← Баляга

Баляга · id 7582

البلاغة 2 - المعاني - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (482 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعند التأمل ندرك أن النجاسة هنا التي يخشَى منها على المسند إليه لجريانه على اللسان أو يخشى على اللسان منها لذكره المسند إليه، أمر اعتباري افتراضي يهدف إلى الإشعار بالتعظيم أو التحقير، ولذلك عبَّر الخطيب القزويني بكلمة الإبهام عند ذكره هذا الغرض من أغراض حذف المسند إليه فقال: وأما لإيهام أن في تركه تطهيرًا له عن لسانك وتطهيرًا للسانك عنه. ومن الحذف لصون المسند إليه عن اللسان؛ تعظيمًا له قول الشاعر: أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجذع ثاقبه نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بَدَا كوكب تأوي إليه كواكبه والأصل هم نجوم سماء، فحذف المسند إليه؛ لصونه عن اللسان تعظيمًا له، ومثله قول الآخر: وعلمت أني يوم ذاك منازل كعبًا ونهدًا ... قوم إذا لبسوا الحديد تنمروا حِلقًا وقدًّا والأصل هم قوم، فحذف المسند إليه لصونه عن اللسان؛ تعظيمًا له، ومن هذا القبيل قولك: رافع راية التوحيد مقوض دعائم الشرك تريد نبينا محمدًا ﷺ . ومن الحذف لصون اللسان عن ذكر المسند إليه تحقيرًا له قول بعض العرب في ابن عم له موسر سأله فمنعه، وقال: كم أعطيتك مالي وأنت تنفقه فيما لا يعنيك، والله لا أعطينك، فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه فهجاه قائلًا: سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داع النَّدى بسريع حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع

стр. 142

والأصل هو سريع هو حريص، ف حذف المسند إليه لصون اللسان عن ذكره؛ تحقيرًا له، وعليه قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (البقرة: ١٨) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (القارعة: ١٠، ١١) والتقدير هم صم؛ أي: المنافقون، هم بكم، هم عمي، وكذلك وما أدراك ما هي هي نار حاميه. هذا؛ وقد ذكر البلاغيون أنه من مألوف الأسلوب عند العرب أنهم يريدون الكلام على حذف المسند إليه في مقامات المدح والهجاء، وعند ذكر الديار والأطلال، وهي مقامات تدعو إلى الإيجاز لضيق صدر المتكلم كما يظهر لنا ذلك عند ذكر الديار والأطلال، وتدعو كذلك إلى ما يوحي به الحذف من تعدد المعاني وتباين الصفات، حتى كأن اللاحق منها شيء جديد مستقل عن السابق، ولا شك أن هذا الذي يوحي به الحذف أبلغُ في تأدية الغرض من مدح أو قدح. ومن هذا المنطلق يمكن أن يكون السر المقتضي للحذف أيضًا في الأبيات السابقة -زيادةً على ما ذُكِر- هو المبالغة في المدح أو الهجاء؛ بسبب ما أوحى به الحذف من تعدد المعاني وتميز الصفات، والنكات البلاغية -كما قلنا- لا تتزاحم. ٧ - ومن دواعي حذف المسند إليه: التعجيل بالمسرة أو المساءة، ف قد ذكر البلاغيون أنه من الأسرار التي تقتضي حذف المسند إليه تعجيل المسرة إذا كان الخبر مما يسر به كقولك للسائل: دينار، وكقولك لمخاطبك: نجح، تريد ابنك نجح، فتحذف المسند إليه إذا أردت أن تعجل بذكر ما يفرح ويسر. ٨ - وذكر البلاغيون أيضًا من دواعي حذف المسند إليه: إرادة تعجيل المساءة إذا كان الخبر مما يساء به، مثل قولك: راسب؛ أي: المهمل، تخاطب بذلك مَن تريد إساءته.

стр. 143

٩ - هذا؛ وقد عد بعض البلاغيين من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل فيما بُني فعلُه للمعلوم باعتباره أيضًا مسندًا إليه، وذلك كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ (القيامة:٢٦، ٢٧) وقوله سبحانه: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (الواقعة:٨٣: ٨٥) أي: بلغت الروح التراقي وبلغت الروح الحلقوم، وسر حذفه هنا ظهوره ظهورًا واضحًا والعلم به؛ لأن الآيات في ذكر الموت والأموات، ولا يبلغ التراقي والحلقوم عند الموت إلا الروح، وهنا سر آخر سوى ظهور الفاعل والعلم به، يتمثل في الإشارة إلى ما عليه الروح من قرب مفارقتها لصاحبها، وكأن حذفها من العبارة يشعر بذهابها. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى حكايةً عن سيدنا سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (ص: ٣٢) فالمراد هنا بالضمير المستكن في الفعل: ﴿تَوَارَتْ﴾ الشمس، لكن حذفت من الكلام لقوة الدلالة عليها، ولأنها غابت وغربت، وهذا يلائم غيابها من العبارة المتمثل في حذفها. ومنه أيضًا قوله -جل وعلا-: "لقد تقطَّع بينكَم" (الأنعام: ٩٤) على قراءة نصب "بينكم" وحذف الفاعل المراد به والله أعلم الأمر، وهو الصلة بين القوم وشركائهم، وسر الحذف هنا الإشارة إلى أن هذه الصلة لا جدوى منها ولا فائدةَ فيها يوم لقاء الله -فهي صلة ساقطة لا اعتداد بها ولا قيمة لها كما يشير إلى ذلك السياق في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الأنعام: ٩٤).

стр. 144

وبالتأمل نجد للحذف في هذه المواطن سرًّا عامًّا يتمثل في ظهور الفاعل ظهورًا بينًا لدلالة الكلام عليه دلالةً قويةً، حتى لكأنه مذكور بلفظه، ولعل هذا ما سوغ حذف الفاعل عند مَن أجازه، ثم لكل حذف بعد ذلك سره الخاص الذي يدل عليه المقام والسياق. ١٠ - جعل وا كذلك من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل الذي بني فعله للمفعول، باعتباره هو الآخر مسندًا إليه، وذكروا من هذا الحذف أسرارًا تقتضيه منها ما يأتي: العلم به كقول الشاعر: سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة ود هوب وكقوله -عز من قائل -: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (الجمعة: ١٠) وتأمل قوله: ﴿وقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ٤٤) تجد أن الفعل قد بني للمفعول في قوله: ﴿قِيلَ﴾ و ﴿غِيضَ﴾ و ﴿قُضِي﴾ للعلم بالفاعل الحقيقي وهو الله القادر، ووراء حذف الفاعل سر آخر وهو الإشارة إلى سرعة الاستجابة والامتثال، وأن هناك قوةً خارقةً قد اختطفت الماء، فانمحى وزال. وانظر لذلك إلى قول الله : ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ (الأعراف: ١١٩، ١٢٠) تجد أن وراء حذف المسند إليه دقائق ولطائف؛ أهمها الإشارة إلى قدرة الخالق فهو الغالب وليس موسى، بل لقد أوجس موسى في نفسه خيفة عندما رأى حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من

стр. 145

سحرهم أنها تسعى، كقوله تعالى: ﴿فَغُلِبُوا﴾ بالبناء للمجهول إشارة إلى قدرة الله القاهر، وتنبيهًا على أن الغلبة كانت بتدبيره تعالى وصنعه، وبهذا يظل موسى في مرتبة العبودية العاجزة التي لا تصنع شيئًا خارقًا، وإنما يجريه الله تعالى على يديها. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ وإشارته إلى سرعة امتثالهم بأمر الله، وكأن قوة القهار قد نزعت العناد والكفر من رؤوسهم، فانكبوا ساجدين مؤمنين برب العالمين. من هذه الأسرار لحذف المسند إليه الخوف على المسند إليه المقصود به الفاعل، كقول الشاعر: نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد كذلك ضيق المقام نظرًا لما عليه المتكلم كقول الشاعر: أُسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى ... ولا فرسي مُهر ولا ربه غمر وكذا احتقار المسند إليه المحذوف كقول الشاعر: لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب ومنه كذلك الخوف منه كقول القائل: ضُرب فلان، بحذف الفاعل الحقيقي وبناء الفعل للمفعول؛ خوفًا من هذا المعتدي على نفسه. ومن ذلك أيضًا الجهل به كقولك مثلًا: بني هذا المسجد عام كذا، إذا كان المسجد قديمًا لم يعلم شيء عن شخص بانيه، والمعلوم هو تاريخ البناء فقط من كتابته على الجدران مثلًا.

