تصريح خاص أدلى به لجريدة الشرق الأوسط - وهو على فراش المرض: أن التبرع بالأعضاء لا يعتبر تداوياً، والتنازل عن أعضاء الإنسان حرام ... حرام ... حرام، لأن الإنسان لا يملك ذاته ولا أبعاضه، وكرر قوله مشدداً على أن التبرع لا يعتبر تداوياً، ويجب أن نكرم الإنسان الذي كرمه الله تعالى١.
والشيخ محمد برهان الدين السنبهلي٢، حيث قال: "إن استعمال أعضاء الإنسان سواء كان حياً أو ميتاً بحيث يُفصل عضو من البدن ويزرع في جسد إنسان آخر غير جائز، ولو أذن له صاحب العضو، لأن صاحبه لا يملكه، والمالك هو الله ... والله أعلم"٣.
وفضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوي، مفتى مصر سابقاً، عن موضوع نقل الأعضاء "اتفق المحققون من الفقهاء على أنه لا يجوز المتاجرة في جسد الإنسان، لا عن طريق البيع، أو الشراء، لأن هذا الجسد ليس محلاً لذلك، ولأن الإنسان أمين على جسده، ومأمور أن يتصرف في هذه الأمانة بما يصلحها لا يفسدها ... "٤.
هذا ويدعم ما ذهب إليه هؤلاء العلماء ما يستفاد مما ذهب إليه عامة أهل العلم من الفقهاء القدامى من عدم جواز قطع أي عضو من أعضاء الآدمي، حتى ولو كان كافراً، وذلك لعدم إهانته وابتذاله، ترتيباً على منع المساس بالآدمي ذاته، وهذه بعض النصوص الفقهية التي يمكن تخريج هذا المذهب عليها، استنتاجاً واستخلاصاً لما ذهب إليه العلماء المعاصرون في هذا الشأن.
стр. 422
فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... وأما النوع الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه أصلاً فهو قتل المسلم بغير حق، سواء كان الإكراه ناقصاً أو تاماً ... وكذا قطع عضو من أعضائه ... ولو أذن له المكره عليه ... فقال للمكره: افعل، لا يباح له، لأن هذا مما لا يباح بالإباحة ... "١ وجاء في بلغة السالك: " ... إن كسر عظم الميت انتهاك لحرمته ... فإن بقي شيء من عظامه فالحرمة باقية لجميعه، فلا يجوز استخدام ظفر الميت ولا جزء منه، ولا شعره لأن هذه الأجزاء محرمة، وفي أخذها انتهاك لحرمتها ... "٢. وفي المجموع: "ولا يجوز للمضطر أن يقطع من معصوم غيره بلا خلاف، وليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئاً ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف، صرح به إمام الحرمين والأصحاب"٣. وجاء في كشاف القناع: " ... فإن لم يجد المضطر إلاّ آدمياً محقون الدم لم يبح له قتله، ولا إتلاف عضو منه، مسلماً كان المحقون، أو كافراً ذمياً أو مستأمناً، لأن المعصوم الحي مثل المضطر فلا يجوز له إبقاء نفسه بإتلاف مثله ... وإن لم يجد المضطر شيئاً مباحاً ولا محرماً لم يبح له أكل بعض أعضائه، لأنه يتلفه لتحصيل ما هو موهوم ... ولا يجوز التداوي بشيء محرم، أو بشيء فيه محرم، كألبان الأتن ولحم شيء من المحرمات، ولا يشرب مسكر ... "٤.
المذهب الثاني: يرى جواز نقل الأعضاء الآدميه، وهو صادر عن مجمع الفقه الإسلامي، فقد قرر المجلس في دورته الثامنة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من ٢٨ ربيع الآخر إلى ٧ جمادى الأولى عام ١٤٠٥? الموافق ١٩ – ٢٨ يناير ١٩٨٥م القول بجواز النقل بشروط أربعة: عدم ضرر المنقول منه، وأن يكون متبرعاً ومختاراً، وأن يتعين النقل لعلاج المرض، وأن يغلب الظن أو يتحقق بنجاح الجراحة. وهذا نص القرار:
стр. 423
"إن أخذ عضو من جسم إنسان حي وزرعه في جسم إنسان آخر مضطر إليه، لإنقاذ حياته، أو لاستعادة وظيفة من وظائف أعضائه الأساسية هو عمل جائز، لا يتنافى مع الكرامة الإنسانية بالنسبة للمأخوذ منه، كما أن فيه مصلحة كبيرة وإعانة خيرة للمزروع فيه، وهو عمل مشروع وحميد" إذا توفرت فيه الشروط التالية:
١ – أن لا يضر أخذ العضو من المتبرع به ضرراً يخل بحياته العادية، لأن القاعدة الشرعية: "أن الضرر لا يزال بضرر مثله ولا بأشد منه"، ولأن التبرع حينئذ يكون من قبيل الإلقاء بالنفس إلى التهلكة وهو أمر غير جائز شرعاً.
٢ – أن يكون إعطاء العضو طوعاً من المتبرع دون إكراه.
٣ – أن يكون زرع العضو هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لمعالجة المريض المضطر.
٤ – أن يكون نجاح كل من عمليتي النّزع والزرع محققاً في العادة أو غالباً.
وقد توقف الدكتور بكر عبد الله أبو زيد، ولم ير الدكتور صالح بن فوزان الفوزان جواز النقل من الميت.
وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية حيث قرر مجلس الهيئة بالإجماع جواز نقل عضو أو جزء من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه، وقرر بالأكثرية جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه. كما قرر جواز التبرع إلى المسلم المضطر لذلك قرار رقم ٩٩ وتاريخ ٦/١١/١٤٠٢? حيث قرر المجلس بالإجماع جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه كما قرر بالأكثرية ما يلي:
١ – جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم، إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.
стр. 424
٢- جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك.
ولجنة الفتوى في المملكة الأردنية الهاشمية، حيث تضمن القرار جواز النقل بشروط خمسة بالنسبة للنقل من الميت، منها: موافقة الميت أو والديه، أو وليه بعد وفاته، أو ولي الأمر المسلم إذا كان المتوفى مجهول الهوية، وأن توجد الحاجة أو الاضطرار، وألا يكون بمقابل مادي، وأن لجنة الفتوى تنبه إلى أن جواز النقل أو التشريح يجب أن يكون مقيداً بالشروط الآتية، وذلك لحفظ كرامة الميت، ولئلا يتخذ للعبث والإهانة:
١- أن تكون هناك موافقة خطية من المتبرع في حياته، ثم موافقة أحد أبويه أو وليه بعد وفاته، أو موافقة ولي الأمر المسلم إذا كان المتوفى مجهول الهوية.
٢- أن يكون المتبرع له محتاجاً أو مضطراً إلى العضو المتبرع به، وأن تتوقف حياة المنقول له على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة أحد أجهزة الجسم عليه، وذلك بتقرير من لجنة طبية موثوقة في دينها وعلمها وخبرتها.
٣- إن كان المنقول منه العضو أو الدم حيّاً فيشترط ألا يقع النقل على عضو أساسي للحياة، إذا كان هذا النقل قد يؤدي لوفاة المتبرع ولو كان ذلك بموافقته.
٤- ألا يحدث النقل تشويها في جثة المتبرع.
٥- لا يجوز أن يتم التبرع مقابل بدل مادي أو بقصد الربح.
هذا وإن اللجنة تذكر بأنه لا بد من الاحتياط والحذر في ذلك، أي في نقل الأعضاء من حي إلى حي، أو من ميت إلى حي، أو نقل الدم من حي إلى آخر، حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة، وليقتصر فيه على قدر الضرورة، إذ هي علة الحكم الذي يدور معها وجوداً وعدماً، وليتق الله الأطباء الذين يتولون ذلك، وليعلموا أن الناقد بصير، والمهيمن قدير، والله يتولى هداية الجميع"١.
стр. 425
لجنة الفتوى بالأزهر، حيث أجابوا على سؤال عن نقل الدم وحاسة البصر فقالوا: فقد أجاز كثير من متأخري علماء الشافعية جبر المنكسر من عظم إنسان حي بعظم إنسان ميت إذا لم يمكن جبره بغيره، وقياساً على هذا ترى اللجنة جواز نقل جزء من عين الميت لإصلاح عين الحي إذا توقف على ذلك إصلاحها وقيامها بما خلقها الله له، هذا ما تفتي به اللجنة، والله الهادي إلى سواء السبيل١. وهو قول لطائفة من العلماء والباحثين كفضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق٢، فقد قال: "إنه يجوز نقل عضو أو جزء عضو من إنسان حي متبرع لوضعه في جسم إنسان حي بشروط، وهي: أن ذلك للضرورة، وأن لا يترتب على اقتطاعه ضرر للمتبرع، وأن يكون ذلك مفيداً لمن ينقل إليه في غالب ظن الطبيب.
والدكتور عبد الجليل شلبي فقد قال: "إن التبرع بالأعضاء لا شيء فيه إذا ضمن الطبيب عدم تعريض المتبرع لسوء. ثم قال: لكن بعد الوفاة لا يصح أخذ شيء من جسم المتوفى، لأنه صار في ذمة الله، كما أن تشويه الميت محرم، لأن المثلة بالموتى حرام، وأوضح أن تبرع الأحياء للأحياء مباح، مشيراً إلى أن حكم الإباحة هذا باب عريض طويل بعيد عن الحلال والحرام فما يباح لأنه قد لا يباح للآخر لأن الأمر يتوقف على الظروف والأحوال ... "٣.
وعلى هذا: فالمذهب الأول: انتهى إلى عدم جواز نقل عضو الإنسان مطلقاً، حياً كان أو ميتاً، مسلماً أو غير مسلم، بالبيع أو بالتبرع، في حالة الضرورة أم لا.
