← Баляга

Баляга · id 7582

البلاغة 2 - المعاني - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (482 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إلى إعادتها؛ لأن اسم الإشارة يقوم مقامَ هذه الإعادة ويغني عنها، وانظر مثلًا في ذلك إلى قول الله تعالى ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (الإسراء: ٣٩) تجد أن اسم الإشارة: ﴿ذَلِكَ﴾ قد أغنى عن آيات عديدة حوت كثيرًا من الأوامر والنواهي، وهذا كثير في النظم الكريم وفي الأساليب الرفيعة، وهو لا يخفَى على الناظر الدقيق والمتأمل الواعي. ومن مزايا اسم الإشارة أيضًا أنه يقوم مقام أدوات الربط، فَيَصِلُ بين الجمل المستأنفة والجمل المتقدمة على نحو ما نرى في الآيات الكريمة: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ * هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (ص: ٤٨، ٤٩) ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ * هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ (ص: ٥٤، ٥٥). إلى غير ذلك من الأغراض والمزايا والمعاني اللطيفة التي تكمن وراء التعريف بأسماء الإشارة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 177

الدرس: ٩ تابع: تعريف المسند إليه .

стр. 178

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (تابع: تعريف المسند إليه) تعريف المسند إليه بالاسم الموصول الحمد لله رب العالمين، وصلاةً وسلامًا على سيد خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومَن سلك طريقه إلى يوم الدين؛ وبعد: فنستكمل الحديث عن تعريف المسند إليه بباقي أنواع المعارف التعريف بالموصولية، وبالاسم المقترن بأل، وبالإضافة لكل واحد مما سبق ذكره من سائر أنواع المعارف، ونبدأ بأسرار ووجوه تعريف المسند إليه بالموصولية. يؤتى المسند إليه اسم الموصول بأسرار يقصدها المتكلم منها عدم علم المخاطب بالأحوال المختصة بالمسند إليه سوى الصلة، والمراد باختصاص الأحوال بالمسند إليه عدم عمومها لغالب الناس لا عدم وجودها في غيره. هذا؛ ومعلوم أن الموصول اسم يعين مسماه بواسطة جملة تأتي بعده تسمى بجملة الصلة، وقد يكون المخاطب لا يعلم شيئًا عن ذات المسند إليه سوى مضمون هذه الجملة؛ لذا يعمد المتكلم في هذا المقام إلى التعبير عن ذات المسند إليه باسم الموصول فيتعين بواسطة الصلة لدى المخاطب، ويتسنى بتعريفه بالموصولية للمتكلم والإخبار عنه والحكم عليه، كأن ترى عند أحد أصدقائك رجلًا لا عهد له به من قبل فت ق ول له في الغد: الذي كان عندك أمس رجل عالم، أو لا عهد لك أنت به من قبل، حيث لا تعرف عنه سوى مضمون الصلة، فتورده معرفًا بالموصولية حتى تتمكن من الإخبار عنه أو الحكم عليه. ثاني الوجوه للتعبير عن المسند إليه باسم الموصول: استهجان التصريح بالاسم الدال على المسند إليه بأن كان مشعرًا بما تقع نفرة النفس منه أو قبح التلفظ به؛ لذا يعمد المتكلم إلى تعريف المسند إليه بالموصولية؛ دفعًا لقبح التلفظ باسمه، ونفور النفس من سماعه، مثل قولهم: الذي يخرج من السبيلين ناقض للوضوء، والخارج هو البول والغائط، وغيرهم، فمن هنا عبروا باسم الموصول؛ تحاشيًا للنطق بما يقبح التلفظ به، وتجنبًا لإسماع المخاطب ما تشمئز منه نفسه وتأباه أذنه.

стр. 179

ومن تعريف المسند إليه بالموصولية استهجانًا لذكر اسمه قول حسان بن ثابت ﵁ يخاطب أم المؤمنين ﵂ ويبرئ نفسه مما نُسِبَ إليه في حديث الإفك: فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل ومعنى ليس بلائط؛ أي: ليس بلازم ولا لاحق، ومعنى الماحل الذي يمشي بالنميمة، حيث استهجن حسان أن يذكر اتهام عائشة ﵂ في حادثة الإفك فعبر عنه باسم الموصول مشيرًا بما تضمنته الصلة من فعل القول المبني للمجهول، وقد قيل: أن هذا الاتهام قول ساقط لا يصدر مثله عن عاقل، كما أشار بالتعبير بالزعم في بيت آخر؛ لأن هذا القول كذب وافتراء، وذلك في قوله: فإن كنتُ قد قلت الذي زعمتم ... فلا رفعت صوتي إلي أناملي ومن دواعي تعريف المسند إليه بالموصولية: زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ (يوسف: ٢٣) فالغرض المسوق له الكلام هو تقرير نزاهة سيدنا يوسف ﵇ وعِفته، والتعبير باسم الموصول أدل على هذا الغرض مما لو قال: وراودته زُليخا أو امرأة العزيز؛ لأن هذا التقدير الأخير يقرر الغرض فقط ولا يزيده تأكيدًا، بينما اشتملت الصلة المعبر عنها بالموصول على ما تفيده هذه الزيادة في التقرير؛ لأنه في بيتها وتمكن من أداء ما طلبت منه، حيث هيأت له كل أسباب التمكن ومع ذلك عف وامتنع، فكان ذلك غاية في نزاهته عن الفحشاء. ومن منطلق قول البلاغيين: النكات البلاغية لا تتزاحم، يمكننا أن نقول للتعريف بالموصولية هنا سر ثاني يتمثل في التقرير للمسند الذي هو المراودة، وأنها وقعت منها لا محالة؛ لأن وجوده ﵇ في بيتها مع ما لها من سعة السلطان وقوة النفوذ ومع فرط الاختلاط والألفة، دال على وقوع المراودة وصدور الاحتيال منها.

стр. 180

ويصح أن يكون لتعريف المسند إليه بالموصولية سر بلاغي آخر، وتقرير المسند إليه نفسه الذي هو امرأة العزيز المعبر عنه في الآية باسم الموصول التي، وأنها هي بذاتها التي راودته لا امراة أخرى؛ إذ لو قيل: وراودته زليخا، لم يعلم يقينًا أنها المرأة التي هو في بيتها بخلاف التعبير بالموصول، فإنه لا احتمال فيه؛ لأنه معلوم من الخارج أن التي هو في بيتها إنما هي زليخا امرأة العزيز لا غير. هذا؛ ويصح أن يكون الغرض للتعبير بالموصول أيضًا استهجان التصريح بالاسم إما لأن العادة جرت على استهجان التصريح بأسماء النساء، وإما لشناعة الفعل المنسوب إليها؛ لأن مَن تقبل على فعل الفاحشة تنفر منها النفوس السليمة، وتأبَى نسبتها إلى زوجها، لا سيما مع كونه من ذوي المكانة والخطر في المجتمع. ومن الأغراض البلاغية التي تقتضي تعريف المسند إليه بالموصولية: التفخيم والتهويل؛ فإن قصد تفخيم المسند إليه وتهويل أمره يمكن أن يُفاد من الموصولية؛ لما في بعض أسماء الموصول من إبهام وغموض يشعر بالتفخيم والتهويل؛ كما في قول الله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ (طه: ٧٨) أي: غمرهم ماء غزير لا يدركه وهم ولا يحده وصف. وكقوله سبحانه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ (النجم: ١٦) أي: يغشاها أمور عظيمة الله وحده بها عليم. ومن أجل تحقيق هذا المعنى عبر في الآيتين بـ"ما" الموصولية؛ لأن في إبهامها تفخيمًا وتهويلًا لا يفي به التصريح فيما لو قيل: غشيهم من اليم مقدار كذا، أو إذ يغشى السدرة أشياء كثيرة مثل كذا؛ لأن في الموصول إشارةً إلى أن تفصيل المسند إليه وبيانه مما لا تفي به عبارة ولا يحيط به عقل مخلوق، ولله در الإمام الزمخشري حين قال معقبًا على قول الله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾

стр. 181

وذلك في (الكشاف): وقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله أشياء لا يكتنهها النعت ولا يحيط بها الوصف. ومن دواعي تعريف المسند إليه بالموصولية أيضًا: تنبيه المخاطب على خطأ وقع منه أو من غيره، وذلك إذا كانت الصلة ما يشعر بهذا الخطأ، فإذا أراد المتكلم تنبيه المخاطب إلى خطئه أتى بالمسند إليه اسمًا موصولًا؛ تحقيقًا لهذه النكتة البلاغية مثل قول عبدة بن الطيب من قصيدة يعظ فيها بنيه: إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا فهنا ينبه الشاعر إلى خطئهم في ظنهم أن هؤلاء الناس إخوان وأصدقاء وهم في الحقيقة مخدوعون فيهم؛ لأن صدورهم تغلي حقدًا عليهم ولا يشفيها إلا أن تصيبهم أحداث الدهر بالنكبات والرزايا والهلاك، ولو صرَّح الشاعر بأسماء هؤلاء الأعداء لبنيه بالموصول لَمَا أفاد التعبير به من تنبيههم إلى خطئهم، ومما أفاد هذا الغرض في آي الذكر الحكيم قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٤) فإنك إذا تأملتَ تجد أن جملة الصلة: ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تفيد تنبيه المشركين إلى خطئهم في عبادتهم غير الله تعالى. هذا؛ وكما يعرف المسند إليه بالموصولية لتنبيه المخاطب على خطأ وقع منه، يعرف كذلك بالموصولية لتنبيه المخاطب على خطأ وقع من غيره، مثل قول الشاعر: إن التي زعمتْ فؤادك مَن لها ... خلقت هواك كما خلقت هوًى بها

