← Баляга

Баляга · id 7582

البلاغة 2 - المعاني - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (482 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: ٨) وغير ذلك من أساليب المجاز الواردة في كتاب الله تعالى على اختلاف الصور والعلاقات، فهذا النوع من المجاز شائع في القرآن الكريم، وهو من أسرار بلاغته وروعة نظمه وكمال إعجازه. على أن هذه العلاقات الست التي ذكرناها هي التي أوردها الخطيب في كتاب (الإيضاح) وهو متأثر في مبحث المجاز العقلي بكلام الزمخشري في (الكشاف) في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (البقرة: ٧) الآية. فقد ذكر الزمخشري في هذا الموضع أن للفعل ملابسات شتى، تلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والسبب، بيد أن الخطيب توقف عند هذه العلاقات الست ولم يتابع الزمخشري في مواضعَ أخرى من (الكشاف)؛ فقد أشار إلى أنواع أخرى من الملابسات؛ منها إسناد الفعل إلى الجنس كله وهو في الحقيقة مسند إلى بعضه كقولهم: بنو فلان قتلوا فلانًا والقاتل واحد منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ (الأعراف: ٧٧) حيث أسند العقرَ إلى جميعهم وهو كما ذكر الزمخشري في تفسيره كان لبعضهم؛ لأنه كان برضاهم والراضي بالشر كفاعله، وبذلك حل العذاب للجميع. وإسناد الفعل إلى الجارحة التي هي آلته كقولك: هذا أبصرته عيني وسمعته أذني وقاله لساني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: ٢٨٣) فالآثم في الحقيقة هو الشخص ومع ذلك أسند الإثم إلى قلبه؛ لأن كتمان الشهادة أن يضمرها لشخص ولا يتكلم بها، ولما كان إثمًا مقترفًا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ. ومنه: إسناد الفعل إلى ما له مزيد اختصاص وقربى بالفاعل الحقيقي كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (الحجر: ٦٠) فقد أسند

стр. 107

الفعل: ﴿قَدَّرْنَا﴾ إلى ضمير المتكلمين وهم الملائكة مع أن التقدير لله وحده، وذلك من قبيل إسناد الفعل إلى ما له مزيد اختصاص وقربى من الفاعل الحقيقي كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا مع أن المدبر والآمر هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم بهم وأنهم لا يتميزون عنه كذا ذكره (الكشاف). من خلال ما عرضنا نلحظ أن تعريف الخطيب للمجاز العقلي غير جامع لكل صور التجوز التي تألفها اللغة ويكثر دورانها على ألسنة الشعراء؛ فقد حصره الخطيب في إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس غير ما هو له، كما حصر الحقيقة في إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له، وعلى ذلك يكون قولنا: الإ ن سا ن حيوان ناطق ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأن الإسناد فيه إلى المبتدأ فلا يدخل في نطاق تعريفه، ومعنى ذلك أن الإسناد عن د هـ إما حقيقة عقلية وإما مجاز عقلي أو واسطة بينهما كالمثال الأخير. وقد خرج عن تعريفه للمجاز العقلي صور كثيرة؛ منها: ١ - النسبة الإضافية، والمقصود بها إضافة المصدر إلى غير ما حقه أن يضاف إليه؛ مثل: أعجبني إنبات الربيع البقل، وكما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (سبأ: ٣٣) فقد أضيف المصدر: ﴿مَكْرُ﴾ إلى زمانه: ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وحقه أن يضاف إلى أصحابه وتقديره: بل مكرهم في الليل والنهار، ومنه قوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٣٥) والتقدير: وإن خفتم شقاق الزوجين في الحالة التي بينهما فقد أضيف المصدر: ﴿شِقَاقَ﴾ إلى الظرف "بين" فهو مجاز عقلي علاقته المكانية.

стр. 108

وأول مَن أماط اللثام عن نسبة الإضافية وصرح بأنها تدخل في نطاق المجاز الإسنادي حيث قال في (أسرار البلاغة): ومما يجب أن يُعلم في هذا الباب أن الإضافة في الاسم كالإسناد في الفعل؛ ف كل حكم يجب في إضافة المصدر من حقيقة أو مجاز فهو واجب في إسناد الفعل. ٢ - النسبة الإيقاعية: أي: إيقاع الفعل على غير ما حقه أن يوقع عليه مثل قولك: أجريت النهر، فقد وقع الفعل على غير المفعول الحقيقي، وأصله: أجريت الماء في النهر، فالماء هو المفعول الحقيقي للفعل والنهر مكان له، ففي إيقاع الفعل أجريت على النهر تجوز في النسبة الإيقاعية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الشعراء: ١٥١) وأصله: ولا تطيعوا المسرفين في أمرهم، فقد أوقع ما حقه أن يقع على المفعول الصريح على المفعول المجازي؛ لمضاهاته لهم في ملابسة الفعل؛ لأنه مفعوله، وقد أشار سعد الدين التفتازاني إلى النسبة الإيقاعية وكذا الإضافية حيث قال في (المطول): إن المجاز العقلي أعم من أن يكون في النسبة الإسنادية أو غيرها، كما أن إسناد الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه المجاز، فكذا إيقاعه على غير ما حقه أن يوقع عليه، وإضافة المضاف إلى غير ما حقه أن يضاف إليه؛ لأنه جاز موضعه الأصلي. انتهى ال كلام. ٣ - النسبة الوصفية: بأن يوصف الشيء بوصف محدثه وصاحبه مثل: الكتاب الحكيم والأسلوب الحكيم؛ فالحكمة في الحقيقة ليست وصفًا للكتاب، وإنما هي وصف لصاحبه وليست وصفًا للأسلوب، وإنما هي وصف لصاحبه، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (ق: ٢٧) فإن البعيد ليس هو الضلال وإنما هو الضال، أما الضلال فمصدر ضل، ومثله أيضًا عذاب أليم فإن الأليم؛ أي: المؤلم ليس هو العذاب، بل المعذب؛ وهكذا أسند

стр. 109

معنى الفعل إلى المصدر الذي لا يلابسه ذلك المسند بل يلابسه فعل آخر من أفعال فاعله، ويمكن أن يقال: إنه يلابسه بواسطة حرف الجر فهو بعيد في ضلاله وأليم في عذابه، ف يدخل هذا النوع في المجاز العقلي بمعناه عند الخطيب على هذا التقدير. الملابسة الرابعة مما لم يذكره الخطيب في الإسناد بين المبتدأ والخبر، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (البقرة: ١٨٩)، ومنه قول الخنساء: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار يقول عبد القاهر في بيان المجاز العقلي في هذا البيت: إنها لم ترد بالإقبال والإدبار - يعني بناقتها - غير معناهما حتى يكون المجاز في الكلمة، وإنما المجاز في أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر كأنها تجسمت من الإقبال والإدبار. ولا يرتضي عبد القاهر أن يكون بيت الخنساء من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وإن كانوا يذكرونه من هذا الباب؛ لأننا إذا قلنا: فإنما هي ذات إقبال وإدبار أفسدنا الشعر على أنفسنا، وخرجنا إلى شيء مغسول وكلام عامي مر ذ ول. انتهى كلام الشيخ عبد القاهر في (الدلائل). وهكذا استطاع عبد القاهر بحسه المرهف وذوقه الرفيع وخياله الخصب، أن يوضح المجاز في هذا البيت محتكمًا إلى الذوق الأدبي وحده، وانتهى إلى أن ما أرادته الخنساء من المبالغة في تصوير الحزن والحيرة لا يتأتى إلا بالتجوز في هذا الإسناد، وقد جاء تعريف عبد القاهر للمجاز العقلي جامعًا لكل هذه الملابسات والنسب الإسنادية؛ فقد عرفه في (أسرار البلاغة) بقوله: هو كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه في العقل بضرب من التؤول. فهو يعم إسناد الفعل أو ما في معناه وإسناد الخبر إلى المبتدأ أيضًا؛ كما رأينا في قول الخنساء السابق.

стр. 110

أما تعريف الخطيب فهو أضيق دائرةً من تعريف عبد القاهر؛ لأنه حصره في إسناد الفعل وما في معناه فقط، وكان حريًّا به أن يستفيد من كلام عبد القاهر في هذا الباب وهو صاحب الفضل الأكبر في تجلية هذا اللون من المجاز الحكمي. وتحرير القول فيه على نمط فريد لم يسبق إليه، وقد أشبعه عبد القاهر شرحًا وتفصيلًا في كتابيه (الأسرار) و (الدلائل) فلم يترك فيه مجالًا لمستزيد. ولذلك أرى أن تعريف عبد القاهر للمجاز العقلي هو التعريف الأمثل، ومذهبه فيه هو المذهب الجزل، وقوله هو القول الفصل؛ نعم، كانت هناك إشارات لهذا المجاز وأمثلته عند بعض المتقدمين -كما ذكرنا- كسيبويه وأبي عبيدة والفراء والجاحظ والآمدي والشريف الرضي؛ لكنها لا تعدو أن تكون بذورًا متناثرة هنا وهناك، وهي في الغالب الأعم لا تتجاوز التلميح إلى التصريح، فهي إشارات عابرة وتعليقات مقتضبة لا رابطَ بينها إلى أن جاء عبد القاهر ف قرأ حصيلة الدراسات السابقة، وجمع شتاتها، وفصل القول فيها، ووضع لها هذه التسمية المجاز الحكمي أو المجاز العقلي، وبذل جهدًا كبيرًا في الحقيقة في التفرقة بينه وبين المجاز اللغوي، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير ب بصيرته النافذة وثقافته الواسعة وخياله الرائع؛ ف المجاز العقلي تسمية وتحديدًا وتحريرًا هو من ابتكار عبد القاهر. بقي أن تعلم أنه دافع عن المجاز دفاعًا شديدًا ورد على شبه المعارضين له، وفند حججهم بأدلة قوية ونعى على هذا الصنف من الناس جهلهم بحقيقة المجاز، فقد أنكر بعض العلماء من الظاهرية وقوع المجاز في القرآن؛ لأنه يوهم الكذب والله منزه عنه هكذا قالوا، والجواب: أن الذي يمنع من صرفه عن الحقيقة إلى المجاز هو صفات الله تعالى؛ لعدم وجود قرينة المانعة، وأن كل مجاز لا بد له من قرينة صارفة عن إرادة الظاهر؛ وعلى ذلك فلا إيهامَ مع وجود القرينة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 111

الدرس: ٦ تابع المجاز العقلي وبلاغته .

