Полный текст (482 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
بقية أدوات الاستفهام
أما بقية أدوات الاستفهام، فهي كما قلنا للتصور فقط، فيسأل بها عن معانيها، ويكون الجواب عنها بتعيين المستفهم عنه؛ ولذا لا يلتزم في بناء الجملة معها سوى الضبط العام في النظام الإعرابي لصياغة الجمل، مع مراعاة تصدر تلك الأدوات كما قلنا، فليس وراء بناء الجمل مع تلك الأدوات دقائق ينبغي مراعاتها كما هو الحال بالنسبة للهمزة وهل. فـ"من" يطلب بها تصور من يعقل أو من يعلم، كقولك: من عندك؟ من فتح بلاد الأندلس؟ فيقال في الجواب: زيد والقائد البطل طارق بن زياد، ولك أن تقول في جواب الأول: العالم الصادق، وفي جواب الثاني: القائد البطل، الذي لا تخفى على أحد بطولاته وتفانيه في نشر دين الله، أي: أن الجواب يكون إما بذكر الذات المستفهم عنها، أو بذكر الأوصاف الخاصة بالمستفهم عنه المشخِّصة له، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: ٤٩، ٥٠) فقد أجاب موسى ﵇ ببيان الصفات الخاصة برب العزة المنفرد بها .
وانظر إلى قوله جل وعلا: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (الأنبياء: ٥٩، ٦٠) وقوله عز من قائل: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (فصلت: ١٥) فواضح من الآيتين أن الجواب قد اشتمل على ذكر الذات المستفهم عنها.
стр. 352
و"ما" يستفهم بها عن غير العقلاء، ويُطلب بها بيان الذات غير العاقلة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (طه: ١٧، ١٨) وقوله: ﴿قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ (الشعراء: ٧٠، ٧١) كما يطلب بها بيان حقيقة المسمى وصفته، كقولك: ما زيد؟ فيجاب عالم أو طويل، ومنه قوله : ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٥٢، ٥٣) وقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢٣، ٢٤) فالمراد بالاستفهام في الآيتين بيان حقيقة المسمى وصفته التي يُعرف بها، وقد جاء الجواب على خلاف ما يقتضي الاستفهام في الآية الأولى، وعلى خلاف ما يريد السامع ويتوقع في الآية الثانية، ويُطلب بها أيضًا إيضاح الاسم، نحو: ما العسجد؟ فيجاب: الذهب.
أما "متى" فيستفهم بها عن الزمان ماضيًا كان أو مستقبلا، كقولك: متى حضرت؟ ومتى تسافر؟ ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: ٧١). "أيان" يستفهم بها عن الزمان المستقبل، وتستعمل في مواضع التفخيم والتهويل، كقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ (الذاريات: ١٢). "أين" يسأل بها عن المكان، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (القيامة: ٧ - ١٠).
стр. 353
و"كيف" يُسأل بها عن الحال، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ (البقرة: ٢٨). وأما "أنى" فتكون بمعنى كيف كقوله عز من قائل: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ (آل عمران: ٤٠) وبمعنى من أين كقوله: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ (آل عمران: ٣٧) وبمعنى متى كما في قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٣) فأنى في الآية الكريمة تحتمل المعاني الثلاثة، أي متى شئتم وكيف شئتم ومن أين شئتم، على أن يكون الإتيان في موضع الحرث.
و"كم" يُستفهم بها عن العدد كقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (الكهف: ١٩) ويسأل بها أيضًا عن تمييز الزمان أو المكان أو الحال أو العدد، وكذا عن تمييز العاقل وغير العاقل، فهي تكتسب معنى ما تضاف إليه، فتقول في السؤال بها عن تمييز الزمان: في أي يوم عاد البطل؟ وعن المكان: في أي مكان نلتقي؟ وعن الحال: على أي حال تركت أباك؟ وعن العدد: إلى أي عدد بلغت دراهمك؟ وعن العاقل: أي الرجلين أكبر سنًّا، وعن غير العاقل: أي جواد امتطيت؟ تلك هي معاني أدوات الاستفهام، وهي وإن كانت لا تخلو من فوائد ودقائق واعتبارات بلاغية -وبخاصة بناء الجمل مع الهمزة وهل- إلا أن جل اهتمام البلاغيين يتجه إلى المعاني البلاغية التي تفيدها أساليب الاستفهام؛ كالإنكار والتعجب والاستبعاد والتهديد والتهكم والتحقير، ونحو ذلك من مستتبعات التراكيب.
стр. 354
وإنما قلنا: من مستتبعات التراكيب؛ لأن الاستفهام قد دخلته هذه المعاني، وشابته وصار بإفادته لها استفهامًا غير محض؛ إذ التنبيه وإيقاظ المخاطب، وحثه على التأمل الذي هو لب الاستفهام؛ لا يفارقه عند إفادة تلك المعاني، التي منها الاستبطاء، كما في قول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢١٤) فالخطاب في الآية الكريمة للصحابة -رضوان الله عليهم- والمعنى: أحسبتم أن تدخلوا الجنة بلا ابتلاء وتمحيص، وقد جرت سنة الله أن يبتلي عباده! فقد ابتلى الأمم قبلكم ابتلاءً شديدًا، ومستهم البأساء والضراء حتى قال الرسول -وهو أعلم الناس بالله وأوثقهم بنصره- وقال الذين آمنوا معه لشدة ما حلّ بهم ونزل: متى نصر الله؟ فقد استطالوا مدة العذاب واستبطئوا مجيء النصر، وسر التعبير بأسلوب الاستفهام في مقام الاستبطاء هو إظهار المعاناة من طول الانتظار وجذب انتباه السامع ودعوته للمشاركة والنظر فيما نزل وحل، ولا يخفى عليك ما للسياق في الآية الكريمة من إبراز وتصوير لحال هؤلاء القائلين وما حل بهم من ابتلاء وشدة، جعلتهم يتطلعون إلى فرج الله ونصره، الذي طال انتظارهم له.
ومن ذلك أن تقول وقد اشتد الحر وأنت صائم: متى يؤذن لصلاة المغرب؟ فأنت لا تجهل موعد الأذان والإفطار، ولكنك تصور حالتك وطول انتظارك وترقبك لهذا الوقت، وتدعو المخاطب ليشاركك ما تعاني منه وتتطلع إلى تفريجه، ومثل قولك وقد طال انتظارك للقطار: متى يصل القطار! وقولك لصاحب لك تدعوه كثيرا للحضور وهو يماطل ويتأخر ولا يجيب دعوتك: كم دعوتك! فأنت تستبطئ إجابته وتحثه على مراجعة نفسه ومعرفة تقصيره وخطئه، ومن ذلك قول المتنبي:
حتى ما نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه -أي النجم- على خف ولا قدم
стр. 355
نساري من السري وهو السير ليلا، يقول: إلى متى نسري مع النجم في الليل وهو لا يسري على خف كالإبل ولا على قدم كالناس! فهو لا يتعب مثلنا ومثل خطايانا، فالمتنبي لا يسأل عن الزمان ولكنه يستبطئ مجيء هذا اليوم الذي يصل فيه إلى هدفه ويُحقق بغيته، وقد يراد من الاستفهام معنى الاستبعاد، وهو عد الشيء بعيدًا، والفرق بينه وبين الاستبطاء أن الاستبعاد متعلقه غير متوقع، أما الاستبطاء فمتعلقه متوقع، والمستفهِم يتطلع إلى وقوعه ومجيئه، ومن الاستفهام الذي جاء مفيدًا الاستبعاد قوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (ق: ٢، ٣) فالكفرة يستبعدون البعث وينكرون وقوعه، وقد عبروا عن هذا الاستبعاد بصيغة الاستفهام التي طوي فيها البعث المستفهم عنه، والتقدير: أنُبعث إذا كنا ترابًا ذلك رجع بعيد! وكأنهم يريدون أن يظل البعث هكذا سؤالا مثارًا وتعجبًا مقامًا، يسأله كل كافر ويتعجب من وقوعه كل جاحد عنيد. ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ (الدخان: ١٣، ١٤) إلى غير ذلك.
ومن المعاني التي يفيدها الاستفهام: التحسر والتألم، وذلك في مقام يظهر فيه المستفهم حزنه وتألمه وتحسره على ما فاته، تأمل قول حافظ إبراهيم في وصف حريق:
سائلوا الليل عنهم والنهار ... كيف باتت نساؤهم والعذارى
ويتحسر ويتفجع لهؤلاء المنكوبين، الذين ساءت أحوالهم وأتى الحريق على ما يملكون من متاع ومأوى، فباتوا هم وأهلهم في العراء، وقد لجأ الشاعر إلى أسلوب الاستفهام ليُلهب الناس ويثير حميتهم لمساعدة المصاب لتبديد ما ألمّ به
стр. 356
وأصابه. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (القيامة: ٧ - ١٠)، فالاستفهام في الآية يفيد تحسّر الإنسان وندمه على ما فاته في الدنيا، واستبعاده الفرار في ذلك اليوم: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (القيامة: ١١، ١٢) ويأتي الاستفهام ويراد به التعجب، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (النمل: ٢٠) فسليمان ﵇ كما تفقد الطير ولم يجد الهدهد تعجب كيف لا يراه وهو لا يغيب إلا بإذنه، ولذا توعده بالعذاب الشديد إذا لم يكن غيابه هذا لسبب قوي يدعو إليه: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (النمل: ٢١).
