وقد أفتى بهذا فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين١ ﵀ من الفقهاء المعاصرين بالمملكة العربية السعودية وذلك بناءً على إفضائها إلى العداوة والبغضاء، والإلهاء الشديد والصد عن ذكر الله، وضياع الأوقات وتفويتها في غير طاعة الله٢.
وبناءً على هذا: فإن الكوتشينة حرام في تناولها باللعب والبيع، لأنها تعتمد على ما يقع في يد اللاعب من ورق أو صور معينة فأساسها الحرز والتخمين.
فلينتبه المسلمون إلى هذا الخطر العظيم حيث إنها منتشرة في المقاهي والبيوت، وتباع في كثير من المحلات، وإذا رغب الإنسان في الترويح عن نفسه فهناك الكثير من المباحات الكثيرة والبعيدة والآمنة من الفتن كجلسات السمر البريئة من الكذب والخداع مع الأهل والأصدقاء وغير ذلك، ولو تأمل الإنسان المسلم لوجد حاجته وتسليته بعيداً عما يغضب الله تعالى، وهو سبحانه أعلم.
стр. 387
الفصل الرابع: بيع المخدرات والمفترات
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالمخدرات والمفترات.
المبحث الثاني: حكم بيع المخدرات.
المبحث الثالث: حكم بيع المفترات.
стр. 388
المبحث الأول: التعريف بالمخدرات والمفترات
المخدرات: جمع مخدر، وهو مأخوذ من الخدر، وهو الضعف والكسل والفتور والاسترخاء، فيقال: تخدر العضو إذا استرخى فلا يطيق الحركة أي فتر١.
والمخدر اسم فاعل من خدر، ومصدره التخدير، ٢ ولفظة "خدر" تطلق على معان عدة، فهي تطلق على الفتر والكسل الذي يعتري الشارب في ابتداء سكره، وعلى الستر الذي يمد للجارية في ناحية البيت، وعلى فتور العين وثقلها من قذى ونحوه٣.
وعلى هذا: فالمخدر من خدر، وهذه المادة على اختلاف اشتقاقاتها تتفق على معنى واحد وهو الاسترخاء والفتور المترتب عليه كل من الضعف والكسل.
ومن هذا: أن أهل اللغة يطلقون هذه المادة وما اشتق منها على كل من الفتر
стр. 389
والكسل وعلى الستر، وقالوا إن منها فتور العين وثقلها من قذى ونحو ذلك.
المخدرات في عرف الفقهاء:
عرفها الإمام القرافي ﵀ فقال: "هي ما غيب العقل والحواس دون أن يصحب ذلك نشوة أو سرور" ١. وعرفها ابن حجر الهيتمي٢ فقال: "ما يترتب عليه تغطية العقل لامع الشدة المطربة"٣. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية أن: "التخدير تغشية العقل من غيره شدة مطربة"٤.
فمن الفقهاء من اصطلح على ذلك بعبارة التغييب، مثلما فعل الإمام القرافي، ومنهم من عبر بلفظ التغطية على نحو ما ذهب إليه ابن حجر الهيتمي في حين أن البعض الآخر اختار في التعبير عن ذلك لفظ "التغشية" وذلك على نحو ما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية.
وبالنظر في هذه الاتجاهات نجد أن التعبير بالتغطية أو التغشية يحقق المعنى الكامل للتأثير على العقل، وهذا قريب جداً من عبارة الإمام القرافي بالتغييب غير أن التعبير الأخير أقرب وأولى من سابقيه.
هذا: ويتضح من خلال النظر في هذه التعاريف أنها متفقة كذلك على أن التخدير قائم على عدم تحقق الشدة المطربة أو الباعثة على السرور والبهجة والانتشاء وذلك ليختلف التخدير عن مزيل العقل مع الشدة والطرب والسرور والانتشاء وهو الخمر.
ولعل التعريف المحقق لهذه المعاني: ما ورد مستقراً عليه رأي الموسوعة الفقهية
стр. 390
الكويتية من أن التخدير تغشية العقل من غير شدة مطربة.
هذا وتتنوع المواد المخدرة بحسب اعتبارات مختلفة: فمنها ما كان بحسب حقيقتها: مثل الأفيون١ والحشيش٢ والقات٣ والمورفين٤ والهرويين٥
стр. 391
والكوكائين١ ونحوها ومنها ما كان بحسب لونها فمنه الأبيض كالكوكائين والمورفين، ومنه الأسود كالأفيون والحشيش.
وذكر العلماء أن جميع ما يسكر ويذهب العقل سواء كان من السوائل المائعات مثل الخمر وغيرها من المشروبات المسكرة، أو من الجامدات مثل الحشيش والأفيون والخشخاش ونحو ذلك، فإن كل هذا يندرج تحت المواد المخدرة والمذهبة للعقل، وقد أدرجها الفقهاء على اختلاف العصور تحت حكم الخمر في الحرمة٢.
وذهب جمهور الفقهاء إلى حرمة تناول المخدرات، ولو كانت لا تحدث الشدة المطربة التي لا ينفك عنها المسكر المائع، وكذلك يحرم مطلقاً ما يخدر من الأشياء الجامدة المضرة بالعقل أو غيره من أعضاء الجسد، ويحرم تناول البنج والحشيشة والأفيون في غير حالة التداوي، لأن ذلك مفسد للعقل، لكن تحريم ذلك ليس لعينه بل لنتائجه، ويحرم القدر المسكر المؤذي من جوزة الطيب فإنها مخدرة لكن حرمتها دون حرمة الحشيش وقد حكى القرافي وابن تيمية: ومن استحلها فقد كفر وإنما لم
стр. 392
تتكلم فيها الأئمة الأربعة ﵃ لأنها لم تكن في زمنهم١.
أما المفتر في عرف أهل اللغة: هو الذي يحدث الفتر في الجسم إذا شرب، إذ تكون منه حرارة في الجسم وانكسار في الأطراف مع الضعف والاسترخاء.
والفترة: الانكسار والضعف: يقال: فتر جسمه: إذا لانت مفاصله وضعف، ويقال: للشيخ قد علته كبرة وعدته فترة٢.
فالمفتر عند أهل اللغة: ما يترتب على تناول ما يؤثر في العقل من سكر ونحوه، فالفتر هو الضعف والانكسار ولين المفاصل والأطراف مع الضعف والاسترخاء. فالأعضاء والمفاصل والأطراف وغيرها من مكونات الجسم الأساسية يشوبها الضعف والكسل والانكسار ونحو ذلك من كل ما يؤثر في هذه الأعضاء بعدم إمكانها من القيام بمهامها.
والمفتر في عرف الفقهاء: اختلفت عبارات الفقهاء بشأن تعريف المفتر، غير أن المعنى يكاد يكون متقارباً:
فقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: "أن المفتر شأنه أن يضعف الأعضاء ويلين الجسم بشدة ويسكن حدته"٣. وجاء في نهاية المحتاج: "إن المفتر هو الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور وضعف وانكسار"٤. وجاء في معالم السنن: "بأنه كل شراب يورث الفتور والرخاوة في الأعضاء والخدر في الأطراف وهو مقدمة السكر"٥. وفي عون المعبود: "بأنه ما يحدث استرخاء الأطراف وصيرورتها إلى وهن
стр. 393
وانكسار وإن لم ينته إلى حد الإسكار"١.
فالمفتر في اصطلاح الفقهاء: هو كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف، وذلك كأثر لتناول الحشيش الذي يسكر ويخدر ويفتر ويلحق بالحشيش الأفيون، وكل ما من شانه أن يترتب على تناوله نفس الآثار والنتائج مع اختلاف مسمياتها، وذلك لأن عبارات الفقهاء تدور في مجملها حول هذه المعاني.
فالفتور والرخاوة في الأعضاء والخدر في الأطراف والاسترخاء والوهن والانكسار، كل هذه المعاني هي المناط في تحقيق الفتور طالما أنه لم يحدث الإسكار باعتبار أن ذلك الفتور يعد مقدمة للإسكار ولم يصل إلى حده.
فالتعاريف متفقة في معناها، وإن اختلفت اختلافاً طفيفاً في التعبير عن هذا المعنى، وهذا الاختلاف في اللفظ والعبارة فقط، ولا أثر له طالما أن الاتفاق حاصل بالنسبة للمعنى المراد للفقهاء.
