← Баляга

Баляга · id 7582

البلاغة 2 - المعاني - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (482 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(الإسراء: ١٢) وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (الأنبياء: ٩٦) ومعنى وقوعها تأسيسًا: أنها هي التي تفيد الشمول وتؤسسه فهو لا يفاد أصلًا إلا بها، وهذا واضح في الآيات الكريمة؛ إذ بدون "كل" لا تجد فيها شمولا. من التوابع أيضًا عطف البيان: ويقصد البلاغي إلى عطف البيان لأغراض بلاغية، أهمها إيضاح المعطوف عليه باسم مختص به كقولك: قدم صديقك خالد، فخالد عطف بيان للصديق فقد أوضحه وبينه؛ لأن المخاطب له أصدقاء كثيرون فعندما تقول له: جاء صديقك لا يدري أيهم، وعندما تقول: خالد، لقد وضحت وبينت إذا حصرت المجيء في خالد دون غيره من الأصدقاء. وقد يكون عطف البيان غير مختص بمتبوعه، ولكن يحصل الإيضاح والاختصاص بمجموعهما كما في قول الشاعر: والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ربان مكة بين الغَيل والسند ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعتَ صوتًا إلي يدي والمؤمن الواو هنا للقسم، والمراد بالمؤمن الله والعائذات جمع عائذة من العوذ وهو الالتجاء وتعرب مفعولًا به للمؤمن أو مضافًا إليه، وللطير عطف بيان على العائذات، والغيل بفتح الغين وسكون الياء، والسند ب فتح السين والنون موضعان في جانب الحرم فيهما الماء، وجواب القسم قوله: ما إن أتيت بشيء، وإنَّ فيه زائدة للتأكيد.

стр. 212

والمعنى: والله الذي آمن الطير الملتجئة للحرم، والساكنة به للأمن من الاصطياد والأخذ، وقد حصل لها ذلك؛ إذ لا يجوز لأحد أخذها، بل الركبان القاصدون مكة المارون بين الغيل والسند تمسحها ولا تتعرض لها؛ فالطير عطف بيان للعائذات وهو غير مختص بها؛ لأن العائذات صادق على الطير وعلى غيره مما يعوذ بالحرم ويؤمنه الله فيه، وعند التأمل تجد أن عطف البيان في المثال الأول غير مختص أيضًا بمتبوعه؛ لأن الصداقة تطلق على خالد وعلى غيره؛ ولذا فالمهم أن يكون عطف البيان أخص من متبوعه؛ حتى يتحدد ويتضح ذلك المتبوع في ذهن السامع عندما ينصرف إلى تابعه. ومنها: مدح المتبوع والدلالة على عظم شأنه كما في قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (المائدة: ٩٧) فالبيت الحرام عطف بيان للكعبة قصد به المدح والدلالة على عظم شأنها لا الإيضاح؛ لأن الكعبة أظهر من نار على علم، فليست في حاجة إلى إيضاح وبيان، وكان البيت الحرام مدحًا وتعظيمًا؛ لأن فيه دلالةً على أن هذا البيت موصوف بالحرمة والاحترام والمنع من كل امتهان وانتهاك. ومنها: ذم المتبوع والدلالة على حقارته كما في قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ (إبراهيم: ١٥ - ١٧) فالصديد بيان للماء قصد به الذم والدلالة على حقارته وامتهانه وقبحه؛ وذلك حتى ينزجر ذلك الجبار ويقلع عن عناده. ومن التوابع البدل: ويقع الإبدال من المسند إليه أو المسند أو أحد المتعلقات لأغراض بلاغية يقصد إليها المتكلم ويقتضيها المقام، أهمها زيادة التقرير والإيضاح؛ كقولك: جاء زيد

стр. 213

أخوك، فأخوك بدل من زيد، وقد دل على تقريره وإبرازه؛ لأن مفهومه هو مفهوم زيد، ومنه قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (الفاتحة: ٦، ٧) فصراط الذين أنعمت عليهم بدل من: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وفيه بيان وإيضاح وزيادة تقرير لكون الصراط المستقيم هو صراط المنعم عليه بالإيمان والرضوان. ومنها: التفصيل بعد الإجمال، والإيضاح بعد الإبهام؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (الفرقان: ٦٨، ٦٩) ف قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ فيه إجمال للعقاب، وقوله بعده: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ بدل من القول الأول وفيه تفصيل وإيضاح لما أجمل فيه. ولا يخفى عليك ما للبيان والتفصيل بعد الإجمال من وقع في النفس؛ لأنه عند الإجمال تتطلع النفس وتستشرف إلى التفصيل، فعندما يأتي التفصيل يكون له وقعه وأثره، حيث أتى والنفس إليه متطلعة وله مترقبة، ومنه قول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلَّت ف في قوله: ذي رجلين إبهام وإجمال أزاله ووضحه البدل في قوله: رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت، ومثله قول الآخر: بلغنا السماء مجدنا وثناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا وفي قوله: بلغنا، إجمالًا، وقد جاء البدل مجدنا وثناؤنا مفصلًا وموضحًا لهذا الإجمال، ولا يخفى عليك أن البدل في البيت الأخير بدل اشتمال، وفي الشواهد السابقة بدل مطابق، ومن بدل الاشتمال أيضًا قولُك: سلب عمرو ثوبه، وأعجبني المعلم علمه، والغرض البلاغي من البدل في المثالين هو الإيضاح هو

стр. 214

التفصيل بعد الإبهام والإجمال؛ لأن قولك: سلب عمرو، وأعجبني المعلم فيه إبهام وإجمال يظل معه المخاطب متعلقًا إلى إيضاحه ومستشرفًا إلى تفصيله؛ وعندئذ يأتي البدل ثوبه وعلمه موضحًا ومبينًا، فيقع المعنى في النفس موقعًا حسنًا ويثبت فيها ويرسخ. ومن بدل البعض قولك: جاءني القوم أكثرهم وفيه -كما ترى- زيادة إيضاح وتقرير وبيان لما في المسند إليه وهو القوم من إجمال. ومن الأغراض البلاغية للبدل القصد إلى المبالغة والتفنن في بناء العبارات، ويكثر هذا في بدل الغلط كما في قول البحتري: ألمع برق سرى ... أم ضوء مصباح أم ابتسامتها ... بالمنظر الضاحي حيث أراد المبالغة في وصف الابتسامة ومدى وقعها عليه فتفنن في العبارة كما ترى، ومنه أيضًا قوله أيضًا في وصف الإبل الأمضاء: كالقسي المعطفات ... بل الأسهم مبرية بل الأوتار فقد قصد إلى المبالغة في وصف الإبل المهازيل، فتفنن في التشبيه مترقيًا عن طريق الإضراب من الدقيق إلى الأدق. وبهذا يتضح لك أن نظرة البلاغي للتوابع تختلف عن نظرة النحوي، وما ذكرناه من كل الشواهد والأمثلة السابقة إنما هو على وجه التمثيل وإلا فالكلام في ذلك أكثر من أن تحصره محاضرة. والبلاغي دائمًا ينظر إلى ما وراء هذه التوابع من دقائق وأغراض ومزايا جمالية، أما النحوي فينظر إلى أحكامها وكيفية استعمالها في الكلام؛ ولذا نجد النحوي مثلًا يسوي بين البدل المطابق وعطف البيان فيجعلهما شيئًا واحدًا، وليس الأمر

стр. 215

كذلك عند البلاغي، بل هما مختلفان ولكل منهما مقامات خاصة به ومقاصد يقصد إليها على نحو ما رأينا فيما سبق من شواهد. من التوابع كذلك عطف النسق: ويستخدمه البلاغي ليحقق أغراضًا بلاغية ومقاصد يقصد إليها، وهذه الأغراض تراها كامنة وراء حروف العطف؛ وهي الواو ثم والفاء ولا وبل ولكن وحتى وأو وما، وما بين تلك الحروف من فروق دقيقة، فالواو لمطلق الجمع، والفاء للترتيب مع التعقيب، وثم للترتيب مع التراخي، وبل للإضراب وصرف الحكم عن محكوم له إلى آخر، ولا للعطف ونفي الحكم عما بعدها، ولكن عكس لا، وحتى للتدرج إلى الأعلى أو إلى الأدنى، وأو للتخيير أو للإباحة أو للشك أو للتشكيك؛ والبلاغي يستغل تلك المعاني ليحقق أغراضًا بلاغية يهدف إليها تقول مثلًا: جاءني زيد وعمرو وخالد، فتفيد تفصيل المسند إليه مع الإيجاز، حيث أفادت الواو اشتراك زيد وعمرو وخالد في المجيء؛ ففصلت المسند إليه وأغنت عن قولك: جاءني زيد وجاءني خالد وجاءني عمرو، وهذا هو وجه الإيجاز في المثال، وتأمل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: ٨) تجد أن: ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ قد ذكرَا مفصلين معطوفًا أحدهما على الآخر، ثم عطف عليهما بقية القوم إجمالًا: ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾؛ وذلك لغرض بلاغي وهو أن فرعون وهامان كانَا السبب في الخطيئة دون جنودهما.