стр. 182

ففي التعبير بالموصول تنبيه على خطئها في زعمها أن قلبه زهَدَ فيها، كما أن فيه إيماءً إلى أن الخبر من نوع المحبة والوفاء. ومن أسباب تعريف المسند إليه بالموصولية: تشويق المخاطب إلى الخبر ليتمكن في ذهنه فضلَ تمكنٍ، وذلك حيث يكون مضمون الصلة أمرًا غريبًا؛ كما في قول أبي العلاء المعري: والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدَث من جماد فقد عبر عن المسند إليه باسم الموصول بقصد تشويق المخاطب إلى الخبر؛ لما في مضمون الصلة من ذلك الأمر الغريب، وهو إيقاع البرية كلها في حَيرْة وارتباك؛ فإن مثل هذا الأمر الغريب مما يشوق النفس إلى أن تعرف ذلك الذي أوقع البرية كلها في هذه الحيرة، ومثل قول ك: الذي يصيد الأسود في مرابضها فلان، والذي يصيد الأفاعي في أوكارها فلان؛ وأشباه ذلك مما تضمن أمرًا غريبًا لا يقره الإلف والعادة. ومن الأغراض البلاغية بتعريف المسند إليه والموصولية: أن يقصد المتكلم إخفاء الأمر المتحدث عنه عن غير المخاطب، مثل قول الشاعر: وأخذت ما جاد الأمير به ... وقضيت حاجاتي كما أهوى وقد يقصد إخفاء اسم المتحدث عنه؛ رغبةً في هدايته واستمالة له، نحو: الحق والهدى؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة: ٢٠٤) قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ (الحج: ٨) وقوله ﵎: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ (لقمان: ٦).

стр. 183

ومن دواعي تعريف المسند إليه بالموصولية أيضًا قصد الإيماء إلى وجه بناء الخبر؛ أي: الإشارة إلى نوع الخبر المراد إسناده إلى المسند إليه المعبر عنه باسم الموصول، من حيث كونه مدحًا أو ذمًّا أو نجاحًا أو إخفاقًا أو ثوابًا أو عقابًا، فإن المتكلم في بعض المقامات قد يقصد إشعارَ السامع بنوع الخبر قبل النطق به فيقتضيه هذا القصد أن يعرف المسند إليه بالموصولية؛ ليتحقق له الإيماء إلى نوع الخبر؛ نظرًا لما يكون في الصلة من مناسبة للخبر، تشعر بنوعه وطريق إسناده إلى الموصول قبل النطق به؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (الكهف: ١٠٧) ففي مدلول الصلة وهو الإيمان والعمل الصالح ما يشير إلى أن الخبر المحكوم به من نوع الإثابة والإمتاع. وكقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠) وفي مضمون الصلة أيضًا وهو الاستكبار عن العبادة إيماء وإشارة إلى أن الخبر المترتب عليه من جنس الإذلال والعقوبة. ومن ذلك قولهم: إن من يصبر ويتأنَّى ينال ما يتمنى، ومن يستمرئ مرعى الكسل يجانبه الأمل، ففي الأمل إيماء إلى أن الخبر من نوع الفوز والنجاح، وفي الثاني إشارة إلى أن الخبر من جنس الإخفاق والحرمان. وهكذا يؤتَى بالمسند إليه معرفًا بالموصولية للإشارة إلى نوع الخبر المراد إسناده إليه أو الحكم به عليه، فيفطن المخاطب من فاتحة الكلام إلى ما تدل عليه خاتمته، والمرجع في ذلك إلى الذوق السليم. هذا؛ وقد يكون الإيماء إلى نوع الخبر مقصودًا لذاته -كما سبق - وقد لا يكون مقصودًا لذاته، بل المقصود جعله وسيلة وواسطة لغرض آخر وهو التعريض بتعظيم شأن الخبر، أو التعريض بإهانته، أو التعريض بتعظيم شأن غير الخبر، أو التعريض بإهانة وتحقير غير الخبر.

стр. 184

قول الفرزدق يفتخر على جرير: إن الذي سمك السماء بنَى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول أي: إن الذي رفع السماء ذلك البناء الضخم بنى لنا مجدًا وشرفًا لا يطاولهما شيء، والشاهد هو تعريف المسند إليه بالموصولية في قوله: الذي سمك السماء، فإن في الموصول إشارةً إلى أن الخبر المبني عليه من جنس الرفعة والبناء، ولكن هذه الإشارة وهذا الإيماءُ إلى نوع الخبر ليس مقصود الشاعر، وإنما هدفه التعريض بتعظيم بيته وتفخيمه من حيث إ ن بانيه هو ذلك الذي رفع السماء. ومثال ما فيه تعريض بالتهوين من شأن الخبر قولك مثلًا: إن الذي لا يحسن الفقه صنَّف فيه، في الموصول إشارة إلى أن الخبر من جنس التأليف لكن ليس هذا هو الغرض الأساسي، وإنما المقصود هو التوسل بهذه الإشارة إلى التعريض بتحقير الخبر؛ وهو أن ما ألفه وصنفه في الفقه. ومثال ما فيه تعريض بتعظيم شأن غير الخبر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: ٩٢) ففي التعبير عن المسند إليه باسم الموصول إشارة إلى نوع الخبر، وأنه من جنس الخسران، وذلك أن شعيبًا نبي تكذيبه يؤدي إلى الخيبة والخسران، لكن هذا الإيماء إلى نوع الخبر ليس مقصودًا لذاته، بل هو وسيلة إلى التعريض بتعظيم شأن غيره، وهو شعيب ﵇ لأن تكذيبه هو سبب خسرانه، ولفظ شعيب واقع في سياق الصلة لا في سياق الخبر، ف التعريض إذن لتعظيم شأن غير الخبر. ومثال ما فيه تعريض بتحقير غير الخبر قولهم: إن الذي يتبع الشيطان خاسر، ففي الصلة إيماء إلى أن الخبر من نوع الخسران والبَوار؛ لأن الشيطان ضال مضل فاتباعه ضرب من الخسران والضلال والهلاك، غير أن الغرض التعريض بتحقير

стр. 185

شأن الشيطان من حيث إن اتباعه يؤدي إلى هذا المصير البغيض، ولفظ الشيطان وقع كذلك في جملة الصلة لا في جملة الخبر، والتعريض حينئذٍ بالتهوين والتحقير من شأن غير الخبر. والذي يتأمل كلام السكاكي قد نقله عنه القزويني يرى أن الإيماء إلى نوع الخبر الذي هو أحد أغراض تعريف المسند إليه بالموصولية قد يكون ذريعةً ووسيلةً إلى تحقيقه وتقريره، وذلك إنما يكون حيث تكون الصلة كالسبب للخبر أو كالدليل على ثبوته كما في قول الشاعر يشكو ويتوجع من جفاء حبيبه: إن التي ضربت بيتًا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول غالت يعني: أكلت، يقول: إن التي نزعت إلى الكوفة واتخذت بها موطن إقامة دائمة، وانحلت عُرى العلاقة بيني وبينها، ففي الموصول إيماء إلى وجه بناء الخبر، وأنه من نوع زوال المحبة وانقطاع المودة والجفاء من جانبها هي، كما يدل على ذلك قوله بعد هذا البيت معزيًا ومسليًا نفسه؛ حتى يهون عليها تشبثه بحبها، حيث قال: فعدِّ عنها ولا تشغلك عن عمل ... إن الصبابة بعد الشيب تضليلٌ لأنها هي التي هجرت الوطن، والإنسان لا يهجر وطنه إلى غيره عادة إلا إذا كان كارهًا لأهله راغبًا عنهم، ومع ما في الموصول من هذه الإشارة إلى نوع الخبر هو كالدليل على تحقيق هذا الجفاء وتقريره، فالإيماء هنا وسيلة إلى تحقيق الخبر عند السكاكي. من هنا ندرك أن هناك فرقًا واضحًا بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر وتحقيق الخبر؛ فالإيماء إشعار بالخبر ودلالة عليه، أما تحقيق الخبر فمعناه ثبوته وتقريرُه في الواقع، فهذا غير ذاك، وقد يجتمعان كما في البيت: إن التي ضربت بيتًا مهاجرة، وقد ينفرد الإيماء كما في بيت الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا،؛ لأن الإيماء إلى الخبر أعم من تحقيقه وإفادة الجزم به.

