← Баляга

Баляга · id 7582

البلاغة 2 - المعاني - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (482 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومنه قول دريد بن الصمة: وهل أنا إلا من غُزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد حيث قصر الشاعر نفسه على كونه من تلك القبيلة لا يتعداه إلى غيرها من القبائل، فهو قصر حقيقي تحقيقي، كذلك قول شوقي: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا فقد قصر الأمم على الأخلاق قصر موصوف على صفة قصرًا حقيقيًا ادعائيًّا؛ لأن هناك أمورًا كثيرة تكون بها الأمم كالقوة والمال والرقي والحضارة وغير ذلك، ولكن الشاعر لم يعتد بها وجعل الأمم مقصورةً على صفة الأخلاق لا تتعداها إلى غيرها، فإذا وُجدت الأخلاق وسادت كانت الأمم، وإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا. ومنه قول الآخر: هل الجود إلا أن تجود بأنفس ... على كل ماضِ الشفرتين صقيل حيث قصر الجود على الجود بالأنفس قصر موصوف على صفة قصرًا حقيقيًا ادعائيًّا، فالشاعر لم يعتد بما عدا الأنفس مما يمكن أن يُبذل كالمال والرأي والجهد، إلى غير ذلك من ضروب البذل، وجعل الجود مقصورًا على كونه بالأنفس فقط؛ إذ الجود بالنفس أسمى غاية الجود، ولا يخفى عليك أن قصر الموصوف على الصفة يفيد بلوغ الموصوف الغاية ووصوله حد النهاية في تلك الصفة، فقولك: ما زهير إلا شاعر، يفيد كمال المبالغة في شاعريته، وأنه قد بلغ الغاية في الشعر ووصل إلى حد جعلنا لا نعتد بالصفات الأخرى التي يمكن أن يتصف بها؛ وذلك لقصور تلك الصفات عن صفة الشعر التي تفوّق فيها ووصل إلى حد النهاية.

стр. 387

ولذا كان قولنا: ما زهير إلا شاعر، أبلغ في وصفه بالشاعرية من قولنا: ما شاعر إلا زهير، أو بمعنى آخر: يكون قصر الموصوف على الصفة أبلغ وأكمل وأقوى في اتصاف الموصوف بتلك الصفة، من قصر الصفة على الموصوف؛ لاحتمال كون هذه الصفة التي قصرت على الموصوف دون المستوى الأمثل؛ إذ لم تصل إلى حد الكمال، كل ما هنالك أنها وُجدت في زهير دون غيره من الناس، وكما قلنا: فالمراد بالصفة الصفة المعنوية، التي هي معنى قائم بغيره، كما أن المراد بالموصوف ما قام به غيره وإن كان هو في نفسه صفة. وقد نظر البلاغيون في جملة القصر ووضعوا لها ضوابط تعينك على تحديد كلٍّ من الصفة والموصوف؛ حيث ذكروا أن القصر إذا وقع بين ركني الجملة الاسمية فإن قصر المبتدأ على الخبر يكون من قصر الموصوف على الصفة، كقولك مثلا: ما زيد إلا أخوك، وإنما محمد كاتب، وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: ٢٠) وقولك: إنما زيد في الدار، وما الجود إلا أن تجود بالنفس، إلا إذا كان الخبر اسمًا جامدًا والمبتدأ مشتقًّا، فإن القصر يكون من قصر الصفة على الموصوف، كقولك: ما الكاتب إلا زيد، وما القائم إلا عمرو؛ لأنك أردت الحكم على الكاتب بأنه زيد وعلى القائم بأنه عمرو، فالكاتب مبتدأ خبره زيد والقائم مبتدأ خبره عمرو، والقصر قصر صفة على موصوف. وقصر الخبر على المبتدأ مِن قصر الصفة على الموصوف، كقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (المائدة: ٩٩) وقوله : ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد: ٤٠) فقد قُصرت مهمة الرسول على البلاغ قصر صفة على موصوف، أما قوله: ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ فهو قصر للمبتدأ وهو ﴿الْحِسَابُ﴾ على الخبر وهو ﴿وَعَلَيْنَا﴾ قصر موصوف على صفة قصرًا حقيقيًّا تحقيقيًّا، وإذا

стр. 388

وقع القصر بين أجزاء الجملة الفعلية، فإن قصر الفعل على الفاعل يكون من قبيل قصر الصفة على الموصوف، كقولك: ما كتب إلا محمد، لا ينال العلا إلا المُجد، ومنه قول الشاعر: لا يطرد الهم إلا الهم من رجل وقوله جل وعلا: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩) وقوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الأنعام: ٤٧) وقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ١٣٥) وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨). وقصر الفعل على المفعول كقولك: ما ضرب محمد إلا زيدًا، وإنما أكرم زيد عمرًا، وكما في الآيات الكريمة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ (المائدة: ١١٧) ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (الأنعام: ٢٦) ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (النجم: ٢٣) وكقولهم: إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، يجوز أن يُعد من قبيل قصر الصفة على الموصوف؛ أي قصر الفعل الواقع من الفاعل على المفعول، فيكون المعنى عندئذ: ما مضروب محمد إلا زيد، ما مُكْرَم زيد إلا عمرو، ما مقولي إلا ما أمرتني به، ما مُهْلِكُهم إلا أنفسهم، ما متبعهم إلا الظن، ما مأكول الذئب إلا الغنم القاصية، فتأول الصفة المقصورة اسم مفعول؛ لأن الحدث لم يقع من المفعول المقصور عليه وإنما وقع عليه. ويجوز أن يُعد من قبيل قصر الموصوف على الصفة؛ أي قصر الفاعل على الفعل الواقع على المفعول؛ ففي الأمثلة المذكورة قصر محمد على ضرب زيد، وزيد على إكرام عمرو، وعيسى ﵇ على قول ما أمره الله به، إلى آخر تلك الشواهد، والأولى من هذين الوجهين أن يُجعل الفعل مقصورًا على تعلقه بالمفعول، تقول في الشواهد المذكورة: قصَر ضرب محمد على تعلقه بزيد،

стр. 389

وإكرام زيد على تعلقه بعمرو، وقول عيسى على تعلقه بما أمره الله به، وأكل الذئب على تعلقه بالغنم القاصية، وهكذا في بقية الشواهد المذكورة، وأما قصر الفاعل على الظرف، نحو: ما سافر خالد إلا يوم الخميس، أو على المفعول لأجله: ما زرتك إلا محبة، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣) أو على المفعول المطلق نحو: ما قلت إلا قول المخلصين، ما حججت إلا حجتين، وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ (الجاثية: ٣٢) أي ظنًّا ضعيفًا، أو على التمييز كقولك: ما طاب محمد إلا نفسًا، أو على الجار والمجرور نحو: ما عملت إلا في بيتي وما دفعت إلا عنك، أو على غير ذلك من المتعلقات التي يقع فيها القصر، فإن القصر فيها يكون إما من قصر الموصوف على الصفة أو من قصر الصفة على الموصوف، بالاعتبارات الموضحة في قصر الفاعل على المفعول. وقصر صاحب الحال على الحال من قصر الموصوف على الصفة، نحو: ما جاء عليّ إلا راكبًا، وما لقيته إلا ضاحكًا، ما انتصر المسلمون إلا وهم متحدون، وقصر الحال على صاحبها من قصر الصفة على الموصوف، نحو: ما جاء راكبًا إلا خالد، ما لقيني مرحبًا إلا عمرو، وما انصرف غاضبًا إلا زيد، وأما المفعول المطلق المؤكد لعامله والمفعول معه فلا يتأتى فيهما القصر، إذ لا يقال: ما ضربت إلا ضربًا، ولا ما سرت إلا والنيل وهكذا. السؤال إذن: ما الفرق بين القصر الحقيقي الادعائي والقصر الإضافي؟ هو على نحو ما مر بنا؛ أن القصر الحقيقي الادعائي: المنفي فيه عام؛ إذ يشمل كل ما عدا المقصور عليه ادعاءً ومبالغة، فقولك: ما شاعر إلا زهير، قصر لصفة الشعر على زهير بحيث لا تتعداه إلى غيره من الشعراء، على سبيل المبالغة، وكذا قولك: ما زهير إلا شاعر، قصرٌ لزهير على صفة الشعر لا يتعداها إلى غيرها أصلًًا، وهذا يعني أنه

стр. 390

قد تفوق في هذه الصفة وبلغ فيها الغاية إلى درجة جعلتك لا تعتد بأي صفة أخرى غيرها. أما القصر الإضافي: فالمنفي فيه محدد وليس عامًّا، تقول: زهيرٌ شاعر لا كاتب، فتقصر زهيرا على الشعر وتنفي عنه الكتابة -إفرادًا أو قلبًا أو تعيينًا- حسب اعتقاد المخاطب. هذا وعند التحقيق والتأمل، تجد أن القصر الإضافي بأنواعه الثلاثة؛ إما أن يكون تحقيقيًّا، وإما أن يكون ادعائيًّا، لأن قولك: حاتم جواد لا علي، إذا كان مطابقًا للواقع بمعنى أن يكون حاتم هو الكريم فعلًا وعلي هو البخيل؛ كان القصر تحقيقيًّا، وإن كان عليٌّ كريمًا، ولكنك لم تعتد بكرمه لأمر ما؛ فجعلت حاتما هو الجواد دونه؛ كان القصر ادعائيًّا مبنيًا على المبالغة، وكذا القول في قصر الموصوف على الصفة، كقولك: زهير شاعر لا كاتب، إن كان فعلا لا يجيد الكتابة ولا يعرف طرقها وفنونها كان القصر تحقيقيًّا، وإن كان يعرفها ولكنك لا تعتد بتلك المعرفة لكونه في الشعر أفصح وأبلغ؛ كان القصر مبنيًا على الادعاء والمبالغة. إلى هنا نتوقف لنستكمل -بمشيئة الله تعالى- في اللقاء التالي باقي الكلام عن أسلوب القصر؛ هذا الأسلوب الغني بالاعتبارات اللطيفة -كما ذكرنا، وكما رأينا.