стр. 216

وتقول: جاء زيد فعمرو، فتفيد تفصيل المسند وهو المجيء مع الإيجاز والإنباء بالتعقيب؛ إذ المراد جاء زيد وجاء عمرو بعده مباشرة، وتقول: جاء زيد ثم عمرو، فتومئ إلى ما بين المجيئين من تراخ بالإضافة إلى إفادة التفصيل والإيجاز، وكذا تقول: اشتدت العاصفة ثم هدأت، مشيرًا بالحرف ثم إلى امتدادها، وأنها لم تكن إلا بعد زمن طويل، وقد تريد التدرج بالمعاني علوًّا أو دنوًّا، فتستعمل حتى في عطف تلك المعاني. انظر مثلًا إلى قول الشاعر: قهرناكم حتى الكُماة فأنتم ... تهابوننا حتى بنينا الأصاغر حيث ارتفع بقهرهم إلى أعلاهم حتى الكماة، ثم انخفضت بهيبتهم إلى ما لا يخيف: حتى بنينا الأصاغر، وهذا معنى جميل وتموج رائع؛ إذ بدأ بالأدنى مرتفعًا بالقهر حتى انحدر بالإخافة منتهيًا إلى أدنى ما يمكن أن يخيف. وقد يلجأ البلاغي إلى عطف النسق؛ ليرد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب بأخصر طريق فيقول مثلًا: جاء زيد لا عمرو لمن اعتقد أنهما جاءا معًا، أو أن الذي جاء عمرو دون زيد، وكذا تقول: ما جاء زيد لكن عمرو وما جاء زيد بل عمرو، لمن اعتقد مجيئهما معًا أو مجيء زيد دون عمرو. وقد يُراد بالعطف التشكيك كما في قول الشاعر: وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها فقد عطف بأو ليشكك السامع وعندئذ ينظر في أمره ويتأمل حتى يصل إلى الخبر اليقين، ويعرف أفاجر الشاعر أم تقي. وقد يراد به الإبهام استمالةً للمخاطب؛ وترغيبًا له في الحق والاهتداء كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤)

стр. 217

ومنه قول الشاعر: نحن أو أنتم الألى ألفوا الحق ... فبعدًا للمبطلين وسحقًا فقد استخدمت أو للإبهام فلا يواجه الضال بضلاله، فيكون في هذا تنفير له من قبول الحق والهداية. وبهذا يتضح لك أن البلاغي يجد في معاني حروف العطف وسائل لتحقيق مآربه وإبراز أهدافه البلاغية السامية التي يهدف إليها ويقصد. تعقيب المسند إليه بضمير الفصل: ونختم بتعقيب المسند إليه بضمير الفصل، وقد يعقب المسند إليه بضمير الفصل فيفيد ذلك القصر؛ أي: قصر المسند على المسند إليه كقولك مثلًا: زيد هو المنطلق، وخالد هو الذي يجود بماله، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (التوبة: ١٠٤) فالمعنى لا يقبل التوبة عن عباده إلا الله، أو يفيد قصرًا مسند إليه على المسند كقولك: الكرم هو التقوى والحسب هو المال؛ أي: لا كرم إلا بالتقوى ولا حسب إلا بالمال، وقد يكون ضمير الفصل لمجرد التوكيد؛ وذلك إذا كان القصر مفادًا بغيره ب أن تكون الجملة معرفة الطرفين مثلًا كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: ٥٨) وقوله : ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (المائدة: ١١٧) وقوله : ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (الحشر: ٢٠). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 218

الدرس: ١١ تقديم المسند إليه، ومذاهبه .

стр. 219

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (تقديم المسند إليه ، ومذاهبه) تقديم المسند إليه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونسترضيه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا كما نعوذ به من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله؛ وبعد: فيأتي البليغ بالمسند إليه مقدمًا لأغراض منها ما يلي: أولها: كون التقديم هو الأصل ولا مقتضى للعدول عنه، وإنما كان الأصل في المسند إليه التقديم؛ لأن مدلوله الذات المحكوم عليها، والمسند هو الوصف المحكوم به، فهو مطلوب لأجل المسند إليه، ف تعقل الذات المحكوم عليها سابقٌ على تعقل الوصف المحكوم به ضرورةً؛ لأن الوصف إنما جاء لأجل الحكم به على الذات، وهذا وإن كان اعتبارًا نحويًّا لا ينافي أن يكون غرضًا بلاغيًّا إذا لم يعارض بغرض من أغراض التأخير مثل قولنا مثلًا: محمد حضر، ف قد قدم المسند إليه؛ لأن الأصل فيه هو التقديم؛ إذ هو المحكوم عليه بالحضور، فينبغي ذكرُه أولًا. وإنما شرطوا في الجملة الاسمية عدم وجود نكتة أخرى تتطلب التأخير؛ لأن الأصالة وحدها نكتة ضعيفة لا تنهضه سببًا مرجحًا للتقديم مع وجود داعي التأخير، بحيث لو وجد لترجح التأخير على التقديم كما في الفاعل مثلًا، فإن الأصل فيه أن يقدم؛ لأنه الذات المحكوم عليها، غير أن الأصالة عارضها نكتة أخرى تقتضي تأخيرُه؛ وهي أن الفعل عامل في الفاعل الرفع، ومرتبة العامل التقدم على المعمول ورجح جانبه عليه أو لأن العامل علة في المعمول والعلة مقدمة على المعلول. ويُقدَّم المسند إليه أيضًا بقصد إرادة تمكن الخبر في ذهن السامع؛ وذلك حيث يكون في المسند إليه ما يشوق إلى الخبر بأن يكون موصولًا أو موصوفًا بما يوجب

стр. 220

الدهشة والاستغراب، ويجعل النفس متطلعة إلى سماع الخبر حتى إذا سمعته تمكن منها أي تمكن؛ كما في قول أبي العلاء المعري: والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد وقدم المسند إليه وهو الذي؛ لأن فيه تشويقًا إلى الخبر؛ إذ قد اتصل به ما يدعو إلى الدهشة وهو قوله: حارت البرية فيه، ومثل هذا الأمر الغريب يثير في النفس عواملَ الشوق إلى معرفة ذلك الذي أوقف البرية كلها موقفَ الحائر المدهوش، فإذا ذكر تمكن منها فضلَ تمكن ٍ، ورسخ رسوخًا لا يرقى إليه شك، ومنه قول الشاعر: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر فق د قدم المسند إليه وهو ثلاثة؛ لأن فيه ما يشوق النفس إلى الخبر لاتصافه بما يدعو إلى الاستغراب والعجب؛ وهو قوله: تشرق الدنيا ببهجتها؛ فإن إشراق الدنيا كلها مما يدفع النفس إلى أن تعرف ذلك الذي جعلها تتألق وتضيء، فإذا عرفت ذلك تمكن منها واستقر، وهكذا يقدم المتكلم المسند إليه إذا أراد تمكن الخبر في ذهن السامع، بشرط أن يكون في المقدم ما يشوق إلى معرفة المؤخر، كما يقدم المتكلم المسند إليه لإرادة المبادرة بإدخال السرور على قلب السامع؛ ليتفاءل من حصول الخبر أو لإرادة المسارعة بإدخال ما يسوء على قلبه ليتطير بحصول الشر؛ لأن السامع كما جرت العادة يتفاءل أو يتشاءم غالبًا بأول ما يقرع سمعه من الكلام، وهذا فيما إذا كان لفظ المسند إليه مشعرًا بما يُتفاءل به أو بما يتشاءم منه.

стр. 221

ومن أغراض تقديم المسند إليه أيضًا إشعار السامع أن المسند إليه لا يغيب عن خاطره؛ أي: إرادة المتكلم أن يشعر السامع بأن المسند إليه حاضر في قلبه لا يغيب عنه إما لشدة الحاجة إليه؛ كقول المتكلم الجائع مثلًا: الرغيف يكسر حدة الجوع، وإما لأن المتكلم يستلذه مثل: ليلى رأيتُها، وإما لأنه يُتبرك به مثل: الله آمنت به ربًّا أومحمد آمنت به نبيًّا ورسولًا. كذا يقدم المسند إليه بغرض التعجيل بتعظيمه أو تحقيره وذلك إذا كان اللفظ مشعرًا بما يدل عليهما، مثل: أبو الفضل عندنا وأبو الجهل رحل عنا، ومثل: ال رجل ال فاضل مر بنا وفتى سفيه سألني. وهكذا. كما يقدم المسند إليه أيضًا بغرض إفادة تخصيص المسند إليه بالمسند، وهذا أهم ما في الباب، أو إفادة تقوي الحكم وذلك إذا كان المسند فعلًا رافعًا لضمير المسند إليه المقدم. المذاهب في إفادة تقديم المسند إليه وفي إفادة تقديم المسند إليه هذا الغرض التخصيص أو التقوي مذهبان: أحدهما: للإمام عبد القاهر وجمهور البلاغيين. والآخر: للشيخ السكاكي. أولًا: مذهب الإمام عبد القاهر: يذهب الإمام عبد القاهر الجرجاني ويتبعه في ذلك جمهور البلاغيين إلى أن المسند إليه إذا تقدَّم على خبره الفعلي مسبوقًا بنفي، أفاد التخصيص حتمًا، لا فرق في

