← Адаб

Адаб · id 7585

التحرير الأدبي

حسين على محمد

Полный текст (476 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من نماذج الرسائل الأدبية: هذه الرسالة التي أرسلها الأديب الأستاذ وديع فلسطين إلى أحد أصدقائه: القاهرة في السادسة والعشرين من يناير ١٩٩٥م. أخي العزيز الدكتور ... شكرا على رسالتك المؤرخة في ١٣ /١ / ١٩٩٥ وعلى مودّاتك الغالية، وأخوّتك النبيلة، ويسعدني أن أرد عليها في هذه السطور قبل أن أزداد انجرافًا في تيار الأعمال. الأحاديث المستطردة١ نَدَرَ من يطالعها في مصر، ولم أصادف حتى الآن شخصًا أفاد بأنه قرأها أو حتى رآها، مما يدل على أنني أرسل هذا الكلام إلى قبة الهواء! ولست مهتمًّا بذلك؛ لأنني أعد نفسي متقاعدًا من مآرب الأدب -ولو في مصر- وليست بي رغبة في ولوج ميدان الأدب عن طريق أي من مجلاتنا أو صحفنا. ولهذا أدهشني قولك إن لك زملاء يهتمون بهذه الفصول؛ ربما لأنهم يجدون فيها من اللمسة الشخصية ما لا يجدونه في الكتب المنشورة، وإذا كان الحديث الخاص بالدكتور"بشر فارس" قد فاتك، فإليك صورة منه ...

стр. 177

ويكشف هذا الجزء من الرسالة عن: ١- لغة قريبة من اللغة التي يتحدث بها المثقفون. ٢- شكوى من الحياة الأدبية، التي لم تعد تهتم بما يُكتب. ٣- في الرسالة بعض الصور الجمالية، غير المفتعلة، وإنما جاءت عفو الخاطر، مثل "قبة الهواء" تعبيرًا عن عدم جدوى الكتابة، و"أعد نفسي متقاعدًا من مآرب الأدب"، فهو بعيد عن الغايات التي يرمي إليها غيره من الكتابة. ٤- حرصه على أن يقرأه من يعتزون بكتاباته، ولهذا فهو يرسل لصديقه الفصل الذي فاته، ولم يقرأه. ٥- ذكر تاريخ كتابة الرسالة في المقدمة. ٦- الدخول إلى الموضوع مباشرة. ٧- أن للرسالة فكرة عبرت عنها، وهي شكوى الأديب من عدم المتابعة الأدبية لما يكتبه ويمليه على الناس، والاعتزاز -مع الدهشة- بالأصدقاء المتابعين له. وهذا نموذج للرسالة الإدارية:

стр. 178

من نماذج الرسالة الإدارية ... من نماذج الرسائل الإدارية: الجمهورية العربية السورية مكتبة الأسد ١٤٩٨ الرقم -------- ٢٢٣/ ١ السيد عبد الرحمن إبراهيم العتل كلية اللغة العربية - جامعة الإمام محمد بن سعود دراسات عليا - قسم الأدب السعودية - الرياض- ص.ب ٨٦٩٠٧ الرمز البريدي/ ١١٦٣٢/ تحية طيبة وبعد: إشارة١ لرسالتك التي تطلب فيها معلومات عن الإنتاج الشعري والمسرحي للشاعر بدر الدين محمود الحامد، نعلمك أنه يتوفر في المكتبة: العنوانين٢ التاليين: - ديوان بدر الدين الحامد: شاعر العاصي. - ميسلون/ بدر الدين الحامد. ونعلمك أن مكتبة الأسد هي المكتبة الوطنية للقطر العربي السوري ولا يسمح نظامها ببيع الكتب. مع أمنياتنا لك بالتوفيق دمشق في ٢٥/ ١٠/ ١٩٩٤م. المدير العام غسان اللحام

стр. 179

الفصل الرابع: المقالة مفهوم المقالة وتطورها في اللغة ... الفصل الرابع: المقالة أولًا: مفهوم المقالة وتطورها في اللغة: المقالة: مصدر قال يقول قولا وقِيلًا ومقالةً ومقالًا١. والمقالة: القول، والجمع مقالات٢. وقد وردت اللفظة في الشعر الجاهلي، في قول النابغة الذبياني: وأخبرت خير الناس أنك لمتني ... وتلك التي تصطك منها المسامع مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع وقال كعب بن زهير: مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمة ... ذموه بالحق وبالباطل وقال حسان بن ثابت: ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد٣ وجاء في خطبة الوداع: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"٤.

