← Баляга

Баляга · id 7582

البلاغة 2 - المعاني - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (482 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بالاسم؛ لأن ما صدر منهم كذب مستمر، وجارٍ على عادتهم الدائمة المستمرة، وناشئ عن رسوخ في الكذب والثبات. هذا وقد اهتم البلاغيون بتقييد الفعل بأدوات الشرط: "إن" و"إذا"؛ لما يكمن وراء تقييد المسند: وهو الفعل بهما من اعتبارات بلاغية وملاحظات دقيقة. قال البلاغيون: إنّ "إنْ" و"إذا" للشرط في الاستقبال بمعنى: تقييد حصول الجزاء على حصول الشرط في الاستقبال، نحو: إن تزرني أكرمك، إذا جاءك الفقير فأحسن إليه. وتختلف "إن" عن "إذا"، في أن "إذا" تستعمل في الشرط المقطوع لقبوله، وذلك بأن يكون الشرط مجزومًا بوقوعه في المستقبل، نحو: إذا غربت الشمس حل الظلام، إذَا أذن المؤذن أسرع المسلم للصلاة، أو يظن ظنًّا قويًّا وقوعه فيه، نحو: إذا جئتني أكرمتك، إذا كنت تعتقد اعتقادًا قويًّا أنه سيأتي، وترجح مجيئه على عدم مجيئه، ولذا كان الغالب في الفعل المستعمل مع "إذا" أن يكون بلفظ الماضي؛ للإشعار بتحقيق الوقوع، أما "إنْ" فتستعمل في الشرط غير المقطوع بوقوعه، بأن يتردد في وقوعه في المستقبل، أو يُظن عدم وقوعه، ويترجح على الوقوع، أو يكون مما لا يقع إلا نادرًا، كما سنرى في الشواهد. فإذا كان الشرط مجزومًا ومقطوعًا بعدم وقوعه في المستقبل فلا تُستعمل فيه "إن" ولا "إذا" إلا لنكتة بلاغية، وانظر مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ (الأعراف: ١٣١). تلاحظ أنه قد استعملت "إذا" في جانب الحسنة، و"إن" في جانب السيئة؛ وذلك لأن مجيء الحسنة أمر مقطوع به محقق الوقوع، إذ المراد بالحسنة الحسنة المطلقة عن التقييد بنوع معين؛ ولذا عُرِّفت تعريف الجنس لتشمل كل فرد من أفراده، وكل نوع من أنواع الحسنات، وشأن هذا أن يقع كثيرًا؛ لاتساعه، وكثرة أفراده

стр. 282

وأنواعه، ولكون مجيء الحسنة محققًا ومقطوعًا بوقوعه، فقد عبر عنه بلفظ الماضي: ﴿جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾، أما إتيان السيئة فغير محقق الوقوع، إذ نادرًا ما تقع السيئة بالنسبة إلى الحسنة؛ ولذا استعملت "إنْ" معها، ونكِّرت السيئة؛ لإفادة التقليل، فعبر عن الإصابة بلفظ المضارع: ﴿تُصِبْهُمْ﴾ المشعر لعدم تحقق الوقوع. وتأمل قول الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (الروم: ٣٦). تجد أنه نكرت الرحمة: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾، وعبر عن الإذاقة بالماضي: ﴿أَذَقْنَا﴾، واستعملت "إذا"؛ وذا للدلالة على أن إذاقة الناس قدرًا قليلًا من الرحمة أمر مقطوع به، ثم استعملت "إن" والمضارع: ﴿تُصِبْهُمْ﴾، ونكرت السيئة ﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ لإفادة أن إصابة السيئة لهم أمر غير مقطوع به، فالله لا يؤاخذهم بما كسبوا بل يعفو عن كثير: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (فاطر: ٤٥). وتأمل معي قول الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الروم:٣٣، ٣٤)، وتأمل مع ذلك قوله : ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ (فصلت: ٥١) تجد أن قوله -عز من قائل-: ﴿أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾، ﴿أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ مقطوع بوقوعه، وهذا واضح كما بينا في الآيتين السابقتين؛ ولذا استعملت إذا في الموضعين، أما قوله تعالى:، ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ (المعارج: ٢٠). قد يلتبس عليك التعليق بـ"إذا" فيهما، وتقول: إن مس الضر أو الشر ينبغي أن

стр. 283

يكون نادرًا وغير مقطوع بوقوعه، فالموضع هنا موضع إن لا إذا، ولكن هذا الالتباس سرعان ما يزول عندما تتأمل السياق في الآيتين، وتعرف أن الحديث عن الإنسان الكافر الذي إذا مسه شر أو ضر دَعَا ربه منيبًا إليه، دعاه دعاءً عريضًا، فإذا ما أنعم الله عليه أعرض ونأى بجانبه وكفر بأنعم ربه. ولهذا توعدهم الله : ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٥٥). فمثل هذا الكافر ينبغي أن يكون مس الضر أو الشر له في حكم المقطوع به، وتلاحظ التعبير بلفظ المس في الآيتين هو أقل من الإصابة أو الإذاقة، ثم تنكير الضر وتعريف الشر بـ"أل" الجنسية المفيدة أي نوع من أنواع الشر، فإذا ما أضفتَ ذلك إلى الإنسان المتحدث عنه، وقد وقفت على حقيقته تيقنت أن الشرط ينبغي أن يكون مجزومًا به ومقطوعًا بوقوعه. وعندما تتأمل الشعر الجيد، تجد للتعليق بهاتين الأداتين موقعًا لطيفًا، ومذاقًا حلوًّا. اقرأ مثلًا قول أبي الطيب المتنبي: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أكرمت اللئيم تمردا تجده قد استخدم إذا في جانب إكرام الكريم، فدل على أنه أمر محقق، وينبغي أن يوجد دائمًا وأن يقع كثيرًا، ثم استخدم إن في جانب إكرام اللئيم، فدل على أنه نادرًا ما يقع؛ لأن النفوس تنفر من اللئام وتأبَى إكرامهم. واقرأ قول الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (الزلزلة: ١) وقوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (النصر: ١: ٣) تجد التعليق بـ"إذا" في الأداتين أفاد تحقيق وقوع الشرط، فزلزلة الأرض وإخراجها أثقالها في ذلك اليوم

стр. 284

من الأحداث الثابتة المحققة، ومجيء نصر الله الذي وعد به حق ثابت لا ريب فيه، ولا يتردد في إثباته مؤمن، فقد جاء كما وعد -جل وعلا-. وخذ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (آل عمران: ١١١). وقوله : ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (الممتحنة: ٢) وقد أفاد التعليق بـ"إن" ضعف شوكة الكفرة، وعدم جرأتهم على قتال المؤمنين؛ فقتالهم أمر نادر الوقوع غير مقطوع به، وكذا الظفر بالمؤمنين، أي: ظفر هؤلاء الأعداء بالمؤمنين أمر غير محقق وغير مقطوع به: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ (الممتحنة: ٢) أي: يظفروا بكم، ثم تأمل قوله: ﴿وَوَدُّوا﴾ بالماضي عطفًا على المضارع: ﴿يَكُونُوا﴾ و ﴿يَبْسُطُوا﴾، وما ينبئ به استعمال الماضي في موضع المضارع من رغبة الكفرة وتمنيهم وحرصهم الشديد على أن يتحقق هذا الفعل. كأنه قيل: ودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم عن دينكم، هم يتمنون لكم مضار الدنيا والآخرة من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردكم كفارًا، وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه. هذا هو رأي الزمخشري، ويرى الخطيب: أن: ﴿وَوَدُّوا﴾ ليس معطوفًا على الجزاء، بل هو معطوف على الجملة الشرطية، كما في عطف: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (آل عمران: ١١١) في الآية السابقة؛ وذلك لأنه ليس في تقييد: ﴿وَوَدُّوا﴾ بالشرط فائدة؛ إذ ودادتهم أن يرتدوا كفارًا حاصلة، وإن لم يظفروا به. ذكر ذلك الخطيب القزويني في كتاب (الإيضاح).

