ولا اتخاذهن؛ وثمنهن حرام، وقد أنزل الله ذلك في كتابه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، والذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته بالغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما

стр. 355

صدره وظهره حتى يسكت" ١. ٤- بما روي عن عبد الرحمن بن غنم٢ قال: حدثني أبو مالك الأشعري٣ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير" ٤. ٥- بما روي عن عقبة بن عامر٥ ﵁ أن النبي ﷺ قال: " كل شيء يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن من الحق" ٦. ٦- أن الغناء يخرج الإنسان عن الاعتدال، ويغير العقل وبيان هذا: أن الإنسان إذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صمته من غيره، من تحريك رأسه وتصفيق يديه

стр. 356

ودق الأرض برجليه إلى غير ذلك مما يفعله أصحاب العقول السخيفة، والغناء يوجب ذلك، بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل، فينبغي أن يقع المنع منه" ١. ب - واستدل أصحاب المذهب الثاني القائلون بكراهة سماع الغناء المجرد: ١- بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢. أن لهو الحديث في الآية الكريمة يراد به الغناء على ما فسره ابن عباس وابن مسعود وجابر وغيرهم، ولذا فإن من اتخذ الغناء سبيلاً إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله، واتخذ سبيل الله هزواً يستهزي بها استحق العذاب الدائم يوم القيامة، باستهانته بآيات الله وسبيله، إلا أنهم حملوا النكير في الآية على من يتخذ الغناء وسيلة للإضلال عن سبيل الله – على الكراهة وليس الحرمة٣. ٢- ما روى عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل" ٤. أن الغناء يكون سبباً لحصول النفاق في قلب من يغني ومن يستمع، وذلك لأنه يورث فاعله المنكر كارتكابه أمراً تحمله على أن يظهر خلاف ما يبطن، والنفاق محرم، ومقتضى هذا أن يحرم الغناء، لأنه سبب لحصول النفاق، إلا أن ما ورد في هذا الحديث من ذم الغناء محمول على الكراهة، فلا يحرم لورود أخبار تصرفه عن الحرمة إلى الكراهة ومن هذه الأخبار ما يلي: روي أن النبي ﷺ مر بجارية لحسان بن ثابت وهي تغني فتقول: هل علي

стр. 357

ويحكما ... إن لهوت من حرج، فقال النبي ﷺ : "لا حرج إن شاء الله" ١ فلم ينكر رسول الله ﷺ على هذه الجارية ترنمها بهذا البيت، ولو كان محرماً لزجرها عن ذلك، وإنما أجاب عن تساؤلها بأنه لا حرج عليها إن لهت. ج- استدل أصحاب المذهب الثالث والقائلون بإباحة استماع الغناء المجرد: ١- قول الحق تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ٢. أن الطيبات في الآية الكريمة جمع، عرف بـ"أل"، فيشمل كل طيب، والطيب يطلق بإزاء المستلذ، ومنه ما يستلذ سماعه من الأصوات، وهذا هو الأكثر المتبادر إلى الفهم عند التجرد عن القرائن كما يطلق بإزاء الطاهر والحلال، وصيغة العموم كلية تتناول كل فرد من أفراد العام، فتدخل في أفراد المعاني الثلاثة كلها، ولو قصر العام على بعض أفراده لكان قصره على المتبادر هو الظاهر، وقد صرح ابن عبد السلام في دلائل الأحكام بأن المراد "بالطيبات" في الآية المستلذات٣. ٢- بما روى عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: "دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني، وقال: أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ؟ فقال له رسول الله ﷺ : "دعهما" ٤. ٣- بما روي عن عمر ﵁ أنه قال: "الغناء زاد الراكب"٥.

стр. 358

والذي يترجح لدي: هو القول بحرمة سماع الغناء خاصة وأن ابن عباس ﵁ وهو ترجمان القرآن قد فسر لهو الحديث في الآية الكريمة التي تمسك بها أنصار هذا المذهب فسره بأنه الغناء، وقال ابن العربي: إن أصح ما قيل: إنه الباطل ولا يضر في هذا ما قاله ابن قتيبة من أن تفسيرها بالغناء خطأ١، لأن الثابت عن الصحابة والتابعين أنه يقصد به الغناء. والله تعالى أعلم. ثانياً: أما بالنسبة للغناء المصحوب بالآلات الموسيقية والاستماع إليه: فبمراجعة نصوص الفقهاء في هذا الشأن نجد أن: الحنفية: يرون حرمة الغناء المصحوب بالآلة، وقالوا بأنه معصية وفسق وكذا الاستماع إليه، وأن المرء لا تجب عليه إجابة الدعوة لمثل هذه المجالس، لأن في ذلك فتحاً لباب المعصية على المسلمين. المالكية: يرون حرمة الغناء المصحوب بالآلة، وكذا حرمة الاستماع إليه. الشافعية: يرون حرمة الغناء المصحوب بالآلة، وكذا حرمة الاستماع إليه. الحنابلة: يرون هم الآخرون حرمة الغناء المصحوب بالآلة، وكذا الاستماع إليه. وهكذا: نجد أن عامة الفقهاء يرون حرمة الغناء المصحوب بالآلة، وأن الاستماع إليه محرم تبعاً لهذا، وقد وجدنا الحنفية يعتبرون الاستماع لصوت الملاهي معصية، وأن الجلوس والحضور في مجالسها فسق، حتى إنهم قالوا بأنه يجب على الإنسان ألا يحضر مجالس الغناء وإن حضر عليه الخروج وإن دعي لا تجب عليه الإجابة. فالإجماع حاصل بين الفقهاء على حرمة الغناء المصحوب بالآلة وكذا الاستماع إليه. هذا وقد دعم الجمهور ما ذهبوا إليه بهذه الأدلة: ما روي عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليشربن أناس من أمتي الخمر

стр. 359

يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير" ١. وما روي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة وخمش وجه وشق جيب ورنة شيطان" ٢ وما روي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير وتبعث على أحياء من أحيائهم ريح فتنسفهم كما نسف من كان قبلهم باستحلالهم الخمر، وضربهم بالدفوف، واتخاذهم القينات" ٣.