стр. 112

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (تابع المجاز العقلي وبلاغته) قرينة المجاز العقلي الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ وبعد: فقد عشنا مع علاقات المجاز العقلي الذي يكون في الإسناد وبقي أن نتكلم عن قرينة المجاز العقلي. الذي يتبادر إلى الذهن عند إلقاء الكلام هو إرادة الحقيقة، والذي يريد بكلامه المجاز لا بد أن ينصب قرينةً تدل على عدم إرادة الظاهر من الإسناد أو غيره؛ فالمجاز العقلي يحتاج إلى قرينة صارفة عن إرادة الإسناد الحقيقي، وبدون هذه القرينة يصبح الكلام إلغازًا وتعميةً، فلا يتضح المراد منه. وهذه القرينة نوعان؛ قرينة لفظية، وقرينة معنوية: أما القرينة اللفظية: فهي أن يكون في الكلام لفظ يصرفه عن ظاهره كما في قول السلطان العبدي ينصح ابنه عمرًا: أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كَر الغداة ومر العشي نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته ... وتبقي له حاجة ما بقي ألم ترَ لقمان أوصى ابنه ... وأوصيت عمرًا ونعم الوصي فمِلتنا أننا مسلمون ... على دين صديقنا والنبي فقد أسند الفعلين أشاب وأفنى إلى كر الغداة ومر العشي، كما ترى في البيت الأول، ولكن لا مانع من إرادة الحقيقة لجواز أن يكون اعتقاده كذلك وإن خالف الواقع، فإذا وصلنا إلى البيت الأخير فإننا نجد القرينة التي تدل على مراد الشاعر وذلك في قوله: فمِلتنا أننا مسلمون، فقد أفصح عن دينه وأن ملته هي الإسلام؛

стр. 113

أي: أنها قرينة لفظية تدل على أن الشاعر لم ينسب الفعل إلى الزمن على الحقيقة، وإنما كان متجوِّزًا في الإسناد، وهو يعتقد أن الفعل لله وحده، وأن الذي يشيب ويفني هو الله جلت قدرته. وعلى ذلك يكون الإسناد في البيت الأول من إسناد الفعل إلى زمانه، فهو مجاز عقلي علاقته الزمانية، والقرينة لفظية في البيت الأخير. وتقول أنت: شيبت رأسي الهموم والأحزان ُ، ولكن الله يفعل ما يشاء، وتقول فيه ما قيل في سابقه، وتأمل مع قول أبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبًا كله لم أصنع من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميز عن قنزعًا عن قنزع جذب الليالي أبطئي أو أسرعي ... ................................ وقد أسند الفعل إلى الليالي التي تتوالى ويتبع بعضها بعضًا، لكن هذا الإسناد يحتمل الحقيقة كما يحتمل المجاز في بادئ الأمر، فلما قال الشاعر بعد ذلك: أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي أفصح عن مراده، وأنه بنى كلامه على التؤول، ف هو مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى زمانه، والقرينة لفظية كما ترى في البيت الأخير. النوع الثاني من القرينة، القرينة المعنوية: وذلك بأن يكون مع الإسناد أمر معنوي يصرفه عن ظاهره وهي أحد أمور ثلاثة: أ- استحالة قيام المسند بالمسند إليه عقلًا مثل: محبتك جاءت بي إليك، فمن الواضح استحالة صدور الفعل وهو المجيء من الفاعل المجازي وهو المحبة، بل هي

стр. 114

سبب له فقط، ومن ذلك أيضًا قولك: طريق سائر ونهر جار، فالسير والجري من الحركات التي لا تكون في مثل الطريق والنهر، فلا بد من حمل الكلام على التجوز في الإسناد. ب- استحالة قيام المسند بالمسند إليه عادةً كقولك: بنَى عمرو بن العاص مدينةَ الفسطاط، فإن العادة هي التي تمنع صدور الفعل وهو البناء من الأمير وإن كان ذلك ممكنًا من جهة العقل، إذ العقل يجوز أن يبني الأمير بنفسه؛ فالاستحالة هنا من جهة العادة والعرف. ج- صدور الكلام من الموحد، وذلك كما في حديث النبي ﷺ : ((وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبَطًا أو يلم)) حبطًا يعني: انتفاخًا، يلم يعني: يقارب، فهذا الكلام صادر من سيد الموحدين ﷺ وصدوره منه قرينة على أنه لا يريد بإسناد الإنبات إلى الربيع ظاهره، والذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، وإنما هو إسناد مجازي من إسناد الفعل إلى زمانه، والفاعل الحقيقي للإنبات هو الله فعقيدة المسلم التي تنسب الأفعال إلى الله وحده قرينةٌ على المجاز في مثل هذا، ولذلك إذا كان المتكلم من الدهريين الذين يعتقدون بتأثير الدهر ويقول ون كما يحكي القرآن عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: ٢٤) فإن كلامه يكون من قبيل الحقيقة العقلية حيث لا قرينةَ تصرفه عن ظاهره. وقد تحدث الإمام عبد القاهر عن قرينة المجاز العقلي ودورها في منع اللبس وتحديد مراد المتكلم، وكان كلامه في هذا الموضع مادة لمن جاء بعده من المتأخرين، يقول الإمام عبد القاهر في (أسرار البلاغة): واعلم أنه لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجاز إلا بأحد أمرين؛ فإما أن يكون الشيء الذي أثبت له الفعل مما لا يدعي أحد من المحقين والمبطلين أنه مما يصح أن يكون له تأثير في

стр. 115

وجود المعنى الذي أثبت له، وذلك نحو قول الرجل: محبتك جاءت بي إليك، وإما أنه يكون قد علم من اعتقاد المتكلم أنه لا يثبت الفعل إلا للقادر، وأنه ممن لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة كنحو ما قاله المشركون وظنوه من ثبوت الهلاك فعلًا للدهر. وفي هذا النص إشارة إلى نوعي القرينة المانعة من جعل الإسناد صادرًا عن فاعله الحقيقي سواء كانت هذه القرينة مقالية أو معنوية، كما أن الأمثلة التي ذكرها الإمام عبد القاهر هي التي رددها السكاكي والخطيب وغيرهما من البلاغيين. وهنا سؤال: ما هو الفرق بين المجاز اللغوي والمجاز العقلي؟ يتردد هذا كثيرًا على مسامعنا. ينقسم المجاز قسمين؛ مجاز لغوي ومجاز عقلي؛ فالأول مثل قولك: رأيت الأسد يخطبـ وتعني بذلك رجلًا شجاعًا، فقد استعمل اللفظ المفرد أسدًا في غير معناه الوضعي لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، وكقولك أيضًا: رعينا الغيث بمعنى النبات المسبب عنه، فاستعمال الغيث في النبات هو من قبيل استعمال اللفظ في غير ما وُضع له لعلاقة السببية مع قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، وهو نوع آخر من المجاز اللغوي مجاز مرسل، فالتجوز هنا واقع في اللفظ المفرد، وطريق التجوز هو اللغة، سواء كان لاستعارة كما في المثال الأول لعلاقة المشابهة، أو في المجاز المرسل المثال الثاني لعلاقة السببية. لماذا كان التجوز في اللغة؟ لأنه نوع من التصرف في المعنى اللغوي الكلمة المفردة؛ لنقلها من معناها الأصلي إلى معنى آخر لعلاقة وارتباط بين المعنيين، فالمتكلم قد جاز بالكلمة معناها