هذا: والمخدرات والمفترات يتفرع حكمها من حيث التناول وكذا البيع وخلافه على حكم الخمر، فالمخدرات ترتبط بالخمر بعلة التحريم وهي الإسكار، وما يترتب على تعاطيها من ضرر بإذهاب العقل وإفساده كما هو الحال في تناول الخمر، وترتبط كذلك بالخمر في كونها نجسة على قول من قال بهذا حيث جرى الخلاف بين العلماء بشأن نجاسة المخدرات، حيث عرض ابن تيمية في فتاويه لهذا الخلاف قائلاً: تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال: في مذهب أحمد وغيره: فقيل: هي نجسة كالخمر المشروبة وهذا هو الاعتبار الصحيح، وقيل: لا لجمودها وقيل: يفرق بين جامدها ومائعها وبكل حال فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظاً ومعنى٢.
وفي موضع آخر من الفتاوى قال: "وتنازعوا في نجاستها على ثلاثة أوجه في مذهب أحمد وغيره فقيل: هي نجسة وقيل: ليست بنجسة وقيل: رطبها نجس كالخمر
стр. 394
ويابسها ليس بنجس والصحيح أن النجاسة تتناول الجميع كما تتناول النجاسة جامد الخمر ومائعها"١.
وفي موضع آخر قال: وتنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال أحدها: أنها ليست نجسة، والثاني أن مائعها نجس، وأن جامدها طاهر، والثالث وهو الصحيح أنها نجسة كالخمر فهي تشبه العذرة وذلك يشبه البول وكلاهما من الخبائث التي حرمها الله ورسوله، ومن ظهر منه أكل الحشيشة فهو بمنْزلة من ظهر منه شرب الخمر وشر منه من بعض الوجوه، ويهجر ويعاقب على ذلك كما يعاقب هذا للوعيد الوارد في الخمر ... "٢. وجاء في زاد المعاد: "أن الخمر يدخل فيها كل مسكر مائعاً كان أو جامداً، عصيراً أو مطبوخاً فيدخل فيه عصير العنب ... واللقمة الملعونة لقمة الفسق والقلب ... "٣. وجاء في حاشية قليوبي على شرح المحلي على منهاج الطالبين: "البنج ونحوه من كل ما فيه تخدير وتغطية للعقل فهو طاهر وإن حرم تناوله"٤. وفي مغني المحتاج: ".... وخرج به البنج ونحوه من الحشيش المسكر فإنه ليس بنجس وإن كان حراماً...."٥.
فالمخدرات الجامدة كلها طاهرة غير نجسة وإن حرم تعاطيها، ولا تعتبر نجسة بمجرد إذابتها في الماء، ولو قصد شربها، لأنهم يرون أن الحكم الفقهي أن نجاسة المسكرات مخصوصة بالمائعات منها وهي الخمر التي سميت رجساً في القرآن الكريم وما يلحق بها من سائر المسكرات المائعة حتى إن ابن دقيق العيد قد حكى الإجماع على طهارة المخدرات، في حين أن بعض الحنابلة قد رجح الحكم بنجاسة هذه المخدرات الجامدة، وذكر الإمام بدر الدين الزركشي أن ما ادعاه ابن دقيق العيد من الإجماع فيه نظر لما ذكره القرافي من أنه سمع من
стр. 395
الأفواه في نجاسة الحشيش قولين١.
وإن كان الفقهاء اختلفوا في طهارة المخدرات ونجاستها إلا أنهم أجمعوا على تحريم تعاطيها.
стр. 396
المبحث الثاني: حكم بيع المخدرات
إن المقرر لدى فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم، تحريم المخدرات تحريماً قاطعاً قياساً على تحريم الخمر، لاتحادهما في علة التحريم وهي الإسكار، والمراد بالإسكار هنا هو تغطية العقل لا مع الشدة المطربة، لأنها من خصوصيات المسكر المائع، فضلاً عن الأضرار الفردية والجماعية التي لا تخفى على أحد، لما فيها من ضرر، وقد قال النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ١.
قال المناوي: "فيه تحريم سائر أنواع الضرر، وأنه لا يخرج عن هذا إلا بدليل، لأن النكرة في سياق النفي تعم"٢.
فتحريم المخدرات ومنع بيعها، يأتي بالتخريج على حكم الخمر المحرمة شرعاً عند من لم ينص صراحة على تحريمها باعتبارها من الأمور المستحدثة، فالفقهاء قد خرجوا حكم بيع المخدرات على حكم بيع الخمر أو للنص على تحريم المخدرات كما هو الحال عند الشافعية:
فقد ورد في مغني المحتاج: ".... وخرج به البنج ونحوه من الحشيش المسكر، فإنه ليس بنجس وإن كان حراماً...."٣.
وفي حاشية قليوبي على شرح المحلي على منهاج الطالبين: "البنج ونحوه من كل
стр. 397
ما فيه من تخدير وتغطية للعقل، فهو طاهر وإن حرم تناوله"١.
مذهب الحنفية: أنه لا يحل بيع الحشيشة، ويحرم أكلها لقيام المعصية بعينها، لأنها مفسدة للعقل، وتلهي عن ذكر الله سبحانه.
فقد جاء في حاشية ابن عابدين: " ... قلت: وقد سئل ابن نجيم٢ عن بيع الحشيشة هل يجوز؟ فكتب لا يجوز، فيحمل على أن مراده بعدم الجواز عدم الحل.... أي لقيام المعصية بعينها.... ويحرم أكل البنج والحشيشة" ٣. وفي بدائع الصنائع: "ويجوز بيع ما سوى الخمر من الأشربة المحرمة كالسكر ونقيع الزبيب والمنصف ونحوها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز، لأنه إذا حرم شربها لم تكن مالاً، فلا تكون محلاً للبيع كالخمر، ولأن ما حرم شربه لا يجوز بيعه ... "٤.
فالمستفاد من نص البدائع: هو أن الإمام أبا حنيفة يرى جواز بيع جميع الأشربة المحرمة غير الخمر كالسكر ونقيع العنب والمنصف، لأنها غير نجسة العين كالخمر، وخالفه في ذلك الصاحبان أبو يوسف ومحمد من الحنفية حيث إنهما يريان عدم صحة بيع هذه الأشربة المحرمة لأن تحريمها يقتضي نجاستها وعدم ماليتها، لأن ما حرم شربه لا يصح بيعه.
مذهب المالكية: القول بجواز بيع الأفيون والبنج والجوزه ونحوها، والظاهر أن يقال فيها ما قال ابن رشد في المذر٥ على أساس حرمة أكلها، فإذا كان هناك فائدة
стр. 398
غير الأكل جاز بيعها لمن يصرفها في غير الأكل، ويؤمن من بيعه لمن يأكله ويسري حكم جواز البيع على سائر المعاجين المغيبة للعقل لمن لا يستعمل منها القدر المغيب للعقل ويؤمن أن يبيعها لمن يستعملها في تغيب العقل، وإلاّ كان بيعها ممنوعاً على نحو ما ذكره الخرشي وقال إنه المذهب.
فقد جاء في مواهب الجليل: ".... جواز بيع هذه الأشياء من الأفيون والبنج والجوزه ونحوها ولم أر فيه نصاً صريحاً، والظاهر أن يقال في ذلك كما قال ابن رشد في المذر على القول بحرمة أكله إن كان فيه منفعة غير الأكل جاز بيعه ممن يصرفه في غير الأكل، ويؤمن أن يبيعه ممن يأكله، وكذلك يقال في هذه الأشياء في سائر المعاجين المغيبة للعقل، يجوز بيع ذلك لمن لا يستعمل منه القدر المغيب للعقل، ويؤمن أن يبيعه ممن يستعمل ذلك، والله أعلم ... "١.
وجاء في حاشية الخرشي: " ... قال الحطاب٢ جواز بيع هذه الأشياء من الأفيون والبنج والجوزه ونحوه ولم أر فيه نصاً صريحاً، والظاهر أن يقال في ذلك يجوز بيعه لمن لا يستعمل منه القدر المغيب للعقل ويؤمن أن يبيعه من يستعمل ذلك ... "٣.
فمذهب المالكية: أن بيع الأفيون والبنج والمخدر جائز، وبهذا قال بعض المالكية كالحطاب، وقال: لم أر فيه نصاً صريحاً غير أن الخرشي المالكي يرى أن الظاهر في المذهب هو جواز البيع لمن لا يستعمل من هذه الأشياء القدر المغيب للعقل ويؤمن ذلك منه، بمعنى التأكد من أنه لا يبيع منه شيئاً لمن يستعمله في القدر المغيب للعقل، وعلى هذا فإن لم يتحقق هذا الاحتياط فإن البيع يكون ممنوعاً.
