← Баляга

Баляга · id 7582

البلاغة 2 - المعاني - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (482 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الدرس: ١٥ الأساليب الإنشائية .

стр. 317

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس عشر (الأساليب الإنشائية) التعريف بالأسلوب الإنشائي الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد: حديثي عن قسيم الخبر وهو الإنشاء. وكنت قد وقفت بك -فيما سبق- على الأسلوب الخبري، وأحوال الإسناد الخبري، وأحوال أجزاء الجملة من مسند ومسند إليه، ومتعلقات الفعل. وعرفتَ ما يمتاز به هذا الأسلوب إنه مبني على الحكاية، ويقصد به الإخبار والإعلان بمضمون الجملة الخبرية. وبجانب هذا الأسلوب الخبري توجد الأساليب الإنشائية التي يقصد بها إنشاء الكلام وإيجاده ابتداءً. فليس الهدف منها الإعلان وحكاية الخبر، وإنما هي عبارات تُصاغ ابتداءً وتنشأ إنشاءً؛ ليطلب بها مطلوبًا. وتمتاز الأساليب الإنشائية؛ للحث وإثارة الذهن وتمشيط العقل وتحريك المخاطب. ولمزيد من الإيضاح، والتفرقة بين الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي، فانظر إلى هذه الشواهد يقول الغنوي في رثاء أخيه: أخ كان يكفيني وكان يعينني ... على نائبات الدهر حين تنوب عظيم رماد القدر رحب فناؤه ... إلى سند لم تحتجبه غيوم حليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... سريعًا ويدعوه الندى فيجيبُ السند: هو ما ارتفع عن الوادي وسفل عن الجبل. والغيم: هو البطن المنخفض من الأرض. وحليف الندى: أي: بينه وبين الندى، وهو: الكرم حلف وعهد. عندما تتأمل هذه الأبيات تجد أن الشاعر يحكي عن أخيه ويخبر بأنه كان يأخذ بيده في أوقات الشدة، وكان كريمًا تقصده الضيوف فلا يحتجب عنهم؛ لأن الكرم خُلقه وشيمته. فهما حليفان لا يفترق أحدهما عن الآخر، ولا يتخلف عن

стр. 318

إجابة دعواه. وهذا الذي يخبر به الغنوي قد يطابق الواقع، فيكون صادقًا وقد يخالفه فيكون كاذبًا. وقارن بين رثاء الغنوي في الأبيات المذكورة وبين قول الخنساء في رثاء أخيها صخر: أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟ ألا تبكيان الجواد الجميل؟ ... ألا تبكيان الفتى السيدا؟ تجد: الأسلوب هنا يختلف؛ الخنساء لا تخبر وإنما تنادي، وتأمر، وتنهى، وتسأل، هي تحض عينيها وتحثهما على بكاء صخر. هذه هي الأساليب الإنشائية، وهي وإن كان لها واقع في نفس الخنساء إلا أنه لا يقصد بتلك الأساليب مطابقة هذا الواقع أو مخالفته، وإنما يقصد بها إنشاء تلك المعاني. كذلك القول في قول البحتري: فيا ليت طالعة الشمسين غائبة ... ويا ليت غائبة الشمسين لم تغب وقول الآخر: ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضَى لكم كلمي هؤلاء الشعراء لم يريدوا الإخبار، وإنما قصدوا إلى إنشاء تلك المعاني. ولذا ساغ للبلاغيين أن يقسموا الكلام إلى قسمين: القسم الأول: الخبر: يقال عنه: أنه قول يحتمل الصدق والكذب لذاته. كقولك: جاء زيد، وذهب خالد، ونجح عمرو. فتلك أخبار تحتمل الصدق والكذب. وقيدوه بقولهم: لذاته أي: لذات القول؛ لينبهوا إلى تلك الأقوال التي لا تحتمل إلا الصدق، كأخبار القرآن الكريم، الحديث الشريف وكالأقوال الثابتة، نحو:

стр. 319

السماء فوقنا، والأرض تحتنا، والواحد نصف الاثنين. فتلك الأخبار لا تحتمل سوى الصدق، ولكن هذا الاحتمال ليس لذات القول وإنما بالنظر إلى قائله وهو الله تعالى والرسول ﷺ وباعتبار ثبات الأقوال في الأخبار التي تتضمن أقوالًا ثابتةً. وننبه أيضًا إلى الأخبار التي لا تحتمل إلا الكذب، كأخبار مُسيلمة الكذاب، فمثل هذه الأقوال لا تحتمل إلا الكذب ليس لذات القول، بل باعتبار من قالها؛ ولذا قيدوا احتمال الخبر للصدق والكذب أي: لذاته، أي: بغض النظر عن قائله، ومرجع احتمال الخبر للصدق والكذب إلى تطابق النسبتين الكلامية والواقعية أو عدم تطابقهما، فقولك: نجح عمرو، له نِسبتان؛ كلامية: يفيدها النطق بالخبر والإعلام به، وخارجية: وهي ما عليه الواقع. فإن تطابقت النسبتان كان الخبر صادقًا وإن تخالفتَا كان كاذبًا. القسم الثاني: هو الإنشاء وقد عرفوه بقولهم: قول لا يحتمل الصدق والكذب. وذلك أساليب الإنشاء يقصد بها إنشاء المعاني -كما قلنا- وصوغها ابتداءً؛ ليطلب بها مطلوبًا معينًا. وهذا لا يعني أن أساليب الإنشاء ليس لها نسبة خارجية حتى ينظر في مطابقتها للنسبة الكلامية، فيكون المعنى على الصدق أو عدم مطابقتهما، فيكون المعنى على الكذب أو عدم مطابقتها. بل لها نسبة خارجية وهي قيام المعنى الإنشائي من تمن، أو أمر، أو نهي، أو استفهام، أو نداء في نفس المتكلم. ولكن ليس المقصود من الجملة الإنشائي الإخبار بمطابقة هذه النسبة بالنسبة الكلامية، وإنما المقصود هو إنشاء المعنى وابتداؤه.

стр. 320

وبتأمل الأساليب نجد المعاني الإنشائية قد ترد في أسلوب الخبر، كقولك مثلًا: غفر الله لك، وفرج كربك وأثابك. وكقول النبي ﷺ : ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب))، كما أن المعاني الخبرية قد ترد في أسلوب الإنشاء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: ٢٩)، وكقوله ﷺ : ((مَن كذَب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار))، ولك أن تخبر عن أساليب الإنشاء فتقول: تمنيت لك الخير، وأمرت خالدًا بالمعروف، ونهيته عن المنكر، واستفهمته عن موعد الاختبار، وناديت عمرًا فأقبل إليَّ، ورجوت لك الخير والصلاح، وأقسمت بالله أن أبر والدي، وعندئذٍ يأخذ الأسلوب طابع الحكاية والخبر، فيكون كلامًا يحتمل الصدق والكذب. أقسام الأسلوب الإنشائي هذا وينقسم الإنشاء إلى قسمين: إنشاء طلبي، وإنشاء غير طلبي. أما الإنشاء الطلبي: فهو ما يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقتَ الطلب، ويشمل أساليب الأمر، والنهي، والتمني، والاستفهام، والنداء. كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: ٩٤)، وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٩)، وقول عمر يوصي ابنَه عبد الله ﵄: "يا بني، اتقِ الله، فإن من اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكره زاده". كذا قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: ٢٤)، وقوله -جل وعلا-: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (البقرة: ١٤٢) إلى غير ذلك.

стр. 321

فإن هذه الشواهد قد اشتملت على أساليب إنشائية يطلب بها أمر غير حاصل وقت الطلب، فالله - - يأمر نبيه: ﴿فَاصْدَعْ﴾، ﴿وَأَعْرِضْ﴾، والأمر: طلب للفعل. وينهاه: رلَا تَحْسَبَنَّ﴾، والنهي: طلب الكف عن الفعل. وعمر ينادي عبد الله: "يا بني"، في النداء طلب الإقبال. والكافر يتمنى: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ﴾، والتمني: هو طلب المحبوب الذي لا طمع فيه. والسفهاء يسألون: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾، والاستفهام: طلب الفهم. فهذه الأساليب قد طلب بها -كما ترى- أمور غير حاصلة أثناء الطلب؛ ولذا كان الإنشاء فيها إنشاء طلبيًّا، فإذا استعملت تلك الأساليب الأمر والنهي والتمني والاستفهام والنداء في أمور حاصلة وقت الطلب وجب تأويلها بالطلب بحسب القرائن وما يناسب المقام، قوله تعالى مثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ (الأحزاب: ١)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (النساء: ١٣٦) وقول عمر السابق: "يا بني، اتق الله". تجد بتأمل هذه الأساليب أن التقوى والإيمان المأمور بهما حاصلان وقت الطلب. فالمعنى فيهما على طلب دوام الإيمان واستمرار التقوى. أما الإنشاء غير الطلبي: فهو ما لا يستدعي مطلوبًا، وله صيغ كثيرة؛ منها القسم قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ (الأنبياء: ٥٧)، وأفعال المدح والذم كقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (الذاريات: ٤٨)، وقوله : ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ٥)، والترجي كما في قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ (المائدة: ٥٢)، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف: ٦).