стр. 285

أحوال متعلقات الفعل، والأسرار البلاغية التي تكمن وراء الصيغ والعبارات وننتقل بعد إنهائنا الحديث عن أحوال المسند إلى الحديث عن أحوال متعلقات الفعل: وكلمة متعلقات: بداية تقرأ بكسر اللام، وتقرأ بفتحها، والكسر أرجح؛ إذ يقال: تعلق المفعول بالفعل، وتعلق الجار والمجرور بالفعل، فالمفعول متعلق بالفعل، والجار والمجرور متعلق به. والمراد بمتعلقات الفعل ما يتصل بالفعل ويتعلق به من: فاعل، ومفعول، وجار ومجرور، وظرف، ومصدر، وحال، وتمييز، وغير ذلك. فالفعل يلابس هذه المتعلقات ويتصل بها، فيتحقق بهذا الاتصال أو بتركه كثير من الأغراض البلاغية. ثم إن هذه المتعلقات يكمن وراء بنائها وتركيبها مع الفعل كثير من المزايا والدقائق اللطيفة. وعلى الدارس أن يلم بتلك المزايا، وأن يعلم كيف يقدَّم المتعلق على الفعل أو يتأخر عنه، وما أغراض تقديمه أو تأخيره؟ وإذا وجد أكثر من متعلق، فكيف تصاغ الجملة، وما وموضع كل متعلق فيها، ومتى يحذف؟ فوراء ذلك كثير من الأسرار والدقائق والمزايا التي ينبغي للدارس أن يقف عليها ويحيط بها، ويلحق بالفعل -كما هو معلوم- ما هو بمعناه: كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، وغيره من المشتقات. أولًا: تقييد الفعل بالمفعول ونحوه: إنك إذا أردت أن تخبر عن مجرد وقوع الحدث وحصوله دون إشارة لفاعله الذي صدر منه، أو مفعوله الذي وقع عليه، قلتَ: وقع ضرب، أو حدث مجيء، أو

стр. 286

تحقق نجاح، فتجعل مصدر الحدث فاعلًا لفعل عام، إذ مرادك أن تخبر عن وقوع الحدث وحصوله من غير إفادة تعلقه بفاعل أو مفعول أو نحوهما، فأنت في غنًى عن ذكر الفاعل والمفعول، أما إذا أردت أن تقيد وقوع الفعل من فاعل، فعليك أن تذكر ذلك الفاعل، فتقول مثلًا: ضَرب محمد، جاء زيد، نجح خالد، وإذا أردت أن تقيده بمفعول ونحوه قلت: ضرب محمد اللص، جاء زيد من البيت، نجح عمرو في الاختبار، اندفع خالد اندفاعًا، وهكذا. يقول الإمام عبد القاهر: وها هنا أصل يجب ضبطه وهو: أن حال الفعل مع المفعول الذي يتعدى إليه حاله مع الفاعل، وكما أنك إذا قلت: ضرب زيد، فأسندتَ الفعل إلى الفاعل، كان غرضك من ذلك أن تثبت الضرب فعلًا له، لا أن تفيد وجود الضرب في نفسه وعلى الإطلاق. وكذلك إذا عديت الفعل إلى المفعول فقلت: ضرب زيد عمرًا، كان غرضك: أن تفيد التباس الضرب الواقع من الأول بالثاني، ووقوعه عليه. ألا ترى أنك إذا قلت: هو يعطي الدنانير، كان المعنى: على أنك قصدت أن تعلم السامع أن الدنانير تدخل في عطائه، أو أنه يعطيها خصوصًا دون غيرها، وكان غرضك من الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء لا الإعطاء في نفسه، ولم يكن كلامك مع مَن نفَى أن يكون منه إعطاء بأي وجه من الوجوه كان، بل مع مَن أثبت له إعطاء، إلا أنه لم يثبت إعطاء دنانير. فاعرف ذلك فإنه أصل كبير عظيم النفع. انتهى من (الدلائل). وذكر الخطيب: أن تقييد الفعل بمفعول ونحوه إنما يكون لتربية الفائدة أي: تكثيرها، تقول: ضربت، فتفيد نسبة الضرب إليك ووقوعه منك، وتقول: ضربت زيدًا، فتفيد: وقوع الضرب منك على زيد، وتقول: ضربت زيدًا ضربًا شديدًا يوم الجمعة أمام الناس، فكلما زدت قيدًا ازدادت الفائدة، وأنت لا تزيد

стр. 287

هذه القيود هكذا عَبَثًا، وإنما المقام هو الذي يملي عليك تلك الزيادة ويقتضيها، فأنت إذا أردت أن تخبر عن رؤيتك لزيد تقول: رأيت زيدًا. فإذا أردت أن تؤكد تلك الرؤية، قلت: رأيته بعيني، فزيادة الجار والمجرور أفادت تأكيد الرؤية التي اقتضاها المقام. وتأمل معي قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب: ٤) تجد أن القول لا يكون إلا بالفم، والقلب لا يكون إلا في الجوف، ولما كان المقام مقام إنكار وزجر لمن يظاهر زوجه قائلًا لها: أنت عليَّ كظهر أمي، ولمن يجعلون الدعي ابنًا ويسوون بينه وبين الابن، فقد ذكر هذين القيدين في جوفه بأفواهكم؛ تأكيدًا للإنكار، ومبالغةً في الردع والزجر، ثم انظر إلى هذا القيد: ﴿لِرَجُلٍ﴾، وتأمل فرق: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، وبين: ما جعل الله من قلبين في جوف، فستراه دقيقًا لطيفا، أن ذكر هذا القيد لرجل، وتقييد الجعل به أبلغ في الإنكار، وآكد في الرجع والزجر؛ إذ المرأة قد يتصور وجود قلبين في جوفها: قلبها وقلب جنينها عندما تكون حاملًا، أما الرجل فلا يتصور وجود قلبين في جوفه بحال من الأحوال؛ ولذا كان تقييد الجعل به أشدَّ في الإنكار وأقوى في الزجر والردع. وكذا القول في قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ (النور: ١٥). فقد ذكر هذين القيدين: ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، فأكد الإنكار والزجر، إذ الآية في سياق الحديث عن أولئك الذين خاضوا في حادثة الإفك، والتلقي لا يكون إلا بالألسنة والقول لا يكون إلا بالأفواه، فذِكر هذين القيدين فيه مزيد من الردع والتوبيخ الذي اقتضاه المقام.

стр. 288

واقرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: ٧٥). تجد أن زيادة الجار والمجرور: ﴿لَكَ﴾ فيه مزيد من تأكيد اللوم وتقريره، وقد اقتضى المقام ذلك؛ إذ موسى ﵇ قد اتبع العبد الصالح الخضر ليتعلم منه، وقال له الخَضِر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (الكهف: ٧٠) ولكن موسى أنكر خرق السفينة: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ (الكهف: ٧١) فذكَّره الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: ٧٢) فاعتذر موسى ﵇ ثم انطلقا، فلما قتل الخضر الغلامَ أنكر موسى ﵇ مرة ثانية: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (الكهف: ٧٤) فذكَّره: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: ٧٥). تلاحظ أن القيد: ﴿لَكَ﴾ فيه إبراز وإيضاح وتأكيد للوم الذي اقتضاه المقام؛ لأن موسى ﵇ قد وعد العبد الصالح ألا يسأله عن شيء يحدث، ولكنه لم يستطع صبرًا، فأنكر خرق السفينة، ولامه العبد الصالح على عدم صبره، ثم أنكر قتل الغلام، فأكد العبد الصالح اللوم بالجار والمجرور: ﴿لَكَ﴾، وبهذا يتضح: أن تلك القيود لا تزاد عبثًا وإنما تزاد لداع يقتضيه المقام. وينبغي على الدارس أن يكون بصيرًا بتلك المقامات وأن يقف على معاني تلك القيود، وما يكمن وراءها من دقائق، وما يكون وراء استعمالها وتقييد الفعل به من لطائف وأسرار. انظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (الإسراء: ٩٧) وقوله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافات: ١١٣). وتأمل القيد ﴿عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ وما يفيده من

стр. 289

استعلاء البركة وإحاطتهما بهما، ثم قارن بينه وبين القيد في الآية الأولى على وجوهه، وتبين كيف أبرز ذلك القيد أولئك الكفرة وقد علوا وجوههم. إن الحرف: ﴿عَلَى﴾ يفيد الاستعلاء، ولكنه استعلاءُ تعظيمٍ في آية الصافات، واستعلاء خزي وإهانة في آية الإسراء. وتأمل فرق ما بين اللام وعلى في الآيات الكريمة: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ (االأنبياء: ١٠١)، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: ١٧١)، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ (هود: ٤٠). تجد أن اللام قد ذكرت عند سبق النفع، و ﴿عَلَى﴾ قد ذكرت عند سبق الضر؛ وذلك لأنك تلحظ في اللام معنى التملك والانتفاع، وتلحظ في: ﴿عَلَى﴾ معنى القهر والاستعلاء؛ ولذا يقول القائل: على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا لي وتأمل فرق ما بين "على" و"في" في الآيات الكريمة: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (لقمان: ٥)، ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤)، ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ (الكهف: ١٠١). تجد أن "على" تحمل معنى العزة والارتفاع، و"في" تحمل معنى الذل والانحطاط، وكأن المؤمن مستعلٍ على جواد يركضه حيث شاء، والكافر منغمسٌ في ظلام مرتبك فيه لا يرى ولا يعرف أين يتوجه، وقد تجد في "في" معنى العزة والرفعة؛ وذلك عندما يكون الانغماس في النعيم والعز والغرفات والمقام الأمين: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (سبأ: ٣٧)، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ

