Полный текст (482 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فالأصل: إلا أن أغناهم الله من فضله وأغناهم رسوله، والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك. فحذف المسند في الموضعين؛ لدلالة المذكور عليه، وحذفه يفيد تعظيم رسول الله ﷺ وهو المسند إليه، إذ جعل إرضاءه من إرضاء الله، وإغناءه من إغنائه تعالى، وهذا تعظيم ما بعده تعظيم.
وتأمل؛ تقديم المسند إليه: ﴿رَسُولُهُ﴾، وإيلاءه لفظ الجلالة، ففيه تنبيه ولفت إلى تعظيم رسول الله -صلوات الله عليه- ودلالة على أنه من الله بمكان. ومن البلاغيين من يرى أنه لا حذف في الآيتين مجوزًا أن تكون جملة واحدة، وتوحيد الضمير في: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، و ﴿يُرْضُوهُ﴾، ينبئ بأنه لا تفاوتَ بين إغناء الله وإغناء رسوله، ولا بين إرضاء الله وإرضاء رسوله؛ فهما في حكم مغن واحد ومرضٍ واحد، كما تقول: إحسان عمرو وكرمه غمرني. وتفرد الضمير جاعلًا الإحسان والكرمَ بمعنًى واحدٍ، ولا يخفى عليك ما في هذا أيضًا من تعظيم لرسول الله ﷺ ورفعة بشأنه.
كذا ذكره في (الإيضاح).
ومثل هذا وعلى طريقته قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (المائدة: ٦٩) حيث قدم: ﴿الصَّابِئُونَ﴾ على خبر إن، وهو مبتدأ، أي: الصابئون كذلك؛ وذلك لأن الصابئين أشد هذه الفرق. ويُظن أنهم لا يستوون مع غيرهم، فأقحم للدلالة على التساوي كما في الشواهد التي مضت. وقد ترى سر التأثير ومرجع المزية في حذف المسند كامنًا في تكاثر المعنى؛ نظرًا لكثرة الوجوه التي تصلح لتقدير المحذوف.
стр. 247
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (الأنفال: ٤١) وقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾: مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: فحق أو فواجب أو فثابت. قال الزمخشري: كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه لا سبيل إلى الإخلال به والتفريط فيه، من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات. كقولك: ثابت، واجب، حق، لازم، وما أشبه ذلك، كان أقوى للإيجاب من النص على واحد.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (الرعد: ٣٣) تجد أنه قد حذف المسند وتقديره: أفمن هو قائم كمَن ليس كذلك، والقائم على كل نفس هو الله -جل وعلا- فهو متولي أمر كل نفس وحافظ شأنها. ومن ليس كذلك هو المعبود بالباطل من دون الله . والحذف هنا يشعر بتعظيم الله ﵎ وتحقير وازدراء تلك المعبودات، وينبئ بأنه لا وجه للمقارنة بين الخالق القادر القائم على كل نفس وبين تلك المعبودات.
فينبغي عدم الجمع بينهما ولو في اللفظ. وكذا القول في الآيات الكريمة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزمر: ٢٢) والتقدير: كمن قَسَا قلبه، وكان صدره ضيقًا حرجًا. ومثله: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الزمر: ٢٤) أي: كمن ينعم في الجنة. وقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (فاطر: ٨) أي: كمن لم يزين له، أو كمن هداه الله، فالحذف في الآيات يشعر بأنه لا وجه للمقارنة بين الاثنين، فهذا قد شرح الله صدره للإسلام، وذاك قد أمسى قلبه وأضحى صدره ضيقًا حرجًا، وهذا يتقي
стр. 248
بوجهه سوء العذاب. هذا يتقي بوجهه سوء العذاب، وذاك ينعم في الجنة، هذا قد زين له عمله السيئ فرآه حسنًا، وذاك قد هداه الله للخير والعمل الصالح.
فحذف المسند كما ترى ينبئ بالتباعد بين الفريقين، ويوحي بالمسافات المتناهية بينهما، ويجعل الذهن يتشبع ويمتلئ بصورة المسند إليه فتقر في القلب، وترسخ في العقل.
ولا يخفى عليك أن الحذف في الآيتين الأخيرتين قد أفاد تعظيم المسند المحذوف ورفعة شأنه، كما أفاد تحقير المسند إليه المذكور وانحطاطه، وذلك عكس ما أبصرت في الآيتين السابقتين، إذا أفاد الحذف فيهما تعظيم المسند إليه المذكور وعلو منزلته، وتحقير المسند المحذوف وانحطاطه، وازدياد وازدراء النفوس له.
وقد يحذف المسند اتباعًا للاستعمال الوارد عن العرب كقولك: خرجت فإذا زيد، لولا زيد لهلك الناس، لعمرك لأفعلن، كل رجل وضيعته، والتقدير: فإذا زيد حاضر، لولا زيد موجود، لعمرك يميني كل رجل مقترنان، وقد ذكر النحاة أن الأساليب العربية جرت على إسقاط المسند في هذه المواضع، وهي: إذا الفجائية، ولولا، والقسم الصريح، وواو المصاحبة، وكذا مع الحال الممتنع كونها خبرًا، نحو: ضربه زيدًا قائمًا. أي: ضربه زيدًا حاصل إذا كان قائمًا.
وذكر سيبويه أن الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها عمل الأفعال، وهي: إن، ولكن، وليت، ولعل، وكأن، يحسن السكوت عليها، مع إضمار خبرها. من ذلك: قول النبي ﷺ للمهاجرين، وقد شكروا عنده الأنصار: ((أليس قد عرفتم أن ذلك لهم؟ قالوا: بلى. قال ﵊: فإن ذلك))، يريد: فإن ذلك مكافأة لهم.
стр. 249
وقول عمر بن عبد العزيز لرجل من قريش جاء يكلمه في حاجة له، فجعل يمت بقرابته، فقال له عمر: فإن ذلك، أي: فإن ذلك لك، ثم ذكر الرجل حاجته، فقال عمر: لعل ذلك، أي: لعل ذلك ييسر لك ويقضى، وتقول لمن قال لك: هل لك أحد ينصرك، إن الناس إلب عليك، تقول: إنْ زيدًا، وإنْ عمرًا، وإنْ ولدًا، وإنْ مالًا. وعليه قول الأعشى:
إن محلًّا وإن مرتحلًا ... وإن في السفر إذا مضوا مهلًا
يريد: إن لنا محلًّا في الدنيا، وإن لنا مرتحلًا عنها إلى الآخرة. ومحِلًّا ومرتحلًا: مصدران ميميان بمعنى الحلول والارتحال.
والسفر: اسم جمع بمعنى: المسافرين. والمراد بهم في البيت: الموتى. والمهل: مصدر بمعنى: الإمهال وطول الغيبة، والمعنى: إن في غيبة الموتى طولًا وبعدًا؛ لأنهم مضوا مضيًا لا رجوع معه إلى الدنيا. ومنه قول الآخر: ليت أيام الصبا رواجعًا، يريد: ليت أيام الصبا لنا رواجعا، أو أقبلت رواجعا. وتقول لمن قال لك: هل أحد يشبه عمرَ في عدله؟: كأن فلانًا. ولمن قال لك: الخسارة فادحة، والخطب جلل، الناس جميعًا ضدك، لكنْ مالًا، ولكنْ ولدًا، يريد: كأن فلانًا يشبهه، لكنّ لي مالًا ولي ولدًا. والعفو في هذا الموضع أفاد الإيجاز ونقاء الجمل وترويقها. أو كما قال البلاغيون: الاحتراز عن العبث. فالذي حذف قد وجدت القرينة الدالة عليه، والمقام مقام إيجاز، ولمح.
وذكر ما قد دل الدليل عليه في مثل هذا المقام يعد عبثًا.
تأمل قول الرسول ﷺ : ((فإن ذلك))، قول عمر: لعل ذلك. فستدرك قوة لمح المتكلم، وحسن اقتداره على تصفية العبارة وترويقها من زوائد لا يستدعيها المقام. تأمل قولك: ضربي زيدًا قائمًا. ووازن بينه وبين قولك: ضربي زيدًا
стр. 250
حاصل إذا كان قائمًا. فستجد أن المحذوف أكثر من المذكور، وعلى الرغم من ذلك، فقد ازداد المثال جمالًا؛ بسبب الحذف، وبَدَا موجزًا أنيقًا. وأراك تشعر بما وراء قول القائل: إنَّ مالًا وإن إبلًا ولكن ولدًا. من اعتداد واعتزاز وقوة لا تكون لو قدر المحذوف فقيل: إن لنا مالًا ولكن لنا ولدًا؛ لأن استرخاء العبارة عندئذ يوحي بفتور الشعور، وضعف المعنى.