стр. 391

الدرس: ١٨ تابع: مبحث القصر .

стр. 392

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (تابع: مبحث القصر) العطف بـ"لا" و"بل" و"لكن " الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فنلتقي هذه المرة مع طرق القصر؛ لنتعرف على دقة استعمالاتها، ووجوه دلالاتها على القصر، والفرق فيما بينها: عرفت -فيما سبق- أن طرق القصر التي اصطلح عليها البلاغيون أربعة: العطف، والنفي والاستثناء، وإنما، والتقديم، وأضاف بعضهم طريقين آخرين وهما توسط ضمير الفصل وتعريف أحد ركني الإسناد بأل، وقد اشتهرت هذه الطرق عند البلاغيين. وآنَ لنا أن نتعرف على تلك الطرق وما يكمن وراء دلالاتها على القصر من مزايا وأسرار بلاغية: أولًا: العطف بلا وبل ولكن. تقول: زيدٌ كريم لا عمرو، وفلانٌ جواد لا بخيل، وهو يدعوك إلى الخير لا إلى الشر، وخالد ينصحك مخلصًا لا مرائيًا، وجاء خالد لا عمرو، وليس حاتم بخيلًا بل جواد، ولم ينصحني عمرو لكن صديقه، فتجد أن القصر قد أفيد بأحد الحروف المذكورة، وواضح أن طريق العطف يُصرّح فيه بكل من المثبت والمنفي؛ أي المقصور عليه والمنفي عنه، ولذا كان أقوى طرق القصر وآكدها؛ لأن غيره من الطرق لا يُصرح فيها بالنفي بل يفهم ضمنًا كما سنرى، وعلى الرغم من أن فائدة التأكيد أقوى في هذا الطريق فإن مزية الإيجاز فيه تتضاءل للتصريح فيه بالإثبات والنفي كما قلت. و"لا" صالحة لكل أنواع القصر، والمقصور عليه بها هو المقابل لما بعدها، ويشترط لدلالتها على القصر: أن يكون المعطوف بها مفردًا، وألا يتقدمها نفي أو نهي، وألا يكون ما بعدها داخلًا في عموم ما قبلها، تقول: زيدٌ شاعر لا غير، فتفيد

стр. 393

قصر زيد على صفة الشعر قصرًا حقيقيًّا، وتقول: زيدٌ شاعر لا كاتب، فتفيد قصره على الشعر قصرًا إضافيًّا، وتأمل قول أبي تمام: بيض الصفائح لا سود الصحائف ... في متونهن جلاء الشك والريب بيض الصفائح: كناية عن السيوف، سود الصحائف: كناية عن كتب المنجّمين، متونهن: يعني جوانبهن، جلاء: يعني كشف وإزالة، الريب: الظنون، يقول: إن السيوف البيضاء هي التي تزيل الشك وتظهر الحقيقة، أما صحائف المنجمين السوداء فإنها تضيّع الحقائق وتنشر الأباطيل، والبيت من قصيدة له في فتح عمورية، فالشاعر هنا قد قصر السيوف التي حققت النصر وفتحت عمورية على كونها بيض الصفائح مشرقة لامعة، ونفى عنها كونها سود الصحائف، فالمقصور عليه -كما ترى- هو المقابل لما بعد "لا"، ثم قصر جلاء الشك والريب على كونه في متون هذه السيوف؛ أي جوانبهن، ونفاه عن كتب المنجمين، وطريق هذا القصر هو التقديم الآتي بيانه، ولا يخفى عليك ما وراء أسلوبي القصر في البيت من توبيخ وتحقير لهؤلاء المنجمين، وما تُخبر به صحفهم، وقد سبق أن ذكرنا ما في قصيدة أبي تمام من قوله: والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب وانظر معي إلى قول الآخر: عمر الفتى ذكره لا طول مدته ... وموته خزيه لا يومه الداني فقد قصر عمر الفتى وحياته على ما يخلّفه من أثر طيب وذكر حسن، ونفاه عن طول مدته وامتداد أجله في الدنيا، كما قصر الموت على ما يَرضى به بعض الأحياء من خزي وهوان، ونفاه عن اليوم الداني ومفارقة الحياة؛ ولعلك تَشعر بما وراء القصر من حثٍّ على الأعمال الصالحة التي تنفع الإنسان وتبقى بعد

стр. 394

حياته، ومن تنفير من الذل والهوان والخزي، فلا يقبل مثل هذا ويرضخ به إلا فاقد الحياة. و"لا" صالحة لكل أنواع القصر كما مضى، تقول في قصر الصفة على الموصوف: زهير شاعر لا عمرو، وفي قصر الموصوف على الصفة: زهير شاعر لا كاتب، وفي القصر الحقيقي: زهير شاعر لا غيره، وفي القصر الإضافي: خالد جواد لا عمرو، فيكون قصر قلب أو إفراد أو تعيين حسب اعتقاد المخاطب، على نحو ما مر بنا. فإذا سبقت "لا" بنفي نحو: ما جاء زيد ولا عمرو، أو نهي نحو: لا تفعل هذا ولا ذاك، أو كان المعطوف بها جملة نحو: زيد مِقدام لا أبوه كريم، والفقير يُعطى من الصدقة، لا أحد ينكر هذا، أو كان ما بعدها داخلًا في عموم ما قبلها، نحو: عاد الحجاج لا إبراهيم، ونجح الطلاب لا خالد، يعني اختل شرط من شروط استعمال "لا" للقصر فعندئذ لا تدل على القصر؛ لأنها لا تفيد إثبات أمر لآخر ونفيه عن غيره، كما هو واضح في الأمثلة. و"بل" تفيد القصر إذا وليها مفرد، وتقدمها نفي أو نهي؛ لأنها في هذه الحال تقرر حكم ما قبلها، وتثبت ضده لما بعدها، فتتضمن النفي والإثبات، وذلك عماد القصر، فقولك: ما جاء زيد بل عمرو، يفيد نفي المجيء عن زيد وإثباته لعمرو، فالمقصور عليه بـ "بل" هو ما بعدها، ويرى البلاغيون أنها صالحة للقصر الإضافي إفرادًا وقلبًا وتعيينًا، ولا تصلح للقصر الحقيقي؛ لأن المنفي معها يكون أمرًا محددًا دائمًا، فإن جاء عامًّا لا يكون منفيًّا، بل يكون مسكوتًا عنه، نحو: ما جاءني أحدٌ بل زيد، فلا تفيد هذه الجملة سوى إثبات المجيء لزيد، أما ما قبل "بل" -وهو أحد- فمسكوت عنه، والمسكوت عنه لا يوصف بنفي ولا إثبات، بل يرى الجمهور أن ما قبل "بل" مسكوت عنه، حتى ولو كان محددًا،

стр. 395

نحو: ما جاءني زيد بل عمرو، ما زيد قائمًا بل قاعد؛ ولذا فهي لا تفيد قصرًا، ويرى البعض أن النفي لما قبل بل ولما بعدها فقولك: ما جاء زيد بل عمرو، يفيد نفي المجيء عنهما معًا؛ ولذا فهي لا تفيد القصر؛ لأن النفي والإثبات غير محقق. والصواب أن بل تفيد القصر في حال النفي خلافًا للإثبات، وتفيد في حال النفي بأنواعه: الإضافي قلبًا وإفرادًا وتعيينًا، والحقيقي تحقيقيًا وادعائيًا، وهذا ما يُفهم من الأساليب والتعبيرات، ولا يمكن دفعه ولا إنكاره، تقول: ما جاء زيد بل عمرو، فيكون قصر صفة على موصوف قصرًا إضافيًا، وتقول: ما زيد قائمًا بل قاعد، فيكون قصر موصوف على صفة قصرًا إضافيًّا، وتقول: ما جاءني أحد بل عمرو، فيكون قصرًا حقيقيًّا، ولا وجه لكون ما قبلها مسكوتًا عنه، ولا لتوجه النفي لما بعدها. ومن شواهد القصر بـ"بل" قول الشاعر: ليس اليتيم الذي قد مات والده ... بل اليتيم يتيم العلم والأدب فقد قصر الشاعر اليتيمَ على صفة الحرمان من العلم والأدب، ونفاه عن فقدان الوالد قبل بلوغ مبلغ الرجال، فهو قصر موصوف على صفة قصرًا إضافيًّا، أو إن شئت قلت: قصر قلب؛ لأنه قلب ما هو راسخ في الأذهان من أن اليتيم هو الذي قد مات والده قبل بلوغ سن الرجال، وفيه حث على التزود بالعلم والتحلي بالأخلاق والآداب الرفيعة، ففاقدهما هو اليتيم. و"لكن" تفيد القصر إذا سبقها نفي أو نهي ووليها مفرد، يعني كـ "بل" مثل قولنا: ما أكرمني زيد لكن عمرو، فقد قُصر الإكرام على عمرو ونفي عن زيد، فالمقصور عليه بـ"لكن" هو الواقع بعدها مثل بل تمامًا، وهي صالحة للقصر