стр. 186

تعريف المسند إليه بـ"أل " وننتقل الآن للحديث عن سر التعريف بـ"أل ": فإن المسند إليه يعرف بـ"أل " لغرضين: أحدهما: الإشارة بها إلى معهود خارجي، وهي التي يكون مدخولها معينًا في الخارج، وتسمى اللام حينئذ لام العهد الخارجي. ثانيهما: الإشارة بها إلى الحقيقة، وهي التي يكون مدخولها موضوعًا للحقيقة والماهية، وتسمى اللام حينئذ لام الحقيقة أو لام الجنس، ولكل من اللامين أقسام ثلاثة بالنظر إلى مدخولها. أقسام لام العهد الخارجي، وسر التعبير عنها: ١ - هناك لام العهد الخارجي الصريحي، وهي التي يتقدم لمدخولها ذِكر صريح في الكلام، كما في قولك مثلًا: صنعت في طالب معروفًا ولم يحفظ الطالب هذا المعروف، فإتيان المسند إليه وهو لفظ الطالب معرفًا بـ"أل " للإشارة بها إلى معهود خارج عهدًا صريحًا لتقدم ذكره صراحةً في قولك: صنعت في طالب معروفًا، ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (النور: ٣٥) فلفظ المصباح والزجاجة كل منهما مسند إليه، وقد أتيَا معرفين بـ"أل " إشارةً إلى معهود خارجي، وهذا المعهود قد صرح به قبلًا في قوله سبحانه: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ ولذا سميت اللام هنا لام العهد الخارجي الصريحي.

стр. 187

٢ - وهناك لام العهد الخارجي الكنائي وهي التي يتقدم لمدخولها ذكر كنائي؛ أي: غير مصرح به كما في قول الله تعالى في شأن أم مريم: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ (آل عمران: ٣٥، ٣٦) فلفظ الذكر مسند إليه؛ لأنه اسم ليس فهو في الأصل مبتدأ، وقد جاء معرفًا بـ"أل " للإشارة بها إلى معهود خارجًا عهدًا كنائيًّا لعدم التصريح بلفظه، وإنما ذكر كنايةً في قوله تعالى حكاية عن أم مريم: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ فإن لفظ ما مبهم يعم الذكور والإناث، لكن التحرير وهو أن يعتق الولد ليكون وقفًا على خدمة بيت المقدس كان خاصًّا بالذكور فقط، فـ"ما" حينئذ كناية عن الذكر لاختصاص التحرير بالذكور، والمراد بالكناية هنا الخفاء؛ لأن فهم الذكر من لفظ "ما" الذي يطلق على الذكر والأنثى فيه نوع خفاء؛ لعدم التصريح. ويصح أن يكون المراد بالكناية المعنى الاصطلاحي عند البلاغي وأن المطلوب بها موصوف؛ لأن التحرير من الصفات المختصة بالذكور فهو إذن ملزوم والذكر لازم له، وقد أطلق اسم الملزوم وهو لفظ: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ الموصوف بالتحرير وأريد اللازم وهو الذكر، ومن أجل هذا سميت اللام هنا لام العهد الخارجي الكنائي. ٣ - النوع الثالث: لام العهد الخارجي العل م ي، وهي التي لا يتقدم لمدخولها ذكر مطلقًا لا صريحًا ولا كناية ً، ولكن للمخاطب عهد به سواء كان حاضرًا بالمجلس أو غائبًا عنه؛ كأن تقول في شأن رجل حاضر: أبدع الرجل في خطبته، وتسمى اللام حينئذ لام العهد العلمي الحضوري؛ لأن المتكلم اعتد فيها على ما عند المخاطب من علم بشأن هذا الحاضر في المجلس، وكأن تقول في شأن رجل

стр. 188

غائب: حاضرنا الرجل فأبدع في محاضرته فالمسند إليه في المقامين جاء معرفًا ب ـ"أل " للإشارة بها إلى معهود خارجًا عهدًا علميًّا لتقدم عهد المخاطب به، ومنه في غير المسند إليه قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح: ١٨) فالمراد بالشجرة شجرة معهودة عهدًا علميًّا حيث لم يتقدم لمدخولها ذِكر لا صريحًا ولا كناية وإن كانت غير مسند إليه. أقسام لام الحقيقة: فهي تنحصر فيما يسمى بلام الحقيقة، أو لام الجنس، وكذا لام العهد الذهني، ولام الاستغراق. فلام الحقيقة أو لام الجنس: هي التي يكون مدخولها مرادًا به الحقيقة نفسها بغض النظر عما ينطوي تحتها من أفراد، كما في قولهم: الرجل خير من المرأة؛ أي: حقيقة الرجل خير من حقيقة المرأة، وهذا لا ينافي أن يكون بعض أفراد جنس النساء خيرًا من بعض أفراد جنس الرجال؛ لأن المنظور إليه في الخيرية والمفاضلة إنما هو الحقيقة لا الفرض، ومنه قولهم: أهلك الناسَ الدينارُ والدرهم، فالمسند إليه جاء معرفًا ب ـ"أل " للإشارة بها إلى الحقيقة والجنس بغض النظر عن الأفراد؛ لأن الحكم المذكور على جنس هذين النقدين لا على نقد بعينه. ومثله قول أبي العلاء المعري: والخِل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء وي خ فيها مع الكدر فالحكم بالتشبيه هنا على حقيقة الخل لا على خل معهود، ومنه في غير المسند إليه قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠) يراد حقيقة الماء لا ماء معين، ونحوه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ (الأنعام: ٨٩).

стр. 189

أما لام العهد الذهني: فهي التي يكون مدخولها مرادًا به فرد مبهم من أفراد الحقيقة لقرينة دالة على ذلك؛ أي: أن الفرد المبهم مستفاد من قرينة خارجية لا من المعرف باللام؛ لأنه موضوع بالحقيقة، بخلاف النكرة فإنها تدل على الفرد المبهم ابتداء بذاتها. ومن أمثلة هذه اللام كلمة الذئب في قوله تعالى على لسان يعقوب ﵇: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ (يوسف: ١٣) فالقصد هنا إلى فرد مبهم من حقيقة الذئب، والقرينة على ذلك قوله: ﴿أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ فليس المراد الحقيقة نفسها؛ لأن الحقيقة من حيث هي أمر لا وجود له خارجًا حتى يتحقق منه أكل أو شرب، وإنما يتأتَّى ذلك من الأفراد، كما أنه ليس المراد حقيقة من حيث وجودها في جميع الأفراد؛ لاستحالة أن تجتمع الذئاب كلها على أكله، ولا الحقيقة من حيث وجودها في فرد بعينه، إذ لا عهد في الخارج بذئب معين، لتعين أن يكون المراد فردًا مبهمًا من أفراد الحقيقة. ومن أمثلة هذه اللام كلمة الغراب في قول الشاعر: فمَن طلب العلوم بغير كد ... سيدركها إذا شاب الغراب فليس المراد الحقيقة نفسها؛ لاستحالة قيام الشيب بما لا وجود له في الخارج، ولا الحقيقة في ضمن جميع أفرادها لعدم الداعي إليه، ولا الحقيقة من حيث وجودها في فرد بعينه إذ لا عهد بغراب معين، فتعين أن يكون المقصود فردًا غير معين من أفراد الحقيقة بقرينة قوله: شَاب َ. ومن هذا القبيل في غير المسند إليه قولك: أدخلُ السوق، فليس المراد حقيقة السوء لاستحالة الدخول فيما لا وجود له خارجًا، ولا سوقًا بعينها، إذ ليس بينك وبين مخاطبك سوق معينة، ولا جميع أفراد حقيقة السوق لاستحالة

стр. 190

الدخول في جميع أفراد هذه الحقيقة، فتعين أن يكون المراد فردًا ما من أفرادها، ومنه قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمة قلت لا يعنيني فالشاعر لا يريد حقيقة اللئيم لاستحالة المرور بما لا وجود له في الخارج ولا لئيمًا بعينه، إذ لا عهد له به، ولا الحقيقة في ضمن جميع أفرادها؛ لعدم تأتي المرور بكل لئيم، فتعين أن يكون المراد فردًا غير معين من أفراد الحقيقة. هذا؛ ولك أن تسأل قائلًا: كيف سُميت هذه اللام لام العهد الذهني مع أن مدخولها فرد غير معين، فلا عهد فيه لازمًا ولا خارجًا؟ وأجيبك: بأنه معهود في الذهن باعتباره أحد أفراد الحقيقة المعهودة في الذهن، بمعنى أنها معلومة متميزة عما عداها من الحقائق، فعهديته تبع لعهدية الماهية، وصح ب هذا الاعتبار اعتبار الفرد المبهم معهودًا ذهنيًّا، وصح تسمية هذه اللام الداخلة عليه بلام العهد الذهني. لام الاستغراق: وهي التي يكون مدخولها مرادًا به جميع الأفراد المندرجة تحت الحقائق عند قيام القرينة الدالة على ذلك؛ أي: على أن ليس القصد إلى الحقيقة نفسها ولا من حيث وجودها ف ي فرد مبهم لتخرج لام الجنس ولام العهد الذهني، وسميت لام الاستغراق لاستيعابها وشمولها جميع أفراد الحقيقة، وتكون لام الاستغراق هذه للاستغراق الحقيقي والعرفي. فالاستغراق الحقيقي هي ما يكون م د خو ل ها مرادًا به كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب الوضع كما تقول: الغيب يعلمه الله، فإن القصد فيه إلى جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الغيب وضعت؛ أي: كل أفراد الغيب لا تخفى على الله، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 191