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هود: ٧٢) تعجبت امرأته من بشارة الملائكة لإبراهيم ﵇ بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، كيف تلد وهي عجوز وقد عاشت حياتها عقيمًا وهذا بعلها قد صار شيخا!! إنه لأمر عجيب، ولذلك تساءلت الملائكة متعجبة من تعجبها: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ (هود: ٧٣) وقد يأتي ويراد به التنبيه إلى ضلال كما في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: ٢٦، ٢٧) فهو تنبيه للكفرة إلى خطأ ما يقولون وضلال ما يعتقدون وباطل ما يعبدون من دون الله، ويتضح لك هذا التنبيه عندما تتأمل سياق الآيات الكريمة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (التكوير: ١٥ - ٢١) إلى آخر الآيات.
стр. 357
ويأتي الاستفهام ويفيد معنى التهويل، كما في قول الله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (الحاقة: ١ - ٣)، ﴿الْقَارِعَةِ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (القارعة: ١ - ٣) ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ (الهمزة: ٤، ٥) فالاستفهام في الآيات الكريمة يكشف عن أهوال يوم القيامة، ويصور ويبرز فظاعة العذاب وشدته.
ويأتي ليفيد معنى الوعد والتهديد، كقولك لمن يسيء إليك: ألم أؤدب فلانًا! تريد بذلك تهديده وتوعده حتى يقلع عن إساءته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ (المرسلات: ١٥ - ١٧) ولا يخفى عليك ما يفيده الاستفهام من توعد للكفرة، وحث لهم على الإقلاع عن كفرهم والانصياع لصوت الحق حتى لا يصيبهم ما أصاب الأولين من إهلاك وتعذيب. ويأتي ويفيد الأمر والحث على الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (هود: ١٤) وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧) وقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ (آل عمران: ٢٠) وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة: ٩١) وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ (الحديد: ١١) فالمراد بالاستفهام في هذه الآيات الأمر، وقد جاء في صيغة الاستفهام؛ لأن في ذلك إغراء للمخاطب وحثًا له على الاستجابة وقبول الأمر.
يأتي الاستفهام أيضًا ويراد به التقرير، بمعنى طلب الإقرار أو بمعنى التحقيق والإثبات، فمن الأول قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا
стр. 358
يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (الأنبياء: ٦٢)، ومثله قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة: ١١٦) فهو تقرير بما يعرفه عيسى ﵇ من هذا الحكم، وهو أنه لم يصدر منه هذا القول، وفيه توبيخ وتبكيت لمن اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، ومنه قوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (الشعراء: ١٨) فالمراد بالاستفهام تذكير موسى ﵇ بنشأته وتربيته فيهم، وحمله على الإقرار بذلك أملًا من فرعون في أن يُقلع ويكف عما جاء به من قِبل الله، ولكن أنى له ذلك وموسى رسول رب العالمين!!.
ومن الثاني: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (الضحى: ٦، ٧) ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ (الشرح: ١، ٢) ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ (الفيل: ٢) ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (الإنسان: ١) فالمراد بالاستفهام في الآيات التقرير؛ بمعنى التحقيق والإثبات، ومجيء التحقيق في صورة الاستفهام فيه تنبيه للمخاطب وحث له على تدبر الأمر وتأمله.
ويأتي الاستفهام ويراد به معنى الإنكار، وقد يكون هذا الإنكار توبيخيًّا، وقد يكون تكذيبيًّا؛ فالأول إنكار وتوبيخ على أمر قد وقع في الماضي، بمعنى: ما كان ينبغي أن يقع، أو على أمر يخشى المستفهم أن يقع في المستقبل، بمعنى: ينبغي ألا يكون، فالإنكار أو النفي في التوبيخي موجه إلى الانبغاء، والمعنى: ما كان ينبغي في الماضي وينبغي ألا يكون في المستقبل، تأمل قوله تعالى: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ (الكهف: ٣٧) فالمعنى: ما كان ينبغي أن يقع هذا الكفر وقد خلقك الله وسوّاك وأنعم عليك من نعمه التي تباهي بها وتفتخر، ومثله قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ (يوسف: ٨٩) وقوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ
стр. 359
الْخَالِقِينَ﴾ (الصافات: ١٢٥) فالاستفهام في كل ذلك للتوبيخ على أمر واقع، والمراد: ما كان ينبغي أن يقع منكم ما وقع.
والثاني: وهو الإنكار التكذيبي ويسمى بالإنكار الإبطالي، إذا كان التكذيب في الماضي وكان الاستفهام بمعنى لم يكن، وإذا كان في المستقبل كان بمعنى لن يكون، وتأمل في ذلك قول الله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (الإسراء: ٤٠) تجد أن الاستفهام في الآية يفيد تكذيبهم وإبطال ما قالوه، والمعنى: لم يكن من الله تعالى اصطفاء ولا اتخاذ، وقد يأتي الاستفهام بمعنى النفي، كما في قول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: ٦٠) والمعنى: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، تلك حقيقة مقررة، لا يُعارض فيها عاقل، ولكن فرق بين الدلالة عليها بالاستفهام والدلالة عليها بطريق النفي المعهود؛ إن في الاستفهام تحريكًا للفكر وتنبيهًا للعقل وحثًّا على النظر والتأمل، وهذا هو الفرق بين النفي الصريح وبين النفي عن طريق الاستفهام.
انظر مثلا إلى قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ (الفتح: ١١) فالمعنى لا محالة: لا أحد يملك لكم من الله شيئا، ولكن الدلالة على هذا المعنى بالاستفهام فيها تنبيه لهؤلاء المخلّفين وحث لهم على تدبر أحوالهم ومراجعة أنفسهم والانقياد للحق واتباع سبيل الرشاد. وهكذا القول في الآيات الكريمة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (البقرة: ١١٤)، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ
стр. 360
كَذِبًا﴾ (الأنعام: ٢١) وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الأحقاف: ٣٥).
وقد يأتي الاستفهام للتشويق وذلك عندما يقصد المتكلم إلى ترغيب المخاطب واستمالته، كما في الآيات الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الصف: ١٠) ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ (آل عمران: ١٥) ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (النازعات: ١٥، ١٦) ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (النازعات: ١٨، ١٩). فلا يخفى عليك ما في الآيات الكريمة من ترغيب للمخاطب وتشويق له إلى معرفة الجواب، فهو يفكر فيه وينشغل به وينتظره في ترقب وتطلع، وعندئذ يأتي الجواب فيقع في نفس المخاطب موقعًا حسنًا؛ لأنه جاء والنفس مهيّئة له ومتلهفة إلى معرفته. ومن المعاني التي يفيدها الاستفهام: التعظيم كما في قول المتنبي:
من للمحافل والجحافل والسرى ... فقدتْ بفقدك نيّرًا لا يطلع
فهو يريد تعظيم المخاطب، والإشادة بفضله وأن المحافل وهي المجامع والجحافل وهي الجيوش والسرى أي السير ليلا، والزحف إلى الأعداء؛ هذه الأمور قد فقدت بفقده نيرًا لا يطلع، ومن التحقير كما في الآيات الكريمة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (الشعراء: ٦٩، ٧٠) وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (الفرقان: ٤١) وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ (الأنبياء: ٣٦)
стр. 361
ومن ذلك: التهكم كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (هود: ٨٧)، فهم يسخرون منه ويتهكمون بما جاء به، وقد عبروا عن ذلك بصيغة الاستفهام ليدلوا على ثباتهم على الكفر ووقوفهم الصامد في الضلال والمكابرة.
ومنها: التمني، وذلك عندما يطلب السائل الأمور المحالة أو البعيدة الحصول، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (الأعراف: ٥٣) ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (الشورى: ٤٤) ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ (غافر: ٤٧) وكأنهم لفرط ما هم فيه من هول العذاب صاروا يسألون غير الممكن، كما يسأل عن الشيء الذي لا محالة في وجوده، إلى غير ذلك من الأغراض البلاغية التي يفيدها الاستفهام، هي أكثر من أن يحاط بها؛ لأنها معان تستنبط من السياق وتأمُّل أحواله، والمعول عليه في ذلك هو سلامة الذوق وتتبع التراكيب الجيدة، ولا ينبغي لك أن تقتصر أنت في ذلك على معنى سمعته أو مثال وجدته من غير أن تتخطاه إلى غيره، بل عليك التصرف واستعمال الرويّة لمعرفة هذه الأسرار والنكات.