стр. 360

المطلب الثاني: حكم بيع آلات اللهو مذهب الحنفية: يرى الإمام أبو حنيفة ﵀ جواز بيع هذه الآلات مع الكراهة، وقد خالفه في هذا أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، بأن بيع هذه الآلات لا ينعقد أصلاً، لأنها آلات معدة للتلهي بها، موضوعة للفسق والفساد، فلا تكون أموالاً، فلا يجوز بيعها. فقد جاء في بدائع الصنائع: ".... يجوز بيع آلات الملاهي من البربط والطبل والمزمار والدف ونحو ذلك عند أبي حنيفة، لكنه يكره، وعند أبي يوسف ومحمد لا ينعقد بيع هذه الأشياء، لأنها آلات معدة للتلهي بها موضوعة للفسق والفساد، فلا تكون أموالاً، فلا يجوز بيعها، ولأبي حنيفة ﵀ أنه يمكن الانتفاع بها شرعاً من جهة أخرى بأن تجعل ظروفاً لأشياء ونحو ذلك من المصالح فلا تخرج عن كونها أموالاً، وقولهما إنها آلات التلهي والفسق بها، قلنا: نعم هذا لا يوجب سقوط ماليتها كالمغنيات والقيان وبدن

стр. 361

الفاسق وحياته وماله، وهذا لأنها كما تصلح للتلهي تصلح لغيره على ماليتها بجهة إطلاق الانتفاع بها لا بجهة الحرمة، ولو كسرها إنسان ضمن عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما لا يضمن"١. ويستفاد من هذا: أن بيع آلات الملاهي جائز مع الكراهة عند أبي حنيفة، للانتفاع بها شرعاً على نحو خاص، وأنها بهذا تحتفظ بماليتها، خلافاً لأبي يوسف ومحمد حيث قالا بعدم انعقاد البيع أصلاً، وذلك لأنها آلات معدة للتلهي بها، وهذا فسق وفساد ينفي ماليتها، فلا يجوز بيعها شرعاً. وقد ترتب على هذا الخلاف في مذهب الحنفية بين الإمام وصاحبيه ضمان كسرها عنده، وعدم ضمان ذلك عند الصاحبين. مذهب المالكية: عدم صحة بيع آلات اللهو كالمعازف والمزامير وغيرها. فقد جاء في مواهب الجليل: "ومن اشترى من آلة اللهو شيئاً كالبوق وغيره فسخ البيع وأدب أهله، ... لا يجوز بيع الحر والخنْزير والقرد والخمر والدم والميتة والنجاسة ومالا منفعة فيه كخشاش الأرض والحيات والكلاب غير المأذون في اتخاذها وتراب الصواغين وآلة الملاهي"٢. وجاء في الشرح الكبير: "وبيع نرد وطنبور ومزمار ونحوها من جميع آلات الملاهي مسقط للشهادة"٣. فمذهب المالكية: النص على فساد البيع وفسخه، وذلك لعدم جوازه شرعاً حيث إنه معدود لديهم مع بيع الخمر والخنزير ونحو ذلك، وقالوا بأن بيع النرد والطنبور والمزمار من جميع آلات الملاهي يسقط الشهادة لفساد ذلك البيع. مذهب الشافعية: عدم صحة بيع آلات اللهو لعدم إمكان النفع بها شرعاً، حيث اشترطوا في المبيع لصحة البيع كونه منتفعاً به على وجه يجيزه الشرع، وأن بعض الشافعية يرون أنه يصح بيع آلة اللهو إن عد رضاضها مالاً بخلاف أصلها.

стр. 362

فقد جاء في فتح الوهاب بشرح المنهاج: "ولا بيع آلة لهو محرمة كطنبور ومزمار، وإن تمول رضاضها أي مكسرها إذ لا نفع بها شرعاً، ولا يقدح فيه نفع متوقع برضاضها لأنها بهيئتها لا يقصد منها غير المعصية"١. وجاء في مغني المحتاج: "الثاني: النفع فلا يصح بيع الحشرات وكل سبع لا ينفع ولا حبتي الحنطة ونحوها وآلة اللهو، وقيل يصح في الآلة إن عد رضاضها مالاً"٢. وجاء في الحاوي الكبير: "فأما الملاهي كالطنبور والعود والدف والمزمار، فإن أمكن الانتفاع بها إذا فصلت جاز بيعها وكذلك اللعب.... لكن يكره بيع ذلك قبل تفصيله لبقاء المعصية فيه فإن بيع على حاله جاز ... "٣ وجاء في روضة الطالبين: "آلات الملاهي: كالمزمار والطنبور وغيرهما، إن كانت بحيث لا تعد بعد الرض والحل مالاً، لم يصح بيعها لأن منفعتها معدومة شرعاً، وإن كان رضاضها يعدّ مالاً ففي صحة بيعها ... وجهان! الصحيح: المنع. وتوسط الإمام فذكر الإمام وجهاً ثالثاً اختاره هو والغزالي: أنه إن اتخذت من جوهر نفيس، صح بيعها، وإن اتخذت من خشب ونحوه، فلا، والمذهب: المنع المطلق، وبه أجاب عامة الأصحاب"٤. فأصل مذهب الشافعية: عدم صحة بيع آلات اللهو، وذلك لعدم إمكان الانتفاع بها شرعاً أي على نحو ما يجيزه الشرع. فقد نصت كتب الشافعية على أن ما عليه المذهب – عندهم – هو عدم صحة بيع هذه الآلات من مزمار وطنبور ونحوهما حتى ولو كان رضاضها يصدق عليه أنه مال، وذلك على الصحيح في المذهب بالنسبة لهذه الرضاض، وإن كان هناك وجه ضعيف في المذهب يرى صحة بيع هذه الرضاض لإمكان الانتفاع بها، ولاعتبار عنصر المالية بشأنها. وهناك وجه ثالث في الرضاض ذكره الإمام واختاره هو والغزالي وهو أنه إذ كانت الرضاض متخذة من جوهر نفيس

стр. 363

فإن بيعها يكون صحيحاً، وإن كانت من غير ذلك كأن كانت من خشب مثلاً ونحوه فلا يصح بيعها، غير أن الصحيح بالنسبة لهذه الرضاض كما قلت المنع وعدم صحة البيع كأصل هذه الآلات، وقد نص على هذا صاحب فتح الوهاب حيث قال: ولا يقدح فيه نفع متوقع برضاضها لأنها بهيئتها لا يقصد منها غير المعصية، وذكر صاحب الروضة أن المذهب هو المنع المطلق، وقال وبه أجاب عامة الأصحاب. مذهب الحنابلة: عدم صحة بيع آلات اللهو. فقد جاء في كشاف القناع: "ولا يصح بيع آلة اللهو كمزمار وطنبور"١. وجاء في حاشية ابن القاسم على الروض المربع: "ولا يصح بيع آلة لهو، كمزمار وطنبور.... لأنه لا نفع فيها"٢. فمذهب الحنابلة: النص على عدم صحة بيع آلات اللهو مثل المزمار والطنبور وذلك لعدم إمكان النفع بها خاصة وان هذا شرط مهم في عقد البيع عندهم. الموازنة: بالمقارنة بين ما ذكره الفقهاء بشأن بيع آلات اللهو كالمزامير والمعازف ونحوها يتضح الآتي: أن الخلاف حاصل بين الحنفية بهذا الخصوص: أ – يرى الإمام أبو حنيفة أن بيع آلات الملاهي جائز مع الكراهة معللا هذا بإمكان الانتفاع بها على نحو خاص فضلا عن ماليتها، وعلى هذا فإنه يضُمنّ من كسرها. ب – يرى الصاحبان أبو يوسف ومحمد رحمهما الله عدم انعقاد بيعها أصلاً باعتبار أنها معدة للهو والفسق، وأن هذا ينفي ماليتها وعلى هذا فلا يضمن من أتلفها. المالكية على أن بيع آلات الملاهي ممنوع، وأنه مسقط للشهادة، ونصوا على فساد ذلك البيع وفسخه لعدم جوازه شرعاً.