стр. 322

والتعجب كما في قول الشاعر: بنفسي تلك الأرض ما أطيب الرُّبا ... وما أحسن المُصطاف والمتربعا فالربا: ما ارتفع من الأرض، والمصطاف: مكان الصيف، والمتربع: مكان الربيع. والمعنى: أفدي بنفسي تلك الأرض؛ لطيب رُباها العجيب، ولجمال فصليها. ومن ذلك ألفاظ العقود كقولك: بعت، واشتريت، ومنها: رب، وكم الخبرية؛ لدلالتهما على إنشاء التقليل أو التكثير كما في قول القائل: رب أخ لك لم تلده أمك، وكما في قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٩). ولكن البلاغيين اهتموا بدراسة أساليب الإنشاء الطلبي وأهملوا دراسة أساليب الإنشاء غير الطلبي؛ وحجتهم في ذلك: أن الإنشاء الطلبي غني بالاعتبارات والملاحظات البلاغية، وأن أساليبه وهي: الأمر، والنهي، والتمني، والاستفهام، والنداء قد ترد ويراد بها غيرُ معانيها. فالأمر لطلب حصول الفعل، وقد يرد للتهديد ونحوه. استفهام لطلب الفهم، وقد يرد للإنكار وغيره، وهكذا. فتلك الأساليب الطلبية يتولد منها بحسب القرائن والسياق معان بلاغية متعددة. أما أساليب الإنشاء غير الطلبي فقد أهملوها؛ لأمرين: ١ - أن أكثر هذه الأساليب في الأصل أخبار نُقلت إلى معنى الإنشاء. ٢ - أنها لا تُستعمل إلا في معانيها التي وُضِعت لها، فالقسم لا يفيد إلا القسم، والتعجب والتعجب لا يرد بغير التعجب. وهذا لا يعني أن تلك الأساليب خالية من الاعتبارات البلاغية والمزايا الجمالية، بل تكمن وراءها أيضًا ملاحظات بلاغية واعتبارات دقيقة، لكن ليس بالقدر الذي هو موجود في الإنشاء الطلبي.

стр. 323

أسلوب الأمر ولنجارِ في تناولنا لأساليب الإنشاء البلاغيين، ولنبدأ بالحديث عن أسلوب الأمر: للأمر صيغ أربع، وهي: ١ - فعل الأمر: كقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠)، وقوله : ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (هود: ٣٧). ٢ - الفعل المضارع المقرون بلام الأمر: كما في قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (الطلاق: ٧)، وقوله : ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢). ٣ - اسم فعل الأمر: نحو: صه بمعنى: اسكت، ومَه بمعنى: اكفف، وعليك بمعنى: الزم. ومنه: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: ١٠٥). ٤ - المصدر النائب عن فعل الأمر: كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء: ٣٦) أي: وأحسنوا بهما، وقوله: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ (محمد: ٤) أي: فاضربوا الرقاب، فمنه قول ابن الفجاءة: فصبرًا في مجال الموت صبرًا ... فما نيل الخلود بمستطاع وكقوله ﵇: ((رفقًا بالقوارير))، وتقول: سعيًا في الخير، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر ورميًا بالرمح، وضربًا بالسيف، وحمدًا لله وشكرًا.

стр. 324

وقد قالوا في تحديد مفهوم الأمر: هو طلب حصول الفعل على جهة الاستعلاء. هذا هو مفهوم الأمر حيث يكون من الأعلى إلى الأدنى. فالأعلى يطلب ممن هو دونه حصول الفعل وتحقيقه ويبعثه ويحثه عليه. وهذا هو الأصل فيه؛ لأنه هو المتبادَر إلى الذهن عند سماع الأمر كما ذكر الخطيب. وقد تستعمل صيغ الأمر في غير هذا الأصل الذي وُضعت له، فتفيد الإباحة أو الدعاء أو التهديد أو التمني أو الحث والإثارة أو الاستمرار والدوام على تحقيق الفعل، إلى غير ذلك من المعاني التي تفيدها هذه الصيغ بمعونة السياق وقرائن الأحوال. وقد اهتم البلاغيون بالحديث عن هذه المعاني وتجليتها والكشف عن دقائقها، ومزاياها في التعبير فذكروا أن الأمر يأتي أحيانًا للإباحة، وذلك عندما تستعمل صيغة الأمر في مقام يتوهم فيه السامع حاظر شيء عليه. ومن جميل ذلك قول كثير عزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت القلي: يعني البغض والكراهية، أي: أنت لست ملومةً ولا مخليةً: أي: مكروهة. فكثير يبيح لعزة أن تسيء إليه أو تحسن فهو راضٍ في الحالين غاية الرضا. فسر جمال هذا التعبير -أي: التعبير بصيغة الأمر في مقام الإباحة في هذا البيت- أنه يكشف لنا عما أصاب الشاعر من عشق وهيام، وقد وصل به إلى منتهاه، حتى صار يطلب منها الإساءة كما يطلب منها الإحسان ويلح في ذلك إلحاحًا، وكأن الإساءة أمر مطلوب مرغوب. فالإنسان عندما يصل به الحب إلى حد الإفراط يصير كل فعل يصدر عن حبيبه لا يراه إلا جَمالًا. وبهذا يتضح لك أن استعمال الشاعر لصيغة الأمر في مكان الإباحة يكشف عن مكنون نفسه، ويبرز ما بداخله بأخصر طريق وأجمله.

стр. 325

واستعمال الأمر في معنى الإباحة كثير في آي الذكر الحكيم، من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة: ١٨٧) فالمراد من الأمر في الآية الكريمة إباحة الأكل والشرب في ليالي رمضان حتى طلوع الفجر. في التعبير بصيغة الأمر مكان الإباحة حثٌّ على تناول السحور، وكأنه أمر مطلوب مرغوب فيه، ومثل ذلك: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ١٠) وفيه: حثٌّ على العمل، وابتغاء الرزق. ويأتي الأمر للتخيير بين شيئين أو أشياء بحيث يختار منها السامع. كما في قول بشار: فعش واحدًا أو صِلْ أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانب فهو يخير مخاطبه بين أمرين: العيش واحدًا منعزلًا، أو صلة الإخوان ومخالطتهم مع التجاوز عما يكون منهم من إساءات؛ فتلك لا بد منها على حد قول الآخر: وليس بمستبقٍ أخًا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب هذا، والفرق بين الإباحة والتخيير: أن الإباحة إذن في الفعل وإذن في الترك، فهو إذنان معًا. أما التخيير: فهو إذن في أحدهما من غير تعيين؛ ولذا فالتخيير لا يجوز الجمع بين الشيئين والإباحة تجوزه. ويأتي الأمر للتهديد ويكون في مقام عدم الرضا بالمأمور به، كما تسمع من الرئيس يقول لأحد مرؤوسيه: افعل ما بَدَا لك، أو من السيد يقول لعبده: دم على عصيانك فالعصا أمامك، فليس المراد من الأمر في الموضعين الامتثال أي: فعل ما أمر به، ولكن المراد هو التهديد والوعيد.

стр. 326

وتأمل مع ذلك قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ (إبراهيم: ٣٠). وقد أخبر الله عنهم أنهم أشركوا به وجعلوا له أندادًا ليضلوا عن سبيله، ثم جاء الوعيد والتهديد: ﴿تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ (إبراهيم: ٣٠)، فليس المراد بالأمر في الآية الامتثال. كأن الله تعالى لما ارتكب هؤلاء ما لا يغفر وهو الشرك أراد بهم أن يقوى طغيانهم، ويشتد إعراضهم، ويزدادوا تمتعًا بشهواتهم، فإذا ما تم لهم ذلك كان عقابهم أشد وأقوى. فليس الأمر مرادًا -كما ترى- بل المراد: هو الزجر والوعيد حتى يقلع هؤلاء عما هم فيه من عناد ومكابرة. وتدبر الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿جَعَلُوا﴾، ﴿لِيُضِلُّوا﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ﴾ فهو التفات الغاضب المتوعد. وعلى نحو ما ذكر يُحمَل قوله : ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ٦٤)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: ٤٠) فليس المراد -كما ترى- بالأمر: ﴿اعْمَلُوا﴾ أن يمتثلوا فيعملوا ما يشاءون، بل المراد الزجر والتهديد حتى يقلعوا عن الإلحاد، ويكفوا عن العناد، وكأن الله سبحانه لشدة غضبه عليهم يأمرهم بما يوجب عقابهم؛ لينكل بهم أشد تنكيل، وهذا هو سر بلاغة التعبير بالأمر في مقام الوعيد والتهديد. ويأتي الأمر كذلك للتعجيز والتحدي، ويكون في مقام إظهار عجز من يدعي قدرته على فعل أمر ما وليس في وسعه ذلك. كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ

стр. 327

كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣). فليس المراد بالأمر في الآية الكريمة التكليف والإلزام والإتيان بسورة من مثله، وإنما المراد إظهار عجزهم عن الإتيان؛ لأنهم إن حاولوا ذلك الإتيان بعد سماع صيغة الأمر ولم يمكنهم ذلك، بَدَا عجزهم وظهر. وسر بلاغة التعبير بالأمر في مقام التعجيز إبراز قوة التحدي والتسجيل عليهم؛ ليتعظوا ويقلعوا عما هم فيه من عنادٍ ومكابرةٍ. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١)، وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ١٦٨)، وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (لقمان: ١١). فلا يخفَى عليك ما في هذه الآيات من قوة التحدي والتسجيل على المخاطبين وإبراز عجزهم، وفي ذلك لفتهم إلى النظر في حالهم، والتفكر فيما هم فيه من عناد ومكابرة، وسوء تقدير. وتأمل قول المهلهل مخاطبًا آل بكر، ومعلنًا شدة غضبه لقتلهم أخاه كليبًا: يا آل بكر انشروا لي كليبًا ... يا آل بكر أين أين الفرار فهو يهددهم بالويل والثبور، ويطلب منهم إعادة كُليب إلى الحياة؛ وإعادة كليب إلى الحياة من المحال. فالأمر في قوله: انشروا لي؛ للتعجيز. وسر بلاغة التعبير بأسلوب الأمر في البيت: إشعارهم بأنه لا منجى لهم ولا مهرب، وأنه آخذ بثأره منهم لا محالة. ومثله قول الآخر: أروني بخيلًا طال عمرًا ببخله ... وهاتوا كريمًا من كثرة البذل

стр. 328

لأنك تجد أن الشاعر هنا يتحدى المخاطبين أن يوقفوا على بخيل قد امتد عمره وطال أجله بسبب بخله، وأن يبرزوا له كريمًا قد مات من كثرة البذل والعطاء. وتشعر بما وراء ذلك من التنفير من البخل، والحث على الكرم والعطاء. ويأتي الأمر للإهانة والتحقير: ويكون هذا في مقام عدم الاعتداد بالمخاطب، وقلة الاكتراث، وقلة اللامبالاة والاكتراث به. كما في قول الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (الدخان: ٤٩). فالكافر لا يمكنه الذوق؛ لأنه يعاني غصص العذاب وآلامه ومحنه، وتلك حال لا يستطيع فيها أن يذوق إلا الحميم والغسلين. ولا يخفى عليك ما وراء أسلوب الأمر من الإهانة والتحقير والتهكم والاستهزاء بهؤلاء الذين انحرفوا عن العقل، وحادوا عن المنهج القويم. وتنبعث تلك السخرية من قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. ولا عزة ولا كرامة وإنما ذِلة ومهانة، ومثل قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٣٨). فالأمر بالتبشير في الآية يحمل معنى الإهانة والتحقير لهؤلاء المنافقين. وتأمل قول الشاعر: فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير فأمره بترك الوعيد يشعر بمدى الحقارة والاستهزاء بهذا الذي يتوعد ويهدد وليس في إمكانه أن يحقق هذا الوعيد؛ فوعيده طنين كطنين أجنحة الذباب. وأنَّى لمثل هذا الوعيد أن يضير، بل كيف يتوعد مَن هذا شأنه؟! ويأتي الأمر كذلك ويراد به التسوية ويكون ذلك في مقام توهم رجحان أحد الأمرين على الآخر. كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ (التوبة: ٥٣). أي: يستوي عدم القبول منكم، سواء أكانت النفقة صادرةً

стр. 329

عن طواعيةٍ، أو عن كراهيةٍ؛ وذلك أنه سبحانه قد علم من حالهم عدم الاهتداء، وربما يتوهم المخاطب أن الإنفاق طوعًا مقبول، فدفع ذلك بالتسوية بينهم. ومثل ذلك: قول الله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الطور: ١٦)، وقوله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ (الإسراء: ١٠٧) أي: يستوي الصبر وعدمُه في عدم النفع؛ وذلك دفعًا لما قد يتوهم من أن الصبر نافع للكفار في عذاب يوم القيامة. وتشعر في الآية الثانية فضلًا عن التسوية بين الإيمان وعدمه بمعنى الاحتقار والازدراء، وقلة المبالاة، أي: آمنوا أو لا تؤمنوا فقد آمَن به مَن هم أفضل منكم وأعظم؛ ولذا استوى إيمانكم وعدم إيمانكم. ويأتي الأمر ليفيد التمني: ويكون ذلك في مقام طلب الشيء المحبوب الذي لا قدرةَ للطالب عليه، ولا طمع له في حصوله. كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠٧). وقد طلبوا الخروج من النار. ولات حين خروج؛ إنه محال ولا طمع لهم في حصوله، ولكنه التمني. وانظر إلى قول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل فالشاعر قد كثرت همومه، تكالبت عليه الشدائد حتى أصابه الأرَق، وهجره النوم. هو يتمنى أن ينجلي ذلك الليل وينأى بظلامه عنه حتى يستقبل الصباح، وينعم بضيائه، ثم عاد على ذلك بالنقل، فقال: وما الإصباح منك بأمثل. فأنت وهو سواء، وإنما طلب انجلاء الليل مع هذا؛ لأن في تغير الزمن راحةً على كل حال، وليس الغرض من صيغة انجلى: طلب الانجلاء من الليل؛ لأن الليل ليس مما يخاطب ويؤمر. وإنما يتمنى الشاعر ذلك تخلصًا مما يعاني.

стр. 330

ويفيد الأمر أحيانًا الدعاء: وهو الطلب على سبيل التضرع والخضوع، ويكون في أسلوب الأمر إذا صدر من الأدنى إلى الأعلى منزلةً، كما في قول الله تعالى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (طه:٢٥: ٣٢)، وقوله : ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران: ١٩٣)، وقوله -جل وعلا-: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة: ١٢٦). فالأمر في هذه الآيات الكريمة ونحوها المراد منه التضرع إلى الله والتوجه إليه والدعاء له؛ لأن الله -جل وعلا- لا يأمره أحد من خلقه. وسر التعبير بأسلوب الأمر في مقام الدعاء في الآيات الكريمة هو إظهار كمال الخضوع لله وبيان شدة الرغبة في تحقيق تلك الأفعال حتى كأنها أمور مطلوبة من الله ﵎. ومن المعاني التي يفيدها الأمر: الالتماس، ويكون عند خطاب مَن يساويك في الرتبة والمنزلة، والطلب منه على سبيل التلطف، وبدون تضرع ولا استعلاء. على نحو ما ترى في قول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحَومل وهو يخاطب صاحبيه، ويطلب منهما الوقوف في هذا المكان العزيز على نفسه؛ ليذرفَا معه الدمع قضاءً لحق هذه الذكرى الغالية. وهو طلب جاء لصاحبيه بأسلوب الأمر، وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يراد بصيغة الأمر الالتماس لا الإلزام والتكليف؛ لأن خطاب الند ندَّه لا يراد به معنى الإلزام.

стр. 331

ويأتي الأمر كذلك للنصح والإرشاد: وذلك إذا تضمن نصيحة لم تكن على وجه الإلزام، كما في قول الله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: ١٧)، وقوله ﷺ لعلي ﵁: ((إن أردت أن تسبق الصديقين؛ فَصِلْ مَن قطعك، واعط مَن حرمك، واعف عمن ظلمك)) ففي الآية الكريمة يوصي لقمان ابنه بتلك الفضائل. في الحديث ينصح ﷺ عليًّا ﵁ أن يتحلى بتلك الخصال الحميدة. ولا يقال: إن الأمر هنا للوجوب، إذ المأمور به واجب؛ لأن المأمور به إنما يكون واجبًا إذا وردت تلك الأوامر في مقام الأمر والإلزام من الله . أما ورودها هنا على لسان لقمان في الآية، وعلى لسان المصطفى ﷺ في الحديث، فإن المقام يقتضي أن تكون للنصح والإرشاد. ومن هذا القبيل: تلك الأوامر التي ترد على ألسنة الوعاظ والمرشدين والموجهين؛ فهم يريدون منها النصح والإرشاد، وأن يعبروا عما يضمرونه من حب وإخلاص لأتباعه. وهذا هو سر التعبير في أسلوب الأمر في مقام الإرشاد والنصح. ويأتي الأمر كذلك للإكرام: كما في قول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (الحجر: ٤٦). وهذا مراد به الإكرام للمؤمنين، وهو شائع بين الناس. فإنك تقول لضيفك وهو مستمر في الأكل والشرب: كُلْ، واشرَبْ، وقد تقسم عليه أن يأكل ولا تقصد إلا زيادة إكرامه، وأن تصور ما في خلجات نفسك من حب له وسرور به. وقد يأتي الأمر بتصوير حال المتكلم والدلالة على ما هو فيه من الحيرة والتخبط: كما في قول الله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (الأعراف: ٥٠). فأصحاب النار يعلمون يقينًا أن ما في