أما المذهب الثاني: فقد رأى جواز نقل الأعضاء من الحي والميت، غير أنهم اشترطوا لجواز هذا النقل شروطاً مهمة تجب مراعاتها بكل دقة، فبالنسبة للنقل من الحي يشترط
стр. 426
كون الحاجة داعية إلى ذلك النقل، بأن يتعين النقل علاجاً للمريض، وأمن الخطر من نزع العضو المنقول، وغلبة الظن في نجاح الزرع فيمن نقل إليه، إضافة إلى رضا وموافقة المنقول منه.
أما بالنسبة للنقل من الميت فالجواز بشروط دقيقة مثل:
١ – أن لا توجد ميتة أخرى غير ميتة الآدمي، وإلا فلا يحل الانتفاع بميتة الآدمي.
٢ - أن يكون المضطر معصوم الدم، وذلك لأنه لو كان مستحق القتل شرعاً كان دمه غير معصوم، ومن ثم فلا يجوز شرعاً العمل على مد أسباب حياته.
٣ – أن يكون المنتفع مضطراً إلى هذا النقل بمعنى أنه إذا لم يتم النقل المحرم هلك كله أو بعضه.
٤ – أن يكون هناك إذن بالانتفاع بأجزاء الميت، وهذا الإذن يمكن أن يكون صادراً من الميت قبل موته باعتبار ولايته على نفسه، ويمكن أن يكون صادراً من ورثته بعد موته، وهو مَن لهم الحق مِن ميراث تركته شرعاً، ولهم المطالبة بالقصاص في حالة الجناية عليه عمداً.
وعلى هذا فجواز الانتفاع بأجزاء الآدمي الميت عند الضرورة كان بسبب إحياء النفس الآدمية، ومداً لأسباب البقاء لها، خاصة وأن النفس الميتة إن لم ينتفع بها تحللت وصارت تراباً، فإنقاذ نفس حية بشيء من نفس ميتة حفاظاً على النفس وإحياء لها هو هدف مشروع، ومصلحة مقدرة شرعاً، ومعتد بها، فضلاً عن أن رعاية مصلحة الحي في امتداد حياته أولى من رعاية مصلحة الميت في عدم المساس بجسمه، لأن جسمه تحول إلى تحلل وفناء١.
стр. 427
الأدلة: استدل القائلون بعدم جواز نقل الأعضاء الآدمية:
١- قوله تعالى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ١. حيث نهانا الله سبحانه أن نلقي بأنفسنا في مواطن التهلكة، وإقدام الشخص على التبرع بجزء من جسده هو سعى لإهلاك نفسه في سبيل إحياء غيره، وليس ذلك مطلوباً منه، ولفظ التهلكة عام على نحو ما ورد في الآية يشمل كل ما يؤدي إليها، وقطع العضو من نفسه الموجب لإزالة منفعته فرد من أفراد ما يؤدي إلى الهلاك، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وذلك على حد ما ذكره علماء الأصول٢.
٢- قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ٣.
حيث دلت هذه الآية الكريمة على تكريم الله سبحانه للآدمي، وهذا التكريم شامل لحال حياته وما بعد موته، وانتزاع العضو منه مخالف لذلك التكريم، سواء في حال الحياة أو بعد الموت٤.
٣- واستدلوا كذلك بحديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: "لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو٥، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض فجزع، فأخذ مشاقص٦ فقطع بها براجمه٧، فشخبت٨ يداه حتى
стр. 428
مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، وهيئته حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ ، فقال: مالي أراك مغطياً يدك؟ قال: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم وليديه فاغفر" ١.
فقد أفاد هذا الحديث أن من تصرف في عضو منه بتبرع أو غيره فإنه يبعث يوم القيامة ناقصاً منه ذلك العضو عقوبة له، لأنه قوله "لن نصلح منك ما أفسدت" لا يتعلق بقتل النفس وإنما يتعلق بجرح براجمه وتقطيعهما٢.
٤- بما روى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم" ٣.
فقد أفاد الحديث أن الحي يحرم كسر عظمه، أو قطع أي جزء منه، وكذا الميت لأي سبب، إلا الحي لسبب أذن الشارع فيه٤.
وقد دعموا استدلالهم بقولهم: إن الإنسان ليس مالكاً لجسده، ولا مفوضاً في التصرف فيه، وبالتالي فليس له الحق في التصرف فيه بالتبرع أو أي نوع آخر من أنواع التصرفات كالبيع ونحوه، وعلى هذا: فلا يجوز استقطاع الأعضاء الآدمية قياساً على عدم جواز الأبضاع، حيث إنه قد تقرر أن الأصل في الأبضاع التحريم وكل منها من أعضاء الجسد٥.
واستدل القائلون بجواز نقل الأعضاء الآدمية بما يأتي:
١- قوله تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ
стр. 429
بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
٢- قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٢. إلى قوله ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
٣- قوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ*وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ٣.
وقالوا إن هذه الآيات الكريمات قد دلت على استثناء حالة الضرورة من التحريم المنصوص عليه فيها، فالإنسان المريض إذا احتاج إلى نقل العضو، فإنه سيكون في حكم المضطر، لأن حياته مهددة بالموت، وإذا كانت حالته حالة اضطرار، فإنه يدخل في عموم الاستثناء الوارد في هذه الآيات، ويباح نقل ذلك العضو إليه٤.
هذا: فضلاً عن أن هناك نصوصاً قرآنية أخرى تدل على أن مقصود الشارع الكريم إنما هو التيسير على العباد لا التعسير عليهم، والمقرر أن القول بجواز نقل الأعضاء الآدمية فيه التيسير على العباد، وتحقيق الرحمة بهم، وكل ذلك موافق لمقصود الشرع، بخلاف القول بغير ذلك٥، ومن هذه النصوص:
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ٦.
стр. 430
قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ ٤.
٤- قالوا بأن الله تعالى امتدح من آثر أخاه على نفسه بطعام أو شراب أو مال هو أحق به٥، فإذا كان ذلك في هذه الأمور اليسيرة، فكيف بمن آثر أخاه بعضو أو جزئه لكي ينقذه من الهلاك المحقق، لا شك أنه أولى وأحرى بالمدح والثناء، ومن ثم يعتبر فعله جائزاً أو مشروعاً٦.
٥- إن نقل الأعضاء الآدمية كان قبل ترقي الطب يعتبر ضرراً وخطيراً، والآن بعد تقدم الطب أصبح سهلاً مأمون العاقبة بالتجربة، فوجب تغيير الحكم بتغير الحال، فنقول: هو حرام حينما كان في العصور السابقة التي يغلب على الظن فيها الهلاك بعملية النقل، ويعتبر حلالاً في هذه العصور الحديثة التي أصبح فيها دواء وعلاجاً نافعاً٧.
٦- واستدلوا كذلك بأقوال الفقهاء المتقدمين ﵏ بجواز قتل الآدمي غير معصوم الدم، وأكل لحمه عند الاضطرار، ويظهر ذلك جلياً في النصوص الآتية:
قال الإمام النووي – ﵀: " ... ويجوز له٨ قتل الحربي، والمرتد، وأكلهما
стр. 431
بلا خوف، وأما الزاني المحصن، والمحارب، وتارك الصلاة ففيهم وجهان: أصحهما، وبه قطع إمام الحرمين، والمصنف، والجمهور: يجوز. قال الإمام: لأنا إنما منعنا من قتل هؤلاء تفويضاً إلى السلطان لئلا يفتات عليه، وهذا العذر لا يوجب التحريم عند تحقق ضرورة المضطر، وأما إذا وجد المضطر من له عليه قصاص فله قتله قصاصاً وأكله، سواء حضره السلطان أم لا ... وأما نساء أهل الحرب وصبيانهم ففيهم وجهان:
أحدهما: وبه قطع البغوي١ لا يجوز قتلهم للأكل، لأن قتلهم حرام، فأشبه الذمي، والثاني: وهو الأصح: يجوز ... وأما إذا لم يجد المضطر إلا آدمياً ميتاً معصوماً ففيه طريقان: أصحهما وأشهرهما يجوز ... "٢.
وقال الإمام العز بن عبد السلام٣ ﵀: "لو وجد المضطر من يحل قتله كالحربي، والزاني المحصن، وقاطع الطريق الذي تحتم قتله، واللائط، والمصر على ترك الصلاة جاز له ذبحهم وأكلهم إذ لا حرمة لحياتهم، لأنها مستحقة الإزالة، فكانت المفسدة في زوالها أقل من المفسدة في فوات حياة المعصوم ... "٤.
ويترجح – هنا – جواز نقل الأعضاء من الحي والميت على نحو ما ذهب إليه أنصار المذهب الثاني غير أن هذا مشروط بشروط مهمة تجب مراعاتها والتأكد من توافرها، ومن أهمها:
عدم الأضرار بالمنقول منه، والتأكد من هذا عن طريق طبيب مسلم ثقة بأن
стр. 432
يكون العضو له بديل آخر.
رضا المنقول منه حياً أو ميتاً، عن طريق رضائه، أو ورثته، أو وليه، أو نحو ذلك.
وجود حالة ضرورة ملحة يمكن دفعها بهذا النقل، وأن يتقرر هذا عن طريق طبيب مسلم عدل ثقة.
عدم المقابل لهذا، بمعنى أن يكون هذا على سبيل التبرع لإنقاذ حياة المنقول إليه، طالما أن الضرر لم يرفع بضرر آخر١ والله تعالى أعلم.