الصَّالِحَاتِ﴾ (العصر: ٢، ٣) فإن القصد فيه إلى جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الإنسان بحسب الوضع؛ أي: كل فرد من أفراد الإنسان، ومنه في غير المسند إليه قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (السجدة: ٦) أي: محيط علمًا بكل مغيب وكل مشاهد. وهذا الاستغراق والشمول لا بد عند إرادته من نصب قرينة تدل عليه، وهذه ال قرينة ال دالة على الاستغراق إما أن تكون حالية وإما أن تكون مقالية؛ فالحالية كما في قولنا: الغيب يعلمه الله، فالقرينة هنا على إرادة الاستغراق حالية؛ لظهور أن ليس المراد حقيقة معنى الغيب وماهيته؛ إذ ليس ذلك مما استأثر الله بعلمه، ولا أن يكون المراد فردًا مبهمًا أو معينًا من أفراد الغيب، فحاشا لله العليم بخفايا الأمور أن يقتصر علمه على بعض الغيوب؛ فتعين إذن أن يكون المراد جميع الأفراد بقرينة الحال، والقرينة المقالية كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ فالقرينة هنا على أن المراد هنا عموم الأفراد، لا الحقيقة نفسها ولا فرد مبهم أو معهود في أفرادها القرينة، بدليل صحة الاستثناء في قوله سبحانه بعد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهذا أمارة العموم؛ لأن شرط الاستثناء دخول المستثنى في المستثنى منه لو سكت عن ذكر المستسنى، ودخوله فيه فرع عمومه الدال على الاستغراق والشمول، وهذا الدخول شرط صحة الاستثناء، فتعين أن يكون المراد جميع الأفراد بقرينة صحة الاستثناء المذكور. أما لام الاستغراق العرفي فهي تلك التي يكون مدخولها مرادًا به كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف والعادة؛ كما في قولك مثلًا: امتثل الطلاب أمر الأستاذ، ف ـ"أل " في الطلاب يراد بها الاستغراق العرفي؛ لأن مدخولها أريد به

стр. 192

جميع الأفراد التي يتناولها اللفظ بحسب العرف وما جرت به العادة لا جميع الأفراد حقيقة ً. هذا؛ وبالتأمل فيما سبق ندرك أمرين مهمين: أولهما: أن حمل "أل " التي للعهد الذهني على الفرد المبهم والتي للاستغراق على جميع الأفراد مشروط بالقرينة الدالة على ما حملتَا عليه، أما بدون القرينة فكلتا اللامين محمولة على الحقيقة؛ لأن مدخولها موضوع للحقيقة؛ فإذن فالنظر إلى الفرد المبهم في لام العهد الذهني وإلى جميع الأفراد في لام الاستغراق إنما هو بالقرينة لا بالوضع. ثانيهما: المعرف بلام العهد الذهني موضوع للحقيقة، وإنما يُحمل على الفرد المبهم عند قيام القرينة الدالة عليه، فهو إذن ذو شبهين من جهتين: يشبه النكرة من جهة المعنى ويشبه المعرفة من جهة اللفظ؛ أما شبهه بالنكرة فلأن مفاد كل منهما بعض غير معين، إلا أنه يدل على هذا البعض بالقرينة، والنكرة تدل عليه بالوضع؛ ولهذا يعامل معاملة النكرة من جهة المعنى فيوصف بالجملة على نحو ما توصف النكرة كما في قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... ............................... وأما شبهه بالمعرفة فلجريان أحكام المعارف عليه غالبًا فهو يقع مبتدأً، كما في قولك: الذئب في حديقتي، ويكون ذا حال كما في قولك: رأيت الذئب خارجًا من حديقتك يطارده كلب، ويأتي موصوفًا بالمعرفة كقولك: السوق ذات السلع الجيدة يقصدها الناس. إلى غير ذلك من أحكام.

стр. 193

تعريف المسند إليه بإضافته إلى أحد المعارف السابقة هذا؛ ويعرف المسند إليه أحيانًا بالإضافة إلى أحد المعارف الخمسة السابقة؛ ضمير علم إشارة موصول محلَّى ب ـ"أل " أيضًا لأغراض بلاغية؛ منها: قصد الإيجاز والاختصار، وذلك إذا كان المقام مقتضيًا للإيجاز، ولا يجد المتكلم طريقًا من طرق التعريف أقصر ولا أوجز من الإضافة، لهذا يعمد إلى تعريف المسند إليه بالإضافة المحققة للاختصار الذي يتطلبه المقام ويقتضيه الحال، كما في قول جعفر بن علبة الحارثي وكان مسجونًا بمكة في جناية، فزارته محبوبة مع ركب من قومها باليمن فلما رحلت أنشد متألمًا متحسرًا: هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجسماني بمكة موثَق عجبت لمسراها وأنَّى تخلصت إلي ... وباب السجن دوني مغلق ألمت فحيت ثم قامت فودعت ... فلما تولت كادت النفس تزهق والشاهد قوله: هواي في البيت الأول، حيث عرف المسند إليه بالإضافة؛ قصدًا إلى الإيجاز في الكلام والاختصار في القول لضيق المقام؛ نظرًا لما كان يحسه الشاعر من ضيق صدره وشديد ألمه وتحسره؛ لكونه سجينًا والحبيب راحل، وأيضًا لضيق الشاعر، ولا شك أن الإضافة أخصر مما لو قال: الذي أهواه أو المهوى لي. ويعرف المسند إليه بالإضافة أيضًا بقصد تعظيم شأن المضاف أو المضاف إليه أو غيرهم؛ وذلك إذا كانت الإضافة متضمنة التعظيم وأراد المتكلم نسبته للمضاف أو المضاف إليه أو غيرهما، فيلجأ لتحقيق قصده إلى تعريف المسند إليه بهذه الإضافة، مثال ما فيه تعظيم المضاف قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ

стр. 194

يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (الفرقان: ٦٣) وقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (الجن: ١٩) وقوله -جل وعلا-: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم: ٣٠) وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (الحجر: ٤٢). ففي الإضافة إلى لفظ الجلالة في كل ما سبق تشريف للمضاف وتعظيم لشأنه. مثال ما فيه تعظيم المضاف إليه قولك مثلًا: خادمي حضر، سيارتي في انتظاري، ففي هذا التعظيم للمضاف إليه بأن له خادمًا وسيارة ً. ومثال ما فيه تعظيم غير المضاف والمضاف إليه قولك: رئيس الجمهورية عند فلان، ف في الإضافة تعظيم غير المضاف والمضاف إليه، وهو فلان هذا الذي يوجد عنده رئيس الجمهورية مثلًا. وقد يعرف المسند إليه بالإضافة أيضًا للعكس؛ أي: لقصد تحقير شأن المضاف أو المضاف إليه أو غيرهم، فمثال الأول قولك: ولد اللص حضر بالإضافة تحقير للمضاف؛ لأن أباه لِص، ومثال الثاني قولك: صديقُ خالدٍ عاق لوالديه فيه تحقير المضاف إليه؛ لأن صديقه من العاقين -نعوذ بالله من ذلك - ومثال الثالث قولك: ولد اللص جليس زيد، ففي الإضافة إهانة لزيد؛ لأن ابن اللص من جلسائه، وزيد هذا ليس مضافًا ولا مضافًا إليه، يمكن أن يكون فيه تحقير للمضاف لو قصد المتكلم ذلك. وقد يأتي المسند إليه معرفًا بالإضافة ويكون الغرض البلاغي من ذلك إغناء الإضافة عن تفصيل متعذر؛ إغناء الإضافة عن تفصيل متعذر، كأن يقتضي التعبير عن المسند إليه بأسماء لمعدودين يتعذر حصر عددهم، لذا يلجأ المتكلم إلى الإضافة؛ لأنها تغنيه عن عد ما يستحيل عده كقولك مثلًا: أهل مصر كرام، فقد لجأت إلى الإضافة في المسند إليه لاستحالة تعداد كل مَن كان مصريًّا وتسميته باسمه.

стр. 195

ومن ذلك قول الشاعر مروان بن أبي حفصة: بني مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفَّان أشبل فبنو مطر قوم الشاعر أراد تشبيههم عند اللقاء بالأسود الكواسر في القوة والجرأة، والغيل: الشر المجتمع، والخفان: مأسدة قرب الكوفة، والأشبل: أولاد الأسود، والشاهد في قوله: بني مطر، حيث عرف المسند إليه بالإضافة لكونها مغنيةً عن تفصيل متعذر. ومما يعرف المسند إليه لأجله بالإضافة إغناء الإضافة عن تفصيل مرجوح؛ وذلك إذا كان التفصيل والتعبير عن المسند إليه بالأسماء دون الإضافة ممكنًا ومتيسرًا، ولكنه يوقع المتكلم في محذور، ومن هنا كان تعريف المسند إليه بالإضافة أرجح من التفصيل والتعبير بالأسماء كقول الشاعر الحارث الجرمي: قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي حيث عرف الشاعر المسند إليه بالإضافة فقال: قومي، وكان في وسعه أن يعبر عن قومه بأسمائهم بدلًا من الإضافة، ولكن التفصيل المتمثل في التعبير بالأسماء يؤدي إلى محذور، هو حقدهم عليه ونفورهم منه، وهو يريد تأليفهم لا تنفيرهم، وهم قومه وقرابته وعشيرتُه، ولذلك تشعرنا إضافة القوم للشاعر بما يعانيه من آلام وأحزان؛ فالقاتل والمقتول كلاهما منه؛ فماذا يفعل؟ إنه إن أراد الثأر فسيثأر من نفسه لنفسه، ولله در الشاعر القائل: وظلم ذوي القربَى أشد مضاضةً ... على النفس من وقع الحسام المهند وقد يقصد البليغ بالإضافة بحق المسند إليه اعتبارًا لطيفًا كما في قول الشاعر: إذا كوكب الخَرقاء لاح بسُحرة ... سُهيل أذاعتْ غزلَها في الأقارب والخرقاء الحمقاء وسهيل بدل من كوكب وهو نجم يطلع في بدء الشتاء وقتَ السحر، وقد أضافة الشاعر إلى المراة الحمقاء لأدنى ملابسة وأقل مناسبة، وهي