стр. 222

ذلك بين أن يكون المسند إليه اسمًا ظاهرًا مثل: ما زيد فعل هذا، أو ضميرًا مثل: ما أنا فعلت هذا، أو أن يكون نكرة مثل: ما رجل فعل هذا. ومعنى التخصيص انتفاء الفعل عن المسند إليه المتقدم وإثباته لغيره؛ هذا إذا كان معرفة، أما إذا كان المسند إليه نكرة فالتخصيص فيها معناه انتفاء الفعل عن الجنس أو عن فرد واحد منه وثبوته لغير الجنس أو لغير الفرد الواحد منه، ولنطبق هذا على ما سبق من أمثلة. أنت عندما تقول: ما زيد فعَلَ هذا كما في المثال الأول، فإنه يعني انتفاء الفعل عن زيد خاصة وثبوته لغيره، فقوله ردًّا على من زعم انفراد المسند إليه وهو زيد بالفعل دون غيره، فيكون قصر قلب، أو ردًّا على من زعم اشتراك ذلك الغير مع المسند إليه بالفعل فيكون قصر إفراد، والمراد بالغير شخص معين هو موضوع النزاع؛ لأن التخصيص إنما هو بالنسبة إلى مَن توهم المخاطب انفراد المسند إليه بالحكم دونه، أو ردًّا على مَن توهم اشتراكه مع المسند إليه فيه، فهو قصر إضافي بالنسبة إلى معين لا بالنسبة لجميع الناس ويسمى ذلك قصر تعيين. ومعنى التخصيص في المثال الثاني: ما أنا فعلت هذا، انتفاء الفعل عن المتكلم خاصةً وثبوته لغيره، تقول: هذا المثال الذي ذكرناه ردًّا على من زعم انفرادك بالفعل دون غيرك فيكون قصر قلب، أو على مَن زعم اشتراك الغير معك في هذا الفعل فيكون قصر إفراد، ومعنى التخصيص في المثال الثاني: ما رجل فعل هذا، انتفاء الفعل عن جنس الرجل وثبوته لغير هذا الجنس، أو عن العدد عن فرد واحد منه وثبوته لغيره، فالأول ترد به على من زعم أن الذي فعل الفعل رجل لا امرأة، فتقول: ما رجل فعل هذا، فيفهم أن الذي فعل امرأة، وهذا تخصيص للجنس، وفي الثاني ترد به على مَن زعم أن الذي فعل الفعل رجل واحد لا

стр. 223

رجلان ولا أكثر، فتقول له: ما رجل فعل هذا، فيفهم أن الذي فعل رجلان أو أكثر، وهذا تخصيص للوحدة. ولعلك تلحظ في الأمثلة السابقة أن المسند إليه وقع بعد النفي مباشرة دون فصل، وهذا ليس بشرط؛ فيجوز أن يفصل المسند إليه عن النفي السابق عليه ببعض المعمولات مثل: ما زيد أنا ضربته، وما في المنزل أنا صليت، وما يوم الجمعة أنا سافرت؛ فهذا كله مما يفيد التخصيص قطعًا عند الإمام عبد القاهر الجرجاني، والتقديم في مثل هذه التراكيب التي ذكرتها لك لا تقال إلا في مقام تحقق فيه الفعل وتريد أنت نفيه عن الاسم المتقدم، فيلزم ثبوته لغير هذا المتقدم؛ لأن الفعل واقع، وكل فعل لا بد له من فاعل، ومن هنا قالوا عن مثل: ما أنا فعلت هذا، أنها تفيد ثلاثة أشياء؛ أن الفعل مثبوت وموجود لا شك فيه، وأنه منفي عن الاسم المتقدم، وأنه ثابت لغير المتقدم على حسب النفي عمومًا وخصوصًا، فلا تقول: ما أنا سعيت في حاجتك، بتقديم الاسم إلا إذا كان السعي في الحاجة واقعًا ولا جدالَ فيه، وأنك تنفيه عن نفسك وتثبته لغيرك، وكذلك إذا قلت: ما أنا ضربت زيدًا، لم تقله إلا وزيد مضروب والمخاطب يدعي أنك الضارب له، فتنفي ذلك عن نفسك وتثبته لغيرك. ومن أبين الأساليب على أن هذا التقديم يقتضي وجود الفعل ونفيه عن المسند إليه المقدم وإثباته لغيره قول المتنبي: وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارًا فالسقم ثابت موجود، ولكن الشاعر يريد أن ينفي عن نفسه أنه الجالب له، ويثبت ذلك للهم الذي اعتراه وحَل به، ومثله في الوضوح قوله أيضًا: وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه شعر

стр. 224

فتقديم المسند إليه يدل على أن الشعر ثابت، ولكن الشاعر يريد أن ينفي عن نفسه أن يكون القائل له وحده، ويثبت أن فضائل الممدوح ومحاسنه كان لها الفضل في كثير منه؛ لأنها الملهمة فكأنها القائلة. هذا؛ وإذا كانت التراكيب المذكورة التي تقدم فيها المسند إليه على خبره الفعلي مسبوقًا بنفي مقيدة لنفي الحكم عن المسند إليه وإثباته في الوقت نفسه لغيره إذا كان ذلك كذلك، فينبغي أن تعلم أن نفي الحكم عن المسند إليه إنما يدل عليه منطوق العبارة -ي عني: ألفاظها - أما ثبوته لغيره فهو المعنى المفهوم منها والمفاد من معناها وفحواها، ولهذا لا يصح أن يقال مثلًا: ما أنا قلت هذا الشعر وحدي ولا غيره؛ لأن منطوق "لا غيري" يتناقض معناه مع مفهوم العبارة المذكورة؛ إذ إ ن المفهوم ما أنا قلت هذا الشعر ثبوته للغير، ومعنى "لا غيري" نفيه عني وهما بذلك متنافيان. كما ينبغي أن تعلم أن ثبوت الحكم يجب أن يكون على الوجه الذي انتفى به عن المسند إليه من العموم والخصوص، كما يقتضي التخصيص، فإذا كان المنفي عن المسند إليه خاصًّا كان الثابت لغيره كذلك كما في قولك مثلًا: ما أنا قلت هذا الشعر، انتفى فيه عن المسند إليه شيء خاص هو قول شعر معين، فيجب أن يثبت لغيره قول هذا الشعر بعينه؛ تحقيقًا لمعنى الاختصاص، وإن كان المنفي عن المنسد إليه عامًّا كان الثابت لغيره كذلك، ولهذا لا يصح أن يقال: ما أنا رأيت كل رجل، ولا: ما أنا ضربت كل رجل إلا زيدًا، وثبوت الرؤية أو الضرب على هذا الوجه محالٌ؛ إذ ليس في طوق إنسان أن يرى جميع الرجال أو أن يضرب كل الرجال.

стр. 225

ومثَّل الخطيب القزويني لِمَا لا يصح بقوله: ما أنا رأيت أحدًا من الناس، وما أنا ضربت إلا زيدًا، بحمل النكرة الواقعة في سياق النفي على الاستغراق الحقيقي، أما إذا حُملت على الاستغراق العرفي بأن يقصد بلفظ "أحد" ما يمكنه رؤيته أو ضربه فلا يكون المثال فاسدًا بل يكون صحيحًا. هذا كله إذا وقع المسند إليه بعد النفي كما اشترط الإمام عبد القاهر. فإذا لم يقع المسند إليه بعد النفي بأن كان مثبتًا لا يوجد فيه نفي أصلًا، مثل: محمد سعى في حاجتك، وأنا كتبت في شأنك، ورجل اهتم بأمرك، أو وجد في الكلام نفي، لكنه تأخر عن المسند إليه ولم يتقدم على نحو ما ذكرنا، ففي هاتين الصورتين يفيد تقدم المسند إليه التخصيص احتمالًا لا حتمًا إذا كان معرفة ضميرًا أو اسمًا ظاهرًا كما في الأمثلة السابقة، حيث يجوز أن يراد من التركيب التخصيص، وأن يراد منه تقوي الحكم حسبما يتطلبه المقام، فإن كان المتكلم في مقام الرد على منازع في الحكم كان الكلام مفيدًا للتخصيص، وإن كان القصد إلى مجرد الحكم على المسند إليه من غير نظر إلى التعرض للرد على معارض، كان الكلام مفيدًا لتقوي الحكم وتقريره في ذهن السامع. ولتوضيح ذلك أقول: إذا قلت في حالة الإثبات -أي: انعدام النفي من الكلام- محمد سعى في حاجتي، فإن كنت قد أردت بهذا القول الرد على مَن زعم انفراد الغير بالسعي دون محمد، أو على من زعم اشتراك الغير معه في السعي، فالتركيب حينئذٍ مفيد للتخصيص؛ أي: قصر السعي على محمد دون هذا الغير، ويسمى القصر في الزعم الأول قصر قلب وفي الثاني قصر إفراد.

стр. 226

ومن الواضح الجلي في إفادة تقديم المسند إليه التخصيص في حالة الإثبات هذه قولهم في المثل المشهور: أتعلمني بضب أنا حرشته، حرش الضب واحترشه؛ أي: صاده بالحيلة المعروفة، وهو أن يحرك الصائد يده على باب جحره؛ ليظنه حي ًّا فيخرج ذنبه ليضربها فيأخذه، وهذا المثل يضربه العالم بالشيء لمن يريد تعليمه إياه، فتقديم المسند إليه هنا يفيد التخصيص؛ أي: أن حرش الضب مقصور على المتكلم ومنفي عن غيره بمعنى: ما حرشه إلا أنا، وعليه قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (التوبة: ١٠١) أي: لا يعلمهم إلا نحن ولا يطلع على أسرارهم غيرنا؛ لإبطانهم الكفر في سويدوات قلوبهم، أما إن أردت بقولك: محمد سعى في حاجتي، مجرد إثبات الحكم للمسند إليه ولم تقصد الرد على معارض، كان الكلام مفيدًا لتقوي الحكم وتقريره في ذهن السامع لا غير. ونظير ما سبق قولك: محمد يعطي الجزيل، فأنت لا تريد بهذا القول أن غيره لا يعطي الجزيل حتى يكون مفيدًا للتخصيص، بل تريد أن تحقق للسامع، وتؤكد له أن إعطاء الجزيل دأبه وعادته، وأن هذا الوصف قد تمكن من نفسه فضل تمكن. ومن الأساليب التي دل المقام والسياق على أن التقديم فيها مفيد للتقوي فقط بمعونة السياق قول الشاعر: هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغاليا اللبد الشعر المتبلل الذي يوضع على ظهر فرس تحت السرج، والطمرة: هي الفرس الكريمة، والأجرد: القصير الشعر، والسباح الذي يشبه جريه السباحة في اللين، يبذ يعني: يغلب، المغاليا يعني المبالغ في العدو والسير، لا يريد الشاعر أن