стр. 290

أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (الدخان: ٥١، ٥٢). ففرق بين انغماس في جنات وعيون ومقام أمين، وغرفات ورحمة، وبين انغماس في ضلال أو غطاء عن ذكر الله أو عذاب مهين. وتأمل بذلك ما جاء في قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٧)، ﴿الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ (سبأ: ٣٨). إلى غير ذلك من المعاني الدقيقة التي تراها كامنة وراء استخدام حروف الجر في القرآن والتراكيب الجيدة، وشأن الجار والمجرور شأن سائر المتعلقات، هي لا تذكر إلا إذا اقتضاها المقام ودعا إليها داع، انظر إلى ذكر المفعول المطلق، وإفادته للتأكيد في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٢١)، وقوله : ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ (الفرقان: ٣٦)، وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ (الفرقان: ٣٨، ٣٩). فتقييد الفعل بالمفعول المطلق في الآيات الكريمة: ﴿عَتَوْا عُتُوًّا﴾، ﴿دَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، ﴿تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ قد أدى إلى المبالغة وتوكيد وقوع هذه الأفعال. والمقام قد اقتضى ذلك، فهؤلاء لا يرجون لقاء الله ويطلبون إنزال الملائكة عليهم ويطلبون رؤية ربهم، وهذا عتو ما بعده عتو، وأولئك كذبوا واستكبروا، منهم من قال: أنا ربكم الأعلى، ومنهم من قال: من أشد منا قوة، منهم مَن عقر الناقة وعتى عن أمر ربه، فاستحقوا لهذا أن يضاعف لهم العذاب، وأن يؤخذوا أخذ عزيز مقتدر.

стр. 291

وتأمل ذكر الحال في قول الله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (النمل: ١٩). وكيف أبرزت الفعل وبينت كيفية وقوعه من سليمان ﵇ فهو تبسم واضح قد قوي حتى وصل إلى حد الشروع في الضحك، وانظر إلى الحال أيضًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤٥). وكيف أفصحت عن مهمة النبي ﷺ -وبينت الهدف والغاية من إرسال الرسل. وتأمل ذكر الحال في قول الشاعر: دنوت تواضعًا وعلوت مجدًا ... فشاناك انخفاض وارتفاع وكيف أبرزت ما يقصده الشاعر، وبينت المراد من الدنو، ثم انظر كيف يكون المعنى لو لم تذكر هذه الحال، فقيل: دنوت وعلوت وعلوت فشاناك انخفاض وارتفاع، إن المعنى يكون ملبسًا ومشكلًا. بهذا يتبين لك أن تلك القيود لا تذكر إلا لمعنى يقتضيه المقام ويدعو إليه الداعي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 292

الدرس: ١٤ تابع: أحوال متعلقات الفعل .

стр. 293

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (تابع: أحوال متعلقات الفعل) أغراض حذف المفعول إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونسترضيه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، كما نعوذ به من سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فحديثنا -بمشيئة الله تعالى- عن باقي أحوال متعلقات الفعل، وأعني بذلك: أغراض حذف المفعول، وتقديم المفعول ونحوه من المتعلقات على العامل، وسر تقديم بعض المتعلقات على بعض. فقد أبرز الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) ما يكمن وراء حذف المفعول به من دقائق ولطائف، وعندما ترجع إلى كتابه المذكور؛ يتبين لك أن كل مَن جاء بعده من البلاغيين قد استمدوا وأفادوا من حديثه عن المفعول، ومن تجليته لما يكمن وراء حذفه من مزايا وأسرار بلاغية. ومعلوم أن الفعل اللازم لا يحتاج إلى مفعول، نحو: فرح محمد، وسعد علي، وبكَى عمرو، وشقي الكافر؛ ولذا لا يدخل معنا في حذف المفعول؛ إذ لا مفعول له أصلًا، إلا إذا عديته بالهمزة أو بالتضعيف، فقلت: أسعدت عليًّا، وأبكيتُ عمرًا، وأشقيت فلانًا، فعندئذ يصير الفعل متعديًا ويجري عليه ما يجري على الفعل المتعدي من أحكام. والفعل المتعدي: له مفعول يقع عليه، ولا يحذف ذلك المفعول، ويرد الفعل بدونه إلا لأغراض بلاغية وأسرار دقيقة يقتضيها المقام، منها: أن يكون الغرض من التركيب إثبات المعنى الذي اشتق منه الفعل لفاعله، أو نفيه عنه، من غير نظر إلى تعلقه بمفعول معين، وعندئذٍ يكون الفعل المتعدي كاللازم في أنك لا ترى له مفعولًا لا لفظًا ولا تقديرًا، تقول: فلان يحل ويعقد، ويعطي ويمنع، ويأمر وينهى، ويضر وينفع، وتقول: محمد يعطي، ويبذل ويضيف

стр. 294

ويقري. فالمراد من ذلك: إثبات المعاني التي اشتقت منها الأفعال لفاعليها دونما نظر إلى تعلقها بمفعول ونحوه. وكأنك تريدأن تقول صار فلان بحيث يكون منه الحل والعقد، والإعطاء والمنع، والأمر والنهي، والضر والنفع، والإعطاء والإبذال، والإقراء والضيافة، صار أهلًا لذلك. ولو أثبت المفعول، فقلت مثلًا: يعطي الذهب أو الدراهم؛ لضاع هذا الغرض؛ إذ ينصرف الذهن إلى نوع المعطى لا إلى جنس الإعطاء؛ ولذا فإنك عندما تريد بِطِي المفعول هذا الغرض، وهو: إثبات المعنى في نفسه للفاعل، فإنك لا تنظر إلى المفعول المطوي، ولا تلتفت إليه ولا تخطره ببالك، ولا تقدره؛ إذ المقدر كالمذكور، ومما ورد في النظم الكريم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: ٩). فالمعنى -والله تعالى أعلم-: هل يستوي مَن له علم ومن لا علم له، من غير أن يقصد النص على معلوم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ (النجم:٤٣، ٤٤)، ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ (النجم: ٤٨). فالمراد: أنه هو الذي منه الإضحاك والإبكاء، والإحياء والإماتة، والإغناء والإقناء، دون قصد إلى مفعول يقع عليه الفعل. وكذا قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (البقرة: ٢٥٨). أي: يكون منه الإحياء والإماتة دون نظر إلى مَن أحيا ولا إلى مَن أمات. وقوله : ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: ١٧). فالمفعول المطوي في: ﴿يُبْصِرُونَ﴾ من قبيل المتروك المطروح الذي لا يلتفت إليه، ولا يخطر بالبال، ولا يقدر. إذ المراد: وتركهم في ظلمات لا يتأتى الإبصار منهم. وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٢). أي: وأنتم يقع منكم العلم وتتصفون به.

стр. 295

وقوله كذلك: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: ١١٠). أي: ونتركهم في ضلالهم يترددون حائرين متصفين بالعمى، وهكذا كل موضع كان القصد فيه أن يثبت المعنى في نفسه فعلا للشيء، وأن يخبر بأن من شأنه أن يكون منه أو لا يكون إلا منه أو لا يكون منه، فإن الفعل لا يعدى هناك؛ لأن تعديته تنقض الغرض، وتغير المعنى. كذا في (الدلائل). فمثال الإخبار بأن الفاعل مِن شأنه أن يكون منه الفعل قولك: هو يعطي، إذا أريد التوكيد وتقوية الحكم لا القصر. وقولك: يعطي محمد، ويكرم خالد. ومثال الإخبار بأن الفعل لا يكون إلا من الفاعل: قولك: هو يعطي، هو يحل ويعقد، إذا أردت بتقديم المسند إليه القصر. ومثال الإخبار بأن الفعل لا يكون من الفاعل: قولك: هو لا يعطي، فلان لا يحل ولا يعقد، وتأمل بعدئذ قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ (القصص:٢٣، ٢٤). تجد أن المفعول قد طُوي في أربعة مواضع، إذ المعنى: وجد عليه أُمةً من الناس يسقون غنمهم أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما؛ حتى يصدر الرعاء، وقالتَا: لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما، ولكن هذا التقدير غير مراد؛ فالمفعول لا يلتفت إليه في الآيات، ولا يخطر بالبال ولا يُنوَى؛ لأن إرادته وتقديره يؤديان إلى خلاف المراد. يقول الإمام عبد القاهر: لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره، ويؤتَى بالفعل مطلقًا؛ وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من