стр. 433
المطلب الثاني: حكم بيع بعض أجزاء الإنسان
أما عن بيع هذه الأعضاء أو الحصول على مقابل مادي فهذا غير جائز شرعاً، لانتفاء شرط صحة البيع وهو ملكية المبيع وماليته، فالأعضاء لا مالية لها بسبب عدم ملكيتها فضلاً عن أن هذه الجزئية مشمولة بذات أحكام بيع الإنسان التي تقرر فيما سبق الإجماع على منع هذا البيع، لأنه مخالف لمقصود الشارع من تكريم الآدمي وصونه عن الابتذال بالبيع ونحوه، خاصة وان الأعضاء الآدمية ليست ملكاً للإنسان، ولأن من شروط صحة البيع أن يكون المبيع ملكاً للبائع، وقد نهى الشارع عن بيع ما لا يملكه.
والمقرر أن أجزاء الإنسان الظاهرة والباطنة هي مكوناته، وهي حقيقته، وهي المؤدية لغايته، والمؤلفة لوحدة هذا الجسم وتناسقه، وحمايته على المدى القريب والبعيد، وهي المناط بها استمرار حياته، وكل جزء من أجزاء الإنسان خلق ليؤدي وظيفته، ويقوم بمهام ضمن الإطار العام لجسم الإنسان، ولما كان المقرر هو حرمة بيع الإنسان أو التصرف فيه حرم - تبعاً لهذا - بيع أي جزء من أجزائه غير المتجددة، ظاهراً كان ذلك العضو أو باطناً، وهذه الأجزاء جميعاً هي مكونات الآدمي، فما تأخذه الحقيقة الكلية من حكم يأخذه كل جزء من أجزائها، لأنها نفس واحدة وروح واحدة، فإذا حرم التصرف في الآدمي حرم التصرف في كل جزء
стр. 434
من أجزائه.
جاء في حاشية ابن عابدين: " ... والآدمي مكرم شرعاً وإن كان كافراً، فإيراد العقد عليه وابتذاله به وإلحاقه بالجمادات إذلال له وهو غير جائز ... "١.
هذا ومن المناسب هنا أن أتعرض في عجالة لما تفرع على مسألة بيع ونقل أجزاء الإنسان من أمور وبصورة خاصة لإظهار حكم الشرع بشأن مدى التصرف فيها، وهذه الأمور هي بيع دم الإنسان، وبيع اللبن، وبيع شعر الآدمي، وذلك على نحو ما يأتي:
أولاً: بيع دم الإنسان: ثار التساؤل بشأن مسألة نقل الدم لإسعاف المريض في الجراحة ونحوها أي أنه هل يجوز نقل الدم في حالات الضرورة؟، وإذا كان جائزاً فما هي شروط ذلك؟، وهل يجوز للإنسان إذا لم يجد من يتبرع له بالدم أن يدفع إليه المال؟
الأصل المقرر شرعاً هو منع بيع الدم لنجاسته، ولعموم النهي عنه الوارد مع الميتة والخمر ونحو ذلك، وبالنسبة لدم الإنسان فإن الحكم يسري عليه، ولا يجوز اعتبار دم الإنسان محلاً للبيع ونحوه مع جميع التصرفات الأخرى، باعتبار أنه جزء من الإنسان، وأنه محرم بتحريم أصله وهو ذات الإنسان، فضلاً عن أنه قد يؤثر في سريان الحرمة بسريانه في جسد المنقول إليه خاصة قبل مرور الحولين.
والكلام فقط في حالة نقل الدم لضرورة إسعاف مريض، أو إنقاذ حالات الحوادث في الحروب ونحوها، وذلك عن طريق التبرع.
والمقرر أنه لا مانع من هذا التبرع لإنقاذ الغير في حالة المرض الذي يستدعي إسعافه الفوري٢، وهذا ما استقر عليه الرأي واعتبر مسلكاً للفتاوى في هذا العصر إعمالاً لقاعدة: الضرورات تبيح المحظورات ٣، وهذا بطبيعة الحال له شروط
стр. 435
خاصة، أي إن أساس ذلك في المقام الأول إنما هو مصلحة المريض، حيث إنه لو قفل هذا الباب تماماً ربما لا نجد من يتبرع بجزء من دمه لإنقاذ غيره، فالدم وإن كان محرماً شرعاً بنص القرآن الكريم والسنة المطهرة على نحو ما سبق بيانه غير أن الضرورة الملجئة إلى التداوي به تبيح نقله من شخص إلى آخر إذا توقف شفاء المريض عليه، عملاً بقواعد الشريعة الإسلامية التي تثبت على أساسها الأحكام مثل: الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها١، والحاجة تنزل منْزلة الضرورة ٢، والمشقة تجلب التيسير ٣، فلا حرج على المريض ولا على الطبيب ولا على المتبرع نظراً لحالة الضرورة الداعية إلى هذا النقل٤.
وقد تأكد هذا الحكم فضلاً عما سبق بما يأتي:
١-قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ٥.
حيث دلت هذه الآية الكريمة على فضل التسبب في إحياء النفس المحرمة، ولا شك في أن الأطباء والأشخاص المتبرعين بدمائهم يعتبرون متسببين في إحياء النفس ذلك المريض التي تعتبر مهددة بالموت في حالة تركها بدون إسعافها بذلك الدم ونقله.
٢-كما انه قد ورد النص باستثناء حالات الاضطرار حيث قال سبحانه ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦. فقد نفت هذه الآية الإثم عمن اضطر إلى المحرم، والمريض مضطر إسعافه بالدم، ومن ثم لا حرج عليه في طلبه وقبوله، ولا حرج على الغير في تبرعه وبذله، وكذلك لا حرج على الأطباء في قيامهم
стр. 436
بذلك.
٣- كما أن المريض نفسه لو احتاج إنقاذه إلى نقل الدم وامتنع عن ذلك -لأي سبب - كان متعاطياً للسبب الموجب لهلاكه، وقد حرم الله سبحانه ذلك الصنيع في قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ٢.
٤ - إن بعض الفقهاء ﵏ نصوا في كتبهم على جواز التداوي بالدم عند الحاجة إليه، والحاجة موجودة هنا، بل هي أعلى مراتب الحاجة الموجبة للترخيص شرعاً وهي الضرورة.
فقد جاء في الفتاوى الهندية: " ... ولا بأس أن يسعط الرجل بلبن المرأة ويشربه للدواء"٣.
وإذا قيس الدم على اللبن فليس ذلك ببعيد عن القياس لاشتراكهما في كونهما جزئين من الإنسان، والفرق بينهما في أن اللبن طاهر والدم نجس، فإن سبب الحرمة الأول وهو كونه جزءاً من الإنسان لم يبق للضرورة تحريم، فبقي أمر كونه نجساً فقط، وقد رخص بعض الفقهاء باستعمال الدم دواء للضرورة، والمراد بحالة الضرورة خوف هلاك المريض، وذلك بشرط أن لا تتعرض حياة المتبرع بالدم أو صحته إلى الخطر، وأن لا يخشى بذلك إهدار كرامة الدم الإنساني وقيمته عن طريق تداوله بالبيع ونحوه.
وفي الفتاوى أيضاً " ... ولا بأس بالتداوي بالعظم إذا كان عظم شاة أو بقرة أو بعير أو فرس أو غيره من الدواب إلا عظم الخنْزير والآدمي فإنه يكره التداوي بها ... "٤.
هذا فضلاً عن أن قواعد الشريعة الإسلامية والتي سبق إيرادها تقضي جواز
стр. 437
التبرع، ولهذا فإنه يجوز نقل الدم والتبرع به للغير، ويعتبر المتبرع قد فعل الحسن بسبب إنقاذه للمريض ودفع الهلاك عنه، وقد اشترط الفقهاء لهذا التبرع عدة شروط:
١- أن يكون المريض محتاجاً إلى نقل الدم، ويثبت ذلك بشهادة الطبيب العدل.
٢ – أن يتعذر البديل الذي يمكن إسعافه به.
٣- أن لا يتضرر الشخص المنقول منه الدم بأخذه منه.
٤- أن يقتصر في نقل الدم على مقدار الحاجة، وذلك إعمالاًً للقاعدة الشرعية: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها"١.
وهذه نفس الشروط التي اعتبرها من قال بجواز نقل الأعضاء الآدمية من الحي ومن الميت على السواء.
وأما إذا لم يجد الإنسان من يتبرع له بالدم إلا بمقابل فإنه يجوز له دفع ذلك المقابل ويكون الإثم على الآخذ، وذلك لأن بيع الدم محرم شرعاً لما ثبت في الحديث الصحيح عنه ﵊: "أنه نهى عن ثمن الدم"٢ غير أنه قد أجيز للمريض دفع المقابل لرفع الأضرار عنه، وقد أوضح هذا الحكم الإمام النووي رحمه الله تعالى عند بيانه لأخذ الأجرة على فعل المحرم حيث قال: "وكما يحرم أخذ الأجرة في هذا يحرم إعطاؤها، وإنما يباح الإعطاء دون الأخذ في موضع ضرورة"٣.
وجاء في فتوى رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف أنه "لا مانع من أن يُعطي المتبرع بالدم المقابل في صورة أغذية تعوضه عن الدم المأخوذ منه، وذلك بطبيعة الحال بعد أخذ الدم منه وليس قبله، فضلاً عن أنه لا يشترط قدراً معيناً وإلا صار بيعاً"٤.
وقد صدرت في هذا الشأن فتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ونصت على أن "حكم أخذ العوض عن الدم، وبعبارة أخرى بيع الدم فقد رأى المجلس: أنه
стр. 438
لا يجوز، لأنه من المحرمات المنصوص عليها في القرآن الكريم مع الميتة ولحم الخنْزير، فلا يجوز بيعه وأخذ عوض عنه، وقد صح في الحديث: "إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه"١ كما صح أنه ﷺ "نهى عن بيع الدم" ويستثنى من ذلك حالات الضرورة إليه للأغراض الطبية ولا يوجد من يتبرع إلا بعوض، فإن الضرورات تبيح المحظورات بقدر ما ترفع الضرورة، وعندئذ يحل للمشتري دفع العوض ويكون الإثم على الآخذ، ولا مانع من إعطاء المال على سبيل الهبة أو المكافأة تشجيعاً على القيام بهذا العمل الإنساني الخيري، لأنه يكون من باب التبرعات لا من باب المعاوضات"٢.