وتأمل بيت الأعشى الذي سبق ذكره:
إن محلًّا وإن مرتحلًا ... وإن في السفر إذا مضوا مهلًا
تجد أن الشاعر يصف سرعة الخاطفة في الحلول والارتحال، وكأن هذه السرعة التي يحسها بزوال الدنيا قد انعكست على عبارته، فطوى فيها كثيرا من الكلمات؛ لأن سياق المعنى في البيت طي وإضمار واختصار، حلول يخطفه الارتحال، وارتحال دائم وسفر لا أوبة له، كذا في (خصائص التراكيب)، وقد يفيد حذف المسند التأكيد والاختصاص، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ (الإسراء: ١٠٠). فالتقدير: لو تملكون تملكون، فأضمر المسند تملك الأول إضمارًا على شريطة التفسير، ولما أضمر الفعل انفصل الضمير أنتم، فأنتم: فاعل الفعل المضمر، و ﴿تَمْلِكُونَ﴾: تفسيره. ودليل الحذف: لو؛ لأن "لو" لا تدخل إلا على الأفعال.
قال الزمخشري في (الكشاف): وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب. فأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن: ﴿أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾، فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ. ونحوه: قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني، قالها عندما لطمته أَمة قد جاءته ببعير؛ ليفصده فنحره. ويعني بذات السوار: الحرة من النساء.
стр. 251
ونحوه كذلك: قول المتلمس:
ولو غير إخواني أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
العرانين: مفردها: عرنين، وهو الأنف كله، أو ما صلب منه. والميسم: العلامة أو السمة؛ وذلك لأن الفعل الأول لما أسقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر. كذا في (الكشاف).
ومن هنا، أفاد حذف المسند في الشواهد المذكورة الاختصاص والتوكيد. وقد اعتُرض على الزمخشري: بأن الاختصاص إنما يكون في الجملة الاسمية التي يقدم فيها المسند إليه على الخبر الفعلي، كما عرفنا. تقول: محمد يفعل كذا، قوله : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (نوح: ١٧) والشواهد المذكورة ليست كذلك؛ لأنها جمل فعلية.
ويدفع هذا الاعتراض أمران:
أولهما: أنه لما أسقط الفعل برز الكلام في صورة الجملة الاسمية المبتدأ والخبر. كما ذكره الزمخشري.
ثانيهما: أن الاختصاص قد عُلق بلون، وهو حرف امتناع لامتناع كما هو معلوم.
أيضًا، من أحسن مواقع حذف المسند: ما ترى الجملة فيه قد بنيت على كلمة واحدة، كما في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (سبأ: ٥١) أي: فلا فوتَ لهم. فحذف المسند وبقيت كلمة واحدة: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾. وهذه الكلمة تراها كالطود الشامخ، والحادث المنيع الذي
стр. 252
قضى على كل أمل لهم في الفوت والتفلت. ولا يخفى عليك ما في حذف جواب الشرط، وبناء الفعل: أخذوا للمجهول من إفادة التهويل والتفظيع.
ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: ٤٩، ٥٠) حيث أجاب السحرة وعيد فرعون وتهديده لهم بكلمة واحدة: ﴿لَا ضَيْرَ﴾. أي: لا ضير علينا فيما تصنعه بنا: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. وهذا ينبئ بقوة الإيمان، وصدق اليقين إذا أجابوا توعده بكلمة واحدة، وكانت كالسهم النافذ الذي بدد كل وعيد وشتت كل تهديد.
وقد يأتي الكلام على الحذف، ثم تراه يحتمل أن يكون المحذوف هو المسند أو المسند إليه، على نحو ما ترى في قول الله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف: ١٨) ففي هذه الآية الكريمة يحتمل أن يكون المحذوف المسند إليه، وتقديره: فصبري صبر جميل أو فشأني وأمري صبر جميل. ويحتمل أن يكون المحذوف المسند، وتقديره: فصبر جميل أولَى بي، أو فصبر جميل أجمل. والصبر الجميل: هو الذي لا شكوى معه. وغير الجميل ما كان معه شكاية، ولكنه خير من عدمه. فيصح تفضيل الصبر الجميل عليه.
والأرجح، أن يكون المحذوف هو المسند إليه، إذ الآية الكريمة مسوقة لمدح يعقوب ﵇ وحين يكون المحذوف والمسند إليه يكون الكلام دالًّا على حصول الصبر له. إذ التقدير: فأمري أو فصبري صبر جميل. أو على جعل المحذوف هو المسند، فليس في الكلام ما يدل دلالةً مباشرةً على حصول الصبر ليعقوب ﵇ إذ تقديره: فصبر جميل بي أو فصبر جميل أجمل.
стр. 253
كذا ذكره سعد التفتازاني في (المطول).
ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ (النور: ١) ويحتمل أن يكون المراد: هذه سورة أنزلناها. فيكون المحذوف هو المسند إليه، ويحتمل أن يكون: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها. فيكون المحذوف هو المسند. وكذا قوله -جل وعلا-: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ (النور: ٥٣). هذه الآية نزلت في شأن المنافقين الذين ذهبوا إلى رسول الله ﷺ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرهم أن يخرجوا من أموالهم لخرجوا. فنزلت هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾. وهي تحتمل حذف المسند إليه، فيكون المعنى: أمركم أو الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو طاعتكم طاعة معروفة، أي: بأنها بالقول دون الفعل. وتحتمل حذف المسند، فيكون المعنى: طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة.
وما من ريب في أن الكلام إذا احتمل حذف المسند أو المسند إليه يكون أوفر معنًى، وأغزر دلالةً؛ لأنه يحتمل وجهين. ووفرة التأويلات من فضائل الكلام الجيد. على حد ما ذكر الدكتور أبو موسى في (خصائص التراكيب).
هذا، وتقدير المحذوف أو القول بالحذف يحتاج من الدارس إلى تأمل دقيق ونظر واع؛ حتى لا يتناقض مع صحة المعنى واستقامته، انظر مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ﴾ (النساء: ١٧١) فالمراد: النهي عن التثليث. أي: لا تقولوا بالتثليث، انتهوا عنه يكن خير لكم؛ فالله واحد لا شريك له. الآية الكريمة فيها حذف، ويحتمل أن يكون المحذوف
стр. 254
المسند، والتقدير: لنا آلهة ثلاثة، أو في الوجود آلهة ثلاثة. فحذف المسند: لنا أو في الوجود، ثم حذف الموصوف: آلهة. فصارت الآية: ﴿لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾. أو التقدير: لا تقولوا لنا، أو في الوجود ثلاثة آلهة. فحذف الخبر ثم التمييز المضاف إليه فصارت الآية: ﴿لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾. ويحتمل أن يكون المحذوف المسند إليه، وتقديره: ولا تقولوا الله، والمسيح، وأمه ثلاثة. أي: لا تعبدوهما كما تعبدون الله، ولا تسووا بينهم في الرتبة والصفة. كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (المائدة: ٧٣).
وذلك أنهم إذا أرادوا التسوية بين اثنين، قالوا: هما اثنان. . وإذا أرادوا إلحاق واحد باثنين، قالوا: هم ثلاثة. ولا يصح أن يكون التقدير: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة؛ لأن في هذا التقدير تقرير لثبوت آلهة، إذ النفي إذا سلط على جملة لا يتوجه إلى أحد طرفيها وإنما يتوجه للحكم المستفاد من الطرفين. فإن قلتَ: ليس أمراؤنا ثلاثة. فإنك تثبت بهذا القول أن لكم أمراء وتنفي أن يكون عددهم ثلاثة، فجائز أن يكون عددهم أقل من ثلاثة أو أكثر؛ ولذا فإن التقدير: لا تقولوا آلهتنا ثلاثة. فيه إثبات أن عدد الآلهة اثنان أو أكثر من ثلاثة، وهذا إشراك -والعياذ بالله-.
قوله الله بعده: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يناقضه. وتأمل معي، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٠) في قراءة من حذف التنوين، تنوين عزير. فلا يجوز أن يقدر مسند محذوف، وأن تعرب: ﴿عُزَيْرٌ﴾: مبتدأ، و ﴿ابْنُ﴾: صفته. ويكون التقدير: عزير بن الله معبودنا. هذا خطأ وإشراك؛ لأن فيه إثبات وتقرير الصفة للموصوف، أي: صفة ابن الله ثابتة لعزير. ولا يخفى عليك ما في هذا من فساد. والصواب: أنه لا حذف في الآية، وأن:
стр. 255
﴿عُزَيْرٌ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾، وأن التنوين، تنوين عزير مراد لذاته، وقد حذف لالتقاء الساكنين أو أنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، كآزر.
كذا ذكره الخطيب القزويني في (الإيضاح).
وقد يحذف كل من المسند والمسند إليه، كما في قولهم: أهلك والليل. يريدون: الحق أهلك وبادر الليل؛ حتى لا يحول بينك وبينهم. فالمقام يقتضي السرعة الخاطفة؛ ولذا حسن حذف المسند والمسند إليه. ومن لطيف ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ (النحل: ٣٠) أي: أنزل ربنا خيرًا.