стр. 364

عند الشافعية يمنع بيع أصل آلات اللهو على الصحيح عندهم، وإن اختلفوا بالنسبة لبيع رضاضها: أ – أن رضاض آلات اللهو ممنوع بيعه وإن كان هذا الرضاض يصدق عليه أنه مال، وهذا تمشياً مع صحيح المذهب بالنسبة للآلات ذاتها من حيث عدم صحة بيعها. ب – أنه يمكن بيع هذا الرضاض لامكان الانتفاع به ولاعتبار ماليته، وهذا وجه ضعيف في مذهب الشافعية. ج- أنه إذا كان الرضاض متخذا من جوهر نفيس صح بيعه، وإلا فلا يصح، هذا البيع وهذا المذهب ذكره الإمام واختاره ووافقه على هذا الإمام الغزالي. أما الحنابلة فيرون عدم صحة بيع آلات اللهو لعدم إمكان الانتفاع بها. وعلى هذا: فأقوال الفقهاء بشأن بيع آلات اللهو تتلخص في مذهبين: على سبيل الإجمال وذلك لأن المانعين من البيع قد تعددت عباراتهم: فمنهم من عبر عن هذا بعدم الانعقاد وذلك على نحو ما فعل أبو يوسف ومحمد من الحنفية، ومنهم من عبر بالمنع كما نص المالكية. ومنهم من عبر عن هذا بعدم الصحة كما هو منهج كل من الشافعية والحنابلة، وإن كان عدم الانعقاد عند أبي يوسف ومحمد يعني الفساد، والمنع عند المالكية يعني عدم الانعقاد، والكل ينتهي إلى عدم الصحة، ولهذا اعتبرت هذه الاتجاهات جميعها مذهباً واحداً عبّرت عنه بالمنع، وذلك في مقابل المذهب الآخر المجوز للبيع مع الكراهة على نحو ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة. المذهب الأول: يرى منع بيع آلات اللهو كالمزامير والمعازف، وهو ما ذهب إليه المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة. أما المذهب الثاني: فيرى جواز بيع آلات اللهو مع الكراهة، وهو ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، إلا أننا نجد أن الشافعية قد انفردوا ببيان حكم بيع رضاض آلات اللهو على مذاهب:

стр. 365

أ – أن رضاض آلات اللهو ممنوع بيعه وإن كان هذا الرضاض يصدق عليه أنه مال، وهذا تمشياً مع صحيح المذهب بالنسبة للآلات ذاتها من حيث عدم صحة بيعها. ب – أنه يمكن بيع هذا الرضاض لامكان الانتفاع به ولاعتبار ماليته، وهذا وجه ضعيف في مذهب الشافعية. ج- أنه إذا كان الرضاض متخذا من جوهر نفيس صح بيعه، وإلا فلا يصح، هذا البيع وهذا المذهب ذكره الإمام واختاره ووافقه على هذا الإمام الغزالي. الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول القائلون بعدم صحة بيع آلات اللهو بما يأتي: ١- ما رواه أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله بعثني هدى ورحمة للمؤمنين، وأمرني بمحق المعازف والمزامير، لا يحل بيعهن، ولا شراؤهن، ولا تعليمهن، ولا التجارة فيهن، وثمنهن حرام" ١. ٢- ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، وذكر منها ظهور القينات٢، والمعازف وشربت الخمور" ٣. ٣- ما روي عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: "في هذه الأمة خسف٤ ومسخ٥ وقذف٦ فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهر

стр. 366

القينات والمعازف، وشربت الخمور" ١. فظاهر هذا الحديث ترتيب هذه المهلكات المشار إليها وهي الخسف والمسخ والقذف على ظهور الأشياء المذكورة في الحديث، وهي القينات والمعازف وشرب الخمر، لأن هذا الترتيب يفيد تحريمها، وذلك لأن العقاب لا يكون إلا على فعل المحرم أو ترك الواجب. ٤- ما روي عن عبد الرحمن بن غنم أنه قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر٢، والحرير، والخمر، والمعازف" ٣. حيث أخبر النبي ﷺ أنه سيكون من أمته من يستحل المحرمات ومنها المعازف، مراده الآلات المعدة للهو، فدل الحديث على حرمة سماع صوت المعازف، وبالتالي حرمة بيعها تبعاً لذلك. واستدل من قال بجواز بيع المعازف وغيرها من آلات اللهو بما يأتي: ١- قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ٤. فإن الآية الكريمة دلت بعمومها على إباحة جميع البيوع، إلا ما نص على تحريمه وجاء به دليل خاص فيعمل به، ولم يأت نص يحرم بيع آلات اللهو فيكون بيعها مباحاً استناداً إلي عموم الآية. اعتراض على هذا الاستدلال: أن هذه الآية إن كانت تدل بعمومها على حل

стр. 367

جميع البيوع، إلا أن عمومها مخصوص بما حرم بيعه من كل ما يؤدي إلى الربا أو الغرر ونحوهما، فيخص عمومها كذلك بحرمة بيع آلات اللهو، وذلك لورود الحديث الشريف الذي يأمر بمحوها وإزالتها. ٢- بأنها أموال متقومة، وأنه بهذا يقوم ركن البيع الأساسي خاصة عند الحنفية وإمكان الانتفاع بها حيث يصح ذلك لدى صاحبها طالما كان ذلك لغير اللهو بها. والراجح في هذا: هو ما ذهب إليه القائلون بعدم صحة بيع آلات اللهو كالمعازف ونحوها، وذلك للأحاديث الواردة، فضلاً عن أن هذه الآلات ونحوها تشغل القلب وتلهي الإنسان وتصده عن ذكر الله، وأن المشغول بسماع هذه الآلات قلبه ليس عامراً بحب الله تعالى، حتى إن المالكية قالوا: إن من يبيع هذه الآلات شهادته غير معتبرة شرعاً لأن هذه معصية، أما بخصوص ما انفرد به الشافعية بالنسبة لبيع الرضاض فلا بأس ببيعها أي ببيع جواهرها وأصولها فضة كانت أو حديداً أو خشبا، ويستفاد بثمنها فيما يباح، والله تعالى أعلم. هذا: ومن الجدير بالتنبيه عليه هنا – كتفريع لهذه المسألة - هو حكم بيع الأشرطة المسجل عليها الغناء، وكذا الأفلام السينمائية، والمسلسلات، والمسرحيات، ونحو ذلك، سواء كانت هذه صوتاً وصورة، أو صوتاً فقط دون الصورة، حيث يجري ذات الخلاف لذات العلة بالنسبة للغناء المجرد، والغناء المصحوب بالآلة، وما ترجح في كل منهما، فأقول: إنه بالنسبة لبيع الأشرطة والمسجل عليها الغناء المجرد من الآلة وبدون صورة، وكذا المسلسلات والتي تعالج مسائل دينية أو اجتماعية أو تاريخية وتدعو إلى الفضيلة، فالراجح فيها جواز بيعها. بخلاف الأشرطة المسجل عليها الغناء المصحوب بالآلة، وكذا الأفلام السينمائية والمسلسلات المحتوية على الصوت والصورة، فإن الراجح فيها منع بيعها منعاً لفتح باب الرذيلة، واللهو المحرم والفساد والصد عن ذكر الله والدين. والله تعالى أعلم.