مذهب الشافعية: لم تنص كتب الشافعية فيما اطلعت عليه على حكم بيع
стр. 399
المخدرات وما في حكمها، فقد اقتصرت هذه الكتب على بيان حكم المخدرات من حيث التناول والعقوبة المقررة لمن يتناولها وأن هذا الحكم قيس على حكم تناول الخمر.
وعلى هذا فمن الممكن تخريج حكم بيع المخدرات على حكم بيع الخمر، ولما كان بيع الخمر ممنوعاً عند الشافعية لنجاستها ولحرمة شربها كانت المخدرات هي الأخرى كذلك فيشملها المنع فلا يجوز بيعها لتحقق ذات العلة، وهي حرمة التناول والتعاطي على خلاف في كونها نجسة أم لا؟.
فقد جاء في المجموع: ".... وأما ما يزيل العقل من غير الأشربة كالبنج وهذه الحشيشة المعروفة فحكمه حكم الخمر في التحريم، ووجوب قضاء الصلوات، ويجب فيه التعزير دون الحد.... لا يحل أكل ما فيه ضرر من الطاهرات كالسم القاتل والزجاج والتراب الذي يؤذي البدن ... قال الروياني١: النبات الذي يسكر وليس فيه شدة مطربة يحرم أكله، ولا حد على أكله...."٢.
وجاء في مغني المحتاج: ".... كل شراب أسكر كثيره حرم قليله وحد شاربه ... والمراد بالشارب المتعاطي شراباً ... وخرج بالشراب النبات قال الدميري٣: كالحشيشة التي تأكلها الحرافيش، ونقل الشيخان في باب الأطعمة.... أن أكلها حرام ولا حد فيها.... يحرم تناول ما يضر البدن أو العقل ... كالأفيون وهو لبن
стр. 400
الخشخاش لأن ذلك مضر وربما يقتل"١.
وفي إعانة الطالبين: " ... كل شراب أسكر كثيره من خمر وغيرها حرم قليله وكثيره ... وخرج بالشراب ما حرم من الجامدات فلا حد فيها وإن حرمت وأسكرت. بل التعزير ككثير البنج والحشيشة والأفيون ... وعلق قائلاً ... إن العلماء قد ذكروا في مضار الحشيشة نحو مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية ... "٢.
وجاء في نهاية المحتاج: ".... وخرج بالشرب ما حرم من الجامدات كالبنج والأفيون وكثير الزعفران والجوزة والحشيش" ٣.
وهكذا: فقد قاس الشافعية حكم المخدرات على حكم الخمر، وقالوا بعدم جواز بيعها تبعاً لهذا، خاصة وأن كتب الفقه الشافعي لم تتحدث صراحة عن حكم بيع المخدرات مما جعلنا نخّرج الحكم على أمرين:
أحدهما: القياس على الخمر، لتحقق ذات العلة في هذا القياس وهي الحرمة، لأن ما أسكر كثيره فقليله حرام.
أما الثاني: فهو النص في كتب الشافعية على حكم تناول المخدرات بأنواعها، حيث تقرر حرمة ذلك لإفسادها للعقل والإضرار به، والواقع أنه لا إشكال، فالشافعية بالنسبة للتناول نصوا عليه، أما بالنسبة للبيع فقد خرجوا الحكم على حكم التناول.
وتجدر ملاحظة أن بعض نصوص الشافعية في هذا الشأن فرقت بين المخدرات التي تشرب، وبين غير المشروبة كالبنج والأفيون ونحوهما، من حيث حكم الكثير والقليل، ومن حيث العقوبة. فقالوا إنه بالنسبة للجامدات من المخدرات، فرغم أنها محرمة، غير أنها لا تستوجب الحد كالخمر وإنما يكتفي فيها بالتعزير فقط.
стр. 401
وعلى هذا فكثير الشراب المحرم وقليله ممنوع وفيه الحد، بخلاف الجامدات كالبنج والأفيون والزعفران والجوزة والحشيش، فإنها مشمولة بحكم التحريم كالخمر، ومنع البيع والتداول، إلاّ أنه من حيث العقوبة المقررة، فإنها تقف عند التعزير دون الحد.
مذهب الحنابلة: لم تذكر كتب الحنابلة فيما اطلعت عليه حكم بيع المخدرات، وما في حكمها، واكتفت بذكر العقوبة على من يتناولها، وأنها أخبث من الخمر من ناحية أنها تفسد العقل وتؤدي إلى التخنث والدياثة ونحو ذلك، كما أن بعض الكتب مثل كشاف القناع نصت على عدم إباحة أكل الحشيشة المسكرة، حيث إنه لا يباح كل ما فيه مضرة من السموم وغيرها.
وعليه: فحكم بيع المخدرات وما في حكمها مخرج على حكم بيع الخمر الذي قال الحنابلة بعدم جواز بيعها، فكذلك يكون حكم بيع المخدرات وما في حكمها على ذات الحكم فقد جاء في مجموع الفتاوى: "والحشيشة المصنوعة من ورق القنب أيضاً – يجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة"١. وجاء في المغني: " ... فأما إن شرب البنج ونحوه مما يزيل عقله عالما بمعصية فأشبه السكران"٢. وفي كشاف القناع: ".... ولا يباح أكل الحشيشة المسكرة.... ولا يباح كل ما فيه مضرة من السموم وغيرها"٣.
فمذهب الحنابلة: القول بعدم صحة بيع المخدرات قياساً على الخمر، رغم أنهم لم يصرحوا بحكم بيع هذه الأشياء، مما استلزمنا عرض النصوص الواردة بحكم التناول لنخرج عليها حكم البيع، وحيث جاء في النصوص الواردة تحريم التناول للحشيشة وما في حكمها لأنها تفسد العقل وتضر بالإنسان، كان بيعها كذلك ممنوعاً لذات
стр. 402
السبب تخريجاً على حكم بيع الخمر لذات وجه التعليل فيها، وعلى قول من قال بنجاسة المخدرات كابن تيمية ومن وافقه على نحو ما سبق بيانه١.
الموازنة: بمراجعة ما قاله العلماء بشأن بيع المخدرات بكافة أنواعها يتضح الآتي:
أن الحنفية مختلفون في هذا، حيث جوز الإمام أبو حنيفة بيع جميع الأشربة غير الخمر، وخالفه في هذا الصاحبان أبو يوسف ومحمد حيث منعا بيعها على أساس عدم ماليتها بسبب تحريمها، وقالا ما حرم شربه حرم بيعه، فالمخدرات عندهما محكومة بهذا المنع.
أن المالكية مختلفون بشأن بيع المخدرات مما هو سوى الخمر، فبعضهم يرى جواز بيع البنج والأفيون ونحوهما، وعلى هذا الحطاب من المالكية، في حين أن الخرشي يرى هذا الجواز بشرط التأكد أن البيع لمن لم يستعمل هذه الأشياء في القدر المغيب للعقل، وإلا كان البيع ممنوعاً، أي إنه بنى الحكم على القدر المستعمل من هذه الأشياء.
أن الشافعية قد خرجوا حكم بيع المخدرات على حكم بيع الخمر، ودعّموا هذا بالنص على حرمة تناول المخدرات، وانتهوا إلى منع بيع هذه المخدرات من الحشيش والأفيون ونحو ذلك.
أن الحنابلة قد خرجوا حكم بيع المخدرات على حكم بيع الخمر، خاصة عند من قال منهم بنجاسة المخدرات، كشيخ الإسلام ابن تيمية.
وعليه فالمسألة فيها مذهبان:
المذهب الأول: يرى عدم جواز بيع المخدرات، وإلى هذا ذهب كل من الشافعية والحنابلة، وقال به أبو يوسف ومحمد من الحنفية والخرشي من المالكية، إذا كان البيع
стр. 403
لمن يستعمل منها القدر المغيب للعقل أو لا يؤمن منه ذلك.
المذهب الثاني: يرى جواز بيع جميع الأشربة مما هو سوى الخمر، ومن هذا المخدرات، وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة، ووافقه في هذا بعض المالكية كالحطاب، وهو قول الخرشي، بشرط التأكد من أن البيع لمن لا يستعمل منها القدر المغيب للعقل أو يؤمن منه ذلك.