فحذف الفعل والفاعل، وحذفهما ينبئ بسرعة استجابة هؤلاء المتقين وقوة إيمانهم وامتثالهم لأمر ربهم. وفرق بين إجابة المتقين في هذه الآية، وإجابة الكفرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (النحل: ٢٤) أي: ذلك أساطير الأولين. يقول الزمخشري في (الكشاف): فإن قلت: لم نصب هذا ورفع الأول؟ قلت: فصلًا بين جواب المقر، وجواب الجاحد. يعني: أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينًا مكشوفًا مفعولًا للإنزال. فقالوا: ﴿خَيْرًا﴾. أي: أنزل ربنا خيرًا. وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأولين. وليس من الإنزال في شيء.
ومثله: قوله : ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سبأ: ٢٣) أي: قال ربنا الحق. فحذف المسند والمسند إليه وهو الفعل والفاعل؛ إسراعًا إلى الإفصاح عن الجواب، إذ المقام مقام إيجاز، يتطلب أن تكون الإجابة إشارة أو لمحًا. كيف لا؟! وقد فزع عن قلوبهم من الكلمة الواحدة بل الإشارة في مثل هذا المقام تغني عن الكلمات الكثيرة. وتأمل قول الله
стр. 256
تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (الشمس: ١١: ١٣) أي: ذروا ناقة الله واحذروا سقياها. تجد أن الحذف هنا ينبئ بلهفة صالح ﵇ وشدة حرصه على هداية قومه ونجاتهم؛ ولذا صاح بهم محذرًا: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾.
وانظر إلى قول الرسول ﷺ لجابر: ((ما تزوجتَ؟ فقال: ثيبًا. فقال ﷺ : فهلَّا جارية تلاعبها وتلاعبك؟)). أراد ﵇: فهلَّا تزوجت جارية. فحذف الفعل والفاعل؛ لدلالة الكلام عليهما. وفي هذا الحذف تنقية للعبارة وتصفية لها مما أقيم عليه الدليل؛ حتى لا يكون ذكرُه عبثًا وفضولًا.
وقد يحذف المسند والمسند إليه ويقام المصدر مقامَهما، كما في قول الله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (محمد: ٤) أي: فاضربوا رقابهم ضربًا. فحذف الفعل وفاعله، وهذا الحذف يلائم السياق؛ إذ الضرب المأمور به هو الضرب السريع الخاطف فور اللقاء. وتأمل هذه الفاءات: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ﴾، ﴿فَضَرْبَ﴾، ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا﴾ (محمد: ٤) وما تقتضيه من التعقيب والسرعة الخاطفة.
ومن حذف المسند والمسند إليه: حذف القول وفاعله، وهو كثير في كتاب الله تعالى. من ذلك: قوله -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (الكهف:٤٧، ٤٨). أي: فيقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾. ولعلك تشعر بما وراء هذا الحذف من تأنيب وتعنيف شديد، ويساعد في إبراز هذا التعنيف الالتفات من الغيبة إلى الخطاب: ﴿وَعُرِضُوا﴾، ﴿جِئْتُمُونَا﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾
стр. 257
(الأحقاف: ٣٤) أي: فيقال لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾. ولا يخفى عليك ما وراء الحذف هنا من سرعة إبراز السخرية والتهكم بهؤلاء الكفرة الذين لم يجدوا بُدًّا من الإذعان والإقرار بعد فوات الأوان، بلى وربنا.
قرائن حذف المسند
هذا، ولا بد لكل حذف -كما ذكرنا ذلك في المسند إليه فيما سبق- من وجود القرينة التي تدل على المحذوف، وترشد إليه وإلا كان الحذف عبثًا.
ومن القرائن الدالة على حذف المسند: وقوع الكلام جوابًا عن سؤال محقق، كما في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥) أي: خلقهن الله. وقريب منه قوله -جل وعلا-: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (العنكبوت: ٦٣). أو عن سؤال مقدر، كما في قول الحارث بن ضرار النهشلي يرثي أخاه يزيدًا:
ليبكِ يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
الضارع: الذليل. والمختبط: الذي يأتي إليك المعروف من غير وسيلة. وتطيح: بمعنى تذهب وتهلك. والطوائح: جمع مطيحة على غير قياس. وقياسه: مطاوح أو مطيحات. يصف يزيدًا بأنه كان ملجئًا للذليل، وعونًا للمحتاج الذي أطاحت به المطيحات. فكلمة: ليبك بالبناء للمجهول، ويزيد: نائب فاعل. فلما حذف الفاعل، وأقيم المفعول به مقامه، انبعثت من الجملة سؤال، تقديره: مَن يبكيه؟ فجاء الجواب: ضارع لخصومته، وقد حذف منه الفعل؛ لدلالة السؤال المقدر عليه. والمعنى: يبكيه ضارع.
стр. 258
وفضل هذا التركيب، أي: البناء للمجهول: ليُبكَ يزيد ضارع، على البناء للمعلوم ليَبك يزيد ضارع، من عدة أوجه، هي:
أولًا: تكرار الإسناد، حيث أسند البكاء إلى الفاعل مرتين إجمالًا، وذلك عند البناء للمجهول، ثم تفصيلًا، وذلك عند ذكر الفاعل ضالع فاعلًا للبكاء المقدر، وتكرار الإسناد أبلغ في مقام الرثاء وآكد.
ثانيًا: بيان وإيضاح بعد الإبهام، والإيضاح بعد الإبهام يكون أوقع في النفس، وأوقع أثرًا.
ثالثًا: وقوع يزيد فيه نائب فاعل، فيكون ركنًا أُسند فيه الفعل المبني للمجهول، وكونه ركنًا أولى من جعله فضلة للتركيب الآخر؛ إذ مدار الحديث إنما هو عنه، وعلى الرغم من هذا، فإن التركيب الآخر لا يخلو من مزية، وهي: تقديم المفعول يزيد، فقد جعل النفس تشتاق إلى معرفة الفاعل ضارع، وتتطلع إليه، فعند مجيئه يقع في النفس موقعًا حسنًا.
ومن وقوع الكلام جوابًا عن سؤال المقدر: قول الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ﴾ (النور: ٣٦، ٣٧)، وقوله : " كَذَلِكَ يُوحَى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (الشورى: ٣) وذلك في قراءة مَن قرأ ببناء الفعل للمجهول في الآيتين.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ (الأنعام: ١٠٠). وذلك على جعل: ﴿لِلَّهِ﴾ شركاء مفعولين للفعل جعل، والجن: مفعول به لفعل محذوف، دل عليه سؤال مقدر، والمعنى: مَن جعلوا لله شركاء؟ فيجاب الجن.
стр. 259
ومن ذلك أيضًا: باب نعم وبئس، على جعل المخصوص بالمدح أو بالذم مبتدأ خبره محذوف. نحو: نعم الرجل عمرو، وبئس الرجل زيد. كأنه قيل: مَن الممدوح؟ ومن المذموم؟ فأجيب: زيد المذموم وعمرو الممدوح، فكل من زيد وعمرو: مبتدأ محذوف الخبر، والقرينة: وقوع المخصوص في جواب سؤال مقدر.
أسباب ذكر المسند في الكلام
وننتقل للحديث عن ذكر المسند:
فقد ذكر البلاغيون أن المسند يذكر في الكلام؛ لكون ذكره هو الأصل، وليس في الكلام ما يقتضي العدول عنه. وذلك كقولك ابتداء: زيد صالح. وتذكر المسند؛ لأنه ليس في الكلام ما يدعو إلى حذفه. وملاحظة مقتضَى المقام هنا هو المزية البلاغية. قالوا: ويذكر للاحتياط لضعف التعويل على القرينة، أي: أن في الكلام قرينة تدل على المحذوف لو حذف، إلا أنه ليس لها من القوة والإيضاح ما يلهم السامع المعنى، ويضعه من أول الأمر بين عينيه، وذلك كقولك لِمَن سأل: من أكرم العرب وأشجعهم في الجاهلية؟ فتقول في جوابه: عنترة أشجع العرب، وحاتم أجودهم. فتذكر أشجع، وأجود؛ خشيةَ أن يلتبس على السامع، إذا قلت: عنترة وحاتم، من غير أن تعين صفة كل واحد منهم، فلا يدرَى أيهم الأشجع والأجود؟
وقد ذكر العلامة سعد الدين مثالًا لهذا الغرض، هو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: ٩). حيث ذكر المسند في قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، مع دلالة السؤال عليه؛ احتياطًا لضعف التعويل على القرينة.