وكثيرًا ما تجد أسلوب الاستفهام يفيض بأكثر من معنى بلاغي، تأمل مثلا قول الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: ٢٨) فإنك تجد الاستفهام يفيد الإنكار التوبيخي؛ أي لا ينبغي أن يكون منكم كفر، وقد علمتم قصة خلقكم وحياتكم، كما يفيد التعجيب من وقوع هذا الكفر والحث على الإقلاع عنه والإقبال على الهدى والإيمان؛ لأن في خلق السموات والأرض وفي خلق
стр. 362
الإنسان من العبر والعظات والأدلة على قدرة الله ما لو تأمله الكافر وتدبره لأقلع عن كفره وضلاله، فوجود الكفر منه بعدئذ يدعو إلى التعجب والإنكار. ومثل ذلك قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٤٤) وقوله: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (القيامة: ١٠) وقوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (ق: ٣٠).
أسلوب: النداء، والتمني، ووقوع الخبري موقع الإنشائي
ومن أساليب الإنشاء الطلبي: أسلوب النداء:
والنداء: هو طلب الإقبال بحرف نائب مناب كلمة أدعو، والغاية منه أن يصغى من تناديه إلى أمرٍ ذي بال؛ ولذا غلب أن يلي النداء أمر أو نهي أو استفهام أو إخبار بحكم شرعي، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: ١ - ٤) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: ٨٧) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: ١) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطلاق: ١) وهكذا، ودلالة النداء على الطلب دلالة مطابقة على أرجح الأقوال؛ لأنه طلب الإقبال بمعنى "أقبل"؛ فهو بمعنى أقْبِل؛ الأمر. وحروف النداء هي: الهمزة وأي ويا وآ وآي وأيا وهيا ووا، وأكثرها استعمالًا في نداءات القرآن هو يا، وهذه الأدوات منها ما يُنادى به القريب وهي الهمزة وأي، وما ينادى به البعيد وهي بقية الأدوات.
стр. 363
وإذا كان النداء هو طلب الإقبال، فإن الأصل فيه أن يكون للقريب الذي لا يجاوز امتداد صوت المنادي، ولكنهم توسعوا فيه فنادوا البعيد الذي لا يمكن أن يسمع صوت المنادي، أو بمعنى آخر: الذي لا يمكن أن يصل إليه صوته، وجعلوا لندائه أدوات، ولنداء القريب أدوات، ولم يتوقفوا عند نداء البعيد الذي لا يصله صوت المنادي، بل اتسع تصرفهم في النداء، فنادوا غير الحي العاقل كالناقة والطير والوحش، ومشاهد الطبيعة من برق وسحاب وأقمار وشموس وأشجار وأرض وسماء وجبال إلى غير ذلك، وقد يُنزّل البعيد منزلة القريب فينادى بالهمزة وأي لغرض بلاغي، وهو الإشعار بأنه حاضر في القلب لا يغيب عن الخاطر، حتى صار كأنه حاضرٌ مشاهد، ومن ذلك قول الشاعر:
أسكان نعمان الأراك تيقنوا ... بأنكم في ربع قلبي سكان
فهو ينادي سكان هذا الوادي، وقد عبر بالهمزة الموضوعة لنداء القريب لينبئ بأنهم قريبون منه لا يتركون فكره ولا يبرحون خياله. كما قد ينزّل القريب منزلة البعيد فينادى بغير الهمزة وأي لأغراض بلاغية؛ أهمها الإشعار ببعد منزلته وعلو مكانته، فينزّل بعد المنزلة وعلو المكانة منزلة البعد المكاني، كما في قول الله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (مريم: ٤٤، ٤٥) الإشعار بأن المنادى وضيع المنزلة منحط المكانة، وكأنه بعيدٌ عن القلب فينزل هذا البعد النفسي منزلة البعد المكاني، ومنه قول الفرزدق في هجاء جرير:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
стр. 364
التنبيه على عظم الأمر المدعو له وعلو شأنه وإظهاره، حتى كأن المنادى مقصر فيه غافل عنه مع شدة حرصه على الامتثال، كما في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧) أن يكون المنادى نائمًا أو ساهيًا، فيكون كلٌّ من النوم والسهو بمنزلة البعد الذي يقتضي علو الصوت، كقولك: هيا عمر استيقظ، أيا خالد تنبه، الإشعار بغفلة المنادى عن الأمر العظيم الذي يقتضي اليقظة والانتباه، كقولك: هيا فلان تهيأ للحرب. ويأتي أسلوب النداء مفيدًا لمعان بلاغية كثيرة، تفهم من السياق وقرائن الأحوال؛ من ذلك الإغراء وهو الحث على طلب الأمر الذي ينادى له، كقولك لمن يتظلم: يا مظلوم تكلم، فأنت تريد بهذا النداء إغراءه وحثه على بث الشكوى وإظهار التظلم.
الاختصاص: وهو تخصيص حكم عُلّق بضمير باسم ظاهر، صورته صورة المنادى أو المعرف بأل أو بالإضافة أو بالعلمية، كما في قولك: أنا أفعل كذا أيها الرجل، ونحن نقول كذا أيها القوم، واغفر اللهم لنا أيتها العصابة، فالمراد بالمنادى هو المتكلم نفسه، والمعنى: أنا أفعل كذا متخصصًا من بين الرجال، ونحن نقول كذا متخصصين من بين الأقوام، واغفر اللهم لنا متخصصين من بين العصائب، وهكذا. الاستغاثة: كقولك: يا الله أي أقبل علينا لإغاثتنا. التعجب: كقولك وقد شربت ماء باردا: يا للماء، تريد التعجب من برودته وحلاوته.
стр. 365
الزجر: كما في قول الشاعر:
يا قلب ويحك ما سمعتَ لناصح ... أما ارعويت ولا اتقيت كلاما
الوعيد: كما في قول المهلهل:
يا آل بكر انشروا لي كليبا ... يا آل بكر أين أين الفرار
التنبيه: وقد يأتي حرف النداء لمجرد هذا التنبيه، كما في قول الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٧٣)، وقوله ﷺ : ((يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة)). التحسر والتحزّن: وذلك عند نداء الأطلال والمنازل والمطايا والقبور والأموات والويل والحسرة وما إلى ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ (الفرقان: ٢٧ - ٢٩) ومثل قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (الزمر: ٥٦).
التمني: وقد قالوا في تعريفه: هو طلب أمر تحبه النفس وتميل إليه وترغب فيه، ولكنه لا يُرجى حصوله إما لكونه مستحيلًا أو لكونه بعيدًا، لا يطمع في نيله، والأداة الموضوعة له هي "ليت" تقول في تمني الأمر المحبوب الذي لا طمع فيه لكونه مستحيلا لا يمكن حصوله: يا ليت الشباب يعود يومًا، ومن ذلك قوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (مريم: ٢٣) وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٢٧).
стр. 366
وتقول في تمني الشيء المحبوب الذي يمكن حصوله، ولكنه غير مطموع فيه لبعد مناله: ليت لي مالًا فأحج به! ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (القصص: ٧٩)، فقد تمنوا أن يكون لهم مثل تلك الكنوز التي تنوء مفاتحها بالعصبة أولي القوة، وهي أمنية محببة لنفوسهم وليست مستحيلة، بل هي ممكنة الوقوع ولكنهم لا يطمعون فيها لبعد منالها.
هذا، وقد يقع الأسلوب الخبري في موقع الأسلوب الإنشائي؛ وذلك لأغراض بلاغية يقصد إليها البليغ؛ أهمها: التفاؤل وإظهار الحرص والرغبة في وقوع المعنى الإنشائي وتحقيقه، إدخالًا للسرور على المخاطب ويكون ذلك في الدعاء بأن يقصد المتكلم طلب الشيء، وتكون صيغة الأمر هي الدالة عليه أو طلب الكف، وتكون صيغة النهي هي الدالة عليه، فيعدل عنهما إلى صيغة الإخبار بالماضي الدالة على تحقق الوقوع، وفيه إشعار بأن الدعاء للمخاطب قد حصل وتحقق، من ذلك قول الشاعر:
إن الثمانين وبُلّغتها قد ... أحوجت سمعي إلى ترجمان
ومن هذه الأغراض التي يعبر فيها بالخبر عن الإنشاء: الاحتراز عن صورة الأمر أو النهي المشعرة بالاستعلاء تأدبًا مع المخاطب؛ حيث يقتضي المقام ذلك التأدب، كقولك لمعلمك: ينظر إلي أستاذي لحظة، لا يعاقبني أستاذي. ومن ذلك حمل المخاطب على تحقيق المطلوب وتحصيله وذلك كقول الصديق لصديقه: تزورني غدًا، وكقول الأستاذ لتلاميذه: تأتوني كل صباح، بدلا من
стр. 367
زُرني وائتوني بصيغة الأمر، وذلك لأن التعبير بصيغة الخبر يحتمل الصدق والكذب، فلو أن الصديق لم يحضر لزيارة صديقه ألصق به الكذب، ونسبه إليه، وكذا التلاميذ إذا لم يأتوا كل صباح، كما أخبر أستاذهم نسبوه إلى الكذب وألصقوه به. وقد يقع الإنشاء في موقع الخبر لأغراض أهمها: الاهتمام بالشيء كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: ٢٩) والمعنى: وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن الخبر إلى صيغة الأمر؛ تنبيهًا إلى وجوب الاهتمام بالمأمور به والحرص على تحقيقه.