стр. 146

هذا؛ وهناك من البلاغيين من عَدَّ اتباع الاستعمال الوارد عن العرب غرضًا يقتضي حذف المسند إليه كما في الأمثال نحو قولهم: رمية من غير رام؛ أي: هي رمية موفقة ممن لا يحسن الرمي، وحُذف المسند إليه وهو الضمير اتباعًا للاستعمال الوارد عن العرب. ونحو قولهم: شنشنة أعرفها من أخذم؛ أي: هي شنشنة، والشنشنة: الطبيعة والعادة، وأخذ م: ابن قائل المثل وكان عاقًّا لأبيه -والعياذ بالله- فلما مات أخذم تواثب أبناؤه على جدهم وأوسعوه ضربًا حتى أدموه فأنشد: إن بني أدرجوني بالدم ... من يلقَى آساد الرجال يكلم ومن يكن رِدءًا له يقدم ... شنشنة أعرفها من أخذم أي: ضربهم إياه خَصلةً وعادةً يعرفها من أبيهم أخذ م فذهب الشطر الأخير مثلًا. وكما في النعت المقطوع إلى الرفع لقصد إنشاء المدح مثل: الحمد لله أهل الحمد، والتقدير هو أهل الحمد؛ قياسًا على قول العرب: الحمد لله الكريم، أو لقصد الترحم مثل: اللهم ارحم عبدك المسكين، أو لقصد إنشاء الذنب مثل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والتقدير هو، وقد اعترض على هؤلاء بأن الحذف في مثل هذه المواطن ذاتي أوجبته اللغة العربية، فكيف نجعل الموجب له سرًّا بلاغيًّا؟ فأجابوا: لأن الحذف مع وجوبه من ناحية اللغة لا يُصار إليه إلا لغرض بلاغي يقتضيه، فلو أخذنا بظاهر ما يفهم من كلامهم لجعلنا رفع الفاعل ونصب المفعول لغرض بلاغي كذلك؛ ولذا علَّق على ردهم هذا الشيخ عبد المتعال الصعيدي ﵀ فقال: وهو جواب ظاهر الضعف؛ لأنه لا معنى لتوقف الحذف عن الغرض البلاغي مع وجوبه في ذاته، إذ لا بد منه، وُجد هذا الغرض أم لم يوجد. ذكر ذلك في تحقيقه على (الإيضاح) في كتاب البغية.

стр. 147

والخَطْب في ذلك سهل، فاتباع الاستعمال الوارد عن العرب بحذف المسند إليه لم يجب علينا لغرض بلاغي جديد، ولكن هذه الأساليب عندما قيلت في مقاماتها الأولى، كان الداعي إلى الحذف فيها أغراضًا بلاغيةً في الأساس أوضحها الاختصار والإيجاز وهو قيمة عظيمة وفضيلة من فضائل الكلام جليلة؛ لأن المتكلم بها في هذه المقامات هم العرب الذين لا يتصرفون في كلامهم بحذف أو ذكر اعتباطًا، ف هم أرباب الصناعة العربية، وأعرف الناس بأسرارها. إذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن الحذف في هذه الأساليب كان ابتداءً لغرض بلاغي، بدليل أن ما نحسه عند حذف المسند إليه من جمال القول وقوته نستشعره عند ذكره، ولهذا إذا تكلمنا بشيء من هذا الوارد عن العرب على حذف المسند إليه، وجب عليهم أن نتبعهم في حذف ما حذفوا؛ لأننا لا نأتي بمثيل هذه الأساليب إلا في مقام تُشابه مقاماتها الأُولَى التي قيلت فيها؛ فلكي تظل محتفظة بقيمتها البلاغية وغرضها الداعي للحذف أولًا، وجب علينا بلاغةً أيضًا أن نذكرها في مقامها الثاني المشابه للأول على النحو الذي ذكرت به أولًا من حذف المسند إليه، فيتحقق بذلك ثانيًا ما تحقق أولًا. إلى غير ذلك من الدواعي والأسرار التي تقتضي حذف المسند إليه، ولا يمكننا أن ندعي حصرها أو الإحاطة بها، ولكننا نتناولها صورًا لعلها تهدينا إلى طريقة النظر في مثل هذا الباب، فالذي يتأمل الأساليب ويسترشد بالسياق وقرائن الأحوال، قد تتكشف له أسرار سوى ما ذكر، ويقع على أغراض ونكات لم تدون من قبل، والأمر أولًا وآخرًا مبني على الذوق وتلمس أسباب الحذف.

стр. 148

ذكر المسند إليه وننتقل ب الحديث الآن عن ذكر المسند إليه ودواعي ذلك. ذكرنا فيما سبق أن محل البحث في حذف المسند إليه أو ذكره، هو التعرف على الأسرار البلاغية التي رجحت الحذفَ على الذكر، أو الذكرَ على الحذف، ولا يكون ذلك إلا إذا جاز الحذف والذكر لغة لوجود القرينة الدالة، وقد عرفنا بعض الأسرار المقتضية للحذف، ونريد أن نذكر بعض الأسرار والدواعي التي تقتضي ذكر المسند إليه. ونذكر من ذلك: كون المسند إليه هو الأصل ولا مقتضى للعدول عنه إلى الحذف؛ أي: أن الأصل أن يدل على المسند إليه باللفظ بشرط ألا يقصد المتكلم غرضًا من أغراض الحذف؛ فإذا قصَد المتكلم غرضًا من أغراض الحذف كانت البلاغة في الحذف، أما إذا لم يقصد المتكلم ذلك عدنا إلى الأصل وهو الذكر، وكانت النكتة فيه كونه الأصل، وليس في قصد المتكلم غرض يقتضي الانصراف عن الذكر إلى الحذف. الأمر الثاني من دواعي ذكر المسند إليه: زيادة الإيضاح والتقرير للمسند إليه؛ أي: زيادة انكشافه لفهم السامع وتثبيته في نفسه؛ لأن المسند إليه المحذوف معلوم وواضح وثابت بالقرينة فكأنه مذكور، فإذا صرح به فكأنه ذكر ثانيًا؛ ف تحصل بذلك زيادة الإيضاح والتقرير، وإذا أراد المتكلم زيادة الإيضاح والتقرير للمسند إليه في نفس السامع اقتضى هذا الغرض أن يذكر المسند إليه؛ كما تقول مثلًا: هؤلاء جدو وهؤلاء نجحوا بتفوق، فتذكر المسند إليه وهو في الإشارة الثاني بقصد زيادة إيضاحه

стр. 149

وتقريره في ذهن السامع، وأن هؤلاء الذين ثبت لهم الجد هم أنفسهم الذين ثبت لهم النجاح بتفوق، وتكرار هؤلاء مَفاد اختصاصهم لكل واحد من الأمرين مميزًا لهم عمن عداهم، وفي هذا من الإيضاح والتقرير ما لا يخفى. وقد يكون للمسند إليه مزيد تعلق بنفس المتكلم ذاته، ويعمد إلى الذكر تجاوبًا مع ما يحسه هو تجاه المسند إليه؛ مراعاةً لحاله، وانظر معي إلى قول مالك بن الريب في قصيدته التي قالها حين استشعر دنو الأجل وهو في خراسان، قال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا وليت الغضا لم يقطع الركب ... وليت الغضا ماشي الركاب لياليا لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا ... مزار ولكن الغضا ليس دانيا والغضا: هو شجر في ديار أهله، والشعر في هذه الحالة النفسية القاسية التي يستشعر فيها دنو الأجل، ويستشعر فيها الإحساس بالغربة، ويفيض فيها الحنين والتعلق بالأهل، تراه مرتبط النفس بالغضا أقوى ما يكون الارتباط، لذلك ذكر لفظ المسند إليه الغضا وكرره أكثر من مرة، من هذا القبيل ذكر الشاعر اسم صاحبته بتكراره أحيانًا؛ لما يحسه تجاهها من حب جارف وشوق عال، ولما يشعر به من التلذذ عند جريان اسمها على لسان؛ كقول الشاعر مثلًا: ألا ليت لُبنى لم تكن لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هي حيث ذكر لبنى في الشطر الثاني، وكان يمكنه أن يستغني عن ذكر المسند إليه اسم صاحبته بالضمير المستتر بالفعل: ولم تلقني، ولكن الشاعر يحرص على ذكر الاسم؛ لأنه يحبه ويحب أن ينطق به دائمًا وأبدًا،

стр. 150

ومثل ذلك قول الآخر: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر فالذكر هنا لغرض التلذذ، وأيضًا مثل التلذذ ق صد التيمن والتبرك؛ إذ أن المتكلم في ذكره المسند إليه راعى حال نفسه أيضًا مستجيبًا لما يشعر به تجاه مدلول لفظ المسند إليه كما في قولك مثلًا: نبينا ﷺ قائل هذا القول، جوابًا لِمَن سألك: هل قال رسول الله ﷺ كذا؟ فتذكره؛ تيمنًا وتبركًا بذكر اسمه، كقولك أيضًا لمن سألك قائلًا: هل الله يرضَى هذا؟ فتقول: الله يرضاه. هذا؛ وكما يكون المقتضي بذكر المسند إليه زيادة إيضاحه وتقريره، يكون كذلك الداعي للذكر الإيضاح والتقرير بالمعاني المنسوبة إلى المسند إليه والأحكام المحكوم بها عليه، وإنما يعمد البليغ إلى ذكر المسند إليه ليبرز هذه الأحكام والمعاني في صورة بينة واضحة مؤكدة، ويكون السر الإيضاح والتقرير بدون إضافة كلمة زيادة، فترى هذا السر بذكر المسند إليه ماثلًا في قول ابن الدمينة يخاطب صاحبته أميمة، معارضًا لها حين عاتبته بقولها: وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي مَن كان فيك يلوم وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضًا أرمى وأنت سليم فلو أن قولًا يكلم الجسم قد بَدَا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم فقد قال في جوابها: وأنت التي قطعت قلبي حزازة ... وفرقت قرح القلب فهو كليم وأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطر بالجهلتين جثوم وأنت التي أحفظت قومي فكلهم ... بعيد الرضا داني الصدود كظيم حيث ذكر الشاعر ضمير صاحبته المسند إليه في كل بيت مسندًا إليها هذه الأخبار التي بدت بذكر المسند إليه في صورة واضحة مؤكدة، وحققت في الوقت نفسه ما أراده من العتاب والتثريب.