стр. 260
وقد يذكر المسند للتعريض بغباوة السامع، كقوله تعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (االأنبياء: ٦٣). وذلك في جواب قولهم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (االأنبياء: ٦٢). فلو قال: بل هذا، لكان المسند مفهومًا لدلالة السؤال الصريح عليه، إلا أنه ﵇ عدَل عن الحذف؛ لأن في الحذف تعويلًا على ذكاء المخاطب، وتنويهًا بفهمه. ألا ترى أن المولى إذا خاطَب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي؟ وإذا خاطب بني إسرائيل، أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطًا؟ ومثله: قولك: محمد نبينا. في جواب مَن قال: من نبيكم؟ فتذكر المسند، ولو حذفته لدل عليه السؤال دلالةً واضحةً، ولكنك ذكرته؛ تعريضًا بالسامع، فإنه لو كان له فهم لم يسأل عن نبينا؛ لأنه أظهر من أن يُتوهم خفاؤه، فيجاب بذكر أجزاء الجملة؛ إعلامًا بأن مثله لا يكفي معه إلا التنصيص؛ لعدم فهمه بالقرائن الواضحة.
وقد يذكر ليتعين بالذكر كونه فعلًا، فيفيد التجدد والحدوث؛ لأن الفعل في أصل وضعه يدل على ذلك، أو ليتعين كونه اسمًا فيفيد الثبوت والدوام. تقول: زيد منطلق، وعمرو ينطلق. فلو حذفت المسند الثاني، وقلت: زيد منطلق وعمرو. لفهم انطلاق عمرو من الكلام الأول. ولكنك آثرت ذكر المسند؛ لتدل بصيغة الفعل على أنه يتجدد منه شيئًا فشيئًا، فهو ينطلق انطلاقًا عقب انطلاق. وتقول: زيد ينطلق وعمرو منطلق. فتذكر المسند فيهما، ولو حذفت الثاني لفهم من الكلام السابق انطلاق عمرو فقط، ولم يفهم منه الاستمرار. فأردت أن تنص على استمرار انطلاق عمرو، فذكرت المسند.
قد يذكر المسند لزيادة تقرير الكلام، وتثبيت معناه وتوضيحه حين يتعلق الغرض بذلك كما سبق أن ذكرنا، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 261
وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. فإن المسند لو حذف لدل عليه السؤال، وقد جاء كذلك في آيات أخرى إلا أن المقصد من ذكره هنا زيادة تقرير خلق الله للسموات والأرض. ومثله: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (يس: ٧٨، ٧٩) وقد ذكر المسند في قوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾. وفي السؤال ما يدل عليه كما ترى. والمقصود من الذكر: أن يتقرر أن الله أحياها، وفيه إشارة أخرى، وأنه لا يُسأل عن الإحياء بعد الموت أعني: عن إمكانه. سؤال مستبعد منكر إلا مَن في عقله غشاوة تحجبه عن الإدراك النافذ والرؤية الصادقة.
ومثله: لا يعول في خطابه على ذكاء، وهذه إشارة تجدها أيضًا في الآية السابقة: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. وفي الآية لمحة ثالثة، نراها في قوله: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ وكان يمكن أن يقال: يحييها الله، ولكن هذه الصلة تضمنت البرهان الصادق على جواب سؤالهم، وكأنه قال: يحييها الله بدليل أنه أنشأها أول مرة، وهذا أسلوب عجيب كما ترى. فقد قرر القضية بذكر المسند، وأقام بُرهانًا بذكر الموصول، فأصاب في الإفحام. وأدمج القضية ودليلها في أنفذ عبارة وأبينها، وكأنه يجمع بين الإيجاز الشديد وذكر ما يمكن حذفه. وهكذا الأساليب العالية لا تتبين فيها موضع إطناب من وجه إلا وترى إيجازًا خفيًّا من وجه آخر.
وإذا تأملت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (النحل: ٩٠). وجدته كلامًا في غاية الحسن، وجدته أيضًا يقرر بعضُه بعضًا، ويدل بعضه على بعض. فالإحسان داخل في العدل، وإيتاء ذي القربى داخل في الإحسان، وكذلك الفحشاء داخل
стр. 262
في المنكر. ولو قال: إن الله يأمر بالعدل لأفاد كل هذه المعاني؛ لدخول الإحسان وإيتاء ذي القربى في العدل، ولأفاد أيضًا النهي عن الفحشاء والمنكر؛ لأن مَن يأمر بالعدل ينهى عن ضده. والفحشاء والمنكر يدخلان في هذا الضد، إلا أن الآية الكريمة نصت على كل معنى من هذه المعاني، فذكرتْ العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر، وكان لهذا التنصيص زيادة في التقرير والتثبيت، وكان الكلام كما ترى.
ولهذه القيمة البلاغية، عمَد القرآن في كثير من المواطن إلى أسلوب التكرار؛ ليوثق المعاني في النفوس. فجاء المسند مكررًا في مواضع كثيرة جدًّا، من ذلك: قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (التكاثر:٣، ٤) يكرر هنا وعيدًا، ويؤكد ليثبت الخوف في أرجاء النفس، ويملؤها بالإشفاق والحذر؛ فتنكف عن إصرارها على العناد والكفر.
من ذلك: قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح:٥، ٦) كرر الوعد وأكده؛ ليرسل في النفس أطياف الأمل فتتبدد أشباح اليأس. هكذا نجد أن التكرار أشبه ما يكون بدندنة تستعذبها النفس المليئة، أو المستفزة شاجية كانت أو طروبة، وهذا يفسره من بعض جوانبه قولهم: إن باب الرثاء أولى ما تكرر فيه الكلام؛ لمكان الفجيعة وشدة القرحة التي يجدها المتفجع. وقيل لبعضهم: متى تحتاج إلى الإكثار؟ فقال: إذا عظم الخطب.
ولقد كانت الخنساء تلح على مقاطع من المعنى كأنها جذور غارت في ضميرها، فتجد في هزها ما يخفف آلامها الكظيمة، خذ مثلًا: طلب البكاء من عينيها تجده يشيع في ديوانها، وهو في حقيقته مظهر استسلامها لأساها، وعجزها عن فلسفة التصبر التي كانت من الممكن أن تكفكف بعض دموعها.
стр. 263
تقول:
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجواد الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا
وتقول:
وابكِ أخاك ولا تنسي شمائله ... وابك أخاك شجاعًا غير خوار
وابك أخاك لأيتام وأرملة ... وابك أخاك لحق الضيف والجار
فانظر في هذا السياق إلى كلمة: أخاك، وتأمل ما فيها من إحساس بفقد الكلأ والحماية، وتأمل ما تضمره هذه الإضافة من حنين تفجر كوامن الحزن.
هكذا، نجد أن ذكر المسند في الكلام يثير في النفس الكوامن.
أستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم.
стр. 264
الدرس: ١٣ تابع: أحوال المسند - أحوال متعلقات الفعل .
стр. 265
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(تابع: أحوال المسند - أحوال متعلقات الفعل)
أغراض تنكير المسند
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد:
فنتعرف على أغراض تنكير المسند، وأغراض تعريفه، ثم عن سر إيراده مفردًا أو جملةً، وفعلًا أو اسمًا، ثم الغرض وراء تقييده لو كان فعلًا بإن وإذا، ثم أخيرًا عن بعض أحوال متعلقات الفعل، ونخص من ذلك: تقييده بمفعول ونحوه.
من أحوال المسند:
أنه يرد أحيانًا نكرة، وأحيانًا معرفة. وتنكيره أو تعريفه إنما يكون لإفادة أغراض يقصد إليها البلاغي. فمن أغراض تنكيره: عدم إيراد التخصيص أو العهد، كقولك: محمد كاتب، وعمرو شاعر. إذا أردت مجرد الإخبار عنهما بالكتابة والشعر، أما إذا أردت التخصيص، فإنك تقول: محمد الكاتب، وعمرو الشاعر. كذلك إذا أردت كاتبًا أو شاعرًا معهودًا، قلت: فلان الكاتب أو الشاعر، فتعرف المسند في الحالتين.
ومنها: إرادة التفخيم والتعظيم، كما في قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢). أي: هو هدى. فتنكير المسند: ﴿هُدًى﴾ أفاد تعظيم هداية القرآن، وتفخيمها، وأنها بلغت درجة لا يمكن إدراك كنهها، ومثله قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٥). وقوله : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (فصلت: ٤٤). ولا يخفى عليك ما في تنكير المسند في الآيتين من إفادة التفخيم والتعظيم، ﴿كِتَابٌ﴾، ﴿قُرْآنًا﴾، ﴿هُدًى﴾، ﴿شِفَاءٌ﴾، ﴿وَقْرٌ﴾، ﴿عَمًى﴾، التنكير أفاد تفخيم القرآن، وتعظيم هدايته، والتنويه بشأنه.
стр. 266
ومن ذلك أيضًا: إفادة التحقير والتهوين، كما في قول الشاعر:
غدرت بأمر كنت أنت دعوتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد
وقد يترك الغدر الفتى وطعامه ... إذا هو أمسى حلبة من دم الفصد
فتنكير المسند: حلبة، أفاد التحقير، والمعنى: أن الوفي لا يغدر ولو أخنى عليه الدهر، وأمسى طعامه بهذه الحقارة حلبة من دم الفصد.
إلى غير ذلك من تنكير المسند.