стр. 396

الإضافي قلبًا وإفرادًا وتعيينًا، حسب اعتقاد المخاطب، وصالحة كذلك للقصر الحقيقي بنوعيه، ويرى بعض البلاغيين أنها لا تصلح للقصر الحقيقي؛ لأن المنفي معها دائمًا يكون أمرًا خاصًّا. ويشترط البعض بالقصر بـ"لكن" بالإضافة إلى ما ذُكر ألا تقترن بالواو، وهذا ليس بشيء؛ لأنا نراها في الأساليب الجيدة والتراكيب الممتازة قد اقترنت بالواو وأفادت القصر، انظر مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠) فقد قصر النبي ﵊ على الرسالة والختم لا يتجاوزهما إلى أبوة زيد -يعني ابن حارثة- قصر موصوف على صفة قصرًا إضافيًّا، و"لكن" هنا مقرونة بالواو كما ترى، ومنه قول الشاعر: إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس فقد قصر الإفساد على الناس، ونفاه عن الجديدين وهما الليل والنهار، ومنه قول عروة بن الورد: وما شاب رأسي من سنين تتابعت ... عليّ ولكن شيبتني الوقائع حيث قصرَ التشبيب على الوقائع، ونفاه عن تتابع السنين. ومن مجيء "لكن" مفيدة للقصر وهي غير مقرونة بالواو قول الشاعر: ما نال في دنياه وانٍ بغية ... لكن أخو حزم يجِدّ ويعمل فقد قصر نيل البغية على أخو حزم ونفاها عن المتراخي والكسول، وفيه حثٌّ على الجد والاجتهاد، فالدنيا كفاح وميدان تسابق، والذي يصل إلى هدفه ويحقق غايته هو الجاد الذي يكد ويكدح ويسابق ويغالب.

стр. 397

ثاني طرق القصر: النفي والاستثناء تقول: ما القادم إلا زيد، وما أنت إلا مصيب، فتفيد قصر الصفة على الموصوف في الأول والموصوف على الصفة في الثاني، ويُستخدم هذا الطريق فيما ينكره المخاطب ويدفعه، أو فيما يشك فيه ويرتاب، يقول عبد القاهر: "وأما الخبر بالنفي والإثبات: ما هذا إلا كذا، وإن هو إلا كذا، فيكون للأمر ينكره المخاطب ويشك فيه، فإذا قلت: ما هو إلا مصيب، أو ما هو إلا مخطئ، قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلته، وإذا رأيت شخصًا من بعيد فقلت: ما هو إلا زيد، لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه ليس بزيد، وأنه إنسان آخر، ويجِدّ في الإنكار أن يكون كذلك". انتهى من كلام عبد القاهر في (دلائل الإعجاز). تأمل مع ما سبق قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ (الأنعام: ٥٠) تجده قد قصر الاتباع على الوحي لا يتجاوزه إلى غيره، فهو قصر حقيقي، وقد أوثر التعبير بالنفي والاستثناء؛ إذ المخاطبون يُنكرون ذلك ويدفعونه، فهم يعتقدون أنه شاعر أو ساحر أو كاهن، لا يُقرون بالوحي، بل يقولون: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، فلما كان المشركون منكرين أن يكون الرسول ﵊ متبعًا لوحي يوحى إليه ويجحدون ذلك ويدفعونه، جاء القصر بـ"إن وإلا" ليبدد هذا الإنكار ويدفع ذلك الجحود. ومثله قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٦٢) وقوله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾

стр. 398

(الأنعام: ٢٥)، فقد جاء القصر بالنفي والاستثناء في الآيتين؛ لأن المخاطب ينكر الحكم ويدفعه؛ إذ الكفرة لا يُقرون بالوحدانية، والرسول ﷺ يدفع وينكر كون ما جاء به أساطير الأولين، ويُوقن إيقانًا راسخًا أنه حقٌّ من عند الله، فهذا الطريق -طريق النفي والاستثناء- يستخدم عندما ينكر المخاطب ويجحد الحكم، أو عندما يُنزل تلك المنزلة. ومثل النفي في إفادة القصر النهيُ والاستفهام، كما في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ١٣٥) فقد قصر غفران الذنوب على الله قصر صفةٍ على موصوف قصرًا حقيقيًّا تحقيقيًّا، وطريقه هو النفي والاستثناء؛ لأن الاستفهام في الآية الكريمة مرادٌ به النفي؛ إذ المعنى: لا يغفر الذنوب إلا الله، ومثله قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: ٦٠)؛ حيث قصر جزاء الإحسان على الإحسان قصر موصوف على صفة، وطريقه هو النفي والاستثناء؛ لأن الاستفهام بمعنى النفي، وتقول: لا تفعل إلا الخير، لا تصاحب إلا الوفي، لا تعتمد إلا على الله، فتقصر الفعل على الخير والمصاحبة على الوفي والاعتماد على الله، وطريق القصر -كما ترى- هو النهي والاستثناء، والمقصور عليه في طريق النفي والاستثناء هو المستثنى؛ أي الواقع بعد أداة الاستثناء، سواء تقدم أو تأخر، تقول: ما جاء إلا زيد فتقصر المجيء على زيد، ويقول زهير: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم فقد قصر الحرب على الذي علموه وذاقوه من ويلاتها قصر موصوف على صفة،

стр. 399

ويقول المتنبي: لا يدرك المجد إلا سيدٌ فطن ... لما يشق على السادات فعّال حيث قصر إدراك المجد على السيد الفطن، الذي يستطيع إدراك ما يشق على السادة الكرماء، وتقول: لا أختار الوفي إلا منكم، ولا أختار منكم إلا الوفي، فتفيد بالأول قصر اختيارك الوفي على كونه منهم، ففيه مدح لهم وتنويه بشأنهم، وأن من أراد الوفي فعليه بالاتجاه إليهم فهم جميعًا أوفياء، وتفيد بالثاني قصر اختيارك منهم على الوفي، فهذا يعني أن فيهم الوفي وغير الوفي، فأنت تختار الوفي وتترك غيره، ولا يخفى عليك بعد ما بين القولين والأدخل منهما في باب القصر. وتأمل معي قول الشاعر يمدح بني هاشم: لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا تجده قد قصرَ اختيار الفارس على كونه منهم، وهذا يعني أنهم جميعًا فرسان، وأن المنبر لا يتجه إلا إليهم حين يُتاح له أن يختار فارسه. ولو قال الشاعر: ما اختار منكم إلا فارسًا، لتغير المعنى؛ إذ يصبح المراد قصر اختيار المنبر منهم على الفارس دون غيره، فهم ليسوا جميعًا فرسانًا، وتلاحظ في البيت تقديم "إلا" وما وليها على المفعول فارسًا، وهو جزء من المقصور -كما عرفت- إذ المراد قصر اختيار المنبر فارسه عليهم دون غيرهم، وهذا التقديم قد منعه بعض البلاغيين، وقالوا: إنه يؤدي إلى قصر الفعل قبل تمامه، وذهب البعض إلى أنه كلامان، وليس كلامًا واحدًا، فالمفعول المؤخر مفعول لفعل محذوف دل عليه المذكور، والمعنى: ما اختار إلا منكم اختار فارسًا، وتقول: ما أعطيت إلا زيدًا درهمًا، والمعنى: ما أعطيت إلا زيدًا أعطيته