стр. 151

ومما ذكر فيه المسند إليه لغرض الإيضاح والتقرير الخبر وتأكيد الحكم المحكوم به على المسند إليه أيضًا قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الرعد: ٥) حيث ترى المسند إليه يُذكر ويكرر مع كل خبر عنه ومع كل حكم عليه، وكان من الممكن أن يكتفَى بذكره أولًا ويحذف بعد ذلك، ولكنه -والله أعلم- قصد إلى تقرير هذه الأخبار وتأكيد هذه الأحكام، فهم كفروا بربهم وهم الأغلال في أعناقهم وهم أصحاب النار، وفي هذا تكرار للمسند إليه من إعلان الغضب والوعيد ما لا يخفى. ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لقمان: ٥) ففي إعادة ذكر المسند إليه زيادة تقرير وإيضاح، وإبراز لمكانة هؤلاء المؤمنين الذين آمنوا بالغيب وأقاموا الصلاة وأيقنوا بالدار الآخرة. من هنا نعلم أن ذكر المسند إليه كما يكون لزيادة إيضاحه وتقريره في نفسه، يكون كذلك لإيضاح الخبر عنه وتقرير الحكم عليه، وتأكيد المعاني المنسوبة إليه. وقد يجتمع هذان الغرضان لذكر المسند إليه في كلام واحد كما تراه مثلًا في قول عمرو بن كلثوم: قد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا بأنا العاصبون إذا أطعنا ... وأنا الغا نم ون إذا عصينا وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أوتينا وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا وأنا التاركون لما سخطنا ... وأنا الآخذون لما هوينا حيث تجده قد ذكر المسند إليه وكرره، والسر في ذلك هو تقرير ما أخبر به عن قومه، وتأكيد المعاني المنسوبة إليه في الوقت ذاته تجد للذكر سرًّا آخرَ يتصل

стр. 152

بالمسند إليه نفسه وهو زيادة إيضاحه وتقريره؛ تأكيدًا لذات قومه وإبرازًا لهذه الذات في مواجهة الأعداء الذين توهموا في نظر عمرو بن كلثوم أن قومه قد أضعفتهم الحروب وأفنتهم المعارك، كما نفهم من قوله: ألا يحسب الأعداء أنَّا ... تضعضعنا وأنا قد فنينا ترانا بارزين وكل حي ... قد أخذوا مخافتنا قرينا ومن هذا القبيل قول الخنساء في رثاء أخيها صخر: وإن صخرًا لكافينا وسيدنا ... وإن صخرًا إذا نشت لنحار وإنا صخر لتأتم الهداة به ... كأنه علَم في رأسه نار حيث نجد المسند إليه وهو صخر قد ذكر وتكرر لزيادة إيضاحه وتقريره؛ تجاوبًا مع ما تحسه نحو أخيها من شدة التعلق به، والذي يجعل من ذكره اسمه وتكراره شيئًا حبيبًا إلى نفسها، ووسيلةً من وسائل السلوى وتخفيف الآلام، كما نجد لذكر المسند إليه هنا سرًّا آخرَ يتمثل في تقرير المعاني التي نسبتها إليه، وتأكيد الأخبار التي أخبرت بها عنه. من دواعي ذكر المسند إليه أيضًا الاحتياط لضعف الاعتماد على القرينة، وذلك إذا كان هناك قرينة تدل على المسند إليه لو حذف، ولكن هذه القرينة خفية فيخشى المتكلم حينئذٍ إن هو اعتمد عليها أن يلتبس المراد على السامع، ولذلك يأخذ بالاحتياط فيذكر المسند إليه غير معول على القرينة الموجودة كما يقال مثلًا: مَن حضر؟ ومَن سافر؟ فيقال في الجواب: الذي حضر زيد والذي سافر عمرو، ولا يقال: زيد وعمرو؛ لأن السامع قد يجهل تعيين ذلك من السؤال.

стр. 153

الأمر الذي يلي ذلك من دواعي ذكر المسند إليه التنبيه على غباوة السامع؛ أي: تنبيه الحاضرين على غباوة المقصود بالسماع، وأنه لا يفهم إلا ما تنص عليه الألفاظ؛ لأن في الحذف تعويلًا على الذكاء والقدرة على الإفادة من السياق والقرائن، فيعمد المتكلم إلى ذكر المسند إليه وإن كان السامع فاهمًا له بالقرينة؛ لأجل تنبيه الحاضرين على غباوة السامع إما لقصد إفادة أنها وصفه أو بقصد إهانته وتحقيره، فيقال في جواب من سأل: ماذا قال عمرو؟ عمرو قال كذا. من ذلك أيضًا: الرغبة في بسط الكلام وإطالته، وذلك داع مشهور من دواعي ذكر المسند إليه، ويتأتى حيث يكون إصغاء السامع مطلوبًا للمتكلم لخطر مقامه أو لقربه من قلبه، ولهذا يطال الكلام مع الأحبة، ومن ذلك قول الله تعالى حكايةً عن سيدنا موسى ﵇: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ (طه: ١٨) وكان يكفي في الجواب أن يقول: عصا، لكنه ذكر المسند إليه وهو الضمير وأضاف العصا إلى نفسه؛ حبًّا في إطالة الكلام بحضرة ذي الجلال؛ لأنه تشريف، ولهذا لم يكتفِ موسى ﵇ بذكر المسند إليه، بل أعقب ذلك بذكر أوصاف لم يُسأل عنها، فقال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (طه: ١٨) وقد سأله سبحانه وهو بكل شيء؛ لأنه -والله أعلم- أراد لفت انتباهه إلى العصا حتى يتبينها، ويعرف أنها ليست إلا عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فهي يابسة جامدة حالها كحال أي عصا، فإذا تلقى الأمر بإلقائها وألقاها ورآها حيةً تسعى، كان ذلك أبين في إبطال قانونها وإحالته عن وصفها بخلق الحياة والحركة فيها، وهذه هي آية الألوهية ومعجزة النبوة. كذا ذكره دكتور محمد أبو موسى في (خصائص التراكيب).

стр. 154

من ذلك أيضًا: التسجيل على الثابت، كأن يقول القاضي لشاهد واقعة هل أقر هذا بأنه فعل كذا؟ فيقول الشاهد: نعم، فلان هذا أقر بكذا، ويذكر المسند إليه لئلا يجد المشهود عليه سبيلًا إلى الإنكار فيما لو لم يذكر اسمه، وجعل الشيخ عبد المتعال الصعيدي - يرحمه الله - من الذكر للتسجيل على السامع حتى لا يتأتى له الإنكار قول الفرزدق في علي بن الحسين ﵄ حين أنكر هشام بن عبد الملك معرفته: هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العَلَم هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا من دواعي ذكر المسند إليه: إظهار تعظيم المسند إليه أو إهانته؛ فالأول نحو: أمير المؤمنين حاضر، والثاني نحو: السارق اللئيم حاضر، جوابًا لمن سأل عنهما ليفيد المتكلم سامعه أن تلك الذات المعبر عنها بهذا الاسم عظيمة، وأن هذه المعبر عنها بهذا الاسم مَهانة. من ذلك أيضًا: إظهار التعجب من المسند إليه، وذلك حيث يكون الحكم غريبًا يندر وقوعه، كما في قولك محدثًا عن إنسان سبق ذكره: فلان يصارع الأسود، أو يحمل أطنانًا من الحديد، وتذكر المسند إليه لقصد إظهار التعجب من شدة بأسه؛ إلى غير ذلك من نكات الذكر، إذ ليست سماعية حتى يمكن استيعابها، بل المدار في ذلك على الذوق السليم، فما عده الذوق داعيًا من دواعي الذكر أو الحذف أو غيرها أُخذ به وإن لم يذكره أهل البلاغة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 155

الدرس: ٨ تعريف المسند إليه .