стр. 196

أنها لا تتذكر دائمًا كسوة الشتاء إلا عند طلوعه وهو لا يطلع إلا في بدء الشتاء وقت السحر، وفي هذه الإضافة الإشارة إلى اعتبار لطيف هو أن الإهمال والخمول عادة هذه المرأة ودَيْدنها، وأنها غافلة عن القيام بشئونها، ولا تفيق إلا على ضوء هذا النجم، وكأنما خلق لها، فعند رؤيته تسارع بتوزيع غزلها على قريباتها ليغزلنه لها. كما يعرف المسند إليه بالإضافة إذا اقتضى المقام الحس على الشفقة والاستعطاف، وكان في الإضافة ما يحقق المقتضى، مثل أن تقول لأستاذك: ابنك يطلب منك إعادة شرح هذه المسألة، أو تقول: تلميذك فلان يريد كذا، ومنه في غير المسند إليه قول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (البقرة: ٢٣٣) يقول الإمام الزمخشري: إن قلتَ: كيف قيل: ﴿بِوَلَدِهَا﴾ و ﴿بِوَلَدِهِ﴾؟ قلت: لما نُهيت المرأة عن المضارة أضيف إليها الولد؛ استعطافًا لها عليه، وأنه ليس بأجنبي منها، فمن حقه أن تشفق عليه وكذلك الولد. انتهى من (الكشاف) فالإضافة في الآية للاستعطاف مع مراعاة أنها واقعة في غير المسند إليه. إلى غير ذلك من النكات والأسرار التي تقتضي تعريف المسند إليه بالإضافة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 197

الدرس: ١٠ تنكير المسند إليه، ووصفه بأحد التوابع .

стр. 198

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (تنكير المسند إليه ، ووصفه بأحد التوابع) تنكير المسند إليه الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ ثم أما بعد: فنعيش في ظلال أحوال المسند إليه لنجيل النظر في أسرار تنكيره ووصفه بأحد التوابع من الوجهة البلاغية. يؤتَى بالمسند إليه منكرًا؛ لإفادة أنه فرد غير معين من أفراد جنسه، أو لإفادة النوعية، فإذا قلت: جاءني رجل، صلح هذا القول بإرادة الإفراد؛ أي: جاءني رجل لا رجلان، وصلح لإرادة النوعية؛ أي: جاءني رجل لا امرأة، وهذه الإفادة إفادة أصلية للنكرة، وقد تتمحض النكرة في الدلالة على العدد وذلك إذا وصفت به كقولك مثلًا: جاءني رجل واحد ورجلان اثنان. من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (النحل: ٥١). وقد تتمحض لإفادة النوعية؛ أي: الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأنعام: ٣٨) فقد محض الوصف في الأرض ويطير بجناحيه النكرتين "دابة وطائر" لإفادة الجنس. ولتفصيل ذلك نقول: إن المراد بالإفراد الدلالة على فرد منتشر شائع غير معين سواء أكانت النكرة بلفظ المفرد أم بلفظ الجمع، فإذا كانت بلفظ المفرد دلت على واحد، وإن كانت بلفظ المثنى دلت على مطلق اثنين، وإن كانت بلفظ الجمع دلت على مطلق جمع مثل: لقيني رجلان وتبعني رجال؛ فأنت ترى المسند إليه في الأحوال الثلاثة غير معين، سواء أكان واحدًا مثل: جاءني رجل أو اثنين أو جمعًا، وهو في الأمثلة الثلاثة يسمى عند البلاغيين فردًا بالنظر إلى مفهوم لفظ النكرة المعبر بها عن المسند إليه، وبهذا ندرك أن الإفراد ليس مقصورًا على الواحد كما يتبادر إلى الذهن، بل يشمل الواحد والاثنين والجماعة، فالمدار على عدم التعيين.

стр. 199

وعلى الرغم من أن الدلالة على غير معين معنى أصلي للنكرة، فإن المقام قد يقتضيه من أجل ذلك ينكر المسند إليه إما لأن الغرض لم يتعلق بتعيينه، وإما لأن المتكلم لم يعلم جهة من جهات التعريف، فيلجأ في المقامين إلى تنكير المسند إليه قاصدًا بالحكم فردًا غير معين من الأفراد التي يسقط عليها مفهوم اللفظ. مثال الأول: قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (القصص: ٢٠) فقد أتى بالمسند إليه: ﴿رَجُلٌ﴾ في الآية منكرًا للقصد فيه إلى رجل ما من أفراد مفهوم لفظ رجل؛ لأن الحكم بالمجيء لم يثبت لغير فرد واحد من هذا الجنس، فهو وإن أمكن تعيينه لكن ليس هناك غرض يتعلق بتعيينه ويقتضي تعريفه، بل الغرض أن يعلم موسى بائتمار القوم ليقتلوه، ولذا خرج خائفًا سائلًا ربه النجاة من القوم الظالمين، وهذا الغرض قد تحقق، ولا حاجة بعد ذلك إلى تعريف وتعيين من جاء بهذا النبأ وأسدى إليه النصح. ونظير ما سبق ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (غافر: ٢٨). والمثال الثاني قولك: قابلني في المسجد رجل وسأل عنك، تقول ذلك إذا لم تعرف اسمه ولا شيئًا يتعلق به، فالقصد فيه حينئذ إلى فرد ما من أفراد مفهوم لفظ رجل. قد ينكر المسند إليه أيضًا لقصد النوعية؛ وذلك بأن يقصد المتكلم بالحكم نوعًا خاصًّا من أنواع الجنس غير ما يتعارفه الناس، فيعمد إلى تنكير المحكوم عليه؛ لأن النوعية معنى أصلي في النكرة، فإذا اقتضاها المقام صارت غرضًا يقتضي

стр. 200

تنكير المحكوم عليه المتمثل في المسند إليه، ك قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ (البقرة: ٧) فقد نكر المسند إليه؛ لأن المقصود نوع من الأغطية غير ما يتعارفه الناس؛ وهو غطاء التعامي عن آيات الله؛ أي: الإعراض عنها، ولو عرف المسند إليه فقيل: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ (البقرة: ٧) ل انصرف اللفظ إلى المعنى المتعارف الذي هو الغطاء المعروف مع أنه ليس مرادًا، وليس القصد إلى فرد واحد من أفراد الغشاوة ب أن يكون المعنى وعلى أبصارهم غشاوة واحدة لا غشاوتان مثلًا؛ لأن الفرد الواحد منها لا يمكن أن يقوم بالأبصار المتعددة، فيتعين إذن أن يكون التنكير هنا للنوعية؛ لأنه هو الذي يقابل أبصارهم المتعددة. ويرى بعض البلاغيين أن التنكير في الآية للتعظيم، وأن المراد غشاوة عظيمة؛ لأنها تحجب أبصارهم حجبًا تامًّا، وتحول دون إدراكها الأدلة على معرفة الله تعالى. وإذا كان ت النكات البلاغية لا تتزاحم -كما قلنا مرارًا- فيجوز أن يكون للتنكير هنا السران معًا التعظيم وقصد النوعية؛ لأن الغشاوة العظيمة التي هي غطاء التعامي عن آيات الله نوع خاص من أنواع الأغشية وليست من الأغطية المعروفة، ومن التنكير لقصد النوعية قول الشاعر: لكل داء دواء يُستطب به ... إلا الحماقة أعيت مَن يداويها فتنكير المسند إليه دواء بقصد النوعية؛ إذ ليس المراد المطلق دواء، وإنما المراد نوع خاص منه وهو الملائم للداء، وقد ينكر المسند إليه ب قصد تعظيمه؛ أي: أن يقصد المتكلم التنبيه على أن المسند إليه بلغ في ارتفاع الشأن درجة عظيمة هي أجل من أن توصف مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة: ١٧٩) أي: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة؛ لأن فيه منعًا لهم عما كانوا عليه في