стр. 368

المبحث الثاني: النرد النرد: فارسي معرَّب وهو النرد شير١، والنرد عبارة عن قطع صغيرة من مادة العاج أو الخشب وله أوجه ستة ولكل وجه من الأوجه الستة نقاط مرتبة من الواحد إلى الستة جميعاً، وهي منقسمة بحيث يكون مجموع النقاط في وجهين متقابلين سبعة ويسمى في عرف المشارقة "بلعبة الطاولة" وفي عرف المغاربة "دادوس" ويسمى بأسماء مختلفة حسب اختلاف اللعب به٢. المطلب الأول حكم اللعب بالنرد مذهب الحنفية: القول بحرمة اللعب بالنرد. فقد جاء في مجمع الأنهر: "ويحرم اللعب بالنرد، أو الشطرنج، والأربعة عشر"٣. وجاء في البحر الرائق: "واللعب بالشطرنج والنرد، وكل لهو، يعني لا يجوز ... "٤. فمذهب الحنفية: على حرمة اللعب بالنرد وعدم جواز مباشرته. مذهب المالكية: حرمة اللعب بالنرد. فقد جاء في شرح منح الجليل: "ولم يباشر لعب نرد.... وهو آلة مربعة مخططة يلعب عليها بفصوص ويقال لها نرد شير، وتسمى في عرف مصر طاولة، فمباشر لعبها لا تقبل شهادته ولو مرة بغير قمار"٥. فمذهب المالكية: حرمة اللعب بالنرد حتى ولو كان بدون قمار وأن هذا اللعب يرد الشهادة.

стр. 369

وجاء في حاشية الخرشي: "وحكم اللعب بالنرد الحرمة...."١. وهكذا يرى المالكية حرمة اللعب بالنرد، وأن من يلعب به ترد شهادته ولا تقبل لما فيه من الفساد وأن الذي يلعب النرد ملعون شرعاً. مذهب الشافعية: القول بحرمة اللعب بالنرد، وذلك على الصحيح في المذهب، ومقابل هذا القول كراهية اللعب بالنرد، والصحيح الحرمة. فقد جاء في شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين مع حاشتي قليوبي وعميرة: "ويحرم اللعب بالنرد على الصحيح"٢. وجاء في الأم: ".... يكره من وجه الخبر اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي...."٣. وجاء في الزواجر عن اقتراب الكبائر: ".... قال عامة أصحابنا يكره اللعب بالنرد، وترد به الشهادة، والكراهة للتحريم...."٤ فمذهب الشافعية: على حرمة اللعب بالنرد، وأن هذا هو الصحيح من مذهب الشافعية وترد الشهادة، ومقابلة القول بالكراهة والكراهية للتحريم. مذهب الحنابلة: حرمة اللعب بالنرد حتى ولو كان ذلك بدون قمار، أي مع عدم العوض المشروط من الجانبين ولا من أحدهما. فقد جاء في المغني والشرح الكبير: "كل لعب فيه قمار فهو محرم أي لعب كان، وهو الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه، ... وما خلا من القمار وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين ولا من أحدهما، فمنه ما هو محرم، ومنه ما هو مباح، فأما المحرم فاللعب بالنرد ... "٥. فالمستفاد من هذا: أن اللعب بالنرد محرم شرعاً، حتى ولو لم يكن على سبيل المقامرة أي سواء كان بعوض من الجانبين أو من أحدهما، أو لم يكن كذلك، فهو محرم

стр. 370

على الإطلاق. الموازنة: بمراجعة ما قاله الفقهاء على اختلاف مذاهبهم يتضح لنا أن عامة الفقهاء وأهل العلم على أن اللعب بالنرد محرم شرعاً، سواء كان على سبيل المقامرة أو لم يكن كذلك، وأنه محرم على الإطلاق، وأن مباشرته ممنوعة، وأنها تسبب إسقاط الشهادة. وهذا هو إجماع الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وهناك قول لدى الشافعية بكراهة اللعب بالنرد. واستدل الجمهور بما يأتي: ما روي عن بريدة بن حصيب ﵁ أن رسول الله قال "من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده في دم خنْزير" ١. وما روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" ٢. وما روي عنه –أيضاً- أن النبي ﷺ قال: "من لعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله" ٣. هذا: ولم أجد دليلاً على القول في مذهب الشافعية القائل بكراهية اللعب بالنرد علماً بأن الأمام الشافعي ﵁ كثيراً ما يطلق الكراهية ويريد بها التحريم ٤. ولهذا كان الراجح: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء أن اللعب بالنرد محرم، لقوة ما استدلوا به، ولخلو القول بالكراهية عن دليل يرتكن إليه، ومما يقوي هذا الترجيح أن

стр. 371

اللعب بالنرد يؤدي إلى التخاصم والتباغض والتشاحن والفتن بدون غاية أو هدف أو نتيجة مرجوة منه سوى الشر والعواقب الوخيمة التي نهانا عنها الإسلام، فضلاً عن أنه مبني على التخمين، وفيه تضييع للوقت والعمر بدون فائدة تعود على المسلم لا في دينه ولا في دنياه والله تعالى أعلم.

стр. 372

المطلب الثاني: حكم بيع النرد مذهب الحنفية: اختلف فقهاء المذهب الحنفي بالنسبة لحكم بيع النرد ترتيباً على نفس الحكم بالنسبة للاقتناء والاتخاذ، بين الإمام أبي حنفية المجوز لهذا البيع مع الكراهة، وبين كل من أبي يوسف ومحمد بن الحسن حيث قالا بعدم إمكان انعقاد هذا البيع. فقد جاء في بدائع الصنائع: "وعلى هذا الخلاف١ بيع النرد والشطرنج والصحيح قول أبي حنيفة، لأن كل واحد منهما منتفع به شرعاً من وجه آخر بأن يجعل صنجات الميزان فكان مالاً من هذا الوجه فكان محلاً للبيع مضموناً بالإتلاف ... "٢ فمذهب الحنفية: بالنسبة لبيع النرد، فأبو حنيفة ﵀ على القول بجواز ذلك البيع مع الكراهة، خلافاً لما عليه أبو يوسف ومحمد من القول بعدم انعقاد مثل ذلك البيع، وأن كتب الحنفية مثل بدائع الصنائع قد صححت ما قال به الإمام من جواز ذلك البيع مع الكراهة.