стр. 156

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (تعريف المسند إليه) تعريف المسند إليه بالإضمار إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونسترضيه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا كما نعوذ به من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ وبعد: فإن الحديث عن أحوال المسند إليه يستوجب تناول تعريفه، ونكتفي بالتعرف على ما يكتنف تعريف المسند إليه بالضمير والعلم والإشارة: وكما ذكرنا مرارًا وتكرارًا فإن المسند إليه يمثل المبتدأ في الجملة الاسمية والفاعل في الجملة الفعلية، والمسند إليه أيًّا ما كان الأمر محكوم عليه، فعندما أقول: محمد مجتهد، أكون قد حكمت بالاجتهاد على محمد، ومثلُ ذلك في الجملة الفعلية: يجتهد محمد، أكون أيضًا حكمت بالاجتهاد على محمد، فأيًّا ما كان الأمر فمحمد وهو المسند إليه هو المحكوم عليه في الجملتين. والأصل في المحكوم عليه أن يكون معينًا، إذ الحكم على المجهول لا يفيد إفادة تامة وكمال التعيين بالتعريف؛ ولذا جعل البلاغيون الغرض العام لإيراد المسند إليه معرفًا بأي نوع من أنواع التعريف قصد المتكلم إفادة المخاطب الحكم إفادةً تامة ً، فإذا لم يقصد المتكلم هذه النكتة جِيء بالمسند إليه نكرةً، والمقام هو المقتضي قصد هذه النكتة أو عدم قصدها. ومن هنا آثر النظم القرآني تنكير المسند إليه على تعريفه في قول الله تعالى مثلًا: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ (القصص: ٢٠) هذا هو الغرض العام بإيراد المسند إليه معرفة ً، ثم لكل نوع من أنواع التعريف بعد ذلك أسرار ونكات؛ لأن المعرفة -كما نعلم نحويًّا- أقسام ستة؛ الضمير، العلم، اسم الإشارة، اسم الموصول، المعرف بأل، المضاف إلى واحد من هذه الخمسة المذكورة. ونعرض فيما يلي لأهم ما ذكره البلاغيون من أغراض وأسرار تعريف المسند إليه بالضمير، ثم بالعلم ثم باسم الإشارة، ولنبدأ تعريف المسند إليه بالإضمار.

стр. 157

يؤتى بالمسند إليه ضميرًا إذا كان الحديث في أحد المقامات الثلاثة التكلم أو الخطاب أو الغيبة، فإذا كان المتكلم متحدثًا عن نفسه كان المقام للتكلم، ينبغي أن يقول: أنا، كقول بشار بن برد: أنا المرعث لا أخشى على أحد ... ذرت بي الشمس للقاصي وللداني يصف نفسه بأنه مشهور ذائع الصيت، والمرعث: لقبه برعثة كانت له في صغره وهي القرط، يعلق في شحمة الأذن، وذرت الشمس؛ أي: طلعت كنايةً عن شهرته ووضوح أمره، ومثله قول المتنبي أيضًا: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي مَن به صمم وإذا كان المتكلم يخاطب مشاهدًا حاضرًا كان المقام للخطاب، فينبغي أن يقول: أنت مثل قول أمامة الخثعمية تخاطب ابن الدمينة -وقد سبق ذكره- وكان يتغزل بها: وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي مَن كان فيك يلوم تقول له: أنت الذي أخلفت ما وعدتني بالوفاء به، ونقضت ما عاهدتني عليه، وأشمت بي كل من كان يلومني ب حبك ويخطئني في الولع بك؛ لأنك لم تقم بما توجبه المحبة على المحب من الوفاء بعهد حبه. وإذا كان المتكلم يتحدث عن غائب ورد له ذكر في الكلام على أي صورة من صور تقدم مرجع الضمير في الغيبة، كان المقام للغيبة، فينبغي أن يقول هو مثل قول أبي تمام في قصيدة يمدح بها المعتصم بالله: بيمين أبي إسحاق طالت يد العلا ... وقامت قناة الدين واشتد كاهله والبحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله

стр. 158

وعلى ما سبق ذكره فإن ضمير الغائب لا بد له من مرجع يعود عليه، وهذا المرجع يجب أن يتقدم على الضمير لفظًا تحقيقًا كما في قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (الأعراف: ٨٧) وكما في قول الشاعر: من البيض الوجوه بني سنان ... ولو أنك تستضيء بهم أضاءوا هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا وكنحو قولك: جاءني زيد وهو يضحك، أو تقديرًا بأن يتأخَّر المرجع عن الضمير في اللفظ، ولكن رتبته التقديم فيعد بذلك متقدمًا لفظًا وتقديرًا نحو: في داره زيد، ومن هذا القبيل قوله: نعم رجلًا زيد، على رأي مَن يجعل المخصوص بالمدح أو الذم في باب نعم وبئس مبتدأً، والجملة قبله خبرًا مقدمًا، فمرجع الضمير هنا على هذا الرأي هو المخصوص بالمدح وهو زيد، وقد تأخر لفظًا لكنه متقدم رتبةً؛ لكونه مبتدأ ً. وهذه صورة من صور تقدم مرجع ضمير الغيبة. وهناك صورة ثانية تتمثل في أن يتقدم مرجع الضمير معنى بأن يتقدم على الضمير لفظ من جنسه تدل عليه قرينة؛ فمثال ما دل عليه لفظ قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨) فالضمير هنا للعدل، وقد تقدم معناه في لفظ: ﴿اعْدِلُوا﴾ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ (النور: ٢٨) فالضمير للرجوع وقد تقدم معناه في لفظ "ارجعوا ". ومثال ما دلت عليه قرينة قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (النساء: ١١) فالضمير المستتر في الفعل: ﴿تَرَكَ﴾ وهو مسند إليه مرجعه المتوفى قد دلت عليه قرينة الحال، وذلك أن الكلام في الآية عن الميراث فالمرجع متقدم معنًى.

стр. 159

ومن أمثلة ما دلت عليه قرينة الحال قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (ص: ٣٢) فإن قرينة ذكر العشي والتواري بالحجاب مع سياق الكلام الدال على فوات وقت الصلاة تدل على أن الضمير يرجع إلى الشمس، وقد يرد الضمير في الكلام ولا يتقدم له مرجع في اللفظ تحقيقًا ولا تقديرًا، ولا يتقدم له مرجع في المعنى، وحينئذٍ يقال: إن مرجعه متقدم حكمًا، ويتمثل هذا في مرجع ضمير الشأن والقصة وضمير رب، كذا قيل في التقدم الحكمي. مثال ضمير الشأن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٠) ومثال ضمير القصة قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ (الحج: ٤٦) ومثال ضمير رب قولك: ربه فتن ًا، فالمرجع في كل ذلك متأخر لفظًا متقدم حكمًا، ونكتة التأخير كما قالوا: البيان بعد الإبهام أو التفصيل بعد الإجمال. هذا؛ وقد قيل: إن مقامات الإضمار هذه مباحث لغوية لا تعلق لها بالبلاغة، فإن مقام التكلم يوجب ضمير المتكلم، ومقام الخطاب يوجب ضمير الخطاب، ومقام الغيبة يوجب ضمير الغيبة، ومِثل هذا لا يتحدث عنه في البلاغة. ولرد ذلك نقول: إن التعبير بهذه الضمائر في مقاماتها وإن كانت لغوية، فهي لا تخلو من أسرار ومزايا بلاغية تكمن وراء هذه التعبيرات يدركها كل من يتأمل السياقات ويترسم الأساليب، كما نرى ذلك في ضمير المتكلم، حيث يشعر بالاعتداد بالنفس ولذلك يؤتى به غالبًا في مقام الفخر على ما مر بنا في قول عمرو بن كلثوم: وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا بأنا العاصمون إذا أطعنا ... وأنا الغانمون إذا عُصينا

стр. 160

وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أوتينا وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا وأنا التاركون لما سخطنا ... وأنا الآخذون لما هوينا وانظر مثلا إلى قول الله ﵎: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه:١١: ١٤) فإنك تجد أن التعبير بضمير التكلم: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾، ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ أفاد من الإيناس والتلطف ما لا يفيده غيره خاصةً وأن الله ﵎ ينادي موسى أول مرة؛ فالمقام يحتاج إيناسًا وتلطفًا، وخذ مثلًا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) وتأمل إيثاره التعبير بضمير التكلم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ (الإنسان: ٢٣) ﴿وَإِنَّا لَهُ﴾ (يوسف: ١١) وما وراء ذلك من تأكيد الحفظ وبث الطمأنينة في نفس المؤمن. ثم تأمل قول النبي ﷺ : ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)) وما وراء التعبير بصيغة التكلم عن الاعتداد بالنفس وتمام الثقة وبث الطمأنينة في نفوس المؤمنين، وكذا القول في بيت عمرو بن كلثوم: ورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا ونحن إذا عماد الحي خرت ... على الأحفاظ نمنع مَن بُلينا إذ لا يخفَى عليك ما يكمن وراء التعبير بضمير التكلم في الأبيات من الفخر والاعتداد بالنفس. ونرى مثل هذا في التعبير بضمير المخاطب عند خروجه عن أصله، حيث إنه وضع في الأصل لمعين كسائر المعارف، ولكن الأصل في المعين المقصود بضمير