стр. 180

مفهوم المقالة عند النقاد: عرفها الدكتور محمد يوسف نجم بأنها "قطعة نثرية محدودة في الطول والموضوع، تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية من الكلفة والرَّهَق، وشرطها الأول أن تكون تعبيرا صادقا عن شخصية الكاتب"١. وعرفها الأستاذ سيد قطب بأنها "فكرة قبل كل شيء وموضوع؛ فكرة داعية وموضوع معين يحتوي قضية يراد بحثها، قضية تُجمع عناصرها وترتب بحيث تؤدي إلى نتيجة معينة، وغاية مرسومة من أول الأمر، وليس الانفعال الوجداني هو غايتها، ولكنه الاقتناع الفكري"٢. وعرفها الدكتور عبد الرازق الطويل بأنها "تتناول الموضوعات التي يمتزج فيها الفكر بالعاطفة، في عبارة واضحة منتقاه مع ملاءمة بين اللفظ والمعنى، وما يشيعه من إيحاءات"٣. ويصفها الأستاذ أنيس المقدسي بأنها "لا تختلف كثيرًا عن الشعر الوجداني المعبر عن اختيارات الشاعر الخاصة، فالقصيدة لا تعد من الشعر الجيد إذا خلت من طلاوة التعبير وجمال التصوير، أو إذا جفت فجاءت بلا ماء أو رواء، كذلك المقالة، على أن جمال التعبير والتصوير فيها لا يعني تكلف البدائع البيانية، والتوهجات العاطفية، بل يراد بها الاستعراض السوي الشائق الذي يجمع بين الإيجاز ودقة الملاحظة وخفة الروح"٤.

стр. 181

ولعلنا نستطيع أن نجمل وصف المقالة فيما يلي: ١- قطعة نثرية محدودة الطول. ٢- ينبغي أن تكون متسمة بالأصالة، بمعنى التعبير عن الذات. ٣- تقدم فكرة، أو موضوعا، أو قضية جديرة بالمناقشة. ٤- تحمل الإقناع، والإمتاع. ٥- يبرز فيها الانفعال الوجداني. ٦- عباراتها واضحة، منتقاة. ٧- فيها دقة الملاحظة، وخفة الروح.

стр. 182

البناء الفني للمقالة ينبغي أن تكون المقالة متماسكة البناء، متآلفة الأجزاء، ألفاظها على قدر معانيها، ومعانيها ملائمة لغرضها، والتصميم الدقيق للمقالة يتكون من ثلاثة أجزاء، هي: ١- المقدمة. ٢- الغرض "صلب الموضوع". ٣- الخاتمة. والمقدمة تتألف من معارف مسلَّم بها لدى القراء، قصيرة، متصلة بالموضوع، معينة على ما تعد النفس له من معارف تتصل به، وهي تمهيد ملائم للدخول في الفكرة الرئيسة. والغرض -أو"صلب الموضوع"- هو النقطة الرئيسة أو الطريقة التي يؤديها الكاتب، سواء انتهت إلى نتيجة واحدة أم عدة نتائج هي في الواقع متصلة معًا، وخاضعة لفكرة رئيسة واحدة، ويكون العرض منطقيًّا مقدمًا الأهم على المهم، مؤيدًا بالبراهين، قصير القصص أو الوصف أو الاقتباس، متجهًا إلى الخاتمة؛ لأنها مفاده الذي يقصده. والخاتمة هي ثمرة المقالة وعندها يكون السكوت، "فلا بد أن تكون النتيجة طبيعية للمقدمة والعرض، واضحة، صريحة، ملخصة للعناصر الرئيسة المراد إثباتها، حازمة تدل على اقتناع ويقين، لا تحتاج إلى شيء آخر لم يرد في المقالة١".