стр. 296

الناس في تلك الحال سَقْي، ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتَا: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء، وأنه كان من موسى ﵇ من بعد ذلك سقي. فأما ما كان المسقى أغنمًا أم إبلًا أم غيرَ ذلك؟ فخارج عن الغرض وموهم خلافَه؛ فذلك أنه لو قيل: وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما، جاز أن يكون لم ينكر الذود، لا من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم حتى لو كان مكان الغنم الإبل لم ينكر الذود، ثم إنك إذا قلت: ما لك تمنع أخاك؟ كنتَ منكرًا المنع، لا من حيث هو منع بل من حيث هو منع أخ. انتهى من كلام عبد القاهر في (الدلائل). وقد يكون الغرض من طي المفعول والسكوت عنه هو إثبات المعنى في نفسه للفاعل دون قصد إلى مفعول معين، إلا أن هذا الإثبات المطلق يستلزم إثباتًا مقيدًا، انظر مثلًا إلى قول البحتري يمدح الخليفة المعتز، ويعرِّض بالمستعين: شجو حساده وغيظ عُداه ... أن يرى مبصرٌ ويسمع واع فالمعنى: إنما يؤلم حساده، ويغيظ أعداءَه أن يوجد في الدنيا مَن يرى ويسمع، من يرى مبصر ويسمع واعْ؛ لأنه إذا وجد من يرى ويسمع فسوف يرى قطعًا مآثرَه وأمجاده، وسوف يسمع لا محالة عن محاسنه وسيرته، فقد اشتهرت محاسنه وذاعت مآثره، بحيث لا تخفى على من يسمع ويرى؛ لأنها ملأت الآفاق، وحلت بكل موضع. والذي يحزن حساده ويغيظ أعداءَه -يعرِّض بالمستعين- أن يوجد من يرى ومن يسمع؛ لأن وجوده يستلزم أن يسمع أخبار المعتز، وأن يرى فضائله ومحاسنه. ولذا يذكر الخطيب: أن الفعل مطلقًا قد جُعل كنايةً عن الفعل مقيدًا بمفعول مخصوص، إذ بين مجرد الرؤية والسماع، وبين رؤية المحاسن وسماع الأخبار تلازم وارتباط. كذا كذا ذكره الخطيب في (الإيضاح)

стр. 297

ومن جيد ذلك قول عمرو بن معد يكرب: فلو قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت فهنا يقصد قومه بالجبن والفرار، وأنهم لم يبلوا في الحرب بلاء، ولم يصنعوا شيئًا يستحقون به الحمد والثناء. فما كان منه قد حبس لسانه وقطعه عن النطق مشيدًا بهم، ولو كان منهم جهاد وبلاء حسن لنطق وأشاد به. هذا هو المعنى، وتجد الشاعر قد سكت عن المفعول وطواه في قوله: ولكن الرماح أجرت؛ لأن غرضه: أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس للألسنة عن النطق، ولو قال: أجرتني لجاز أن يتوهم أنها أجرت لسانه هو دون ألسنة غيره، وأن الرماح قد صنعت شيئًا لو أبصره غير عمرو؛ لأشاد به ونطق، فلما كان في تعدية أجرت ما يوهم ذلك، وقف فلم يعد البتة ولم ينطق بالمفعول؛ لتخلص العناية لإثبات الإجرار للرماح، ويصحح أنه كان منها، وتسلم بكليتها لذلك. كذا في (الدلائل). ويرى الخطيب: أن غرض الشاعر أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس للألسنة عن النطق بمدحهم والافتخار بهم؛، حتى يلزم بطريق الكناية مطلوبه، وهو أنها أجرت لسانه هو، فإثبات الإجرار للرياح مطلقًا يستلزم إطلاقه مقيدًا. كذا في (الإيضاح). ولا يخفى عليك، أن الاعتداد بالمعنى المكنى به أولى وأبلغُ في تحقيق مراد الشاعر من الاعتداد بالمعنى المكنى عنه؛ ولذا كان رأي عبد القاهر أدق، وعباراته وتحليلاته لطي المفعول أولى بالقبول، وما كان أغنى الخطيب عن القول بالكناية، وعن ذلك التحديد القائل للمغزى من الحذف. إن ما ذكره مستمد من كلام عبد القاهر، ومحاولة لإيجازه وتحديده، ولكنه إيجاز مخل، وتحديد قد قتل روح التذوق والاستمتاع.

стр. 298

هذا، وقد يُقصد بحذف المفعول الإيضاح بعد الإبهام، وهذا غرض جليل؛ لأن الشيء إذا أُبهِم تطلعت النفوس إليه واشتاقت لمعرفته، فإذا ما بين بعد ذلك وقع في النفس موقعًا حسنًا، وترك فيها أثرًا طيبًا. ويكثر هذا الحذف في مفعول المشيئة أو الإرادة الواقعة بعد "لو"، و"إن" ونحوهما من أدوات الشرط. كما ترى في قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل: ٩). إذ المعنى: ولو شاء هدايتكم لهداكم أجمعين. فحذف مفعول: ﴿شَاءَ﴾؛ لدلالة جواب الشرط عليه، وفي هذا الحذف إبهام يعقبه إيضاح وتبيين؛ لأن المخاطب إذا سمع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ﴾ (النحل: ٩٣). تعلقت نفسه بشيء قد أبهم وهو مفعول: ﴿شَاءَ﴾، وتطلعت إلى معرفته، فإذا ما ذكر الجواب: ﴿لَهَدَاكُمْ﴾ استبان ذلك الشيء، وعرف بعد أن كان قد أبهم؛ ولذا كان أوقع في النفس وأبلغ وأشد تأثيرًا. وكذا القول في الآيات الكريمة: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأنعام: ٣٥)، ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (الشورى: ٢٤)، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ (الشورى: ٣٢، ٣٣)، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (السجدة: ١٣) فقد حُذف مفعول المشيئة في الآيات الكريمة وتقديره: لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم، لئن يشأ الله الختم على قلبك يختم، لئن يشأ الله إسكان الريح أسكنها، لو شئنا إتيان كل نفس هداها لآتينا. ولا يخفى عليك ما في حذف المفعول، ثم دلالة الجواب عليه من الإيضاح بعد الإبهام؛ فهذا مما يجعل المعنى يقر في النفس ويثبت ويقع منها موقعًا حسنًا.

стр. 299

ومن ذلك قول طرفة بن العبد: فإن شئتَ لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافةَ ملوى من القد مُحصد لم تَرقل: لم تسرع، والمَلوى: هي الصوت المفتول المحكم، كذلك المحصد، والقد: أي: الجلد المشقوق. يتحدث طرفة عن ناقته فيقول: إن شئت الإرقال أرقلت، وإن شئت عدم الإرقال لم ترقلي، فطوى مفعول المشيئة في الموضعين، كما ترى وفي طيه إبهام أزاله وأبهمه جواب الشرط، ومثله قول البحتري: لو شئتَ لم تفسد سماحة حاتم ... كرمًا ولم تهدم مآثرَ خالد يصف ممدوحه: بأنه قد بلغ الغاية في الكرم والمجد، حتى فاق شهرة حاتم وخالد فيهما. والأصل لو شئت عدم إفساد سماحة حاتم وعدم هدم مآثر خالد لم تفسد ولم تهدم، فأبهم بحذف المفعول ثم بين بجواب الشرط. يقول عبد القاهر: الأصل: لا محالة، لو شئت ألا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، ثم حذف ذلك من الأول؛ استغناءً بدلالته في الثاني عليه، ثم هو على ما تراه وتعلمه من الحسن والغرابة، وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة ألا ينطق بالمحذوف ولا يظهر إلى اللفظ. فليس يخفى أنك لو رجعتَ فيه إلى ما هو أصله، فقلت: لو شئت ألا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها صِرت إلى كلام غث، وإلى شيء يمجه السمع وتعافه النفس، وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام وبعد التحريك له أبدًا لطفًا ونبلًا لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك. وأنت إذا قلت: لو شئت، علِم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء، وهو يضع في نفسه أن ها هنا شيئًا تقتضي مشيئته له أن يكون أو لا يكون، فإذا قلت: لم تفسد سماحة حاتم، عرف ذلك الشيء. كذا في (الدلائل).

стр. 300

ثم اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنفال: ٣١). أي: لو نشاء أن نقول مثل هذا لقلناه. وقوله : ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: ٣٩). أي: مَن يشأ إضلاله يضلله، ومن يشأ أن يجعله على صراط مستقيم يجعله، فلن يخفى عليك ما في حذف المفعول من دقة وجمال؛ مردهما إلى ما يتركه الإيضاح بعد الإبهام في النفس من وقع طيب وأثر حسن، هذا إذا لم يكن في تعلق فعل المشيئة أو الإرادة بالمفعول به غرابة، وذلك بأن يكون المفعول من الأمور العجيبة الغريبة، أو من الأمور البعيدة التي نادرًا ما تقع. فإن كان الأمر كذلك وجب ذِكر المفعول؛ ليتقرر في نفس السامع ويأنس به. انظر مثلًا إلى قول أبي الهندام الخزاعي في النساء: قضى وطرًا منك الحبيب المودع ... وحل الذي لا يُستطاع فيدفع ولو شئت أن أبكي دمًا لبكيته عليه ... ولكن ساحة الصبر أوسعُ لما كان بكاء الدمع من الأمور العجيبة الغريبة، وكانت إرادة الإنسان بأن يبكي دمًا أعجبَ وأغربَ، فقد ذكره الشاعر؛ ليتقرر في نفس الشاعر ويأنس به؛ لأنه عندئذٍ يكون قد ذكره مرتين؛ مرة مفعولا للمشيئة، ومرة جوابًا للشرط، والشيء إذا كرر فإنه يتقرر في النفس وتأنس به وتسكن إليه، خاصةً وأن غرابة المفعول تقتضي هذا التقرير، ويكون الإنسان مخبِرًا عن عزة نفسه مفتخرًا بعلو مكانته: لو شئت أن أرد على الأمير لرددت، ولو شئتُ أن ألقَى الخليفة كل يوم للقيته، تراه قد ذكر مفعول المشيئة؛ لكونه من الأمور المستبعدة التي تكبرها النفس، ولا تقرها بسهولة. فالأمر إذن يحتاج إلى تقرير وتأكيد؛ ولذا ذكر المفعول، وكرر ذكره ثانيةً في الجواب.