الأدلة: استدل القائلون بحرمة بيع المخدرات بما يأتي:
١ – قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ١ حيث حرم الله كل ضار خبيث، ولما كان من شأن المواد السابقة الضرر بعقل من يتناولها، كانت خبيثة، ونهى عنها الشارع، ولأن المحافظة على العقل من المصالح الضرورية التي قصد الشارع إلى تحقيقها من تشريع الأحكام، فتناول هذه المواد يخل بما قصد إليه الشارع من ذلك.
٢ – قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ٢، وقال: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٣. ففي هاتين الآيتين نهى الله عن قتل النفس، والإلقاء بها إلى ما فيه هلاكها، والنهي يفيد التحريم عند الإطلاق، وأن المواد السابقة تفتك ببدن من تناولها، وقد تؤدي إلى وفاته، فإنه يحرم بيع وتناول ما يؤدي إلى ذلك منها.
٣ – قوله ﷺ : فيما رواه جابر بن عبد الله ﵄ "كل مسكر حرام" ٤، فقوله ﷺ : "كل مسكر" عام يشمل ما وقع به الإسكار سواء كان شراباً أو جامداً أو مائعاً، والمخدرات مسكرة مزيلة للعقول سواء كانت نباتية أو مصنعة.
стр. 404
ولهذا وجدت ابن حجر ﵀ يقول: "واستدل بمطلق قوله ﷺ "كل مسكر حرام" على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شراباً فيدخل في ذلك الحشيشة والبنج وما في حكمها"١.
ويعضد هذا بما جاء من حديث أم سلمة ﵂ قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر"٢.
حيث يقتضي هذا الحديث حرمة المخدرات، لأنه نص على تحريم كل ما يسكر ويفتر، والمعروف أن المخدرات فيها العلتان فهي مسكرة ومفترة.
هذا فضلا ً عن الحديث التي روته السيدة عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول وقد سئل عن البتع٣؟ فقال: "إن كل شراب أسكر فهو حرام" ٤.
فقد حرم النبي ﷺ كل ما يغيب العقل ويستره دون تفريق بين المسكر المائع أو الجامد، حيث يصدق على ذلك مسمى الخمر المحرمة، لأنها تخمر العقل أي تغطيه وتستره، أو لأنها تخامره أي تخالطه.
والناظر في هذه الأحاديث الشريفة يجد أن إطلاق التحريم شامل لكل ما يحصل به الإسكار، ومن ذلك الحشيشة وما يجري مجراها من المواد المخدرة، وأن العلة الموجودة في الخمر موجودة في الحشيشة، فوجب أن يتخذ الحكم بالتحريم فيهما.
يقول ابن القيم: "إن الخمر يدخل فيها كل مسكر، مائعاً كان أو جامداً، عصيراً أو مطبوخاً" ٥.
стр. 405
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكل ما يغيب العقل، فإنه حرام، وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين.... ومن اعتقد حل ذلك كفر" ١.
هذا كله فضلاً عن أن العقل والقياس والاعتبار الصحيح، كل هذا يدل على أن المخدرات كالخمر في الحكم، وهو التحريم، وذلك بجامع زوال العقل في كل، وحيث كان هذا الحال بالنسبة للعلة فإنه يجب الاتحاد في الحكم وهو التحريم، كما أن القواعد الشرعية تدل كذلك على ذات الحكم، وأن الشريعة الإسلامية قد راعت درء المفاسد ومن قواعدها "الضرر يزال" ٢.
والمعروف أن المواد المخدرة على اختلاف أنواعها وأشكالها، فيها أضرار بالغة ومفاسد كثيرة، فقد أجمع الأطباء على أنها مضرة بالإنسان، وقال أهل العلم: إن الحشيشة بها مائة وعشرون مضرة دينية ودنيوية٣.
واستدل من قال بجواز بيع جميع الأشربة مما هو سوى الخمر: فقد تمسك من جوز بيع ما سوى الخمر من السكر ونقيع الزبيب والمنصف، ونحو ذلك، بأن هذه الأشياء لا يوجد دليل مقطوع به ومتيقن على عدم ماليتها أو حرمتها أو نجاستها، وأن هذه الأمور كلها محل اجتهاد، خاصة وأن هذه الأشياء لها صفة المالية قبل حدوث الشدة على سبيل اليقين، ولهذا كانت الحرمة مجتهداً فيها في مقابل أن المالية متيقنة، والمقرر أن المتيقن لا يرفع بما هو مجتهد فيه، وهذه المالية كافية لإمكان البيع خاصة عند من لم يشترط طهارة المبيع والاكتفاء بماليته، كالحنفية فضلاً على أن القول بنجاسة هذه الأشياء محل خلاف بين العلماء، والقول بنجاستها مرجوح وهذا مقيد أيضاً عند من يرى ضرورة طهارة المبيع.
والراجح في هذا: هو القول بمنع بيع المخدرات ونحوها مما سوى الخمر لقوة ما استدل به وسداً لذريعة تداولها بين الناس لما فيها من أضرار وفتن لا تقل عن مثيلتها في الخمر، والله تعالى أعلم.
стр. 406
المبحث الثالث: حكم بيع المفترات
المفتر: على ما استقر عليه رأي العلماء هو كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف مثل الحشيش والأفيون، وذلك لأن تناول أحدهما يسكر ويخدر ويفتر الجسم.
هذا ويلحق بالحشيش والأفيون كل ما من شأنه أن يترتب على تناوله نفس الآثار والنتائج، وإن اختلفت مسمياته.
وقد ثبتت حرمة تناول المفترات للنهي الوارد فيما روته أم سلمة ﵂ حيث قالت "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر" وذلك على نحو ما سبق تحقيق وجه الدلالة منه في المبحث السابق حيث استبان أن النبي ﷺ قد نهى عن المسكر، ثم عطف عليه المفتر، والعطف يقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم.
وفي هذا يقول الإمام القرافي: "إن القاعدة عند الأصوليين والمحدثين: أنه إذا ورد النهي عن شيئين مقترنين، ثم نص على حكم النهي عن أحدهما من حرمة أو غيرها، أعطي الآخر ذلك الحكم بدليل اقترانهما في الذكر والنهي، وفي الحديث المذكور ذكر المفتر مقروناً بالمسكر، وقد تقرر تحريم المسكر بالكتاب والسنة والإجماع فيجب أن يعطى المفتر حكمه بقرينة النهي عنهما مقترنين"١.
فالثابت لدى الفقهاء أن ما حرم تناوله حرم بيعه وامتنع تبعاً لذلك أن يكون محلاً للتعاقد، فإنه يحرم بيع جميع المفترات تخريجاً وقياساً على حرمة تناول وبيع المسكرات من خمر ومخدرات، ونحوها، وذلك لتحقق نفس العلة المقرر من أجلها تحريم الخمر بأصل النص على ذلك.
وقد تفرع على هذا: بيع الدخان "التبغ"
مذهب الحنفية: القول بمنع بيع الدخان. فقد جاء في حاشية ابن عابدين: ".... في
стр. 407
شرح الوهبانية للشرنبلالي١: أنه يمنع من بيع الدخان ... والتتن الذي حدث وكان حدوثه بدمشق في سنة خمس عشره بعد الألف يدعي شاربه أنه لا يسكر، وإن سلم له فإنه مفتر وهو حرام"٢.
فمذهب الحنفية: القول بمنع بيع الدخان، وما في حكمه مثل التتن المزروع بدمشق. وقد عللوا ذلك المنع باعتبار أن الدخان مفتر، وأن المفتر حرام على نحو ما تقرر سابقاً، والمقرر تبعاً لهذا حرمة بيع الحرام.
مذهب المالكية: القول بجواز بيع الدخان.
فقد جاء في فتح العلي المالك: " ... فقد سئل الشيخ عليش٣ في الدخان الذي يشرب في القصبة، والذي يستنشق به، هل كل منهما متمول؟ فإذا أتلف شخص شيئاً من أحدهما مملوكاً لغيره يكون عليه الضمان أو كيف الحال؟.... فأجاب: نعم كل منهما متمول لأنه طاهر فيه منفعة شرعية لمن اختلت طبيعته باستعماله وصار له كالدواء فكل منهما كسائر العقاقير التي يتداوى بها من العلل ولا يرتاب عاقل متشرع في أنها متمولة فكذلك هذان، كيف والانتفاع على الوجه المذكور والتنافس حاصلان بالمشاهدة ... فإذا أتلف شخص شيئاً من أحدهما مملوكاً لغيره كان عليه الضمان...."٤.