стр. 183

وفي كتاب "من صحائف التاريخ" للدكتور محمد رجب البيومي، لو قرأنا مقالة "قوة الإرادة"١ جيدًا، لوجدنا أنها مكونة من: أ- مقدمة. ب- عرض. جـ- خاتمة. والمقدمة: تبدو في التمهيد الذي قدم به الكاتب لمقالته، ونوه فيه بعظمة قوة الإرادة، وبين أنها ليست وقفا على رجال البطولة الحربية وذوي القوة البدنية، وأكد أن قوة الإرادة صفة نفسية لا تخص العماليق من ذوي الأجسام. وفي العرض: نفذ الكاتب إلى صلب الموضوع بعد هذا التمهيد، وعَرْضُه لموضوعه قام على أربعة أفكار، هي: ١- وصف عروة بن الزبير بن العوام، والتنويه بأخلاقه ومزاياه وقوة إرادته. ٢- موقفه من الثروة المالية، وهو موقف متسم بالزهد والقناعة. ٣- عزوف عروة عن مظاهر الأبهة والجلالة، وهي منه قاب قوس. ٤- موقفه الشجاع من مرضه، ووفاة ابنه في وقت واحد.

стр. 184

وجاءت الخاتمة تلخيصًا وتعليقًا على الفكرة الرابعة فقط، وكان الأجدر بالكاتب أن يعطينا موجزًا دقيقًا، يلخص به أفكاره التي عرضها في أسلوب أدبي رائع، وعاطفة إسلامية صافية. وقد أشار الكاتب في سرعة وخفاء إلى حتمية الاقتداء بأمثال عروة؛ لأنه نموذج اجتماعي وإنساني رائد، وقد دافع عن إيجازه في الخاتمة حين قال: "إن من المواقف ما يشينه التعليق، إذ يبدو بروعته الخارقة نموذجًا فريدًا يدل على نفسه بأبلغ إيحاء". تطور المقالة في الأدب العربي الحديث: يرتبط تطور المقالة في أدبنا العربي الحديث بتطور الصحافة، فقد نشأت "المقالة" في حضن الصحافة، واستمدت منها نسمة الحياة منذ ظهورها، وخدمة أغراضها المختلفة، وحملت إلى قرائها آراء محرريها وكتابها" وقد مرت المقالة الأدبية العربية في تطورها بعدة مراحل. المرحلة الأولى: يمكن أن نسميها مرحلة النشأة، وهي تلك المرحلة التي نشأت فيها الصحافة، ومن أشهر كتاب هذه المرحلة: رفاعة رافع الطهطاوي، وعبد الله أبو السعود، وسليم عنحوري.. وغيرهم "وقد نشروا مقالاتهم في "الوقائع المصرية"، و"وادي النيل"، و"الوطن"، و"روضة الأخبار"، و"مرآة الشرق". وقد ظهرت المقالة على أيديهم بصورة بدائية فجَّة، وكان أسلوبهم أقرب إلى أساليب عصر الانحطاط، فهو يزهو بالسجع الغث، والمحسنات

стр. 185

البديعية، والزخارف المتكلفة المموجة. وقد كانت الشئون السياسية هي الموضوع الأول لهذه المقالات، ولكن الكتاب كانوا أحيانًا يعرضون لبعض الشئون الاجتماعية والتعليمية"١. ويمكن أن نمثل لذلك بجزء من مقالة لأحمد فارس الشدياق، بعنوان "الوطني المزيف"٢ يقول فيه: "من الناس من يبالغ في مدح وطنه، ويحن إليه حنينه، فيصلف مروه ورياضه، وحروجه وحياضه، ووهاده وجباله، وتلاعه وتلاله، وربوعه ودياره، ونباته وأشجاره، وبقوله وثماره، ودوحه وأطياره، وطيب هوائه ولذة مائه ... " إلخ. وقد استمرت هذه المرحلة، حتى نهاية القرن التاسع عشر. المرحلة الثانية: يمكن أن نسميها مرحلة التطور وهي تلك التي نشأت في مطالع القرن العشرين، ومن بواكير هذه المدرسة: محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ومن أعلامها: لطفي السيد، وطه حسين، ومحمد السباعي، وعباس محمود العقاد، وغيرهم. والمتأمل في نتاج هؤلاء، يجدهم قد خطوا بالأسلوب الأدبي في هذه المرحلة خطوات جبارة، فخلصوه من قيود السجع والصنعة، وأطلقوه حرًّا بسيطًا، يحمل من الأفكار والمعاني الكثير، ويناقش قضايا المجتمع في مختلف شئون حياته.