стр. 201

الجاهلية من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا؛ فالقصاص فيه حَقن لدماء هؤلاء جميعًا، وأي حياة أعظم من هذه الحياة؟ ففرق بين التعظيم هنا والتعظيم فيما سبق. هذا؛ ويصح أن يكون السر في التنكير في الآية الكريمة التي معنا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ قصد النوعية؛ أي: إفادة نوع خاص من الحياة وهو امتدادها الحاصل للهام بالقتل والمهموم بقتله بالارتداع عن القتل للعلم بالقصاص؛ فإن الإنسان إذا هم بالقتل تذكر الاقتصاص فارتدع عنه، فعصَم صاحبه من القتل، وهو من القود، وامتدت حياتهم إلى أجل، وهذا الامتداد نوع خاص من الحياة. ومن تنكير المسند إليه ل لتعظيم كلمة يسر في قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: ٥، ٦) منه أيضًا قوله ﷺ : ((إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة ً))؛ أي: سحرًا عظيم ًا وحكمة بليغة. وقد يقصد من تنكير المسند إليه العكس؛ أي: تحقيره ب أن يقصد المتكلم التنبيه على أن المسند إليه بلغ في انحطاط الشأن درجةً لا يُعتد بها، ولا يمكن معها أن يعرف كقوله: شعور بالكرامة منجاة من مواقف الذل؛ أي: شيء ضئيل من الشعور بالكرامة عند الحر يقيه مواطن الهوان ويجنبه مواقفَ الصغار، وكقول إبراهيم بن العباس وكان عاملًا على الأهواز من قِبل الواثق بالله ثم عزل في وزَارة محمد بن عبد الملك الزيات، فقال مخبرًا عما صار إليه حاله من تخلي الأصحاب وتسلط الأعداء: فلو إذ نبا دهر وأُنكر صاحب ... وسلط أعداء وغاب نصير تكون على الأهواز داري بنجوة ... ولكن مقادير جرت وأمور

стр. 202

فقد نكر كلمة الدهر ليشعر أنه دهر منكر مجهول، وليس هو الدهر الذي عهده أيام نعمته وولايته على الأهواز، كما نكر صاحب للتحقير وقال: أ ُ نكر بالبناء للمجهول، ولم يقل: أنكرت صاحبًا حتى لا يسند إنكار الصاحب إلى نفسه صريحًا في اللفظ، وإن كان هذا الصاحب صاحبًا حقيرًا لئيمًا، ونكَّر أيضًا أعداء في قوله: وسلط أعداء، لبيان أن هؤلاء قد أصبحوا أداةً في أيدي غيرهم، فهم لا يستطيعون عداوتي إلا إذا دُفِعوا إليها من مجهول ساقط. هذا؛ وقد اجتمع التعظيم والتحقير في قول الشاعر: ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والخلاعة جانب يريد الشاعر أن يقول: إن الجانب الأكبر من تفكيره وعلمه مبذول في طاعة الله ومرضاته، أما اللهو والعبث فلهما مني الجانب الأدنى؛ ولذلك نكَّر الجانب الخاص بالله لتعظيمه في الشطر الأول من البيت، ونكر الجانب الآخر لتحقيره في الشطر الأخير من نفس البيت، ومثله قول الآخر: فتًى لا يبالي المدلجون بناره ... إلى بابه ألا تضيء الكواكب يصم عن الفحشاء حتى كأنه ... إذا ذكرت في مجلس القوم غائب له حاجب عن كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب فإنك ترى كلمة حاجب في البيت الأخير وقعت مسندًا إليه وتكررت منكرةً في شطري البيت، وتنكيرها في الشطر الأول للتعظيم، وفي الشطر الثاني للتحقير والتقليل، وبذلك اجتمع التعظيم والتحقير في بيت واحد، فالشاعر يريد أن يصف ممدوحه بالنزاهة والطهر، وأنه بلغ منهما مبلغًا بحيث لو هم بفعل ما يشين حال دون ذلك مانع حصين وحاجب عظيم، ومع ذلك فممدوح هـ مَحط رجال قاصديه من ذوي الحاجات، لا يحول بينهم وبينه أدنى حاجة، والذي يدل على إرادة التعظيم أولًا والتحقير ثانيًا أن المقام مقام مدح وتنويه بنبالة الممدوح وكرمه.

стр. 203

ويؤتَى بالمسند إليه منكرًا أيضًا لإفادة التكثير مثل قولهم: إن له لإبلًا وإن له لغنمًا؛ أي: إن له لإبلًا كثيرة وغنمًا وفيرة، ومن هذا القبيل على ما ذهب إليه الزمخشري قول الله تعالى حكايةً عن سحرة فرعون: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ (الأعراف: ١١٣) يريدون معنى التكثير؛ أي: إن لنا قدرًا وفيرًا من الأجر. ويحق لك أن تسأل: كيف يفيد التنكير هنا التكثير مع أن الأصل في النكرة الإفراد؟ وللإجابة أقول: إن التنكير يشعر بعدم الإحاطة بالمنكر، وهذا يدل على أنه كثير بالغ الكثرة، ومن هنا كانت إفادة التنكير للتكثير كما أن المقام وصيغة الكلمة لهما دخل، ومن التنكير لهذا الغرض قول الشاعر: وفي السماء نجوم لا عداد لها ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر أي: نجوم كثيرة، وقد اجتمع التكثير والتعظيم في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (فاطر: ٤) وقد نكر المسند إليه وهو رسل بقصد إفادة التعظيم والتكثير باعتبارين مختلفين؛ فعلى اعتبار أنهم أصحاب شأن عظيم يحملون آيات عظامًا لمن أرسلوا إليهم يكون التنكير للتعظيم، وعلى اعتبار أنهم ذوو عدد كثير يكون التنكير للتكثير، ومما أفاد تنكير المسند إليه فيه التكثير والتعظيم معًا قول الشاعر: له هِمم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر فقد أفاد تنكير همم التكثير والتعظيم؛ أي: همم كثيرة عظيمة؛ ولذا قال: لا منتهى لكبارها أجل من الدهر، فدل الأول على الكثرة، ودل الثاني على التعظيم والتفخيم. ويؤتى بالمسند إليه منكرًا أيضًا لإفادة التقليل كما في قول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ُوَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (التوبة: ٧٢) أي:

стр. 204

شيء قليل من رضوان الله خير مما ذكر في صدر هذه الآية من الجنة ونعيمها، وإنما كان الرضوان وإن قل أكبر من كل ما في الجنة من النعيم؛ لأن المراد إعلامهم بأنه أكبر من كل نعيم يأتي بلا إعلام، أو أن ما عَدَا الرضوان من صنوف النعيم مسبب عنه ولأنه من ثمراته ونتائجه، يقول الخطيب القزويني: وشيء من رضوانه أكبر من ذلك كله؛ لأن رضاه سبب كل سعادة وفلاح، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعيم، وإنما تهنأ له برضاه، كما أنه إذا علم بسخطه تنغصت عليه ولم يجد لها لذة وإن عظمت. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: ١٥) وقد أفاد تنكير المنسد إليه سلام التقليل؛ لأنه من قبل الله تعالى والقليل منه كثير ومغن عن كل تحية، ولذا جاء معرفًا في قصة عيسى ﵇: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: ٣٣)؛ لأنه ليس واردًا من جهة الله، بل هو من قول عيسى ﵇ ولهذا الغرض تجد أن السلام لم يرد من جهة الله تعالى في النظم الكريم إلا منكرًا، فارجع مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (يس: ٥٨) ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ (هود: ٤٨) ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ (الصافات: ١٣٠) وهكذا. ومن تنكير المسند إليه لإفادة التقليل قولهم: كلمات تتضمن حكم ًا خير من سفر يمتضخ هُراء، فقد نكر المسند إليه كلمات ل إفادة معنى التقليل وللمقام أيضًا نصيب في إفادة هذا المعنى، كما أن للكلمة ذاتها نصيبًا في هذه الإفادة -كما قلنا- في إفادة التنكير بالتكثير؛ إذ لا مانع من أن يجتمع في المثال الواحد عدة دلالات على معنى واحد، ومن هنا كان التنكير في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ (االأنبياء: ٤٦) لإفادة التقليل كما ذهب السكاكي

стр. 205

بمعونة المقام وبناء المصدر للمرة وبالكلمة نفسها، خلافًا للخطيب القزويني الذي ظن أن إفادة التنكير يجب أن تكون بمعزل عن مثل هذه الدلالات، كما يدل على ذلك كلامه في (الإيضاح). ومن تنكير المسند إليه لإفادة التقليل قوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ (مريم: ٤٥) فقد جاء المسند إليه: ﴿عَذَابٌ﴾ منكرًا لإفادة التقليل؛ لأن إبراهيم ﵇ إذا كان يروعه أن يمس أباه قدر ضئيل من العذاب فكيف بالكثير الجسيم؟! وإلى هذا ذهب الزمخشري معللًا إرادة التقليل بأن إبراهيم ﵇ لم يخلِ الكلام من حسن الأدب مع أبيه، حيث إنه لم يصرح فيه أن العذاب لاحق لاصق به، ولكنه قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ فذكر الخوف والمس ونكَّر العذاب، وذهب بعض البلاغيين منهم السكاكي إلى جواز إرادة التهويل والتعظيم من هذا التنكير، ومع أن النكات البلاغية لا تتزاحم فإن ما ذهب إليه الزمخشري أدق وألطف لمناسبته الواضحة للمقام. إلى غير ذلك من الأغراض التي تقتضي تنكير المسند إليه كأن يمنع من تعريفه مانع كما في قول الشاعر: إذا سئمت مهنده يمين ... بطول الحمل بدله شمالًا حيث نكر لفظ يمين وهو المسند إليه؛ تحاشيًا من أن ينسب السآمة بصريح اللفظ إلى يمين الممدوح فيما لو قال: يمينه بالإضافة، ومع أن المراد بيمين في قول الشاعر: هو يمين الممدوح فإن إسناد السآمة إليها معرفة فيه جفوة تتنافَى مع مقام المدح، وكأن ينكر المسند إليه لإرادة إخفائه عن المخاطب؛ خوفًا عليه، مثل أن تقول لآخر: قال لي رجل: إنك انحرفت عن الحق فتخفي اسمه لئلا يلحقه أذى من هذا المخاطب؛ لأنه نسب إليه ما لا يحب.