стр. 373

مذهب المالكية: القول بأن بيع النرد محرم بناء على كون اللعب به محرماً هو الآخر، ولهذا منع بيعه وتداوله والاتجار فيه، وقد نص المذهب على منع اللعب به. فقد جاء في الشرح الكبير: ".... وبيع نرد وطنبور ومزمار ونحوها من جميع آلات الملاهي مسقط للشهادة ... "١. وهكذا نصت بعض كتب المالكية على حكم بيع النرد ونحوه من آلات الملاهي، وقالوا بأنه مسقط للشهادة، وإن كانت الكتب الأخرى لم تتعرض صراحة لحكم بيع النرد مكتفية ببيان حكم اللعب به واتخاذه وقد خرجوا حكم البيع على هذا. فالمالكية: على منع بيع النرد بناء على اعتبار اللعب به واتخاذه محرم شرعاً، وقد جاء في كتب المالكية أن بيع النرد والطنبور والمزمار ونحوها من كافة آلات الملاهي مسقط للشهادة، وهذا يستفاد منه ما تقرر في المذهب من القول بمنع بيع هذه الأشياء ومنها النرد. مذهب الشافعية: أن بيع النرد لا يصح إلا في حالة واحدة وهي ما إذا صلح لأن يكون بيادق للشطرنج، فإن بيعه لهذا الغرض يكون صحيحاً مع الكراهة كبيع الشطرنج. فقد جاء في مغني المحتاج: ".... ولا يصح بيع النرد إلا إذا صلح بيادق للشطرنج، فيصح مع الكراهة كبيع الشطرنج...."٢. مذهب الحنابلة: النص على عدم صحة بيع النرد فقد جاء في كشاف القناع: "ولا يصح بيع آلة لهو كمزمار وطنبور ومنها النرد والشطرنج"٣. فالحنابلة: يرون عدم صحة بيع النرد، وأنه في هذا شأنه شأن الشطرنج وقد نصت كتبهم على عدم صحة هذا البيع. الموازنة: من خلال مطالعة كتب الفقه المختلفة بشأن حكم بيع النرد يتضح الآتي:

стр. 374

أ – أن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وما عليه أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة يرون عدم جواز بيع النرد، على خلاف طفيف بشأن التعبير عن ذلك، فمنهم من عبر بعدم الصحة، ومنهم من عبر بعدم الجواز، ومنهم من عبر بعدم الانعقاد مثلما فعل أبو يوسف ومحمد. ب – أن الإمام أبا حنيفة ﵀ يقول بجواز بيع النرد مع الكراهة، وقد نصت كتب الحنفية كالبدائع على تصحيح هذا القول لدى الحنفية، وهو قول للشافعية إن صلح استخدامه بيادق للشطرنج. فالمسألة فيها مذهبان: الأول: يقول بمنع بيع النرد. واستدل على هذا: بأن النرد يعد ضمن آلات اللهو والفسق المحرم شرعاً، من أجل هذا كان ممنوعاً تداوله وكذا بيعه وشراؤه. وذلك سداً لما يترتب عليه من شرور وانشغال وصد الناس عن ذكر الله وعن الصلاة وما يوقعه في القلوب من البغضاء والكراهية والشحناء. الثاني: يقول بجواز بيع النرد. واستدل على هذا: بأنه مع التسليم بكونها آلة تلهي وفسق إلا أنه لا تسقط ماليتها، وهذا لأنهاكما تصلح للتلهي تصلح لغيره على ماليتها من حيث إطلاق الانتفاع بها، فقد ينتفع به كأن يجعل صنجات للميزان فكان مالاً من هذا الوجه فكان محلاً للبيع مضموناً بالإتلاف. والراجح في هذا: المذهب القائل بمنع بيع النرد وذلك لقوة ما استدلوا به، ولأن في القول بهذا دفعاً لشيوع الرذيلة والفساد وانشغال الناس عن ذكر الله، والله تعالى أعلم.

стр. 375

المبحث الثالث: الشطرنج الشطرنج: بالشين المعجمة فارسي معرب ١ مأخوذ من المشاطرة وهو المقاسمة، لأن كلا من الفريقين له شطر ما يستحقه من اللعب وهو النصيب، وقيل: هو بالسين المهملة "سطرنج" لأنه مأخوذ من التسطير أي التنظيم من التعبئة للرقعة. المطلب الأول: حكم اللعب بالشطرنج اتفق الفقهاء على تحريم الشطرنج إن كان اللعب به على وجه التقامر، واختلفوا فيما إذا تجرد عن القمار على النحو الآتي: مذهب الحنفية: القول بكراهية اللعب بالشطرنج، بشرط ألا يكون ذلك على وجه القمار مع عدم المداومة، عليه مما يؤدي إلى ترك الواجب، وإلا كان حراما ً إجماعاً، ووجه القول بالكراهة مع اعتبار هذا القيد أن من اشتغل به ذهب عناؤه الدنيوي وجاءه العناء الأخروي، وفي إباحته أعانة الشيطان على الإسلام والمسلمين. فقد جاء في البناية: "قال: ويكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكل لهو، لأنه إن قامر٢ بها فالميسر٣ حرام بالنص، وهو اسم لكل قمار وإن لم يقامر بها فهو عبث ولهو....، وقال بعض الناس: يباح اللعب بالشطرنج لما فيه من تشحيذ الخواطر وتذكية الأفهام....، ثم

стр. 376

إن قامر به تسقط عدالته، وإن لم يقامر لا تسقط لأنه متأول فيه، وكره أبو يوسف ومحمد رحمهما الله التسليم عليهم تحذيراً لهم، ولم ير أبو حنيفة ﵀ به بأساً ليشغلهم عما هم فيه.... أي بالسلام عليهم"١. فالمستفاد من نص البناية: أن اللعب بالشطرنج مكروه، لأنه إن كان على سبيل المقامرة كان ميسراً محرماً، وإن لم يكن على سبيل المقامرة كان عبثاً ولهواً، وهناك من قال بإباحة اللعب بالشطرنج بناء على أن فيه تشحيذاً وتذكية الأفهام، وأنه إذا كان قماراً فإنه يسقط عدالة من يلعب به، والمستفاد من قول أبي يوسف ومحمد بكراهية التسليم عليهم قولها بكراهية اللعب بالشطرنج، ورأى الإمام أبو حنيفة أنه لا بأس به بالتسليم عليهم ويفهم من هذا قوله بأنه لا بأس من اللعب به. وجاء في حاشية ابن عابدين: ".... أما الشطرنج فلشبهة الاختلاف٢ شرط واحد من ست، فلذا قال: أو يقامر بشطرنج، أو يترك به الصلاة حتى يفوت وقتها، أو يحلف عليه كثيراً، أو يلعب به على الطريق، أو يذكر عليه فسقاً، أو يداوم عليه"٣. وجاء في البحر الرائق: " ... ويكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر لأنها لعب اليهود ... "٤. فالمستفاد من نصوص مذهب الحنفية: على القول بكراهية اللعب بالشطرنج والنرد، وذلك لأن هذه الألعاب من فعل اليهود، ولأن هذا إن كان على وجه القمار فهو حرام، لاعتباره ميسراً على هذا النحو، وإن لم يكن على وجه القمار كان مكروها باعتبار أنه عبث وضياع للوقت واللهو عن ذكر الله سبحانه، وهناك من قال بإباحة اللعب بالشطرنج حيث إنه يؤدي إلى تذكية الأفهام وتشحيذ الخواطر.