стр. 400

درهمًا، وكأنك لما قصرت الإعطاء على زيد شعرت بحاجة السامع إلى نوع العطاء، فأردت أن تبينه فقلت: درهمًا، وحذفت الفعل والفاعل لدلالة ما تقدم عليهما، وبعضهم أجازه إذ صرح بالمستثنى منه كأن يقال: ما ضرب أحدٌ أحدًا إلا زيد عمرًا، فزيد مستثنى من أحد الأول وعمرو مستثنى من أحد الثاني. ومنهم من أجاز ذلك التقديم مطلقًا من غير تصريح بالمستثنى منه، وإن كان هذا التقديم قليلًا في التعبيرات الجيدة، وحجتهم أن أداة الاستثناء لا يخرج بها إلا شيء واحد وهو ما يليها، فلا يقع لبس فيما بعدها، فإذا قلت: ما ضرب إلا محمد زيدًا، لا يتوهم أن محمدًا هو المستثنى وهو المقصور عليه، وكذا قولك: ما شرب إلا اللبن محمد، لا يتوهم أن اللبن هو المقصور عليه المستثنى، وهذا هو الأولى بالقبول لوروده في التعبيرات الجيدة. وخلاصة الأمر: أن المقصور عليه هو ما يلي أداة الاستثناء، سواء تقدمت به الأداة أو تأخرت، فالراجح أنه لا مانع من هذا التقديم لوضوح المراد وزوال اللبس بمعرفة موضع المقصور عليه. والذي ينبغي معرفته أن النفي والاستثناء هو رأس باب القصر، وهو الطريق الأم بين طرقه؛ إذ نراهم يقيسون عليه غيره فيقولون مثلا: قولك: إنما زهير شاعر، معناه: ما زهير إلا شاعر، وقولك: لك هذا، معناه: ما هذا إلا لك، فلا منازعة في أن النفي والاستثناء، يدل على القصر، ولم يذهب أحد من البلاغيين إلى خلاف ذلك؛ لأن دلالة طريق النفي والاستثناء على القصر دلالة واضحة وضوحًا تامًّا وظاهرة ظهورًا قويًّا. وعلى الرغم من هذا ترى البلاغيين يتحدثون عن وجه هذه الدلالة فيقولون: إن وجه دلالة النفي والاستثناء على القصر هو أن النفي في الاستثناء المفرّغ هو الذي تُرك فيه المستثنى منه، ففُرغ الفعل الذي قبل إلا وشغل عنه بالمستثنى المذكور بعدها نحو: ما ضرب إلا زيد وما فعل زيد إلا هذا وما كسوته إلا جبة، يقولون: النفي في هذا الاستثناء متوجه إلى مقدر عام وهو المستثنى منه؛ لأن "إلا" للإخراج

стр. 401

والإخراج يقتضي مخرجًا منه، ولابد أن يكون عامًّا ليتناول المستثنى وغيره، فيتحقق الإخراج. وأن يكون مناسبًا للمستثنى في جنسه وصفته، فيقال في الأمثلة المذكورة: ما ضرب أحدٌ إلا زيد، ما فعل زيد شيئًا من الأشياء إلا هذا، ما كسوته من اللباس إلا جبة، وإذا كان النفي متوجهًا إلى هذا المقدّر العام المناسب للمستثنى في جنسه وصفته؛ فعندما توجب من ذلك المقدّر شيئًا بـ"إلا" أو غيرها من أدوات الاستثناء يكون القصر؛ لأن ما عدا هذا المثبت يظل باقيًا على صفة الانتفاء، وكل قصر يفيد إثباتًا ونفيًا؛ أي إثبات المقصور للمقصور عليه ونفيه عما سواه على الإطلاق في القصر الحقيقي، أو عن معين في القصر الإضافي. وخلاصة القول: أن الاستثناء المفرّغ كقولك: ما جاء إلا زيد، قصر اصطلاحي باتفاق البلاغيين، والاستثناء التام المنفي كقولك: ما جاء أحد إلا زيد، قصر اصطلاحي على الراجح، والاستثناء التام الموجب كقولك: قام القوم إلا زيد، يفيد القصر وليس قصرًا على الراجح من أقوالهم. ثالث طرق القصر الاصطلاحي "إنما " ودلالتها على القصر دلالة وضعية، وعلى الرغم من ذلك لم يفت البلاغيون أن يتحدثوا عن وجه دلالتها على القصر، فقد ذكروا أنها تدل على القصر لتضمنها معنى "ما وإلا" واستدلوا على ذلك بوجوه منها: أ- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ (البقرة: ١٧٣) بالنصب؛ حيث ذكر المفسرون الذين يُحتج بهم في اللغة كابن عباس ومجاهد ونحوهما من الصحابة والتابعين أن المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهو المطابق لقراءة الرفع؛ حيث يُفاد القصر في هذه القراءة -قراءة الرفع- بتعريف الطرفين؛ فالآية فيها ثلاث قراءات، وكلها تفيد القصر.

стр. 402

القراءة الأولى: "إنما حَرمَ عليكم الميتةُ" ببناء حَرم للمعلوم ورفع الميتة، خبر لمبتدأ محذوف، وعلى هذه القراءة تكون "ما" اسما موصولا وعائده محذوف، والمعنى: إن الذي حَرّمه عليكم هو الميتة، وهو قصرٌ في التحريم على الميتة وما بعدها، وطريق القصر تعريف الطرفين. والقراءة الثانية: "إنما حُرّم عليكم الميتة" ببناء حُرم للمفعول ورفع الميتة، وعلى هذه القراءة فـ"ما" اسم موصول، والمعنى: إن الذي حُرم عليكم هو الميتة، وهو قصرٌ طريقه تعريف الطرفين، ويصح أن يكون "ما" على هذه القراءة كافة لإن، والمعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهذا قصر أيضًا للتحريم على الميتة وما تلاها، وطريقه "إنما". والقراءة الثالثة: "إنما حرم عليكم الميتةَ" ببناء حرم للفاعل ونصب الميتة، فما كافة لإن، والمعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة، فهو قصر طريقه "إنما"، وبهذا يتضح لك تطابق القراءات الثلاث في إفادة القصر، سواء أكانت "ما" كافة لـ"إن" أو موصولة. ب- قول من يحتج بقولهم مِن النحاة، وهم من أخذوا اللغة من كلام العرب مشافهة: إن "إنما" لإثبات ما يذكر بعدها ونفي ما سواه؛ أي لإثبات الحكم المتضمن لما بعدها ونفي ما سوى ذلك الحكم، وهذا القول من النحاة يقتضي تضمنها الإثبات والنفي، كـ"ما وإلا"، سواء في قصر الموصوف على الصفة كقولك: إنما زيد قائم، فهو لإثبات قيام زيد ونفي ما عداه من القعود ونحوه، وإما في قصر الصفة على الموصوف، كقولك: إنما يقوم زيد، فهو لإثبات قيام زيد ونفي ما سواه من قيام عمرو وخالد وبكر وغيرهم، وهذا هو القصر الذي يدل عليه النفي والاستثناء.

стр. 403

ج- صحة انفصال الضمير معها: كقولك: إنما يقوم أنا، وإنما يُكْرَم أنت، وإنما يُعطى نحن؛ وذلك لأنه متى أمكن اتصال الضمير فلا يُعدل إلى انفصاله إلا لغرض، فلا يجوز أن تقول: يُكرم أنت ولا يقوم أنا ولا يُعطى نحن؛ لإمكانك أن تقول: تكرم وأقوم ونكرم ونعطى، فلما صحّ انفصال الضمير مع إنما دل ذلك على أنها بمعنى "ما وإلا"؛ لأن "إلا" لا يليها سوى الضمير المنفصل، كقولك: ما يقوم إلا أنا وما يكرم إلا نحن، وكقول عمرو بن معد يكرب: قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا قَطَّر بمعنى صرعه صرعة شديدة. ومن ورود الضمير منفصلا بعد "إنما" قول الفرزدق وهو من الذين يستشهد بشعرهم على صحة التراكيب وبلاغتها: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... أدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي الذائد: من الذود وهو الدفاع، والذمار: ما يلزم الشخص حمايته من أهلٍ ومال ونحوهما، مأخوذ من الذمر وهو الحث، فقد قصر الشاعر الدفاع عن أحسابهم عليه هو أو مثله؛ قصر صفة على موصوف قصرًا حقيقيًّا ادعائيًّا، ولو قال: إنما أدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي لكان قصرًا لدفاعه عن كونه عن أحسابهم، لا عن أحساب غيرهم قصر موصوف على صفة، ويكون قوله: "أنا أو مثلي"، توكيدًا لا مقصورًا عليه، وليس هذا مراد الشاعر؛ لأنه قصد إلى الفخر والاعتداد بنفسه وأنه هو المدافع عن أحسابهم دون غيره، ولم يقصد أنه يدافع عن أحساب قومه دون أحساب غيرهم؛ لأن هذا يتنافى ومقام المدح والفخر، تقول: إنما يفهم البلاغة المتذوق، فتجده أبلغ من قولك: إنما يفهم المتذوق البلاغة؛ لأن الأول أفاد قصر فهم البلاغة على الذوّاقة دون غيره، والثاني أفاد قصر فهم المتذوق على البلاغة دون غيرها من العلوم؛ فالأول هو المناسب لمقام المدح والتعظيم كما ترى.