من ذلك: الرضا بالواقع حتى كأنه مطلوب، كما في قول النبي ﷺ : ((من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)). ومنه: الاحتراز عن مساواة اللاحق بالسابق، كما في قول الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (هود: ٥٤) فالمعنى: إني أشهد الله وأشهدكم، فعدل عن ذلك إلى ما عليه النظم الكريم، من التعبير بصيغة الأمر: ﴿وَاشْهَدُوا﴾ احترازًا عن مساواة شهادتهم بشهادة الله . وفيه أيضًا تعظيم لهود ﵇ وإعلاء لشأنه وتحقير لهؤلاء الكفرة المشركين، حتى يخضعوا ويذعنوا ويستجيبوا لما يأمرهم به.
ولعلنا بهذا نكون قد طوفنا معا حول ما عُرف لدى البلاغيين بأساليب الإنشاء، ووقفنا على كثير من الأسرار والنكات البلاغية التي تكتنفها هذه الأساليب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 368
الدرس: ١٧ مبحث القصر .
стр. 369
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
(مبحث القصر)
تعريف القصر، وبيان أنواعه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونسترضيه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فمع مبحث آخر من مباحث علم المعاني وهو "القصر"؛ نتعرف عليه ونقف على أنواعه ووجه بلاغته:
أسلوب القصر من الأساليب الغنية بالاعتبارات الدقيقة والملاحظات العديدة، فهو فنٌّ دقيق المجرى لطيف المغزى جليل المقدار كثير الفوائد غزير الأسرار، تأمل معي مثلًا قول عبد الله بن قيس الرقيات:
إنما مصعبٌ شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
تجده يفيد المبالغة في وصف مصعب بالشجاعة والإقدام بعبارة مختصرة وأسلوب موجز، وقد آثر الشاعر التعبير بـ"إنما" ليدل على أن اتصاف مصعب بصفة الشجاعة أمر ظاهر بيّن؛ فتلك خصوصية من خصوصيات "إنما"، وبهذا يتضح لك أن أسلوب القصر في البيت قد حقق ثلاث مزايا: الإيجاز والمبالغة والدلالة على شهرة مصعب وذيوع شجاعته. ويرجع ثراء أساليب القصر وكثرة فوائدها إلى تنوّع طرقها وما بين تلك الطرق من فروق دقيقة واعتبارات وملاحظات لطيفة.
القصر في اللغة: معناه الحبس، يقال: قصرته أي حبسته، وهو مقصور أي محبوس، قال تعالى: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ (الرحمن: ٧٢)؛ أي محبوسات قد قصرن نظرهن على أزواجهن، فالمرأة قاصرة الطرف هي التي تحبس طرفها على بعلها، وتخصه به فلا تمده إلى غيره.
стр. 370
وهو في اصطلاح البلاغيين: تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص، فعندما نقول: زهير بن أبي سلمى شاعرٌ لا كاتب، فإننا نخص زهيرًا بصفة الشعر؛ بحيث لا يتجاوزها إلى صفة الكتابة، فزهيرٌ مقصور والشعر مقصور عليه، وقد قيد البلاغيون التخصيص بالطريق المخصوص، ليخرج كل ما أفاد القصر بغير تلك الطرق المخصوصة، فقولنا: زيد مقصور على العلم، وجاء محمد وحده، وعليّ يختص بالشعر، وخالد ينفرد بالشجاعة، وكذا قول أبي ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيتَ كل تميمة لا تنفع
هذه الأقوال -ومثلها قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: ١٠٥) - هي وإن أفادت اختصاص شيء بشيء إلا أنها لا تدخل في نطاق دراسة البلاغيين، وميدان بحثهم؛ لأن التخصيص فيها ليس وراءه اعتبارات بلاغية تستدعي إفراد البحث بها، كما أنه لم يتم بالطريق المعهود التي حددوها، وهي التقديم كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة: ٥) والعطف نحو: محمد كاتب لا شاعر، وإنما، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (النازعات: ٤٥) والنفي والاستثناء، كقوله : ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٣) وأضاف بعضهم تعريف المسند أو المسند إليه بأل الجنسية، وتوسط ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر نحو: محمد الجواد، وعليّ هو العالم؛ فهذه الطرق هي الغنية بالاعتبارات والملاحظات دون غيرها، والبلاغيون في دراستهم لأسلوب القصر ينظرون إلى غرض المتكلم من الاختصاص، وإلى حال المخاطب التي وقف عليها المتكلم فأحدث هذا التخصيص، وإلى طريق القصر أي المقصور والمقصور عليه، ثم إلى طرق القصر المشهورة وما بينها من فروق واعتبارات.
стр. 371
فالقصر -كما عرّفوه- تخصيص شيء بشيء بطريقٍ مخصوص، والشيء الأول هو المقصور، والثاني هو المقصور عليه، ومعنى اختصاص المقصور بالمقصور عليه ألا يتجاوزه ويتعداه إلى غيره، ففي قولنا: ما شاعر إلا امرؤ القيس، قصر للشاعرية على امرئ القيس؛ بحيث لا تتعداه إلى غيره، وهذا الغير الذي انتفت عنه صفة الشعر إن كان عامًّا فالقصر حقيقيّ، وإن كان معينًا فالقصر إضافي، والعام إن كان مطابقًا للواقع الخارجي فالقصر حقيقي تحقيقي، وإن كان مبنيًّا على الادعاء والمبالغة فهو حقيقي ادعائي، ثم القصر الإضافي يُنظر فيه إلى حال المخاطب؛ فهو إما أن يكون مترددًا في إثبات المقصور للمقصور عليه ونفيه عن المنفي عنه، وإما أن يكون معتقدًا الشركة؛ أي اشتراك المنفي عنه والمقصور عليه في المقصور، وإما أن يعتقد العكس؛ أي إثبات المقصور للمنفي عنه ونفيه عن المقصور عليه.
فالأول قصر التعيين والثاني يسمى قصر الإفراد والثالث يسمى قصر القلب، وبالنظر إلى طرق القصر - وبالنظر إلى طرفي القصر أي المقصور والمقصور عليه، لابد أن يكون أحدهما موصوفًا والآخر صفة؛ ولذا فالقصر إما أن يكون قصر صفة على موصوف باعتبار الطرفين، أو قصر موصوف على صفة. هذا وليست طرق القصر سواء في الدلالة عليه، بل بينها فروق دقيقة، تحتاج من الدارس لكي يقف عليها إلى تأمل واعٍ ونظر دقيق، ثم إن تحديد المقصور والمقصور عليه ليس بالشيء الهيّن، بل يحتاج من الدارس أيضًا إلى نظر وتأمل في أسلوب القصر، فمثلًا قولك: إنما ضرب محمد زيدًا، يفيد قصر الضرب الواقع من محمد على زيد، وقولك: إنما ضرب زيدا محمد، يفيد قصر الضرب الواقع على زيد، على فاعله محمد، وبينهما فرق كبير.
стр. 372
ونبدأ بأقسام القصر باعتبار عموم الاختصاص لكل ما عدا المقصور عليه وعدمه، وهو بهذا الاعتبار أو باعتبار حال المتكلم من الاختصاص، ينقسم إلى قسمين: قصرٌ حقيقي وقصرٌ إضافي؛ فالقصر الحقيقي ما كان غرض المتكلم منه أن يختص المقصور بالمقصور عليه؛ بحيث لا يتعداه إلى غيره أصلًا، وهذا يعني أن المنفي عنه يكون عامًّا فالمقصور مختص بالمقصور عليه منفي عن كل ما عداه، كما في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩) ففي الآية طريقان من طرق القصر؛ الأول: التقديم ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ حيث قدم المتعلق وهو هنا الظرف، وهو في موقع الخبر، والثاني: النفي والاستثناء ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ فمفاتح الغيب عنده وليست عند غيره، وعلمها مقصور عليه تعالى، منفي عن كل ما عداه، وتكرار القصر أفاد تأكيد هذه الحقيقة وتقريرها؛ وهي أن العلم بالغيب مختصّ به تعالى لا يتعداه إلى أحد من خلقه.
ومنه قولنا: ما خاتم الأنبياء إلا محمد، فالمراد أن ختم النبوة مقصور على محمد ﷺ لا يتعداه إلى غيره من الرسل، ومنه كذلك قوله : ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (آل عمران: ٦٤) فالمراد قصر العبادة على الله تعالى؛ بحيث لا تتعداه إلى غيره مطلقًا، هذا عن القصر الحقيقي، أما القصر الإضافي فهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بالنسبة إلى شيء معين؛ أي بالإضافة إليه، بحيث لا يتجاوزه إلى ذلك المعين، كما في قولنا مثلا: زهير شاعر لا كاتب، فالمراد قصر زهير على صفة الشعر؛ بحيث لا يتجاوزها إلى
стр. 373
صفة معينة محددة، وهي صفة الكتابة، وهذا لا ينافي أن يكون لزهير صفات أخرى كالخطابة مثلا، ففي القصر الإضافي يكون المنفي معينا محددا، والمراد ألا يتجاوز المقصور المقصور عليه إلى هذا المنفي المعين، وإن أمكن أن يتجاوزه إلى غيره، ومنه قولنا: الشاعر ذو الرمة لا زياد، فصفة الشعر مقصورة على ذي الرمة، لا تتعداه إلى زياد، وإن صح أن تتعداه إلى نصيب والكميت وجرير والفرزدق وغيرهم من الشعراء.