стр. 377

مذهب المالكية: أن الشطرنج مكروه لعبه، وفي قول يجوز لعبه في الخلوة مع نظيره لا مع الأوباش. فقد جاء في المدونة: "قلت -القائل سحنون- وكان مالك يكره أن يلعب بالشطرنج قليلاً كان ذلك أو كثيراً؟ قال ابن القاسم: نعم كان يراها أشد من النرد قال: وسألت مالكاً عن هذا كله فأخبرني بما أخبرتك به...."١. وجاء في مواهب الجليل: ".... وكره مالك اللعب بها، وقال هي أشد من النرد ... إن لعبه محرم مع الأوباش على طريق حرم، وفي الخلوة مع نظائره بلا إدمان وترك مهم ولهي عن عبادة جاز، وقيل إن ألهى عن الصلاة في وقتها حرم وإلا جاز انتهى"٢. فالمستفاد من نصوص مذهب المالكية: أنه روي عن الإمام مالك كراهية اللعب بالشطرنج قليلاً كان ذلك أم كثيراً. وقيل: إنه كان يرى أن اللعب بالشطرنج أشد من النرد، علماً بأنه قد روي عنه حرمة اللعب بالنرد. وقيل لعب الشطرنج مع الأوباش حرام، وكذا يحرم لعبه على الطريق العام، وكذلك يحرم لعبه إذا ألهى عن الصلاة. وعلى هذا: فالأقوال في مذهب المالكية في حكم اللعب بالشطرنج، فالمروي عن مالك أنه مكروه، وقيل يحرم إذا لعبه مع الأوباش، أو في الطريق العام، وإذا أدى لعبة إلى اللهي عن الصلاة، وقيل: يجوز لعبه إذا كان ذلك في غير إدمان ولم يؤد إلى ترك مهم أو ألهى عن عبادة وكان مع نظير له. إلا أننا نلاحظ أنه جاء عن ابن القاسم أن مالكا يرى أنه أشد من النرد. مذهب الشافعية: كراهية الشطرنج واللعب به وذلك بشرط: ألا يخرج اللاعب الصلاة عن وقتها، فالكراهية مقيدة بهذا القيد، وإن شرط في الشطرنج مال من الجانبين فإنه يعتبر قمار، وبالتالي يكون الشطرنج حراماً بالإجماع. فقد جاء في مغني المحتاج: "ويكره الشطرنج وفرق الأول بأن الشطرنج وهو بكسر أوله وفتحه معجماً ومهملاً، وضع لصحة الفكر والتدبير فهو يعين على تدبير

стр. 378

الحروب والحساب ... فإن شرط فيه أي اللعب بالشطرنج مال من الجانبين على أن من غلب من اللاعبين فله على الآخر كذا؛ فقمار فيحرم بالإجماع ... "١. فالمستفاد من نصوص مذهب الشافعية: كراهية الشطرنج واللعب به، وأن الحكم يأخذ صفة الحرمة إذا شرط فيه مال من الجانبين بمعنى أن من غلب من اللاعبين فله على الآخر كذا لأنه قمار. مذهب الحنابلة: القول بتحريم الشطرنج واللعب به إذا شرط فيه عوض وكان مؤدياً إلى ترك واجب أو فعل محرم على القول الصحيح في المذهب. فقد جاء في الإنصاف: "فائدة: اللعب بالشطرنج حرام. على الصحيح من المذهب، ونص عليه، وعليه الأصحاب، كمع عوض، أو ترك واجب، أو فعل محرم، إجماعاً في المقيس عليه، قال في الرعاية: فإن داوم عليه فسق، وقيل: لا يحرم إذا خلا من ذلك بل يكره"٢. وجاء في المغني: "فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم...."٣. فالمستفاد من نصوص مذهب الحنابلة: القول بتحريم اللعب بالشطرنج إذا شرط فيه عوض أي مال، وكذلك إذا أدى إلى ترك واجب أو فعل محرم على القول الصحيح في المذهب وقيل: يكره إذا خلا من ذلك. الموازنة: بمراجعة نصوص كتب الفقه على اختلاف مذاهبها بشأن مسألة حكم اللعب بالشطرنج يتضح الآتي: أن الحنفية مختلفون فيما بينهم على نحو ما يلي: أ- أن اللعب بالشطرنج مكروه، وإلى هذا ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله تخريجا على قولها بكراهة التسليم على من يلعب بالشطرنج. ب – أنه لا بأس به، وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة تخريجا على أنه يرى عدم

стр. 379

البأس من التسليم عليهم بإشغالهم عليهم عما هم فيه من التلهي باللعب بالشطرنج. ج - أنه إذا كان الشطرنج على سبيل المقامرة، فإنه يكون محرماً شرعاً. د - أن اللعب بالشطرنج مباح مطلقاً أي سواء كان على سبيل المقامرة أم لا؟ أما فقهاء المالكية فقد اختلفوا في حكم اللعب بالشطرنج على هذا النحو: أ – أن اللعب بالشطرنج مكروه، وهذا ما عليه مذهب المالكية. ب – أن اللعب بالشطرنج أشد كراهة من النرد، وإلى هذا ذهب الإمام مالك. ج – أن اللعب بالشطرنج يكون محرماً، إذا كان مع الأوباش، أو ألهى عن الصلاة، وهذا ما عليه بعض فقهاء المالكية. د – أن اللعب بالشطرنج جائز، إذا كان غير مؤدٍ إلى ترك مهم، أو عبادة، وكان مع نظير لمن يلعب به، وإلى هذا ذهب البعض الآخر من المالكية. وفي مذهب الشافعية قولان بالنسبة لحكم اللعب بالشطرنج: أحدهما: أن اللعب بالشطرنج إذا كان على سبيل المقامرة، فإنه يكون محرماً شرعاً، وذلك بالإجماع، وهذا أصل المذهب الشافعي. الثاني: يرى أن اللعب بالشطرنج، مكروه، بقيود خاصة، ويفهم من هذا أن أهم هذه القيود أن لا يكون على سبيل المقامرة، وهذا ما قال به بعض الشافعية. أما الحنابلة: فعندهم رأيان في المسألة: أحدهما: أن اللعب بالشطرنج محرم، إذا كان على مال، أو أدى إلى ترك واجب أو فعل محرم. الثاني: يرى أن اللعب بالشطرنج مكروه، إذا خلا مما سبق، أي إذا لم يكن على مال- يعني بدون مقامرة، ولم يؤد إلى ترك واجب أو فعل محرم، وهذا ما قال به بعض الحنابلة. فخلاصة القول بالنسبة لحكم الشطرنج كالآتي: المذهب الأول: يرى حرمة اللعب بالشطرنج، وهذا ما عليه بعض الحنفية في حالة ما إذا كان اللعب على سبيل المقامرة، وما عليه إجماع المذهب الشافعي، إذا كان