стр. 116

اللغوي الأصلي وأطلقها على غير هـ لمناسبة الدين المعنى الحقيقي والمعنى المجاز كما نرى في إطلاق الأسد على الشجاع والغيث على النبات والصراط المستقيم على الدين الحق، وهذا هو المجاز اللغوي. أما المجاز العقلي فالتجوز فيه كما عرفنا واقع في الإسناد أما طرفي الإسناد فلا دخل لهما في الحكم على الجملة بالمجاز العقلي وعدمه؛ ففي قولنا مثلًا: أنبت الربيع البقل، نلاحظ أن التجوز في إسناد الإنبات إلى الربيع وهو زمانه، أما الطرفان أنبت والربيع وهما المسند والمسند إليه، فكل منهما مستعمل في معناه الحقيقي، فالمجاز العقلي واقع في الإسناد، ةلما كان الإسناد أمرًا عقليًّا يرجع إلى قصد المتكلم الذي ينظم الكلام دون رجوع إلى اللغة في ذلك، فقد سمي هذا المجاز المجاز العقلي. والفرق بين هذين النوعين يتلخص فيما يلي: المجاز اللغوي في اللفظ أما المجاز العقلي ففي الإسناد والتركيب، المجاز اللغوي طريقه اللغة كما هو الحال في الحقيقة اللغوية، أما المجاز العقلي فطريقه العقل كما هو الشأن ف ي الحقيقة العقل ية. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن التفريق بين المجازين اللغوي والعقلي من آثار الإمام عبد القاهر فقد عقد في (أسرار البلاغة) فصلًا قسم فيه المجاز إلى قسمين، وعرف كلًّا منهما، وأنفق جهدًا عظيمًا في بيان الفرق بين النوعين. ومما قال في ذلك: واعلم أن المجاز على ضربين؛ مجاز من طريق اللغة ومجاز من طريق المعقول، فإذا وصفنا بالمجاز كلمة مفردة كقولنا: اليد مجاز في النعمة، والأسد مجاز في الإنسان، كان حكمًا أجريناه على ما جرى عليه من طريق اللغة،

стр. 117

ومتى وصفنا بالمجاز الجملة من الكلام كان مجازًا من طريق المعقول دون اللغة؛ لأن الأوصاف الراجعة إلى الجمل من حيث هي جمل لا يصح ردُّها إلى اللغة؛ لأن التأليف هو إسناد فعل إلى اسم أو اسم إلى اسم، وذلك شيء يحصل بقصد المتكلم فلا يصير "ضرب" خبرًا عن زيد بوضع اللغة، بل بمن قصد إثباتَ الضربِ فعلًا له. والذي يعود إلى واضع اللغة أن ضرب لإثبات الضرب وليس لإثبات الخروج، وأنه لإثباته في زمان ماضٍ وليس لإثباته في زمان مستقبل، فأما تعيين مَن يثبت له فيتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين والمعبرين عن ودائع الصدور، فإذا قلنا: فأما تعيين من يثبت له فيتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين والمعبرين عن ودائع الصدور. فإذا قلنا مثلًا: خط أحسن مما وشاه الربيع أو صنعه الربيع، كنا قد ادعينا في ظاهر اللفظ أن للربيع فعلًا أو صنعًا، وأنه شارك الحي القادر في صحة وقوع الفعل منه، وذلك تجوز به من حيث المعقول لا من حيث اللغة؛ لأنه إن قلنا: إنه مجاز من حيث اللغة صرنا كأنا نقول: إن اللغة هي التي أوجبت أن يقتص الفعل بالحي القادر دون الجماد وذلك محال. انتهى من كلام الشيخ عبد القادر في (أسرار البلاغة). ويضيف عبد القاهر قاعدةً يمكن التفريق بها بين النوعين، وذلك بالرجوع إلى الحقيقة في هذا المجاز وذاك؛ لنعرف طريقها من اللغة أو العقل، فالمجاز في حقيقة اللغة هو فرع عنه ا، فما كان طريقًا في أحدهما من لغة أو عقل فهو طريق في الآخر، والحقيقة اللغوية طريقها اللغة كما نرى في الأسد حين نستعمله في الحيوان المفترس، وعلى ذلك فالمجاز اللغوي طريقه اللغة أيضًا حين إطلاق الأسد على الشجاع الذي يشبهه، والحقيقة العقلية طريقها العقل؛ لإثبات الفعل أو معنى إلى

стр. 118

ما هو له مثل: أنبت الله البقل، وكذلك هو طريق المجاز فيه نحو: أنبت الربيع البقل. هذا؛ وينقسم المجاز العقلي من حيث طرفيه وهما المسند والمسند إليه أربعة أقسام: الأول: أن يكون طرفاه حقيقتين لغويتين كقولك: أنبت الربيعُ البقلَ، فالتجوز هنا في إسناد الإنبات إلى الربيع الذي هو زمانه، أما طرفا الإسناد وهما الفعل أنبت وفاعله المجازي الربيع، فكل منهما مستعمل في معناه الحقيقي الذي وضع له في اللغة، فيكون كل من الطرفين حقيقة لغوية، وقِس على ذلك قوله: صام نهاره وجرى النهر وسار الطريق، فكل من الطرفين مستعمل فيما وضع له في اللغة والتجوز في إسناد الفعل إلى غير ما حقه أن يسند إليه، وعليه قول الشاعر: أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي فكل من طرفي الإسناد مستعمل في حقيقته وهو حقيقة لغوية، والتجوز في إسناد الفعل "أشاب" إلى الزمان كر الغداة ومر العشي كما سبق أن أوضحناه من قبل. القسم الثاني: أن يكونا مجازين لغويين، وبذلك يكون المجاز في الإسناد وفي طرفيه معًا وإن اختلف طريق المجاز، فهو في الإسناد عقلي وفي طرفيه لغوي، خذ مثلًا قولك: أحيا الأرض شباب الزمان، فطرفا المجاز هنا هما أحيا وشباب الزمان، وكل منهما مستعمل في غير معناه الوضعي، فالمسند أحيا معناه الحقيقي إيجاد الحياة، والمقصود منه هنا إحداث خضرة الأرض ونضارتها، فالعلاقة بين المعنيين هي المشابهة، ذلك أنك تجعل خضرة الأرض ونضارتها وبهجتها بالنبات

стр. 119

والأزهار التي يهبها الله تعالى للطبيعة حياةً لها؛ أي: أنك جعلت ما ليس بحياة حياةً على التشبيه، وفي الفعل أحيا استعارة تبعية، فهو مجاز لغوي، والمسند إليه أشاب له معنى حقيقي، فهو مرحلة من مراحل العمر وطور من أطواره والمقصود منه هنا الربيع؛ أي: أن لفظ شباب الزمان مستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة أيضًا، معنى المعنيين الحقيقي والمجازي، فكل منهما يمثل مرحلة ازدهار وابتهاج فهو مجاز لغوي أيضًا، فالطرفان إذن مجازان لغويان، وأما إسناد الفعل إلى شباب الزمان فهو مجاز عقلي علاقته الزمانية أو السببية. القسم الثالث من أقسام المجاز العقلي باعتبار طرفيه: أن يكون المسند مجازًا لغويًّا والمسند إليه حقيقة مثل: أحيا الأرض الربيع، فالمسند أحيا مجاز لغوي -كما سبق أن ذكرنا - والمسند إليه وهو الربيع مستعمل في معناه الحقيقي فهو حقيقة لغوية، ومن هذا النوع قول المتنبي يصف ممدوحه بالشجاعة والكرم: وتحيي له المال الصوارم والقَنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجِدا فقد جعل الشاعر الزيادة والوفور حياةً في المال كما جعل تفريقه في العطاء قتلًا، ثم أثبت الحياة فعلًا للصواري، والقتل فعلًا للتبسم، مع أن العلم بأن الفعل لا يصح منهما. ومنه قولهم: أهل النار الدينار والدرهم، فإسناد أهلك إلى الدينار والدرهم مجاز عقلي علاقته السببية، ولفظ أهلك المسند ليس حقيقة بل مجاز عن الفتنة؛ إذ الإهلاك مسبب عن الفتنة فهو مجاز مرسل علاقته المسببية، وقد أسند إلى الدينار والدرهم إسنادًا مجازيًّا، ف التجوز واقع في الإسناد وفي المسند، في الإسناد مجاز عقلي وفي المسند مجاز لغوي.

стр. 120

انظر إلى قول الله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: ٤) تجد أن الآية أسند ت: ﴿اشْتَعَلَ﴾ إلى: ﴿الرَّأْس﴾ إسنادًا مجازيًّا؛ لعلاقة المكانية، إذ الرأس مكان للاشتعال، والذي يفعل الاشتعال حقيقة إنما هو الشعر، ولفظ المسند: ﴿اشْتَعَلَ﴾ مجاز لغوي؛ إذ المراد به ظهور شيب الرأس، فاستعير الاشتعال للظهور، وتفيد هذه الاستعارة عموم الشيء وإحاطته بجميع الرأس، كما تفيد المفاجأة في ظهور الشيء، فهو اشتعال وليس ظهورًا، وتفيد أيضًا حب زكريا ﵇ لهذا الشيء حيث أحس به إحساسًا مشرقًا مضيئًا، الذين يصورون ظهور الشيب بالرأس تصويرًا حزينًا مؤلمًا، إذ يكون سببًا في فراق الأحبة وابتعادهن. انظر مثلًا إلى قول القائل: لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكَى وإلى قول الآخر: ل هـ منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع والأسفع: الأبيض الناصع شديد البياض، والأسود الأسفع: هو الأسود المائل إلى حمرة، وقد استعير الأسود الأسفع لما يحدثه الشيب من الهم والحزن، فإنك تجد أنهم يشعرون بالشيب شعورًا حزينًا كئيبًا؛ لأنه يؤذن بتولي الشباب ويعلن عن فراق الحبيبات. ونعود إلى المجاز العقلي لننظر في شواهد هذه الصورة التي وقع التجوز فيها في المسند وفي الإسناد، نجد منها قولهم: سال بهم الواد، حيث استعير السيلان للسيل، ثم اشتق منه سال بمعنى سار على سبيل الاستعارة التبعية، وأسند سال إلى الوادي إسنادًا مجازيًّا لعلاقة المكان، ويفيد هذا التجوز المبالغة في سرعة سير القوم، وكأن المكان قد فاض بهم ودفع، ومثله قول الشاعر: فقدنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح

стр. 121

وقول الآخر: سالت عليه شعاب الحي حين دَعا ... أنصاره ب وجوه كالدنانير ففي إسناد السيلان إلى الأباطح وإلى شعاب الحي مجاز عقلي علاقته المكانية، والمسند سال مجاز لغوي حيث استعير السيلان بالسيل، ولا يخفى عليك بلاغة المجاز في البيتين، وقد أبرز شدة ان دفاع المطي في الأباطح وسرعة اندفاع الأنصار إلى الداعي، وكأن الشعاب قد فاضت بهم ودفعتهم إليه، وكأن الأباطح هي التي تسيل وتمضي إلى الإبل، وما من شك في أن المجاز اللغوي قد ساهم في تحقيق هذه المبالغة بنصيب وافر. رابع هذه الأقسام: أن يكون المسند حقيقةً والمسند إليه مجازًا لغويًّا مثل: أنبت البقلَ شبابُ الزمان، فالإنبات مستعمل في معناه الحقيقي وشباب الزمان مجاز لغوي عن الربيع كما عرفت آنفًا. وهكذا تستطيع أن ترد صور المجاز العقلي إلى هذه الأنواع الأربعة، ف هي لا تخرج في كل أحواله عن واحد منها. وكما يجيء المجاز العقلي في النسب المثبتة فإنه يجيء أيضًا في النسب المنفية، هذا موضع سؤال: هل يتأكد مجاز العقل في النسب المنفية؟ نقول: نعم، ولا فرقَ في ذلك بين حالتي الإثبات والنفي، فإذا قلت في شأن العابد: صام نهاره بإسناد الفعل إلى زمانه على سبيل المجاز العقلي، فإن قولك في شأن غيره: ما صام نهاره بالنفي، يكون أيضًا من المجاز العقلي التي علاقته الزمانية، فأنت لا تجري في النفي إلا على الطريقة التي جريت عليها في الإثبات، من الحقيقة أو المجاز. ومن ذلك قول الشاعر: لقد لمتننا يا أم غَيلان في السرى ... ونمتِ وما ليل المطي بنائم

стр. 122

وقوله تعالى في شأن المنافقين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: ١٦) فالتجوز هنا في إسناد الربح إلى التجارة؛ لأن التجارة لا تربح، وإنما الذي يربح هو التاجر بسبب التجارة، فحقيقة الإسناد كما ربحوا في تجارتهم، لكن لما كانت التجارة هي السبب في الربح أسند الفعل إليها على سبيل المجاز العقلي، والجملة منفية بـ"ما" -كما ترى - وعلى ذلك يكون قولك: ما سار الطريق، وما جرى النهر، وما بنى الأمير المدينة، وما جد جده، كل هذه الأمثلة المنفية من قبيل المجاز العقلي في النسب المنفية. وعلى نحو ما يتحقق المجاز العقلي في النسب المثبتة والمنفية، فإنه يتحقق كذلك في النسب الإنشائية؛ فمما ينبغي الإشارة إليه في هذا المقام أن المجاز العقلي ليس مختصًّا بالخبر كما قد يفهم من ذ كره ضمن أحوال الإسناد الخبري، وإنما يجري أيضًا في الإسناد الإنشائي ب مختلف علاقاته مثل قولك: صام نهار العابد وقام ليله، تستطيع أن تقول: ليصم نهار ك وليقم ليل ك، على إسناده إلى الزمان وهو من صيغ الأمر، وفي قولك: جرى النهر تقول: هل جرى النهر وليت النهر يجري على إسناده إلى المكان، وهو من صيغ الاستفهام في الأولى والتمني في الثانية. ف هذه أمثلة للمجاز العقلي في الإنشاء وم نه قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (غافر: ٣٦) فرعون يطلب من وزيره هامان ذلك، وهامان لا يبني بنفسه وإنما يأمر العمال بالبناء ف أسند إليه الفعل ابني؛ لأنه سبب فيه، فهذا من المجاز العقلي في الأساليب الإنشائية، حيث أسند فعل الأمر إلى غير ما حقه أن يسند إليه، وعلى ذلك يمكن القول: بأن جميع الملابسات التي

стр. 123

عرفناها في الإسناد الخبري ترِد أيضًا في الإسناد الإنشائي أمرًا ونهيًا واستفهامًا وتمنيًا، فالمجاز العقلي يجيء في الإنشاء كما يجيء تمامًا في الخبر؛ لأنه حالة من أحوال الإسناد في الكلام، والكلام إما خبر وإما إنشاء كما هو معلوم. وهنا سؤال يفرض نفسه: هل لكل مجاز عقلي حقيقة؟ نقول: إنه باستقصاء أمثلة المجاز العقلي وشواهده نجد أن الكثير منها يمكن الرجوع به إلى أسلوب الحقيقة، وذلك بإسناد الفعل إلى فاعله الحقيقة، فيعود الفاعل المجازي إلى مكانه الأصلي قبل التجوز سببًا للفعل أو زمانًا أو مكانًا أو مصدرًا، إلى غير ذلك من الملابسات الذي تحدثنا عنه، وفي قولك: صام نهار العابد، وقام ليله، وجرى النهر، وسار الطريق، وربح تجارته، تقول: صام العابد نهاره وقام ليله، وجرى الماء في النهر، وسار الناس في الطريق، وربح التاجر في تجارته، وهذا أمر ميسور. غير أن الكلام يفقد روعته ومزيته التي اكتسبها في الإسناد المجازي. ثم إن هناك تراكيبَ مجازية يصعب على المتكلم أن يعود بها إلى أصلها في الحقيقة، إذ لم يجر العرف بإسناد الفعل فيها إلى الفاعل الحقيقة، وقد فطن الإمام عبد القاهر إلى ذلك، فذهب إلى أنه لا يجب أن يكون لكل فعل في المجاز العقلي فاعل في التقدير إذا أسند الفعل إليه صار حقيقة. يقول الإمام عبد القاهر في (الدلائل): واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أنك تقول في: ﴿رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾: ربحوا في تجارتهم، وفي يحمي نساءنا ضرب: نحمي نساءنا بضرب، فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء، ألا ترى أنه لا يمكن أن

стр. 124

تثبت للفعل في نحو: أقدمني بلدك حق لي على إنسان، فاعلًا سوى الحق؟ كذلك لا تستطيع في قوله: وصيرني هواك وبي ... يحين يضرب المثل الحين والهلاك استعير لما وصل إليه من سوء الحال فيها. وكذا قول أبي نواس: يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته ن ظرًا أن تزعم أن لصيرني فاعلًا قد نقل عنه الفعل ف جعل للهوى كما فعل ذلك في: ﴿رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ويحمي نساءنا ضرب، ولا تستطيع كذلك أن تقدر ليزيد في قوله: يزيدك وجهه حسنًا فاعلًا، غيرَ الوجه. انتهى من كلام عبد القاهر. وقد توهم بعض العلماء أن عبد القاهر ينكر أن يكون لكل فعل فاعل حقيقي إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقيًّا، وهذا التوهم بعيد عن مراد عبد القاهر، كما يتضح من النص المذكور، فهو يرى أن بعض أساليب المجاز يمكن الرجوع بها إلى الحقيقة بسهولة ويسر، وبعضها الآخر لا نستطيع أن نفعل فيه ذلك، وهو فيما ذهب إليه يحتكم إلى العرف وإلى واقع الأساليب بذوقه الرفيع وحِسه المرهف، فهذه الأمثلة لم يرِد لها فاعل حقيقي في الإسناد العرفي، ولم تجرِ على ألسنة القوم بأسلوب الحقيقة، بل شاع استعمالها هكذا على الإسناد المجازي، وعمدته في ذلك استقراءُ النصوص. يقول الخطيب القزويني في (الإيضاح): واعلم أن الفعل المبني للفاعل للمجاز العقلي واجب أن يكون له فاعل في التقدير إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقة، وذلك قد يكون ظاهرًا كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ أي: فما

стр. 125

ربحوا في تجارتهم، وقد يكون خفيًّا لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل كما في قولك: سرتني رؤيتك؛ أي: سرني الله وقت رؤيتك، وكما في قولك: أقدمني بلدك حق لي على فلان؛ أي: أقدمتني نفسي بلدك لأجل حق لي على فلان؛ أي: قدمت لذلك، ونظيره: محبتك جاءت بي إليك؛ أي: جاءت بي نفسي إليك لمحبتك. وهذا رد على الإمام عبد القاهر في رده السابق وقد علمت مراده، وهو لا ينازع في أن كل فعل لا بد له من فاعل، ولكنه استقرأ النصوص واحتكم إلى واقع الأساليب المجازية، فوجد أن بعضها يسهل الرجوع به إلى الحقيقة بإسناد الفعل إلى فاعله الحقيقي، وبعضها لا نستطيع أن نقدر له فاعلًا حقيقيًّا نقل عنه الإسناد إلى الفاعل المجازي؛ لأن العرف لم يجرِ بالاستعمال الحقيقي، وإنما جرى بالاستعمال المجازي وشاع هكذا على ألسنة الناس. هنا نلحظ أن السكاكي يمنع المجاز العقلي على الإطلاق على الرغم من أنه عرف المجاز العقلي في كتاب (مفتاح العلوم) بقوله: والكلام يفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التؤول إفادةً للخلاف لا بواسطة وضع؛ كقولك: أنبت الربيع البقل وشفَى الطبيب المريض. وبعد أن عرَّفه وشرح التعريف، وأخرج المحترزات، أعلن رأيه في هذا النوع من المجاز، حيث أنكره واختار جعله من باب الاستعارة بالكناية، ولعلك تسأل: إذا كان السكاكي قد أنكر المجاز العقلي فلماذا عرفه ومثَّل له وبين حده؟ والجواب: أنه فعل ذلك مجاراةً للأصحاب الذين تعرضوا له، وكأنه يقول لهم: إن كان ولا بد من القول به فهو عندي كذا وكذا. يقول السكاكي: والذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية كجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل

стр. 126

الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه على ما عليه مبنَى الاستعارة، وجعل نسبة الإنبات إليه قرينة للاستعارة وبجعل الأمير المدبر لأسباب هزيمة العدو استعارةً بالكناية عن الجند ي الهازم، وجعل نسبة الهَزْم إليه قرينة للاستعارة، ومعنى ذلك: أنه يشبه الربيع بالفاعل الحقيقي وهو الحي القادر، ثم يدعي أن الربيع قادر مختار، ثم يطلق لفظ المشبه الادعائي وهو الربيع الذي ادعى أنه قادر مختار على المشبه به؛ أي: الحي القادر على سبيل الاستعارة بالكناية. ف المجاز لغوي من وجهة نظره ولا مجاز في الإسناد، وهكذا صار المجاز كله لغويًّا عند السكاكي، والذي دفعه إلى ذلك -كما قال- رغبته في تقليل الأقسام، تلك الرغبة التي دفعته أيضًا إلى رد الاستعارة التبعية إلى المكنية، والرغبة في تقليل الأقسام أمر مقبول في مجال البحث والدرس، بشرط ألا يكون ذلك على حساب الخصوصيات والفوارق الدقيقة بين الطرق المختلفة، والحق أن المجاز العقلي طريقه غير طريق الاستعارة بالكناية؛ لأنها تقوم على علاقة المشابهة كغيرها من الاستعارات بخلاف المجاز العقلي؛ إذ تكفي فيه الملابسة بين الفعل وفاعله المجازي أو بين الفاعل الحقيقي والفاعل المجازي؛ لتعلق الفعل بكل منهما، وعلاقة المشابهة لا تكفي فيها هذه الملابسة وإنما تتحقق بين طرفين يشتركان في صفة هي أخص صفات المشبه به، وقد جرى العرف على أن يشبه به من أجلها، وتعورف كونها أصلًا فيه كالشجاعة في الأسد والحسن في البدء والمضاء في السيف وهكذا. فالمجاز العقلي إذن طريق من طرق التعبير والاستعارة المكنية طريق آخر، ولكل منهما مقام يقتضيه وموقف يناسبه، والمتذوق للأساليب المجازية يلمس الفرق واضحًا بين هذين النوعين، فأنت لا تستطيع مثلًا في قول الفرزدق: سقاها خروق في المسامع لم تكن ... علاطًا ولا مخلوطة في الملاغم

стр. 127

حيث أفاد الإسناد في السقي إلى خروق المسامع؛ تأكيدًا لهذه السببية بجعلها فاعلًا أن تحمله على الاستعارة المكنية، إ ذ لا معنى ل تشبيه هـ الخروق ب ال ساق ي، وليس هذا مراد الشاعر، بل مراده أن ذِكر قومه ونباهة شأنهم وصِيتهم البعيد الذي ملأ الأسماع كان سببًا قويًّا في أن أفسح الناس لهذه الإبل، وبالغ في هذه السببية حين أسند الفعل إلى سببه؛ تأكيدًا لهذا المعنى، وقِس على هذا البيت غيره كما في قول الآخر مثلًا: وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب ف فعل ينبت أسند إلى ضمير يعود إلى مكان، فهو من قبيل إسناد الفعل إلى مكانه، ولا يعقل أن يكون الكلام فيه على التشبيه حتى نعتبره استعارةً مكنية ً؛ إذ لا معنى ل تشبيه المكان بالفاعل الحقيقي، والفيصل في ذلك هو الذوق السليم والحس اللغوي المرهف، أما قول الهذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع فإنك تستطيع بسهولة ويسر أن تدرك المشابهة بين الطرفين المنية والسبع في اغتيال النفوس بالقهر والغلبة، فهو من قبيل الاستعارة بالكناية؛ لأنها تقوم على علاقة المشابهة، فرأي السكاكي هنا بعيد عن الصواب لما فيه تجاهل للفروق الدقيقة بين الأساليب والخصوصيات الواضحة لكل منها؛ ولذلك رد عليه الخطيب وناقشه مناقشة قوية حيث قال: وفيما ذهب إليه -أي: السكاكي- نظر؛ لأنه يستلزم أن يكون المراد بعيشة في قوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (الحاقة: ٢١) صاحب العيشة لا العيشة، وبماء في قوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (الطارق: ٦) فاعل الدفق لا المني، وألا تصح الإضافة في نحو قولهم: فلان نهاره صائم وليله قائم؛ لأن المراد بالنهار على هذا فلان نفسه، وإضافة الشيء إلى

стр. 128

نفسه لا تصح، ولا يكون الأمر بالإيقاد على الطين في إحدى الآيتين وبالبناء فيهما لهامان مع أن النداء له، وأن يتوقف جواز التركيب في نحو قولهم: أنبت الربيع البقل وسرتني رؤيتك على الإذن الشرعي؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، وكل ذلك منتفٍ ظاهر الانتفاء. ثم ما ذكره منقوض بنحو قولهم: فلان نهاره صائم، فإن الإسناد فيه مجاز، ولا يجوز أن يكون النهار استعارة بالكناية عن فلان؛ لأن ذكر طرفي التشبيه يمنع من حمل الكلام على الاستعارة ويوجب حمله على التشويه. انتهى من كلام الخطيب القزويني في (الإيضاح). بلاغة المجاز العقلي بقي أن نتحدث عن بلاغة المجاز العقلي: فالمجاز العقلي -كما رأينا- طريق من طرق التوسع في اللغة، وفن من فنون البلاغة، له شأن رفيع ومنزلة عظيمة، ولذلك اهتم به البلاغيون وعلى رأسهم الإمام عبد القاهر الجرجاني، ف قد درس المجاز العقلي في كتابيه (أسرار البلاغة) و (دلائل الإعجاز) وبين الفرق بين المجازين اللغوي والعقلي، ويكفي أن أنقل قوله في الإشادة بالمجاز العقلي والتنويه بشأنه، حين قال: وهذا الضرب من المجاز كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طريق البيان، وأن يجيء بالكلام مطبوعًا مصنوعًا وأن يضعه بعيد المرام قريبًا من الأفهام. كذا في (الدلائل). وتكمن روعة المجاز العقلي في أن المتكلم بهذا الأسلوب يعدل عن الإسناد الحقيقي، وينسب الفعل إلى غير ما هو له، ف يخيل إليك أن الفعل وقع من غير

стр. 129

فاعله أو على غير مفعوله، وفي هذا التخييل متعة نفسية لا يفطن إليها ولا يدرك سحرها إلا صاحب الذوق البياني الرفيع، حيث يعينه الذوق على إدراك الفروق بين الأساليب المختلفة حقيقةً ومجازًا، وإن شئتَ فقارن بين قولك: صام فلان نهاره وقام ليله، وجرى الماء في النهر، وصار الناس في الطريق؛ يعني: على الحقيقة، وبين قولك على المجاز: صام نهاره وقام ليله، وجرى النهر، وسار الطريق، على المجاز، فستجد في الثاني روعة وطرافة في التعبير لا تجدها في الأول، وهذا أثر من آثار المجاز العقلي في التخييل، وهذا التخييل بحد ذاته يؤدي إلى المبالغة في إثبات الفعل لفاعله بطريق مؤكد، ف في قولك: أذل الحرص أعناق الرجال، جعلت الحرص فاعلًا للإذلال، وأصله: أذل الله أعناق الرجال بسبب الحرص، فبلغت في تأكيد المعنى حين أسندت الفعل إلى سببه، وهذا أبلغ في ذم الحرص من أسلوب الحقيقة. وفي قولك: جرى النهر، مبالغة في كثرة الفعل وطغيانه، ف قد جعلت النهر بضفافه ومائه وكل ما يحتويه يجري، مع أن الجريان للماء فقط، وإذا صح أن يقع الفعل من الفاعل المجازي وهو فرع فإن حدوثه من الأصل الذي هو الفاعل الحقيقي آكد فالمجاز العقلي إثبات للحكم بالدليل، وأنت تعرف -أو هكذا ينبغي أن تعرف- أن الدعوة المشفوعة بالبينة آكد وأقوى من دعوى لا تؤيدها بينة ولا يؤازرها دليل، هذا بالإضافة إلى ما في المجاز العقلي من الإيجاز الذي هو فن من فنون البلاغة، ولا شك أن قولك: صام نهاره أوجز وأبلغ من قولك: صام فلان في نهاره، وقولك: بنى الأمير المدينة أوجز وآكد في إثبات المعنى من قولك: بنى العمال المدينة بأمر الأمير، وقولك: سال الوادي أكثر إيجازًا وأرقى بلاغةً من قولك: سال الماء في الوادي؛ لما في المجاز من الإيجاز والمبالغة والتخييل.