стр. 186

من أمثلة ذلك مقالة المنفلوطي "أين الفضيلة"١، وهو متشائم في مقالته، يوحي بأن المجتمع -في عصره- كان فاسدًا في كل طوائفه جميعًا: "فتشت عن الفضيلة في حوانيت التجار فرأيت التاجر لصًّا في أثواب بائع؛ وجدته يبيعني بدينارين ما ثمنه دينار واحد.. فتشت عن الفضيلة في مجالس القضاء فرأيت أن أعدل القضاة من يحرص الحرص كله على ألا يهفو في تطبيق القانون الذي بين يديه هفوة يحاسبه عليها من منحه هذا الكرسي الذي يجلس عليه مخافة أن يسلبه إياه، أما إنصاف المظلوم، والضرب على يد الظالم وإراحة الحقوق على أهلها وإنزال العقوبات منالها من الذنوب، فهي عنده ذيول وأذناب لا يأبه لها. فتشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحًا أو مِتلافًا. فتشت عنها في مجال السياسية فرأيت أن المعاهدة والاتفاق والقاعدة والشرط ألفاظ مترادفة معناها الكذب". المرحلة الثالثة: وهي مرحلة المقالة الحديثة: ونقصد بها تلك المقالات التي ظهرت بعد نهاية الحرب العالمية الأولى"١٩١٩"، وتستمر هذه المرحلة خمسين عاما تقريبًا حتى عام "١٩٦٧"، وهذه المرحلة شهدت ظهور المجلات الأدبية مثل" الرسالة" و"الثقافة" و"الكاتب المصري" و"الكتاب" في مصر، و"الأديب" و"الآداب" في لبنان، و"المنهل" في السعودية، و"الحكمة" في اليمن، و"الفكر" في تونس.. وغيرها. ومن كتاب هذه المرحلة: أحمد حسن الزيات، وأحمد أمين، وذكي مبارك، ومحمود تيمور، وذكي نجيب محمود، ومصطفي صادق الرافعي، وعبد القدوس الأنصاري، وحسين سرحان.. وغيرهم.

стр. 187

وامتازت المقالات في هذه المرحلة بظهور الذاتية العاطفية، وميلها إلى المقال القصصي، مع الميل إلى الثقافة العامة لتربية أذواق الناس وعقولهم"١. ومن الكتب التي جمعت مقالات كتبها أصحابها في دوريات قبل جمعها في كتاب، وتمثل هذه المرحلة: "وحي الرسالة" وهو كتاب في عدة مجلدات يضم الافتتاحية التي كان يكتبها أحمد حسن الزيات في مجلة "الرسالة" في صدورها الأول "١٩٣٣-١٩٥١"٢، و"أباطيل وأسمار" لمحمود محمد شاكر الذي يجمع مقالات له نشرها في مجلة "الرسالة"٣ يكشف فيها الزيف الثقافي الذي استشرى في حياتنا الأدبية في عقد الستينيات. المرحلة الرابعة: مرحلة المقالة الصحفية: وبهزيمة ١٩٦٧م تخلت المقالة الأدبية عن الواجهة، وأفسحت المجال للمقالة السياسية التي يكتبها: أحمد بهاء الدين، ومصطفي أمين، وجهاد الخازن، وغسان سلامة، وسلامة أحمد سلامة، وفهمي هويدي ... وغيرهم. والمقالة الاجتماعية التي يكتبها: على أمين، وأحمد بهجت، وعبد الله الجعيثن، وعبد الرحمن الدوسري، وصلاح منتصر.. وغيرهم. والمقالة الفلسفية التي يكتبها حسن حنفي، وفؤاد زكريا، وإمام عبد الفتاح إمام ... وغيرهم. لقد أصبح الأسلوب الصحفي الذي يُعنى بقصر العبارة والاهتمام بالمعنى، مع خلوها من المحاسن البلاغية واللفظية، هو ما يميز كتابات هذه الفترة الأخيرة.