стр. 380

على هذا النحو، وهذا ما قال به بعض المالكية، حيث وجدناهم يصرحون بحرمة اللعب بالشطرنج، إذا كان مع الأوباش أو ألهى عن الصلاة، وهو مذهب بعض الحنابلة إذا كان على مال أو أدى إلى ترك واجب أو فعل محرم. المذهب الثاني: يرى كراهية اللعب بالشطرنج، وهذا ما عليه الصاحبان أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، وهذا ما قال به المالكية في أصل مذهبهم، وهو قول عند الشافعية، طالما أنه لم يكن على سبيل المقامرة، وبه قال بعض الحنابلة إذا خلا من مسالك القول بالتحريم. المذهب الثالث: يرى جواز اللعب بالشطرنج، وإلى هذا ذهب بعض الحنفية، وبعض المالكية طالما كان اللعب به غير مؤدٍ إلى ترك مهم أو عبادة، وكان مع نظير اللاعب. هذا: وهناك أقوال أخرى بعضها قريب من بعض الآراء السابقة مع خلاف في العبارة، وعلى هذا فكل قول قريب يستدل له بما استدل لما يقرب منه، ومن هذه الأقوال: قول الإمام مالك أن الشطرنج أشد كراهة من النرد، ويستدل لهذا بنفس أدلة من قال بالكراهة. قول أبي حنيفة ﵀ أنه لا بأس به، ويستدل بأدلة من قال بالجواز. بعض الحنفية أنه مباح مطلقا سواء كان على سبيل المقامرة أم لا، ويستدل لهذين القولين بذات ما استدل به المذهب الثالث المجوز للعب بالشطرنج. الأدلة: استدل القائلون بحرمة اللعب بالشطرنج بما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ١.

стр. 381

فهذا النص الكريم يدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قماراً أو غير قمار، وذلك لأن اللهو ولو كان قليلاً فإنه يوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، ويصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراماً مثله١. ٢- أخرج أبو بكر الأثرم٢ في جامعه بسنده عن واثلة بن الأسقع٣ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن لله في كل يوم وليله ثلاثمائة وستين نظرة إلى خلقه، ليس لصاحب الشاه فيها نصيب" ٤. وفسر صاحب الشاه بلاعب الشطرنج، لأنه يقول شاه٥. ٣- عن علي ﵁ أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون"٦. ٤- وعن ابن عمر ﵁ أنه سئل عن الشطرنج فقال: "هي أشد من النرد"٧. واستدل القائلون بكراهة اللعب بالشطرنج: بأنه ليس كالنرد، بل دونه ويمنعون

стр. 382

قياسه على النرد، لأن التعويل في النرد على ما يخرجه الكعبان، فهو كالأزلام، أما التعويل في الشطرنج فهو على الفكر والتأمل، وأنه ينفع في تدبير الحرب ١ وأنه ما كره إلا لأنه لعب لليهود، ولأنه عبث ولهو، حتى في حالة عدم المقامرة المحرمة. واستدل القائلون بجواز اللعب بالشطرنج: بأنه يؤدي إلى تشحيذ الخواطر وتذكية الأفهام فضلاً عن أن هذا الجواز مقيد بكون اللعب بالشطرنج غير مؤد إلى ترك واجب أو لهو عن عبادة وطالما كان مع نظير. والذي يترجح لدي: هو القول بحرمة اللعب بالشطرنج على التفصيل الآتي: ١- إذا كان اللعب على وجه القمار. ٢- وإذا كان على غير قمار، ولكنه يفُضي إلى محرم كتأخير الصلاة، وتلفظ بكلام فاحش أو إثارة عداوة أو بغضاء أو دوام عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 383

المطلب الثاني بيع الشطرنج مذهب الحنفية: اختلف فقهاء المذهب الحنفي بشأن بيع الشطرنج وذلك على ما سبق بالنسبة لبيع آلات الملاهي كالنرد. فيرى الإمام أبو حنيفة جواز بيع الشطرنج مع الكراهة، وأن هذا هو الصحيح في المذهب الحنفي، وذلك خلافاً لما ذهب إليه كل من أبي يوسف ومحمد من أنه يمتنع بيع الشطرنج وأن هذا البيع لا ينعقد. فقد جاء في بدائع الصنائع: ".... ويجوز بيع آلات الملاهي من البربط والطبل والمزمار والدف ونحو ذلك عند أبي حنيفة، لكنه يكره، وعند أبي يوسف ومحمد لا ينعقد بيع هذه الأشياء ... ومع هذا الخلاف بيع النرد والشطرنج والصحيح قول أبي حنيفة ﵁"٢. فالمستفاد من هذا النص: أن الإمام أبا حنيفة صحح بيع آلات اللهو والشطرنج

стр. 384

والنرد مع الكراهة، أما صاحبا الإمام أبو يوسف ومحمد فيريان عدم انعقاد بيع هذه الأشياء، والصحيح هو قول الإمام. مذهب المالكية: القول بأن بيع الشطرنج ممنوع، باعتبار أن بيع النرد عندهم كذلك، فمن باب أولى بيع الشطرنج، وقد نص الإمام مالك على أن كراهية اللعب بالشطرنج أشد كراهة من اللعب بالنرد، وبيع النرد ممنوع، فمن باب أولى منع بيع الشطرنج فضلاً عن كونه من آلات اللهو التي نص على عدم صحة بيعها. فقد جاء في الشرح الكبير: ".... وبيع النرد وطنبور ومزمار ونحوها من جميع آلات الملاهي مسقط للشهادة...."١. مذهب الشافعية: لم أجد نصاً صريحاً في كتب الشافعية فيما اطلعت عليه يعالج مسألة بيع الشطرنج سوى ما أشار إليه صاحب مغني المحتاج، والذي يفيد أن بيع الشطرنج صحيح مع الكراهة، فقد ورد فيه وهو يتحدث عن بيع النرد قوله: ".... ولا يصح بيع النرد إلا إن صلح بيادق للشطرنج فيصح مع الكراهة كبيع الشطرنج...."٢. مذهب الحنابلة: القول بعدم صحة بيع الشطرنج، وقد نصت كتبهم على هذا صراحة، وذكروا أنه في هذا شأنه شأن النرد وجميع آلات اللهو كالمزمار والطنبور ونحوهما. فقد جاء في كشاف القناع: "ولا يصح بيع آلة لهو كمزمار وطنبور ومنها النرد والشطرنج"٣. الموازنة: بمراجعة ما ذكره الفقهاء بشأن حكم بيع الشطرنج يتضح لنا ما يلي: أن ما عليه مذهب الحنفية: هو أن بيع الشطرنج جائز مع الكراهة، خلافاً لما قال به الصاحبان أبو يوسف ومحمد من أن بيع الشطرنج لا ينعقد أصلاً.