أغراض تعريف المسند
وكما أن تنكير المسند يكون لوجوه بلاغية يأتي لتحقيقها، فإن تعريفه يكون كذلك لأغراض شتى، منها على سبيل المثال: إرادة العهد، بمعنى: أن يكون المسند معلومًا للمخاطب معهودًا له، ولكنه لا يعلم المسند إليه، وذلك بأن يعلم مخاطبك أن انطلاقًا وقع، ولكنه لا يدري ممن. فتقول له: زيد المنطلق. فتعريف المسند هنا أفاد إرادة العهد أي: الانطلاق المعهود لدى صاحبك، فإذا كان لا يعهد انطلاقًا ولا يعلمه، قلت له: زيد منطلق. تريد مجرد إخباره بوقوع انطلاق من زيد؛ ولذا كان من الخطأ أن تقول: زيد المنطلق وعمرو؛ لأنك تتحدث عن انطلاق معروف للمخاطب ومُعين. فإذا أثبته لزيد لا يصلح لك أن تثبته ثانيةً لعمرو؛ لأن هذا تناقض. فالصواب إذن أن تقول: زيد منطلق وعمرو. أو تقول: زيد وعمرو المنطلقان.
ويتضح لك هذا أكثر، عندما تقول مثلًا: امرئ القيس هو القائل:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول وحومل
стр. 267
إذ لا يصح أن تقول: امرئ القيس هو القائل هذا البيت، وأبو ذؤيب الهذلي مثلًا؛ لأنك إذا قلت هذا، حاولت محالًا، وقلت ما ليس بقول.
ومن أغراض تعريف المسند: إفادة قصره على المسند إليه سواء عرف المسند بـ"أل" أو بالموصولية أو جاء مقيدًا. تقول مثلًا: زيد الشاعر، وعمرو الشجاع، وحاتم الجواد تريد بهذا قصر المسند على المسند إليه قصرًا ادعائيًّا؛ بهدف المبالغة في الوصف، ويكون ذلك غالبًا في مقامات المدح، والفخر، والرثاء، ونحوها.
وانظر مثلًا إلى قول المتنبي:
ودع كل صوت دون صوتي فإنني ... أنا الصادح المحكي والآخر الصبا
أراد المبالغة في قوة شاعريته، فقصر الصياح بمعنى: إنشاد الشعر عليه قصرًا ادعائيًّا، فهو الصائح وغيره من الشعراء يرددون صوته، وينهجون نهجه. ومن الخطأ أيضًا أن تقول في مثل هذا: عمرو الشجاع وخالد. إذ كيف تخص عمرًا بالشجاعة ثم تشرك فيها غيره؟ فالصواب أن تقول: عمرو وخالد الشجاعان، أو تنكر المسند فتقول: عمرو شجاع وخالد.
ومِن ذلك: قول ابن الدمينة:
ونحن التاركون على سليل ... مع الطير الخوامع يعترينا
الخوامع: يعني الجياع، يريد: أنهم هم الذين قتلوا سليلًا وتركوهم طعامًا للطير الخوامع، هم الذين فعلوا ذلك دون سواهم. وتأمل مع ذلك قول عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائب من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنا العاصمون إذا أُطعنا ... وأنا الغارمون إذا عصينا
وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أوتينا
وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا
стр. 268
تجد أنه يفخر بقصر تلك الصفات عليهم قصرًا حقيقيًا ادعائيًّا، بمعنى: أنها لا تتعداهم ولا تتجاوزهم إلى غيرهم، على سبيل المبالغة والادعاء. وخذ عندك مثلًا: قول الله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (طه:٦٧، ٦٨). أي: أنت الأعلى لا هُم. فتعريف المسند أفاد قصره على المسند إليه قصرا إضافيًّا. بمعنى: أنه لا يتعداه إلى هؤلاء السحرة.
ومن صور وأغراض تعريف المسند: أن يعرف بالموصولية، فيفيد بالإضافة إلى قصره على المسند إليه دقائق ولطائف يدركها اللمَّاح الذواقة الخبير بالأساليب الرفيعة والتعبيرات الجيدة، انظر إلى قول المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي مَن به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسخر الخلق جراها ويختصم
تجد أن تعريف المسند بالموصولية، أفاد بالإضافة إلى قصر مدلول الصفة على المتنبي اشتهار جملة الصلة وانشغال الناس بها، هي أمر معروف بين الناس جميعًا يعرفونه ولا أحد يجهله.
وتأمل الآيات الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (المؤمنون:٧٨: ٨٠). وتأمل قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (االأنبياء: ٣٣). فإنك تجد المسند في الآيات الكريمة مقصور على المسند إليه قصرًا حقيقيًّا، ثم إن إيثار التعريف بالموصولية أفاد انشغال الخلق بتلك الأمور المثارة في جملة الصلة، واشتهارها بينهم وخوضهم فيها، وترددها على الأسماع. فتلك ميزة يمتاز بها التعريف بالاسم الموصول.
стр. 269
ومن صور وأغراض تعريف المسند: أن يقيد بقيد فيفيد تعريفه عندئذ قصره مقيدًا بذلك القيد على المسند إليه. وكأنه -أي: المسند- قد صار نوعًا خاصًّا، وجنسًا برأسه. تقول مثلًا: زيد الكريم حين يبخل الناس، وهو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيرًا، وهو المِقدام حين تفر الأبطال. فالمقصور ليس مطلق الكرم وإنما هو نوع خاص منه، وكذا الوفاء والشجاعة في المثالين الأخيرين.
ومن ذلك قول الأعشى:
هو الواهب المئة المصطفاة ... إما مخاضًا وإما عشارًا
المخاض: هي الحوامل من نوق، اسم جمع، ويقال: الواحدة بنت مخاض. والعُشار: جمع عشراء، وهي من النوق، كالنفساء من النساء، أو التي مضى لحملها عشرة أشهر. فإنه قصر هبة المائة من الإبل في إحدى الحالتين مخاضًا أو عشارًا لا هبتها مطلقًا، ولا المائة المطلق؛ فالهبة مقيدة بالمائة المصطفاة، والمائة مقيدة بكونها إما مخاضًا وإما عشارًا.
ومن ذلك: إفادة التقرير، وبيان أن ثبوت المسند للمسند إليه أمر مقرور بارز وظاهر ظهورًا لا يخفَى على أحد. كما في قول حسان:
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
أراد بتعريف العبد تقرير صفة العبودية لوالده، وأنها أمر مشهور وذائع لا يخفى على أحد، ولم يرد قصر العبودية على الوالد لا حقيقةً ولا ادعاءً، ومثل ذلك: قول الخنساء في رثاء صخر:
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
стр. 270
لم ترد قصر صفة الحسن على بكائها صخرًا، وإنما أرادت أن تقرر لبكائه صفة الحسن، وأن تجعل حسن بكائه بينا ظاهرًا لا يجهله أحد ولا ينكره منكر.
ومن صور وأغراض تعريف المسند: الإشارة إلى بلوغ المسند إليه في الاتصاف بالمسند مبلغَ الكمال، كقولك: هو البطل المحامي. تريد أن تقول للمخاطب: هل تصورت البطل المحامي؟ وكيف يكون الإنسان حين يبلغ في هذه الصفة مبلغها الأعلى؟ إذا تصورت هذا في نفسك فعليك بفلان فإنه الذي تجد فيه هذه الصفة كما تمثَّلتها وتخيلتها. وكذا تقول: والحامي لكل حمى، والمرتجَى لكل ملمة، والدافع لكل مكروه. ومن ذلك: قول ابن الرومي:
هو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد
يريد منك أن تسبَح بخيالك في تصور رجل لا يتميز عن طالب معروفه، فهو وهم سواء يأخذون من المال ما يشاءون، وإذا حصلت صورته في مخيلتك فاعلم أنه ذلك الرجل.
ومثل ذلك قول الفرزدق في هجاء الحجاج:
فلولا بنو مروان كان بن يوسف ... كما كان عبدًا من عبيد إياد
زمان هو العبد المقر بزلة ... يراوح أبناء القرى ويغادي
أراد بقوله: هو العبد؛ بلوغ الغاية القصوى في الاتصاف بصفة العبودية، وذُل الرق في هذا الزمان حتى خلصه بنو مروان من قيدها، فصار له شأن وكيان.
ومن صور وأغراض تعريف المسند: إفادة تعظيم المسند إليه، وذلك عند إضافة المسند إلى ما يكسبه التشريف والتعظيم، ويسمو به، ويرفع شأنه. كما في قول الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم: ٣٠). وقوله -جل وعلا-:
стр. 271
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩). فقد اكتسب المسند إليه بإضافة المسند إلى لفظ الجلالة التعظيم، وعلو منزلته ورِفعة شأنه. ولا يخفى عليك ما في تنكير: ﴿أَشِدَّاءُ﴾ و ﴿رُحَمَاءُ﴾ من تفخيم وتعظيم.