стр. 332

الجنة محرم عليهم، ولكنهم لفرط ما هم فيه من هول وعذاب كأنهم قد فقدوا عقولهم، فصاروا يطلبون ما لا سبيلَ إلى تحقيقه. ومثل ذلك: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ (المؤمنون:٩٩: ١٠٠)، وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (المؤمنون:١٠٦: ١٠٧). وكأن الكافر وقد حضره ملك الموت، وأبصر زبانية العذاب، أصابه الهول، فصار يطلب ما لا سبيل إلى تحقيقه، ولا يدري ماذا يقول؟ وكذا في الآية الثانية، كأن الأشقياء لشدة ما ذاقوا من العذاب في جهنم أصبحوا في حيرة وتخبط، فصاروا يطلبون ويتمنون ما لا سبيل إلى تحقيقه. وقد يأتي الأمر للإثارة والإلهاب والتهييج: وذلك عندما يوجه إلى المأمور الواقع منه الفعل، والذي لا يتصور أن يكون منه خلافه. كما في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (الأحزاب: ١)، وقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود: ١١٢)، وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: ٣٠). إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي يوجه فيها الأمر بما هو حاصل، أو النهي عن غير الحاصل إلى الرسول ﷺ . فإن الغرض من الأمر أو النهي عندئذ:= هو الإثارة والتهييج والإلهاب؛ حتى يزداد المخاطب تمسكًا بما هو عليه من الحق واليقين، ويستمر ويداوم؛ ولذا قالوا: إن التعبير بالأمر في مثل هذه الآيات وكذا النهي يفيدان طلب الدوام والاستمرار، أي: طلب دوام التقوى والاستقامة، والابتعاد عن الكفار، وعن الطغيان.

стр. 333

وقد يأتي الأمر تصويرًا للحدث وبيانًا لكيفية وقوعه انقيادًا وإظهارًا لقدرة الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت: ١١)، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (البقرة: ٢٤٣)، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢). فالأمر في الآيات الكريمة: راِئْتِيَا﴾، رمُوتُوا﴾، ركُنْ﴾، يصور حالَ الحدثِ وسرعةَ وقوعِه، وانقياده لأمر الله تعالى. في هذا من الدلالة على القدرة البالغة ما لا يخفى على صاحب الذوق الرفيع. وتأمل ما في الآيات من أمر يعقبه استجابة سريعة، ثم قارن بينه وبين أن تقول: فأماتهم الله ثم أحياهم، إنما أمره إذا أراد شيئًا يكون، فأمرهما بالطاعة فأطاعتَا، فستجد أن تصوير الحدث وبيان كيفية وقوعه وانقياده الخاطف لقدرة الله تعالى قد ولَّى وذهب من هذه الأقوال. وقد يأتي الأمر بالفعل مرادًا به الحث على الاتصاف بصفة معينة: كما في قولك: مُت وأنت كريم، مت وأنت تقي، صلِّ وأنت خاشع، واقرأ وأنت يقظ. فأنت في هذه الأقوال لا تريد أمره بالموت ولا الصلاة ولا القراءة، وإنما تريد أن تحثه على تلك الصفات المذكورة، وهي: الكرم، والتقوى، والخشوع، واليقظة، وأن يحافظ ويستمر على الاتصاف بها، ويحرص على ذلك طوال حياته، فهذا هو الأولى به واللائق بأمثاله من الكرماء الأتقياء. ومثل الأمر في ذلك: أسلوب النهي، تقول: لا تصلِّ إلا وأنت خاشع، لا تمت إلا وأنت كريم. ومرادك من هذا النهي أن تحثه على الخشوع والكرم، لا أن تنهاه عن الصلاة والموت.

стр. 334

وقد يرِد الأمر ولا يراد به مأمور معين، وإنما يراد به كل من يتأتَّى منه الخطاب. كما في قول النبي ﷺ : ((بشروا المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))، فهو ﷺ لا يريد بهذا مخاطبًا معينًا، إنما أراد عموم الأمر؛ حتى كأن كل فرد من أفراد الأمة مبشر لهؤلاء، وفي هذا تكريم للمشائين إلى المساجد، وتنويه بشأنهم، وبرضا الله تعالى عنهم، وتجليه عليهم بالرحمة والغفران والنور التام. إلى غير ذلك من الأغراض والمعاني البلاغية التي يفيدها أسلوب الأمر، وهي كثيرة يطول حصرها، وما نريده الآن هو أن نقف على وجه دلالة أسلوب الأمر على تلك المعاني. وقد ذكر كثير من البلاغيين: أن هذه المعاني التي يفيدها أسلوب الأمر معان مجازية، بمعنى: أن الأسلوب قد انتقل من الدلالة على الأمر إلى إفادة تلك المعاني، وكل مجاز لا بد فيه من علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي. وقد خاض البلاغيون ووجدوا في التماس تلك العلاقات. فالعلاقة بين الأمر والإباحة هي الإطلاق والتقييد؛ لأن الأمر إذن المقيد، والإباحة لمطلق الإذن. فاستعمال الأمر في الإباحة مجاز مرسل. ويجوز أن تكون العلاقة التضاد؛ لأن إباحة كل مِن الفعل والترك تُضاد الإيجاب، والعلاقة بين الأمر والتهديد شبه التضاد، وبين الأمر والإهابة اللزوم. وهكذا. وبعضهم يجعل استعمال الأمر في تلك المعاني من قبيل الكناية، وبعضهم يجعله من قبيل مستتبعات التراكيب، وكذا القول في المعاني البلاغية التي يفيدها أسلوب النهي أو أساليب الاستفهام الآتي بيانها -إن شاء الله-. والذي نراه أن دلالة الأمر وكذا النهي والاستفهام على تلك المعاني هي من مستتبعات الكلام، بمعنى: أن السياق وقرائن الأحوال هي التي تحدد تلك المعاني

стр. 335

المرادة، وأنه لا داعي للخوض في التماس علاقات واهية بين تلك المعاني وبين أساليب الأمر والنهي والاستفهام؛ لأنه على الرغم من وَهن هذه العلاقات فإنه لا فائدة للدرس البلاغي من ورائها، فالأولى أن تُصرف الهمم، وأن توجه الأذهان إلى معرفة المزايا والأسرار الكامنة وراء استعمال الأساليب الإنشائية في الدلالة على هذه المعاني، والوقوف عليها من خلال سياقات الكلام، ومعرفة قرائن أحواله، لا أن تُبدد في اللهث وراء التقاط علاقات لا تنمي ذوقًا ولا تفيد شيئًا. أسلوب النهي وننتقل بعد أسلوب الأمر إلى الحديث عن أسلوب النهي. فأسلوب النهي: هو كل أسلوب يُطلب به الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء والإلزام، فيكون من جهة عليا ناهية إلى جهة دنيا منهية. وله صيغة واحدة وهي المضارع المقارون المقرون بلا الناهية. كقولك: لا تصاحب الأشرار، لا تفعل السوء، لا تكف عن البذل والعطاء. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (الإسراء: ٣١)، وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف: ٥٦)، وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (البقرة: ١٨٧). فقد أفاد النهي في الآيات الكريمة طلب الكف عن قتل الأولاد، وعن الإفساد في الأرض، وعن اقتراب حدود الله. وصيغته -كما ترى- هي المضارع المقرون بلا الناهية. والذي تهتم به الدراسات البلاغية ليس هو طلب الكف عن الفعل، وهو المعنى الأصلي لتلك الصيغة، وإنما تهتم بما وراء ذلك من معان بلاغية، تفيدها أسلوب النهي.