стр. 404

هذا، والمقصور عليه بـ"إنما" هو المؤخر دائمًا، تقول في قصر العلم على محمد: إنما العالم محمد، وفي قصره على العلم: إنما محمد عالم، وتأتي "إنما" لإفادة كل أنواع القصر، فهي تفيد القصر الحقيقي بقسميه التحقيقي والادعائي، كما تفيد القصر الإضافي بأنواعه ثلاثة: القلب والإفراد والتعيين، اقرأ معي قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة: ٩١) تجد إرادة الشيطان قد قُصرت بـ"إنما" على إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين في الخمر والميسر، وصدهم عن الذكر والصلاة، فهو قصر صفة على موصوف قصرًا حقيقيًّا غير تحقيقي؛ لأنه مبني على المبالغة؛ إذ الشيطان يسلك كل طريق لكي يبعد العبد عن طاعة ربه. ولما كانت هذه الأمور -وهي الخمر والميسر والصلاة والذكر- من الخطورة بمكان، فقد قصرت إرادة الشيطان عليها، وكأن ما عداها لا يُعتد به إذا ما قُورن بها، ولما كانت "إنما" تستعمل في الأمور المعلومة التي لا تُنكر ولا تُدفع فقد أوثرت بالتعبير هنا لتنبئ بأن هذا الأمر من الأمور المعلومة، التي لا يُنكرها أحد ولا يدفعها مدافع، ومثل ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٦٩) حيث قصر ما يأمر به الشيطان على السوء والفحشاء والقول على الله بغير علم قصرًا حقيقيًّا، وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨)؛ حيث قصر خشية الله على العلماء قصرًا حقيقيًا غير تحقيقي، وقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٨١)؛ إذ أراد أنّ من بدل الوصية وحرّفها وغيّر حكمها فالإثم واقع عليه وحده، والله مطّلع عليه وكاشف

стр. 405

أمره، وواضح أن القصر في الآية قصر صفة الإثم أو العقاب على الذين يُبدلون قصر صفة على موصوف قصرًا حقيقيًا تحقيقيًّا. وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧) تجد أنه قصر الرسول ﷺ على صفة الإنذار، لا يتعداها إلى الإتيان بالآيات، فهو قصر إفراد؛ إذ يعتقد الكافرون أنه ﵊ يجمع بين صفتي الإنذار والإتيان، وقد ذكر عبد القاهر "إنما" لا تستعمل إلا في قصر القلب، والصواب -ما ذكرنا- وهي أنها تستعمل في كل أنواع القصر -كما رأينا وكما هو عليه جمهور البلاغيين. رابع طرق القصر: التقديم الطريق الرابع من طرق القصر: طريق التقديم: وهو بابٌ واسع من أبواب البلاغة، تكمن وراءه العديد من المزايا والأسرار البلاغية، ومرادنا هنا أن نبرز دلالة التقديم على القصر؛ ففي قولك: ما أنا قلت هذا الشعر، دل تقديم المسند إليه وإيلاؤه أداة النفي على القصر؛ أي نفي قول الشعر عن المسند إليه المقدم، وإثباته لغيره، ومن ذلك قول المتنبي: وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا وقوله أيضًا: وأما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه شعر فتقديم المسند إليه المنفي على الخبر الفعلي، يفيد غالبًا الاختصاص؛ ولذا كان من الخطأ أن نقول: ما أنا قلت هذا ولا قاله أحدٌ غيري، أو تقول: ما أنا قلت شعرًا، أو ما أنا أكرمت إلا زيدًا، وكذا تقديم المسند إليه المثبت على الخبر الفعلي

стр. 406

كقولك: أنا سعيت في حاجتك، ومحمد يقري الضيف، فإنه يفيد القصر أو التقوية وتأكيد الحكم -حسبما يقتضيه السياق وقرائن الأحوال، والنكرة في هذا كالمعرفة، تقول: ما رجل جاءني، فيفيد تقديم النكرة القصر؛ أي نفي المجيء عن جنس الرجال وقصره على جنس النساء، والمعنى: ما رجل جاءني بل امرأة، أو نفيه عن الواحد لإثباته لغيره، والمعنى: ما رجل جاءني بل أكثر، وتقول: رجل جاءني، فيفيد تقديمها تقوية الحكم وتأكيده أو القصر؛ أي: قصر المجيء على جنس الرجال، ونفيه عن جنس النساء، والمعنى: رجل جاءني لا امرأة، أو قصره على العدد، والمعنى: رجل جاءني لا رجلين. ومن تقديم المسند الذي أفاد تقديمه القصر قوله جل وعلا: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: ٦) وقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (الصافات: ٤٧) وقوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الشورى: ٤٩) ومنه قول عمرو بن كلثوم: لنا الدنيا ومن أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا وقول الآخر: رضينا قسمةَ الجبار فينا ... لنا عِلمٌ وللأعداء مال وقول آخر: لنا القلم الأعلى الذي بِشُباتِه ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصل وشُبات كل شيء: حدة طرفه، وجمعها شبوات، والمراد: أنهم يُصيبون المحز، بما يكتبون ويقولون، فالبيت كناية عن الفصاحة وإجادة القول، ومن تقديم أحد المتعلقات على الفعل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) وقوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

стр. 407

وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (هود: ١٢٣) ومنه قول شوقي في مدح الرسول ﷺ : بك يا بن عبد الله قامت سمحة ... بالحق من ملل الهدى غراء وقول الآخر: إلى الله أشكو لا إلى الناس إنني ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب وتقول: ما بهذا أمرتك، ما زيدًا أكرمت، فيكون كلامًا مستقيمًا، لأنك قصرت الأمر والإكرام المنفيين على المقدم؛ أي نفيت الأمر عن الجار والمجرور المقدم وأثبته لغيره، ونفيت الإكرام عن زيد وأثبته لغير زيد، فإن قلت: ما بهذا أمرتك ولا بغيره، ما زيدًا أكرمت ولا أحدًا من الناس، قلت ما ليس بقول، هذا والمقصور عليه بهذا الطريق هو المقدم دائمًا، عكس "إنما"، وهو صالح لكل أنواع القصر فقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة: ٥) قصر للعبادة على الله قصر صفة على موصوف قصرًا حقيقيًّا تحقيقيًّا. وقول عمرو: لنا الدنيا ومن أضحى عليها قصر للدنيا ومن عليها على كونها لهم قصر موصوفٍ على صفة قصرًا حقيقيًّا ادعائيًّا، وقول الآخر: إلى الله أشكو لا إلى الناس قصر إضافي صالح أن يكون قلبًا أو إفرادًا أو تعيينًا حسب اعتقاد المخاطب.

стр. 408

من طرق القصر التي أقرها بعض البلاغيين: ضمير الفصل، وهو أن يعقب المسند إليه بضمير الفصل بتخصيصه بالمسند؛ بمعنى جعل المسند مقصورًا على المسند إليه، كقولك: زهيرٌ هو الشاعر، ففيه قصرٌ لصفة الشعر على زهير، لا تتعداه إلى غيره، وطريق القصر هو الفصل بالضمير، وهذا الضمير حرف باتفاق جمهور النحاة وليس اسمًا، والقائلون بأنه اسم أكثرهم على أنه لا محل له من الإعراب، وهو يقع كما ترى بين المبتدأ والخبر كما في المثال المذكور، أو بين ما أصلهما المبتدأ والخبر كقولك: صار امرؤ القيس هو الشاعر، وعلمت أن حاتمًا هو الكريم، والمقصور عليه بهذا الطريق هو المبتدأ والمقصور الخبر. وتلاحظ في الأمثلة المذكورة أن ضمير الفصل قد أفاد بالإضافة إلى القصر تأكيد نسبة الخبر إلى المبتدأ، وتلك الإفادة تراها وراء كل أسلوب من أساليب القصر، كما أفاد أيضًا الدلالة على أن ما بعد المبتدأ خبر له، وليس صفة؛ لأن قولك: زهير الشاعر، فيه إيهام أن الشاعر صفة لزهير، فإذا قلت: زهير هو الشاعر اندفع هذا التوهم، وأصبحت الجملة دالة دلالة بينة على أن الشاعر خبر لزهير لا صفة. ومن شواهد القصر بضمير الفصل قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (المائدة: ١١٧) والتوفية في الآية بمعنى الرفع، وقد جاءت التوفية في كتاب الله على ثلاثة أوجه؛ بمعنى الموت كما في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى

стр. 409

إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (الزمر: ٤٢). وبمعنى النوم كما في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (الأنعام: ٦٠) وبمعنى الرفع كما في هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ (المائدة: ١١٧). وفي الآية الكريمة قصر لصفة المراقبة بمعنى المراعاة والحفظ والعلم على موصوف وهو الله تعالى، وطريق القصر هو ضمير الفصل أنت، ولو لم يكن ضمير الفصل في الآية الكريمة للدلالة على القصر بأن كان مثلًا مبتدأ ثانيًا أو تأكيدًا لما حسُن؛ لأن الله لم يزل رقيبًا عليه في جميع الأحوال، وإنما الذي حصل بتوفيته عيسى ﵇ وقد كان شهيدًا عليهم يراقبهم ويأمرهم بعبادة الله؛ أنه لم يبقَ لهم رقيب غير الله؛ ولذا ينبغي أن يتعين إعرابه فصلًا دالًا على القصر. من طرق القصر: تعريف المسند أو المسند إليه بـ"أل" الجنسية ومن طرق القصر المعروفة لدى البلاغيين: تعريف المسند أو المسند إليه بأل الجنسية: إذا كان المبتدأ والخبر معرفتين فالراجح أن السابق منهما هو المبتدأ واللاحق هو الخبر، تقول: محمد الشجاع، فتخبر عن محمد بالشجاعة، وتقول: الشجاع محمد، فتخبر عن الشجاع بمحمد، وتقول: زيد أخوك وأخوك زيد، فالأول إخبار عن زيد بأنه أخوه، والثاني إخبار عن أخيه بأن اسمه زيد، وعندما يكون أحد طرفي الإسناد معرفًا بأل التي للجنس فإن هذا التعريف يدل على القصر؛ إذ هو طريق من طرقه عند بعض البلاغيين كما عرفت، تقول: محمد الكريم والكريم محمد، فتفيد بهذا قصر الكرم على محمد في الموضعين، فالمقصور هو المعرف بأل الجنسية؛ سواء تقدم أو تأخر، والمقصور عليه هو الآخر، وتقول: خالد الأمير، والأمير خالد؛ فتفيد قصر الإمارة على خالد قصرًا حقيقيًا تحقيقيًا إذا لم يكن ثمة أمير سواه. وتقول: محمد الشجاع، والشجاع محمد؛ فتفيد قصر الشجاعة على