هذا، وينقسم القصر الحقيقي إلى قسمين: حقيقي تحقيقي، وحقيقي ادعائي، فالتحقيقي ما كان المنفي فيه عامًّا يتناول كل ما عدا المقصور عليه من حيث واقع الحال وحقيقة الأمر، كما في الشواهد التي مرت بنا، وكما في قولك: ما أكرمت إلا زيدًا، إذا كان الإكرام لم يقع منك إلا على زيد في واقع الأمر وحقيقته، ومنه قولنا: لا يحج إلى مكة إلا المسلمون، فالواقع يطابق هذا؛ لأن الحج إلى مكة مقصور على المسلمين، ومنفي عن كل من عداهم من أصحاب الملل الأخرى، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الملك: ١) فصفة الملك مختصة بالله تعالى في الحقيقة والواقع، ومنفية عن كل ما عداه، ومنه كذلك قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) فالعبادة وطلب العون مختصان بالله ومنفيان عن كل ما عداه في واقع الأمر وحقيقته، ومنه قوله : ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ١٣٥)، فغفران الذنوب مختص بالله تعالى منفي عما عداه في الواقع والحقيقة.
стр. 374
ونلاحظ أن المقصور في جل الشواهد المذكورة صفة، والمقصور عليه موصوف، فالقصر الحقيقي التحقيقي يقع كثيرًا في الكلام إذا كان المقصور صفة ويقل في قصر الموصوف على الصفة لماذا؟ لأن الغالب في الموصوف أن يتصف بعدة صفات، ولا يوقف على صفة واحدة، أما الصفة فيجوز وقفها على موصوف واحد وحصرها فيه، وقد غالى بعض البلاغيين فقالوا: إن قصر الموصوف على الصفة قصرًا حقيقيّا تحقيقيًّا لا يتأتى؛ لأنه ما من موصوف إلا وله صفات كثيرة، تتعذر الإحاطة بها أو تتعسر، فإذا قلنا: ما زهير إلا شاعر، وما زياد إلا كاتب، لا يتأتى أن يكون زهير مقصورًا على صفة الشعر لا يتجاوزها إلى غيرها، ولا أن يكون زياد موقوفًا على الكتابة لا يتعداها إلى غيرها، كيف وهما يأكلان ويتكلمان ويمشيان ويتصفان بالحياة وبالبياض أو السواد وبالقصر أو الطول وبالذكاء أو الغباء، إلى آخر ما يمكن أن يتصف به حي.
بل إن البعض خرج بالمسألة عن نطاق الدراسة البلاغية فقالوا: إن الصفة المنفية لها نقيض البتة، وهذا النقيض من الصفات، فإذا نفيت جميع الصفات لزم ارتفاع النقيضين، واحتدم النقاش واشتد الأخذ والرد، ودخلت المسألة في مماحكات كلامية ينبغي أن ينزه عنها الدرس البلاغي؛ لأنها من الشوائب التي تعكر صفوه وتكدر عذْبه، ولو تنبه هؤلاء إلى قول عبد القاهر في (الدلائل): "واعلم أن قولنا في الخبر إذا أخِّر نحو: ما زيد إلا قائم، أنك اختصصت القيام من بين الأوصاف التي يتوهم كون زيد عليها، ونفيت ما عدا القيام عنه، فإنما نعني أنك نفيت عنه الأوصاف التي تنافي القيام والتي هي منه بسبب، نحو أن يكون جالسًا أو مضطجعًا أو متكئا أو ما شاكل ذلك، ولم تُرِد أنك نفيت ما ليس من القيام بسبيل؛ إذ لسنا ننفي عنه بقولنا: ما هو إلا قائم، أن يكون أسود أو أبيض أو طويلًا أو قصيرًا أو عالمًا أو جاهلًا، كما أنا إذا قلنا: ما قائم إلا زيد، لم تُرِد أنه
стр. 375
ليس في الدنيا قائمٌ سواه، وإنما تعني ما قائم حيث نحن وبحضرتنا وما أشبه ذلك". انتهى من (الدلائل).
أقول: لو تنبهنا وتنبه البلاغيون إلى هذا القول، ما خرجوا بالمسألة عن نطاق الدرس البلاغي، وما خاضوا بها الخوض الذي خاضوه. وخلاصة القول: أن المنفي عنه في القصر الحقيقي التحقيقي ما هو بسبيل من المقصور عليه، وواقع في دائرته ويتبادر إلى الذهن عند سماع أسلوب القصر، فإذا قلت: ما شاعر إلا زيد، فإنك لا تعني نفي الشاعرية عن كل من ولدته حواء في كل العصور وكل الأمم، إنما تعني نفي الشاعرية في حدود ما يشير السياق والقرائن، كذا ذكره أبو موسى في (دلالات التراكيب).
وكذا إن قلت: ما زهير إلا شاعر، لا يعني أنك تنفي عن زهير كل صفة غير الشعر، وإنما يعني أنك تنفي عنه كل ما هو بسبيل من صفة الشعر، كالخطابة والكتابة، وكل ما هو في نطاق القول والإبداع مما يحدده السياق وتشير إليه القرائن، أما القصر الحقيقي الادعائي فهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بحيث لا يتعداه إلى غيره ادعاء ومبالغة، فالمقصور يختص بالمقصور عليه وينفي عن كل ما عداه مما هو بسبيل منه نفيًا يقوم على المبالغة والتجوّز، ولا يقوم على المطابقة الحقيقية للواقع كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨)، فقد قُصرت خشية الله على العلماء، ونُفيت عن كل من عداهم، ولا يعني هذا أن غير العالم لا يخشى الله تعالى، بل قد يكون غير العالم أشد خشية لله من العالم، ولكن سياق الآيات في التنويه بشأن العلماء وتعظيم منزلتهم والحث على النظر والتأمل.
стр. 376
واقرأ معي في ذلك الآية من أولها، يقول فيها جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٧، ٢٨)، ولذا كانت خشية الله مقصورة على العلماء دون غيرهم؛ لأن خشية غيرهم لا يُعتد بها في هذا المقام، وليست هي بمنزلة خشية العلماء، ومن هذا قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ (المائدة: ٢٥) فقد أثبت موسى ﵇ ملكيته لنفسه ولأخيه، ونفاها عن كل ما عداهما، والمراد لا أملك في سبيل الله والدفاع عن كلمة الحق إلا نفسي وأخي، والسياق يرشد إلى أنه كان هناك رجلان يخافان الله، قد أنعم الله عليهما بالإيمان، ولكن موسى لم يعتد بإيمانهما؛ نظرًا لتقلب قومه وتغير أحوالهم؛ ولذا قال: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (المائدة: ٢٥).
ومن ذلك قولنا: ما شاعرٌ إلا زهير، وما الرثاء إلا رثاء الخنساء، فقد بنى القصر على الادعاء والمبالغة وبعدم الاعتداد بغير زهير في الشعر وبغير الخنساء في الرثاء الحزين المؤلم، ومنه قوله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) فقد قصر الحسد بمعنى الغبطة على هاتين الصفتين، ونفى ما عداهما ادعاءً ومبالغة، هذا كلام البلاغيين، لكن بحق ما جاء في كلام الله وكلام رسوله ﷺ لا يليق أن نستخدم كلمة ادعاءً، والسر في هذا الحديث الأخير أن الغبطة تكون في غير الاثنتين المذكورتين ولكنه نزل غيرهما منزلة العدم على سبيل الادعاء. هذا والقصر الادعائي كثير في كلام العرب، ويرد في مقامات المبالغة والمدح والتعظيم، نحو قولهم: ما مؤدب إلا فلان، ما عالم إلا فلان، ما شاعر إلا امرؤ
стр. 377
القيس، ما خطيب إلا صحار العبدي، ما كاتب إلا فلان، هكذا يبنون كلامهم في ذلك على المبالغة وعدم الاعتداد بغير المذكور في تلك الصفة.