стр. 227

يخصهم بهذه الصفة ويدعي أنها لا تكون لغيرهم، وإنما أراد بيان أنهم فُرسان يمتطون صهوات الخيل ويقتنون الجياد منها. ومثل ذلك قول الآخر: وهم يضربون الكبش يبرق ... بيضه على وجهه من الدمائل سبائب ف الكبش هو رئيس الجيش، والبيض واحده بيضة، وهي الخوذة التي توضَع على الرأس، والسبائب طرائق الدم، فالشاعر يريد أن ينبه السامع إلى شجاعته ليحقق الأمر ويؤكده، ولا يدع مجالًا للشك فيه، ولا يريد أن يدعي له الانفراد بهذه الصفة، وأن هذا الضرب لا يكون إلا منهم، فالقصد إلى تقوية الحكم إذن لا إلى التخصيص، ومن البين في ذلك قول عروة بن أبي أذنية: سليمى أزمعت بينا ... فأين تقولها أين فالقول هنا بمعنى الظن، أم يريد الشاعر أن يجعل إزماع الفراق خاصًّا بسليمى وأنه مقصور عليها دون سواها، ولا أن يرتب على ذلك أنه لم يزمع الفراق أحد من جماعتها سواه؛ إذ ذلك محال، ولكنه أراد بتقديم ذكرها أن يؤكد ويقوي الحكم، وأبين من هذا كله في إفادة تقوية الحكم دون التخصيص قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (الفرقان: ٣) فالمراد تأكيد أنهم خلق الله فليسو أهلًا للعبادة، ومحال أن يراد هنا التخصيص؛ لأن خلق الله ليس مقصورًا عليهم، فهو سبحانه يخلقهم ويخلق غيرهم، وهو خالق كل شيء. ومثل حالة الإثبات حالة النفي المتأخر -كما قلنا عن المسند إليه- كما تقول: علي ما سعى في حاجتي، فإن كان القصد الرد على مَن زعم انفراد الضمير بعدم السعي دون علي أو على من زعم اشتراك الغير معه في عدم السعي، فالترتيب للتخصيص؛ أي: قصر عدم السعي على علي، والأول قصر

стр. 228

قلب، والثاني قصر إفراد، وإن كان القصد إلى مجرد الإخبار لعدم السعي من غير قصد إلى الرد على منازع فالترتيب للتقوي؛ وهكذا تنحو هذا النحو من الترديد بين التخصيص والتقوي في كل تركيب لم يقع فيه المسند إليه معرف بعد النفي مثبتًا كان الكلام أو منفيًا، والحَكم في ذلك هو المقام والسياق. فإن كان المسند إليه نكرة كما في الصورتين السابقتين وهما الإثبات أو تأخر النفي أفاد التقديم التخصيص قطعًا؛ ليكون مسوغًا للابتداء بالنكرة، ويكون التخصيص على نوعين؛ تخصيص الجنس أو الواحد كقولك: رجل جاءني؛ أي: لا امرأة أو رجلان؛ لأن الأصل في النكرة أن تكون لواحد من الجنس، ويقع القصد بها تارةً إلى الجنس فقط وذلك حين يكون المخاطب بالمثال السابق قد عرف أن قد أتاك آت ولم يدرِ جنسه أرجل هو أم امرأة، أو اعتقد أنه امرأة، وتارةً إلى الوحدة فقط، كما إذا عرف المخاطب أن قد أتاك من هو من جنس الرجال ولم يدرِ أرجل هو أم رجلان أم أكثر؟ فتقديم النكرة على الفعل يفيد قصره عليها بأحد الاعتبارين اللذين سبق ذكرهما الجنس أو الوحدة، ومرد الفصل بين المقامين يرجع لحال المخاطَب؛ فإن كان النزاع في الجنس فالقصر عليه والتخصيص له، وإن كان النزاع في العدد فالتخصيص للعدد واحدًا أو مثنى أو جمعًا. ويلحق بالجنس النوع بحسب الوصف كقولك: رجل طويل جاءني ردًّا على مَن ظن أنه قد أتاك قصير، وهذا كله هو المفهوم من كلام الإمام عبد القاهر في (دلائل الإعجاز) حيث يقول في وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام فابن الخبر عليه، فإذا قلت: رجل جاءني لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة،

стр. 229

ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت، فإن لم ترد ذلك كان الواجب أن تقول: جاءني رجل، فتقدم الفعل، وكذلك إن قلت: رجل طويل جاءني، لم يستقم حتى يكون السامع قد ظن أنه قد أتاك قصير، ونزلته منزلةَ مَن ظن ذلك. وخلاصة مذهب عبد القاهر يدور -كما ترى- في الغالب حول أداة النفي؛ ف إن كانت سابقة على المسند إليه أيًّا كان نوعه أفاد الكلام التخصيص قطعًا، وإن لم تسبقه أداة نفي بأن تأخرت عنه أو لم توجد في الكلام أصلًا فننظر إلى المسند إليه؛ إن كان معرفة ظاهرًا أو ضميرًا احتمل الكلام التخصيص والتقوي، فتارةً يفيد التخصيص، وتارةً يفيد التقوي، وتارةً يفيد التقوية فقط، حسبما يقتضي المقام، وإن كان المسند إليه نكرة أفاد تقديمها التخصيص قطعًا، وبهذا تدرك أن تقديم المسند إليه النكرة على الفعل مفيد للتخصيص دائمًا بغض النظر عن النفي تقدم أو تأخر، أو لم توجد بأن كان الكلام على الإثبات، وفي هذا الحكم للنكرة يتفق السكاكي مع عبد القاهر -كما سنعلم ذلك إن شاء الله من مذهبه-. هذا هو مذهب عبد القاهر الجرجاني. غير أن هناك أساليبَ قد وردت متحققًا فيها شرطه لإفادة التخصيص ومع ذلك لم تفد مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٩، ٤٠) فقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ قدم فيه المسند إليه على الخبر الفعلي، وهو مسبوق بحرف النفي، ومع هذا أفاد التقوية فقط؛ لأن التخصيص يقتضي أن غيرهم يُنصر من عذاب الله وينظر حتى تأتيه الساعة وذلك لا يكون. انتهى من كلام الشيخ أبو موسى في كتابه (خصائص التراكيب).

стр. 230

ويمكن أن يجاب عن مثل هذا بحمل ما قرره عبد القاهر على الكثير الغالب وإن لم يقصده هو؛ لأن القواعد في جلها أو كلها أغلبية حتى لا نكاد نجد قاعدةً عامةً لم تنخرم، ومن هنا قال علماء الأصول: ما من عام إلا وخُصِّص حتى هذه القاعدة قد خصصت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (العنكبوت: ٦٢). هذا؛ وإن أدركتَ معنى التخصيص فيما سبق بأنه قصر نفي الفعل على المسند إليه المتقدم وإثباته لغيره في حالة النفي، أو قصر الفعل على المسند إليه ونفيه عن غيره في حالة الإثبات؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه: ما معنى التقوية؟ وما هو سببها؟ نقول: إن التقوية تأكيد الحكم الإسنادي وتقريره في ذهن السامع، والسر في إفادة تقديم المسند إليه على خبره الفعلي توكيد الحكم وتقويته، أن الاسم لا يؤتى به معرًّى عن العوامل إلا لحديث قد نوي إسناده إليه فإذا قلت: عبد الله مثلًا، فقد أشعرت قلبَ السامع أنك أردت الحديثَ عنه، فإذا جئت بالحديث -وهو الفعل- فقلت: قام أو فعل كذا دخل على القلب دخول المأنوس وقبله قبول المطمئن؛ لأنك قد وطَّأت له وقدمت الإعلان فيه، وذلك لا محالةَ أشد لثبوته وأمنع للشك فيه، هذا ما يراه الإمام عبد القاهر. والأوضح في بيان سبب التقوية أن يقال برأي السكاكي من أن السبب يتمثل في تكرر الإسناد، حيث نجد الفعل قد أسند إلى الاسم المتقدم مرتين؛ مرةً بطريق غير مباشر؛ لأن فاعله ضمير يعود على الاسم المتقدم، ومرةً بطريق مباشر؛ لأن الجملة من الفعل والفاعل خبر عن هذا الاسم المتقدم؛ ففي قولك مثلًا: زيد قام تَسند القيام إلى زيد مرتين، مرةً باعتبار أنه مرجع الضمير المستتر الذي أعربته فاعلًا لقام، ومرةً باعتبار أن الجملة كلها من الفعل والفاعل خبر عن المبتدأ زيد،