стр. 408
وهكذا يرى المالكية جواز بيع الدخان الذي يشرب في القصبة الشيشة والذي يستنشق به، وذلك لطهارته، ولكونه منتفعاً به شرعاً. ويترتب على هذا القول بالضمان على من أتلفه.
مذهب الشافعية: اختلف فقهاء الشافعية بشأن بيع الدخان، فمن قائل بصحة ذلك البيع، لطهارة المبيع، ومن قائل بعدم صحته، لعدم المنفعة فيه، ومن قائل بإباحة البيع، وإن كان المعتمد في المذهب القول بكراهة ذلك البيع.
فقد جاء في حاشية الشرواني على تحفة المحتاج: " ... وقع السؤال في الدرس عن الدخان المعروف في زماننا هل يصح بيعه أم لا؟ والجواب عنه الصحة لأنه طاهر منتفع به ... قيل مما لا يصح بيعه الدخان المعروف لأنه لا منفعة فيه، بل يحرم استعماله، لأن فيه ضرراً كبيراً، وهذا ضعيف، وكذا القول بأنه مباح والمعتمد أنه مكروه بل قد يعتريه الوجوب كما إذا كان يعلم الضرر بتركه وحينئذ فبيعه صحيح، وقد تعتريه الحرمة، كما إذا كان يشتريه بما يحتاجه لنفقة عياله أو تيقن ضرره ... "١.
وعلى هذا فالخلاف قائم في مذهب الشافعية، بشأن بيع الدخان، فقد قالوا بصحة هذا البيع، بناء على طهارة المبيع المشترطة في عقد البيع عندهم، وقيل بعدم صحة البيع، لأنه لا منفعة فيه، وأن استعماله محرم، وذلك لضرره الكبير، وهذا القول ضعيف، وكذا ضعف القول الثالث القائل بإباحته، والمعتمد في المذهب القول بأنه مكروه، أي من حيث الاستعمال، وكذا من حيث بيعه تبعاً لهذا، وهناك قول بأن تناوله يكون واجباً، وذلك لمن يلحق الضرر بترك تناوله، وفي هذه الحالة يكون بيعه صحيحاً، وقيل قد يكون بيعه حراماً، إذا كان المشتري قد اشتراه بما يحتاجه لنفقة عياله، أو عند تيقن الضرر من استعماله.
مذهب الحنابلة: تردد فقهاء الحنابلة بشأن بيع الدخان بناءً على أن كتب الفقه الحنبلي لم تنص صراحة على حكم الدخان، وقد خرج حكمه على حكم تناول الحشيشة والأفيون والبنج وما شاكله، ذلك والذي تقرر فيه من قبل منع تناوله وعدم
стр. 409
إباحة كل ما فيه مضرة من السموم وغيرها.
فقد جاء في كشاف القناع: "ولا يباح أكل الحشيشة المسكرة ... ولا يباح كل ما فيه مضرة من السموم وغيرها ... فأما السم من الحشائش والنبات فإن كان لا ينتفع به أو كان يقتل قليله لم يجز بيعه، وإن انتفع به وأمكن التداوي بيسيره كالسقمونيا ونحوها جاز بيعه لما فيه من النفع المباح ... "١.
وهكذا يستفاد من ذلك: أن الحنابلة قد علقوا حكم بيع الدخان والتبغ ونحوهما على إمكان الانتفاع بالتداوي ونحوه خاصة لو كان قدر ذلك المتناول يسيراً فإن أمكن ذلك الانتفاع جاز تناوله وبالتالي بيعه وإلاّ فلا.
الموازنة: بالرجوع إلى ما استقر عليه رأي العلماء بشأن حكم بيع الدخان، سواء كان ذلك بالنص، أو كان تخريجاً على حكم الحشيش والمخدرات عامة، والمخرج بدوره عند بعضهم على حكم الخمر لتحقق ذات العلة المقررة لربط الدخان بالمخدرات وغيرها.
وبمراجعة هذا يتضح أن العلماء مختلفون بشأنه من حيث شربه وتناوله، وبالتالي من حيث بيعه بمراعاة أن الحديث عن حكم بيع الدخان والتبغ ونحوهما كان قليلاً غير أنه يمكن أن يقال في الجملة إن الذين حرموه استتبع ذلك عندهم حرمة بيعه، والذين أباحوه قالوا بإباحة بيعه، وخلاصة ما قالوه على نحو ما سبق عرضه ما يأتي:
١- أن الحنفية: يرون منع بيع الدخان والتبغ ونحوهما، وذلك لحرمة تناولهما، للنهي عن كل مسكر ومفتر.
٢- أن المالكية: يرون جواز بيع الدخان والتبغ ونحوهما، وقالوا بأن كلا منهما متمول أي له الصفة المالية فضلاً عن طهارتهما وإمكان الانتفاع بهما شرعاً قياساً على الدواء ونحوه من سائر العقاقير التي يتداوى بها من العلل، وترتب على هذا القول
стр. 410
بضمان متلفه على تفصيل في وجه هذا الضمان.
٣- وهكذا قال الشافعية: إنه يصح بيع الدخان، لأنه طاهر منتفع به طالما أنه لم يتيقن ضرره فإن تيقن ضرره حرم تناوله وتبعاً لهذا حرم بيعه.
٤- أما الحنابلة: فقد علقوا حكم الدخان والتبغ ونحوهما من حيث التناول والبيع على إمكان الانتفاع به، فإن أمكن الانتفاع به، وأمكن التداوي بيسيره، جاز تناوله وجاز بيعه، وإن لم يمكن الانتفاع به، حرم تناوله ولم يجز بيعه.
وهكذا كان في مسألة بيع الدخان مذهبان:
المذهب الأول: يرى منع بيع الدخان والتبغ، وما في حكم هذا، وإلى هذا القول ذهب الحنفية والشافعية إن تيقن الضرر منه، والحنابلة إذا لم يمكن الانتفاع به خاصة يسيره في التداوي ونحوه.
المذهب الثاني: يرى جواز بيع الدخان ونحوه، وإلى هذا ذهب المالكية والشافعية بشرط عدم تيقن الضرر، والحنابلة إذا أمكن الانتفاع به في التداوي ونحو ذلك.
الأدلة: استدل من قال بمنع بيع الدخان ونحوه بذات الأدلة التي تمسكوا بها في قولهم بمنع بيع الخمر والمخدرات والمفترات عامة، ومنها الدخان، وذلك بناء على قولهم بنجاسة هذه الأشياء، وأنها في هذا مثل الخمر علة وحكماً، ودعّموا هذا خاصة عند الحنفية بعدم المالية، وذلك بسبب عدم الانتفاع.
واستدل من قال بجواز بيع الدخان بذات ما تمسك به القائل بجواز بيع المفترات ونحوها، بناء على عدم قوله بنجاسة هذه الأشياء، وأنها يمكن أن تكون محلاً للانتفاع بيسيرها في التداوي ونحوه، ورتبوا على هذا إمكان بيعها لهذا الغرض.
وما يترجح لديّ: هو حرمة بيع الدخان، وحرمة زراعته وصناعته، وذلك لضرره المحقق على صحة الإنسان، ولأنه يتلف المال، ولأنه من الخبائث، ولأن المدخن يؤذي غيره، وأن أطباء العصر الحديث قد أثبتوا الضرر المحقق لاستخدام الدخان، وما دام الضرر محققاً، فإن تناوله بيعاً أو شراء أو ما شابه ذلك كله حرام، وذلك لقوله ﷺ :
стр. 411
"لا ضرر ولا ضرار" ١. ولما روي عن المغيرة بن شعبة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال" ٢ وبما روي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" ٣.
وقد أفتى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين في حكم شرب الدخان وبيعه وشرائه فقال:
"شرب الدخان محرم، وكذلك بيعه وشرؤاه، وتأجير المحلات لمن يبيعه، لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، ودليل تحريمه قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ ٤ووجه الدلالة من ذلك أن الله تعالى نهى عن أن نؤتي السفهاء أموالنا، لأن السفيه يتصرف فيها بما لا ينفع، وبين أن هذه الأموال قيام للناس لمصالح دينهم ودنياهم وصرفها في الدخان ليس من مصالح الدين، ولا من مصالح الدنيا، فيكون صرفها في ذلك منافياً لما جعله الله تعالى لعباده ... "٥.