стр. 410

محمد قصرًا حقيقيًّا ادعائيًّا؛ لأنك تجعله الكامل في الشجاعة، ولا تعتد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة الكمال وهكذا. فإن كان طرفا الإسناد معرفين بأل الجنسية، كقولك: العالم المنطلق، فإن السياق هو الذي يحدد المقصور والمقصور عليه؛ إذ هو صالح لقصر العلم على المنطلِق، ولقصر الانطلاق على العالم، والسياق هو الذي يحدد ويعين المراد، والمقصور بهذا الطريق هو المعرف بأل أو الذي يحدده السياق، إذا كان الطرفان معرفين معًا بها، وقد يكون على إطلاقه كما في الأمثلة السابقة وقد يقيد بقيد كقولك: محمد المطاع في قومه، وأنت القائد الجريء؛ حيث قُصِرت الطاعة المقيدة بالجار والمجرور على محمد، وقُصرت القيادة المقيدة بالجرأة على المخاطب. ومن ذلك قولهم: هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيرًا، وهو الجواد حين يبخل الناس، ومنه قول الأعشى: هو الواهب المائة المصطفاة ... إما مخاضًا وإما عشارًَا فالشاعر قد قصر الهبة على الممدوح ليس مطلقًا وإنما مقيدة بكونها من النوق، وبكونها مائة وبكونها مصطفاة وبكونها إما مخاضًا وإما عشارا، وهذا أبلغ في مقام المدح من قصر الهبة المطلقة كما لا يخفى. ومن أهم ما ينبغي أن تتجه إليه عناية الدارس لأسلوب القصر: أن يقف على ما بين طرقه من فروق وأوجه اختلاف؛ فإن هذه الطرق على الرغم من اشتراكها في الدلالة على معنى القصر فإنها تختلف من عدة أوجه، وأهم هذه الأوجه:

стр. 411

١ - أن دلالة التقديم وضمير الفصل وتعريف الطرفين أو أحدهما "بأل" الجنسية على القصر، ليست دلالة وضعية وإنما هي دلالة تذوقية، تفهم من فحوى الكلام وسياقاته وقرائن أحواله، وكذا توسط الضمير بين طرفي الإسناد قد يكون لتأكيد مضمون الكلام ويعرب مبتدأ ثانيًا، فليس دائمًا لإفادة الاختصاص، وتعريف الطرفين أو أحدهما بأل الجنسية قد يكون للتقرير وتأكيد نسبة المسند إلى المسند إليه، وقد يكون لغير ذلك، أما النفي والاستثناء وإنما والعطف بـ لا وبل ولكن فدلالتها على القصر دلالة وضعية. ٢ - أن الأصل في طريق العطف بـ لا وبل ولكن، النص على المثبت والمنفي معًا، تقول: زهير شاعر لا كاتب، ما شوقي كاتبًا بل شاعر، ما عمرو جواد لكن حاتم، ولا يُترك النص على المثبت والمنفي في هذا الطريق إلا كراهة الإطناب في مقام الإيجاز، أما بقية الطرق فالأصل فيها أن يُنص على المثبت فقط دون المنفي، تقول: ما شاعر إلا زهير، وما زهير إلا شاعر، إنما أنت أبٌ، إياك أكرمت، محمد الشجاع، خالد الوفي، وهكذا، فبهذه الطرق قد نص على المثبت فقط، أما المنفي فمفهوم من القصر بمعرفة سياقات الكلام. ٣ - اجتماع طريقين من طرق القصر: لا يجوز أن يجتمع طريق النفي بلا العاطفة وطريق النفي والاستثناء؛ لأن لا موضوعة لأن يُنفى بها ما أوجب للمتبوع، كقولك: زيد كريم لا شجاع، فهي موضوعة للنفي ابتداء، لا لأنْ تعيد بها النفي في شيء قد نفيته، أما بقية الطرق فتجتمع والنفي بـ لا، تقول في اجتماعه وإنما: إنما زيد كريم لا شجاع، وفي اجتماعه والتقديم: إلى الله أشكو لا إلى الناس، وفي اجتماعه والتعريف بأل: زيد الكريم لا عمرو؛ وذلك لأن النفي في هذه الطرق ليس نفيًا صريحًا، بل نفيت بها ما قد فُهم نفيه في الجملة

стр. 412

المتقدمة بغير أداة، والقصر عندئذ طريق "إنما" والتقديم والتعريف بأل، أما العطف بـ"لا" فلتأكيد القصر. وقد تجتمع "إنما" وضمير الفصل أو التعريف بأل، فيقال: إنما الجواد أنت، إنما العالم هو محمد؛ إذ المقصور عليه بالتعريف أو بضمير الفصل هو الخالي من أل، والمقصور عليه بـ"إنما" هو المؤخر، فلا تناقض في بناء العبارة كما ترى، بل إن طريقي القصر يؤكد كل منهما الآخر، فإن قلت: إنما أنت الجواد، إنما محمد هو العالم، تدافع الطريقان، ولو جعلت ضمير الفصل أو التعريف للتأكيد وتقوية الحكم وتقريره فلا تدافع؛ إذ يكون القصر مدلولًا عليه بإنما، والتعريف وضمير الفصل مؤكدان له، وقد تجتمع طريق "إنما" وطريق التقديم كقولك: إنما زيد أكرمت، وإنما بهذا أمرتك، وإنما عليك المعول، وعندئذ يتحتم إلغاء دلالة أحد الطريقين على القصر ويبقى الآخر؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يلائم بين طريق إنما وطريق التقديم؛ إذ المقصور عليه بـ إنما هو المؤخر والمقصور عليه في التقديم هو المقدم، الذي يحدد ذلك هو السياق وقرائن الأحوال وما يقتضيه المعنى. ٤ - أن الأصل في طريق النفي والاستثناء أن يُستعمل فيما شأنه أن يجهله المخاطب وينكره، والأصل في إنما أن تستعمل فيما شأنه أن يعلمه المخاطب ولا ينكره، وقد يأتيان على خلاف ذلك على سبيل التنزيل، هذا وقد صرح الشيخ عبد القاهر بأن أفضل مواقع إنما هو التعريض؛ لأنها فيه أقوى ما تكون وأعلق ما ترى بالقلب، فقد علمت أن الحكم الذي تستعمل فيه إنما من شأنه أن يكون معلومًا لا يجهله أحد، ولا ينكره منكر؛ لذلك امتازت عن بقية طرق القصر بأنها تُستعمل في كلام لا يكون الغرض منه إفادة الحكم للعلم به، وإنما يكون الغرض التلويح به إلى معنى آخر على سبيل التعريض، تقول لمن يهمل في مدارسة العلم

стр. 413

ولا يجتهد في تحصيله: إنما ينال العلا من اجتهد، فأنت لم تُرد أن تعلمه هذا الحكم لوضوحه وظهوره، وإنما قصدت أن تلوّح له بإهماله وأنه لن يحقق رغبته في نيل العلا إلا بالجد. ومثل ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الرعد: ١٩)، فالمعنى: إنما يتذكر الحق ويعقله أرباب العقول السليمة والفِكَر السديدة، وليس الغرض من الآية أن يعلم السامعون هذا المعنى الظاهر، بل ترمي من وراء ذلك إلى التعريض بذم الكفار، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ (فاطر: ١٨) وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (النازعات: ٤٥). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 414

الدرس: ١٩ باب: الفصل والوصل .