стр. 231

وهذا التكرار للإسناد هو سبب وسر التقوية والتأكيد؛ ولذلك قالوا: إن قولهم: أنت لا تكذب، أقوى في نفي الكذب من قولهم: لا تكذب أنت؛ لتكرر الإسناد في الأول دون الثاني. ومن هنا يعلم أن كل تركيب مفيد للتخصيص قطعًا أو احتمالًا هو بعينه مفيد للتقوي، وإن كان غير مقصود لوجود مقتضى التقوي وهو تكرر إسناد الناشئ من تقديم المسند إليه على الخبر فعلًا، أما التقوي فلا يلزمه التخصيص لتوقف التخصيص على شروط معينة لا يلزم تحققها من وجود تكرر الإسناد. وقد استشهد الإمام عبد القاهر على أن تقديم المسند إليه على خبر الفعل يقتضي التأكيد والتقوية للحكم بأقوال البلغاء واستعمالاتها؛ حيث نجدهم يستعملون هذا الأسلوب في المقامات التي تحتاج إلى تأكيد، فدل ذلك على أن هذا الأسلوب -تقديم المسند إليه على خبره الفعلي- يفيد التأكيد ويحقق التقوية، وهذه المقامات والمواطن تتمثل في الآتي: ١ - إذا سبق إنكار للمنكر كأن يقول قائل: لا أعلم ما تقول، فتقول له: أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، فتقدم المسندَ إليه أنت، وعليه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧٥) لأن الكاذب لا سيما في الدين لا يعترف بأنه كاذب وينكر كذلك علمُه بأنه كاذب، ومعلوم أن الإنكار يقتضي توكيد الحكم فقُدِّم المسند إليه لرد هذا الإنكار. ٢ - أنه يجيء فيما اعترضه شك نحو أن يقول لك قائل: كأنك لا تعلم ما قاله فلان، ويظهر شكه في علمك، فتقول: أنا أعلم ما قال ولكني أداريه. ٣ - أنه يأتي في تكذيب مدع ي ك قوله : ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ (المائدة: ٦١) فإن قولهم: ﴿آمَنَّا﴾ دعوى منهم أنهم

стр. 232

لم يخرجوا بالكفر فالموضع موضع تكذيب، وهو من قبيل رد الإنكار أيضًا؛ لأنهم ينكرون الكفر. ٤ - أنه يأتي فيما القياس في مثله ألا يكون؛ أي: فيما يقتضي العقل والمنطق ألا يكون نحو قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (الفرقان: ٣) فإنهم وإن كانوا لا ينكرون أنها مخلوقة؛ فإن عبادتها تقتضي أنها غير مخلوقة؛ لأ ن العقل يقتضي أن يكون المعبود خالقًا لا مخلوقًا. ٥ - كما يجيء هذا الأسلوب في كل خبر كان على خلاف على العادة وفيما يستغرب كما تقول: فلان يدعي العظيم وهو يعي ي باليسير، ويزعم أنه شجاع وهو يفزع من أدنى شيء؛ فكل ذلك أمر مستغرب جاء على خلاف العادة، فهو يحتاج إلى التأكيد وإبعاد الشك عن السامع. ٦ - يجيء هذا الأسلوب كذلك في المدح والفخر نحو: هو يقري الضيف، وكقول طرفة: نحو في المشتات ندعو الجفَلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر ٧ - ويأتي هذا الأسلوب كثيرًا في الوعد والضمان كقولك: أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر؛ وذلك لأن مِن شأن مَن تعده أن يعترضه الشك في تمام الوعد وفي الوفاء به، فهو أحوج إلى التأكيد. ننتقل بعد هذا إلى مذهب الإمام السكاكي في تعريفه تقديم المسند إليه وإفادته ل لتخصيص: وإن كان السكاكي يتفق مع عبد القاهر في أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد التخصيص، فله مذهب يخالف مذهب الإمام، لا يعول فيه على نفي تقدم أو تأخر، وجد أو لم يوجد، وإنما المدار في إفادة التخصيص مشروطة عنده بشرطين:

стр. 233

الأول: أنه يجوز تقدير كون المسند إليه في الأصل مؤخرًا على أنه فاعل معنى فقط لا لفظًا ومعنًى؛ ذلك أنه عند التأخير يعرب توكيدًا للفاعل الاصطلاحي؛ أو بدلًا منه، نحو: أنا قمت، فإنه يجوز أن يكون أصله: قمت أنا، فيكون أنا توكيدًا أو بدلًا من الضمير في قمت الذي هو الفاعل، والتوكيد والبدل كلاهما فاعل في المعنى إذا كان المبدل فاعلًا اصطلاحيًّا كما هنا. الشرط الثاني: أن يقدر كونه كذلك؛ أي: أن يعتبر المتكلم المسند إليه مؤخرًا على أنه فاعل في المعنى قبل النطق به، ثم يقدمه عند التلفظ قاصدًا التخصيص، وعند انتفاء الشرط الأول بأن كان المسند إليه اسمًا ظاهرًا كقولنا: محمد قام لا يفيد التقديم إلا تقوية الحكم؛ لأننا لو قدرنا أن لفظ محمد مؤخر في الأصل، وأن الكلام قام محمد لكان فاعلًا في اللفظ والمعنى لا في المعنى فقط كما يريد السكاكي، والأمر كذلك حين ينتفي الشرط الثاني بأن قدر الكلام في مثل: أنا قمت، على الابتداء من أول الأمر بدون تقدير تقديم أو تأخير؛ فإن التقديم حينئذٍ لا يفيد إلا التقوي، ومثل ذلك: ما أنا قمت وما زيد قام، وقياسًا على الاسم المعرفة المظهر بحيث انتفاء الشرط الأول فيه يكون حال المسند إليه النكرة في نحو: رجل جاءني، أنه لا يفيد التخصيص؛ إذ لا يجوز تقدير كونه في الأصل مؤخرًا على أنه فاعل في المعنى؛ لأنك إذا قلت: جاءني رجل، فهو فاعل لفظًا ومعنًى مثل: قام محمد، فيجب ألا يفيد إلا التقوي. لكن السكاكي استثنى مثل هذا التركيب فجعله مفيدًا للتخصيص قطعًا، واعتبر وجود شرطي التخصيص فيه وقدر جوازًا أن أصل: رجل جاءني، جاءني رجل، على أن يكون رجل بدلًا من الضمير المستتر في الفعل؛ ليكون فاعلًا في

стр. 234

المعنى على هذا التقدير، ثم قدر تقديمه لإفادة التخصيص، أو يلزم على هذا الغرض عَوْد الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً؛ لأن هذا مغتفر في البدل كقولهم: ظرف خالدًا، ولا غرابةَ فيما ذهب إليه السكاكي من هذا الإعراب؛ فقد نَحَا بعض العلماء هذا النحو في قول الله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُو﴾ (االأنبياء: ٣) وأعربوا: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُو﴾ بدلًا من واو الجماعة، وقد ارتكب السكاكي هذا الوجه البعيد من الإعراب فيما يكون فيه المسند إليه نكرة لا مسوغ لها؛ ليتوسل به إلى ذلك المسوغ، وهو التخصيص، ولولا ارتكابه لهذا الوجه؛ ل انتفى التخصيص وبقيت الكرة بلا مسوغ، وهو مضطر إلى اعتبار التخصيص في النكرة لأجل صحة الابتداء به، ولا يتأتى ذلك إلا من هذا الطريق، وهو تقدير كون المسند إليه مؤخرًا في الأصل على أنه فاعل معنًى فقط؛ ولذلك لم يلجأ إلى هذا التخريج البعيد في المعرف؛ ل صحة وقوعه مبتدأً بلا حاجة إلى مسوغ، فلا شيوع فيه حتى يحتاج إلى تخصيص. خلاصة مذهب السكاكي: بتطبيق ما اشترطه لإفادة تقديم المسند إليه على خبر الفعل ل لتخصيص، وما استثناه من هذا الشرط يتبين لنا أن المسند إليه إذا كان نكرة لا مسوغَ للابتداء بها تعين الكلام للتخصيص، وإذا كان معرفةً اسمًا ظاهرًا تعين الكلام للتقوي، وإن كان المسند إليه ضميرًا كان الكلام محتملًا للتخصيص والتقوي، ولا فرقَ في ذلك كله بين أن يكون الكلام مثبتًا أو منفيًا تقدم النفي على المسند إليه أو تأخر. هذا ملخص مذهب السكاكي الذي يفترض فيمن يريد الكلام بنحو هذا الأسلوب أن يقف قبل النطق مستحضِرًا ما يريد صياغته مقدرًا ما يريد أن ينطق

стр. 235

به مقدمًا، وهذه افتراضات مستبعدة؛ لأن أحوال الصياغة وما فيها من دقائق عجيبة وخفية ما هي إلا استجابات تلقائية لخواطر المتكلم ومقاصده، فصنيع السكاكي بما اشترطه يتنافَى مع فكرة اللغة العربية ويثري أدائها لمعانيها. كذا ذكره الشيخ أبو موسى في (خصائص التراكيب). ويبقى بعد ذلك القول: بأن أصل المسألة التي دار حولها كلام عبد القاهر والسكاكي - رحمهما الله - تتمثل في تقديم المسند إليه على خبره الفعلي، ولك أن تسأ ل قائلًا: ألا يأخذ الاسم المشتق حكم الفعل باعتباره متحملًا للضمير مثله؟ الجواب: أنه إذا كان الخبر عن المسند إليه اسمًا مشتقًّا مثل: محمد كاتب، فهناك من البلاغيين من أعطاه حكم الفعل فيما سبق من أحكام، وهناك من قصر الأحكام السابقة على الفعل دون الاسم المشتق، والحق أن الفيصل هو السياق، فتارةً يقتضي هذا السياق معاملة الاسم المشتق معاملة الفعل فيفيد الإخبار به عن المسند إليه التخصيص أو التقوي، وتارةً لا يفيد، ومن البين في إفادة الخبر المشتق للاختصاص قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَا قَوْم أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ (هود: ٩١، ٩٢) وقوله سبحانه حكايةً عن قوم شعيب: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ مفيد التخصيص، وهو قصر نفي العزة عن شعيب وإثباتها لرهطه، كأنهم قالوا: العزيز علينا يا شعيب رهطك لا أنت؛ لكونهم من أهل ديننا؛ ولذلك قال ﵇ في جوابهم: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من نبي الله.