стр. 130

نخلص من هذا إلى أن بلاغة المجاز العقلي تكمن فيما يفيده من المبالغة في التعبير، وإيجاز القول، وإثارة الخيال، عندما يسند الفعل إلى غير فاعله الحقيقي، كما ترجع بلاغة المجاز العقلي إلى أنه يفتح أمام المتكلم الميدان للتفنن في القول، وتلوين العبارة، وإخضاع الكلام لما يريد، وتشكيل البناء حسب ما يهدف إليه ويرمي، ف هو يلجأ إليه لنفي تهمة أو لتخلص من جريمة، أو لتحقيق مقصد من المقاصد، حيث يجد في إسناد الفعل إلى غير فاعله الحقيقي مَيْدانًا رحبًا لتحقيق هذه المقاصد، ويتضح لك هذا من خلال تأملك لشواهد الإمام عبد القاهر وأمثلته. انظر إلى قوله ﵎: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (الزلزلة: ٢) تجد أن الفعل قد أسند إلى مكانه، وفي هذا الإسناد تخييل محرك ومثير، إذ يصور لنا الأرض فاعلةً جاهدةً تخرج أثقالها تقذف بنفسها ما بداخلها، فلا تُبقي في باطنها شيئًا. وتأمل معي الشواهد الذي أسند فيها الفعل إلى سببه أو إلى زمانه أو إلى مكانه، نحو: بنى الأمير، ونهاره صائم، وليله قائم، وطريق سائر، ولاحظ ما فيها من الإيجاز وتقليل الألفاظ، وفضلًا عما ذكرناه من إفادة الإيجاز، تجد التجوزَ في تلك الأمثلة قد أفاد المبالغة في وقوع هذه الأفعال؛ لشدة اهتمام الأمير بالبناء، وتأكيد كمال الصوم وتمام القيام، وسرعة السير في الطريق، وكثيرًا ما يلجأ المتكلم إلى المجاز العقلي لتحقيق مقصد من المقاصد كما ذكرنا، فننظر مثلًا في ذلك إلى قولهم: فلان قتله جهله، وقضى عليه غروره، فهم يريدون بهذا تبرئة القاتل من جريمة قتله ونفي التهمة عمن قضى على غيره؛ وذلك بإسناد القتل إلى جهل المقتول وقضى إلى غرور المقضي عليه وتكبره وعجرفته، فقد وجدوا في المجاز العقلي تحقيقًا لهذا المقصد.

стр. 131

هذا؛ والمتكلم يحتاج في استخدامه لهذا المجاز أن يهيئ العبارة له، فليس كل شيء كما يقول عبد القاهر يصلح لأن يُتعاطَى فيه هذا المجاز، بل تجدك في كثير من الأمر وأنت تحتاج إلى أن تهيئ الكلام وتصلحه لذلك بشيء تتوخاه في النظم، وكلما هيأ المتكلم العبارة لهذا المجاز، وجدته قد سارع أوقع في النفس وألطف وآكد وأبلغ، وانظر مثلًا إلى قول الشاعر عن الجمل: تجوب له الظلماء عين كأنها ... أجاجة شرب غير ملأى ولا صِفر تجده قد أسند تجوب إلى العين، والأصل يجوب الجمل بعينه الظلماء، ولكنه عدل إلى المجاز فأسند الفعل إلى آلته، ثم هيأ البيت وتوخى من النظم ما يجعل المجاز ألفظَ وأوقع في النفس؛ إذ تراه نكر العين ليتسنى له وصفها بالجملة الواقعة بعدها، ولو قال: تجوب له الظلماء عينه ما تمكن من وصفها بتلك الجملة، وعندما نكر العين وقطعها عن الإضافة إلى الجمل وصلها به بقوله: له، فبدون الضمير في له يصير الكلام لا علاقة له بالجمل، هكذا ذكره عبد القاهر في (الدلائل). وراجع ذلك في هذا المصدر لترى هذا بنفسك. وخذ مثلًا قول الخنساء -وقد سبق أن ذكرناه-: ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار فإنك تجد أن أسلوب القصر قد هيأ المجاز العقلي أحسن تهيؤ، حيث قصرت الناقة على الإقبال والإدبار، وقارِن بين هي إقبال وإدبار وقولها: وإنما هي إقبال وإدبار؛ فستضح لك قوة المبالغة المنبعثة من أسلوب القصر، ثم تأمل قول كثير -وقد ذكرناه-: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح

стр. 132

فإنك تجد أن اختيار هذا الجزء من الإبل الأعناق قد أضفى على العبارة جمالًا وأبرز، وجلى ما يفيده المجاز العقلي من تخييل وتصوير الأباطح متحركة، تدفع بهذه المطي دفعًا وتسيل بها سيلانًا؛ وذلك ل أن حركة الإبل عندما تسرع في السير تظهر تمام الظهور في أعناقها، ويتضح لك هذا عندما تقارن بين قولك: وسالت بالمطي الأباطح وبين ما قاله كثير: وسالت بأعناق المطي الأباطح، وهكذا تجد المجاز العقلي في حاجة إلى تهيئة العبارة وتوخي النظم، وأن الشاعر أو المتكلم إنما يراعي هذا، ويتوخى في النظم ما يلائم المجاز، ويهيئ العبارة له، فإنه يقع في النفس موقعه، ويحقق ما يقصده الشاعر من الإيجاز والمبالغة والتخييل. وفي استطاعتك أن تتبع هذا الأسلوب في صوره المختلفة وعلاقاته المتعددة، وتوازن بين حقيقة الإسناد ومجازه في كل منها؛ لتقف على أسرار بلاغة المجاز العقلي من خلال شواهده في القرآن ومأثور كلام العرب شعرًا ونثرًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 133

الدرس: ٧ أحوال المسند إليه: الحذف، والذكر .

стр. 134

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (أحوال المسند إليه: الحذف، والذكر) حذف المسند إليه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ ثم أما بعد: نتحدث عن أحوال المسند إليه، ونخص من هذه الأحوال أحوال حذف وذكر المسند إليه. ونبدأ بالقول: بأن موضع المسند إليه في جملة الإسناد والمحكوم عليه أو المخبِر عنه كالفاعل والمبتدأ وما أصله المبتدأ وهو -كما نعلم- أحد أركان الجملة، ويمثل هذا المحكوم عليه في جملة الإسناد، والمسمى بالمسند إليه الفعل في الجملة الفعلية، والاسم المبتدأ في الجملة الاسمية، وقد يؤتَى في الجملة الفعلية بشيء مما يتعلق بالفعل كالجار والمجرور والظرف إلى غير ذلك، وهذا مبحث وجزء ثالث من أجزاء الإسناد يختص بالجملة الفعلية، ويسمى بمتعلقات الفعل. إذن يقصد بأحوال المسند إليه الأمور التي يأتي عليها ليكون الكلام بها مطابقًا لمقتضى الحال، أما ما يعرض له لا من هذه الحيثية بل من حيث إ نه مطلق لفظ ككونه ثلاثيًّا أو رباعيًّا، فليس ذلك مما نحن بصدده؛ لأننا نريد أن نتحدث هنا عن أحوال المسند إليه التي يقتضيها المقام، ويصير بها الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، مثل الحذف والذكر والتعريف والتنكير والتقديم والتأخير، إلى آخر ذلك. وإليك هذه الأحوال مقرونةً بما ذكره البلاغيون لكل منها من أغراض وأسرار. حذف المسند إليه: لا يصح الحذف لغةً إلا إذا وجد دليل يدل على المحذوف، فإذا لم يوجد هذا الدليل كان الذكر واجبًا متعينًا لفساد الكلام بالحذف، أما إذا دل على المحذوف

стр. 135

دليل كان الحذف جائزًا؛ لأن المحذوف حينئذٍ في حكم المعلوم لوجود القرينة الدالة عليه، كما أن الذكر يكون جائزًا أيضًا؛ لأنه الأصل كما يقتضي العقل والإعراب، ومما ينبغي أن يُعلم أن البلاغة لا تدلي بدلوها في الكلام إلا بعد صحته لغةً، فما منعته اللغة أو أوجبته لا يكون للاعتبارات البلاغية فيه مجال. ومن هنا يتضح أن الحذف الممنوع؛ انعدام القرينة والذكر المتعين لذلك لا تنظر إليهما البلاغة، وإنما محط نظرها هو جواز كل من الحذف والذكر لغةً لوجود القرينة، فإذا وجد بعد ذلك سر بلاغي يطلب الحذف ويرجحه على الذكر، صارت البلاغة في الحذف، وإذا وجد داع بلاغي يوجب الذكر ويستدعيه ونُكتة تتطلبه وتقتضيه كانت البلاغة في الذكر. وهذه بعض الدواعي والأسرار التي تقتضي حذف المسند إليه نعرضها فيما يلي: أولها: الاختصار والاحتراز عن العبث بِناءً عن الظاهر، فإن الكلام الذي يحذف منه المسند إليه أخصر وأوجز من نظيره الذي يذكر فيه المسند إليه، كما أن المسند إليه الذي علم من القرينة والسياق ولم يوجد سر بلاغي يقتضي ذكره يصبح ذكره حينئذٍ بمثابة الزيادة التي لا قيمةَ لها، فحذفه يصون الكلام ويبعده عن العبث من منظور البلاغة، التي ترى أن ذكر الشيء المعلوم الذي لا يظهر لذكره فائدة يعد عبثًا يتسامَى عنه كلام البلغاء. والأصل أن ذكر المسند إليه ليس عبثًا في الحقيقة، وإن كان ذكر المسند إليه ليس عبثًا في الحقيقة والواقع؛ لأنه ركن من الكلام، ولذلك جعل البلاغيون العبث المحترز عنه مبنيًّا على ظاهر الكلام المشتمل على القرينة الدالة فقط لا على الحقيقة والواقع.