стр. 301

ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الزمر: ٤). فاتخاذ الله ولدًَا من الأمور الغريبة العجيبة، وقد آثر النظم الكريم التعبير عن ذلك بأسلوب الشرط "لو": هو حرف امتناع لامتناع ردعًا وزجرًا لأولئك الذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (البقرة: ١١٦) ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٠) ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٠) وقال المشركون: الملائكة بنات الله. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. فلو كان المفعول بهذه الغرابة ورد ذكره بهذه الإرادة -كما ترى -. أما قول أبي الحسين علي بن أحمد الجوهري أحد شعراء الصاحب بن عباد: فلم يبقِ من الشوق غير تفكري ... فلو شئتُ أن أبكي بكيت تفكرًا فليس مفعول المشيئة فيه غريبًا؛ لأن المراد بالبكاء المذكور بعد شئت بكاء الدمع لا بكاء التفكر المذكور في الجواب، فالشاعر لم يرد أن يقول: فلو شئت أن أبكي تفكرًا بكيت تفكرًا، ولكنه أراد أن يقول: أثناني النحول حتى لو شئت بكاء فبريت جفوني، وعصرت عيني؛ ليسيل منهما دمع لم أجده، ولخرج بدل الدمع التفكر، فالبكاء الثاني لا يصلح أن يكون تفسيرًا للبكاء الأول لو حذف. ومراد الشاعر لا يتم إلا بذكر مفعول المشيئة، وليس المعنى هنا في هذا البيت كالمعنى في بيت أبي الهندام؛ لأن البكاء هناك في الموضعين بكاء دم، أما هنا، فالأول: بكاء دموع، والثاني: بكاء تفكر. فلا يصلح الثاني دليلًا على الأول، ونظيره أن تقول:، لو شئت أن تعطي درهمًا أعطيت درهمين، فالثاني وهو جواب الشرط، لا يصلح أن يكون تفسيرًا للأول، وهو مفعول شئت؛ لأن الأول إعطاء درهم، والثاني إعطاء درهمين.

стр. 302

ولا نبعد إذا قلنا: أن الغرابة في بيت الجوهري في جواب الشرط بكيت تفكرًا، وأنه لغرابته لا يدل على مفعول المشيئة لو حذف؛ ولذا وجب ذكره حتى لا يضيع غرض الشاعر كما بينا. قد يقصد بحذف المفعول تهيئة العبارة لوقوع الفعل على صريح لفظ المفعول؛ إظهارًا لكمال العناية بوقوعه عليه، انظر إلى قول البحتري يمدح المعتز: قد طلبنا فلم نجد لك ... في السؤدد والمجد والمكارم مثلًا يريد أن يقول: قد بحثنا لك عن شبيه في صفاتك العالية، فأجهدنا البحث، وأضنانا دون أن نعثر على هذا الشبيه، فأنت فردٌ في صفاتك لا نظير لك ولا مثيل. وتجد الشاعر قد حذف مفعول طلب؛ ليتسنى له أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل؛ لأن نفي الوجود هو الأصل في المدح والغرض منه، أما الطلب فكالشيء يذكر ليبنَى عليه الغرض، ويؤكد به أمره. ولو قيل: قد طلبنا لك مثلًا في السؤدد والمجد والمكارم، فلم نجده لوقع الفعل طلب على صريح لفظ المفعول، والفعل المنفي الذي هو الغرض الأصلي للمديح فلم نجد على ضميره. وفرق بين أن يقع الفعل على صريح اللفظ، وأن يقع على ضميره. من أجل هذا؛ حذف الشاعر مفعول طلب؛ لأن حذفه يمكنه من أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المفعول، وشيء آخر تراه وراء حذف المفعول في البيت وهو: البيان والإيضاح بعد الإبهام، فحذف مفعول طلب قد جعل السامع يشغل به ويبحث عنه، فلما ذكر مع الفعل الثاني فلم نجد وقع في نفسه موقعًا حسنًا؛ لأنه جاء والنفس متطلعة إليه ومنشغلة به. ومزية ثالثة تجدها وراء هذا الحذف وهي: مراعاة الأدب في مقام المدح، فالشاعر كان حذرًا ولطيفًا؛ إذ تحاشى أن يواجه الممدوح بأنه يطلب له نظيرًا، ويبحث عن

стр. 303

مثيل له، بل أشار إلى ذلك إشارةً خاطفةً، ولم يمد القول، وكأنه يريد أن يطويه سريعًا؛ ليصل إلى الغرض الأصلي من المدح وهو: نفي وجود المثل. كذا في (الإيضاح). وتأمل معي قول ذي الرمة يمدح بلال بن أبي بردة، وينفي عن نفسه مدح اللئام: ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيمًا أن يكون أصاب مالًا ولكن الكِرام لهم ثنائي ... فلا أجزي إلى ما قيل قال تجد أنه لما كان الغرض الأصلي أن ينفي عن نفسه مدح اللئام، وكان الإرضاء تعليلًا له، فقد ذكر الشاعر المفعول في الموضعين؛ وذلك ليقع نفي المدح على صريح لفظ اللئيم، ويقع الإرضاء على ضمير، ولو أنه حذف مفعول أمدح فقال: ولم أمدح لأرضي بشعري لئيمًا لما تحقق غرضه، ولتوهم متوهم أنه يريد أن ينفي عن نفسه إرضاء اللئيم، وأن هذا هو أصل كلامه وغرضه منه، وليس هذا في الحقيقة مراد الشاعر، بل مراده أن ينفي عن نفسه مدح اللئام؛ ليوقع في نفس ممدوحه أن ما يسمعه من شعر لا يعرف إلا الكرام، وأنه ليس موكلًا إلا بهم. فالمقام في بيت البحتري قد اقتضى أن يحذف مفعول طلبه؛ ليقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل، واقتضى في بيت ذي الرمة أن يذكر مفعولًا لأمدح ولأرضي؛ ليقع نفي المدح على صريح لفظ اللئيم أيضًا. وقد يقصد بحذف المفعول دفع توهم غير المراد ابتداءً، ووقوع المعنى الذي يريده المتكلم في نفس مخاطبه من أول الأمر، كما في قول البحتري يمدح أبا الصقر الشيباني في قصيدته التي مطلعها: أعن سَفهٍ يوم الأبيرق أم حلم ... وقوف بربع أو بُكاء على رسم

стр. 304

قال مخاطبًا أبا الصقر: وكم زدت عني من تحامل حادث ... وصورة أيام حززنا إلى العظم يريد أن يقول: إن الممدوح طالما دفع عنه عوادي الزمن، ورد عنه طغيان أيام ضربته فأوجعته، حتى بلغت في قسوتها الغاية فقوله: حززنا إلى العظم، كناية عن بلوغها الغاية في شدة، وتلاحظ أن الشاعر قد حذف مفعول حز وتقديره: حززنا اللحم إلى العظم، وهو يريد بهذا الحذف أن يقع المعنى في نفس السامع ابتداءً، إذ لو ذكر المفعول فقال: حززنا اللحم؛ لتوهم أن الحز كان ضعيفًا، وأنه أصاب بعض اللحم مما يلي الجلد ولم يصل إلى العظم، فما دفعه عنه الممدوح إذن شيء يسير، وليس صورة أيام وأحداث قد تحاملت عليه، فإذا ما وصل السامع إلى قوله: إلى العظم، اندفع هذا التوهم وزال. ولكن الشاعر الحاذق هو الذي يوقع المعنى في ذهن سامعه من أول وهلة ولا يجعله يتصور في أول الأمر شيئًا غير مراد، ثم ينصرف إلى المراد. يقول عبد القاهر: الأصل لا محالة: حززنا اللحم إلى العظم، إلا أن في مجيئه به محذوفًا وإسقاطه له من النطق وتركه في الضمير مزية عجيبة وفائدة جليلة، وذلك أن مَن حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعًا يمنعه به من أن يتوهم في بدء الأمر شيئًا غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد، ومعلوم أنه لو أظهر المفعول فقال: وصورة أيام حززنا اللحم إلى العظم لجاز أن يقع في وهم السامع إلى أن يجيء إلى قوله: إلى العظم، أن هذا الحز كان في بعض اللحم دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم، ولما كان كذلك ترك ذكر اللحم وأسقطه من اللفظ؛ ليبرئ السامعَ من هذا، ويجعله بحيث يقع المعنى منه على أنف الفهم، أي: في أوله؛ لأن أنف الشيء أوله.