стр. 415

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع عشر (باب: الفصل والوصل) باب: الوصل والفصل بين المفردات إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونسترضيه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، كما نعوذ به من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فحديثنا عن باب الفصل والوصل: وباب الفصل والوصل بين المفردات أو بين الجمل بابٌ دقيق المجرى لطيف المغزى جليل المقدار كثير الفوائد غزير الأسرار. وقد تنبّه العلماء قديمًا لدقة هذا الباب، وجعلوه البلاغة بأسرها؛ حيث سُئل أحدهم عن البلاغة فقال: البلاغة معرفة الفصل من الوصل، كذا ذكره الجاحظ في (البيان والتبيين)، وقال عبد القاهر في (الدلائل): "واعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه: إنه خفي غامض ودقيق صعب، إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب". والوصل معناه العطف، أي عطف الكلام بعضه على بعض، سواءٌ أكان هذا العطف للمفردات أم للجمل، وسواءٌ أكان بالواو أو بغيرها كالفاء وثم وأو، والفصل هو ترك العطف، هذا ما ذكره السكاكي. ولكن البلاغيين جرت عادتهم في حديثهم عن الفصل والوصل أن يتجاوزوا عطف المفردات وعطف الجمل التي لها محل من الإعراب، معللين ذلك بأن عطف المفردات وكذلك الجمل التي لها محل من الإعراب أمره هيّن ويسير؛ إذ لا يُقصد به سوى مجرد التشريك في الحكم الإعرابي، أما دقة الفصل والوصل فإنما تظهر في الجمل التي لا محل لها من الإعراب. كما تجاوز البلاغيون العطف بغير الواو قائلين: إن الواو من بين حروف العطف هي التي لا تفيد سوى مجرد الإشراك في الحكم ومطلق الجمع، فالعطف بها دقيق مشكِل، أما غيرها من حروف العطف فتفيد مع التشريك في الحكم معانيَ أخرى؛ فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب، وثم تفيد الترتيب والتراخي، وأو تفيد

стр. 416

تردد الفعل بين شيئين أو التخيير أو الإباحة؛ ولذا لم يشكَل العطف بتلك الأحرف، وهذا الذي ذكروه وإن كان لا يخلو من الصحة، إلا أننا لا نُعدم وجوهًا دقيقة وأسرارًا خفية نجدها كامنة وراء العطف بغير الواو، كما أننا لا نُعدم وجوهًا أدق وأسرارًا أخفى تكمن وراء عطف المفردات والجمل التي لها محل من الإعراب، انظر مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: ١٢ - ١٤). تجد أن الجمل قد وُصِلت في الآيات الكريمة بحرفي العطف ثم والفاء، ووراء الوصل بهذين الحرفين تكمن الدقائق واللطائف، فقد بدأت بالخلق الأول خلق آدم ﵇ من طين، ولما أُريد وصله بالخلق الثاني -خلقِ التناسل- عطف عليه بـ ثم، لما بينهما من التراخي، ثم تحدثت الآيات عن أطوار الخلق فوصلت خلق العلقة بالنطفة بـ ثم لما بينهما من التراخي ثم توالت الأطوار؛ خلق المضغة فالعظام فكساء العظام لحمًا، موصولةً بالفاء حيث لم يكن هناك تراخٍ بينها، ثم وصل تسويته إنسانًا بكساء العظام لحمًا بحرف العطف ثم، إشارة إلى التراخي بينهم، كذا ذكره العلوي في (الطراز). فإنك عندما تتأمل ما عطف بـ ثم، تجده أدق وأبعد مما عطف بالفاء، فقد نزّل الاستبعاد عقلًا أو رتبةً منزلة التراخي والبعد الحسي، فعطف بـ ثم، ونزّل القرب عقلًا أو رتبة منزلة القرب الحسي فعطف بالفاء، انظر في ذلك (روح المعاني) للألوسي ثم جاء قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: ١٤)

стр. 417

معطوفًا بالفاء على تلك الجمل التي جلّت أطوار الخلق في هذا النظم المبدع؛ لتنبه الإنسان إلى ما يجب عليه من المبادرة والإسراع إلى تعظيم الله والإشادة بحسن خَلقه وعجيب صنعه؛ ولهذا نطق أكثر من صحابي بختام الآيات الكريمة: تبارك الله أحسن الخالقين، قبل أن يمليها النبي ﷺ لكاتب الوحي، ويبتسم النبي ﷺ قائلا: ((هكذا نزلت)). على أن السياق هو الذي يحدد كيفية الوصل بين الجمل، ويُعيّن حرف العطف الذي يتحتم استخدامه دون غيره، انظر مثلًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الكهف: ٥٧) ثم تأمل مع ذلك قوله ﵎: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (السجدة: ٢٢)، تجد أن سياق الآية الأولى يتحدث عن الكفرة الذين ما زالوا يَحيون يعاندون ويكابرون ويرفضون قبول الهداية: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: ٥٧) فهؤلاء يُعرضون عن الآيات فور تذكيرهم بها؛ ولذا ناسب العطف بالفاء التي تفيد التعقيب ﴿ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾. أما سياق الآية الثانية فيتحدث عن المجرمين الذين انتهت حياتهم وماتوا على الكفر: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ (السجدة: ٢٠، ٢١) فهؤلاء قد استمر تذكيرهم في الدنيا بالآيات، وامتدّ زمانًا بعد زمان، ثم أعرضوا عنها إعراضًا نهائيًّا بالموت، وهذا يلائمه العطف بـ ثم التي تفيد الامتداد والتراخي. وبهذا يتضح أن العطف بغير الواو يكمن وراءه من الدقائق والأسرار واللطائف ما ينبغي إظهاره وتجليته، ولا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه.

стр. 418

أما عطف المفردات -الذي لم يدخله جمهور البلاغيين في باب الفصل والوصل- فلا يخلو هو الآخر من نكات وأسرار؛ ذلك أن القول بأن المفردات يُعطف بعضها على بعض بالواو لمجرد أنها متناسبة متجانسة كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢) باعتبار أن الصلاة والنسك والمحيا والممات أسماءٌ متناسبة، وكذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٣) فالفواحش والإثم والبغي والشرك والقول على الله ما لا يعلمون ألفاظٌ متجانسة متناسبة. ومثله قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥) فالله والملائكة والكتب والرسل أسماءٌ بينها تناسب وتآلف، وعليه، فهذا الذي ذكره البلاغيون بشأن الاقتصار على الجمل التي لا محل لها من الإعراب، والادعاء بأن المفردات بـ ثم ليس بينها سوى العطف لمجرد كونها متناسبة غير سديد، والأسلم لقائله من البلاغيين أن التناسب بين الألفاظ والتلاؤم والتجانس بين الكلمات مطلوبٌ، سواء أعطفت هذه الكلمات أم لم تعطف، وقد ذكروا ذلك في علم البديع وسمّوه مراعاة النظير، فالمتكلم ينبغي له أن يُراعي التناظر والتجانس والتآلف بين ألفاظه، وألا يُباعد في القول؛ ولذا عاب النقاد قول أبي تمام يمدح أبا الحسين محمد بن الهيثم: لا والذي هو عالمٌ أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم حيث جمع بين مرارة النوى وكرم أبي الحسين، وهما متباعدان لا تجانس بينهما، والذي أوقع أبا تمام في هذا العيب هو محاولته التخلص من الغزل والانتقال إلى المديح، ولكنه لم يحسن التخلص ووقع فيما وقع فيه من عدم التجانس بين مرارة

стр. 419

الفراق وكرم الممدوح، الأمر الذي يعني أن التناسب والتجانس والتآلف بين الألفاظ ليس مقصورًا على كونها معطوفة، بل لابد من مراعاة النظير بين المفردات؛ سواء أكانت معطوفة أم غير معطوفة. وقول البلاغيين: إن الصفات لا يُعطف بعضها على بعض إلا إذا كانت متضادة، كما في قول الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد: ٣) أما إذا كانت غير متضادة فإنها تُذكر بالعطف كما في قوله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الحشر: ٢٣، ٢٤) واتكاؤهم في ذلك على ما جاء في قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم: ٥) وأن الصفات قد توالت بلا عطف إلا ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ فقد عطفتا لما بينهما من التضاد، ونظيره كذلك ما جاء في قول الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (التوبة: ١١٢) حيث توالت الصفات بالعطف ما عدا صفتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد جاءت الواو بينهما لأنهما متضادان. قولهم هذا تعسف ظاهر، فقد ترد الصفات متضادة وبدون عطف، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ (الواقعة: ١ - ٣) وكما في قول امرئ القيس: مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل كما ترد الصفات غير متضادة ومعطوفة مثل الآية المذكورة: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (غافر: ٣) ومثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا

стр. 420

ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: ١٦، ١٧) وقوله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (الأحزاب: ٣٥) إلى آخر الآية، وكان الأولى من ذلك والأجدر أن تهتم الدراسات البلاغية بالبحث عن الأسرار الكامنة وراء الواو، وأن تكشف وتجلي سر مجيئها حين تأتي، وسر تركها حين تترك؛ فهذه الواو تفيد التغاير، وعندما تأتي بين الصفات فإنها تفيد كمال اتصاف الموصوفين بكل صفة منها على حدة. انظر إلى قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ﴾ (آل عمران: ١٧) تجد أن الواو دلت على كمالهم في كل واحدة منها، هكذا ذكره الزمخشري في (الكشاف)، وعندما تُترك الواو وتأتي الصفات متوالية بالعطف، فإنها تفيد كمال اجتماعها في الموصوف، خذْ مثلًا قول الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ (التوبة: ١١٢) إلى آخر الآية، وقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ (التحريم: ٥) وتأمل فستجد أن ترك الواو أفاد أن هذه الصفات مجتمعة في الموصوفين، وكأنها صفة واحدة، فذكْر الواو بين الصفات يفيد أنهم كاملون في كل صفة على حدة، وتركها يفيد أنها مجتمعة فيه، كذا ذكره الزمخشري أيضًا. وعلى هذا فقول امرئ القيس: مِكَرٍّ مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل يفيد أن هذه الصفات قد اجتمعت في الجواد في وقت واحد، من غير أن تكون مستقلّة متغايرة، ولو أنه قال: مِكر ومفر ومقبل ومدبر لما صح أن يقول: "معًا"، وكذا القول في الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ (الواقعة: ٢، ٣) أي تخفض وترفع في زمنٍ واحد، ويقع منها الفعلان معًا، ولو قيل