стр. 136

يقول الخطيب القزويني في بداية حديثه عن دواعي حذف المسند إليه: أما حذفه فإما لمجرد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر. ذكر ذلك في (الإيضاح) ولنتأمل معًا قول الشاعر: جزى الله عني صالحًا بوفائه ... وأضعف أضعافًا له في جزائه صديق إذا ما جئت أبغيه حاجة ... رجعت بما أبغي ووجهي بمائه نجد أن الأصل هو صديق، فحذف المسند إليه لدلالة البيت السابق عليه، وصار المحذوف في حكم المعلوم لوجود القرينة الدالة، ولا شك أن الكلام بحذف المسند إليه أوجز مما لو قال: هو صديق، ولو ذكر لأورث الكلام ثقلًا وترهلًا وتطويلًا ينأَى به عن الإيجاز، ويجعله في نظر البليغ عبثًا ينبغي أن يبعد عن كلام البلغاء، كما أن حذف المسند إليه جاء على خلاف الأصل فتتشوف النفس إلى ذكر الموجب له، وفي ذلك دفع إلى إعمال الفكر وتنشيط العقل وإثارة الحس؛ حتى يكشف السامع أسرار الحذف معولًا على عقله، ويدرك المراد من المعاني معتمدًا على نفسه، وحين يقع على مطلوبه منها يكون ذلك أمكن وأرسخ في نفسه من المعاني التي يجدها واضعةً من ظاهر اللفظ؛ لأن المحصول بعد التعب أعز من المنساق بلا طلب. هذه أسرار ثلاثة. ويمكن أن نضيف إليها غرضًا رابعًا للح ذف متمثلًا في المحافظة على وزن الشعر. هذا ومن تتبع مواطن الحذف يجد أن الأسرار الثلاثة الإيجاز والاحتراز عن العبث والحث على إعمال الفكر وإثارة الحس، تكمن وراء كل حذف، وليست مقصورة على حذف المسند إليه، وما أكثر ما يفيده الحذف عند تأمله من أسرار ونكات يدركها المتذوق بقلبه ولُبه، وإن لم يفصح عنها بلفظه ولسانه ورحم الله عبد القاهر الجرجاني حين قال منوهًا بشأن الحذف ومبرزًا

стр. 137

قيمته البلاغية: هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصد عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجد أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانًا إذا لم تبِن. انتهى من كتابه (الدلائل). ٢ - يحذف المسند إليه أيضًا لضيق المقام بسبب شعر أو ضجر أو شدة أو حزن أو ألم أو خوف فوات فرصة، فإن المتكلم إذا كان على شيء من ذلك عمد إلى الإيجاز بحذف المسند إليه، أما المقام في مثل هذه السياقات يضيق بذكره فيقتضي حذفه، تأمل مثلًا قول القائل للصياد: غزال، والأصل هذا غزال، ولكنه حذف المسند إليه لضيق المقام حتى تفوت الفرصة لصيده، وعلى هذا قول المستغيث: حريق أو غريق، والأصل هذا حريق أو هذا غريق، فضيق المقام بسبب خوف فوات فرصة الإنقاذ اقتضى حذف المسند إليه والمبادرة بذكر المسند. ومن الحذف لضيق المقام بسبب الحذف والألم والشدة والضجر قول الشاعر: قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل والأصل أنا عليل، وحالي سهر دائم وحزن طويل، لكن ضيق المقام بالنظر لما عليه الشاعر من حزن وضجر بسبب العلة والمرض اقتضى حذف المسند إليه، وفي مثل هذا البيت يمكن أن يكون ضيق المقام بسبب آخر، وهو المحافظة على وزن الشاعر مع السبب المذكور آنفًا؛ لأن النكات البلاغية لا تتزاحم كما يقولون. وعلى هذا النمط جاء قول المتنبي عندما أصابته الحمى: وملني الفراش وكان جنبي ... يمل لقاؤه في كل عام عليل الجسم -يقصد: أنا عليل الجسم- ممتنع القيام ... شديد السكر من غير المدام

стр. 138

والأصل أنا عليل الجسم أنا ممتنع القيام أنا شديد السكر من غير المدام، لكن المتنبي حذف المسند إليه؛ لأن العليل يثقل عليه الكلام، فهو نازع إلى الإيجاز دائمًا لضيق صدره عن إطالة الكلام؛ بسبب ما يعتريه من توجع وضجر. وهكذا نلحظ أن ضيق المقام المفضي للحذف يرجع غالبًا إلى ضيق صدر المتكلم؛ نظرًا لما يحسه من آلام أو استغراب واستبعاد لما يُلقَى عليه من أخبار. كما نراه في قول السيدة سارة زوج سيدنا إبراهيم ﵇ عندما دخل الملائكة المكرمون على زوجها وبشروه بأنه سيولد له ولد غزير العلم، هو إسحاق ﵇ قال القرآن عنها: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ (الذاريات: ٢٩) لم تقل: أنا عجوز، أنا عقيم؛ لما كانت تحسه من ضيق صدرها عن الإطالة في الكلام بسبب مانتابها من استغراب وتعجب واستبعاد؛ نظرًا لما كانت عليه من عقم وما لحقها ولحق زوجها من كبر. ٣ - ثالث أسرار حذف المسند إليه: اختبار تنبه السامع أو اختبار مقدار تنبهه ومبلغ ذكائه؛ ذكر البلاغيون أن من دواعي حذف المسند إليه: إرادة اختبار تنبه السامع عند وجود القرينة الواضحة، مثل أن يزورك رجلان سبقت لأحدهما صحبة لك فتقول لمن معك العالم بهذه الصحبة: وفي، تريد: الصاحب وفي، فتحذف المسند إليه اختبارًا لهذا السامع؛ أي: يتنبه إلى أن المسند إليه المحذوف هو الصاحب بقرينة ذكر الوفاء، إذ هو المناسب لمعنى الصحبة والصداقة أم لم يتنبه. ٤ - كما ذكروا من الدواعي كذلك إرادة اختبار مقدار هذا التنبه عند وجود القرينة الخفية، كأن يزورك رجلان أحدهما أقدم صحبةً من الآخر فتقول لمن معك العالم بهذه الصلة: جدير بالإحسان، تريد أقدمهما صحبةُ جديرٌ

стр. 139

بالإحسان، فتحذف المسند إليه اختبارًا لمبلغ تنبه السامع؛ أي: يتنبه إلى هذا المحذوف لهذه القرينة الخفية، وهي أن أهل الإحسان قديمو الصحبة دون حادثها أم لم يتنبه. ٥ - أيضًا من دواعي حذف المسند إليه: تعين المسند إليه؛ إما لأن الخبر لا يصلح إلا له حقيقة، فيكون وضوح المسند إليه لدى المخاطب حقيقيًّا، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (الرعد: ٩) فإن قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو؛ أي: الله ولكن لما كان هذا الخبر لا يكون إلا له حقيقة جاء الكلام على الحذف؛ لتعين المسند إليه حقيقةً، في ذلك إشارة إلى وحدانيته سبحانه وعظمته وجلاله، وإما لأن الخبر لا يصلح إلا للمسند إليه ادعاءً، فيكون وضوح أمره عند المخاطب ادعائيًّا كذلك، وهذا يكون فيمن اشتهروا بصفات بلغوا فيها الكمال ولو عند المتكلم، فيأتي بالخبر حاذفًا المسند إليه ادَّعاءً منه أن الصفة -أي: المسند- لا تكون هنا إلا للموصو ف المحذوف وهو المسند إليه، فكأنه متعين. وقد يكون في ذلك إشارة إلى تقدير المسند إليه وتعظيمه والمبالغة في اتصافه بالمسند المذكور، بادعاء أنه بلغ فيه حد الكمال فلا يكون إلا له؛ مثل قولنا مثلًا: عادل في حكومته؛ أي: عمر بن الخطاب ﵁ وقولك: وهاب الألوف، تريد كريمًا لا تذكره ادعاءً؛ لتعينه وشهرته. قد يكون في هذا الادعاء إشارة إلى الاستخفاف بالمسند إليه وعدم الاعتداد به، كما في قول قوم موسى ﵇ الذي حكاه القرآن عنهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الصف: ٦) أي: هذا ساحر هذا كذاب، قاصدين بذلك

стр. 140

الحذف أن قولهم: ساحر كذاب لا ينصرف عند إطلاقه إلا إلى موسى ﵇ زعمًا منهم أن هذه الصفة لا تصلح إلا له، فهو متعين في اعتقادهم الباطل وزعمهم الكاذب لهذه الصفة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: ٥). هذا؛ وقد يكون تعيين المسند إليه المقتضي للحذف بسبب أنه معهود بين المتكلم والمخاطب كقولك مثلًا: حضر، تريد رجلًا معينًا بينك وبين مخاطبك. وقد يحذف المسند إليه لتأتي الإنكار عند الحاجة إليه كقولك عن رجل معروف بظلمه وفسقه: فاجر ظالم، والأصل فلان فاجر، فلان ظالم، ولكنك تحذف المسند إليه ليكون الحذف سبيلًا إلى الإنكار عندما يواجهك فلان هذا باللوم أو العتب، فييسر عليك الحذف ويمكنك حينئذٍ من أن تقول له: ما قصدتك وإنما أردت غيرك، ولو ذكرت المسند إليه في مثل هذا المقام لَمَا تأتى لك الإنكار. ٦ - من دواعي حذف المسند إليه: صون المسند إليه عن اللسان تعظيمًا له، أو العكس، صون اللسان عن ذكره تحقيرًا له؛ ففي حالة إرادة التعظيم للمسند إليه وتكريمه قد يحذف للإشعار بأنه بلغ من كرم المنزلة وسمو المكانة حدًّا يخشى عليه بذلك من مجرد الجريان على لسانه، فيوهم المتكلم سامعه ويشعره أن في جريان المسند إليه على اللسان وذكره تقليلًا من شأنه، ونقصًا من طهارته، وكأن اللسان شيء حقير ينبغي أن يحفظ منه المسند إليه ويصان. وإذا أريد تحقير المسند إليه قد يحذف كذلك؛ إشعارًا بأنه بلغ من المهانة والحقارة حدًّا جعل ذكره فادحًا في طهارة لسان ذاكره، وفي معنى هذا يقول الشاعر: ولقد علمتُ بأنهم نجَس ... فإذا ذكرتهم غسلت فمي