стр. 188

ثانيًا: أنواع المقالة الأدبية ١- المقالة الأدبية تكاد المقالة الأدبية تكون شعرًا منثورًا، فالذاتية طابعها، وشدة الانفعال من أولى خصائصها، وتتغلب فيها حرارة الوجدان على رزانة الفكر، وتتمتع بالأسلوب الرصين، والأخيلة الجذابة، والعبارات المبنية بناء متناسقًا محكمًا. ومنها مقالات مصطفى لطفي المنفلوطي في "النظرات" و"العبرات"، ومقالات جبران خليل جبران في كتابه "البدائع والطرائف"، ومقالات مصطفى صادق الرافعي في كتبه المتعددة، مثل "وحي القلم" و"السحاب الأحمر".. وغيرها، ومن هذا النوع أيضًا مقالات أحمد حسن الزيات، وأحمد أمين، ومحمد زكي عبد القادر، وأمين الريحاني، ومحمد عوض محمد. يقول الأستاذ عمر الدسوقي في كتابة "نشأة النثر": يقتضي الأسلوب في هذا اللون من النثر الأدبي التأنق في اللفظ، وجودة السبك، وتوليد المعاني، والمعرفة بأسرار اللغة، ووفرة المحصول من المفردات، والبصر بالكلام الجيد من المنظوم والمنثور. كل ذلك إلى جانب طبيعة مواتية، وحس مرهف، وذوق رقيق يهدي إلى مواطن الجمال". ومن أعلامها: أحمد حسن الزيات، ومصطفي صادق الرافعي، وأحمد أمين، وطه حسين، والمازني، وسيد قطب، ووديع فلسطين، وعبد الحميد إبراهيم، وشكري عيّاد، وعبد القدوس أبو صالح، وحسين سرحان، ومحمد بن عبد الرحمن الربيع، ومحمد بن سعد بن حسين، وحمد الدخليل ... وغيرهم.

стр. 189

ومن نماذجها مقالة "أحقًّا مات علي محمود طه؟! " لأحمد حسن الزيات١، التي يقول في مطلعها: "أحقا رفاق علي لن تروه بعد اليوم يحيي المجالس بروحه اللطيف، ويؤنس الجلاس بوجهه المتهلل، ويدير على السُّمار أكؤسًا من سلاف الأحاديث تبعث المسرة في النفوس، وتحدث النشوة في المشاعر؟ أحقًّا عشاق علي لن تسمعوه بعد اليوم ينشد القصائد الرقيقة، ويخرج الدواوين الأنيقة، ويصور الحياة بألوان من الشعر والسحر والفتون، في إطار من الجمال والحب واللذة؟ أحقًّا أصدقاء علي لن تجدوه بعد اليوم يبذل من سعيه ليواسي، وينيل من جاهه ليعين، ويجعل بيته سكنًا لكل نفس لا تجد الدعة ولا الأنس، ومثابة لكل طائر لا يجد الروضة ولا العش؟. أحقًّا عباد الله سكت البلبل، وتحطم الجام، وتقوض المجلس، وانفض السامر، وتفرق الشمل، وأقفر الربيع، وأصبح علي طه الشاعر العامل الآمل أثرًا وخبرًا وذكرى؟ " ومن هذا النوع من المقالة ما كتبه أحمد أمين في كتابه "إلى ولدي"، ومنه قوله: "أهم ما جربت في حياتي أني رأيت قول الحق والتزامه، وتحري العدل وعمله، يكسب الإنسان من المزايا ما لا يُقدَّر. لقد احتملت في سبيل ذلك بعض الآلام، وأغضبت بعض الأنام، وضاعت عليَّ من أجله بعض المصالح، ولكني برغم ذلك كله قد استفدت منه أكثر مما خسرت، لقد

стр. 190

استفدت منه راحة الضمير، واستفدت منه ثقة الناس بما أقول وما أعمل، واستفدت منه حسن ظنهم بما يصدر عني ولو لم يفهموا سببه"١.