стр. 161

المخاطب أن يكون مشاهَدًا حاضرًا كما تقتضي حقيقة الخطاب؛ لأن الخطاب توجيه الكلام إلى حاضر المشاهد، ومع ذلك قد يخرج الضمير عن هذا الأصل فيخاطَب به غيرُ المشاهد، والنكتة في ذلك تتمثل في الإشارة إلى أنه حاضر في القلب قريب من الخاطر كأنه نصب العين، مثل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (الفاتحة:٥: ٧) ومثل قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ (الأنبياء: ٨٧) كما يخاطب به غير المعين بأن يراد مطلق مخاطب، وذلك حيث يراد تعميم الخطاب وتوجيهه إلى كل مَن يتأتَّى خطابُه، فالسر البلاغي في مثل هذا إرادة العموم، وإن الأمر المسند إلى ضمير المخاطب في الكلام مقصود به كل مَن يتأتى خطابه. مثل قول المتنبي: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا وقول بشار بن برد: إذا أنت لم تشرب مرارًا على ال ظم ا ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه وقول الشاعر: إذا ما كنت ذا قلب قنوع ... فأنت ومالك الدنيا سواء وقول الآخر: إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها ... هوانًا بها كانت على الناس أهون فليس المراد بالمخاطب في هذه الأبيات إنسانًا معينًا، بل المراد كل من يتأتى خطابه، والسر هو التعميم في الخطاب إشعارًا بأن الأمور المتحدث عنها لها من الثبات في نفسها ما يجعلها صالحة لأن يخاطب بها كل إنسان. ومن هذا القبيل قولك: فلان لئيم إذا أكرمته أهانك وإن أحسنت إليه أساء إليك، فليس المراد بالضمير في قولك: إن أكرمت وإن أحسنت مخاطبًا معينًا

стр. 162

حاضرًا كما هو الأصل في الخطاب، وإنما المراد مطلق مخاطب على معنى أي فرد من أفراد هذا المطلق: أكرم فلانًا اللئيم أو أحسن إليه، وقابله فلان هذا بالإهانة والإساءة. وفي هذا إشارة إلى أن سوء معاملة اللئيم لا يختص بها واحد دون آخر، ومن أجل ذلك كان الخطاب عامًّا يشمل كل مَن يمكنك خطابه. وقد ذكر البلاغيون من شواهد هذه الخصوصية -أعني: إرادة العموم عند التعبير بضمير المخاطب- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ١٢) المراد بالخطاب هنا كل من يتأتى منه الرؤية للإشارة إلى أن حالة المجرمين في ذلك اليوم من تنكيس الرء وس خوفًا وخجلًا ورثاثة الهيئة واسوداد الوجه؛ وغير ذلك من سمات الخزي والخذلان المفادة من التصريح بتنكيس الر ؤ وس، ومن حذف جواب "لو" في الآية الكريمة، قد تناهت في الظهور والاتضاح والفظاعة لأهل المحشر، فلا يختص بها راء دون راء، بل كل من يتأتى منه الرؤيا داخل في الخطاب، بحيث لا يُختص بهذا الخطاب مخاطبٌ دون مخاطب ٍ. وهذا معنى العموم الذي هو نكتة العدول بالخطاب عن أصل وضعه، وفي هذا التعميم المشعر بظهور حال المجرمين ظهورًا واضحًا، إشارةٌ أيضًا إلى التنفير والتحذير من سلوك المجرمين الذي أدَّى بهم إلى هذا المصير. ومن قبيل العدول بضمير المخاطب عن أصل وضعه للعموم قوله ﷺ : ((بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))، فليس المراد بالمخاطبين هنا جماعة معينين، وإنما المراد كل فرد من المسلمين يتأتى منه التبشير هو مأمور أن يبشر هؤلاء المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة، وفي ذلك نهاية التكريم لهم وغاية الرضا عنهم.

стр. 163

تعريف المسند إليه بالعلمية التعريف بالعلمية، فإنه يؤتى بالمسند إليه معرفًا بالعل م ية لأغراض بلاغية؛ منها: أولًا: إحضار المسند إليه بعينه وشخصه في ذهن السامع ابتداءً باسم مختص به، فهناك بين المقامات ما يقتضي إحضار المسند إليه في ذهن السامع ابتداءً باسم مختص به، ولا يكون ذلك إلا بالعلم؛ لأنه يحضر مسماه في ذهن السامع ابتداء بخلاف ضمير الغائب مثلًا، فإنه وإن أحضر شخصه في ذهن السامع لكنه إحضارٌ يأتي ثانيًا بعد إحضاره بالمرجع أولًا، مثل: جاءني زيد وهو راكب. والعلم نص في مسماه فلا يقع فيه التباس؛ لأنه موضوع للذات المشخصة المعينة بخلاف الضمير فليس نصًّا في معناه من حيث ذاته، بل هو موضوع ل كل غا ئب، فالذي يتحقق به إحضار المسند إليه بشخصه بمجرد النطق باللفظ والعلم، وهذا الغرض وإن كان من استعمال العلم في معناه الأصلي فهو أيضًا من وجوه البلاغة إذا اقتضاه المقام. ومن شواهد هذا الغرض قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١) على جعل ضمير الشأن مبتدأً أولًا ولفظ الجلالة مبتدأً ثانيًا، والجملة من الأخير وخبره خبر المبتدأ الأول يكون فيه الشاهد، وهو إيراد المسند إليه علمًا للن قط ة المذكورة، وهي إحضار المسند إليه في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به لاقتضاء المقام لها حيث إنه مقام بيان للتوحيد وتقرير لوحدانية الله والتعبير بلفظ الجلالة أعون على ترسيخ ذلك في ذهن السامع.

стр. 164

ومن شواهده أيضًا: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (آل عمران: ٣٦) وقوله كذلك: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤) وقوله أيضًا: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (الرعد: ٨) وقوله -جل شأنه-: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (الرعد: ٢). إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي نلحظ فيها أن المسند خاص بالله . ومن شواهده أيضًا قول مالك بن عويمر الهذلي من قصيدة له في رثاء أبيه وكان يكنَّى أبا مالك، والكنية كما هو معلوم من أنواع العلم: أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه ف هـ نا يصف الشاعر أباه بكرم الطبع، وأنه إذا أعوز ورقت حاله حبس فقره على نفسه، فلا يسأل أحدًا، وإن أيسر واتسعت ذات يده أشرك صحبه في ماله وأعطى منه كل الناس، والشاهد تعريف المسند إليه أبو مالك بالعل م ية بقصد إحضار مدلوله بشخصه حتى لا يلتبس بغيره، ومثل ذلك قول الحارث بن هشام معتذرًا عن فراره يوم بدر عن أخيه أبي جهل: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علو فرسي بأشقر مزبد وشممت ريح الموت من تلقائهم ... في مأزق والخيل لم تتبدد فالشاعر هنا يعتذر لنفسه، إذ فرَّ من الميدان في وقعة بدر، فيقول: إنه لم يترك مكانه في ميدان الحرب إلا بعد أن ثخن بالجراح، فَعَلَا دمُه فرسَه، والأشقر لون الدم الذي سال منه حتى علا فرسه، وهو لون أحمر يضرب إلى الصفرة والمزبد وصف آخر للدم، والشاهد التعبير عن المسند إليه الذات العلية بلفظ الجلالة الله، وهو علم لاستحضار مدلوله في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به حيث إن المقام مقام اعتذار، وفي تفويض الشاعر عِلم حاله إلى الله وحده دليلٌ على صدق

стр. 165

ما أراد من أنه لم يفر جبنًا، وإنما فر بعد أن أبلى بلاءً حسنًا، حتى سالت دماؤه فغمرت فرسه. ومن أسرار ودواعي التعريف بالعل م ية تعظيم المسند إليه أو إهانته كما في الألقاب والكنى الدالة على معنى محمود أو مذموم، مثال الأول أن تقول: أبو المعالي حضر وقدم علينا نصر الدين، ومثال الثاني أن تقول: أنف النا قة ذهب ونازعنا أبو جهل، فالتعريف في المثالين الأولين لتعظيم المسند إليه، والتعريف بالعل م ية كذلك في المثالين الأخيرين للإهانة والتحقير للمسند إليه. وقد كان لقب أنف الناقة مكروهًا ولا يحب أهله الانتساب إليه حتى قال الشاعر: قوم هم الأنواف والأذناب غيرهم ... ومَن يسوي بأنف الناقة الذنبا فصاروا بذلك يفخرون بالانتساب إلى أنف الناقة، وكان الرجل من نمير يفخر بنسبته إليها، ويمد صوته عند النطق بهذه النسبة وغيره مفتخرًا بذلك، ولما قال الشاعر: فغض الطرف إنك من نُمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابًا صار يكره وينفر من تلك النسبة، وكذا كان وقع الشعر في نفوس متلقيه ومستمعيه. هذا؛ وكما يعرف المسند إليه بالعلمية لقصد تعظيمه أو تحقيره، يعرف كذلك بالعلمية لقصد تعظيم غيره أو تحقيره، مثل: أبو الفضل صديق ك، وأبو الجهل رفيق ك، فالتعظيم للأول للمخاطب والتحقير في الثاني للمخاطب كذلك وهو غير مسند إليه، ولكن انسحب عليه التعظيم أو التحقير لصلته بالمسند إليه، وكل قرين للمقارن ينسب.