стр. 305

ويتصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلى العظم. انتهى من كلام عبد القاهر في (الدلائل). قد يحذف المفعول؛ لإرادة التعميم والامتناع عن أن يقصره السامع على ما يذكر دون غيره، انظر مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ (يونس: ٢٥) تجد أن المفعول قد حذف؛ لإفادة العموم، وأن الدعوة ليست مقصورةً على أحد دون آخر، بل تتعدَّى إلى كل من تتأتَّى دعوتهم، فالمراد -والله أعلم- يدعو كل أحد تصلح دعوته إلى الجنة. وتقول أنت لصاحبك: قد كان منك ما يؤلم، أي: ما الشأن في مثله أن يؤلم كل أحد، فحذفك المفعول أفاد التعميم؛ مبالغةً في إيلام ما كان منه، فهو من الشدة بحيث يؤلم كل أحد. ولو ذكرت المفعول، فقلت: قد كان منك ما يؤلمني؛ لفاتت تلك المبالغة المطلوبة. وتأمل قول البحتري: إذا بعدت أَبْلت وإذ قربت شفت، وهجرانها يبلي ولقيانها يشفي، تجده قد حذف المفعول في أربعة مواضع، والتقدير: إذا بعدت عني أبلتني وإن قربت مني شفتني فهجرانها يبليني ولقيانها يشفيني، والحذف -كما ترى- قد أفاد المبالغة وعموم الفعل، وصور أن بعدها يبلي كل أحد فهو البِلَى والداء المضني، وأن قربها ولقيانها هو الشفاء والبُرء من كل داء. واقرأ مع ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات: ١). يقول الزمخشري: وفي قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ من غير ذكر مفعول، وجهان؛ أحدهما: أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدم، والثاني: ألا

стр. 306

يقصد قصد مفعول ولا حذفه، ويتوجه بالنهي إلى نفس التقدمة، كأنه قيل: لا تقدموا على التلبس بهذا الفعل ولا تجعلوه منكم بسبيل، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (المؤمنون: ٨٠). ويجوز أن يكون من قدم بمعنى: تقدم. كذا في (الكشاف). وقد يحذف المفعول؛ حتى لا يقع عليه الفعل؛ وذلك لمزية بلاغية وهدف يقصد إليه المتكلم. وانظر في ذلك إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (الفرقان: ٤١). فالأصل: أهذا الذي بعثه اللهُ رسولًا، فحذف المفعول وهو الضمير العائد إلى النبي ﷺ وهذا الحذف ينبئ بحقد المشركين على النبي -صلوات الله وسلامه عليه- ويصور مدى كراهيتهم له، حتى كأنهم لا يطيقون النطق بالبعث واقعًا عليه، فهم يتحاشون مجرد النطق بالبعث منسوبًا إليه، فضلًا عن الإيمان بذلك والتصديق. وخذ قول الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (الضحى: ١: ٣). فقد حذف المفعول، وهو الضمير العائد إلى النبي ﷺ فيما تقديره: وما قلاك؛ وذلك لصونه عن نسبة القلي إليه؛ متحاشيًا لوقوع الفعل: ﴿قَلَى﴾ على ضمير المخاطب، ولو كان هذا الفعل منفيًا؛ لأن في ذلك ما يوحش بخلاف: ﴿وَدَّعَكَ﴾ فليس التوديع كالقلي. وحذف المفعول في الآية له مزية أخرى وهو رعاية الفاصلة والمحافظة على التنغيم الصوتي؛ لما له من قوة تأثير في النفوس، وذلك عندما يقتضيه المقام ويتطلبه المعنى، وهذا هو شأن الفواصل في النظم الكريم، هي تأتي تابعة للمعنى ومحققة لما يقتضيه المقام. وعندما يتطلب المعنى ويقتضي المقام التخلي عن تتابع الفواصل؛ تجد الفاصلة قد قطعت وما يقتضيه المعنى قد أُقِر وأثبت، واقرأ قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي

стр. 307

أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ (الكهف:١، ٢). فقد حذف مفعول: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ والأصل: لينذر الذين كفروا بأسًا شديدًا؛ وذلك حتى لا يقع الإنذار على الذين كفروا فيكون في هذا تنفير لهم من قبول الهدى والإيمان بالحق. فحذف المفعول فيه ترغيب لهم في قبول الهداية والإيمان، واستمالة لهم نحو الحق والنور المبين. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٤٣). فالمراد: -والله أعلم- أرني ذاتك، فحذف المفعول؛ حتى لا تقع عليه الرؤية؛ إذ الذات العلية لا تقع عليها الرؤية المحيطة كما تقع على الأشياء، وإنما هي تجليات؛ ولذا قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾؛ ليفيد قصده دون أن تقع الرؤية على الذات الإلهية؛ لأن هذا شيء لا يليق بالجلال. ففي مثل هذه الأمور الهائلة، وفي تلك المقامات الربانية ينبغي أن يكون الطلب تلميحًا وإيماء، ولا يليق أن يكون تصريحًا مكشوفًا. كذا في (الخصائص والتراكيب). وقد يحذف المفعول؛ استهجانًا لذكره والتصريح به. كما ترى في قول عائشة ﵂:، ((كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، فما رأيت منه ولا رأى مني)). تريد رؤية العورة. وقد يحذف لمجرد الاختصار والإيجاز؛ حيث تدل عليه القرينة دلالة بينة جلية. فيعد ذكره عندئذٍ عبثًا، كما تقول: أصغيت إليه، تريد: أذني، وأغضيت عنه، تريد: بصري.

стр. 308

ومنه: قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الإسراء: ١١٠). فالدعاء في الآية، بمعنى التسمية، والأصل: قل ادعوه الله أو ادعوه الرحمن، فحذف المفعول إيجازًا واختصارًا. وقد يحذف المفعول لتعينه، كما في قولك: نحمد ونشكر، تريد: نحمد الله ونشكره، فتسكت عن ذكر لفظ الجلالة؛ لتعينه وانصراف الفعلين له تعالى لا لغيره. وقد يحذف المفعول لصون اللسان عن النطق به، كما تقول: لعن الله وأخذه، تريد الشيطان، فتحذفه؛ صونًا للسانك عن النطق به. إلى غير ذلك من الأسرار الدقيقة التي تراها كامنة وراء طي المفعول وإسقاطه والسكوت عنه؛ فهي لا تخفى على صاحب الذوق السليم وذي الطبع العربي القويم عندما يقرأ وينظر في التراكيب الجيدة والأساليب الرفيعة. تقديم المفعول على العامل وإذا ما انتقلنا للحديث عن تقديم المفعول ونحوه من المتعلقات على العامل؛ لوجدنا أن تقديم المفعول ونحوه من المعمولات: كالجار والمجرور، والظرف، والمصدر، والحال، على العامل يفيد غالبًا الاختصاص، أي: قصر العامل المؤخر على معموله المقدم. تقول: زيدًا أكرمتُ، وبمحمد مررت، وضاحكًا جاء زيد، وإشفاقًا أعطيت، فتفيد بذلك قصر الإكرام على زيد والمرور على كونه بمحمد، وقصر مجيء زيد على هيئة الضحك، وإعطائك على كونه من أجل الإشفاق. ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥). أي: نخصك بالعبادة فلا نعبد غيرك. ونخصك بالاستعانة فلا نستعين إلا بك.

стр. 309

فتقديم المفعول: ﴿إِيَّاكَ﴾ في الموضعين قد أفاد القصر، أي: قصر العبادة والاستعانة عليه تعالى، وكذا القول في الآيات الكريمة: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (آل عمران: ١٥٨)، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة: ١٢٩)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: ١٧٢). فتقديم المعمولات: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾، و ﴿عَلَيْهِ﴾، و ﴿إِيَّاهُ﴾، في الآيات الكريمة السابقة قد أفاد الاختصاص. ومن ذلك أيضًا قول شوقي: بالعلم والمال يبني الناس ملكهم ... لم يبن ملك على جهل وإقلال فتقديم الجار والمجرور بالعلم أفاد قصر بناء المُلك على كونه بالعلم والمال. ومثل ذلك قول الآخر: إذا شئت يومًا أن تسود عشيرة ... فبالحلم سُدْ لا بالتسرع والشتم وقول غيره: على الأخلاق خطوا الملك وابنوا ... فليس وراءها للعز رُكن فقد قصر السيادة في البيت الأول على الحلم، بحيث لا تتعداه إلى التسرع والشتم، وقصر بناء الممالك وخطها في البيت الثاني على الأخلاق فليس وراءها للعز ركن. والعامل المقدر في كل ما ذكرنا كالمذكور. وقولك: زيدًا عرفتُه، إن قدرت المفسر بعد المنصوب أي: زيدًا عرفته: أفاد الاختصاص. وإن قدر قبله أي: عرفت زيدًا عرفته، أفاد: التوكيد وتقوية الحكم. أما قول الله تعالى: "وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى" (فصلت: ١٧). في قراءة مَن قرأ بنصب "ثمود"، فلا يفيد إلا الاختصاص؛ لأنه لا يتأتى أن يقدر المفسر