стр. 236

تقديم المسند إليه لإفادة العموم: إذا كان المسند إليه من ألفاظ العموم كلفظي كل وجميع، فتقديمه على النفي لدى البلاغيين يفيد عموم السلب، ويريدون بعموم السلب شمول النفي لكل فرد من أفراد المسند إليه، ويتحقق ذلك بأن يتقدم لفظ العموم على أداة النفي لفظًا ورتبةً مثل قولك: كل طالب لم يرسب، فأداة العموم في المثال المذكور تقدمت على النفي لفظًا وهو ظاهر، ورتبةً لأنها وقعت مبتدأ والجملة المنفية بعدها خبر عنه ومرتبة المبتدأ التقدم على الخبر، فالتركيب حينئذٍ مفيد للعموم. إن الرسوب في المثال المذكور منفي عن جميع الطلاب بغير استثناء، يؤيد ذلك قوله ﷺ : ((كل ذلك لم يكن)) جوابًا عن سؤال ذي اليدين وهو صحابي لُقب بذلك لطولٍ كان في يديه: "أقصرت الصلاة أم نسيتَ يا رسول الله؟ ". ومعنى القول الكريم لم يقع واحد من القصر والنسيان، فالنفي شمل الأمرين جميعًا. ومما يدل على أن المعنى هكذا ما روي أن ذا اليدين لما سمع إجابة الرسول ﷺ قال: "بل بعض ذلك قد كان "، ومعلوم أن الثبوت للبعض ينافي النفي عن كل فرض فإذا قال ذو اليدين للنبي ﷺ : "بل بعض ذلك قد كان" يكون قوله هذا لعلمه أن مراد النبي الكريم نفي كل واحد من الأمرين، ولو لم يكن مراده ذلك ما صح قول ذي اليدين ردًّا عليه. ومما يدل على أن النفي للأمرين جميعًا ما روي عنه ﷺ من طريق آخر أنه قال مجيبًا ذا اليدين: ((لم أنسَ ولم تَقْصُر)) فهذا الخبر إن صح نص صريح في نفي الأمرين جميعًا.

стр. 237

ومن شواهد عموم النفي أو عموم السلب قول أبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... عليَّ ذنبًا كله لم أصنع برفع كله على أنه مبتدأ خبرُه الجملة لم أصنع، وتقدم المسند إليه وهو من ألفاظ العموم على النفي؛ ليكون المعنى أنه لم يأتِ بشيء مما ادَّعت عليه هذه المرأة فهي من ثم متجنية، وهذا ما يقتضيه عموم السلب، وعلة إفادة عموم السلب أو شمول النفي عند تقدم أداة العموم لفظًا ورتبةً على النفي أنك إذا بدأتَ بأداة العموم كنت قد بنيت النفي عليها، وسلطت الكلية عليه وأعملتها فيه؛ وذلك يقتضي ألا يشذ عن النفي شيء؛ وهكذا يقدَّم المسند إليه لقصد إفادة النفي الشامل لجميع أفراده إذا كان من ألفاظ العموم مثل كل وجميع، وكان مصحوبًا بأداة نفي. أما إذا تأخر المسند إليه على أداة النفي بأن وقعت أداة العموم في حيز النفي؛ أي: وقعت بعد النفي لفظًا ورتبةً أو رتبةً فقط لم يكن النفي عامًّا شاملًا، بل يفيد الكلام حينئذ ثبوت الحكم لبعض الأفراد دون بعض، كما يجوز أن يفيد النفي عن جميع الأفراد كالحالة الأولى، والمقام يضيء لنا في ذلك الكلام. هذا ما يراه بدر الدين بن مالك. أما الشيخ عبد القاهر فيرى أن النفي في هذه الحالة لا يكون إلا لبعض الأفراد دون بعض، وليس شاملًا لجميع الأفراد كالحالة الأولى؛ فلا فرقَ في ذلك بين أن تكون أداة العموم معمولة لأداء النفي أولًا، ولا بين أن تكون معمولة للفعل المنفي أولًا، ولا بين أن يكون الخبر فعلا أولًا؛ فالمدار في إفادة عموم شمول النفي على أن تقع أداة العموم بعد النفي لفظًا ورتبةً، مثل قول أبي الطيب المتنبي: ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن

стр. 238

وقول أبي العتاهية: ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد ... إذا بدا لك رأي مشكل فقف يريد الشاعر أن يقول: ليس كل ذي رأي على حق فقد يصيب وقد يخطئ، فإذا ما أشكل عليك رأي فتريثْ في الأمر حتى تستشيرَ فيه، فرأيان خير من رأي، ونحو قولك: ما نجح الطلاب كلهم، وما نجح كل الطلاب، ومثل قولك: لم أطالع الصفحات كلها، ولم أطالع كل الصفحات؛ ففي كل هذه الأمثلة وقعت أداة العموم بعد أداة النفي لفظًا ورتبة ً، غير أنها في المثال الأول والثاني -يعني: بيتي المتنبي وأبي العتاهية- معمولة للنفي إذا جعلنا "ما" حجازية وللابتداء إن جعلت تميمية، وهي في المثال الثالث والرابع والخامس والسادس معمولة للفعل المنفي كما تراه واضحًا. وإذا وقعت أداة العموم بعد النفي رتبةً فقط مثل قولهم: كل الصفحات لم أطالع، والصفحات كلها لم أطالع؛ بنصب كل فيهما باعتبارها معمولًا للفعل المعمول متأخرًا في الرتبة عن عامله؛ فإن النفي هنا يتوجه إلى الشمول خاصة ً، وهو ما يسمى بسلب العموم. كما يفيد الكلام ثبوت الحكم لبعض ما أضيف إليه كل إن كانت كل فاعلًا لفظًا ومعنًى، مثل: ما نجح كل الطلاب، أو فاعلًا معنى فقط بأن كان التوكيد للفاعل مثل: ما نجح كلهم، أو أفاد تعلقه بهذا البعض إن كانت كل معمولًا في المعنى واللفظ مثل: لم أطالع كل الصفحات، أو معمولًا في المعنى فقط مثل: لم أطالع الصفحات كلها، وعلة إفادة سلب العموم؛ أي: عدم الشمول عند تقدم النفي على أداة العموم أنك إذا بدأتَ بالنفي كنت قد بنيت الكلية عليه، وسلطت النفي عليها وأعملته فيها؛ وذلك يقتضي أن يخرج البعض عن الحكم.

стр. 239

وهكذا نجد عموم النفي عند تقدم أداة العموم متفق عليه، أما نفي العموم -أي: توجه النفي للشمول وثبوت الحكم للبعض عند وقوع أداة العموم في حيز النفي- فمختلف فيه بين بدر الدين بن مالك الذي يرى أن الحكم ليس على إطلاقه، فهذه الإفادة ليست قطعية بل احتمالية، وبين عبد القاهر الذي يرى أن نفي العموم أمر قطعي كعموم النفي. والحق أن الصواب فيما عليه ابن مالك؛ لوجود أساليب كثيرة وقعت فيها أداة العموم بعد النفي لفظًا ورتبةً، ومع ذلك أفادت عموم السلب لا سلب العموم كما قرر عبد القاهر. ومن هذه الأساليب التي اعترض بها البلاغيون على عبد القاهر قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد: ٢٣) وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة: ٢٧٦) وقوله : ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (القلم: ١٠) إذ ليس معقولًا أن يحظى بهذا الحب أو بهذه الإطاعة بعض هؤلاء، وإنما الكل في غضب الله عليهم سواء، وقد أجيب عن هذا: بأن عبد القاهر كلامه مبني على أصل الوضع، وإفادة هذه الأبيات لعموم السلب، ونفي الحكم عن كل فرد ليس من أصل الوضع، بل من قرائن خارجية هي تحريم الاختيال والكفر وإطاعة الحلَّاف المهين؛ وإذن فالآيات المذكورة مصروفةٌ عن ظاهرها بهذه القرائن الخارجية، وإلا فإن التركيب في ذاته بغض النظر عن القرائن لا يفيد العمومَ اطرادًا للقاعدة. والأفضل من ذلك أن نقول: إ ن القاعدة البلاغية ينبغي أن تبنى على الأغلب والأكثر، وألا تبنى على التعميم والإطلاق، وعبد القاهر عندما تحدث عن ألفاظ العموم وتقديمها على النفي، إنما

стр. 240

بنَى أحكامه المذكورة التي تحدثنا عنها على القطع والإطلاق مما جعل البلاغيين يستدركون عليه ذلك، وينبهون إلى أن تلك الأحكام ينبغي أن تكون أكثريةً لا قطعية ً، انظر إلى قول عبد القاهر: إنا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في كل والفعل منفي لا يصلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضًا كان وبعضًا لم يكن. هذا في (الدلائل). تجده قد وضع القاعدة وضعًا قاطعًا دون أن يحتاط؛ ولذا استدرك عليه العلامة سعد الدين في (المطول) قائلًا: وفيه نظر؛ لأنا نجده حيث لا يصلح أن يتعلق الفعل ببعض كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ فالحق أن هذا الحكم أكثري لا كلي. فسعد الدين قد جعل القاعدة غالبةً لا لازمةً؛ لأن الآيات الكريمة التي ذكرها ومِثلها كثير في النظم الكريم تقدم فيها النفي على كل؛ وهذا يعني لو سلمت القاعدة أن الله -جل وعلا- لا يكره كل مختال وكل كفار، وإنما يكره البعض دون البعض، والنبي ﵇ ليس منهيًّا عن طاعة كل حلاف، بل منهي عن طاعة البعض دون البعض الآخر، وهو ما لا يكون. انتهى من (خصائص التراكيب). أريد أن أقول: إن القاعدة البلاغية ينبغي أن تكون أغلبيةً أكثريةً ولا تبنَى على القطع والإطلاق؛ إذ ربما يأتي في الكلام البليغ والتعبيرات الجيدة ما يخالفها مما يكون قد خفي على واضع القاعدة، وإنما أطلنا الكلام عن تقديم المسند إليه؛ لأن الكلام فيه يغني عن الكلام عن تأخير المسند؛ ذلك أن أغراض تأخير المسند هي عينُها أغراض تقديم المسند إليه. والله تعالى أعلى وأعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 241

الدرس: ١٢ أحوال المسند .