стр. 421

في غير القرآن: خافضة ورافعة لم يفد ذلك، وكذا قولنا: فلان كاتب شاعر، يخالف: فلانٌ شاعر وكاتب؛ فالأول أفاد اجتماع الكتابة والشعر، والثاني أفاد كمال اتصافه بكل صفة على حدة، وهكذا. باب: الوصل والفصل بين الجمل وننتقل بعد الحديث عن المفردات للحديث عن باب الوصل والفصل بين الجمل: قد ذكرنا وعرفنا فيما سبق أن الجمل نوعان: جمل لها محل من الإعراب، وجمل لا محل لها من الإعراب، كما عرفنا أن الجمل التي لها محل من الإعراب حكمها حكم المفرد؛ لأنها تقع موقعه وتأخذ حكمه الإعرابي، فالعطف عليها يكون بمثابة العطف على المفرد، وهذه حقائق يؤكدها الإمام عبد القاهر، فيقول: "الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين؛ أحدهما: أن يكون للمعطوف عليها موضعٌ من الإعراب، وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد؛ إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعةً موقع المفرد، وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد كان عطف الثانية عليها جاريًا مجرى عطف المفرد، وكان وجه الحاجة إلى الواو ظاهرًا والإشراك بها في الحكم موجودًا"، انتهى من (دلائل الإعجاز). وهذا لا يعني أن الجمل التي لها محل من الإعراب لا تخضع لما تخضع له الجمل الأخرى التي ليس لها محل من الإعراب، بل هي خاضعة لما تخضع له، وما يجري على هذه من أحكام الفصل والوصل يجري على تلك، بالإضافة إلى أن الجمل التي لها محل من الإعراب تختص بخضوعها لهذا الحكم الظاهر، وهو وقوعها موقع المفرد، فإذا أردنا إشراك الجملة الثانية للأولى في حكمها الإعرابي عطفنا بالواو مع مراعاة المناسبة أو الجهة الجامعة التي تسوغ العطف، وإذا لم نرد

стр. 422

التشريك في الحكم الإعرابي يمتنع العطف، ففي قول الله تعالى مثلا: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ (البقرة: ٢٤٥) نرى أن جملة ﴿يَقْبِضُ﴾ وقعت خبرًا للفظ الجلالة، وجملة ﴿وَيَبْسُطُ﴾ عطفت عليها بالواو؛ لأن القصد مجرد إشراك الثانية للأولى في الحكم الإعرابي، وهو وقوعها خبرًا للمبتدأ. وبين الجملتين تناسبٌ؛ إذ المسند إليه في كلٍّ منهما واحد وهو الله وبين المسندين أيضًا ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ تضاد، فهما متناسبان، وسرّ بلاغة الوصل في هذا الموطن أن الآية الكريمة تصوِّر عظمة القادر وأنه بيده الأمر وإليه المرجع، فالجمع بين القبض والبسط مما يحقق ذلك، ولو ترك العطف فقيل في غير القرآن: والله يقبض يبسط -بدون الواو- لكان ذلك موهمًا أن قولنا: يبسط، رجوعًا عن قولنا: يقبض، وإبطال له، وبالطبع ليس الأمر كذلك. أما إذا لم يُقصد تشريك الجملة الثانية للأولى في الحكم الإعرابي، فإنه يتعين فصلهما؛ لأن الوصل عندئذ يُوهم خلاف المراد، تأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة: ١٤، ١٥) تجد أن جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قد فصلت عن جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾؛ حيث لم يقصد التشريك بينهما في الحكم الإعرابي، فجملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ مقول القول، وجملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ إخبارٌ من الله ولو وصلت بالأولى لأدى هذا الوصل إلى توهم أنها من مقول المنافقين، فدفعًا لهذا التوهم تعيّن الفصل بينهما. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: ١١، ١٢)

стр. 423

فجملة ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ لم يُقصد تشريكها في الحكم الإعرابي لجملة: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ لأنها ليست من مقولهم، بل هي من كلام رب العزة سبحانه، إخبارًا منه تعالى، ولذا وجب الفصل بينهما حتى لا يُتوهم غير المراد. ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٣) فقد فصل ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ عن ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، حتى لا يتوهم أنها من كلام المنافقين؛ إذ هي من كلام رب العزة سبحانه إخبارًا منه تعالى، والوصل يُوهم أنها من مقول المنافقين، وهو ما لا يخفى فساده. وخلاصة القول: أن الجمل التي لها محل من الإعراب إذا قُصد إشراكها في الحكم الإعرابي وصلت، وقد ترد نادرًا بلا وصل، وإذا لم يُقصد التشريك وجب فصلها؛ إلا أن الوصل عندئذ يُوهم خلاف المراد، وهذا الحكم يختص -كما هو واضح- بالجمل التي لها محل من الإعراب، ثم هي من بعد ذلك تخضع لأحكام فصل ووصل الجمل التي ليس لها محل من الإعراب. وكان البلاغيون قد ذكروا أن الفصل بين الجمل ينحصر في خمسة مواضع، هي: كمال الاتصال، كمال الانقطاع، شبه كمال الاتصال، شبه كمال الانقطاع، التوسط بين الكمالين مع وجود المانع من العطف، وهو عدم الإشراك في الحكم الإعرابي.

стр. 424

ونبدأ بكمال الاتصال. هو أن تتفق الجملتان في الإنشائية أو الخبرية -لفظًا ومعنى أو معنى فقط- ويكون بينهما من الاتصال والاتحاد والتلاحم ما يمنع العطف بالواو؛ لأن العطف وصلٌ خارجي، وهذه الجمل قد صار ما بينها من التلاحم والاتصال والترابط أقوى وأشد من الربط الخارجي، وترجع قوة اتصال تلك الجمل وشدة ترابطها إلى أمور ثلاثة: الأول: أن تكون الجملة الثانية مؤكدة للأولى تأكيدًا لفظيًّا أو معنويًّا، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (الطارق: ١٧) تجد أن الجملة الثانية ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ توافق الجملة الأولى في اللفظ والمعنى، وأنها توكيد لفظي لها؛ ولذا صارت الصلة قوية بين الجملتين، فلا تحتاج إلى ربط بالواو؛ لأن التوكيد والمؤكد كالشيء الواحد، ومن ثم ترك العطف لعدم صحة عطف الشيء على نفسه، وتأمل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢) تجد أن الجملة الأولى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أفادت أن القرآن الكريم هو الكتاب الكامل، الذي بلغ الغاية القصوى في كمال الهداية، وترجع هذه الإفادة إلى تعريف الطرفين؛ تعريف المسند إليه باسم الإشارة الدال على البعيد ﴿ذَلِكَ﴾، إشارة إلى بعد المنزلة وعلو المكانة، وتعريف المسند بالألف واللام ﴿الْكِتَابُ﴾، وجملة ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ تفيد نفي الريب عنه، وأنه لا يتطرق إليه شك، وهذا تقريرٌ وتأكيد لمعنى الجملة الأولى؛ إذ يلزم من بلوغ القرآن الكريم درجة الكمال ألا يكون محلًّا للريب والشك، فجاءت جملة ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ مقررةً لهذا المعنى ومؤكِّدة له.

стр. 425

وجملة ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ تفيد بلوغ القرآن في الهداية مبلغًا لا يُدرك كنهه، حتى كأنه هداية محضة، وهذا مأخوذٌ من تنكير ﴿هُدًى﴾ الذي يدل على التعظيم، ومن أنه لم يقل: هادٍ، بل ﴿هُدًى﴾، و ﴿هُدًى﴾: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي هو هدى، فهو الهداية نفسها، ولا يخفى عليك تأكيد هذه الجملة لمعنى الجملة الأولى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؛ ولذا تُرك العطف بين هذه الجمل؛ لأن بينها اتصالا قويا، فهي لا تحتاج إلى ربط بالواو. وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤)، فإنك ترى أن جملة ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ جاءت مؤكِّدة لجملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾؛ لأنهم ما داموا مستهزئين بالإسلام وأهله فهم مستمرون في معية شياطينهم، ولاحظ أن الجملتين قد وقعتا مقولًا للقول، وهذا يُؤكد ما قلناه من أن الجمل التي لها محل من الإعراب، تخضع لمواضع الفصل والوصل التي تخضع لها الجمل التي ليس لها محل من الإعراب، وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البقرة: ٦ - ٩) تجد أن جملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جاءت مؤكّدة لجملة: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ لأن معنى الثانية: يستوي عندهم الإنذار وعدمه، وجملة ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ تأكيد ثانٍ أبلغ من التوكيد الأول؛ لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم يُنذر، كان في غاية الجهل وكان مطبوعًا على قلبه لا مَحالة؛ ولذا تُرك العاطف بين هذه الجمل الثلاث لما بينها من كمال الاتصال.
следующие страницы →