стр. 336

وأهم هذه المعاني: الدعاء، وذلك عندما تكون تلك الصيغة صادرة من الأدنى إلى الأعلى. كما في قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٦). فالمقام مقام ضراعة وخضوع، والمؤمنون يبتهلون إلى الله تعالى بهذا الأسلوب على سبيل التضرع والتذلل. فالمقصود منه: الدعاء والابتهال. وسِر التعبير بصيغة النهي في مقام الدعاء في الآية الكريمة: هو بيان رغبة هؤلاء المؤمنين في أن يتجلى الله عليهم بالرحمة والغفران، وإظهار كمال ضراعتهم وتذللهم إلى الله -جل وعلا-. ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (آل عمران: ٨) وقوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٩٤) إلى غير ذلك من الآيات التي يتضرع فيها المؤمن إلى الله داعيًا وراجيًا بهذا الأسلوب الذي يُصور صدق رغبته، وشدة حرصه على أن يحقق الله له دعاءه ويجيب طلبه. ويأتي النهي لإرادة معنى الالتماس: وذلك إذا كان النهي من المساوي والند بدون استعلاء ولا خضوع ولا تذلل. كقولك لنظيرك: لا تفعل هذا. ومنه: قول الله تعالى على لسان هارون يخاطب أخاه موسى ﵉: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (طه: ٩٤). فالنهي في قوله: ﴿لَا تَأْخُذْ﴾ المراد به: الالتماس؛ لأنه ليس فيه استعلاء وإلزام، ولا تذلل وخضوع، حيث وجه من هارون إلى موسى وهما متساويان في الرتبةِ والمنزلةِ، فهو يلتمس منه بهذا النهي عدم إنزال العقوبة به؛ فقد خشي إن خرج عليهم أن يتفرقوا وفي إيثار التعبير بنسبته إلى الأم: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ على الرغم من كونه أخيه لأبيه وأمه استعطاف لموسى وترقيق لقلبه.

стр. 337

والسر البلاغي وراء التعبير بصيغة النهي في مقام الالتماس في الآية الكريمة هو إظهار حرص هارون على ترقيق قلب أخيه، ورغبته القوية الأصيلة في العفو والتسامح، وقد كان له عذر. ومن ذلك قول المتنبي في سيف الدولة: فلا تبلغاه ما أقول فإنه ... شجاع متى يذكر له الطعن يشتقي فهو يلتمس من صاحبيه أن يكتمَا عن سيف الدولة ما يقول في وصف شجاعته وحسن بلائه في الحروب. وقد عبر بأسلوب النهي في هذا المقام، مقام الالتماس؛ إظهارًا لشدة حرصه على كتمان هذا الأمر عن سيف الدولة، ففي ذلك ما فيه من تهويل وتفخيم لشجاعته وقوة فتكه بأعدائه. ويأتي النهي لإفادة النصح والإرشاد: كما في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: ١٠١). فليس المراد بالنهي عن السؤال في الآية الكريمة الإلزام وطلب الكف، وإنما أريد به النصح والإرشاد، وقد جاء بصيغة النهي؛ رغبةً في الاستجابة والامتثال، ومنه قول أبي العلاء: ولا تجلس إلى أهل الدنايا ... فإن خلائق السفهاء تعدي فهو ينصح مخاطبه ويرشده إلى الابتعاد عن السفهاء، وأهل الدنايا. قد عبر بصيغة النهي؛ لبيان رغبته وحرصه على أن يمتثل المخاطب ويستجيب لنصحه وإرشاده. ويأتي النهي كذلك للحث على الفعل: كما في قول الخنساء -وقد مضى-: أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟ فهي تحث عينيها على البكاء، وأن تجودَا بالدمع وألا تبخلَا به؛ فإنهما تبكيان صخر الندى. فالتعبير بالأمر والنهي في هذا المقام يظهر شدة حزنها، ورغبتها القوية في أن يتحقق ما تريده، وتفيض عيناها بالبكاء؛ وفاءً لحق هذا المقام.

стр. 338

ويأتي النهي كذلك ليفيد معنى التمني: كما في قول الشاعر: يا ليل طُل يا نوم زل ... يا صبح قف لا تطلع وهو يتمنى أن يمتد الليل ويطول وألا يطلع النهار؛ وذلك حتى يطول اجتماعه بحبيبته والتحدث إليها. ويأتي كذلك ليفيد التحقير والإهانة: كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (المؤمنون: ١٠٨). فالأمر والنهي في الآية الكريمة يحملان معنى الإهانة والتحقير لهؤلاء الذين غَلبت عليهم شقوتهم في الدنيا، وكانوا قومًا ضالين، ثم جاءوا يوم القيامة يتمنون الخروج من جهنم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠٧) وكانت تلك الإهانة: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. وليفيد أيضًا التوبيخ: كما في قول أبي الأسود الدؤولي: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم فالمراد بأسلوب النهي لا تنه، توبيخ من ينهى الناس عن الشر والسوء ولا ينتهي هو عنه. ومنه: قول الآخر: لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ويأتي النهي كذلك لتحقيق معنى التهديد: كما في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة:٦٥، ٦٦) فليس المراد نهيهم عن الاعتذار والتوبة، وإنما المراد التهديد والتحذير حتى يقلعوا عن غيهم وعنادهم، ويسلكوا مسلك الحق والهدى.

стр. 339

وليفيد كذلك معنى التيئيس: كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التحريم: ٧). فلا معنى لنهيهم عن الاعتزال في ذلك اليوم، وإنما هو التيئيس، وإعلامهم أنه لن يُقبل منهم ولن يلتفت إليهم، فليس أمامهم إلا الجزاء على كفرهم وضلالهم. ويأتي النهي أحيانًا مفيدًا لمعنى التفظيع والتهويل: كما في قوله تعالى: "وَلَا تَسْأَلوا عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ" (البقرة: ١١٩). في قراءة مَن قرأ بالنهي، وجزم المضارع أي: لا تسأل عن فرط ما هم فيه من العذاب، وما آل إليه أمرهم من النكال، فإنه لا يستطيع أحد أن يصف لك هول ما هم فيه، أو لا تستطيع أنت سماعه لفظاعته وشناعته، وقد يكون التهويل في النعيم والخير، كأن تقول: لا تسل عن فلان، وتريد فلانًا الذي حل به من الخير والنعيم ما لا يوصف؛ لكثرته ووفرته. وقد ينهى عن النهي مقيدًا بقيدٍ أو موصوفًا بوصفٍ، ولا يكون الغرض النهي عن الفعل في هذه الحالة، بل النهي عن الفعل مطلقًا، ويكون القيد أو الوصف عندئذٍ للمبالغة في التنفير والتحذير. كقولك مثلًا: لا تضيع دينك بكسرة خبز، ولا تضيع حق جارك الصالح، أنت لا تريد عن ضياع الدين في هذه الحالة، أو عن ضياع حقوق الجار الصالح فقط، كأنك تبيح له أن يضيع دينه إذا غلَا ثمنه، وأن يضيع حقوق جاره غير الصالح، وإنما تريد حثه على التمسك بدينه، وحفظ حقوق جاره مطلقًا. قد قيدت التضييع بكسرة الخبز ووصفت الجار بالصلاح؛ لأن في ذلك مزيدًا من التنفير والتقبيح. ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (آل عمران: ١٣٠)، وقوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (النور: ٣٣)، وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ

стр. 340

بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (النساء: ٢)، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (النساء: ٦) فالأفعال المنهي عنها في الآيات الكريمة قد قُيدت بقيود من شأنها أن تبعث على التنفير، وأن تبرز فظاعة تلك الأفعال وشناعتها. وليس المراد النهي عن الأفعال المذكورة في الحال التي قُيدت بها فقط دون ما عداها، وإنما المراد النهي المطلق، وقد جيء بالقيد للتبشيع والتنفير كما قلتُ. انظر مثلًا إلى آية النهي عن الربا: تجد هذا النهي قد قيد بكونه أضعافًا مضاعفة، والمراد النهي عن أكل الربا مضاعفًا وغيرَ مضاعفٍ؛ ولكنه جيء بهذا القيد تبشيعًا للصورة وتنفيرًا للنفوس، وهكذا في سائر ما ذكرنا من الآيات. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 341

الدرس: ١٦ تابع: الأساليب الإنشائية .

стр. 342

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (تابع: الأساليب الإنشائية) أسلوب الاستفهام الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ثم أما بعد: فنبدأ بالحديث عن أسلوب الاستفهام: من المعلوم أن الهمزة والسين والتاء إذا زيدت في الفعل الثلاثي أفادت معنى الطلب؛ يقال: استزاد أي طلب الزيادة، واستغفر أي طلب المغفرة، واستفهم أي طلب الفهم؛ فالاستفهام يعني: طلب الفهم؛ ولذا قالوا في تعريفه: الاستفهام هو طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبل بأدوات خاصة، وهذه الأدوات هي: الهمزة وهل ومَن وما وكيف وكم وأين وأيان ومتى وأنى وأي، وقد عرفت أن الجملة الخبرية التي تدخل عليها هذه الأدوات تتكون من أجزاء هي المسند والمسند إليه وأحد المتعلقات، وبضم هذه الأجزاء وإسناد بعضها إلى بعض تتكون الجملة التي تفيد حكمًا معينًا بهذا الضم أو بذاك الإسناد. وعندما تدخل هذه الأدوات على الجملة الخبرية يكون الاستفهام بها عن أحد أمرين؛ إما عن النسبة أي الإسناد أو الحكم المفاد من الجملة، ويُسمى تصديقًا، وإما عن أحد أجزاء الجملة ويسمى تصورًا؛ فالتصديق هو إدراك النسبة بين الشيئين ثبوتًا أو نفيًا، والتصور هو إدراك أحد أجزاء الجملة المسند أو المسند إليه أو أحد المتعلقات. وأدوات الاستفهام بحسب المستفهم عنه ثلاثة أنواع: ما يطلب به التصور تارة والتصديق تارة أخرى، وهو الهمزة وحدها. ما يطلب به التصديق فقط وهو هل. ما يطلب به التصور فقط وهو بقية الأدوات.