فتحريم بيع الدخان وتحريم زراعته وصناعته هو المرجح في هذا الخلاف، وذلك لما يحققه من ضرر بصحة الإنسان وإتلاف ماله وعقله، فضلاً عن أن التدخين يعد من الخبائث، كما أن المدخن يتسبب في إيذاء غيره، وقد نصت الحكومات على أن التدخين ضار بالصحة فشرب الدخان محرم، وكذلك بيعه وشراؤه، وتأجير المحلات لمن يبيعه، لأن ذلك من باب التعاون على الإثم والعدوان، وهما منهي عنهما شرعاً واعتبار جانب السفه في ذلك التناول.
стр. 412
الفصل الخامس: بيع الإنسان الحر وأجزائه
وفيه مبحثان
المبحث الأول: حكم بيع الإنسان الحر.
المبحث الثاني: حكم نقل وبيع بعض أجزاء الإنسان الحر.
стр. 413
تمهيد
من المقرر لدى العقلاء أن الإنسان ليس مالاً في الشرع، ولا في الطبع، ولا في العقل، فالشرع يأبى أن يعامل الإنسان الذي كرمه الله سبحانه معاملة الأموال، فالإنسان الحر ليس بمال، حيث عرف الحنفية المال بأنه اسم لغير الآدمي، خلق لصالح الآدمي، وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار١.
كما أن فقهاء المسلمين قد قرروا أن الإنسان الحي، وكذا الميت، لا يمكن أن يكون محلاً ممكناً ومشروعاً للمعاملات بحسب الأصل، فمحل العقود والحقوق عندهم هو الأموال، كما يشترط في المال أن يكون متقوماً.
والإسلام الحنيف قد اهتم بتكريم الإنسان، سواءً في حياته أو بعد مماته، حيث إن الآدمي محترم حياً أو ميتاً، ولهذا ثبتت حرمته في الحياة وبعد الممات، وفي هذا يقول الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ٢ وقال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ*الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ*فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ٣.
وفي سبيل ذلك حرم الإسلام على الإنسان الخبائث من الأطعمة، حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤ وقال أيضاً: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٥.
فالاتفاق قائم على مبدأ حماية جسد الآدمي، وأن الشريعة الإسلامية الغراء هي
стр. 414
السباقة بتقرير مبدأ تكريم الإنسان حياً أو ميتاً، فهي التي حرمت بيع الحر، وتدرجت في مسألة بيع الرقيق، حتى قضت عليها نهائياً.
ولم تكتف الشريعة الإسلامية بما قررته في هذا الشأن، من أن الإنسان هو المستخلف في الأرض، وله من مظاهر التكريم أوجه متعددة، ومنها: أنها حرمت بيعه إن كان حراً تحريماً مطلقاً، وذلك لأن جسده ليس من الأموال التي ترد عليها العقود، وأن أجزاءه المنفصلة عنه طاهرة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، فقررت له الحماية الجسدية، وأحاطت النفس البشرية بسياج من الرعاية والحصانة، فقررت عصمة دمه وحرمته، ومنعت الاعتداء عليه، سواء كان مسلماً أو غير مسلم، فقال سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ١.
стр. 415
المبحث الأول: حكم بيع الإنسان الحر
إن المتتبع للنصوص الشرعية يجد أن الشريعة الإسلامية قد حرمت بيع الحر مطلقاً، وأغلقت كثيراً من منافذ الرق، وفتحت كثيراً من الأبواب لتحرير الأرقاء، وأن الإطار العام لهذا التحريم هو أن جسم الإنسان سواء كان حياً أو ميتاً لا يعد من الأموال، وبالتالي لا يجوز بيعه، حتى إن العلامة ابن قدامة قال: "لا نعلم في ذلك خلافاً" ١ ولهذا كان المظهر الحقيقي لتكريم الإنسان هو عدم جواز بيع الإنسان الحر، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ٢ فقد كرم الله سبحانه بني آدم بالنطق، والتمييز، وحسن الصورة، وتسخير سائر الخلق لهم، وفضلهم على غيرهم من البهائم والدواب وغيرهما، فكان الإنسان لهذا مكرماً، لأنه حامل للأمانة، ولأنه خليفة الله في أرضه، وهو المطالب بالتعمير والإصلاح في ظل شرع الله سبحانه، ولهذا سخر الله سبحانه سائر الخلق له، وجعله مسلطاً على غيره من المخلوقات، ومن هنا لم يخضع الإنسان شرعاً لما يخضع له غيره من جواز بيعه والتصرف فيه، لأن فعل ذلك في الإنسان إذلال، وهذا يتنافى مع أساس تكريمه ورفعته، وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره" ٣.
وبناء على هذا كان إجماع الفقهاء وجميع علماء المسلمين قديماً وحديثاً على حرمة بيع الآدمي الحر.
فمذهب الحنفية: النص على أن الآدمي مكرم شرعاً - وإن كان كافراً - فإيراد
стр. 416
العقد عليه، وابتذاله، وإلحاقه بالجمادات إذلال له، وهو غير جائز. وفي حاشية ابن عابدين: " ... والآدمي مكرم شرعاً - وإن كان كافراً - فإيراد العقد عليه وابتذاله به وإلحاقه بالجامدات إذلال له وهو غير جائز، وبعضه في حكمه، وصرح في فتح القدير ببطلانه"١. فقد جاء في شرح فتح القدير: " ... وكذا بيع الميتة والدم والحر باطل، لأنها ليست أموالاً فلا تكون محلاً للبيع ... "٢. وجاء في البحر الرائق: " ... ولم ينعقد بيع ما ليس بمال متقوم، كبيع الحر، والمدبر المطلق، وأم الولد، والمكاتب، ومعتق البعض، وأولادهم إلا ولد المكاتب المشترى في كتابته، والميتة، والدم، وذبيحة المجوسي، والمرتد ... "٣.
وأراد بالمتقوم: المنتفع به بوجه شرعي كما يفهم من بيانه. وفي بدائع الصنائع: " ... فلا ينعقد بيع الحر لأنه ليس بمال"٤. وجاء في مجمع الأنهر: " ... بيع ما ليس بمال، والبيع أي بيع الشيء به، أي جعله ثمناً بإدخال الباء عليه، كأن يقول بعت هذا الثوب بهذه الميتة مثلا باطل، كالدم المسفوح، والميتة التي ماتت حتف أنفها، لأن المنخنقة وأمثالها مال عند أهل الذمة، والحر لانعدام ركن البيع وهو مبادلة المال بالمال، لأن هذه الأشياء لا تعد مالاً عند أحد ممن له دين سماوي، كما في أكثر الكتب، لكن الحر مال في شريعة يعقوب ﵊، حتى استرق السارق على ما قالوا، فلا ينبغي أن يقال: إنه لم يكن مالاً عند أحد ... "٥.
فمذهب الحنفية: أن بيع الإنسان الحر باطل، وذلك لانعدام ركن البيع، وهو مبادلة المال بالمال، فلا تنعقد مثل هذه العقود المعقودة على الإنسان الحر، وكذا المدبر المطلق، وأم الولد، والمكاتب، ومعتق البعض، إلا ولد المكاتب المشترى في كتابته،
стр. 417
وعللوا ذلك الحكم الشامل عندهم بأن الآدمي مكرم شرعاً، وإن كان كافراً، فإيراد العقد عليه وابتذاله به وإلحاقه بالجمادات إذلال له، وهذا غير جائز، وقالوا بأن بعض الإنسان في حكم كله، وقد صرحت معظم كتبهم ببطلان ذلك البيع.
مذهب المالكية: يرون أن لحم الآدمي يحرم أكله، ولو كان الشخص في حالة الضرورة، وذلك لأن ميتته كالسم فلا يزيل الضرورة، وبالتالي يحرم بيعه، فنص مذهب المالكية أنه لا يجوز بيع الحر.
فقد جاء في مواهب الجليل: " ... ولا يجوز بيع الحر والخنْزير والقرد والخمر والدم والميتة والنجاسة، وما لا منفعة فيه كخشاش الأرض والحيات، والكلاب غير المأذون في اتخاذها، وتراب الصواغين، وآلة الملاهي ... فلا ينبغي أن يباع، ويجب على الإمام أن ينهى عن ذلك، وهذا إذا لم يكن له وجه إلا الأكل وهو مضر بكل حال، فهو كالسم الذي أجمع العلماء على تحريم بيعه، وقال سحنون في كتاب الشرح: لا يحل بيعه ... "١.
فمذهب المالكية: عدم جواز بيع الحر، وبالتالي جميع أجزائه، حيث عدوا هذا ضمن البيوع غير الجائزة عندهم.