стр. 191

٢- المقالة الدينية المقالة الدينية هي تلك المقالة "التي يهتم صاحبها بإبراز عاطفته الدينية نحو أمر يمس العقيدة أو يتصل بالمجتمع، فيكتب مقالة تبين عن رأيه فيما هو بصدده، متسمًا أسلوبه بالتدفق الشاعري نحو القيم الدينية، والذب عنها، والإخلاص لما تدفع إليه، فهو لا ينطلق في توجهه من عبث أو تلهٍّ أو استدرار، قدر ما يستند إلى ذلك المنبع العظيم النير المشرق، يستمد منه توجهه، ويمتح من نميره أفكاره"٢. وهي "تُعنى بدراسة قضايا العقيدة وشعائر الدين ودورهما في حياة الفرد والمجتمع، وبدهي أن موضوعاتها مما يمس حياة الإنسان وصلته بنفسه ومجتمعه وخالقه، ومن ثم فهي ذات جذور بعيدة في تراثنا العربي، غير أن تطور الحياة وما ظهر فيها من حياة الناس تتطلب تحديد الموقف الديني منها، وظهور العديد من المجلات الدينية مثل "الأزهر" و"الإخوان المسلمون" و"منبر الإسلام" و"نور الإسلام" و"هدي الإسلام" ساعد على ذيوع المقالة الدينية"٣.

стр. 192

وتسيطر عليها الروح الدينية، حيث تخاطب الوجدان المسلم، وتتلمس أسباب ضعف الكيان الإسلامي، ثم تبحث عن وسائل تقويته، والأسلوب في هذا النوع يستمد قوته من الاقتباس من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، وخطب الخلفاء الراشدين وكبار الأئمة. ووسائل الإقناع هنا تكون نقلية غالبًا، حيث يدلل الكاتب على آرائه بآيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وبالمأثور من خطب ومواعظ الأولياء، وقد تكون قياسية وذلك بضرب أمثلة من التاريخ الإسلامي، والاتكاء على سلوك الشخصيات الرائدة التي تمثل نماذج عامة في الوجود الإسلامي. والمقالة الدينية كثيرًا ما تجنح إلى التاريخ تستلهمه العبر، وتستنطقه العظات، وتدلل به على مواجهة الحاضر وقضاياه المتشعبة. ومن رواد كتابة المقالة الدينية في العصر الحديث: محمد عبده، ومحمد رشيد رضا. ومن كتابها الدكاترة والأساتذة: عباس محمود العقاد، وأحمد حسن الباقوري، ومحمد متولي الشعراوي، ومحمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، ومحمد السعدي فرهود، وخالد محمد خالد، ومصطفى محمود، وعبد الحكيم الخطيب، ومحمد عبد الواحد حجازي، ومحمد فهمي عبد اللطيف، وأحمد زين، وأحمد بهجت، وأحمد عمر هاشم.. وغيرهم. ومن نماذجها: هذه المقالة للدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الشثري، وعنوانها "كيف نحصن أولادنا"، وهذا نصها:

стр. 193

كيف نحصن أولادنا؟ للدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الشثري١: يكون التحصين للأولاد بقيام الأسرة بدورها التربوي في المنزل، ومتابعة سير الحياة خارج المنزل، واستشعار هذا الدور التربوي، وأنه الحصن الواقي والسياج المانع من الوقوع في شرَك الغواية، وتضييع الأوقات في لغو وعبث، ولهو وخبث، أو تسلية غير بريئة وإثارة متعمدة. فدور الوالدين يكمن في توجيه الأولاد إلى الشيء النافع والمفيد لهم، وتربيتهم على توحيد الله، وإخلاص العمل له، والمحبة والتذلل والخضوع له. - تنمية حواسهم ومداركهم، للنظر في نعم الله التي بين أيديهم والتي لا يستغنون عنها من مأكل ومشرب، وملبس ومركب، وقيام وقعود، ونوم ويقظة، والتأمل في هذا الكون البديع الواسع، وتدبر آياته، وإدراك بديع صنع الله فيه، بما يقوي روح العقيدة في نفوسهم، ويمكن تطبيق هذا في الخروج بهم إلى نزهة أو فسحة، أو سفر ورحلة. - تبصيرهم بالسلوكيات الخاطئة ليجتنبوها ويحذروها، وحفظ هممهم لبناء حياة فاضلة في مستقبل أيامهم، وكلٌّ يخاطب بحسب فهمه وإدراكه. - بعث اليقظة الإسلامية في حياتهم، وتعميق جذور الإيمان في نفوسهم، حتى يقفوا في وجه التيارات الفكرية الضالة، فيردوا زيفها، ويدفعوا باطلها بالبرهان والحجة. - لا يتوانى الوالد في تعليم أولاده القرآن الكريم، ثم العلوم النافعة؛ لأن