стр. 343

ولأجل ما ذكرنا كان لبناء جملة الاستفهام مع "الهمزة وهل" ضوابط واعتبارات دقيقة، ينبغي الوقوف عليها والإحاطة بها، أما بقية الأدوات فلكونها لطلب تصور أشياء محددة؛ فإنهم لا يلتزمون في بناء الجملة معها شيئًا زائدًا عن الضبط العام في النظام الإعرابي ووجوب تصدر هذه الأدوات. ونبدأ بالحديث عن الهمزة: وكما ذكرنا فإنه يطلب بها إما التصديق أي إدراك النسبة الواقعة بين الطرفين ثبوتًا أو نفيًا، وذلك عندما يكون السائل عالمًا بأجزاء الإسناد ويجهل الحكم أو مضمون الجملة، فهو يسأل ليقف على هذا الحكم، وإما التصور؛ أي إدراك أحد أجزاء الجملة عندما يكون السائل عالمًا بالحكم ولكنه يجهل أحد أجزاء البناء، فإذا كانت الهمزة لطلب التصديق كان جواب الاستفهام بنعم أو لا، ولا يذكر معها معادل، ويليها غالبًا الفعل إن وجد، تقول: أنجح خالد؟ أعمرو شجاع؟ إذا كنت تتصور أجزاء الكلام نجح وخالد وعمرو وشجاع، وتتصور النسبة بين أجزائه؛ أي بين نجح وخالد، وبين عمرو وشجاع، ولكنك تجهل وقوع هذه النسبة، أو: أواقعة هي ومحققة أم غير واقعة؟ ولذا يجاب سؤالك بنعم أو بلا؛ أي بتحقق هذه النسبة ووقوعها أو بعدم تحققها، ومن ذلك قول الشاعر: أأترك إن قل الدراهم خالدٍ ... زيارته إني إذن للئيم فالجواب هنا بالنفي؛ أي لا لن أترك زيارته إن قل ماله؛ لأن السؤال عن التصديق؛ إذ المتكلم يعرف الفعل ويتصور الفاعل وهو المتكلم نفسه، ويعلم المفعول وهو زيارة خالد، كما أنه يتصور النسبة بين تلك الأجزاء، ولكنه

стр. 344

يتساءل: أتقع منه أم لا تقع، فإن ذُكر المعادل "أم" بعد همزة التصديق هذه كانت أم منقطعة بمعنى بل، وكانت بعدها همزة أخرى مقدّرة كما في قول الشاعر: ولست أبالي بعد فقدي مالكًا ... أموتي ناءٍ أم هو الآن واقع فالسؤال بالهمزة عن نسبة، وأم للإضراب عن الكلام السابق؛ أي عن هذا التساؤل، وبعدها همزة مقدرة يُسأل بها سؤال آخر، والمعنى: أموتي ناء بل أهو الآن واقع، وإذا كانت الهمزة للتصور وجب أن يليها المستفهم عنه، ويُذكر للمستفهم عنه غالبًا معادل بعد أم المتصلة، وقد يستغنى عن ذكر المعادل إذا وجد ما يدل عليه، ولا يكون جواب الاستفهام عندئذ بنعم أو بلا، وإنما يكون بتعيين المستفهم عنه، تقول في السؤال عن الفاعل: أمحمدٌ جاء أم عمرو؟ فيكون الجواب: محمد أو عمرو؛ أي بتعيين من جاء منهما، ولا يقال عندئذ: نعم أو لا، ففي السؤال عن الفعل: أجاء محمد أم تخلف؟ فيقال: جاء أو تخلف، وعن المفعول: أعمرًا ضربت أم زيدًا؟ فيجاب: عمرًا أو زيدًا، وعن الظرف: أفي البيت زارك عمرو أم في المدرسة؟ فيجاب: في البيت أو في المدرسة، وقد يستغنى عن المعادِل إذا دل عليه دليل، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (الأنبياء: ٦٢) فالسياق وقرائن الأحوال تدل على أن المسئول عنه هو الفاعل؛ حيث أشاروا إلى الفعل بهذا، فهو معلوم لهم وهم يشاهدون الأصنام محطمة ويجهلون الفاعل؛ ولذا ولي الفاعل الهمزة: أأنت، والمعنى: أأنت فعلت هذا أم غيرك؟ وقد أجابهم ﵇ معينًا لهم الفاعل على سبيل التهكم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ (الأنبياء: ٦٣). وينبغي أن يُراعي عند ذكر المعادل بعد أم المتصلة أن يكون موافقًا لما بعد الهمزة، وألا يتناقض معها، على نحو ما ترى في الآيات الكريمة: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ

стр. 345

أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (يوسف: ٣٩) ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (مريم: ٧٨) ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (البقرة: ١٤٠) ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ (الدخان: ٣٧) ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (النمل: ٤٠) حيث تجد أن ما بعد أم مماثل لما بعد الهمزة؛ ولذا كان من الخطأ أن تقول: أزيدًا أكرمت أم أهنت؟ أأكرمت زيدًا أم عمرًا؟ أجاءك خالد أم علي؟ لتناقُض ما بعد الهمزة مع ما بعد أم المتصلة، وهو ليس تناقضًا في تركيب العبارة فحسب، بل تناقض واضطراب في الإدراك والوعي. إذ تقديم المفعول مثلا في قولك: أزيدًا أكرمت؟ ينبئ بأنك تجهل المفعول، وتتصور الفعل وهو الكرم، والفاعل وهو المخاطب، فلو قلت بعد ذلك: أم أهنت؟ أو قلت: أم خالد؟ بالرفع تناقضت العبارة وتناقض فهمك واضطرب إدراكك لما تقول، وعليك أن تعلم أن الفعل إذا حُدد وعُين كان الشك في الفاعل والجهل به كقولك: أأنت بنيت هذه الدار؟ ولا يصح قولك: أبنيت هذه الدار؟ لأن تحديد الفعل وتعيينه بالإشارة إليه يجعله معلومًا، ويجعل الشك في الفاعل، وتقديم الفعل وإيلاؤه الهمزة ينفي ذلك، ويجعل الشك في الفعل، وهذا تدافع وتناقض، فإذا أردت الاستفهام عن الفعل ينبغي عليك ألا تحدده بل تتركه بلا تحديد كأن تقول: أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ أقلت الشعر الذي عزمت على قوله؟. ولا يصح أن تسأل عن فاعل هذا الفعل غير المحدد، فلا تقول: أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ أأنت قلت الشعر الذي عزمت على أن تقوله؟ لأن تقديم الفاعل يدل على أن الفعل قد وقع والمطلوب معرفة فاعله، وقولك: التي كنت على أن تبنيها، الذي كنت على أن تفعل، يدل على أن الشك في الفعل

стр. 346

وهذا تناقض فالسؤال عن الفاعل يقتضي بالضرورة معرفة فعل محدد معين حتى يقال في الجواب: فعله فلان، ولا يعقل أن يُسأل عن فاعل فعل غير محدد، فلا يقال: أأنت أكلت طعامًا؟ أأنت رأيت اليوم إنسانًا؟ أأنت قلت شعرًا؟ وإنما يسأل في مثل هذا عن الفعل فيقال: أأكلت طعامًا؟ أرأيت اليوم إنسانًا؟ أقلت شعرًا؟ وقد يكون السؤال بالهمزة عن الفعل، ويلي الهمزة غيره لغرض بلاغي وهو المبالغة في الإنكار وتأكيد الردع والزجر، وذلك عندما يلي الهمزة أو يُعطف على ما وليها الفاعل أو المفعول أو ظرف الذي ليس للفعل غيره، كقولك: أفي ليل وقع هذا أم في نهار؟ فأنت لا تسأل عن الظرف وإنما تُنكر وقوع الفعل، ولم يلِ الفعل الهمزة كما ترى، بل وليها عطف على ما وليها الظرف الذي ليس للفعل ظرف سواه، فإذا ما انتفى الظرف الذي لا ظرف يقع فيه الفعل غيره؛ كان هذا أبلغ في انتفاء الفعل وأشد إنكارًا وأقوى ردعًا لمن يدعي وقوعه، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (الأنعام: ١٤٣) وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: ٥٩)، فالمعنى على إنكار التحريم والإذن، وقد ولي الهمزة غيرهما مبالغة في الإنكار والزجر؛ لأنه إذا انتفي المفعول الذي ليس للفعل مفعول غيره في الآية الأولى، والفاعل الذي ليس للفعل فاعل سواه في الآية الثانية؛ كان ذلك أبلغ في انتفاء الفعل وأشد ردعًا وأقوى زجرًا لمن ادعى وجوده وثبوته كذا في (دلائل الإعجاز).