стр. 206

هذا؛ وما يسري على المسند إليه من تنكير للأغراض البلاغية -السالف ذكرها- يسري على غيره فكثير من الأغراض التي ذكرناها لتنكير المسند إليه تأتي في غيره كما في قول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ (الزمر: ٢٩) فالمضروب به المثل في الموضوعين فرد من أفراد الرجال، وهو غير مسند إليه فيهما. ومن تنكيره لإفادة النوعية قول الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (البقرة: ٩٦) فليس المراد مطلق حياة، إذ لا معنى لأن يحرص الإنسان على شيء قد استوفاه بالفعل إنما يحرص على شيء لم يحصل له بعد، فالمراد إذن نوع خاص من الحياة وهو الحياة الممتدة الزائدة، وكأنه يقول: ولتجدنهم أحرصَ الناس وإن عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضيهم وحاضرهم حياةً مستقبلة ً؛ ولهذا نكَّر لفظ الحياة؛ للدلالة على هذا النوع منها وهو غير مسند إليه وهكذا. توابع المسند إليه هذا؛ وقد عرض الخطيب القزويني وسائر علماء البلاغة لتوابع المسند إليه، يستجلون أسرارها ويستنطقونها، ويستخرجون منها ما فيها من وجوه بلاغية، وهذا من ثم يستوجب البحث عن شيء من سر بلاغة هذا حتى نلمَّ بهذا الباب من أبواب البلاغة. فقد يتبع المسند إليه بتابع كالوصف والبدل والتوكيد والعطف وذلك لغرض يقصد إليه البلاغي، وشأن المسند إليه في هذا شأن غيره من أجزاء الجملة كما لا يخفى عليك أن الأحوال التي ذكرناها للمسند إليه تجري أيضًا على غيره من أجزاء الكلام.

стр. 207

ولنبدأ حديثنا عن الوصف: يوصف المسند إليه أو المسند أو أحد متعلقات الفعل بدواع بلاغية كثيرة؛ منها: أن يكون الوصف مفسرًا وكاشفًا عن معنى الموصوف كما في قول أوس بن حجر يرثي نضارة بن كِلدة: أيتها النفس أجملي جزعًا ... إ ن الذي تحذرين قد وقعا إن الذي جمع الشجاعة والنـ ... جدة والبِر والتقى جمعا الألمعي الذي يظن به الظـ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا أودَى فلا تنفع الإشاحة من ... أمر لمرء يحاول البدعا فقول: الألمعي، صفة كاشفة وموضحة للمسند إليه الذي جمع الشجاعة والنجدة والبر والتقى؛ ولذا حكي أن الأصمعي لما سئل عن الألمعي أنشد تلك الأبيات ولم يزد، واقرأ في ذلك إن شئتَ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المعارج: ١٩ - ٢١) ف قوله: ﴿هَلُوعًا﴾ حال من نائب الفاعل وهو وصف كاشف ومفسر وموضح لحقيقة الإنسان، يقول الزمخشري: الهلع سرعةُ الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير من قولهم: ناقة هلوع؛ أي: سريعة السير، وعن أحمد بن يحيى قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلعُ؟ قلت: قد فسره الله تعالى. ومنها أن يكون الوصف مخصصًا للموصوف، ومعنى تخصيصه له تحديده ورفع احتمال غيره في المعارف وتقليل الاشتراك في النكرات، كقولك: زيد التاجر حضر، ومحمد العالم ذهب، ورجل فقير عندي، وامرأة مؤمنة تزوجت. ومنها أن يكون الوصف مشعرًا بمدح كما في قول الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (الفاتحة: ١) وقوله : ﴿اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ (الحشر: ٢٤)

стр. 208

وقوله -جل وعلا -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨) أو بذم كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (النحل: ٩٨) أو تأكيد لإظهار الفرح والسرور أو التأسف ونحو ذلك كقولك: أمس الدابر كان يومًا عظيمًا. ومنها: أن يكون الوصف بيانًا للموصوف ومحددًا للمراد منه كما في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (النحل: ٥١) وذلك أن الاسم النكرة الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين؛ الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أن المعني به منهما والذي سِيق له الحديث هو العدد، شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد، لم يحسن وخيل أنك تثبت الألوهية لا الوحدانية. وكذا إذا أريدت الدلالة على أن المعني به منهما الجنسية شفع بالصفة التي تبين ذلك، كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأنعام: ٣٨) فقد شفع لفظ ﴿دَابَّةٍ﴾ بـ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ولفظ: ﴿طَائِرٍ﴾ ب ـ ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ لبيان أن القصد بهما إلى الجنسية لا إلى العدد، وفي ذلك زيادة لمعنى التعميم والإحاطة، كأنه قيل: وما من دابة قط في جميع الأراضين السبع، ولا طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم. ومنها إفادة الترحم وطلب المغفرة كما في قول الشاعر: إلهي عبدك العاصي أتاك ... مقرًّا بالذنوب وقد دعاك فقد وصف العبد التائب المقر بالذنوب بالعاصي؛ استعطافًا وطلبًا للمغفرة والرحمة.

стр. 209

هذا؛ وعندما تقع الجملة صفة للنكرة يشترط فيها أن تكون خبرية؛ لأنها في المعنى حكم على صاحبها كالخبر، فلا يستقيم أن ت ك ون إنشائية، أما قول عبد الله بن رؤبة التميمي: حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاءوا بمَزق هل رأيت الذئب قط جن الظلام؛ أي: أقبل أوله واختلاطه إنما يكون بعد ذهاب نور النهار كله، والمزق هو اللبن المخلوط بالماء، وهو مصدر بمعنى اسم المفعول، والشاعر يصف قومًا أضافوه فأطالوا عليه ثم أتوه بهذا المزق، فمعناه جاءوا بمزق يقال عند رؤيته: هل رأيت الذئب قط؟ فالجملة الاستفهامية ليست صفة وإنما هي مقول للصفة المحذوفة كما هو واضح. من التوابع التأكيد: يؤكد المسند إليه وكذا المسند أو أحد متعلقات الفعل ليتحقق بهذا التأكيد أغراض بلاغية يقصد إليها المتكلم؛ منها إبراز المؤكد وزيادة تقرير المعنى في ذهن السامع كقولك: هو يعطي الجزيل ويدفع الشدائد، فتقديم المسند إليه على خبره الفعلي في المثالين قد أفاد تأكيد المعنى وتقريره وإبراز المسند إليه لوقوعه في ابتداء الكلام، فانشغل الذهن به وتطلع إلى خبره، وأيضًا ب تكرير الإسناد؛ لأن الفعل أسند إلى الضمير المذكور مرتين؛ مرة باعتباره مبتدأً ومرة باعتباره فاعلًا. ومنها: أيضًا دفع توهم التجوز كقولك: قطع الأمير نفسه السارقة، فلو لم تقل: نفسه، لجاز أن يتوهم أن القاطع غيره بأمره على ما جرت به العادة في ذلك. ومنها: دفع توهم السهو كقولك: نجحت أنا، وأقبل زيد زيد، وجاءني محمد محمد، وقلت أنت هذا القول؛ فهذا التأكيد يدفع توهم السامع أن المتكلم سَهَا في إثبات الحكم لغير ما هو له.

стр. 210

ومنها: دفع توهم عدم الشمول كقولك: عرفني الرجلان كلاهما، وجاءني القوم كلهم؛ فإنك لو قلت: عرفني الرجلان وجاءني القوم بلا تأكيدـ لتوهم أن أحد الرجلين هو الذي عرفك وأن بعض القوم قد جاء والبعضُ لم يأت ِ، ولكنك لم تعتد بمن لم يعرفك ولا بمن لم يأت فأطلقت الكل وأردت البعض على سبيل المجاز، ودفعًا لهذا التجوز وهذا التوهم جاء التوكيد لإفادة الشمول والعموم، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (آل عمران: ٩٣) وقوله : ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ (طه: ٥٦) وقوله : ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر: ٤١، ٤٢) وقوله ﵎: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٣٠، ٣١). ولا يخفى عليك ما في الآية الأولى من إشارة إلى عظم النعمة، حيث أحل لهم كل الطعام، كما لا يخفى عليك ما في الآيات الأخرى من إشارة إلى فظاعة تكذيب فرعون وقومه، فقد كذبوا بالآيات كلها وإلى فظاعة استكبار إبليس اللعين حيث سجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا هو أبى واستكبر وكان من الكافرين. هذا؛ ولفظ كل تارة يقع تأكيدًا وذلك عندما يستخدم مع المعارف كما في الشواهد المذكورة، ومعنى وقوعها تأكيدًا: أن الشمول مفاد بدونها فهي تأتي لتوكيده ودفع توهم غيره -كما رأيت - وتارة تقع تأسيسًا وذلك عند إضافتها إلى النكرات كما في قول الله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون: ٥٣) وقوله : ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾

стр. 211

(الإسراء: ١٢) وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (الأنبياء: ٩٦) ومعنى وقوعها تأسيسًا: أنها هي التي تفيد الشمول وتؤسسه فهو لا يفاد أصلًا إلا بها، وهذا واضح في الآيات الكريمة؛ إذ بدون "كل" لا تجد فيها شمولا. من التوابع أيضًا عطف البيان: ويقصد البلاغي إلى عطف البيان لأغراض بلاغية، أهمها إيضاح المعطوف عليه باسم مختص به كقولك: قدم صديقك خالد، فخالد عطف بيان للصديق فقد أوضحه وبينه؛ لأن المخاطب له أصدقاء كثيرون فعندما تقول له: جاء صديقك لا يدري أيهم، وعندما تقول: خالد، لقد وضحت وبينت إذا حصرت المجيء في خالد دون غيره من الأصدقاء. وقد يكون عطف البيان غير مختص بمتبوعه، ولكن يحصل الإيضاح والاختصاص بمجموعهما كما في قول الشاعر: والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ربان مكة بين الغَيل والسند ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعتَ صوتًا إلي يدي والمؤمن الواو هنا للقسم، والمراد بالمؤمن الله والعائذات جمع عائذة من العوذ وهو الالتجاء وتعرب مفعولًا به للمؤمن أو مضافًا إليه، وللطير عطف بيان على العائذات، والغيل بفتح الغين وسكون الياء، والسند ب فتح السين والنون موضعان في جانب الحرم فيهما الماء، وجواب القسم قوله: ما إن أتيت بشيء، وإنَّ فيه زائدة للتأكيد.

стр. 212

والمعنى: والله الذي آمن الطير الملتجئة للحرم، والساكنة به للأمن من الاصطياد والأخذ، وقد حصل لها ذلك؛ إذ لا يجوز لأحد أخذها، بل الركبان القاصدون مكة المارون بين الغيل والسند تمسحها ولا تتعرض لها؛ فالطير عطف بيان للعائذات وهو غير مختص بها؛ لأن العائذات صادق على الطير وعلى غيره مما يعوذ بالحرم ويؤمنه الله فيه، وعند التأمل تجد أن عطف البيان في المثال الأول غير مختص أيضًا بمتبوعه؛ لأن الصداقة تطلق على خالد وعلى غيره؛ ولذا فالمهم أن يكون عطف البيان أخص من متبوعه؛ حتى يتحدد ويتضح ذلك المتبوع في ذهن السامع عندما ينصرف إلى تابعه. ومنها: مدح المتبوع والدلالة على عظم شأنه كما في قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (المائدة: ٩٧) فالبيت الحرام عطف بيان للكعبة قصد به المدح والدلالة على عظم شأنها لا الإيضاح؛ لأن الكعبة أظهر من نار على علم، فليست في حاجة إلى إيضاح وبيان، وكان البيت الحرام مدحًا وتعظيمًا؛ لأن فيه دلالةً على أن هذا البيت موصوف بالحرمة والاحترام والمنع من كل امتهان وانتهاك. ومنها: ذم المتبوع والدلالة على حقارته كما في قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ (إبراهيم: ١٥ - ١٧) فالصديد بيان للماء قصد به الذم والدلالة على حقارته وامتهانه وقبحه؛ وذلك حتى ينزجر ذلك الجبار ويقلع عن عناده. ومن التوابع البدل: ويقع الإبدال من المسند إليه أو المسند أو أحد المتعلقات لأغراض بلاغية يقصد إليها المتكلم ويقتضيها المقام، أهمها زيادة التقرير والإيضاح؛ كقولك: جاء زيد

стр. 213

أخوك، فأخوك بدل من زيد، وقد دل على تقريره وإبرازه؛ لأن مفهومه هو مفهوم زيد، ومنه قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (الفاتحة: ٦، ٧) فصراط الذين أنعمت عليهم بدل من: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وفيه بيان وإيضاح وزيادة تقرير لكون الصراط المستقيم هو صراط المنعم عليه بالإيمان والرضوان. ومنها: التفصيل بعد الإجمال، والإيضاح بعد الإبهام؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (الفرقان: ٦٨، ٦٩) ف قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ فيه إجمال للعقاب، وقوله بعده: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ بدل من القول الأول وفيه تفصيل وإيضاح لما أجمل فيه. ولا يخفى عليك ما للبيان والتفصيل بعد الإجمال من وقع في النفس؛ لأنه عند الإجمال تتطلع النفس وتستشرف إلى التفصيل، فعندما يأتي التفصيل يكون له وقعه وأثره، حيث أتى والنفس إليه متطلعة وله مترقبة، ومنه قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلَّت ف في قوله: ذي رجلين إبهام وإجمال أزاله ووضحه البدل في قوله: رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت، ومثله قول الآخر: بلغنا السماء مجدنا وثناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا وفي قوله: بلغنا، إجمالًا، وقد جاء البدل مجدنا وثناؤنا مفصلًا وموضحًا لهذا الإجمال، ولا يخفى عليك أن البدل في البيت الأخير بدل اشتمال، وفي الشواهد السابقة بدل مطابق، ومن بدل الاشتمال أيضًا قولُك: سلب عمرو ثوبه، وأعجبني المعلم علمه، والغرض البلاغي من البدل في المثالين هو الإيضاح هو

стр. 214

التفصيل بعد الإبهام والإجمال؛ لأن قولك: سلب عمرو، وأعجبني المعلم فيه إبهام وإجمال يظل معه المخاطب متعلقًا إلى إيضاحه ومستشرفًا إلى تفصيله؛ وعندئذ يأتي البدل ثوبه وعلمه موضحًا ومبينًا، فيقع المعنى في النفس موقعًا حسنًا ويثبت فيها ويرسخ. ومن بدل البعض قولك: جاءني القوم أكثرهم وفيه -كما ترى- زيادة إيضاح وتقرير وبيان لما في المسند إليه وهو القوم من إجمال. ومن الأغراض البلاغية للبدل القصد إلى المبالغة والتفنن في بناء العبارات، ويكثر هذا في بدل الغلط كما في قول البحتري: ألمع برق سرى ... أم ضوء مصباح أم ابتسامتها ... بالمنظر الضاحي حيث أراد المبالغة في وصف الابتسامة ومدى وقعها عليه فتفنن في العبارة كما ترى، ومنه أيضًا قوله أيضًا في وصف الإبل الأمضاء: كالقسي المعطفات ... بل الأسهم مبرية بل الأوتار فقد قصد إلى المبالغة في وصف الإبل المهازيل، فتفنن في التشبيه مترقيًا عن طريق الإضراب من الدقيق إلى الأدق. وبهذا يتضح لك أن نظرة البلاغي للتوابع تختلف عن نظرة النحوي، وما ذكرناه من كل الشواهد والأمثلة السابقة إنما هو على وجه التمثيل وإلا فالكلام في ذلك أكثر من أن تحصره محاضرة. والبلاغي دائمًا ينظر إلى ما وراء هذه التوابع من دقائق وأغراض ومزايا جمالية، أما النحوي فينظر إلى أحكامها وكيفية استعمالها في الكلام؛ ولذا نجد النحوي مثلًا يسوي بين البدل المطابق وعطف البيان فيجعلهما شيئًا واحدًا، وليس الأمر

стр. 215

كذلك عند البلاغي، بل هما مختلفان ولكل منهما مقامات خاصة به ومقاصد يقصد إليها على نحو ما رأينا فيما سبق من شواهد. من التوابع كذلك عطف النسق: ويستخدمه البلاغي ليحقق أغراضًا بلاغية ومقاصد يقصد إليها، وهذه الأغراض تراها كامنة وراء حروف العطف؛ وهي الواو ثم والفاء ولا وبل ولكن وحتى وأو وما، وما بين تلك الحروف من فروق دقيقة، فالواو لمطلق الجمع، والفاء للترتيب مع التعقيب، وثم للترتيب مع التراخي، وبل للإضراب وصرف الحكم عن محكوم له إلى آخر، ولا للعطف ونفي الحكم عما بعدها، ولكن عكس لا، وحتى للتدرج إلى الأعلى أو إلى الأدنى، وأو للتخيير أو للإباحة أو للشك أو للتشكيك؛ والبلاغي يستغل تلك المعاني ليحقق أغراضًا بلاغية يهدف إليها تقول مثلًا: جاءني زيد وعمرو وخالد، فتفيد تفصيل المسند إليه مع الإيجاز، حيث أفادت الواو اشتراك زيد وعمرو وخالد في المجيء؛ ففصلت المسند إليه وأغنت عن قولك: جاءني زيد وجاءني خالد وجاءني عمرو، وهذا هو وجه الإيجاز في المثال، وتأمل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: ٨) تجد أن: ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ قد ذكرَا مفصلين معطوفًا أحدهما على الآخر، ثم عطف عليهما بقية القوم إجمالًا: ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾؛ وذلك لغرض بلاغي وهو أن فرعون وهامان كانَا السبب في الخطيئة دون جنودهما.
следующие страницы →