стр. 166

ومن دواعي تعريف المسند إليه بالعل م ية قصد التبرك به إن كان مما يتبرك بذكر اسمه، أو قصد التلذذ بذكره تعريف المسند إليه بالعل م ية للتبرك مثل: الله ربنا ومحمد ﷺ نبينا، إذا تقدم لهما ذكر في حديث سابق فيعاد ذكرهما؛ تيمنًا وتبركًا به، وكما يكون تعريف المسند إليه بالعل م ية للتبرك يكون كذلك للاستلذاذ وذلك في حق المعشوقات من المخلوقات؛ لأن النفوس ترتاح لذكر بعض الأسماء، ولذلك نرى الشعراء يكثرون من ذكر أسماء صواحبهم لهذا الغرض كما قال: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلَى من البشر فمقتضى سياق الكلام أن يقول: أم هي، إذ للمقام للضمير لتقدم مرجعه، لكنه أورده عَلَمًا بقصد التلذذ بذكر اسم صاحبته، ومثله كذلك قول الآخر: ألا ليت لبنَى لم تقل لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هي فالمسند إليه في قوله: لم تلقني لبنى، جاء معرفًا بالعل م ية مع أن مقتضى الظاهر أن يعرف بالضمير لتقدم مرجعه، ولكن الشاعر أورده علمًا لقصد التلذذ. ومن هنا وجدنا المتنبي حين مدح عضد الدولة فناسخرو قد ذكر له أسماء كلها من قبيل التعريف بالعلمية؛ لأنه جمع فيها للم م دوح بين الاسم والكنية واللقب واسم بلده فارس، ثم بين أنه لم ي وردها ليزداد بها الممدوح معرفةً فوق شهرته، فهو مستغنٍ عن التعريف، وإنما ذكرها استلذاذًا بلفظها وسماعها، وذلك حيث قال: وقد رأيت الملوك قاطبةً ... وسرت حتى رأيت مولاها أبا شجاع بفارس عضد الدولة ... فناسخرو شاه شاه أسامي لم تزده معرفة ... وإنما لذةً ذكرناها

стр. 167

ومن دواعي وأسرار تعريف المسند إليه بالعلمية قصد التسجيل على السامع؛ حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار كأن يقول القاضي مثلًا لرجل: هل أقر عمرو بذلك لزيد؟ فيقول الرجل: نعم، عمرو أقر بذلك لزيد، فيعيد المسند إليه باسمه ب قصد أن يسجل على السامع، فلا يتمكن من الإنكار بعد ذلك. ومن الأغراض التي يعرف المسند إليه بالعلمية من أجلها قصد المتكلم التفاؤل مثل: سعد في دارك، أو قصد التطير مثل: السفاح في دارك أو في دار فلان، إلى غير ذلك من أسرار وأغراض ينشدها البليغ من وراء تعريف المسند إليه بالعلمية. تعريف المسند إليه باسم الإشارة نكات ودواعي تعريف المسند إليه بالإشارة: يؤتَى بالمسند إليه اسم إشارة لأغراض بلاغية؛ أهمها: قصد تمييز المسند إليه أكمل تمييز؛ لأن اسم الإشارة يميز المشار إليه أكمل تمييز ويحدد المراد منه تحديدًا واضحًا؛ لأن التمييز الأكمل هو ما كان بالعين والقلب، ولا يحصل ذلك إلا باسم الإشارة، وهذا بالنسبة لما تحته من المعارف، ويكون الكلام في مقام لا يمكن فيه التعبير بما فوقه من المعارف، وأيضًا وجود ما هو أعرف منه لا ينافي أن يكون في اسم الإشارة خصوصية وهي تمييز المشار إليه أكمل تمييز يفوق فيها ما سواه؛ وذلك إذا كان المشار إليه حاضرًا محس ًّا بحاسة البصر أو منزلًا تلك المنزلة.

стр. 168

وعلى الرغم من أن هذه الخصوصية باسم الإشارة من معناه الأصلي، فهناك من المقامات ما يستدعي إبراز العناية بأمر المسند إليه وتقرير الحكم المحكوم به عليه وتأكيده، وخير ما يحقق هذا المطلوب تمييز المسند إليه أكمل تمييز؛ لذا يلجأ المتكلم في هذا المقام إلى تعريف المسند إليه بالإشارة ليتحقق لكلامه المطابقة لمقتضى الحال؛ نظرًا لهذه الخصوصية الكامنة في اسم الإشارة، نرى ذلك مثلًا في مقام المدح؛ لأن التمييز الأكمل أعون على كمال المدح وأدل على العناية بأمر ممدوح كقول ابن الرومي يمدح أبا الصقر الشيباني وزير المعتمد: هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم ويذكر أن الممدوح فذ في خلقه وخلقه لا يدانيه فيهما أحد، وأنه سليل قوم ذوي شمم وإباء يعيشون بين أشجار الضال والسلم وهما نوعان من أشجار البادية، وهم يسكنون البادية وسكناها عند العرب يعني الوصف بالعز والمجد؛ لأنها لا تخضع لسلطان حاكم ولا تدين لسلطة قانون كما يوجد في الحضر؛ ولذا قال أبو العلاء المعري: الموقدون بنجد النار بادية ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر ومن تعريف المسند إليه باسم الإشارة في مقام المدح لتميزه أكمل تمييز قول الحطيئة: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا فهنا يمدح الحطيئة هؤلاء القوم ويذكر أنهم أشراف ماجدون إن طلبوا مجدًا تلمسوه من أشرف السبل وأهداها، وأنهم أوفياء العهد لا يعرفون الغدر، وأنهم أقوياء العزيمة إن أبرموا أمرًا عقد عليه الخناصر فلا يتقاعسون.

стр. 169

والشاهد في البيتين تعريف المسند إليه بالإشارة؛ هذا في بيت ابن الرومي، وأولئك في بيت الحطيئة قصدًا إلى تمييزه أكمل تمييز لاقتضاء مقام المدح لهم. ويمكن أن نعد من شواهد هذا الغرض أيضًا قول الفرزدق في علي بن الحسين سبق ذكره عندما تجاهله هشام بن عبد الملك: هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم إلى آخر هذه الأبيات. فقد رد الفرزدق إنكار هشام بهذه الصفات وغيرها التي مدح بها علي بن الحسين في قصيدته، وجاءت مقررة مؤكدة بسبب تمييز المسند إليه أكمل تمييز، وذلك يرجع إلى تعريف المسند إليه بالإشارة وتكراره في الكلام الذي يشعر السامع أن هذه الصفات للم م دوح ذائعة شائعة فكيف يجهل الموصوف بها أو ينكر؟! ويمكن أن نعد من شواهد هذا الغرض قول الشاعر: وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر أومى إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحر فهنا يصف الشاعر ممدوحه بالجود، وأنه لا يرى شبح ضيف في جوف الليل إلا بادر إلى ناقته ينحرها لهم، وأومى تخفيف أومأ؛ أي: أشار، والكوماء الناقة الضخمة، والشاهد تعريف المسند إليه بالإشارة لتمييزه أكمل تمييز. وأبين من ذلك قول الله تعالى في حادثة الإفك: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (النور: ١٢) قال: هذا، ولم يقل: هو؛ ليبرز المسند إليه ويحدده فيقع الحكم عليه بأنه إفك مبين بعد هذا التمييز والتجسيد، وفي ذلك كما يقول الدكتور أبو موسى في (خصائص التراكيب): كبير قدر من قوة الحكم وصدق اليقين من أنه إفك مبين.

стр. 170

وتأمل قوله بعد ذلك: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: ١٦) تجد تميز الحدث وكمال إبرازه بالإشارة إليه أن نتكلم بهذا: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا﴾، قد جعل الحكم عليه بأنه بهتان عظيم يقع موقعه في الأنفس، ولا يخفى عليك ما وراء الإشارة من تحقير وإهانة لمن خاض في هذه الحادثة. ومن دواعي تعريف المسند إليه بالإشارة أيضًا قصد التعريض بغباوة السامع، وأن الأشياء لا تتميز عنده إلا بالإشارة الحسية كقول الفرزدق يهجو جريرًا ويفتخر عليه: أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمع ت نا يا جرير المجامع فهنا يخاطبه قائلًا: أولئك الذين عرفت ما لهم من القدر العظيم، وعلمت ما بلغوه من الشرف الرفيع، هم آبائي الذين أعتز بهم وأفخر، فهل تستطيع يا جرير ولن تستطيع أن تأتي بأمثالهم من آبائك إذا جمعتنا مجامع الفخر والمساجلة؟ فالأمر في قوله: فجئني؛ للتعجيز، والشاهد في البيت هنا أولئك آبائي حيث عرف المسند إليه بالإشارة؛ قصدًا إلى التعريض بغباوة السامع، وأنه لا يدرك إلا المحس لحاسة البصر؛ لأن المشار إليهم غائبون لموتهم، وفي التعريف بالإشارة أيضًا تعظيم للآباء. وهذا سر آخر، ومعلوم أن النكات البلاغية لا تتزاحم. ومن هذا قصد تعظيم المسند إليه أو تحقيره بتعريفه باسم الإشارة الموضوع للقريب، بيان ذلك: أن أسماء الإشارة -كما نعلم- منها ما هو موضوع ليشار به إلى القريب مثل قولك: هذا زيد، ومنها ما هو موضوع للبعيد مثل: ذلك عمرو، ومنها ما هو للوسط بين القرب والبعد مثل: ذاك بشر، فيعرف المسند إليه