فهذه الفتوى مع غيرها تقرر عدم جواز بيع الدم، لكرامة الإنسان ولنجاسته الدم وحرمة بيعه.
أما عن نشر الحرمة بالدم: فقد اتفق الفقهاء المعاصرون على أن نقل الدم قبل الحولين لا ينشر الحرمة، ولا يقاس بذلك على الرضاع، وذلك بطبيعة الحال في حالة التبرع به لضرورة إنقاذ الغير، ومن آخر الفتاوى الصادرة في هذا الشأن فتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي المذكورة أعلاه، وإنما ورد فيها: "وبعد مناقشات من أعضاء المجلس انتهى بإجماع الآراء إلى أن نقل الدم لا يحصل به التحريم، وأن التحريم خاص بالرضاع".
ثانياً: مسألة بيع اللبن: اللبن من الرزق الخالص في الحياة حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ ٣.
واللبن طاهر، لأنه من الطيبات التي أحلها الله للإنسان بالغذاء منه، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ
стр. 439
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
فالآيتان تدلان على طهارة لبن بنات آدم وما أكل لحمه من الحيوانات، فالألبان طاهرة من مأكول اللحم، وكذلك لبن بنات آدم، لأن تحريم ذات الآدمية كان لحرمتها وصونها عن الابتذال والمهانة، ولأن الرضاع جائز بعد انقطاع زمن الضرورة إليه، فلو لم يكن اللبن طاهراً لمنع الرضاع بعد انقضاء فترة الحولين.
وعليه فإن لبن الآدميات جزء من الجسم غير أنه جزء سائل، وهو بدون شك أثر من آثار رحمة الله سبحانه حيث جعله غذاء يتغذى به الأطفال، وهو ضرورة لهم لإقامة حياتهم حين يتمرؤن الطعام واللبن مثل الدم باعتباره جزءاً سائلاً غير أنه يفترق عنه عدة فروق:
أ – أن اللبن يفارق الدم من حيث اللون والطعم والرائحة، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان٢.
ب – أن تحريم الدم منصوص عليه في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة على نحو ما سبق بيانه، وهذا بخلاف اللبن، حتى عند من حرم بيعه كان التحريم راجعاً إلى كون اللبن تابعاً للجسم، وحيث كان الآدمي الحر يحرم بيعه إجماعاً على نحو ما سبق بيانه فكان جزؤه كذلك محرماً.
جـ – أن الحكمة من وجود اللبن في الآدميات هي كون ذلك اللبن غذاء للأطفال لبقاء النوع الإنساني بخلاف الدم، حيث كان شربه وتناوله مضراً بالإنسان وذلك لعسر هضمه فضلاً عن أنه لا يغلي كما يغلي اللبن فتبقى جراثيم المرض فيه حية تؤثر في الجسم الذي يدخله.
د- أن لبن الآدميات تتعلق به حرمة الزواج بين الرضاعين من الذكور والإناث
стр. 440
في مدة الرضاع بخلاف الدم، فإنه لا تتعلق به هذه الحرمة بين المتناولين له على فرض حدوث ذلك التناول١.
ولهذا فقد أجمع أهل العلم على أن لبن الآدميات باعتباره جزءاً منفصلاً عن جسم الآدمي فإنه يمكن الانتفاع به في الشرع، وذلك لورود آيات بينات في هذا المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٣ هذا فضلاً عن أن العرف والعادة يقرران أن اللبن بطبيعته مخصص للخروج من جسم المرأة لينتفع به٤.
ورغم هذا فقد اختلف الفقهاء بشأن مدى إمكان تعلق العقود - خاصة البيع - بلبن الآدميات، وسبب هذا الاختلاف أنهم لم يتفقوا على تحديد طبيعة ذلك اللبن، مع اختلافهم كذلك في طبيعة جواز الشرع للانتفاع به، وهل هذا جواز مطلق أم أنه مقرر في حالة الضرورة فقط؟ ٥.
والفقهاء متفقون على جواز الانتفاع بلبن الآدميات عن طريق إجارة الظئر، وهي وسيلة عقدية تعني أن المرأة تستطيع أن تلزم نفسها بإرضاع طفل لا تلتزم شرعاً بإرضاعه وذلك في نظير حصولها على أجر.
فقد جاء في الاختيار لتعليل المختار: " ... ويجوز استئجار الظئر بأجرة معلومة ويجوز بطعامها وكسوتها وليس للمستأجر أن يمنع زوجها من وطئها ... "٦.
وقد نص الشيخ الدردير في الشرح الصغير على جواز إجارة الظئر فقال: "وكجواز
стр. 441
إيجار مرضع لترضع طفلا وإن كان فيه استيفاء عين قصدا للضرورة، وسواء كانت آدمية أم لا كانت الأجرة طعاما أو غيره ... "١.
وجاء في بلغة السالك: "تنبيه" قال في المدونة: ومن واجر ظئرين فماتت واحدة فللباقية أن ترضع وحدها، ومن واجر واحدة ثم واجر أخرى فماتت الثانية فالرضاع للأولى لازم كما كانت، وإن ماتت الأولى فعليه أن يأتي بمن ترضع مع الثانية أ.?٢. وفي مغني المحتاج: " ... وتصح الإجارة ولو من زوج ... لحضانة أي حضانة امرأة لولد وإرضاع له معا ... ولأحدهما فقط ... "٣. وجاء في المغنى لابن قدامه: " ... وأجمع أهل العلم على جواز استئجار الظئر وهي المرضعة، وهو في كتاب الله تعالى في قوله ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٤ واسترضع النبي ﷺ لولده إبراهيم، ولأن الحاجة تدعو إليه فوق دعائها إلى غيره فإن الطفل في العادة إنما يعيش بالرضاعة وقد يتعذر إرضاعه من أمه فجاز ذلك كالإجارة في سائر المنافع ... "٥.
أما عن بيع اللبن المنفصل من الآدميات فقد اختلف الفقهاء بشأنه:
مذهب الحنفية: منع بيع لبن الآدميات، وهذا ما قال به الإمام أبو حنيفة ﵀، وقال بعدم ضمان متلفه وذلك لأنه لا يباح الانتفاع به شرعاً إلا ما كان لضرورة تغذية الطفل، وما كان حراماً من حيث الانتفاع به شرعاً إلا لضرورة فإنه لا يعد مالاً وذلك كالخمر، ومما يؤكد هذا عدم تداوله وبيعه في الأسواق حيث إن هذا فيه الدلالة على عدم ماليته، ولهذا فلا يجوز بيعه، هذا فضلاً عن أنه جزء من الآدمي، والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرم، من أجل هذا لم يجز بيعه ولا ابتذاله، فلا مجال لامكان العقد على لبن الآدمية الحرة.
стр. 442
وهذا ما عليه ظاهر الرواية عند الحنفية أيضاً بالنسبة للبن الأمة، خلافاً لما ذهب إليه أبو يوسف من القول بجواز بيع لبن الأمة باعتباره أحد أجزائها، وحيث كان الأصل يجوز بيعه كان الجزء كذلك.
فقد جاء في بدائع الصنائع: " ... ولا ينعقد بيع لبن المرأة في قدح عندنا ... لأن اللبن ليس بمال فلا يجوز بيعه ... ثم لا فرق بين لبن الحرة وبين لبن الأمة في ظاهر الرواية، وعند أبي يوسف ﵀ أنه يجوز بيع لبن الأمة لأنه جزء من آدمي هو مال فكان محلاً للبيع كسائر أجزائه ... "١.
فالمستفاد من النص: عدم انعقاد بيع لبن المرأة منفصلاً، وعبر عن هذا بكونه في قدح، معللاً هذا بأن اللبن ليس بمال فلا يجوز بيعه، وأن هذا الحكم يشمل لبن الحرة والأمة على السواء، وذلك في ظاهر رواية الحنفية، خلافاً لما قال به أبو يوسف من جواز بيع لبن الأمة باعتبار مالية أصله فكان اللبن محلاً للبيع كسائر أجزائه.
وجاء في حاشية ابن عابدين: "ولا يجوز بيع لبن امرأة ولو في وعاء، ولو أمة على الأظهر، لأنه جزء آدمي، والرق مختص بالحي ولا حياة في اللبن فلا يحله الرق، قوله "على الأظهر" أي ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف جواز بيع لبن الأمة لجواز إيراد البيع لنفسها فكذا على جزئها، قلنا: الرق حلّ نفسها فأما اللبن فلا رق فيه لأنه يختص بمحل تتحقق فيه القوة التي هي ضده وهو الحي ولا حياة في اللبن، فلا يكون محلاً للعتق ولا للرق فكذا البيع، وأشار إلى أنه لا يضمن متلفه لكونه ليس بمال ... "٢.
وجاء في الهداية: "ولا يجوز بيع لبن امرأة في قدح، وقال الشافعي ﵀ يجوز بيعه لأنه مشروب طاهر، ولنا أنه جزء الآدمي وهو بجميع أجزائه مكرم مصون عن الابتذال بالبيع، ولا فرق في ظاهر الرواية بين الحرة والأمة وعن أبي يوسف ﵀ أنه يجوز بيع لبن الأمة لأنه يجوز إيراد العقد على نفسها فكذا على جزئها، قلنا: الرق قد حل نفسها فأما اللبن فلا رق
стр. 443
فيه، لأنه يختص بمحل يتحقق فيه القوة التي هي ضده وهو الحي ولا حياة في اللبن"١.