стр. 347

من أدوات الاستفهام "هل " ونثني بعد الحديث عن الهمزة بالحديث عن هل: التي تأتي دائمًا لطلب التصديق فحسب: تقول مثلا: هل قام زيد؟ وهل عمرو ناجح؟ فتسأل عن نسبة القيام للأول والنجاح للثاني؛ ولذا يكون جوابك: نعم أو لا؛ أي بإفادتك ثبوت النسبة أو نفيها، ولما كانت هل لطلب التصديق فحسب فقد ترتب على ذلك ما يأتي؛ أولًا: امتناع أن يذكر بعدها معادل بأم المتصلة، فلا يقال: هل زيد قائم أم عمرو؟ لأن هل تدل على أن مضمون الجملة -وهو النسبة غير معلومة، وأن السؤال عنها ووقوع المفرد بعد أم دليل على أن أم متصلة، وأم المتصلة تدل على أن مضمون الجملة معلوم، وأن المطلوب هو تعيين أحد الأمرين؛ المفرد الذي قبلها أو المفرد الذي بعدها، فالسؤال عن ذلك إنما يكون بهمزة التصور: أزيد قائم أم عمرو؟ فالجمع بين هل وأم المتصلة في مثالٍ واحد يؤدي إلى التناقض. فإذا وردت أم المتصلة بعد هل، وكان بعد أم المفرد وجب تأويله بالجملة، وجعل أم منقطعة للإضراب مع استفهامٍ آخر مقدر؛ من ذلك ما روي أنه ﷺ قال لجابر: ((هل تزوجت بكرًا أم ثيبًا؟)) فالمعنى: بل هل تزوجت ثيبًا! ولذا لو قيل في المثال المذكور: هل قام زيد أم عمرو؟ إن المعنى: بل هو قام عمرو؛ لجاز ذلك وصح. ثانيًا: يقبح استعمال هل في كل تركيب يتقدم فيه المسند إليه على الخبر الفعلي أو المفعول على الفعل، كقولك: هل زيد قام؟ وهل زيدًا أكرمت؟ ووجه قبحه عند

стр. 348

الجمهور أن التقديم في هذين الحالين قد يكون للاختصاص، والاختصاص يقتضي وقوع النسبة والعلم بها، وأن المراد هو السؤال عن الفاعل أو المفعول، وهل لا يُؤتى بها لهذا، بل هي للتصديق؛ أي طلب العلم بالنسبة، فإذا كانت النسبة معلومة عند دلالة التقديم على الاختصاص كانت هل لطلب حصول الحاصل، وهذا عبث! وظاهر هذا الوجه المنع، ولكنهم عدّوه قبيحًا لاحتمال أن يكون التقديم لمجرد الاهتمام بالمقدم، فيكون التقديم على خلاف الغالب، لا للتخصيص الذي يقتضي العلم بالنسبة أو لاحتمال تقدير فعل محذوف دلّ عليه المذكور، فيكون الفعل الظاهر قد مُنع من العمل بلا شاغل عنه، وذلك قبيح. ورجح العلامة سعد الدين التفتازاني أن وجه عدم امتناعه هو الاحتمال الثاني دون الأول؛ لأننا لو قلنا: إن التقديم في هل زيد قام وهل زيدا أكرمت؟ للاهتمام لم يكن هناك وجه لعدّه قبيحًا، وإلا للزم أن يكون التقديم للاهتمام قبيحًا مطلقًا ولا قائل به، كذا في (المطول). ورجح السكاكي جواز ذلك بلا قبح؛ لعدم إفادته التخصيص، ولأنه ليس مقدمًا عن تأخير، وسبب ذلك وإن لم يذكره السكاكي يرجع إلى طبيعة هل وأصلها، لا إلى دلالة الاختصاص التي يحتملها التقديم، وقد قالوا: إن هل في الأصل بمعنى قد، وترد أحيانًا مسبوقة بالهمزة، فيقال: أهل جاء زيد؟ ومن ذلك قول الشاعر: سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم الأكم: هو الموضع الذي يكون أشد ارتفاعًا مما حوله، فلما طالت ملازمتها الهمزة تشربت منها معنى الاستفهام، فسقطت الهمزة وبقيت هل دالة عليها، ولما كانت "قد" لا تدخل إلا على الأفعال كانت كذلك هل التي بمعناها، وعلى ذلك إذا وجد الفعل في التركيب وجب مراعاة معنى هل الأصلي في لزوم إيلائها

стр. 349

الفعل، وإن لم يوجد الفعل أصلًا في التركيب روعي في هل معنى الاستفهام الذي استمده من الهمزة، فجاز دخولها على الاسم؛ ولذا لا يقبح أن يقال. انتهى من (المطول). وكما يقبح دخول هل على المعرفة وبعدها فعل؛ فإنه يقبح دخولها على النكرة المتلوة بفعل نحو: هل رجل سافر؟ لنفس الأسباب المذكورة، والقبح هنا في تقديم النكرة باتفاق البلاغيين؛ لأنه يفيد الاختصاص، حتى على مذهب السكاكي، إذ يرى أن الأصل: هل سافر رجل؟ فرجل فاعل في المعنى، إذ هو بدل من الضمير المستتر في سافر، وقد قُدم من تأخير. ثالثًا: ومن خصائص هل، أنها إذا دخلت على الفعل المضارع خلصته للاستقبال، هذا هو الأصل فيها؛ ولذا لا يجوز أن تقول: هل يقوم زيد الآن؟ لأن في ذلك تدافعًا في بناء الجملة؛ إذ هل تمحضها للاستقبال، والتقييد بلفظ الآن يجعلها للحال، وكأنك تقول: هل يقوم بعد الآن؟ ثم تقول: الآن، وهذا تناقض واضطراب، وكذا إذا دلت قرينة حالية على أن المضارع مراد به الحال، كقولك: هل تسيء إلى صاحبك؟ إذا دل الحال على وقوع الإساءة، ولهذا لا تقع هل موقع الهمزة في مثل قوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (هود: ٢٨) وقوله: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ (الصافات: ٩٥) وكل ما دل فعله على الحال. رابعًا: ولكون هل لها مزيد اختصاص بالأفعال؛ فإنه لا يعدل عن الفعل إلى الاسم بعدها إلا لنكتة بلاغية، وهي أن يجعل ما يحدث ويتجدد الذي هو مفاد الجملة الفعلية، أو يجعل ما سيوجد بمعنى هل تخلُّص المضارع في الغالب

стр. 350

للاستقبال في معرض الكائن الحاصل، الذي هو مفاد الجملة الاسمية؛ اهتمامًا بشأنه واعتناء بأمره، وذلك بناء على قول البلاغيين: إن الجملة الفعلية تفيد التجدد والحدوث، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والدوام، تأمل مثلًا قول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (الأنبياء: ٨٠)، وقوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٨). تجد أن قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أدل على طلب حصول الشكر والإسلام من قولك: فهل تشكرون؟ فهل تسلمون؟ أو فهل أنتم تشكرون؟ أو فهل أنتم تسلمون؟ وذلك لأن الجملة الاسمية تفيد التوكيد، وتدل على معنى أوفى مما تدل عليه الجملة الفعلية، ولأن إبراز ما يحدث ويتجدد في معرض الحاصل الثابت أقوى دلالة على الاهتمام بشأنه وكمال عنايته بحصوله من إبقائه على أصله، وكذا في قولك: أفأنتم شاكرون؟ أفأنتم مسلمون؟ وإن كانت صيغته للثبوت كما ترى؛ لأن "هل" نزاعة إلى الفعل وأدعى له من الهمزة فتركه معها أدل على كمال العناية بحصوله وشدة الاهتمام بوقوعه. ولهذا قال البلاغيون: إن قولك: هل زيد منطلق، أقوى دلالة على طلب حصول الانطلاق والاهتمام بوقوعه، من أن تقول: أزيد منطلق؟ وقالوا: إن العدول عن الهمزة إلى هل، في مثل هذا المثال لا يحسن إلا من البليغ؛ لأنه هو الذي يلتفت إلى تلك الدقائق ويراعي هذه النكات البلاغية، ويقدر على تطويع الكلام وتكييف العبارات وصياغتها على حسب ما يقتضيه المقام.