стр. 171

بالإشارة للقريب بسر بلاغي يتمثل في تعظيمه؛ تنزيلًا لقربه من النفس منزلة قرب المسافة والمكانة؛ فيعبر عنه حينئذٍ باسم الإشارة الموضوع للقريب؛ تحقيقًا لهذا الغرض كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩) ووجه إفادة التعظيم من اسم الإشارة الموضوع للقريب أن المحبوب يكون عادة مخالطًا للنفس، حاضرًا في الذهن، لا يغيب عن الخاطر، فإرادة تعظيمه يناسبها القرب المكاني. وكما يعرف المسند إليه بالإشارة للقريب للتعظيم يعرف بها أيضًا بقصد التحقير؛ تنزيلًا لدنو منزلته وانحطاط مرتبته منزلة قرب المسافة؛ فيعبر عنه حينئذٍ باسم الإشارة الموضوع للقريب؛ تحقيقًا لهذا الغرض، كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٤) وقد أشير إلى الحياة الدنيا بالقريب إشعارًا بهوانها وحقارتها، فلا ينبغي للمؤمن أن يجعلها غاية أو أن يتخذها هدفًا. من هنا قال ﷺ : ((لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها جرعة ماء)) وكما في قوله تعالى حكايةً لقول المشركين: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ (الأنبياء: ٣٦) مشيرين إلى النبي ﷺ قصدًا إلى إهانته في زعمهم -قبحهم الله -. ومن هذا القبيل قول الشاعر: ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثى له أحد فقد عرف المسند إليه في الموضعين من البيت الثاني باسم الإشارة الموضوع للتحقير، ووجه دلالته على التحقير أن التحقير عادة لا يمتنع على الناس، بل

стр. 172

يكون قريب الوصول إليه مبتذلًا، فتحقيره حينئذٍ يناسبه القرب المكاني على هذا التقدير. ومن التعريف باسم الإشارة الموضوع للقريب لقصد التحقير، هكذا نلحظ أن الإشارة للقريب كانت وسيلة للتعظيم في مواطن عديدة، ووسيلة للتحقير في مواطن أخرى، ولا ضير في ذلك، فالجهة منفكة والوجهة مختلفة. ومن دواعي تعريف المسند إليه بالإشارة قصد تعظيم المسند إليه أو تحقيره بتعريفه باسم الإشارة الموضوع للبعيد، فما قلناه في التعريف باسم الإشارة الموضوع للقريب من حيث الدلالة على التعظيم أو التحقير نقوله كذلك في التعريف باسم الإشارة الموضوع للبعيد من حيث دلالته على تعظيم المشار إليه مرة في مقام، ول دلالته على تحقيره في مقام آخر. ولكل دلالة وجهتها، فالجهة منفكة والوجهة مختلفة -كما قلنا آنفًا- ومن هذا المنطلق نجد تعريف المسند إليه بالإشارة للبعيد تفيد تعظيمه تنزيلًا لبعد درجته وعلو مرتبته منزلة بعد المسافة؛ ف يعبر عنه حينئذٍ باسم الإشارة الموضوع للبعيد للدلالة على قصد التعظيم، كما في قول الله تعالى حكايةً عن امرأة العزيز ردًّا على أولئك النسوة اللاتي لمنها: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (يوسف: ٣٢) لم تقل: هذا مع إنه قريب حيث كان حاضرًا في المجلس؛ رفعًا لمنزلته في الحسن، وتمهيدًا للعذر في الافتتان به. ومثله قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الزخرف: ٧٢) وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة: ٢) ف تعريف المسند إليه فيهما بالإشارة للبعيد للدلالة على تعظيم شأنهما، ووجه الدلالة على

стр. 173

التعظيم أن العظيم عادة بعيد المنزلة عالي المكانة، وينزل البعد المعنوي هذا منزلة البعد الحسي الموضوع له اسم الإشارة؛ ولذلك يعبر عنه باسم الإشارة الموضوع للبعيد بعدًا حسيًّا، فيفيد البعد المعنوي المشعر بالتعظيم. هذا؛ وكما يعرف المسند إليه بالإشارة للبعيد لقصد التعظيم يعرف بها أيضًا لقصد التحقير تنزيلًا لبعده عن ساعة الحضور والخطاب منزلة بعد المسافة؛ فيعرف حينئذٍ بالإشارة من بعيد للدلالة على معنى التحقير، خذ مثلًا في ذلك قول الله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الماعون:٢، ٣) وكما تقول لشخص يحضر مجلسك: ذلك الرجل وشَى بي عند الأمير، ووجه الدلالة هنا على التحقير أن الحقير عادة تنفر منه النفس، وهو بعيد عن القلب والخاطر لا يلتفت إليه لحقارته، فينزل هذا البعد المعنوي منزلةَ البعد الحسي الموضوع له اسم الإشارة، ولذلك يشار إليه بما يشار به إلى البعيد حسًّا؛ فتفيد الإشارة البعد المعنوي المشعر هنا بالتحقير. ومن هذا القبيل قوله تعالى في شأن الناس يوم البعث بعد النفخ في الصور: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣) حيث نرى الإشارة إلى البعيد في الآية الأولى أفاد للتعظيم، وهي بعينها في الآية الثانية أفادت التحقير، لكن باعتبارين مختلفين، وفي ذلك يقول الخطيب القزويني في (الإيضاح) مع البغية: وربما جُعل البعد ذريعة إلى التعظيم كقوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (البقرة: ١، ٢) ذهابًا إلى بعد درجته ونحوه: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ (الزخرف: ٧٢) ولذا قالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ولم تقل: فهذا وهو حاضر؛ رفعًا لمنزلته في الحسن، وتمهيدًا للعذر في الافتتان به، وقد يجعل ذريعة إلى التحقير كما يقال: ذلك اللعين فعل كذا.

стр. 174

ومن أسرار وأغراض تعريف المسند إليه بالإشارة قصد التنبيه إلى أن المشار إليه الموصوف بعدة أوصاف حقيق من أجل هذه الصفات لما يذكر بعد اسم الإشارة من جزاء، كما في قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: ٥) بعد قوله : ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: ٤) فالمشار إليه في الآية بأولئك هم المتقون، وقد ذكر عقيبه أوصاف هي الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق من الرزق والإيمان بما أنزل والإيقان بالآخرة، وإنما أشير إليهم بأولئك مع أن المقام للضمير لوجود مرجعه؛ تنبيهًا على أن المشار إليه م -وهم هنا المتقون- أحقاء من أجل الأوصاف التي وصفوا بها بما يذكر بعد اسم الإشارة من الجزاء؛ وهو الفوز بالهداية في الدنيا وبالفلاح في الآخرة. ووجه تنبيه اسم الإشارة على أن المشار إليه حقيق وجدير بهذا الجزاء بسبب ما وصف به، هو أن اسم الإشارة موضوع للدلالة على المشار إليه، والمشار إليهم في الآية التي معنا هم الذوات مع ملاحظة الأوصاف السابقة؛ لأن كمال التمييز الدال عليه اسم الإشارة إنما يكون بمراعاة هذه الأوصاف، وتعليق الحكم على موصوف يشعر بغلبة الوصف، يعني: أن الأوصاف المذكورة هي العلة في استحقاقهم هذا الجزاء المتمثل هنا في الهداية والفلاح، أما الضمير فإنه لا يفيد مراعاة هذه الأوصاف في الغلبة وإن كانت موجودة؛ لأنه موضوع للذات المجردة عن أي اعتبار، لهذا كان المقام للإشارة لا للضمير. ونظير ما جاء في صدر سورة البقرة بهذا الخصوص كثيرٌ في النظم القرآني ارجع إلى قوله تعالى مثلًا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠) في سورة البقرة: ﴿أُولَئِكَ هُمُ