وذكر البلاغيون: أن من أغراض تخصيص المسند بالوصف أو الإضافة تربية الفائدة وتكثيرها وجعلها أتم وأكمل أو بمعنى آخر: تكثير المعنى، والدلالة على غزارته؛ لأن زيادة المبنى كما قالوا تدل على كثرة المعنى. تقول مثلًا: امرؤ القيس شاعر فارس، وزهير شاعر حكمة. قد كثر المعنى في الأول بالوصف، وتمت الفائدة في الثاني بالإضافة، ومنه قول الشاعر:
حمي الحديد عليهم فكأنه ... ومضان برق أو شعاع شموس
وقول الآخر:
وكنت امرأً لا أسمع الدهر سبة ... أسب بها إلا كشفت غطاءها
فقد خصص المسند في البيت الأول بالإضافة ومضان برق أو شعاع شموس، وخصص في البيت الثاني بالوصف "امرأ لا أسمع الدهر سبة أسب بها".
ومنه قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠). قد خصص المسند بالإضافة في قوله: ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (الأحزاب: ٤٠) لتكثير الفائدة، وعمومها. فهو ﵇ ليس أبًا لأحد منهم، ثم عرف المسند بالإضافة في قوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾، و ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾؛ لإفادة التعظيم، وشهرة اتصافه ﷺ بتلك الصفة.
стр. 272
أسرار تقديم المسند
وننتقل بعد الحديث عن أسرار تنكير وتعريف المسند إلى الحديث عن أسرار تقديمه.
ذلك أن الأصل في المسند إليه إذا كان مبتدأً أن تكون رتبته التقديم، نحو: زيد قائم، وعمرو منطلق. وإذا كان فاعلًا فرتبته التأخير، أي: الوقوع بعد الفعل، وهو المسند. نحو: قام زيد، ويعطي محمد الجزيل، فإذا قدم المسند إليه على خبره الفعلي، كان ذلك لأسرار بلاغية على نحو ما عرفنا سابقًا في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي.
وكذلك إذا قدم المسند على المسند إليه الذي رتبته التقديم وهو المبتدأ؛ فإن هذا التقديم يكون لأسرار ومزايا بلاغية. أهمها: إفادة القصر، أي: قصر المسند إليه على المسند المقدم. كما في قول الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: ٦). فالمعنى: أن دينكم الذي هو الإشراك مقصور على كونه لكم، لا يتجاوزكم إلي. وديني الذي هو التوحيد مقصور على كونه لي، لا يتجاوزني إليكم. فالمقصور عليه هو المسند المقدم، والمقصور هو المسند إليه المؤخر، وكذا القول في الآيات الكريمة: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (االأنبياء: ٩٧). وقوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (الغاشية:٢٥، ٢٦). وقوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (القيامة:٢٩، ٣٠). وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (القيامة: ١٢).
فالتقديم في هذه الآيات الكريمة أفاد قصر المسند إليه المؤخر على المسند المقدم،
стр. 273
ومن ذلك: قول الله تعالى في وصف خبر الجنة: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (الصافات:٤٥: ٤٧). فالتقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أفاد نفي الغول عن خمر الجنة وإثباته لخمور الدنيا. أو بمعنى آخر: أفاد قصر عدم الغول على خمر الجنة، بحيث لا يتجاوزه إلى خمور الدنيا. ولو قيل: لا غول فيها؛ لأفاد ذلك مجرد نفي الغول عن خمر الجنة دون تعرض لخمور الدنيا.
ولذا جاء قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة: ١، ٢). كذا بدون تقديم، إذ المراد: نفي الريب عن القرآن دون تعرض لغيره من الكتب السماوية. ولو قيل: لا فيه ريب؛ لأدى هذا إلى في الريب عن القرآن، وإثباته لغيره من الكتب السماوية، وهو غير مراد، ومن أقوالهم: قول أبي العلاء:
تعَب كلها الحياة فما أعجب ... إلا من راغب في ازدياد
فقد أفاد التقديم قصر الحياة على التعب قصرًا ادعائيًّا، أي: أن ما فيها من فترات الراحة والأنس والمسرة لا اعتداد به، ومن ذلك قول الآخر:
رضينا قسمة الجبار فينا ... لنا علم وللأعداء مال
وقول الآخر:
وليس بمغنٍ في المودة شافع ... إذا لم يكن بين الضلوع شفيع
وقول آخر:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت
ولا يخفى عليك معرفة موطن التقديم، والمقصور والمقصور عليه في هذه الأبيات، وأن الأصل في كل ما ذكرنا من أمثلة الحياة كلها تعب إلى آخر ذلك.
стр. 274
ومن أسرار تقديم المسند ونكاته البلاغية: التنبيه من أول الأمر على أن المسند خبر لا نعت. كما في قول حسان بن ثابت ﵁ في مدح الرسول ﷺ :
له هِمم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
فإنه لو قال: همم له لا منتهى لكبارها؛ لتُوهم أن الجار والمجرور له نعت لا خبر؛ لأن النكرة تحتاج إلى الوصف حتى تكون مسوغًا للابتداء بها، ولتوهم أيضًا أن الخبر هو الجملة بعده، وهذا لا يتفق مع غرض المدح؛ لأن الشاعر يريد مدح الرسول ﷺ لا مدح هممه. ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (البقرة: ٣٦). حيث قُدِّم الجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ على المسند إليه: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾؛ لدفع توهم أنه نعت وليس بخبر.
ومن نكات تقديم المسند البلاغية: إفادة التشويق إلى ذكر المسند إليه. كما في قوله ﷺ : ((منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال))، وكقول محمد بن وهيب في مدح أبي إسحاق:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
وقول الآخر:
ثلاثة يذهبن الغم والحزن ... الماء والخضرة والوجه الحسن
وقول آخر:
ثلاثة ليس لها إياب ... الوقت والجمال والشباب
стр. 275
وقول ابن الرومي:
وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان
فتقديم المسند في هذه الشواهد وفيما جاء على شاكلتها أفاد التشويق إلى معرفة المسند إليه، والإفصاح عنه. ولا يخفى عليك القصر في البيت الأخير، أي: قصر الحياة على كونها نارًا لا استقرارَ فيها. ويفيد تقديم المسند أيضًا إشاعة روح التفاؤل كما في قول الشاعر:
سعدت بغرة وجهك الأيام ... وتزينت ببقائك الأعوام
فالمسند، وهو الفعل سعدت، قد قدم ليفيد التفاؤل؛ لأنه من جنس السرور والسعادة، وكذلك تزينت، قدم على المسند إليه، والأعوام لنفس الغرض.
ومن أسرار تقديم المسند: إظهار التألم والتضجر. كما في قول المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوًا له ما من صداقته بُد
إلى غير ذلك من الأغراض التي تقتضي تقديم المسند على المسند إليه.
المسند المفرد والجملة، والمسند الفعل والاسم
ومن المباحث التي من المهم أن نعرض لها ونحن نذكر أحوال المسند: إتيانه مفردًا أحيانًا، وجملةً أحيانًا أخرى، وإيراده فعلًا أحيانًا، واسمًا أحيانًا أخرى.
فالمسند يرد مفردًا في نحو: محمد عالم، وزيد كريم. لمجرد الإخبار عن المسند إليه قد يرد جملة بها ضمير يعود إلى المبتدأ، وهذا الضمير ليس مسندًا إليه، نحو: محمد أبوه عالم، علي أجداده ملوك، وهذا المسند يسميه البلاغيون مسندًا سببيًا، أي: أن المسند إليه بسبب من المسند، ومرتبط به بروابط قوية.
стр. 276
وقد يرد المسند جملة بها ضمير يعود إلى المسند إليه متقدم، وهذا الضمير يكون مسندًا إليه أيضًا، نحو: محمد يعطي الجزيل، خالد يحمل السلاح، والمقام هو الذي يحدد نوع المسند الذي ينبغي على المتكلم أن يستعمله، فإذا أراد المتكلم مجرد الإخبار عن المسند إليه أورد المسند مفردًا، فيقول: محمد عالم، علي جواد. وإذا أراد وصله بآبائه، وأنه ورثه المآثر والأمجاد عنهم، أورده سببًا، فيقول: محمد أبوه كريم، وخالد آباؤه أبطال، وهكذا.
وإذا أراد تقوية الحكم أورده جملة غير سببية، فيقول: محمد يعطي الجزيل، خالد يجود بماله، هم يضربون الكبش، إلى آخر ذلك.
ويرد المسند فعلًا وقد يأتي اسمًا، إذ لا يخفى عليك الفرق بين الاسم والفعل، الفعل: يدل على حدث وقع في زمن، نحو: قام، ويقوم. والاسم: يدل على حدث مجرد من الزمن، نحو: قائم، وذاهب، وراكع، وساجد، كما أن الفعل المضارع يفيد: الثبوت والتجدد، والاسم يفيد: الثبوت والدوام، نحو: زيد ينطلق وزيد منطلق. فالأول: أفاد انطلاقًا يتجدد، والثاني: أفاد انطلاقًا ثابتًا. ولذا؛ فإن المتكلم عندما يورد المسند فعلًا، هو يقصد إما تقييده بأحد الأزمنة، نحو: فاز المجد، ويجاهد الجندي.