هذا وينقسم القصر باعتبار المخاطب إلى قصر إفراد وقلب وتعيين؛ فقد تقدم أن القصر الإضافي: ما يكون المنفي فيه معينًا ومحددًا؛ يعني أن يختص المقصور بالمقصور عليه بالإضافة إلى معين، فالمقصور فيه يختص بالمقصور عليه لا يتجاوزه إلى ذلك المعين، كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٢، ٢٣) حيث قصر الرسول ﷺ على صفة الإنذار، دون أن يملك تحويل القلوب عما هي عليه من العناد والمكابرة، وكما في قول الشاعر:
إلى الله أشكو لا إلى الناس إنني ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
فقد قصر الشاعر الشكوى على الله بحيث لا تتعداه إلى غيره من الناس، وهذا القصر الإضافي ينقسم باعتبار حال المخاطب واعتقاده -الذي وقف عليه المتكلم- إلى ثلاثة أقسام: قلب وإفراد وتعيين؛ فقصر القلب هو تخصيص أمر بأمر مكان آخر، ويخاطب به من يعتقد العكس كقولك: جاءني زيد لا عمرو، مخاطبًا من يعتقد أن عمرًا هو الذي جاءك دون زيد، فأنت تعكس وتقلب ما يعتقده؛ ولذا سُمي قصر قلب، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٣) لأن المنافقين يعتقدون أن المؤمنين هم السفهاء دونهم، فقلب الله اعتقادهم وبيّن أن المنافقين هم السفهاء ولكن لا يعلمون.
стр. 378
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٥) فالنصارى يعتقدون أن الله حلّ في عيسى، وأنه يخلد؛ فكفرهم الله : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: ٧٢) فقلب -جل وعلا- لذلك اعتقادهم: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (المائدة: ٧٥) فالمسيح مقصور على كونه رسولا يخلو كما خلت الرسل من قبله، ولا يتجاوز ذلك إلى كونه إلها كما اعتقده الكفرة؛ ولذا فالقصر في الآية الكريمة قصر قلب، وتأمل قول أبي تمام:
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
تجده قد قصر العلم على كونه في قوة الجيش والعتاد، ونفاه عن كونه في علم المنجمين الذين نصحوا المعتصم بألا يُقبل على الجهاد في ذلك الوقت؛ لأن النجوم بزعمهم تنبئ بأن يتريث ولا يتعجل، ولكن المعتصم لم يعبأ بما قالوا وأقبل إلى الجهاد فانتصر وفتح عمورية. وأنشد أبو تمام هذه القصيدة مشيدًا بنصره ومشيرًا إلى قصور علم المنجمين، فالقصر في البيت المذكور قصر قلب؛ لأنهم اعتقدوا أن العلم في السبعة الشهب، لا في قوة الرماح والجيش، فنفى أبو تمام هذا وأثبت عكسه كما ترى.
النوع الثاني من أنواع القصر باعتبار المخاطب: قصر الإفراد، وهو تخصيص أمر بأمر دون آخر، ويُخاطب به من يعتقد الشركة، كقولك: محمد الجواد لا علي، لمن اعتقد أنهما يشتركان في صفة الجود، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (المائدة: ٧٣) فهم يعتقدون الشركة، وأن الله ثالث ثلاثة، وأفاد
стр. 379
أسلوب القصر أن الإله واحد ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فهو قصر إفراد، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: ١٤٤) فالصحابة -رضوان الله عليهم- لشدة تعلقهم وحبهم للنبي ﷺ أُنزلوا منزلة من يعتقد أن محمدًا ﷺ يجمع بين صفتي الرسالة والخلد، فجاء أسلوب القصر مفيدًا أنه ﵊ مقصور على صفة الرسالة، فهو رسول يخلو كما خلت الرسل من قبله، لا يتجاوز صفة الرسالة إلى التخليد في الدنيا.
وخذ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٢، ٢٣) فلما كان النبي ﷺ يتمنى هداية قومه، حريصًا -بل شديد الحرص- على قبولهم الهداية نُزّل ﵊ منزلة من يعتقد أنه يجمع بين صفتي الإنذار والقدرة على خلق الهداية في النفوس، التي أصرت على الضلال والمكابرة، فجاء أسلوب القصر: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ محددًا مهمة النبي ﷺ وقاصرًا إياه على صفة الإنذار لا يتعداها إلى القدرة إلى إسماع من في القبور.
ويُشترط في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا: عدم تنافي الوصفين -بالطبع- حتى يتصور اجتماعهما لموصوف واحد في ذهن المخاطب، فلا يقال في قولك: محمد أبيض لا أسود، إنه قصر إفراد؛ إذ لا يتصور أن يعتقد معتقد أن محمدًا يتصف بالبياض والسواد معًا، كما اشترط الخطيب القزويني في قصر الموصوف على الصفة قلبًا تنافي الصفتين حتى يكون إثبات إحداهما مشعرًا بانتفاء الأخرى، كقولك: محمدٌ طويل لا قصير، زيد ذكي لا غبي، عمرو شجاع لا جبان، حاتم كريم لا بخيل، ورد عليه بأن قصر القلب يرد كثيرًا في الصفات غير المتنافية، كما مر بنا في كلام عبد القاهر من أن المنفي من الصفات ما كان له تعلقٌ، وهو من المقصور عليه بسبب، فلا وجه إذن لهذا الاشتراط.
стр. 380
ثالث هذه الأقسام في القصر الإضافي: قصر التعيين، وهو تخصيص أمر بأمر دون آخر، ويخاطب به المتردد بين الشيئين، كقولك لمن يتردد شاكًّا في الناجح أعمرو أم بكر: إنما الناجح عمرو، وقولك لمن يشك في أمر زيد أمقيم أم مسافر: زيد مقيم لا مسافر، وتأمل معي قول الشاعر:
فإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل
تجده قصرًا إضافيًّا صالحًا لأن يكون قصر قلب أو إفراد أو تعيين، وذلك حسب تصورك لحال المخاطب، فإن كان يعتقد أن الشرف في اللبس والزينة دون الفضائل النفسية فهو قصر قلب، وإن اعتقد أن الشرف فيهما معًا فهو قصر إفراد، وإن تردد وشك في مرجع الشرف أئلى اللبس والزينة يرجع أم إلى الفضائل النفسية فهو قصر تعيين، والأرجح هو أن يكون قصر تعيين؛ لأن الشاعر يريد أن يقرر أن مَردّ الشرف إلى ما يتصف به الإنسان من الفضائل لا إلى الشكل والزينة، فهذا من الأمور الواضحة الجلية، ولا يرتاب فيها إلا من ارتاب في الأمور البدهية، كمن يرتاب مثلا في مزية السيف وجودته؛ أئلى حدته وشدة قطعه ترجع أم إلى غمده والحمائل، فمن ارتاب في هذا الأمر البين فقل له موبخًا ومشيرًا إلى ضعف عقله وقلة تفكيره وشدة غبائه: ما السيف إلا غمده والحمائل.
هذا ومراد البلاغيين بحال المخاطب، ما وقف القارئ للتعبيرات الجيدة عليه من قرائن الأحوال وسياقات الكلام، فالسياق وما به من قرائن هو الذي يبرز لك حال المخاطب، تأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (آل عمران: ١٤٤) وقوله : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فالعبارة واحدة والبناء هو البناء، وعلى الرغم من ذلك نقول: إن القصر في الآية الأولى قصر إفراد، وفي الثانية قصر قلب، والذي
стр. 381
جعلنا نقول هذا القول الوقوف على أحوال المخاطبين من خلال تأمل سياق الآيتين.
اقرأ سياق الآية الأولى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٢ - ١٤٤)، فهو ينبئك بمدى حب الصحابة ﵃ للرسول ﵊ وتغلغل هذا الحب في نفوسهم إلى درجة أنهم قد غفلوا عن أمر موته ولم يخطروه ببالهم، وها هو ذا عبد الله بن عباس ﵄ يقول: "فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها".
وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت حتى ما تقلني رجلاي،، وحتى هوِيت إلى الأرض"، فلشدة حب الصحابة لرسول الله ﷺ وتعلقهم به نُزلوا منزلة من يستبعد موته، وكأنهم يعتقدون أنه يجمع بين الرسالة والتبري من الهلاك؛ ولذا كان القصر قصر إفراد، ثم اقرأ سياق الآية الثانية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٣ - ٧٥) فستقف منه على حال هؤلاء، فهم اعتقدوا أن عيسى ﵇ إله وأن الله ثالث ثلاثة؛ ولذا كان القصر هنا قصر قلب؛ حيث قلبَ اعتقادهم وأفاد أن المسيح مقصور على كونه رسولًا يخلو كما خلت الرسل من قبله، لا يتجاوز ذلك إلى مرتبة الألوهية التي اعتقدوها.