стр. 385

أن المالكية: يرون منع بيع الشطرنج باعتبار أن بيع النرد ممنوع، ولما كان الإمام مالك قد اعتبر أن لعب الشطرنج أشد كراهة من لعب النرد فكأن الشطرنج أولى بمنع بيعه من النرد. أن الشافعية: يرون صحة بيع الشطرنج مع الكراهة. أن الحنابلة: يرون عدم صحة بيع الشطرنج. وبناء عليه: فالمذاهب في حكم بيع الشطرنج تنتهي إلى مذهبين: المذهب الأول: يرى منع بيع الشطرنج، وهذا ما عليه الحنابلة والمالكية، وهو مذهب كل من أبي يوسف ومحمد من الحنفية، حيث إنهما يريان عدم انعقاد البيع، وهذا القول يترتب عليه بطلان البيع. المذهب الثاني: يرى صحة بيع الشطرنج مع الكراهة، وهذا ما عليه الإمام أبو حنيفة وما عليه الشافعية. الأدلة: استدل كل فريق على ما ذهب إليه بنفس ما استدل به بشأن بيع آلات الملاهي –عامة- على نحو ما سبق بيانه في حينه، وقد تم سحب هذه الأدلة على حكم بيع النرد، وكذا هنا على حكم بيع الشطرنج، فالأدلة هي هي، ووجه تعليل كل قول ومنهجه في عرض استدلاله يسري هنا حيث لا فرق. والذي يترجح لدي: هو القول بمنع بيع آلة الشطرنج، لأن هذا هو الأحوط والأسلم في الدين، والله تعالى أعلم. وبالنسبة لما سوى النرد والشطرنج من الألعاب الملهية المنتشرة في زماننا، فورق اللعب المعروف "بالكوتشينة" تنعدم فيه المقاصد الشرعية من الترويح والترفيه، فلا توجد بها مهارة جهادية، ولا خبرة علمية، ولا فائدة اجتماعية، ولا استراحة نفسية تهدأ فيها الأعصاب وترتاح بها النفوس، وهي لعبة مجردة من كل خير، بل فيها محض هرج، وجدل، وقتل وقت، ترتكز على التخمين، فشابهت النرد، وتفضي إلى الخصام والشجار فشابهت الخمر والقمار.

стр. 386

وقد أفتى بهذا فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين١ ﵀ من الفقهاء المعاصرين بالمملكة العربية السعودية وذلك بناءً على إفضائها إلى العداوة والبغضاء، والإلهاء الشديد والصد عن ذكر الله، وضياع الأوقات وتفويتها في غير طاعة الله٢. وبناءً على هذا: فإن الكوتشينة حرام في تناولها باللعب والبيع، لأنها تعتمد على ما يقع في يد اللاعب من ورق أو صور معينة فأساسها الحرز والتخمين. فلينتبه المسلمون إلى هذا الخطر العظيم حيث إنها منتشرة في المقاهي والبيوت، وتباع في كثير من المحلات، وإذا رغب الإنسان في الترويح عن نفسه فهناك الكثير من المباحات الكثيرة والبعيدة والآمنة من الفتن كجلسات السمر البريئة من الكذب والخداع مع الأهل والأصدقاء وغير ذلك، ولو تأمل الإنسان المسلم لوجد حاجته وتسليته بعيداً عما يغضب الله تعالى، وهو سبحانه أعلم.

стр. 387

الفصل الرابع: بيع المخدرات والمفترات وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالمخدرات والمفترات. المبحث الثاني: حكم بيع المخدرات. المبحث الثالث: حكم بيع المفترات.

стр. 388

المبحث الأول: التعريف بالمخدرات والمفترات المخدرات: جمع مخدر، وهو مأخوذ من الخدر، وهو الضعف والكسل والفتور والاسترخاء، فيقال: تخدر العضو إذا استرخى فلا يطيق الحركة أي فتر١. والمخدر اسم فاعل من خدر، ومصدره التخدير، ٢ ولفظة "خدر" تطلق على معان عدة، فهي تطلق على الفتر والكسل الذي يعتري الشارب في ابتداء سكره، وعلى الستر الذي يمد للجارية في ناحية البيت، وعلى فتور العين وثقلها من قذى ونحوه٣. وعلى هذا: فالمخدر من خدر، وهذه المادة على اختلاف اشتقاقاتها تتفق على معنى واحد وهو الاسترخاء والفتور المترتب عليه كل من الضعف والكسل. ومن هذا: أن أهل اللغة يطلقون هذه المادة وما اشتق منها على كل من الفتر

стр. 389

والكسل وعلى الستر، وقالوا إن منها فتور العين وثقلها من قذى ونحو ذلك. المخدرات في عرف الفقهاء: عرفها الإمام القرافي ﵀ فقال: "هي ما غيب العقل والحواس دون أن يصحب ذلك نشوة أو سرور" ١. وعرفها ابن حجر الهيتمي٢ فقال: "ما يترتب عليه تغطية العقل لامع الشدة المطربة"٣. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية أن: "التخدير تغشية العقل من غيره شدة مطربة"٤. فمن الفقهاء من اصطلح على ذلك بعبارة التغييب، مثلما فعل الإمام القرافي، ومنهم من عبر بلفظ التغطية على نحو ما ذهب إليه ابن حجر الهيتمي في حين أن البعض الآخر اختار في التعبير عن ذلك لفظ "التغشية" وذلك على نحو ما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية. وبالنظر في هذه الاتجاهات نجد أن التعبير بالتغطية أو التغشية يحقق المعنى الكامل للتأثير على العقل، وهذا قريب جداً من عبارة الإمام القرافي بالتغييب غير أن التعبير الأخير أقرب وأولى من سابقيه. هذا: ويتضح من خلال النظر في هذه التعاريف أنها متفقة كذلك على أن التخدير قائم على عدم تحقق الشدة المطربة أو الباعثة على السرور والبهجة والانتشاء وذلك ليختلف التخدير عن مزيل العقل مع الشدة والطرب والسرور والانتشاء وهو الخمر. ولعل التعريف المحقق لهذه المعاني: ما ورد مستقراً عليه رأي الموسوعة الفقهية

стр. 390

الكويتية من أن التخدير تغشية العقل من غير شدة مطربة. هذا وتتنوع المواد المخدرة بحسب اعتبارات مختلفة: فمنها ما كان بحسب حقيقتها: مثل الأفيون١ والحشيش٢ والقات٣ والمورفين٤ والهرويين٥
следующие страницы →