стр. 141

وعند التأمل ندرك أن النجاسة هنا التي يخشَى منها على المسند إليه لجريانه على اللسان أو يخشى على اللسان منها لذكره المسند إليه، أمر اعتباري افتراضي يهدف إلى الإشعار بالتعظيم أو التحقير، ولذلك عبَّر الخطيب القزويني بكلمة الإبهام عند ذكره هذا الغرض من أغراض حذف المسند إليه فقال: وأما لإيهام أن في تركه تطهيرًا له عن لسانك وتطهيرًا للسانك عنه. ومن الحذف لصون المسند إليه عن اللسان؛ تعظيمًا له قول الشاعر: أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجذع ثاقبه نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بَدَا كوكب تأوي إليه كواكبه والأصل هم نجوم سماء، فحذف المسند إليه؛ لصونه عن اللسان تعظيمًا له، ومثله قول الآخر: وعلمت أني يوم ذاك منازل كعبًا ونهدًا ... قوم إذا لبسوا الحديد تنمروا حِلقًا وقدًّا والأصل هم قوم، فحذف المسند إليه لصونه عن اللسان؛ تعظيمًا له، ومن هذا القبيل قولك: رافع راية التوحيد مقوض دعائم الشرك تريد نبينا محمدًا ﷺ . ومن الحذف لصون اللسان عن ذكر المسند إليه تحقيرًا له قول بعض العرب في ابن عم له موسر سأله فمنعه، وقال: كم أعطيتك مالي وأنت تنفقه فيما لا يعنيك، والله لا أعطينك، فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه فهجاه قائلًا: سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داع النَّدى بسريع حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع

стр. 142

والأصل هو سريع هو حريص، ف حذف المسند إليه لصون اللسان عن ذكره؛ تحقيرًا له، وعليه قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (البقرة: ١٨) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (القارعة: ١٠، ١١) والتقدير هم صم؛ أي: المنافقون، هم بكم، هم عمي، وكذلك وما أدراك ما هي هي نار حاميه. هذا؛ وقد ذكر البلاغيون أنه من مألوف الأسلوب عند العرب أنهم يريدون الكلام على حذف المسند إليه في مقامات المدح والهجاء، وعند ذكر الديار والأطلال، وهي مقامات تدعو إلى الإيجاز لضيق صدر المتكلم كما يظهر لنا ذلك عند ذكر الديار والأطلال، وتدعو كذلك إلى ما يوحي به الحذف من تعدد المعاني وتباين الصفات، حتى كأن اللاحق منها شيء جديد مستقل عن السابق، ولا شك أن هذا الذي يوحي به الحذف أبلغُ في تأدية الغرض من مدح أو قدح. ومن هذا المنطلق يمكن أن يكون السر المقتضي للحذف أيضًا في الأبيات السابقة -زيادةً على ما ذُكِر- هو المبالغة في المدح أو الهجاء؛ بسبب ما أوحى به الحذف من تعدد المعاني وتميز الصفات، والنكات البلاغية -كما قلنا- لا تتزاحم. ٧ - ومن دواعي حذف المسند إليه: التعجيل بالمسرة أو المساءة، ف قد ذكر البلاغيون أنه من الأسرار التي تقتضي حذف المسند إليه تعجيل المسرة إذا كان الخبر مما يسر به كقولك للسائل: دينار، وكقولك لمخاطبك: نجح، تريد ابنك نجح، فتحذف المسند إليه إذا أردت أن تعجل بذكر ما يفرح ويسر. ٨ - وذكر البلاغيون أيضًا من دواعي حذف المسند إليه: إرادة تعجيل المساءة إذا كان الخبر مما يساء به، مثل قولك: راسب؛ أي: المهمل، تخاطب بذلك مَن تريد إساءته.

стр. 143

٩ - هذا؛ وقد عد بعض البلاغيين من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل فيما بُني فعلُه للمعلوم باعتباره أيضًا مسندًا إليه، وذلك كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ (القيامة:٢٦، ٢٧) وقوله سبحانه: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (الواقعة:٨٣: ٨٥) أي: بلغت الروح التراقي وبلغت الروح الحلقوم، وسر حذفه هنا ظهوره ظهورًا واضحًا والعلم به؛ لأن الآيات في ذكر الموت والأموات، ولا يبلغ التراقي والحلقوم عند الموت إلا الروح، وهنا سر آخر سوى ظهور الفاعل والعلم به، يتمثل في الإشارة إلى ما عليه الروح من قرب مفارقتها لصاحبها، وكأن حذفها من العبارة يشعر بذهابها. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى حكايةً عن سيدنا سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (ص: ٣٢) فالمراد هنا بالضمير المستكن في الفعل: ﴿تَوَارَتْ﴾ الشمس، لكن حذفت من الكلام لقوة الدلالة عليها، ولأنها غابت وغربت، وهذا يلائم غيابها من العبارة المتمثل في حذفها. ومنه أيضًا قوله -جل وعلا-: "لقد تقطَّع بينكَم" (الأنعام: ٩٤) على قراءة نصب "بينكم" وحذف الفاعل المراد به والله أعلم الأمر، وهو الصلة بين القوم وشركائهم، وسر الحذف هنا الإشارة إلى أن هذه الصلة لا جدوى منها ولا فائدةَ فيها يوم لقاء الله -فهي صلة ساقطة لا اعتداد بها ولا قيمة لها كما يشير إلى ذلك السياق في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الأنعام: ٩٤).

стр. 144

وبالتأمل نجد للحذف في هذه المواطن سرًّا عامًّا يتمثل في ظهور الفاعل ظهورًا بينًا لدلالة الكلام عليه دلالةً قويةً، حتى لكأنه مذكور بلفظه، ولعل هذا ما سوغ حذف الفاعل عند مَن أجازه، ثم لكل حذف بعد ذلك سره الخاص الذي يدل عليه المقام والسياق. ١٠ - جعل وا كذلك من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل الذي بني فعله للمفعول، باعتباره هو الآخر مسندًا إليه، وذكروا من هذا الحذف أسرارًا تقتضيه منها ما يأتي: العلم به كقول الشاعر: سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة ود هوب وكقوله -عز من قائل -: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (الجمعة: ١٠) وتأمل قوله: ﴿وقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ٤٤) تجد أن الفعل قد بني للمفعول في قوله: ﴿قِيلَ﴾ و ﴿غِيضَ﴾ و ﴿قُضِي﴾ للعلم بالفاعل الحقيقي وهو الله القادر، ووراء حذف الفاعل سر آخر وهو الإشارة إلى سرعة الاستجابة والامتثال، وأن هناك قوةً خارقةً قد اختطفت الماء، فانمحى وزال. وانظر لذلك إلى قول الله : ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (الأعراف: ١١٩، ١٢٠) تجد أن وراء حذف المسند إليه دقائق ولطائف؛ أهمها الإشارة إلى قدرة الخالق فهو الغالب وليس موسى، بل لقد أوجس موسى في نفسه خيفة عندما رأى حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من

стр. 145

سحرهم أنها تسعى، كقوله تعالى: ﴿فَغُلِبُوا﴾ بالبناء للمجهول إشارة إلى قدرة الله القاهر، وتنبيهًا على أن الغلبة كانت بتدبيره تعالى وصنعه، وبهذا يظل موسى في مرتبة العبودية العاجزة التي لا تصنع شيئًا خارقًا، وإنما يجريه الله تعالى على يديها. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ وإشارته إلى سرعة امتثالهم بأمر الله، وكأن قوة القهار قد نزعت العناد والكفر من رؤوسهم، فانكبوا ساجدين مؤمنين برب العالمين. من هذه الأسرار لحذف المسند إليه الخوف على المسند إليه المقصود به الفاعل، كقول الشاعر: نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد كذلك ضيق المقام نظرًا لما عليه المتكلم كقول الشاعر: أُسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى ... ولا فرسي مُهر ولا ربه غمر وكذا احتقار المسند إليه المحذوف كقول الشاعر: لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب ومنه كذلك الخوف منه كقول القائل: ضُرب فلان، بحذف الفاعل الحقيقي وبناء الفعل للمفعول؛ خوفًا من هذا المعتدي على نفسه. ومن ذلك أيضًا الجهل به كقولك مثلًا: بني هذا المسجد عام كذا، إذا كان المسجد قديمًا لم يعلم شيء عن شخص بانيه، والمعلوم هو تاريخ البناء فقط من كتابته على الجدران مثلًا.
следующие страницы →