مذهب الشافعية: عدم جواز بيع الحر وبطلان ذلك، وهذا إجماع الفقهاء.
فقد جاء في المجموع: "وأما ما فيه منفعة فلا يجوز بيع الحر ... وبيع الحر باطل بالإجماع"٢.
وجاء في الحاوي الكبير: "الآدمي ضربان: حر ومملوك، فالحر لا يجوز بيعه"٣.
فمذهب الشافعية: عدم جواز بيع الحر، وذكرت كتبهم أن بيع الحر باطل بالإجماع.
стр. 418
مذهب الحنابلة: القول بعدم جواز بيع الحر. فقد جاء في المغنى والشرح الكبير: " ... ولا يجوز بيع الحر، وما ليس بمملوك كالمباحات قبل حيازتها ومِلْكها، ولا نعلم في ذلك خلافاً ... "١. وجاء في كشاف القناع: " ... ولا يصح بيع الحر، لقوله ﷺ : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة - ذكر منهم: رجل باع حراً وأكل ثمنه" ٢ ... ولو باع أمة حاملاً بحرّ قبل وضعه صح البيع فيها، لأنها معلومة، وجهالة الحمل لا تضر ... "٣. وجاء في الكافي في فقه الإمام أحمد: "ولا يجوز بيع الحر، لأن النبي ﷺ قال: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة - ذكر منهم: رجل باع حراً فأكل ثمنه" رواه البخاري"٤.
فمذهب الحنابلة: على أنه لا يصح بيع الحر، للنهي عن ذلك شرعاً، وقد ذكروا على أنه لا يوجد في هذا خلاف في المذهب.
الموازنة: بمراجعة ما قاله الفقهاء بشأن بيع الحر وإيراد العقد عليه، يتضح أن الاتفاق حاصل بينهم على أنه لا يجوز أن يباع الحر، أو يشترى، وأن العقد عليه باطل.
فالحنفية: عبروا عن هذا بالبطلان، باعتبار أن الإنسان الحر ليس بمال، ومن شرط المعقود عليه عندهم كونه مالاً، فركن البيع على هذا منعدم، فلا ينعقد البيع أصلاً.
المالكية: يعبرون عن منع بيع الحر بعدم الجواز، وذكروه ضمن البيوع غير الجائزة عندهم.
الشافعية: يعبرون عن هذا بعدم الجواز، وبعض كتبهم صرحت بأن بيع الحر باطل بالإجماع.
الحنابلة: بعض كتبهم عبرت عن هذا بعدم الجواز، في حين أن البعض الآخر عبر عن هذا بعدم الصحة.
وعلى ذكر هذا الخلاف في اللفظ والعبارة فقط يتقرر أن الإجماع حاصل بين الفقهاء على منع بيع الإنسان الحر، وأن هذا الحكم شامل للحي والميت على السواء،
стр. 419
وقد استند الفقهاء على ما يأتي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ١. فإن البيع والتملك يتنافى مع هذا التكريم.
٢ – ما جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى يخاصم من يخضع الإنسان لما يخضع له الحيوان، من بيعه والتصرف فيه، بما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى "اثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره".
فهذا الحديث يدل على أن بيع الآدمي الحر حرام حرمة شديدة، لأن الناس أكفاء في الحرية، فمن باع حراً فقد منعه من التصرف فيما أباح الله له، وألزمه الذل الذي أنقذه الله منه، حتى قال ابن الجوزي: "الحر عبد الله، فمن جنى عليه فخصمه سيده"٢.
وهكذا وجدنا أن الاتفاق قائم بين الفقهاء على حرمة جسد الإنسان الحي وحمايته، وكذا الميت على السواء، وإذا لم يصح بيع الإنسان الحر ولا التصرف فيه فمن باب أولى لا يصح هبته، ولا التبرع به، وذلك لأن المشرع الحكيم أبطل التصرف فيه بمقابل، وهو الثمن، فمن باب أولى يبطله إذا لم يكن هناك مقابل، ولأن المشرع الحكيم لم يجعله ملكا لأحد سواه، فلم يحق لأي كائن أن يتصرف فيه، لأن التصرف معاوضة أو تبرعاً إنما يكون فيما يملكه الإنسان، والإنسان غير مملوك للإنسان، وإنما هو مملوك لخالقه جل شأنه، وهذه الأحكام لا تسري في مواجهة الرقيق، لأن أهلية الرقيق ومع أنها موجودة وعصمة دمه قائمة وصيانة أعضائه مقررة إلا أن إباحة الرق أثر على أهليته للتملك، وعلى جعله سلعة يباع ويشترى، كلاً أو جزءاً، قائماً أو مقطعاً، والآن والحمد لله قد تحقق هدف الشرع وهو منع الرق بكل أنواعه من جميع العالم، ومن ثم لا يثور أي تساؤل بشأنه، ولا يصح جعله ركيزة لموضوع البحث هنا لهذا السبب.
стр. 420
المبحث الثاني: حكم نقل وبيع بعض أجزاء الإنسان الحر
حرمت الشريعة الإسلامية بيع الآدمي الحر مطلقاً، لأن الإنسان الحر ليس بمال، وهو محترم مكرم، وليس من الكرامة والاحترام ابتذاله بالبيع والشراء.
وقد يتفرع على هذه المسألة ما يلي:
حكم نقل أعضاء الإنسان
حكم بيع بعض أجزاء الإنسان
المطلب الأول حكم نقل أعضاء الإنسان
أن موضوع نقل الأعضاء الآدمية -سواء من الحي أم من الميت - من المسائل المستحدثة والمستجدة، حيث فرضها تقدم الطب، تمشياً مع تقدم المعارف والتطور التكنولوجي والتقني في جميع نواحي الحياة، فهو لم يحدث في زمن أئمة المذاهب الفقهية، ولهذا لم يتعرضوا لبحثه، وإن كانت بعض نصوص كتبهم تفيد في استخراج حكم هذه المسألة تخريجاً وتعضيداً لما قاله الفقهاء المحدثون في هذا الموضوع الشائك، وسأعرض بعض الأقوال هنا أثراً للبحث وتحقيقاً للقول في مسألة نقل الأعضاء الآدمية، وذلك من خلال ما ينحصر في الآتي:
المذهب الأول: يرى أنه لا يجوز نقل الأعضاء الآدمية مطلقاً، سواء من الحي أو من الميت، وقالوا بتحريم الانتفاع بأعضاء الآدمي، ولو كان كافراً، أو في حالة الضرورة، ومن باب أولى ما كان دون ذلك، فضلاً عن عدم إباحة أي تصرف من الإنسان في أعضائه، حتى ولو كان ذلك على سبيل التبرع لغيره. وممن قال بهذا بعض العلماء المعاصرين منهم: فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي١، فقد أوضح في
стр. 421
تصريح خاص أدلى به لجريدة الشرق الأوسط - وهو على فراش المرض: أن التبرع بالأعضاء لا يعتبر تداوياً، والتنازل عن أعضاء الإنسان حرام ... حرام ... حرام، لأن الإنسان لا يملك ذاته ولا أبعاضه، وكرر قوله مشدداً على أن التبرع لا يعتبر تداوياً، ويجب أن نكرم الإنسان الذي كرمه الله تعالى١.
والشيخ محمد برهان الدين السنبهلي٢، حيث قال: "إن استعمال أعضاء الإنسان سواء كان حياً أو ميتاً بحيث يُفصل عضو من البدن ويزرع في جسد إنسان آخر غير جائز، ولو أذن له صاحب العضو، لأن صاحبه لا يملكه، والمالك هو الله ... والله أعلم"٣.
وفضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوي، مفتى مصر سابقاً، عن موضوع نقل الأعضاء "اتفق المحققون من الفقهاء على أنه لا يجوز المتاجرة في جسد الإنسان، لا عن طريق البيع، أو الشراء، لأن هذا الجسد ليس محلاً لذلك، ولأن الإنسان أمين على جسده، ومأمور أن يتصرف في هذه الأمانة بما يصلحها لا يفسدها ... "٤.
هذا ويدعم ما ذهب إليه هؤلاء العلماء ما يستفاد مما ذهب إليه عامة أهل العلم من الفقهاء القدامى من عدم جواز قطع أي عضو من أعضاء الآدمي، حتى ولو كان كافراً، وذلك لعدم إهانته وابتذاله، ترتيباً على منع المساس بالآدمي ذاته، وهذه بعض النصوص الفقهية التي يمكن تخريج هذا المذهب عليها، استنتاجاً واستخلاصاً لما ذهب إليه العلماء المعاصرون في هذا الشأن.