стр. 382
ويتكون حال المخاطب لدى المتكلم وترسم في ذهني من خلال خبرته ومعرفته بشئون مخاطبه؛ فعند التأمل تجد أن حال المخاطب تؤول إلى المتكلم وما قد علمه ووعاه عن مخاطبه، وفي كثير من الشواهد لا تستطيع أن تحدد مخاطبًا أو تعين حالًا له، بل تجد القصر منظورًا فيه إلى حال المتكلم وما يحكيه عن نفسه، فهذا مظهر جديد من مظاهر القصر وصورة أخرى من صوره، تأمل مثلًا قول الشاعر:
وكنت امرأً ألقى الزمان مسالمًا ... فآليت لا ألقاه إلا محاربًا
تجد القصر فيه قصر قلب، فالشاعر قد تغير وتبدل، وانقلب من امرئ يلقى الزمان مسالمًا إلى امرئ لا يلقاه إلا محاربًا، وأنت إن ذهبت تفتش عن حالٍ هنا لا تجد إلا حال المتكلم وحديثه عن نفسه.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
أقسام القصر باعتبار طرفيه: المقصور، والمقصور عليه
هذا وينقسم القصر باعتبار طرفيه المقصور والمقصور عليه، إلى قصر صفة على موصوف وقصر موصوف على صفة، والمراد بالصفة هنا الصفة المعنوية، التي هي معنى قائم بالغير؛ سواء أكان هذا فعلًا أو مصدرًا أو مشتقًّا أو ظرفًا أو جارًا ومجرورًا أو غير ذلك، وليس المراد بها النعت النحوي؛ لأنه لا يقع قصر بين نعت ومنعوته، كقولك: جاء رجل فاضل، ففاضل نعتٌ نحوي للرجل، لا يفصل بينهما ولا يتصور بينهما قصر، كما أن المراد بالموصوف هنا كل ما قام به غيره وإن كان هو في نفسه صفة، تقول في قصر الصفة على الموصوف: ما شاعرٌ إلا زهير، ما كتب فلان إلا الشعر، ما أكرمت إلا زيدًا، وفي قصر الموصوف على الصفة: ما شوقي إلا شاعر، إنما أنت والٍ، محمد فارس لا كاتب، ما حاتم بخيلًا بل جواد.
فقصر الصفة على الموصوف معناه: ألا تتجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر أصلًا إذا كان القصر حقيقيًّا، أو إلى موصوف آخر إذا كان القصر إضافيًّا، ولا يمنع هذا أن يتصف الموصوف المقصور عليه بصفات أخرى غير تلك الصفة
стр. 383
المقصورة، تقول: الله هو الخالق، فتُقصر صفة الخلق على الله قصرًا حقيقيًا تحقيقيًّا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) حيث قصرتَ صفة العبادة وكذلك صفة الاستعانة على الله قصرًا حقيقيًّا تحقيقيًّا، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩) حيث قصر العلم بمفاتح الغيب على الله تعالى قصرا حقيقيًا تحقيقيًّا، فهو قصر صفة على موصوف. ومن ذلك قول أبي تمام:
لا يطرد الهم إلا الهم من رجل ... مُقَلْقِلٍ لبنات القفرة النُّعُب
فالمراد بالهم الأول: ما يجده الرجل في صدره من أحزان، والمراد بالهم الثاني: الهمة والعزيمة، ومقلقل من القلقلة وهي الحركة العنيفة، وبنات القفرة: الإبل التي تقطع القفار، والنعب: مفردها نعوب، والنعبان: تحريك الناقة رأسها في السير، وهذا دليل النشاط والقوة، قصر هنا طرد الهم وهو صفة على الهم من رجل مقلقل لبنات القفرة وهو موصوف قصرًا حقيقيًّا ادعائيًّا؛ لأن الناس يطردون همومهم بأمور كثيرة، ولكن الشاعر لم يعتد بشيء منها إلا بالرحلة التي غيرته وأضنته، والتي كانت سببًا في حزن صاحبته وانسكاب عبرتها، فأراد أن يبين لها أن تلك الرحلة هي الوسيلة الوحيدة لطرد الهموم والأحزان، فهو لم يعتد بغير الرحلة في طرد همومه وأحزانه، على الرغم من وجود وسائل كثيرة لطرد الهموم؛ ولذا كان القصر حقيقيًّا ادعائيًّا، ومن ذلك قول الآخر:
إلى الله أشكو لا إلى الناس إنني ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
حيث قصرَ صفة الشكوى على الله تعالى؛ بحيث لا تتجاوزه إلى الناس، وهو قصر إضافي، ومنه قول المتنبي في رثاء جدته:
ولم يسْلِها إلا المنايا وإنما ... أشد من السقم الذي أذهب السقم
стр. 384
فقد قصر سلوها على المنايا قصرَ صفة على موصوف قصرًا حقيقيًا تحقيقيًّا؛ لأن جدته كانت قد اشتاقت إليه في غيبته، فلما وصلها كتابه قبّلته وفرحت، ثم أخبرت كذبًا أنه قد مات، فحمت ومات، فرثاها بتلك القصيدة. أما قوله: "وإنما أشد من السقم الذي أذهب السقم"، فلك أن تجعله قصر صفة على موصوف؛ أي قصر أشد من السقم على الذي أذهب السقم، والمراد بأشد من السقم صفات الكآبة والألم والفقدان والوجع، التي تغلب السقم وتقهره وتعلوه؛ لأنه لا يقهر الشيء إلا ما هو أشد منه وأقوى، فهو يتخيل صفات كآبة أقوى من السقم، ويقصرها على ما أذهب السقم وهذا إغرام في الخيال، كذا في (دلالات التراكيب)، ولك أن تجعله من قصر الموصوف على الصفة؛ أي القصر الذي أذهب السقم وهو المنايا على كونه أشد من السقم، ويكون طريق القصر عندئذ هو التقديم، وإنما ملغاة كما في قول الشاعر:
أسامي لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها
وقصر الموصوف على الصفة معناه: ألا يتجاوز الموصوف تلك الصفة إلى صفة أخرى أصلًا إذا كان القصر حقيقيًا، أو إلى صفة أخرى معينة إذا كان القصر إضافيًّا، وهذا لا يمنع أن تكون تلك الصفة المقصور عليها وصفًا لموصوف آخر غير المقصور، فقولك: ما عمرو إلا شجاع، قصر لعمرو على صفة الشجاعة؛ بحيث لا يتعداها إلا صفة أخرى، أما الشجاعة فليس هنالك ما يمنع من أن يتصف بها غير عمرو، وتقول: زيدٌ كاتب لا شاعر، فتقصر زيدًا على صفة الكتابة بحيث لا يتجاوزها إلى صفة الشعر، فهو قصر إضافي وتقول: ما شوقي إلا شاعر، فتقصر شوقيًا على صفة الشعر بحيث لا يتجاوزها إلى صفة أخرى، فهو قصر حقيقي.
стр. 385
ولا يقال: كيف يوقف الموصوف على صفة واحدة؟ فإن هذا محال ولا يتأتى؛ لأننا نقول: المراد بالصفات المنفية هي تلك الصفات التي تتصل بالمعنى المذكور، فالصفة المقصور عليها في المثال صفة الشعر، ومعنى قصر شوقي عليها قصرًا حقيقيًا أنك نفيت عنه كل ما يتصل بها ويدور في فلكها، أو كما يقول عبد القاهر: "كل ما هو بسبيل منها"، كالكتابة والخطابة والفقه والحديث والنحو وما إلى ذلك، فهو ليس بارعًا في فرع من فروع المعرفة إلا في الشعر الذي قُصر عليه، وليس المراد أنك نفيت عنه كل صفة يمكن أن يوصف بها، ككونه مصريًّا أو فقيرًا أو سليمًا أم معافى أو أبيض أو كريمًا أو شجاعًا، ليس هذا مرادًا بل المراد كما قلنا: ما هو بسبيل من صفة الشعر المقصور عليها.
ومن شواهد قصر الموصوف على الصفة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٢، ٢٣) حيث قصر الرسول ﷺ على صفة الإنذار، لا يتجاوزها إلى أن يملك تحويل القلوب المشركة عما هي عليه من العناد والمكابرة، ومنه قوله أيضًا ﷺ : ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي)) فقد قالوا في معناه: كان بعض الصحابة يسمع الحديث ولا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخرون منهم فيستنبطون منه المسائل الكثيرة، والرسول ﷺ حين يحدّثهم يكون كلامه مقسومًا بينهم، شركة بين الجميع، أما الفهم والاستنباط فهو من عطاء الرحمن، ففي الحديث قصرٌ للرسول ﷺ على كونه قاسمًا لا يتجاوز تلك الصفة إلى الإعطاء، فالإعطاء هو تحقيق الفهم من الله تعالى، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- لفرط اعتقادهم في هدايته ﵊ رأوا أنه يقسّم ويعطي؛ ولذا بيّن لهم ﷺ أنه لا يملك إلا القسْم وأما الإعطاء فمن الله تعالى، فالقصر إذن قصر موصوف على صفة قصرًا إضافيًا إفراديًّا.
стр. 386
ومنه قول دريد بن الصمة:
وهل أنا إلا من غُزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
حيث قصر الشاعر نفسه على كونه من تلك القبيلة لا يتعداه إلى غيرها من القبائل، فهو قصر حقيقي تحقيقي، كذلك قول شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فقد قصر الأمم على الأخلاق قصر موصوف على صفة قصرًا حقيقيًا ادعائيًّا؛ لأن هناك أمورًا كثيرة تكون بها الأمم كالقوة والمال والرقي والحضارة وغير ذلك، ولكن الشاعر لم يعتد بها وجعل الأمم مقصورةً على صفة الأخلاق لا تتعداها إلى غيرها، فإذا وُجدت الأخلاق وسادت كانت الأمم، وإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا. ومنه قول الآخر:
هل الجود إلا أن تجود بأنفس ... على كل ماضِ الشفرتين صقيل
حيث قصر الجود على الجود بالأنفس قصر موصوف على صفة قصرًا حقيقيًا ادعائيًّا، فالشاعر لم يعتد بما عدا الأنفس مما يمكن أن يُبذل كالمال والرأي والجهد، إلى غير ذلك من ضروب البذل، وجعل الجود مقصورًا على كونه بالأنفس فقط؛ إذ الجود بالنفس أسمى غاية الجود، ولا يخفى عليك أن قصر الموصوف على الصفة يفيد بلوغ الموصوف الغاية ووصوله حد النهاية في تلك الصفة، فقولك: ما زهير إلا شاعر، يفيد كمال المبالغة في شاعريته، وأنه قد بلغ الغاية في الشعر ووصل إلى حد جعلنا لا نعتد بالصفات الأخرى التي يمكن أن يتصف بها؛ وذلك لقصور تلك الصفات عن صفة الشعر التي تفوّق فيها ووصل إلى حد النهاية.