стр. 351

بقية أدوات الاستفهام أما بقية أدوات الاستفهام، فهي كما قلنا للتصور فقط، فيسأل بها عن معانيها، ويكون الجواب عنها بتعيين المستفهم عنه؛ ولذا لا يلتزم في بناء الجملة معها سوى الضبط العام في النظام الإعرابي لصياغة الجمل، مع مراعاة تصدر تلك الأدوات كما قلنا، فليس وراء بناء الجمل مع تلك الأدوات دقائق ينبغي مراعاتها كما هو الحال بالنسبة للهمزة وهل. فـ"من" يطلب بها تصور من يعقل أو من يعلم، كقولك: من عندك؟ من فتح بلاد الأندلس؟ فيقال في الجواب: زيد والقائد البطل طارق بن زياد، ولك أن تقول في جواب الأول: العالم الصادق، وفي جواب الثاني: القائد البطل، الذي لا تخفى على أحد بطولاته وتفانيه في نشر دين الله، أي: أن الجواب يكون إما بذكر الذات المستفهم عنها، أو بذكر الأوصاف الخاصة بالمستفهم عنه المشخِّصة له، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: ٤٩، ٥٠) فقد أجاب موسى ﵇ ببيان الصفات الخاصة برب العزة المنفرد بها . وانظر إلى قوله جل وعلا: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (الأنبياء: ٥٩، ٦٠) وقوله عز من قائل: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (فصلت: ١٥) فواضح من الآيتين أن الجواب قد اشتمل على ذكر الذات المستفهم عنها.

стр. 352

و"ما" يستفهم بها عن غير العقلاء، ويُطلب بها بيان الذات غير العاقلة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (طه: ١٧، ١٨) وقوله: ﴿قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ (الشعراء: ٧٠، ٧١) كما يطلب بها بيان حقيقة المسمى وصفته، كقولك: ما زيد؟ فيجاب عالم أو طويل، ومنه قوله : ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٥٢، ٥٣) وقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢٣، ٢٤) فالمراد بالاستفهام في الآيتين بيان حقيقة المسمى وصفته التي يُعرف بها، وقد جاء الجواب على خلاف ما يقتضي الاستفهام في الآية الأولى، وعلى خلاف ما يريد السامع ويتوقع في الآية الثانية، ويُطلب بها أيضًا إيضاح الاسم، نحو: ما العسجد؟ فيجاب: الذهب. أما "متى" فيستفهم بها عن الزمان ماضيًا كان أو مستقبلا، كقولك: متى حضرت؟ ومتى تسافر؟ ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: ٧١). "أيان" يستفهم بها عن الزمان المستقبل، وتستعمل في مواضع التفخيم والتهويل، كقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ (الذاريات: ١٢). "أين" يسأل بها عن المكان، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (القيامة: ٧ - ١٠).

стр. 353

و"كيف" يُسأل بها عن الحال، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ (البقرة: ٢٨). وأما "أنى" فتكون بمعنى كيف كقوله عز من قائل: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ (آل عمران: ٤٠) وبمعنى من أين كقوله: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ (آل عمران: ٣٧) وبمعنى متى كما في قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٣) فأنى في الآية الكريمة تحتمل المعاني الثلاثة، أي متى شئتم وكيف شئتم ومن أين شئتم، على أن يكون الإتيان في موضع الحرث. و"كم" يُستفهم بها عن العدد كقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (الكهف: ١٩) ويسأل بها أيضًا عن تمييز الزمان أو المكان أو الحال أو العدد، وكذا عن تمييز العاقل وغير العاقل، فهي تكتسب معنى ما تضاف إليه، فتقول في السؤال بها عن تمييز الزمان: في أي يوم عاد البطل؟ وعن المكان: في أي مكان نلتقي؟ وعن الحال: على أي حال تركت أباك؟ وعن العدد: إلى أي عدد بلغت دراهمك؟ وعن العاقل: أي الرجلين أكبر سنًّا، وعن غير العاقل: أي جواد امتطيت؟ تلك هي معاني أدوات الاستفهام، وهي وإن كانت لا تخلو من فوائد ودقائق واعتبارات بلاغية -وبخاصة بناء الجمل مع الهمزة وهل- إلا أن جل اهتمام البلاغيين يتجه إلى المعاني البلاغية التي تفيدها أساليب الاستفهام؛ كالإنكار والتعجب والاستبعاد والتهديد والتهكم والتحقير، ونحو ذلك من مستتبعات التراكيب.

стр. 354

وإنما قلنا: من مستتبعات التراكيب؛ لأن الاستفهام قد دخلته هذه المعاني، وشابته وصار بإفادته لها استفهامًا غير محض؛ إذ التنبيه وإيقاظ المخاطب، وحثه على التأمل الذي هو لب الاستفهام؛ لا يفارقه عند إفادة تلك المعاني، التي منها الاستبطاء، كما في قول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢١٤) فالخطاب في الآية الكريمة للصحابة -رضوان الله عليهم- والمعنى: أحسبتم أن تدخلوا الجنة بلا ابتلاء وتمحيص، وقد جرت سنة الله أن يبتلي عباده! فقد ابتلى الأمم قبلكم ابتلاءً شديدًا، ومستهم البأساء والضراء حتى قال الرسول -وهو أعلم الناس بالله وأوثقهم بنصره- وقال الذين آمنوا معه لشدة ما حلّ بهم ونزل: متى نصر الله؟ فقد استطالوا مدة العذاب واستبطئوا مجيء النصر، وسر التعبير بأسلوب الاستفهام في مقام الاستبطاء هو إظهار المعاناة من طول الانتظار وجذب انتباه السامع ودعوته للمشاركة والنظر فيما نزل وحل، ولا يخفى عليك ما للسياق في الآية الكريمة من إبراز وتصوير لحال هؤلاء القائلين وما حل بهم من ابتلاء وشدة، جعلتهم يتطلعون إلى فرج الله ونصره، الذي طال انتظارهم له. ومن ذلك أن تقول وقد اشتد الحر وأنت صائم: متى يؤذن لصلاة المغرب؟ فأنت لا تجهل موعد الأذان والإفطار، ولكنك تصور حالتك وطول انتظارك وترقبك لهذا الوقت، وتدعو المخاطب ليشاركك ما تعاني منه وتتطلع إلى تفريجه، ومثل قولك وقد طال انتظارك للقطار: متى يصل القطار! وقولك لصاحب لك تدعوه كثيرا للحضور وهو يماطل ويتأخر ولا يجيب دعوتك: كم دعوتك! فأنت تستبطئ إجابته وتحثه على مراجعة نفسه ومعرفة تقصيره وخطئه، ومن ذلك قول المتنبي: حتى ما نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه -أي النجم- على خف ولا قدم

стр. 355

نساري من السري وهو السير ليلا، يقول: إلى متى نسري مع النجم في الليل وهو لا يسري على خف كالإبل ولا على قدم كالناس! فهو لا يتعب مثلنا ومثل خطايانا، فالمتنبي لا يسأل عن الزمان ولكنه يستبطئ مجيء هذا اليوم الذي يصل فيه إلى هدفه ويُحقق بغيته، وقد يراد من الاستفهام معنى الاستبعاد، وهو عد الشيء بعيدًا، والفرق بينه وبين الاستبطاء أن الاستبعاد متعلقه غير متوقع، أما الاستبطاء فمتعلقه متوقع، والمستفهِم يتطلع إلى وقوعه ومجيئه، ومن الاستفهام الذي جاء مفيدًا الاستبعاد قوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (ق: ٢، ٣) فالكفرة يستبعدون البعث وينكرون وقوعه، وقد عبروا عن هذا الاستبعاد بصيغة الاستفهام التي طوي فيها البعث المستفهم عنه، والتقدير: أنُبعث إذا كنا ترابًا ذلك رجع بعيد! وكأنهم يريدون أن يظل البعث هكذا سؤالا مثارًا وتعجبًا مقامًا، يسأله كل كافر ويتعجب من وقوعه كل جاحد عنيد. ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ (الدخان: ١٣، ١٤) إلى غير ذلك. ومن المعاني التي يفيدها الاستفهام: التحسر والتألم، وذلك في مقام يظهر فيه المستفهم حزنه وتألمه وتحسره على ما فاته، تأمل قول حافظ إبراهيم في وصف حريق: سائلوا الليل عنهم والنهار ... كيف باتت نساؤهم والعذارى ويتحسر ويتفجع لهؤلاء المنكوبين، الذين ساءت أحوالهم وأتى الحريق على ما يملكون من متاع ومأوى، فباتوا هم وأهلهم في العراء، وقد لجأ الشاعر إلى أسلوب الاستفهام ليُلهب الناس ويثير حميتهم لمساعدة المصاب لتبديد ما ألمّ به
следующие страницы →