стр. 422
فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما النوع الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه أصلاً فهو قتل المسلم بغير حق، سواء كان الإكراه ناقصاً أو تاماً ... وكذا قطع عضو من أعضائه ... ولو أذن له المكره عليه ... فقال للمكره: افعل، لا يباح له، لأن هذا مما لا يباح بالإباحة ... "١ وجاء في بلغة السالك: " ... إن كسر عظم الميت انتهاك لحرمته ... فإن بقي شيء من عظامه فالحرمة باقية لجميعه، فلا يجوز استخدام ظفر الميت ولا جزء منه، ولا شعره لأن هذه الأجزاء محرمة، وفي أخذها انتهاك لحرمتها ... "٢. وفي المجموع: "ولا يجوز للمضطر أن يقطع من معصوم غيره بلا خلاف، وليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئاً ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف، صرح به إمام الحرمين والأصحاب"٣. وجاء في كشاف القناع: " ... فإن لم يجد المضطر إلاّ آدمياً محقون الدم لم يبح له قتله، ولا إتلاف عضو منه، مسلماً كان المحقون، أو كافراً ذمياً أو مستأمناً، لأن المعصوم الحي مثل المضطر فلا يجوز له إبقاء نفسه بإتلاف مثله ... وإن لم يجد المضطر شيئاً مباحاً ولا محرماً لم يبح له أكل بعض أعضائه، لأنه يتلفه لتحصيل ما هو موهوم ... ولا يجوز التداوي بشيء محرم، أو بشيء فيه محرم، كألبان الأتن ولحم شيء من المحرمات، ولا يشرب مسكر ... "٤.
المذهب الثاني: يرى جواز نقل الأعضاء الآدميه، وهو صادر عن مجمع الفقه الإسلامي، فقد قرر المجلس في دورته الثامنة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من ٢٨ ربيع الآخر إلى ٧ جمادى الأولى عام ١٤٠٥? الموافق ١٩ – ٢٨ يناير ١٩٨٥م القول بجواز النقل بشروط أربعة: عدم ضرر المنقول منه، وأن يكون متبرعاً ومختاراً، وأن يتعين النقل لعلاج المرض، وأن يغلب الظن أو يتحقق بنجاح الجراحة. وهذا نص القرار:
стр. 423
"إن أخذ عضو من جسم إنسان حي وزرعه في جسم إنسان آخر مضطر إليه، لإنقاذ حياته، أو لاستعادة وظيفة من وظائف أعضائه الأساسية هو عمل جائز، لا يتنافى مع الكرامة الإنسانية بالنسبة للمأخوذ منه، كما أن فيه مصلحة كبيرة وإعانة خيرة للمزروع فيه، وهو عمل مشروع وحميد" إذا توفرت فيه الشروط التالية:
١ – أن لا يضر أخذ العضو من المتبرع به ضرراً يخل بحياته العادية، لأن القاعدة الشرعية: "أن الضرر لا يزال بضرر مثله ولا بأشد منه"، ولأن التبرع حينئذ يكون من قبيل الإلقاء بالنفس إلى التهلكة وهو أمر غير جائز شرعاً.
٢ – أن يكون إعطاء العضو طوعاً من المتبرع دون إكراه.
٣ – أن يكون زرع العضو هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لمعالجة المريض المضطر.
٤ – أن يكون نجاح كل من عمليتي النّزع والزرع محققاً في العادة أو غالباً.
وقد توقف الدكتور بكر عبد الله أبو زيد، ولم ير الدكتور صالح بن فوزان الفوزان جواز النقل من الميت.
وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية حيث قرر مجلس الهيئة بالإجماع جواز نقل عضو أو جزء من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه، وقرر بالأكثرية جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه. كما قرر جواز التبرع إلى المسلم المضطر لذلك قرار رقم ٩٩ وتاريخ ٦/١١/١٤٠٢? حيث قرر المجلس بالإجماع جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه كما قرر بالأكثرية ما يلي:
١ – جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم، إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.
стр. 424
٢- جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك.
ولجنة الفتوى في المملكة الأردنية الهاشمية، حيث تضمن القرار جواز النقل بشروط خمسة بالنسبة للنقل من الميت، منها: موافقة الميت أو والديه، أو وليه بعد وفاته، أو ولي الأمر المسلم إذا كان المتوفى مجهول الهوية، وأن توجد الحاجة أو الاضطرار، وألا يكون بمقابل مادي، وأن لجنة الفتوى تنبه إلى أن جواز النقل أو التشريح يجب أن يكون مقيداً بالشروط الآتية، وذلك لحفظ كرامة الميت، ولئلا يتخذ للعبث والإهانة:
١- أن تكون هناك موافقة خطية من المتبرع في حياته، ثم موافقة أحد أبويه أو وليه بعد وفاته، أو موافقة ولي الأمر المسلم إذا كان المتوفى مجهول الهوية.
٢- أن يكون المتبرع له محتاجاً أو مضطراً إلى العضو المتبرع به، وأن تتوقف حياة المنقول له على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة أحد أجهزة الجسم عليه، وذلك بتقرير من لجنة طبية موثوقة في دينها وعلمها وخبرتها.
٣- إن كان المنقول منه العضو أو الدم حيّاً فيشترط ألا يقع النقل على عضو أساسي للحياة، إذا كان هذا النقل قد يؤدي لوفاة المتبرع ولو كان ذلك بموافقته.
٤- ألا يحدث النقل تشويها في جثة المتبرع.
٥- لا يجوز أن يتم التبرع مقابل بدل مادي أو بقصد الربح.
هذا وإن اللجنة تذكر بأنه لا بد من الاحتياط والحذر في ذلك، أي في نقل الأعضاء من حي إلى حي، أو من ميت إلى حي، أو نقل الدم من حي إلى آخر، حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة، وليقتصر فيه على قدر الضرورة، إذ هي علة الحكم الذي يدور معها وجوداً وعدماً، وليتق الله الأطباء الذين يتولون ذلك، وليعلموا أن الناقد بصير، والمهيمن قدير، والله يتولى هداية الجميع"١.
стр. 425
لجنة الفتوى بالأزهر، حيث أجابوا على سؤال عن نقل الدم وحاسة البصر فقالوا: فقد أجاز كثير من متأخري علماء الشافعية جبر المنكسر من عظم إنسان حي بعظم إنسان ميت إذا لم يمكن جبره بغيره، وقياساً على هذا ترى اللجنة جواز نقل جزء من عين الميت لإصلاح عين الحي إذا توقف على ذلك إصلاحها وقيامها بما خلقها الله له، هذا ما تفتي به اللجنة، والله الهادي إلى سواء السبيل١. وهو قول لطائفة من العلماء والباحثين كفضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق٢، فقد قال: "إنه يجوز نقل عضو أو جزء عضو من إنسان حي متبرع لوضعه في جسم إنسان حي بشروط، وهي: أن ذلك للضرورة، وأن لا يترتب على اقتطاعه ضرر للمتبرع، وأن يكون ذلك مفيداً لمن ينقل إليه في غالب ظن الطبيب.
والدكتور عبد الجليل شلبي فقد قال: "إن التبرع بالأعضاء لا شيء فيه إذا ضمن الطبيب عدم تعريض المتبرع لسوء. ثم قال: لكن بعد الوفاة لا يصح أخذ شيء من جسم المتوفى، لأنه صار في ذمة الله، كما أن تشويه الميت محرم، لأن المثلة بالموتى حرام، وأوضح أن تبرع الأحياء للأحياء مباح، مشيراً إلى أن حكم الإباحة هذا باب عريض طويل بعيد عن الحلال والحرام فما يباح لأنه قد لا يباح للآخر لأن الأمر يتوقف على الظروف والأحوال ... "٣.
وعلى هذا: فالمذهب الأول: انتهى إلى عدم جواز نقل عضو الإنسان مطلقاً، حياً كان أو ميتاً، مسلماً أو غير مسلم، بالبيع أو بالتبرع، في حالة الضرورة أم لا.
أما المذهب الثاني: فقد رأى جواز نقل الأعضاء من الحي والميت، غير أنهم اشترطوا لجواز هذا النقل شروطاً مهمة تجب مراعاتها بكل دقة، فبالنسبة للنقل من الحي يشترط