стр. 194

في ذلك سعادتهم في الدنيا والآخرة، قال عبد الملك بن مروان: "يا بَنِيَّ، تعلموا العلم، فإن كنتم سادة فقْتُم، وإن كنتم وسطًا سدتم، وإن كنت رعية عشتم". وعلى قدر ما يبذل في التربية من جهد، وما يبذر فيها من بذر، يكون النتاج والحصاد. - تعهد الناشئة، وتوفير البيئة الصالحة، التي تكفل لهم حسن النشأة، ونماء القوة، وبناء الشخصية، والقدوة الحسنة. - عرف أسلافنا عظم الأمانة، وثقل المسئولية، وأدركوا أن عليهم واجبًا عظيمًا، وهو ربط الجيل الناشئ بالأسس الثابتة التي إن تغيرت اهتزت الحياة، واضطرب نظامها، وأن يُنشئوا على الدين الحق، ولا يتركوا لنزغات الشياطين، ووساوس المضللين، ومن هنا كان على الآباء أن يحافظوا على صفاء فطرة أبنائهم، وأن يعمقوا في قلوبهم حقائق الإيمان، شيئًا فشيئًا، حسب الطاقة والاستعداد، بما يناسب أحوالهم، ثم عليهم أن يعلموهم معنى العبادة لله، وضرورتها للحفاظ على كيان الإنسان، فهو لا يجد طمأنينته وثقته وقوته وراحته إلا إذا غرس هذا في أعماقه، واستقر في فطرته، فإذا حرم حظه من العبادة تسرب الشقاء إلى نفسه، وضل في الحياة سعيه، مهما أوتي من العلم والذكاء، والقوة والثروة. وبعد الإيمان والعبادة، يأتي الخلق والسلوك، فلا بد أن يكون الآباء قدوة للأبناء في الالتزام بمكارم الأخلاق، والترفع عن الدنايا والرذائل، وإلا فأي جدوى من النصح والوعظ والزجر!!

стр. 195

- يربى الولد على الشجاعة والإقدام، والجود والصبر، والإنصاف والإيثار، والسماحة واليسر، والعفة والأمانة، والمروءة والوفاء، والعزة والكرامة، وهذه أخلاق دعا إليها القرآن، ثم تغرس هذه الصفات في نفوس الناشئة، وتسقى بماء النصح والإرشاد، حتى تصبح ملكة من ملكات النفس، ثم تكون ثمرتها الفضيلة والخير وحب العلم لنفع الدين والأمة والوطن. - من أحسن تربية أولاده، قاموا بواجبه، ورفعوا من مقامه، وكانوا له خدمًا في كبره، يوم لا يجد من يخدمه سوى أولاده البررة، الذين قام بواجبهم في زمن نشأتهم، وكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل. - من النافع المفيد للأولاد وللأسرة جميعًا إيصالهم بالكتاب ذي الفكر النزيه والتوجيه السليم، وإسماعهم الكلمة الطيبة، وهذا يقتضي أن يكون في البيت مكتبة خاصة بالأسرة في المنزل، ووجودها أهم بكثير من التوسع في الأمتعة والزخارف والتحف، التي تشترى بأغلى الأثمان، والطفل عندما يفتح عينيه على مكتبة في المنزل، ويرى أفراد الأسرة يترددون عليها، ويتعاملون معها، قراءة ومراجعة، وإطلاعًا ومساءلة، حينئذ تتكون لديه رغبة في المطالعة وحب القراءة. والله الموفق للصواب، وهو الهادي إلى سواء الصراط.

стр. 196

٣- المقالة الاجتماعية ومن سماتها: أ- تتناول الظواهر الاجتماعية، وتنتقد العادات السيئة، والتقاليد الضارة، وتنفر منها، وترغب في النافع المفيد١. ب- الدقة والتفصيل في عرض الموضوع. جـ- الإقناع بتقديم الحجج السليمة، والأدلة المبنية على المنطق. د- سهولة الألفاظ وقربها من الحياة الواقعية. هـ- وضوح المعاني، وترابطها، والتعليل لها. و تقديم الحلول، أو السخرية الناعمة أو الحادة، إذا كان ما يعرض له الكاتب يستعصي على الحل. ومن كتاب المقالة الاجتماعية: مصطفى لطفي المنفلوطي، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات، ومحمد سعيد عبد المقصود، ومحمد حسن عواد، وأحمد السباعي، وعبد الكريم الجهيمان، وعبد الله بن خميس، وسعد البواردي، ومحمد حسين زيدان"٢ وعائض الردّادي٣، وحمد الدخيِّل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدوسري ... ٤ وغيرهم.