وجاء في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: "ولا يجوز بيع لبن امرأة سواء كانت حرة أو أمة، ولو للوصل بعد الحلب لأنه جزء الآدمي، وهو بجميع أجزائه مكرم مصون عن الابتذال بالبيع، وأما بيع نفس الأمة فحلال لاختصاصه للحي ولا حياة في لبنها، وقال الشافعي: يكون اللبن محلاً للبيع لكونه مشروباً طاهراً، وعند أبي يوسف يصح في لبن الأمة اعتباراً لبيعها، وفي الهداية وغيرها ولا فرق في ظاهر الرواية بين لبن الحرة والأمة، وعن أبي يوسف أنه يجوز بيع لبن الأمة ... "٢.
فمذهب الحنفية: أنه لا يجوز بيع لبن الآدميات لعدم ماليته، ولأن في بيعه إهانة للآدمي، لأنه جزء من ذلك الآدمي المحترم بكافة أجزائه، وهذا ما عليه أبو حنيفة فيما يشمل لبن الأمة بمعنى أنه لا فرق بين لبن الحرة ولبن الأمة خلافاً لما ذهب إليه أبو يوسف من جواز بيع لبن الأمة لأنه جزء من أدمي يجوز بيعه وحيث جاز بيع الكل فلا مانع من بيع أحد أجزائه.
مذهب المالكية: جواز بيع لبن الآدميات باعتباره جزءاً منفصلاً من جسم آدمي يمكن الانتفاع به في الشرع فضلاً عن طهارته، بخلاف ما لو كان لبن ميتة فإنه لا يجوز بيعه لنجاسته بنجاسة الميتة.
فقد جاء في مواهب الجليل: "ولبن الآدمي إلا الميت" أي والطاهر لبن الآدمي ذكراً كان أو أنثى، مسلم أو كافر، وقوله "إلا" الآدمي الميتة فلبنه نجس بناء على أنه نجس ... ويجوز بيع لبن الآدميات لأنه طاهر منتفع به ... "٣.
فقد بنى المالكية قولهم بجواز بيع لبن الآدميات على أنه طاهر طالما كان من حي، فإن كان من ميتة فإنه يمتنع بيعه لنجاسته بنجاسة أصله وهو الميتة.
وجاء في حاشية الدسوقي: "ولبن الآدمي إلا الميت" أي والطاهر لبن الآدمي
стр. 444
ذكر كان أو أنثى، مسلم أو كافر، وقوله "إلا" الآدمي "الميت" فلبنه نجس لأن ميتته نجسة ... "١.
فمذهب المالكية: أن لبن الآدمي الحي أي المنفصل عنه حال حياته طاهر، وأنه يستوي في هذا لبن الذكر والأنثى والمسلم والكافر خلافاً للآدمي الميت فإن لبنه نجس، وبالنسبة لمسألة بيع لبن الآدميات فقد قال المالكية إنه لا مانع من بيع هذا اللبن طالما كان من امرأة حية، لطهارته ولضرورة تغذية الطفل.
أما بالنسبة للبن الآدميين الذكور فلم يرد نص بشأن بيعه، وأنه رغم طهارته إلا أنه لا يجوز بيعه ولا التعامل فيه نظراً لعدم تحقق حالة الضرورة التي تقرر من أجلها جواز بيع لبن الآدمية وهي تغذية الطفل.
وبالنسبة للبن الميتة فقد استثناه المالكية من أصل الحكم عندهم وهو الجواز، وذلك لنجاسة ذلك اللبن بنجاسة أصله وهو الميتة.
مذهب الشافعية: جواز بيع لبن الآدميات، وأنه لا مانع من إيراد عقد البيع عليه طالما انفصل عن المرأة حال حياتها، وهذا هو المذهب وما قطع به الأصحاب، خلافاً لما حكاه الماوردي والروياني والشاشي٢ عن أبي القاسم الأنماطي٣ الشافعي أنه قال بعدم جواز بيعه بناء على قوله بنجاسته وإنما يربى به الصغير للحاجة إليه، ومن قال بنجاسة لبن الميتة ولبن الذكر قد فرّع هذا على نجاسة ميتة الآدمي على نحو ما قال ابن
стр. 445
الصباغ١ والقاضي أبو الطيب وذلك على نحو ما أفاد الروياني من الشافعية، وعلى أية حال فقد ذكرت كتب الفقه الشافعي أن الصواب جواز بيعه أي لبن الآدميات على نحو ما قال به الأصحاب.
فقد جاء في المجموع: "فرع" بيع لبن الآدميات جائز عندنا لا كراهة فيه، هذا هو المذهب وقطع به الأصحاب إلا الماوردى والشاشي والروياني فحكوا وجهاً شاذاً عن أبي القاسم الأنماطي من أصحابنا أنه نجس لا يجوز بيعه ... فالصواب جواز بيعه، قال الشيخ أبو حامد هكذا قاله الأصحاب، قال: ولا نص للشافعي في المسألة هذا مذهبنا ... "٢.
وجاء في مغنى المحتاج: " ... وكذا لبن الآدمي، إذ لا يليق بكرامته أن يكون منشؤة نجساً ... ولبن الذكر والصغيرة وهو المعتمد الموافق لتعبير الصيمري٣ بقوله: ألبان الآدميين والآدميات لم يختلف المذهب في طهارتها وجواز بيعها، وقال الزركشي: إنه الصواب، وقول القاضي أبي الطيب وابن الصباغ: لبن الميتة والذكر نجس مفرع على نجاسة ميتة الآدمي كما أفاده الروياني ... "٤.
فمذهب الشافعية: جواز بيع لبن الآدميات طالما انفصل عن المرأة وهي حية، وذلك لطهارته، ولضرورة تغذية الطفل به، وأن أبا القاسم الأنماطي الشافعي قد خالف في هذا وقال بعدم الجواز بناء على قوله بنجاسته ولو أنه يقول بجواز تربيه الصغير به للحاجة.
стр. 446
وذكر صاحب المجموع أن هذا الوجه غلط من قائله فقد سبق بيانه في باب إزالة النجاسة.
هذا ومنصوص كتب الفقه الشافعي أن الصحيح في المذهب هو القول بجواز بيع لبن الآدميات وهذا ما عليه أصحاب الشافعي ﵀، وبالنسبة للبن الذكر والصغيرة، فقد اعتبر صاحب مغني المحتاج سريان ذات حكم لبن الآدميان على هذا، معللاً قوله بأنه لا يليق بكرامة الآدمي أن يكون نجساً، وقال إن هذا هو المعتمد الموافق لتعبير الصيمري حيث قال: ألبان الآدميين والآدميات لم يختلف المذهب في طهارتها وجواز بيعها، وقال الزركشي: إنه الصواب، وعلق صاحب مغني المحتاج على قول القاضي أبي الطيب وابن الصباغ بأن لبن الميتة والذكر نجس بقوله إن هذا مفرع على نجاسة ميتة الآدمي كما أفاده الروياني.
مذهب الحنابلة: اختلف فقهاء الحنابلة بشأن بيع لبن الآدميات. فالمذهب عندهم القول بجوازه بناء على أنه جزء منفصل من جسم آدمي وأنه يمكن الانتفاع به شرعاً فضلاً عن طهارته، وقياسه على لبن الشاة، كما أنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر وهذا هو ظاهر كلام الخرقي.
والوجه الثاني المقابل لهذا: أن بيع لبن الآدميات لا يصح مطلقاً، وهناك جماعة من الحنابلة يذهبون إلى تحريم ذلك البيع، وقيل: إنه يصح من الأمة دون الحرة، وقيل: يكره مطلقاً.
وهكذا كانت أقوال الحنابلة في هذا الشأن خمسة أقوال، وذكرت كتبهم أن أصح هذه الأقوال وما عليه المذهب عندهم هو القول بجواز بيع لبن الآدميات مطلقاً حرة أو أمة كانت صاحبة اللبن.
وأما بالنسبة للبن الرجل فقد نصوا على عدم صحة بيعه وعدم ضمان متلفه.
فقد جاء في كشاف القناع: " ... يصح بيع لبن آدمية ولو كانت حرة أي المنفصل منها لأنه طاهر منتفع به كلبن الشاة، ولأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر فيضمنه متلفه، ويكره للمرأة بيع لبنها نص عليه، ولا يصح بيع لبن الرجل، فلا يضمن بإتلافه
стр. 447
.."١.
فالمستفاد من هذا النص: أن المذهب صحة بيع لبن المرأة، وهناك رأي يقول بكراهة بيع المرأة للبنها، وبالنسبة لبيع لبن الرجل فالاتفاق عندهم أنه لا يصح بيعه.
وجاء في الإنصاف: "وأما بيع لبن الآدميات: فأطلق المصنف فيه وجهين: ... أحدهما: يصح مطلقاً. وهو المذهب، وهو ظاهر كلام الخرقي وصححه المصنف ... والوجه الثاني: لا يصح مطلقاً، قال المصنف والشارح: ذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه ... فعليه: لو أتلفه متلف ضمنه على الصحيح من المذهب، ويحتمل ألا يضمنه كالدمع والعرق قاله القاضي ... وقيل: يصح من الأمة دون الحرة ... وأطلق الإمام أحمد ﵀ الكراهة. فائدة: لا يجوز بيع لبن الرجل. ذكره القاضي محل وفاق ... "٢.
فالمستفاد من هذا النص: أن المرداوي ذكر رأيين للمذهب في بيع لبن الآدميات:
الأول: أنه يصح مطلقاً، وهو المذهب وظاهر كلام الخرقي وصححه المصنف.
والثاني: لا يصح مطلقاً، وذكر المصنف أنه لجماعة من الأصحاب، وهناك قول بأنه يصح بيع لبن الأمة دون الحرة، وأطلق الإمام أحمد كراهة بيع لبن الآدمية، أما بيع لبن الرجل فلا يجوز وهو محل اتفاق في المذهب ذكره القاضي.