стр. 175

الْخَاسِرُونَ﴾ (العنكبوت: ٥٢) في سورة الرعد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ (الرعد: ٥) وتأمل ما قبله وما بعده؛ ليتضح لك ما قلناه. ويعرف المسند إليه بالإشارة أيضًا لقصد إبراز المعقول في صورة المُحَس؛ فإن المتكلم قد يعظم المعنى في نفسه حتى يخيل إليه أنه صار شيئًا محسًّا يشار إليه بالبنان؛ ف يعمد إلى تعريفه بالإشارة التي تجسد الأمر المعنوي وتبرزه في صورة مرئية مشاهدة، مثل قوله سبحانه على لسان المنكرين للبعث: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: ٨٢، ٨٣). وهذا الغرض لتعريف المسند إليه بالإشارة شائع ذائع في الشعر والكلام الجيد، وفي القرآن كثير، ولو رجعنا إلى آية الإفك التي استشهدنا بها على تمييز المسند إليه أكمل تمييز بواسطة تعريفه بالإشارة، لوجدنا الإشارة فيها أيضًا قد أبرزت الأمور المعنوية وجسدتها في صورة حسية. ونظير ما سبق ما جاء في قول الله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (النور: ٤٤) فالإشارة قد أبرزت التقلي ب في صورة محسوسة مرئية ولكنها بعيدة؛ ذلك لأنه لا يأخذ العظة منها إلا النفوس المؤمنة القوية المهيأة للوعي والإدراك، ومثله قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ (يوسف: ٣٧). هذا؛ ومن مزايا اسم الإشارة أنك تجده في كثير من الأساليب يلخص الكلام، إذ يستطيع به المتحدث أن يطوي جملًا كثيرة ً، بل وربما صفحات كاملة دون حاجة

стр. 176

إلى إعادتها؛ لأن اسم الإشارة يقوم مقامَ هذه الإعادة ويغني عنها، وانظر مثلًا في ذلك إلى قول الله تعالى ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (الإسراء: ٣٩) تجد أن اسم الإشارة: ﴿ذَلِكَ﴾ قد أغنى عن آيات عديدة حوت كثيرًا من الأوامر والنواهي، وهذا كثير في النظم الكريم وفي الأساليب الرفيعة، وهو لا يخفَى على الناظر الدقيق والمتأمل الواعي. ومن مزايا اسم الإشارة أيضًا أنه يقوم مقام أدوات الربط، فَيَصِلُ بين الجمل المستأنفة والجمل المتقدمة على نحو ما نرى في الآيات الكريمة: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ * هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (ص: ٤٨، ٤٩) ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ * هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ (ص: ٥٤، ٥٥). إلى غير ذلك من الأغراض والمزايا والمعاني اللطيفة التي تكمن وراء التعريف بأسماء الإشارة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 177

الدرس: ٩ تابع: تعريف المسند إليه .

стр. 178

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (تابع: تعريف المسند إليه) تعريف المسند إليه بالاسم الموصول الحمد لله رب العالمين، وصلاةً وسلامًا على سيد خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومَن سلك طريقه إلى يوم الدين؛ وبعد: فنستكمل الحديث عن تعريف المسند إليه بباقي أنواع المعارف التعريف بالموصولية، وبالاسم المقترن بأل، وبالإضافة لكل واحد مما سبق ذكره من سائر أنواع المعارف، ونبدأ بأسرار ووجوه تعريف المسند إليه بالموصولية. يؤتى المسند إليه اسم الموصول بأسرار يقصدها المتكلم منها عدم علم المخاطب بالأحوال المختصة بالمسند إليه سوى الصلة، والمراد باختصاص الأحوال بالمسند إليه عدم عمومها لغالب الناس لا عدم وجودها في غيره. هذا؛ ومعلوم أن الموصول اسم يعين مسماه بواسطة جملة تأتي بعده تسمى بجملة الصلة، وقد يكون المخاطب لا يعلم شيئًا عن ذات المسند إليه سوى مضمون هذه الجملة؛ لذا يعمد المتكلم في هذا المقام إلى التعبير عن ذات المسند إليه باسم الموصول فيتعين بواسطة الصلة لدى المخاطب، ويتسنى بتعريفه بالموصولية للمتكلم والإخبار عنه والحكم عليه، كأن ترى عند أحد أصدقائك رجلًا لا عهد له به من قبل فت ق ول له في الغد: الذي كان عندك أمس رجل عالم، أو لا عهد لك أنت به من قبل، حيث لا تعرف عنه سوى مضمون الصلة، فتورده معرفًا بالموصولية حتى تتمكن من الإخبار عنه أو الحكم عليه. ثاني الوجوه للتعبير عن المسند إليه باسم الموصول: استهجان التصريح بالاسم الدال على المسند إليه بأن كان مشعرًا بما تقع نفرة النفس منه أو قبح التلفظ به؛ لذا يعمد المتكلم إلى تعريف المسند إليه بالموصولية؛ دفعًا لقبح التلفظ باسمه، ونفور النفس من سماعه، مثل قولهم: الذي يخرج من السبيلين ناقض للوضوء، والخارج هو البول والغائط، وغيرهم، فمن هنا عبروا باسم الموصول؛ تحاشيًا للنطق بما يقبح التلفظ به، وتجنبًا لإسماع المخاطب ما تشمئز منه نفسه وتأباه أذنه.

стр. 179

ومن تعريف المسند إليه بالموصولية استهجانًا لذكر اسمه قول حسان بن ثابت ﵁ يخاطب أم المؤمنين ﵂ ويبرئ نفسه مما نُسِبَ إليه في حديث الإفك: فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل ومعنى ليس بلائط؛ أي: ليس بلازم ولا لاحق، ومعنى الماحل الذي يمشي بالنميمة، حيث استهجن حسان أن يذكر اتهام عائشة ﵂ في حادثة الإفك فعبر عنه باسم الموصول مشيرًا بما تضمنته الصلة من فعل القول المبني للمجهول، وقد قيل: أن هذا الاتهام قول ساقط لا يصدر مثله عن عاقل، كما أشار بالتعبير بالزعم في بيت آخر؛ لأن هذا القول كذب وافتراء، وذلك في قوله: فإن كنتُ قد قلت الذي زعمتم ... فلا رفعت صوتي إلي أناملي ومن دواعي تعريف المسند إليه بالموصولية: زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ (يوسف: ٢٣) فالغرض المسوق له الكلام هو تقرير نزاهة سيدنا يوسف ﵇ وعِفته، والتعبير باسم الموصول أدل على هذا الغرض مما لو قال: وراودته زُليخا أو امرأة العزيز؛ لأن هذا التقدير الأخير يقرر الغرض فقط ولا يزيده تأكيدًا، بينما اشتملت الصلة المعبر عنها بالموصول على ما تفيده هذه الزيادة في التقرير؛ لأنه في بيتها وتمكن من أداء ما طلبت منه، حيث هيأت له كل أسباب التمكن ومع ذلك عف وامتنع، فكان ذلك غاية في نزاهته عن الفحشاء. ومن منطلق قول البلاغيين: النكات البلاغية لا تتزاحم، يمكننا أن نقول للتعريف بالموصولية هنا سر ثاني يتمثل في التقرير للمسند الذي هو المراودة، وأنها وقعت منها لا محالة؛ لأن وجوده ﵇ في بيتها مع ما لها من سعة السلطان وقوة النفوذ ومع فرط الاختلاط والألفة، دال على وقوع المراودة وصدور الاحتيال منها.

стр. 180

ويصح أن يكون لتعريف المسند إليه بالموصولية سر بلاغي آخر، وتقرير المسند إليه نفسه الذي هو امرأة العزيز المعبر عنه في الآية باسم الموصول التي، وأنها هي بذاتها التي راودته لا امراة أخرى؛ إذ لو قيل: وراودته زليخا، لم يعلم يقينًا أنها المرأة التي هو في بيتها بخلاف التعبير بالموصول، فإنه لا احتمال فيه؛ لأنه معلوم من الخارج أن التي هو في بيتها إنما هي زليخا امرأة العزيز لا غير. هذا؛ ويصح أن يكون الغرض للتعبير بالموصول أيضًا استهجان التصريح بالاسم إما لأن العادة جرت على استهجان التصريح بأسماء النساء، وإما لشناعة الفعل المنسوب إليها؛ لأن مَن تقبل على فعل الفاحشة تنفر منها النفوس السليمة، وتأبَى نسبتها إلى زوجها، لا سيما مع كونه من ذوي المكانة والخطر في المجتمع. ومن الأغراض البلاغية التي تقتضي تعريف المسند إليه بالموصولية: التفخيم والتهويل؛ فإن قصد تفخيم المسند إليه وتهويل أمره يمكن أن يُفاد من الموصولية؛ لما في بعض أسماء الموصول من إبهام وغموض يشعر بالتفخيم والتهويل؛ كما في قول الله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ (طه: ٧٨) أي: غمرهم ماء غزير لا يدركه وهم ولا يحده وصف. وكقوله سبحانه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ (النجم: ١٦) أي: يغشاها أمور عظيمة الله وحده بها عليم. ومن أجل تحقيق هذا المعنى عبر في الآيتين بـ"ما" الموصولية؛ لأن في إبهامها تفخيمًا وتهويلًا لا يفي به التصريح فيما لو قيل: غشيهم من اليم مقدار كذا، أو إذ يغشى السدرة أشياء كثيرة مثل كذا؛ لأن في الموصول إشارةً إلى أن تفصيل المسند إليه وبيانه مما لا تفي به عبارة ولا يحيط به عقل مخلوق، ولله در الإمام الزمخشري حين قال معقبًا على قول الله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾
следующие страницы →