فالأول: أفاد حدوث الفوز في الزمن الماضي، والثاني: أفاد حدوث الجهاد في زمن الحال، واستمرار حدوثه في الزمن المستقبل، وأما إفادة الحدوث والتجدد، فذلك إنما يكون في الفعل المضارع، فهو يفيد التجدد الاستمراري بمعونة السياق وقرائن الأحوال.
стр. 277
وغالبًا ما يكون ذلك في مقامات المدح والفخر، وانظر مثلًا إلى قول طريف بن تميم:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليَّ عريفهم يتوسم
العريف: هو القيم الذي يقوم بأمر القوم، يقول: إنه شجاع مِقدام، له موقف مع كل قبيلة، فالقبائل جميعها تطلبه، وكلما وردت سوق عكاظ قبيلة بعثوا عريشهم يتفرس الوجوه، ويتوسمها؛ لعله يهتدي إليه فيثأر منه، وتلاحظ أن الشاعر قد استخدم الفعل المضارع يتوسم؛ لإفادة التجدد والحدوث. فالعريف دائم المراجعة والتأمل، وإعادة النظر في وجوه القوم، يحدث منه التوسم شيئًا فشيئًا، ولو قال: بعثوا إليَّ عريفهم متوسمًا لَمَا تحققت هذه الإفادة، ولما كان هناك إشعار بحالة التجدد هذه.
ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (فاطر: ٣). فالرزق من الله متجدد مستمر، يتجدد بتجدد العباد، لا ينقطع ولا يزول. وهذا يلائمه التعبير بالفعل: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾، ولو قيل: هل من خالق غير الله رازقكم، لما أفيدت هذه الإفادة.
ومنه: قول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (الرعد: ٣٩). وقوله : ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (ص: ١٨). فالمحو والإثبات يتجددان، وهما مستمران. وتسبيح الجبال يحدث آنًا بعد آن، ويقع حينًا بعد حين، وهذا يناسبه التعبير بالفعل الذي آثره النظم الكريم: ﴿يَمْحُو﴾، ﴿يُثْبِتُ﴾، ﴿يُسَبِّحْنَ﴾.
وعندما يورد المتكلم المسند اسمًا فإنه يقصد به إفادة الثبوت والدوام، وذلك يكون بمعرفة السياق وقرائن الأحوال. إذ الاسم يدل على الحدث مجردًا من
стр. 278
الزمان، والمتكلم قد يسوقه في سياق ترشد قرائنه إلى إفادة الثبوت والدوام والاستمرار، انظر مثلًا وتأمل إلى قول النضر بن جؤبة:
قالت طريفة ما تبقى دراهمنا ... وما بنا سرف فيها ولا خرق
إنا إذا اجتمعت يومًا دراهمنا ... ظلت إلى طرق الخيرات تستبق
لا تألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق
والدرهم المضروب: هو المسبوك هنا تجد أن الشاعر يمدح قومه بالكرم والعطاء، فهم لا يبقون من المال بقية، وصرتهم لا تألف الدرهم، وإنما يمر عليها الدرهم منطلقًا ومندفعًا إلى الخيرات. مثل هذا المقام، يلائمه التعبير بالاسم: منطلق؛ لأنه يفيد انطلاق الدرهم انطلاقًا ثابتًا ومستمرًا، ولو قال: يمر عليها وهو ينطلق، لكان المعنى: أن انطلاقه يتجدد، وهذا يعني: أنهم يمسكونه زمنًا ما. ولا يخفى عليك عدم مناسبة ذلك لمقام المدح.
والبيت يروَى برفع الدرهم وبنصب الصرة، وبنصب الدرهم، ورفع الصرة. والرواية الثانية أبلغ؛ لأنها تدل على غِناهم، وأن الدراهم تمر، والصرة لا تألفها. أما الرواية الأخرى: ففيها إيهام أنهم فقراء، وأن الصرة خالية لا يألفها الدرهم المضروب، وخذ عندك قول الله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (الكهف: ١٨) إذ لا يخفى عليك ما يفيده الاسم هنا: ﴿بَاسِطٌ﴾ من ثبوت البسط ودوامه واستمراره، وأنه لو قيل: يبسط ذراعيه، لما أدَّى هذا الغرض. وتأمل مع ذلك قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ (الملك: ١٩) إنك تجد أنه لما كان الأصل في الطيران هو صف الأجنحة، فقد عبر عنه بالاسم الذي يفيد الثبوت والدوام، ولما كان القبض طارئًا على البسط فقد عبر عنه بالفعل الذي يفيد الحدوث والتجدد.
стр. 279
يقول الزمخشري: فإن قلت: لما قيل: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ ولم يقل: قابضات، قلت: لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك. فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل على معنى: أنهم صافات، ويكون منهن القبض تارة، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح. وكذا ذكره صاحب الكشاف.
والجملة في هذا الحكم كالمفرد، فإذا كان الاسم يفيد الثبوت والدوام في نحو قولك: زيد منطلق، وكذلك الجملة الاسمية. وإذا كان الفعل يفيد التجدد والحدوث في نحو قولك: ينطلق زيد، فكذلك الجملة الفعلية. ولكون الجملة الاسمية تفيد الثبوت والدوام كانت آكد من الجملة الفعلية، ومن أجل هذا فإنه يحسن إيثار التعبير بالجملة الاسمية في المقامات التي تتطلب التأكيد، تأمل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤). تجد أن المنافقين لكونهم قد أظهروا الإيمان؛ خوفًا ومداراةً للمؤمنين وليس عن يقين راسخ وثابت. وقد عبروا عنه بالجملة الفعلية: ﴿آمَنَّا﴾، ولما كان الكفر ثابتًا وراسخًا في عقولهم قد خاطبوا شياطينهم بالجملة الاسمية المؤكدة: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ (الأعراف: ١٩٣) كان الوثنيون الذين عبدوا الأصنام من عادتهم أنهم لا يدعون تلك الأصنام إذا نزلت بهم شدة، بل يدعون الله. وإذا ناسب التعبير عن صمتهم في الجملة الاسمية المفيدة للثبوت والدوام، وتأكيد الحكم، ولما كان الدعاء غير معتاد، فقد عبر عنه بالجملة الفعلية التي لا تفيد ثبوتًا. والمراد: سواء عليكم أأحدثتم الدعاء على غير عادة أم بقيتم مستمرين على عادة صمتكم.
стр. 280
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (هود: ٦٩). فالأصل: نسلم سلامًا، فقال: سلام عليكم. تلاحظ أن تحية إبراهيم ﵇ جاءت بالجملة الاسمية، وتحيتهم جاءت بالجملة الفعلية، وكأنه ﵇ أراد أن يجيبهم بأحسن مما حيوه به؛ أخذًا بآداب التحية في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (النساء: ٨٦). وخذ قول الله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ (االأنبياء: ٥٥). أرادوا: أحدث منك مجيء بالحق، ولم تكن كذلك، أم أنت مستمر في لعبك الذي عهدناه فيك. عبروا عن مجيئه بالحق بالفعل الذي يفيد التجدد، وعن اللعب بالجملة الاسمية التي تفيد تأكيد لعبه واستمرار أحوال لهوه في اعتقادهم. ولا يخفى عليك ما وراء ذلك من عنادهم وإعراضهم عن الإذعان للحق وقبول الهداية.
ومثال ذلك أيضًا: قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٨). فقولهم: ﴿آمَنَّا﴾ إخبار بوقوع الإيمان وإحداثه، ولكونهم كاذبين في دعواهم، فقد نفاها الله بالجملة الاسمية المؤكدة: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٧). فقد أرادوا حدوث خروج، فأجيبوا بدوام البقاء واستمرار العذاب.
ومن ذلك: قوله أيضًا: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (التوبة: ٤٣) حيث عبر عن الصادقين بالفعل؛ لأنهم يحدثون صدقًا بعد صدق في كل موطن، وعبر عن الكاذبين
стр. 281
بالاسم؛ لأن ما صدر منهم كذب مستمر، وجارٍ على عادتهم الدائمة المستمرة، وناشئ عن رسوخ في الكذب والثبات.
هذا وقد اهتم البلاغيون بتقييد الفعل بأدوات الشرط: "إن" و"إذا"؛ لما يكمن وراء تقييد المسند: وهو الفعل بهما من اعتبارات بلاغية وملاحظات دقيقة.