وجاء في المغنى والشرح الكبير: "فصل" "فأما بيع لبن الآدميات فقال أحمد أكرهه، واختلف أصحابنا في جوازه فظاهر كلام الخرقي جوازه لقوله: وكل ما فيه المنفعة جاز بيعه، وهذا قول ابن حامد٣ ... وذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه ... والأول
стр. 448
أصح ... "١.
فالمستفاد من هذا النص: أن الحنابلة مختلفون بشأن بيع لبن الآدميات، فالإمام أحمد ابن حنبل ﵀ يقول بكراهته، والخرقي من الحنابلة يرى جواز ذلك البيع، في حين أن جماعة من الحنابلة يرون تحريم بيع ذلك اللبن، وصحيح النص القول بالجواز.
فخلاصة مذهب الحنابلة أربعة أقوال:
الأول: يجوز بيع لبن الآدميات مطلقاً، وهذا ظاهر كلام الخرقي، وهو المذهب لدى الحنابلة.
الثاني: عدم جواز بيع لبن الآدميات مطلقاً، وهذا ما ذكره جماعة من الأصحاب.
الثالث: كراهة بيع لبن الآدميات، وهو للإمام أحمد ﵀.
الرابع: صحة بيع لبن الأمة دون الحرة، وهو لبعض الحنابلة.
الموازنة: بمراجعة ما ذكره الفقهاء بشأن حكم بيع لبن الآدميات يتضح ما يأتي:
أن الحنفية متفقون على عدم جواز بيع لبن الآدمية الحرة بناء على عدم ماليته ومنعاً من إهانته لأنه جزء من آدمي محترم.
أما بالنسبة للبن الأمة فما عليه الإمام أبو حنيفة وعامة الأصحاب هو منع بيعه هو الآخر على معنى أنه لا فرق بين لبن الأمة والحرة في هذا الشأن، ولم يخالف منهم في هذا سوى أبي يوسف حيث قال بجواز بيع لبن الأمة باعتبار أنه جزء من آدمي يجوز بيعه فجاز بيع أحد أجزائه.
أن المالكية: يرون أنه لا مانع من بيع لبن الآدميات طالما كان من امرأة حية، وذلك بناء على طهارته ولضرورة تغذية الطفل، وعلى هذا فإنه يمتنع بيع لبن الآدمية الميتة لأن ذلك اللبن نجس بناء على نجاسة ميتته.
أن الشافعية: يرون جواز بيع لبن الآدميات طالما انفصل عن المرأة وهي حية، وذلك بناء على القول بطهارته، ولضرورة تغذية الطفل، وقد حكي خلاف
стр. 449
هذا عن أبي القاسم الأنماطي منهم حيث نقل عنه القول بعدم جواز بيع لبن الآدميات بناء على القول بنجاسته.
أما الحنابلة: فقد اختلفوا بشأن حكم بيع لبن الآدميات، وأن المذهب عندهم جواز بيعه لإمكان الانتفاع به، ولطهارته، ولقياسه على لبن الشاة، وهذا ما عليه ظاهر كلام الخرقي، وفي الوجه المقابل لهذا أنه لا يصح بيع لبن الآدميات مطلقاً، أي سواء كان من حرة أم من أمة، وعن بعض الحنابلة أنه يحرم بيعه، وقال الإمام أحمد بكراهة ذلك البيع، وقيل يصح من الأمة دون الحرة، وقد أجمعوا على عدم جواز بيع لبن الرجل.
وبناء على هذا فإن حكم بيع لبن الآدميات يتحقق في الأقوال الآتية:
القول الأول: يرى جواز بيع لبن الآدميات مطلقاً، أي سواء كانت تلك الآدمية حرة أم كانت أمة، وإلى هذا ذهب المالكية والشافعية وما عليه المذهب عند الحنابلة.
القول الثاني: يرى عدم جواز بيع لبن الآدميات مطلقاً، وإلى هذا ذهب الحنفية وأبو القاسم الأنماطي من الشافعية، وهو الوجه الثاني عند الحنابلة وقد عبروا عن هذا المنع بالتحريم المطلق لبيع لبن الآدميات.
القول الثالث: كراهة بيع لبن الآدميات على الإطلاق، أي سواء كان من حر أم أمة، وهذا ما قال به الإمام أحمد ﵀.
القول الرابع: جواز بيع لبن الأمة دون لبن الحرة، وهذا ما عليه أبو يوسف من الحنفية وبعض الحنابلة.
وعلى هذا فالمذاهب في المسألة أربعة وذلك على النحو الآتي:
المذهب الأول: يرى جواز بيع لبن الآدميات مطلقاً، وهذا ما ذهب إليه كل من المالكية والشافعية وما عليه المذهب عند الحنابلة.
المذهب الثاني: يرى عدم جواز بيع لبن الآدميات مطلقاً، وهذا ما ذهب إليه الحنفية وأبو القاسم الأنماطي من الشافعية وهو الوجه الثاني عند الحنابلة.
стр. 450
المذهب الثالث: كراهة بيع لبن الآدميات مطلقاً، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل.
المذهب الرابع: فعلى نحو من التفصيل، حيث يرى جواز بيع لبن الأمة دون الحرة، وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف من الحنفية وبعض الحنابلة.
الأدلة:
استدل القائلون بجواز بيع لبن الآدميات بما يأتي:
أن لبن الآدميات طاهر، وأنه يجوز الانتفاع به خاصة وأنه من حي، ولضرورة تغذية الطفل به، وقد قال الحنابلة في تعليل وجه جواز بيعه أنه منفصل عن حي وهو طاهر منتفع به كلبن الشاة، ولأنه يجوز أخذ العوض عنه كما في إجارة الظئر فأشبه المنافع، فضلاً عن أنه غذاء للآدمي فجاز بيعه كالخبز، وقد وردت آيات في ذات المعنى المقرر هنا وهو إمكان الانتفاع به وجواز اعتباره محلاً للتصرفات ومنها البيع حيث قال سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ٢ وقد استرضع النبي ﷺ لولده إبراهيم، ولأن الحاجة تدعو إليه أكثر من غيره، فإن الطفل في العادة إنما يعيش بالرضاعة، وقد يتعذر إرضاعه من أمه فجاز ذلك على الإجارة في سائر المنافع، فضلاً عن أن اللبن مشروب طاهر فيحل بيعه قياساً على بيع المشروبات الطاهرة المنتفع بها.
وأنه يكفي في جواز بيع الشيء وجود أصل المنفعة فيه وإن قلّت أو قلّت قيمتها، فيصح بيع التراب والماء ولبن الآدميات قياساً على لبن الغنم فضلاً عن إباحة شرب اللبن وطهارته.
واستدل المانعون لبيع لبن الآدميات بما يأتي: أن اللبن ليس مالاً ولهذا فلا يمكن تداوله، وأنه جزء من الآدمي والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرم لا يجوز إهانته وابتذاله بالبيع ونحوه، وهذا عند الحنفية، وقد علل أبو القاسم الأنماطي عدم البيع بنجاسته فضلاً عما تقرر لدى الحنفية من أنه جزء من آدمي فلا يجوز بيعه اعتباراً بأصله.
стр. 451
وقالوا: إن اللبن جزء من الآدمي لا يباح الانتفاع به على الإطلاق، وأن تغذية الطفل به تقرر لضرورة فلا يتوسع فيها حيث كانت مشروعيتها استحساناً تسوغها ضرورة المحافظة على حياة الطفل، فعقد البيع على هذا يختلف عن الرضاعة فلا يقاس عليه في الحكم وهو الجواز، وقالوا إنه مائع خارج من آدمية فلم يجز بيعه كالعرق.
ونوقش هذا: بأن قياس اللبن على العرق قياس مع الفارق، لأن العرق لا نفع فيه ولهذا لا يباع عرق الشاة ويباع لبنها، كما أنه جاز بيع سائر أجزاء الآدمي وجاز بيع العبد والأمة وإنما حرم بيع الحر لأنه ليس بمملوك، وحرم بيع العضو المقطوع لأنه لا نفع فيه١.
واستدل الإمام أحمد بن حنبل ﵀ على قوله بكراهة بيع لبن الآدمية مطلقاً بذات ما استدل به القائلون بالمنع والتحريم المطلق، غير أنه وجه عدم الجواز بالكراهة مفسراً النهي عن هذا بحد الكراهة دون التحريم كما قال بعض الحنابلة، وفي هذا يقول الإمام أحمد فيما ورد في الكافي في فقه الإمام أحمد: " ... أكره بيع لبن الآدميات فيحتمل التحريم، لأنه مائع خارج من آدمية، أشبه العرق، ويحتمل كراهية التنْزيه لأنه طاهر منتفع به أشبه لبن الشاة ... "٢.
ونوقش هذا: في الشق الخاص بقياس اللبن على العرق فيما يتعلق بتفسير صاحب الكافي كراهة الإمام أحمد بيع لبن الآدميات، نوقش بذات المناقشة الواردة على استدلال المانعين بيع لبن الآدميات مطلقا من أن قياس اللبن على العرق قياس مع الفارق.
واستدل المفصلون بما يأتي: استدلوا على قولهم بمنع بيع لبن الآدمية الحرة بذات ما تمسك به المانعون من بيع لبن الآدميات مطلقاً، ويرد عليهم ذات الاعتراض بشأن وجه الاستدلال على نحو ما سبق.
واستدلوا على قولهم بجواز بيع لبن الأمة بأنه جزء من آدمي يجوز بيعه، وحيث
стр. 452
جاز بيع الكل فلا مانع من بيع أحد أجزائه ومنها اللبن محل النّزاع هنا، فضلاً عن تمسكهم بذات الأدلة التي ساقها المجوزون لبيع لبن الآدميات على الإطلاق.