стр. 387
ولذا كان قولنا: ما زهير إلا شاعر، أبلغ في وصفه بالشاعرية من قولنا: ما شاعر إلا زهير، أو بمعنى آخر: يكون قصر الموصوف على الصفة أبلغ وأكمل وأقوى في اتصاف الموصوف بتلك الصفة، من قصر الصفة على الموصوف؛ لاحتمال كون هذه الصفة التي قصرت على الموصوف دون المستوى الأمثل؛ إذ لم تصل إلى حد الكمال، كل ما هنالك أنها وُجدت في زهير دون غيره من الناس، وكما قلنا: فالمراد بالصفة الصفة المعنوية، التي هي معنى قائم بغيره، كما أن المراد بالموصوف ما قام به غيره وإن كان هو في نفسه صفة.
وقد نظر البلاغيون في جملة القصر ووضعوا لها ضوابط تعينك على تحديد كلٍّ من الصفة والموصوف؛ حيث ذكروا أن القصر إذا وقع بين ركني الجملة الاسمية فإن قصر المبتدأ على الخبر يكون من قصر الموصوف على الصفة، كقولك مثلا: ما زيد إلا أخوك، وإنما محمد كاتب، وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: ٢٠) وقولك: إنما زيد في الدار، وما الجود إلا أن تجود بالنفس، إلا إذا كان الخبر اسمًا جامدًا والمبتدأ مشتقًّا، فإن القصر يكون من قصر الصفة على الموصوف، كقولك: ما الكاتب إلا زيد، وما القائم إلا عمرو؛ لأنك أردت الحكم على الكاتب بأنه زيد وعلى القائم بأنه عمرو، فالكاتب مبتدأ خبره زيد والقائم مبتدأ خبره عمرو، والقصر قصر صفة على موصوف.
وقصر الخبر على المبتدأ مِن قصر الصفة على الموصوف، كقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (المائدة: ٩٩) وقوله : ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد: ٤٠) فقد قُصرت مهمة الرسول على البلاغ قصر صفة على موصوف، أما قوله: ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ فهو قصر للمبتدأ وهو ﴿الْحِسَابُ﴾ على الخبر وهو ﴿وَعَلَيْنَا﴾ قصر موصوف على صفة قصرًا حقيقيًّا تحقيقيًّا، وإذا
стр. 388
وقع القصر بين أجزاء الجملة الفعلية، فإن قصر الفعل على الفاعل يكون من قبيل قصر الصفة على الموصوف، كقولك: ما كتب إلا محمد، لا ينال العلا إلا المُجد، ومنه قول الشاعر:
لا يطرد الهم إلا الهم من رجل
وقوله جل وعلا: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩) وقوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الأنعام: ٤٧) وقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ١٣٥) وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨). وقصر الفعل على المفعول كقولك: ما ضرب محمد إلا زيدًا، وإنما أكرم زيد عمرًا، وكما في الآيات الكريمة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ (المائدة: ١١٧) ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (الأنعام: ٢٦) ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (النجم: ٢٣) وكقولهم: إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، يجوز أن يُعد من قبيل قصر الصفة على الموصوف؛ أي قصر الفعل الواقع من الفاعل على المفعول، فيكون المعنى عندئذ: ما مضروب محمد إلا زيد، ما مُكْرَم زيد إلا عمرو، ما مقولي إلا ما أمرتني به، ما مُهْلِكُهم إلا أنفسهم، ما متبعهم إلا الظن، ما مأكول الذئب إلا الغنم القاصية، فتأول الصفة المقصورة اسم مفعول؛ لأن الحدث لم يقع من المفعول المقصور عليه وإنما وقع عليه.
ويجوز أن يُعد من قبيل قصر الموصوف على الصفة؛ أي قصر الفاعل على الفعل الواقع على المفعول؛ ففي الأمثلة المذكورة قصر محمد على ضرب زيد، وزيد على إكرام عمرو، وعيسى ﵇ على قول ما أمره الله به، إلى آخر تلك الشواهد، والأولى من هذين الوجهين أن يُجعل الفعل مقصورًا على تعلقه بالمفعول، تقول في الشواهد المذكورة: قصَر ضرب محمد على تعلقه بزيد،
стр. 389
وإكرام زيد على تعلقه بعمرو، وقول عيسى على تعلقه بما أمره الله به، وأكل الذئب على تعلقه بالغنم القاصية، وهكذا في بقية الشواهد المذكورة، وأما قصر الفاعل على الظرف، نحو: ما سافر خالد إلا يوم الخميس، أو على المفعول لأجله: ما زرتك إلا محبة، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣) أو على المفعول المطلق نحو: ما قلت إلا قول المخلصين، ما حججت إلا حجتين، وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ (الجاثية: ٣٢) أي ظنًّا ضعيفًا، أو على التمييز كقولك: ما طاب محمد إلا نفسًا، أو على الجار والمجرور نحو: ما عملت إلا في بيتي وما دفعت إلا عنك، أو على غير ذلك من المتعلقات التي يقع فيها القصر، فإن القصر فيها يكون إما من قصر الموصوف على الصفة أو من قصر الصفة على الموصوف، بالاعتبارات الموضحة في قصر الفاعل على المفعول.
وقصر صاحب الحال على الحال من قصر الموصوف على الصفة، نحو: ما جاء عليّ إلا راكبًا، وما لقيته إلا ضاحكًا، ما انتصر المسلمون إلا وهم متحدون، وقصر الحال على صاحبها من قصر الصفة على الموصوف، نحو: ما جاء راكبًا إلا خالد، ما لقيني مرحبًا إلا عمرو، وما انصرف غاضبًا إلا زيد، وأما المفعول المطلق المؤكد لعامله والمفعول معه فلا يتأتى فيهما القصر، إذ لا يقال: ما ضربت إلا ضربًا، ولا ما سرت إلا والنيل وهكذا. السؤال إذن: ما الفرق بين القصر الحقيقي الادعائي والقصر الإضافي؟ هو على نحو ما مر بنا؛ أن القصر الحقيقي الادعائي: المنفي فيه عام؛ إذ يشمل كل ما عدا المقصور عليه ادعاءً ومبالغة، فقولك: ما شاعر إلا زهير، قصر لصفة الشعر على زهير بحيث لا تتعداه إلى غيره من الشعراء، على سبيل المبالغة، وكذا قولك: ما زهير إلا شاعر، قصرٌ لزهير على صفة الشعر لا يتعداها إلى غيرها أصلًًا، وهذا يعني أنه
стр. 390
قد تفوق في هذه الصفة وبلغ فيها الغاية إلى درجة جعلتك لا تعتد بأي صفة أخرى غيرها.
أما القصر الإضافي: فالمنفي فيه محدد وليس عامًّا، تقول: زهيرٌ شاعر لا كاتب، فتقصر زهيرا على الشعر وتنفي عنه الكتابة -إفرادًا أو قلبًا أو تعيينًا- حسب اعتقاد المخاطب. هذا وعند التحقيق والتأمل، تجد أن القصر الإضافي بأنواعه الثلاثة؛ إما أن يكون تحقيقيًّا، وإما أن يكون ادعائيًّا، لأن قولك: حاتم جواد لا علي، إذا كان مطابقًا للواقع بمعنى أن يكون حاتم هو الكريم فعلًا وعلي هو البخيل؛ كان القصر تحقيقيًّا، وإن كان عليٌّ كريمًا، ولكنك لم تعتد بكرمه لأمر ما؛ فجعلت حاتما هو الجواد دونه؛ كان القصر ادعائيًّا مبنيًا على المبالغة، وكذا القول في قصر الموصوف على الصفة، كقولك: زهير شاعر لا كاتب، إن كان فعلا لا يجيد الكتابة ولا يعرف طرقها وفنونها كان القصر تحقيقيًّا، وإن كان يعرفها ولكنك لا تعتد بتلك المعرفة لكونه في الشعر أفصح وأبلغ؛ كان القصر مبنيًا على الادعاء والمبالغة.
إلى هنا نتوقف لنستكمل -بمشيئة الله تعالى- في اللقاء التالي باقي الكلام عن أسلوب القصر؛ هذا الأسلوب الغني بالاعتبارات اللطيفة -كما ذكرنا، وكما رأينا.
следующие страницы →