стр. 310

قبل المنصوب. فلا يقال: أما فهدينا ثمود؛ لأنه لا يتأتى أن يقدر المفسر قبل المنصوب. فلا يقال: أما فهدينا ثمود، ولكون تقديم المعمول على عامله يفيد غالبًا الاختصاص، كان من الخطأ أن تقول: ما زيدًا ضربتُ ولا غيره؛ لأن تقديم المفعول وإيلاءه أداة النفي أفاد نفي الضرب عن زيد وإثباته لغيره، فقولك: بعده ولا غيره يناقضه ويدفعه أي: أن عجز الجملة يتناقض مع صدرها. ونحوه قوله: ما بهذا أمرتك ولا بغيره؛ لأن قولك: ما بهذا أمرتك أفاد نفي الأمر عن الجار والمجرور المقدم وإثباته لغيره، وقولك بعده: ولا بغيره يناقضه، والصواب أن يقال: ما ضربت زيدًا ولا غيرَه، ما أمرتك بهذا ولا بغيره، بدون تقديم أو يقال: ما زيدًا ضربت ولكن أكرمتُ؛ لأن تقديم المفعول أفاد نفي الضرب عن زيد وإثباته لغيره. وقولك: ولكن أُكرمك، رجوع عن إثبات الضرب لغير زيد، فالصواب أن تقول: ما ضربت زيدًا ولكن أكرمته، أو تقول: ما زيدًا ضربت ولكن عمرًا، وهو مبني -كما قلنا- على إفادة التقديم للاختصاص. وتأمل مع ما ذكرنا قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣). فإنك تجد: أن الجار والمجرور قد أُخِّر على شبه الفعل في قوله: ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، وقدم عليه في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾؛ وذلك، لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم دون إفادة اختصاصهم بتلك الشهادة، وفي الثاني المراد إفادة اختصاصهم بكون الرسول ﷺ شهيدًا عليهم وليس مجرد إثبات شهادتهم. يقول الزمخشري في (الكشاف): وروي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا -وهو أعلم- فيؤتى

стр. 311

بأمة محمد ﷺ فيشهدون، فتقول الأمم: مِن أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتَى بمحمد ﷺ فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (النساء: ٤١). وقيل: المعنى: لتكونوا شهداءَ على الناس في الدنيا بما لا يصلح إلا بشهادة العدول الأخيار: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ يزكيكم ويعلم بعدالتكم، فإن قلتَ: لِمَ أخرت صلة الشهادة أولًا، وقدمت آخرًا؟ قلت: لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول ﷺ شهيدًا عليهم. ثم اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (الروم: ٢٧)، وقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ (مريم: ٩). تجد: أن الجار والمجرور قد أخِّر في الآية الأولى؛ لأنه لا معنى للدلالة على الاختصاص فيها؛ إذ كون الإعادة أهون من البدء أمر مسلم به لا ينكره أحد، أما في الآية الثانية فقد قدم الجار والمجرور؛ للدلالة على الاختصاص؛ لأن المقام يقتضي ذلك. وقد يفيد التقديم بالإضافة إلى الاختصاص مزية أخرى وهي: المحافظة على الفواصل والاستمرار في التنغيم الصوتي، على نحو ما ترى في قول الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ (الحاقة:٣٠: ٣٢). فتقديم المفعول: ﴿الْجَحِيمَ﴾ على الجار والمجرور: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ﴾ يفيد الاختصاص والمحافظة على الفاصلة واستمرار النغم الصوتي المؤثر في الأنفس. ومثله: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر:١: ٥).

стр. 312

وقد يقدم المعمول؛ لكونه محل الإنكار كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ١٦٤). فمحل الإنكار هو: كون الله غير الله بمثابة أن يُبغَى ربًّا؛ ولذا قدم فولي همزة الاستفهام. وقد يكون التقديم للتوكيد والاهتمام بالمقدَّم وتقوية الحكم. كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (الضحى: ٩، ١٠) فتقديم ﴿الْيَتِيمَ﴾، و ﴿السَّائِلَ﴾ فيه تأكيد النهي وتقرير الحكم؛ إذ لا معنى لقصر النهي على القهر على اليتيم، والنهي عن النهي عن السائل. ولا يخفى عليك ما وراء التقديم بمجيء الفاصلة في الآيتين على حرف الراء، وما ينبئ به من شدة الزجر وقوة التحذير. وتقول عن الصلاة: لا تغفل، الزنا لا تقرب، فيفيد التقديم المبالغة في النهي وشدة التحذير. وعلى نحو ما يقع تقديم المعمولات على العامل، ويكون ذلك لنكتة بلاغية. فإنه يقع بين المعمولات نفسها، بأن يقدم بعضها على بعض ويكون ذلك أيضًا لنكتة بلاغية؛ ذلك أن الأصل في صياغة الكلام وبناء الجمل وتأليف العبارات أن يتقدم الفاعل على المفعول ونحوه من المتعلقات، وأن يتقدم المفعول الأول على الثاني والثاني على الثالث. ويقال مثلًا: أكرم محمدٌ خالدًا، وأعطى حاتم الفقير درهمًا، وأعلمت عمرًا ابنه ناجحًا. وقد يخالف هذا الأصل فيقدم أحد المتعلقات على الفاعل، أو تقدم بعض المتعلقات على بعض؛ وذلك لأسرار بلاغية يقصد إليها البلاغي، ويقتضيها المقام. فإذا كان الغرض من الكلام مثلًا معرفة وقوع الفعل على المفعول، وانشغل الناس بذلك، قُدم المفعول على الفاعل. فيقال مثلًا: قتل الخارجي عمرًا، وأمسك بالمجرم الشرطي؛ وذلك أن الناس منشغلون بأمر الخارجي والمجرم، والغرض من الكلام متوجه إليهما.

стр. 313

وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (الأنعام: ١٥١) وقوله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (الإسراء: ٣١) تجد في الآية الأولى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ حيث قدم ضمير المخاطبين على ضمير الأولاد. وفي الثانية: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾، قدم ضمير الأولاد على ضمير المخاطبين وسبب ذلك أن الخطاب في الأولى للفقراء بدليل قوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أبنائهم؛ إذ هم في حاجة إليه ولذا قدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، والخطاب في الآية الثانية للأغنياء بدليل قوله تعالى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع، فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم؛ لأنه حاصل؛ ولذا قدم برزق أولادهم على الوعد برزقهم. واقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (النمل:٦٧، ٦٨) وقارنه بقوله : ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ﴾ (المؤمنون:٨١: ٨٣). فإنك تجد في الآية الأولى: ﴿وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾، وفي الثانية: ﴿وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾؛ وذلك لأن السياق في الآية الأولى ينبئ بأن مصب الإنكار وموضعه والجهة التي نظر إليها الكفرة وقصدوها بإنكارهم إنما هي البعث، فبعثهم وإخراجهم بعد موتهم وصيروتهم ترابًا هم وآباؤهم، هو الغرض الذي تعمم بالكلام وقصد: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ولذا قدم اسم الإشارة المشار به إلى البعث، إذ هو الغرض المقصود والمساق له الكلام. أما

стр. 314

في الآية الثانية: فالسياق ينبئ بمدى تمسكهم بعقائد الآباء وحرصهم على محاكاتها وتقليدهم فيها. فموضع الإنكار ومصبه والجهة المنظور منها هي المبعوثون لا البعث فهم سياق الحديث والغرض الذي تعمد به وقصد. فلما كان الغرض المقصود في الآية الأولى هو البعث، قدم اسم الإشارة، ولما كان الغرض المقصود في الآية الثانية هم المبعوثون، قدم ما يدل عليهم: ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾. وقد يكون الغرض من تقديم أحد المعمولات على الآخر هو: أن تأخيره يخل بالمعنى ويوهم خلاف المراد، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (غافر: ٢٨). فقد وصف الرجل بثلاث صفات: الإيمان، وكونه من آل فرعون، وكتمانه إيمانه. وقدم: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ على: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾؛ لأنه لو أخّر فقيل: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون؛ لتُوهم أن الجار والمجرور متعلق بالفعل: ﴿يَكْتُمُ﴾، وأن الرجل يكتم إيمانه خوفًا من آل فرعون، فهذا إخلال بالمعنى المراد؛ إذ لا يفهم منه عندئذ أن الرجل كان من آل فرعون بل يتوهم أنه كان يكتم إيمانه؛ خوفًا منهم، ففي هذا ضياع للهدف والغرض من الآيات. إذ المراد: إبراز عناية الله تعالى ورعايته لموسى بأن جعل من آل فرعون من يدافع عنه، ويجادلهم فيه، ويناقشهم من أجله. وقد يقدم أحد المتعلقات؛ لإفادة التبكيت والتوبيخ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْم اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (يس:٢٠، ٢١) حيث قدم الجار والمجرور: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ على الفاعل: ﴿رَجُلٌ﴾؛ لأن في هذا التقديم زيادةً في