الترجيح: بعد عرض الآراء على نحو ما استخلصناه ومراجعة ما استدل به كل فريق، يتضح لنا رجحان القول بعدم جواز بيع لبن الآدمية الحرة، ومستند هذا الترجيح ما يأتي:
١ – ان الآدمي مكرم شرعاً وأنه غير مبتذل وهذا لم ينكره أحد من العلماء سواء من منع بيع اللبن، أو من أجاز بيعه، والمقرر أن البيع وما شابهه من التصرفات يحقق الإهانة والابتذال للشيء المباع وإخضاعه لإرادة بائعه والمتصرف فيه.
٢ – ان الآدمي الحر ليس مالاً يباع ويشترى، ويوهب ويتصدق به، ويؤكل، وهذا محل اتفاق كذلك بين العلماء، وعلى هذا لا يجرى عليه ما يجري على الأموال.
٣ – ان قول المجوزين لبيع لبن الآدمية الحرة أن اللبن مشروب طاهر منتفع به فيحل بيعه، قياساً على حل بيع المشروبات الطاهرة المنتفع بها؛ يمكن أن يرد عليه بأن اعتبار اللبن مشروباً كان للضرورة حتى إذا استغنى الطفل عن الرضاع لا يجوز شربه والانتفاع به.
فالقول في الاستدلال بأنه مشروب طاهر إلى أخره منعه بعض الفقهاء ولم يجعلوه مشروباً طاهراً جائزاً بيعه، ولكنهم قالوا بأنه ليس مشروباً وأنه أبيح استثناء رضاعة للطفل حفاظاً على حياته، وفيما عدا ذلك يحرم، فهذا الدليل غير مسلم عند كل الفقهاء فهو استدلال بمختلف فيه ولا يصح الاستدلال به، وتبقى الأدلة الأخرى سالمة عن المعارضة.
٤ – ان قياس لبن الآدميات في جواز بيعه على لبن الغنم قياس مع الفارق، وذلك لأن الإنسان مالك للغنم، والغنم مملوكة له، وفرق بين الأمرين، وأن لحم الإنسان محرم ولحم الغنم حلال، وأن الإنسان مكرم غير مبتذل، في حين أن الأغنام مسخرة للإنسان ومبتذلة له، وهذا كله فضلاً عن أن لبن الآدميين تتعلق به أحكام دقيقة وخطيرة من حيث تحريم النكاح ونحوه ولا تتعلق بلبن الغنم أحكام، لكل هذا
стр. 453
كان قياس لبن الآدميات على لبن الأغنام قياساً مع الفارق لا يعتد به.
٥ – أن القول بالانتفاع به وان كل ما كان منتفعاً به جاز بيعه، غير مسلم على الإطلاق، لأن كل المحرمات لا تعدم نوعا من النفع، فالخمر مثلاً بها قدر من المنفعة غير أن الشرع قد أهدر هذه المنفعة فيها، ولهذا كان من شرط إباحة التصرف في الشيء أن يكون أصل الشيء حلالاً في ذاته، ومباحاً في ذاته، فإذا وجد فيه منفعة وان قلت أبيح بيعه والتصرف فيه كما تقولون، ولكن هذا لمن ملك أصل الشيء، والسؤال الآن: هل ملك الإنسان نفسه؟، أو هل ملك أحد إنساناً حراً، حتى نقول بجواز بيع ذلك الإنسان أو بيع جزء منه، فالإجابة على ذلك: لا، لأن الحر غير مملوك وأنه يحرم المساس به كلاً أو بعضاً الا بحق وهذا معروف ومقرر.
وبناء على هذا: أرى عدم جواز بيع لبن الآدمية الحرة، ولا الآدمي، ترتيباً على عدم جواز بيعهما، ولا بيع شيء من أجزائها. والله تعالى أعلم١.
هذا: وقد تفرع على القول المرجوح هنا من جواز بيع لبن الآدميات، مسألة حرمة الرضاع المترتب عليها مسألة حرمة النكاح تصديقاً لقول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" ٢.
وقد تعرض الفقهاء المعاصرون لهذه الأمور عند حديثهم عن بنوك الحليب، واختلفوا كثيراً، وتشعبت آراؤهم، بمراعاة أن المحذور هو أن الرضيع عن طريق هذا الحليب قد يريد أن يتزوج فيما بعد من إحدى الفتيات، وهو لا يدري فقد تكون هذه الفتاة قد رضعت معه من ذات اللبن، فتحرم عليه أم لا؛ وهذا يجعلنا نقف عند معنى الرضاع شرعاً: فعند جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي
стр. 454
هو كل ما يصل إلى جوف الصبي عن طريق حلقة مثل الوجور، وهو أن يصب اللبن في حلقه، بل ألحقوا به السعوط، وهو أن يصب اللبن في أنفه، بل بالغ بعضهم فألحق الحقنة عن طريق الدبر بالوجور والسعوط.
ولم يخالف في هذا سوى الليث بن سعد١، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وإن كانت الرواية الأخرى موافقة لما عليه الجمهور.
وما انتهى إليه القول لدى عامة الفقهاء هو أنه تناول خمس رضعات "على خلاف في العدد" مشبعات، توجب التحريم بين المرضعة والرضيع، ويحرم بالتالي جميع ما يحرم بالنسب، وأنه لا فرق في ثبوت التحريم بالرضاع بين أن يرتضع الطفل من الثدي مباشرة أو أن يشرب لبن المرأة من زجاجة مثلاً بعد حلبه، حتى لو صار لبن المرأة جبنا أو مخيضا فإنه يثبت به التحريم عند الشافعية والحنابلة، وقال أبو حنفية: إذا صار جبنا أو مخيضا لا يثبت به التحريم لزوال الاسم، ولم يخالف في هذا سوى بعض العلماء كالليث بن سعد وبعض العلماء المعاصرين كالشيخ يوسف القرضاوي والشيخ عبد اللطيف حمزة مفتي مصر الأسبق، وذلك عند الكلام على بنوك الحليب.
وعلى هذا: وبناء على ما ترجح لدينا سابقاً من عدم جواز بيع لبن الآدميات، سداً لذريعة الاتجار خاصة وأن بنوك الحليب عليها محاذير كثيرة، وأنه لا ضرورة إليها لأنه قد يؤدي إلى اختلاط الأنساب غالباً، فضلاً عن أن فيه عزوف النساء المترفات عن إرضاع أبنائهن، ولجوء الأمهات الفقيرات إلى حرمان أبنائهن من الإرضاع بسبب بيعهن لألبانهن فتزداد المخاطر على الأطفال، ولهذا كان الراجح هنا ما عليه الجمهور من القول بالتحريم من رضاعة لبن يجمع من أمهات متعددات ويبقى على هيئته أي دون تجفيفه.
وبناء على هذا وبمناسبة عرض موضوع بنوك الحليب للمناقشة من جانب مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة
стр. 455
من ١٠ – ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦? / ٢٢- ٢٨ ديسمبر ١٩٨٥ م تمت مناقشة الدراسات الفقهية والطبية حول هذا الموضوع وقرر المجلس ما يلي:
١- أن بنوك الحليب تجربة ما قامت بها الأمم الغربية، ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية والعلمية فيها فانكمشت وقل الاهتمام بها.
٢ – أن الإسلام يعتبر الرضاع لحمة كلحمة النسب، يحرم به ما يحرم من النسب بإجماع المسلمين، ومن مقاصد الشريعة الكلية المحافظة على النسب، وبنوك الحليب مؤدية إلى الاختلاط أو الريبة.
٣ – أن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج، أو ناقصي الوزن، أو المحتاج إلى اللبن البشري في الحالات الخاصة، ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبيعي الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب.
وبناء على ذلك قرر:
أولاً: منع إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي.
ثانياً: حرمة الرضاع منها؛ والله تعالى أعلم.
ثالثاً: بيع شعر الآدمي الحر والانتفاع به
مما لا شك فيه أن شعر الإنسان له من الأهمية الشأن الكبير بالنسبة لرأس الآدمي الذي يوجد به مركز الإحساس وهو المخ، ولهذا فإن أهمية الشعر - وإن كان من الأعضاء المتجددة - فإنه يأتي في الأهمية الأولى، وذلك للمحافظة علية، وحماية لهذا الجزء المهم من أجزاء الجسم الإنساني، وقد اهتم بعض الفقهاء بحكم بيع شعر الإنسان ونصوا عليه مع بيان ما استندوا إليه من أدلة في حين أن البعض الآخر أغفل ذكر هذه المسألة اعتماداً على أن الشعر من أجزاء الإنسان ويسري عليه ما يسري على بقية الأجزاء.
اختلف الفقهاء في بيع شعر الآدمي والانتفاع به:
مذهب الحنفية: عدم جواز بيع شعور الإنسان ولا الانتفاع بها، ورواية عن محمد
стр. 456
بن الحسن بجواز ذلك، أي أن محمد بن الحسن يرى جواز الانتفاع بشعر الآدمي.
فقد جاء في شرح فتح القدير: " ... ولا يجوز بيع شعور الإنسان ولا الانتفاع بها، لأن الآدمي مكرم لا مبتذل، فلا يجوز أن يكون شيء من أجزائه مهاناً ومبتذلاً، وعن محمد أنه يجوز الانتفاع بها ... "١. وجاء في مجمع الأنهر: " ... ولا يجوز بيع شعر الآدمي، ولا الانتفاع به، ولا بشيء من أجزائه، لأن الآدمي مكرم غير مبتذل، فلا يجوز أن يكون شيئاً من أجزائه مهاناً مبتذلاً ... وعن محمد أنه يجوز الانتفاع به ... "٢. وفي شرح العناية على الهداية: "بيع شعور الآدميين والانتفاع بها لا يجوز، وعن محمد أنه يجوز الانتفاع بها ... "٣. وجاء في بدائع الصنائع: " ... وأما عظم الآدمي وشعره فلا يجوز بيعه، لا لنجاسته لأنه طاهر في الصحيح من الرواية، لكن احتراما له والابتذال بالبيع يشعر بالإهانة ... "٤. وورد في الهداية: "لا يجوز بيع شعور الإنسان ولا الانتفاع بها ... "٥.