стр. 242

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (أحوال المسند) أغراض حذف المسند وذكره الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه؛ وبعد: فعلى إثر فراغنا من الحديث عن أحوال المسند إليه، أستعرض في عجالة أهم ما يعتري أحوال المسند الذي يعني الخبر في الجملة الاسمية والفعل في الجملة الفعلية. ونبدأ بالحديث عن أغراض حذفه وذكره. على ما هو المتعارف، فإن المسند يحذف عند وجود القرينة الدالة على حذفه؛ ليفيد أغراضًا بلاغية متعددة. هذه الأغراض لا يمكن الإحاطة بها؛ لأنها دقائق ولطائف تكمن وراء العبارات والصيغ، ولا يدركها إلا المتأمل الواعي، والذوَّاقة الخبير بالنظم وأحواله. ونحن عندما نتحدث عن أغراض الحذف، إنما نذكر بعضًا من تلك الدقائق، وأنت عندما تتأمل النظم الجيد، والأساليب الرفيعة، لا تقف عند ذاك البعض الذي نذكره، بل عليك أن تطيل النظر والبحث والتنقيب؛ حتى تصل إلى دقائق أخرى كثيرة قد لا تحيط بها في تلك الدراسة العاجلة. ومما سبق، في باب حذف المسند إليه، فإن وراء كل حذف سواء كان المحذوف مسندًا إليه أو مسندًا أو أحد متعلقات الفعل، ثلاث مزايا بلاغية، هي: الإيجاز، والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر، وإثارة حس مخاطب، وإيقاظ مشاعره؛ كي يقف على المطوي من العبارة، ويحيط به. وبالإضافة إلى تلك المزايا التي تكمن وراء كل حذف، نجد لحذف المسند أغراضًا بلاغيةً أخرى، أهمها: ضيق المقام، كما في قول ضابئ بن الحارث البرجمي،

стр. 243

وكان الخليفة عثمان ﵁ قد حبَسَه في المدينة؛ لهجائه بني نهشل، ورميه أمهم. فضاق ضابئ بسجنه، وقال معبرًا عن آلامه وواصفًا ومصورًا أحزانه: ومن يك أمسى بالمدينة رحلُه ... فإني وقيار بها لغريب رحله: يعني: منزله ومأواه، وقيار: اسم فرسه، وقوله: فإني وقيار بها لغريب، محل الشاهد هو: من عطف الجمل. كذا ذكره في (الإيضاح). فقد أراد الشاعر هنا أن يبين عما في نفسه من أن من أمسى بالمدينة مستقرًا له منزله الذي يأوي إليه، وأهله وأصحابه الذين يأنس بهم، ويسكن إليهم، طابت نفسه، وحسن حاله، ورضي بعيشته، أما أنا وقيار فإنا بها لغريبان، وأنَّى للغريب أن يسعد ويهنأ، فالشاعر حزين مكروب؛ قد ضاق صدره لغربته وحبسه، وتتجدد آلامه كلما تذكر مع الذنب الذي ارتكبه الأهل والأصحاب والمنزل الهنيء، وكلما مر بخياله الانطلاق والحرية، ولذا تراه قد طوى المسند إلى قيار في الشطر الثاني، وتقديره: فإني لغريب بها وقيار، غريب بها أيضًا، فطيه: ينبئ بالحال الكئيبة التي يعيشها، فهو -كما تراه- قد طوى جواب الشرط، وتقديره: ومَن يك أمسى بالمدينة رحله فهو مسرور طيب النفس، مستريح البال، طواه لنفس السبب، وكأن الكلمات لا تسعفه؛ كي يذكر جواب الشرط وخبر قيار، ثم كيف يذكر الجواب وهو من جنس السعادة والهناء. إن لسانه ليتوقف عاجزًا عن النطق به؛ لأن في الإفصاح عنه زيادة لآلامه وأحزانه. وتأمل؛= كيف قدم قيارًا، فقال: وإني وقيار، ولم يقل: فإني لغريب بها وقيار؛ وذلك للإشارة إلى أن قيارًا ولو لم يكن من جنس العقلاء قد بلغه هذا الكرب، واشتدت عليه تلك الغربة حتى صار مساويًا للعقلاء في التشكي منها، ومقاساة شدائدها. فتقديم قيار وإقحامه بين جزئي الجملة ينبئ بالتسوية بينهما في التحسر،

стр. 244

ومقاساة الألم، وينبئ بالتالي بشدة ما يلاقيه الشاعر، فلم تعد الآلام مقصورةً عليه، بل تجاوزته إلى جواده، فصار الجواد يشعر بما يشعر به ضابئ صاحبُه من ألم وضيق. ومن ذلك قول عمرو بن امرئ القيس الخزرجي يخاطب مالك بن العجلان حين رد قضاءَه في واقعة للأوس والخزرج: يا مال والسيد المعمم قد ... يبتره بعض الرأي والسرف نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف مال: منادي مرخم، والأصل: يا مالك، وترخيم المنادَى مما يبرز حالَ المتكلم، وينبئ بآلام الشاعر وأحزانه. والمعمم: الذي عممه قومه، وارتضوا حكمه ورأيه. ويبتره: يعني: يقطعه، يريد: نحن بما عندنا من الرأي راضون؛ لأن رأينا هو الصواب والحق، وأنت بما عندك من رأي راض وقد قضيت به وحكمت، على الرغم من منافاته للصواب، ومجانبته للحق، فالرأي مختلف، والحق بجانب الشاعر، والصواب في رأيه. وعلى الرغم من ذلك لم يأخذ به مالك ولم يقض لعمرو، وهذا هو ما يؤلم الشاعر ويحزنه. ومما يضاعف آلامه ويزيد أحزانه؛ أن القاضي ذو رأي وصاحب عقل راجح، أنه السيد المعمم قد عممه الجميع وارتضوا رأيه، ولكن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة. فالسيد المعمم ذو العقل الراجح قد يبتره بعض الرأي، ويخونه التوفيق فيقضي بغير الصواب، وهذا ما قد حدث، وهذا هو الذي يؤلم عمرًا ويحزنه، ولذا تراه قد طوى المسند من الشطر الأول في البيت الثاني، فلم يقل: نحن بما عندنا راضون، بل حذف الرضا من جانبهم؛ لدلالة رضا المخاطب برأيه في الشطر الثاني عليه، حذف الرضا من جانبهم؛ لدلالة رضا المخاطب في الشطر

стр. 245

الثاني عليه هذا الحذف ينبئ بآلام الشاعر وضيقه، وكأنه يأبَى أن يصرح بنسبة الرضا إليهم في اللفظ؛ فهم مقتنعون بصواب رأيهم غير راضين بما حكم به مالك ذو الرأي والعقل، فحذف المسند يبرز لك حالتهم تلك. وانظر إلى قول المتنبي: قالت وقد رأت الصراري مَن به ... وتنهدت فأجبتها المتنهد يريد: لما رأت حالي وما وصلت إليه بسبب حبها، تساءلت متنهدةً: مَن فعل بك هذا؟ ومن وراء حالتك هذه؟ فأجبتها: المتنهد، أي: فعل بي ما ترين أنت، فأنت الذي أهواها. الشاعر قد حذف المسند وطواه، فلم يقل: صنع ما ترين المتنهد، بل قال: المتنهد، والمتنهد: هي السائلة، وكأن ألم العِشق قد أوصله إلى حالة لم يستطع معها أن يكمل الجواب. وكأن الشاعر أيضًا قد أراد بهذا الحذف أن يبادر بذكر المتنهد، وأن يفصح لها عن حبه؛ فهي التي بلغت به إلى تلك الحالة، وقد وجدها فرصة عندما سألته: من به؛ لكي يسارع هو بالإفصاح عن حبه، فحذف المسند يحقق تلك المسارعة. ولو ذكره فقال: فعل هذا بي المتنهد، لكان هناك تباطؤ في الإعلان عن حبه. ولا يخفَى عليك ما وراء الالتفات في البيت من دلالة المحب، وتمنعه. فهي تخاطبه ولم تقل له: مَن بك؟ بل التفتت. فقال: من به؟ دلالًا وتمنعًا. وقيل: المسند المحذوف: اسم، والمعنى: من المطالب به، فأجبتها: المتنهد، أي: المطالب به. وعندئذٍ يكون الضمير في به عائدًا إلى الاصفرار، فلا التفاتَ. وقد يفيد حذف المسند تعظيم المسند إليه، على نحو ما ترى في قول الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (التوبة: ٧٤). وقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (التوبة: ٦٢).