стр. 315

تبكيت أولئك القوم وتوبيخهم، قد كانوا قريبين من الرسل وشاهدوا منهم ما لم يشاهده ذلك الرجل الذي كان في أقصا المدينة، وعلى الرغم من ذلك فقد نصح لهم بما لم ينصحوا به أنفسهم. وقد يكون التقديم من أجل المحافظة على الفاصلة. كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (طه:٦٦: ٦٨). حيث قدم المفعول: ﴿خِيفَةً﴾ والجار والمجرور: ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ على الفاعل؛ لأنه لو قدم عليهما فقيل: فأوجس موسى في نفسه خيفةً، أو فأوجس موسى خيفةً في نفسه، لكان في ذلك خروج على النسق الصوتي وإخلال بموسيقى النظم، وما لها من وَقْع في النفس وأثر في المعنى. إلى غيره من الاعتبارات والمزايا البلاغية التي تلاحظ في تقديم بعض المتعلقات على بعض. إلى هنا، ينتهي حديثنا عن متعلقات الفعل؛ ونكون بذلك قد أنهينا حديثنا أيضًا عن أجزاء جملة الإسناد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 316

الدرس: ١٥ الأساليب الإنشائية .

стр. 317

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس عشر (الأساليب الإنشائية) التعريف بالأسلوب الإنشائي الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد: حديثي عن قسيم الخبر وهو الإنشاء. وكنت قد وقفت بك -فيما سبق- على الأسلوب الخبري، وأحوال الإسناد الخبري، وأحوال أجزاء الجملة من مسند ومسند إليه، ومتعلقات الفعل. وعرفتَ ما يمتاز به هذا الأسلوب إنه مبني على الحكاية، ويقصد به الإخبار والإعلان بمضمون الجملة الخبرية. وبجانب هذا الأسلوب الخبري توجد الأساليب الإنشائية التي يقصد بها إنشاء الكلام وإيجاده ابتداءً. فليس الهدف منها الإعلان وحكاية الخبر، وإنما هي عبارات تُصاغ ابتداءً وتنشأ إنشاءً؛ ليطلب بها مطلوبًا. وتمتاز الأساليب الإنشائية؛ للحث وإثارة الذهن وتمشيط العقل وتحريك المخاطب. ولمزيد من الإيضاح، والتفرقة بين الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي، فانظر إلى هذه الشواهد يقول الغنوي في رثاء أخيه: أخ كان يكفيني وكان يعينني ... على نائبات الدهر حين تنوب عظيم رماد القدر رحب فناؤه ... إلى سند لم تحتجبه غيوم حليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... سريعًا ويدعوه الندى فيجيبُ السند: هو ما ارتفع عن الوادي وسفل عن الجبل. والغيم: هو البطن المنخفض من الأرض. وحليف الندى: أي: بينه وبين الندى، وهو: الكرم حلف وعهد. عندما تتأمل هذه الأبيات تجد أن الشاعر يحكي عن أخيه ويخبر بأنه كان يأخذ بيده في أوقات الشدة، وكان كريمًا تقصده الضيوف فلا يحتجب عنهم؛ لأن الكرم خُلقه وشيمته. فهما حليفان لا يفترق أحدهما عن الآخر، ولا يتخلف عن

стр. 318

إجابة دعواه. وهذا الذي يخبر به الغنوي قد يطابق الواقع، فيكون صادقًا وقد يخالفه فيكون كاذبًا. وقارن بين رثاء الغنوي في الأبيات المذكورة وبين قول الخنساء في رثاء أخيها صخر: أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟ ألا تبكيان الجواد الجميل؟ ... ألا تبكيان الفتى السيدا؟ تجد: الأسلوب هنا يختلف؛ الخنساء لا تخبر وإنما تنادي، وتأمر، وتنهى، وتسأل، هي تحض عينيها وتحثهما على بكاء صخر. هذه هي الأساليب الإنشائية، وهي وإن كان لها واقع في نفس الخنساء إلا أنه لا يقصد بتلك الأساليب مطابقة هذا الواقع أو مخالفته، وإنما يقصد بها إنشاء تلك المعاني. كذلك القول في قول البحتري: فيا ليت طالعة الشمسين غائبة ... ويا ليت غائبة الشمسين لم تغب وقول الآخر: ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضَى لكم كلمي هؤلاء الشعراء لم يريدوا الإخبار، وإنما قصدوا إلى إنشاء تلك المعاني. ولذا ساغ للبلاغيين أن يقسموا الكلام إلى قسمين: القسم الأول: الخبر: يقال عنه: أنه قول يحتمل الصدق والكذب لذاته. كقولك: جاء زيد، وذهب خالد، ونجح عمرو. فتلك أخبار تحتمل الصدق والكذب. وقيدوه بقولهم: لذاته أي: لذات القول؛ لينبهوا إلى تلك الأقوال التي لا تحتمل إلا الصدق، كأخبار القرآن الكريم، الحديث الشريف وكالأقوال الثابتة، نحو:

стр. 319

السماء فوقنا، والأرض تحتنا، والواحد نصف الاثنين. فتلك الأخبار لا تحتمل سوى الصدق، ولكن هذا الاحتمال ليس لذات القول وإنما بالنظر إلى قائله وهو الله تعالى والرسول ﷺ وباعتبار ثبات الأقوال في الأخبار التي تتضمن أقوالًا ثابتةً. وننبه أيضًا إلى الأخبار التي لا تحتمل إلا الكذب، كأخبار مُسيلمة الكذاب، فمثل هذه الأقوال لا تحتمل إلا الكذب ليس لذات القول، بل باعتبار من قالها؛ ولذا قيدوا احتمال الخبر للصدق والكذب أي: لذاته، أي: بغض النظر عن قائله، ومرجع احتمال الخبر للصدق والكذب إلى تطابق النسبتين الكلامية والواقعية أو عدم تطابقهما، فقولك: نجح عمرو، له نِسبتان؛ كلامية: يفيدها النطق بالخبر والإعلام به، وخارجية: وهي ما عليه الواقع. فإن تطابقت النسبتان كان الخبر صادقًا وإن تخالفتَا كان كاذبًا. القسم الثاني: هو الإنشاء وقد عرفوه بقولهم: قول لا يحتمل الصدق والكذب. وذلك أساليب الإنشاء يقصد بها إنشاء المعاني -كما قلنا- وصوغها ابتداءً؛ ليطلب بها مطلوبًا معينًا. وهذا لا يعني أن أساليب الإنشاء ليس لها نسبة خارجية حتى ينظر في مطابقتها للنسبة الكلامية، فيكون المعنى على الصدق أو عدم مطابقتهما، فيكون المعنى على الكذب أو عدم مطابقتها. بل لها نسبة خارجية وهي قيام المعنى الإنشائي من تمن، أو أمر، أو نهي، أو استفهام، أو نداء في نفس المتكلم. ولكن ليس المقصود من الجملة الإنشائي الإخبار بمطابقة هذه النسبة بالنسبة الكلامية، وإنما المقصود هو إنشاء المعنى وابتداؤه.

стр. 320

وبتأمل الأساليب نجد المعاني الإنشائية قد ترد في أسلوب الخبر، كقولك مثلًا: غفر الله لك، وفرج كربك وأثابك. وكقول النبي ﷺ : ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب))، كما أن المعاني الخبرية قد ترد في أسلوب الإنشاء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: ٢٩)، وكقوله ﷺ : ((مَن كذَب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار))، ولك أن تخبر عن أساليب الإنشاء فتقول: تمنيت لك الخير، وأمرت خالدًا بالمعروف، ونهيته عن المنكر، واستفهمته عن موعد الاختبار، وناديت عمرًا فأقبل إليَّ، ورجوت لك الخير والصلاح، وأقسمت بالله أن أبر والدي، وعندئذٍ يأخذ الأسلوب طابع الحكاية والخبر، فيكون كلامًا يحتمل الصدق والكذب. أقسام الأسلوب الإنشائي هذا وينقسم الإنشاء إلى قسمين: إنشاء طلبي، وإنشاء غير طلبي. أما الإنشاء الطلبي: فهو ما يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقتَ الطلب، ويشمل أساليب الأمر، والنهي، والتمني، والاستفهام، والنداء. كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: ٩٤)، وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٩)، وقول عمر يوصي ابنَه عبد الله ﵄: "يا بني، اتقِ الله، فإن من اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكره زاده". كذا قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: ٢٤)، وقوله -جل وعلا-: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (البقرة: ١٤٢) إلى غير ذلك.
следующие страницы →