وفي حاشية ابن عابدين: " ... والآدمي مكرم شرعاً وإن كان كافراً، فإيراد العقد عليه وابتذاله به وإلحاقه بالجمادات إذلال له. ا?: أي وهو غير جائز وبعضه "أي بعض الإنسان" في حكمه ... "٦
فمذهب الحنفية: على أنه لا يجوز بيع شعر الآدمي، ولا الانتفاع به، خلافاً لمحمد بن الحسن الذي جوز الانتفاع به، وإن كان البيع قد سكت عنه، ونصت كتب الحنفية على أن السبب في عدم جواز بيع شعر الآدمي لم يكن هو النجاسة لأنه طاهر، وإنما كان ذلك بسبب أن الآدمي مكرم غير مبتذل، وأن هذا التكريم يتنافى مع البيع من أجل ذلك منع البيع.
стр. 457
مذهب المالكية: أنه لا يجوز بيع أو استخدام شعر الآدمي، لأنها أجزاء محترمة ولا يجوز انتهاكها لحرمتها. فقد جاء في بلغة السالك: " ... إن كسر عظم الميت انتهاك لحرمته ... فإن بقى شيء من عظامه فالحرمة باقية لجميعه، فلا يجوز استخدام ظفر الميت، ولا جزء منه، ولا شعره، لأن هذه الأجزاء محترمة وفي أخذها انتهاك لحرمتها ... "١.
فنص مذهب المالكية: عدم استخدام شعر الميت، لأنه محترم وأن في أخذه إهانة له، وأنه يستفاد من هذا عدم إمكان استخدام أو أخذ شعر الحي ويخرج على هذا عدم جواز بيعه لذات السبب.
مذهب الشافعية: بعدم جواز بيع عضو من أعضاء الإنسان فيما ذلك شعره حياً كان أو ميتاً، بناء على عدم جواز قطع أي عضو من هذه الأعضاء. فقد جاء في المجموع: " ... ولا يجوز للمضطر أن يقطع لنفسه من معصوم غيره بلا خلاف، وليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئاً ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف، صرح به إمام الحرمين والأصحاب ... "٢ وجاء في نهاية المحتاج: " ... ويحرم قطعه أي البعض من نفسه لغيره، ولو مضطراً ... "٣.
فمذهب الشافعية: عدم جواز بيع شعر الآدمي الحي، وكذا الميت، تخريجاً على عدم جواز قطع أي عضو من أعضاء ذلك الآدمي، وذلك باعتبار أن البيع يعد أثراً لإمكان القطع والاستخدام.
مذهب الحنابلة: اختلف مذهب الحنابلة بشأن طهارة شعر الآدمي، فالصحيح في المذهب وما عليه الأصحاب أنه طاهر، وفي رواية أنه نجس عدا شعر النبي ﷺ فإنه طاهر، وقيل: إن النجس هو شعر الكافر فقط، وهو قول في الرعاية، وهو اختيار بعض الأصحاب أما بالنسبة لبيع الشعر فيخرج على المذهب عدم جواز البيع لمن قال
стр. 458
بطهارته، وذلك لحرمة الآدمي وعدم ابتذاله، أما بالنسبة لمن قال بنجاسة شعر الآدمي غير النبي ﷺ ، أومن قال بنجاسة شعر الكافر فقط، فمنع بيع الشعر ظاهر، لحكمهم بنجاسة الشعر، وكل نجس العين يمنع بيعه لعدم الانتفاع به. فقد جاء في الإنصاف: "وأما شعر الآدمي المنفصل في الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب طهارته قطع به كثير منهم، وعنه نجاسته غير شعر النبي ﷺ ، وعنه نجاسته من كافر وهو قول في الرعاية واختاره بعض الأصحاب"١. وجاء في كشاف القناع: "ولا يجوز استعمال شعر الآدمي مع الحكم بطهارته لحرمته أي لحرمة احترامه ... "٢.
الموازنة: من خلال مطالعة ما قاله الفقهاء بشأن بيع شعر الآدمي يتضح أن أغلب كتب الفقه لم تتعرض صراحة لحكم البيع مكتفية ببيان حكم الاستعمال والاتخاذ وحكم الطهارة، وأن حكم البيع عندهم قد خرج على هذا:
الحنفية: نصوا صراحة على حكم البيع، وقالوا بعدم جواز بيع شعر الآدمي مع قولهم بطهارته، وأن هذا المنع للبيع كان بسبب حرمة الآدمي وعدم ابتذاله، وأن البيع يتنافى مع تكريم الإنسان، والنص على عدم جواز البيع مقرون بعدم جواز الانتفاع، وأن محمد بن الحسن جوز الانتفاع وسكت عن البيع، وهذا لا يمنع أنه مع الجمهور في القول بعدم جواز البيع.
المالكية: خرجوا حكم بيع الشعر على إمكان القطع والاستخدام، ولما كان ذلك ممنوعاً عندهم كان بيع الشعر هو الآخر ممنوعاً لعدم ابتذال الإنسان وامتهانه.
الشافعية: يقولون بعدم جواز بيع شعر الآدمي الحي، وكذا الميت، تخريجاً على عدم جواز قطع أو استخدام أحد أعضاء الآدمي.
الحنابلة: قالوا بعدم جواز بيع شعر الآدمي الحي أو الميت عند من قال بطهارته بناء على أنه جزء من الآدمي المحرم باعتبار أصله، وبناء على من قال بنجاسته لغير الأنبياء أو من قال بنجاسته بالنسبة للكافر بناء على تلك النجاسة.
стр. 459
فقد خرجوا حكم بيع شعر الآدمي على خلافهم بشأن طهارته من عدمها؛ فمن قال بطهارته منع بيعه بناء على أنه جزء من الآدمي المحرم باعتبار أصله، وعند من قال بنجاسة شعر غير الأنبياء، أو من قال بنجاسة شعر الكافر فإنه يمنع بيع ذلك الشعر، تخريجاً أيضاً على كل ما حكم بنجاسة عينه يمتنع بيعه لعدم إمكان الانتفاع به.
وعلى هذا: فالإجماع قائم على عدم جواز بيع شعر الآدمي الحي أو الميت، لكرامته وعدم ابتذاله بإهانته، سواء كان ذلك بالنص على الشعر بذاته، أو كان بالنص على عموم أعضاء الآدمي، وسواء كان ذلك بالنسبة للحي أو الميت، وسواء كان ذلك بناء على القول بطهارته أو على القول بنجاسته على قول للحنابلة، أو على القول بنجاسة شعر الكافر على قول آخر لهم، وإلى هذا ذهب عامة الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية الذي جوز الانتفاع وسكت عن البيع مما يشعر بأنه مع غيره من العلماء في القول بمنع بيع شعر الآدمي.
وقد استند الفقهاء في إجماعهم هذا على ما يأتي:
١ – ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة" ١.
فقد نص هذا الحديث على لعن هؤلاء، والمعروف أن اللعنة هي أقوى دلالة على تحريم الشيء، وقد ورد في شرح النووي أن هذا الحديث وأمثاله مما ورد في هذه المسألة فيه الدلالة الصريحة على تحريم الوصل والوشم مطلقاً، وهذا هو الظاهر المختار.
ثم ذكر النووي – أيضاً- أن الأصحاب من الشافعية قد فصلوا القول في هذا الشأن وقالوا إذا كان الوصل بشعر الآدمي فهو حرام، سواء كان شعر رجل أو امرأة، وسواء كان شعر المحرم أو الزوج وغيرهما، بلا خلاف في ذلك عملاً بعموم الأحاديث، أما إذا كان الوصل بغير شعر الآدمي، فإن كان نجساً كشعر الميتة وشعر ما
стр. 460
لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته فهو حرام أيضا للحديث، لأنه محل نجاسة في صلابته.
وقد تمسك الإمام مالك بعموم هذا الحديث، وقال هو الآخر بمنع وصل الشعر بأي شيء سواء كان شعر آدمي أو غيره أو صوفاً أو نحوه١.
٢- بما روي عن جابر بن عبد الله حيث قال "زجر النبي ﷺ أن تصل المرأة برأسها شيئاً"٢.
فهذا الحديث ظاهر في أنه لا يجوز أن تصل المرأة بشعرها شيئاً، فضلاً عن التدليس على الناس وغشهم بإظهار أمور غير واقعة، وهذا مستفاد من رواية البخاري من قول معاوية ﵁ أن النبي ﷺ سماه الزور يعني الواصلة في الشعر٣.
ولهذا قال الإمام النووي: إنه يحرم على المرأة التي لم يكن لها زوج أن تصل شعرها بشعر طاهر غير الآدمي، وتلزم برفعها لهذا التدليس٤.
ومما يدعم هذا: ما روي من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵁ حيث قالت "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إن لي ابنة ً عريساً أصابتها حصبة٥ فتمزق شعرها أفأصله؟ وفي رواية وزوجها يتحسنها أفأصل شعرها؟ فقال: " لعن الله الواصلة والمستوصلة" ٦.
حيث دل هذا على حرمة انتفاع المرأة بشعر غيرها وهو جزء من ذلك الغير، فيعتبر أصلاً في المنع من الانتفاع بأجزاء الآدمي ولو كان ذلك الانتفاع غير ضار