стр. 246

فالأصل: إلا أن أغناهم الله من فضله وأغناهم رسوله، والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك. فحذف المسند في الموضعين؛ لدلالة المذكور عليه، وحذفه يفيد تعظيم رسول الله ﷺ وهو المسند إليه، إذ جعل إرضاءه من إرضاء الله، وإغناءه من إغنائه تعالى، وهذا تعظيم ما بعده تعظيم. وتأمل؛ تقديم المسند إليه: ﴿رَسُولُهُ﴾، وإيلاءه لفظ الجلالة، ففيه تنبيه ولفت إلى تعظيم رسول الله -صلوات الله عليه- ودلالة على أنه من الله بمكان. ومن البلاغيين من يرى أنه لا حذف في الآيتين مجوزًا أن تكون جملة واحدة، وتوحيد الضمير في: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، و ﴿يُرْضُوهُ﴾، ينبئ بأنه لا تفاوتَ بين إغناء الله وإغناء رسوله، ولا بين إرضاء الله وإرضاء رسوله؛ فهما في حكم مغن واحد ومرضٍ واحد، كما تقول: إحسان عمرو وكرمه غمرني. وتفرد الضمير جاعلًا الإحسان والكرمَ بمعنًى واحدٍ، ولا يخفى عليك ما في هذا أيضًا من تعظيم لرسول الله ﷺ ورفعة بشأنه. كذا ذكره في (الإيضاح). ومثل هذا وعلى طريقته قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (المائدة: ٦٩) حيث قدم: ﴿الصَّابِئُونَ﴾ على خبر إن، وهو مبتدأ، أي: الصابئون كذلك؛ وذلك لأن الصابئين أشد هذه الفرق. ويُظن أنهم لا يستوون مع غيرهم، فأقحم للدلالة على التساوي كما في الشواهد التي مضت. وقد ترى سر التأثير ومرجع المزية في حذف المسند كامنًا في تكاثر المعنى؛ نظرًا لكثرة الوجوه التي تصلح لتقدير المحذوف.

стр. 247

ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (الأنفال: ٤١) وقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾: مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: فحق أو فواجب أو فثابت. قال الزمخشري: كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه لا سبيل إلى الإخلال به والتفريط فيه، من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات. كقولك: ثابت، واجب، حق، لازم، وما أشبه ذلك، كان أقوى للإيجاب من النص على واحد. وتأمل قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (الرعد: ٣٣) تجد أنه قد حذف المسند وتقديره: أفمن هو قائم كمَن ليس كذلك، والقائم على كل نفس هو الله -جل وعلا- فهو متولي أمر كل نفس وحافظ شأنها. ومن ليس كذلك هو المعبود بالباطل من دون الله . والحذف هنا يشعر بتعظيم الله ﵎ وتحقير وازدراء تلك المعبودات، وينبئ بأنه لا وجه للمقارنة بين الخالق القادر القائم على كل نفس وبين تلك المعبودات. فينبغي عدم الجمع بينهما ولو في اللفظ. وكذا القول في الآيات الكريمة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزمر: ٢٢) والتقدير: كمن قَسَا قلبه، وكان صدره ضيقًا حرجًا. ومثله: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الزمر: ٢٤) أي: كمن ينعم في الجنة. وقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (فاطر: ٨) أي: كمن لم يزين له، أو كمن هداه الله، فالحذف في الآيات يشعر بأنه لا وجه للمقارنة بين الاثنين، فهذا قد شرح الله صدره للإسلام، وذاك قد أمسى قلبه وأضحى صدره ضيقًا حرجًا، وهذا يتقي

стр. 248

بوجهه سوء العذاب. هذا يتقي بوجهه سوء العذاب، وذاك ينعم في الجنة، هذا قد زين له عمله السيئ فرآه حسنًا، وذاك قد هداه الله للخير والعمل الصالح. فحذف المسند كما ترى ينبئ بالتباعد بين الفريقين، ويوحي بالمسافات المتناهية بينهما، ويجعل الذهن يتشبع ويمتلئ بصورة المسند إليه فتقر في القلب، وترسخ في العقل. ولا يخفى عليك أن الحذف في الآيتين الأخيرتين قد أفاد تعظيم المسند المحذوف ورفعة شأنه، كما أفاد تحقير المسند إليه المذكور وانحطاطه، وذلك عكس ما أبصرت في الآيتين السابقتين، إذا أفاد الحذف فيهما تعظيم المسند إليه المذكور وعلو منزلته، وتحقير المسند المحذوف وانحطاطه، وازدياد وازدراء النفوس له. وقد يحذف المسند اتباعًا للاستعمال الوارد عن العرب كقولك: خرجت فإذا زيد، لولا زيد لهلك الناس، لعمرك لأفعلن، كل رجل وضيعته، والتقدير: فإذا زيد حاضر، لولا زيد موجود، لعمرك يميني كل رجل مقترنان، وقد ذكر النحاة أن الأساليب العربية جرت على إسقاط المسند في هذه المواضع، وهي: إذا الفجائية، ولولا، والقسم الصريح، وواو المصاحبة، وكذا مع الحال الممتنع كونها خبرًا، نحو: ضربه زيدًا قائمًا. أي: ضربه زيدًا حاصل إذا كان قائمًا. وذكر سيبويه أن الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها عمل الأفعال، وهي: إن، ولكن، وليت، ولعل، وكأن، يحسن السكوت عليها، مع إضمار خبرها. من ذلك: قول النبي ﷺ للمهاجرين، وقد شكروا عنده الأنصار: ((أليس قد عرفتم أن ذلك لهم؟ قالوا: بلى. قال ﵊: فإن ذلك))، يريد: فإن ذلك مكافأة لهم.

стр. 249

وقول عمر بن عبد العزيز لرجل من قريش جاء يكلمه في حاجة له، فجعل يمت بقرابته، فقال له عمر: فإن ذلك، أي: فإن ذلك لك، ثم ذكر الرجل حاجته، فقال عمر: لعل ذلك، أي: لعل ذلك ييسر لك ويقضى، وتقول لمن قال لك: هل لك أحد ينصرك، إن الناس إلب عليك، تقول: إنْ زيدًا، وإنْ عمرًا، وإنْ ولدًا، وإنْ مالًا. وعليه قول الأعشى: إن محلًّا وإن مرتحلًا ... وإن في السفر إذا مضوا مهلًا يريد: إن لنا محلًّا في الدنيا، وإن لنا مرتحلًا عنها إلى الآخرة. ومحِلًّا ومرتحلًا: مصدران ميميان بمعنى الحلول والارتحال. والسفر: اسم جمع بمعنى: المسافرين. والمراد بهم في البيت: الموتى. والمهل: مصدر بمعنى: الإمهال وطول الغيبة، والمعنى: إن في غيبة الموتى طولًا وبعدًا؛ لأنهم مضوا مضيًا لا رجوع معه إلى الدنيا. ومنه قول الآخر: ليت أيام الصبا رواجعًا، يريد: ليت أيام الصبا لنا رواجعا، أو أقبلت رواجعا. وتقول لمن قال لك: هل أحد يشبه عمرَ في عدله؟: كأن فلانًا. ولمن قال لك: الخسارة فادحة، والخطب جلل، الناس جميعًا ضدك، لكنْ مالًا، ولكنْ ولدًا، يريد: كأن فلانًا يشبهه، لكنّ لي مالًا ولي ولدًا. والعفو في هذا الموضع أفاد الإيجاز ونقاء الجمل وترويقها. أو كما قال البلاغيون: الاحتراز عن العبث. فالذي حذف قد وجدت القرينة الدالة عليه، والمقام مقام إيجاز، ولمح. وذكر ما قد دل الدليل عليه في مثل هذا المقام يعد عبثًا. تأمل قول الرسول ﷺ : ((فإن ذلك))، قول عمر: لعل ذلك. فستدرك قوة لمح المتكلم، وحسن اقتداره على تصفية العبارة وترويقها من زوائد لا يستدعيها المقام. تأمل قولك: ضربي زيدًا قائمًا. ووازن بينه وبين قولك: ضربي زيدًا

стр. 250

حاصل إذا كان قائمًا. فستجد أن المحذوف أكثر من المذكور، وعلى الرغم من ذلك، فقد ازداد المثال جمالًا؛ بسبب الحذف، وبَدَا موجزًا أنيقًا. وأراك تشعر بما وراء قول القائل: إنَّ مالًا وإن إبلًا ولكن ولدًا. من اعتداد واعتزاز وقوة لا تكون لو قدر المحذوف فقيل: إن لنا مالًا ولكن لنا ولدًا؛ لأن استرخاء العبارة عندئذ يوحي بفتور الشعور، وضعف المعنى. وتأمل بيت الأعشى الذي سبق ذكره: إن محلًّا وإن مرتحلًا ... وإن في السفر إذا مضوا مهلًا تجد أن الشاعر يصف سرعة الخاطفة في الحلول والارتحال، وكأن هذه السرعة التي يحسها بزوال الدنيا قد انعكست على عبارته، فطوى فيها كثيرا من الكلمات؛ لأن سياق المعنى في البيت طي وإضمار واختصار، حلول يخطفه الارتحال، وارتحال دائم وسفر لا أوبة له، كذا في (خصائص التراكيب)، وقد يفيد حذف المسند التأكيد والاختصاص، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ (الإسراء: ١٠٠). فالتقدير: لو تملكون تملكون، فأضمر المسند تملك الأول إضمارًا على شريطة التفسير، ولما أضمر الفعل انفصل الضمير أنتم، فأنتم: فاعل الفعل المضمر، و ﴿تَمْلِكُونَ﴾: تفسيره. ودليل الحذف: لو؛ لأن "لو" لا تدخل إلا على الأفعال. قال الزمخشري في (الكشاف): وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب. فأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن: ﴿أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾، فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ. ونحوه: قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني، قالها عندما لطمته أَمة قد جاءته ببعير؛ ليفصده فنحره. ويعني بذات السوار: الحرة من النساء.
следующие страницы →