قال البلاغيون: إنّ "إنْ" و"إذا" للشرط في الاستقبال بمعنى: تقييد حصول الجزاء على حصول الشرط في الاستقبال، نحو: إن تزرني أكرمك، إذا جاءك الفقير فأحسن إليه. وتختلف "إن" عن "إذا"، في أن "إذا" تستعمل في الشرط المقطوع لقبوله، وذلك بأن يكون الشرط مجزومًا بوقوعه في المستقبل، نحو: إذا غربت الشمس حل الظلام، إذَا أذن المؤذن أسرع المسلم للصلاة، أو يظن ظنًّا قويًّا وقوعه فيه، نحو: إذا جئتني أكرمتك، إذا كنت تعتقد اعتقادًا قويًّا أنه سيأتي، وترجح مجيئه على عدم مجيئه، ولذا كان الغالب في الفعل المستعمل مع "إذا" أن يكون بلفظ الماضي؛ للإشعار بتحقيق الوقوع، أما "إنْ" فتستعمل في الشرط غير المقطوع بوقوعه، بأن يتردد في وقوعه في المستقبل، أو يُظن عدم وقوعه، ويترجح على الوقوع، أو يكون مما لا يقع إلا نادرًا، كما سنرى في الشواهد.
فإذا كان الشرط مجزومًا ومقطوعًا بعدم وقوعه في المستقبل فلا تُستعمل فيه "إن" ولا "إذا" إلا لنكتة بلاغية، وانظر مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ (الأعراف: ١٣١). تلاحظ أنه قد استعملت "إذا" في جانب الحسنة، و"إن" في جانب السيئة؛ وذلك لأن مجيء الحسنة أمر مقطوع به محقق الوقوع، إذ المراد بالحسنة الحسنة المطلقة عن التقييد بنوع معين؛ ولذا عُرِّفت تعريف الجنس لتشمل كل فرد من أفراده، وكل نوع من أنواع الحسنات، وشأن هذا أن يقع كثيرًا؛ لاتساعه، وكثرة أفراده
стр. 282
وأنواعه، ولكون مجيء الحسنة محققًا ومقطوعًا بوقوعه، فقد عبر عنه بلفظ الماضي: ﴿جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾، أما إتيان السيئة فغير محقق الوقوع، إذ نادرًا ما تقع السيئة بالنسبة إلى الحسنة؛ ولذا استعملت "إنْ" معها، ونكِّرت السيئة؛ لإفادة التقليل، فعبر عن الإصابة بلفظ المضارع: ﴿تُصِبْهُمْ﴾ المشعر لعدم تحقق الوقوع.
وتأمل قول الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (الروم: ٣٦). تجد أنه نكرت الرحمة: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾، وعبر عن الإذاقة بالماضي: ﴿أَذَقْنَا﴾، واستعملت "إذا"؛ وذا للدلالة على أن إذاقة الناس قدرًا قليلًا من الرحمة أمر مقطوع به، ثم استعملت "إن" والمضارع: ﴿تُصِبْهُمْ﴾، ونكرت السيئة ﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ لإفادة أن إصابة السيئة لهم أمر غير مقطوع به، فالله لا يؤاخذهم بما كسبوا بل يعفو عن كثير: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (فاطر: ٤٥).
وتأمل معي قول الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الروم:٣٣، ٣٤)، وتأمل مع ذلك قوله : ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ (فصلت: ٥١) تجد أن قوله -عز من قائل-: ﴿أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾، ﴿أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ مقطوع بوقوعه، وهذا واضح كما بينا في الآيتين السابقتين؛ ولذا استعملت إذا في الموضعين، أما قوله تعالى:، ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ (المعارج: ٢٠). قد يلتبس عليك التعليق بـ"إذا" فيهما، وتقول: إن مس الضر أو الشر ينبغي أن
стр. 283
يكون نادرًا وغير مقطوع بوقوعه، فالموضع هنا موضع إن لا إذا، ولكن هذا الالتباس سرعان ما يزول عندما تتأمل السياق في الآيتين، وتعرف أن الحديث عن الإنسان الكافر الذي إذا مسه شر أو ضر دَعَا ربه منيبًا إليه، دعاه دعاءً عريضًا، فإذا ما أنعم الله عليه أعرض ونأى بجانبه وكفر بأنعم ربه. ولهذا توعدهم الله : ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٥٥).
فمثل هذا الكافر ينبغي أن يكون مس الضر أو الشر له في حكم المقطوع به، وتلاحظ التعبير بلفظ المس في الآيتين هو أقل من الإصابة أو الإذاقة، ثم تنكير الضر وتعريف الشر بـ"أل" الجنسية المفيدة أي نوع من أنواع الشر، فإذا ما أضفتَ ذلك إلى الإنسان المتحدث عنه، وقد وقفت على حقيقته تيقنت أن الشرط ينبغي أن يكون مجزومًا به ومقطوعًا بوقوعه.
وعندما تتأمل الشعر الجيد، تجد للتعليق بهاتين الأداتين موقعًا لطيفًا، ومذاقًا حلوًّا. اقرأ مثلًا قول أبي الطيب المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أكرمت اللئيم تمردا
تجده قد استخدم إذا في جانب إكرام الكريم، فدل على أنه أمر محقق، وينبغي أن يوجد دائمًا وأن يقع كثيرًا، ثم استخدم إن في جانب إكرام اللئيم، فدل على أنه نادرًا ما يقع؛ لأن النفوس تنفر من اللئام وتأبَى إكرامهم.
واقرأ قول الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (الزلزلة: ١) وقوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (النصر: ١: ٣) تجد التعليق بـ"إذا" في الأداتين أفاد تحقيق وقوع الشرط، فزلزلة الأرض وإخراجها أثقالها في ذلك اليوم
стр. 284
من الأحداث الثابتة المحققة، ومجيء نصر الله الذي وعد به حق ثابت لا ريب فيه، ولا يتردد في إثباته مؤمن، فقد جاء كما وعد -جل وعلا-.
وخذ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (آل عمران: ١١١). وقوله : ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (الممتحنة: ٢) وقد أفاد التعليق بـ"إن" ضعف شوكة الكفرة، وعدم جرأتهم على قتال المؤمنين؛ فقتالهم أمر نادر الوقوع غير مقطوع به، وكذا الظفر بالمؤمنين، أي: ظفر هؤلاء الأعداء بالمؤمنين أمر غير محقق وغير مقطوع به: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ (الممتحنة: ٢) أي: يظفروا بكم، ثم تأمل قوله: ﴿وَوَدُّوا﴾ بالماضي عطفًا على المضارع: ﴿يَكُونُوا﴾ و ﴿يَبْسُطُوا﴾، وما ينبئ به استعمال الماضي في موضع المضارع من رغبة الكفرة وتمنيهم وحرصهم الشديد على أن يتحقق هذا الفعل. كأنه قيل: ودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم عن دينكم، هم يتمنون لكم مضار الدنيا والآخرة من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردكم كفارًا، وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.
هذا هو رأي الزمخشري، ويرى الخطيب: أن: ﴿وَوَدُّوا﴾ ليس معطوفًا على الجزاء، بل هو معطوف على الجملة الشرطية، كما في عطف: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (آل عمران: ١١١) في الآية السابقة؛ وذلك لأنه ليس في تقييد: ﴿وَوَدُّوا﴾ بالشرط فائدة؛ إذ ودادتهم أن يرتدوا كفارًا حاصلة، وإن لم يظفروا به.
ذكر ذلك الخطيب القزويني في كتاب (الإيضاح).
стр. 285
أحوال متعلقات الفعل، والأسرار البلاغية التي تكمن وراء الصيغ والعبارات
وننتقل بعد إنهائنا الحديث عن أحوال المسند إلى الحديث عن أحوال متعلقات الفعل:
وكلمة متعلقات: بداية تقرأ بكسر اللام، وتقرأ بفتحها، والكسر أرجح؛ إذ يقال: تعلق المفعول بالفعل، وتعلق الجار والمجرور بالفعل، فالمفعول متعلق بالفعل، والجار والمجرور متعلق به. والمراد بمتعلقات الفعل ما يتصل بالفعل ويتعلق به من: فاعل، ومفعول، وجار ومجرور، وظرف، ومصدر، وحال، وتمييز، وغير ذلك. فالفعل يلابس هذه المتعلقات ويتصل بها، فيتحقق بهذا الاتصال أو بتركه كثير من الأغراض البلاغية.
ثم إن هذه المتعلقات يكمن وراء بنائها وتركيبها مع الفعل كثير من المزايا والدقائق اللطيفة. وعلى الدارس أن يلم بتلك المزايا، وأن يعلم كيف يقدَّم المتعلق على الفعل أو يتأخر عنه، وما أغراض تقديمه أو تأخيره؟ وإذا وجد أكثر من متعلق، فكيف تصاغ الجملة، وما وموضع كل متعلق فيها، ومتى يحذف؟
فوراء ذلك كثير من الأسرار والدقائق والمزايا التي ينبغي للدارس أن يقف عليها ويحيط بها، ويلحق بالفعل -كما هو معلوم- ما هو بمعناه: كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، وغيره من المشتقات.
أولًا: تقييد الفعل بالمفعول ونحوه:
إنك إذا أردت أن تخبر عن مجرد وقوع الحدث وحصوله دون إشارة لفاعله الذي صدر منه، أو مفعوله الذي وقع عليه، قلتَ: وقع ضرب، أو حدث مجيء، أو
следующие страницы →