стр. 197

ومن نماذج هذه المقالة ما كتبه مصطفى لطفي المنفلوطي في "النظرات" تحت عنوان "قتيلة الجوع"، ويقول فيها: "قرأت في الصحف منذ أيام أن رجال الشرطة عثروا بجثة امرأة في جبل المقطم فظنوها قتيلة أو منتحرة حتى حضر الطبيب، ففحص أمرها وقرر أنها ماتت جوعًا. تلك أول مرة سمعت فيها بمثل هذه الميتة الشنعاء في مصر، وهذا أول يوم سجلت فيه يد الدهر في جريدة مصائبنا ورزاياها هذا الشقاء الجديد. لم تمت هذه المسكينة في مغارة منقطعة أو بيداء مجهل؛ فنفزع في أمرها إلى قضاء الله وقدره كما نفعل في جميع حوادث الكون التي لا حول لنا فيها ولا حيلة، بل ماتت بين سمع الناس وبصرهم، وفي ملتقى غاديهم برائحهم، ولا بد أنها مرت قبل موتها بكثير من المنازل تطرقها فلم تسمع مجيبًا، ووقفت في طريق كثير من الناس تسألهم المعونة على أمرها فلم تجد من يمد إليها يده بلقمة واحدة تسد بها جوعتها، فما أقسى قلب الإنسان، وما أبعد الرحمة من فؤاده، وما أقدره على الوقوف موقف الثبات والصبر أمام مشاهد البؤس ومواقف الشقاء. لم ذهبت هذه البائسة المسكينة إلى جبل المقطم في ساعتها الأخيرة؟ لعلها ظنت أن الصخر ألين قلبًا من الإنسان فذهبت إليه تبثه شكواها، أو أن الوحش أقرب منه رحمة فجاءته تستجديه فضلة طعامه ... ١".

стр. 198

٤- مقالة الوصف هي تلك التي يعمد فيها الكاتب إلى "تصوير ما يريد أو ما يخطر له أو ما يشاهد في أسلوب مؤثر، يتتبع فيه الدقائق، ويلاحق التفاصيل الصغيرة في المشهد، وينقل أثر ذلك في نفسه، وما يبعث في وجدانه من شجًى أو تخيل، فكأنه الرسام الموهوب يبدع لوحة غنية بتلك الألوان والتقسيمات والنقوش مما يلهم النفس من جميل المعاني، ويوحي إليها من ثَرِيِّ الحياة. وهي بهذا أشمل من قصرها على وصف الطبيعة، ومظاهر الكون، ومعالم الحياة ... "١. والوصف المجرد من وجدان الكاتب وعاطفته ليس أدبًا، فعلى الأديب ألا يقتصر على وصف ما رأى، بل عليه أن ينقل لنا إحساسه وعاطفته بقدر ما يحرص على نقل الأفكار والمضمون من خلال عرضه وتحليله لما يقدم "فالبعد العاطفي والتحليلي عنصران مهمان في حركة الصورة الوصفية يميزانها عن غيرها من الصور المحفوظة المنقولة مادة بلا روح، وواقعًا بلا تفسير كما يفعل المصورون بالآلة اللاقطة"٢. ومن كتابها: مصطفى لطفي المنفلوطي، ومصطفي صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات، والعقاد، ويحيى حِقِّي.. وغيرهم. ومن نماذجها: ما كتبه مصطفى صادق الرافعي في كتابه "وحي القلم" تحت عنوان "موت أم": "رجعت من الجنازة بعد أن غبرت قدمي ساعة في الطريق التي ترابها تراب وأشعة، وكانت في النعش لؤلؤة آدمية محطمة٣، هي زوجة صديق طحطحتها

стр. 199

الأمراض، ففرقتها بين علل الموت، وكان قلبه يحييها، فأخذ يُهلكها، حتى إذا دنا أن يقضي عليها، رحمها الله فقضى فيها قضاءه. ومن ذا الذي مات له مريض بالقلب ولم يَره من قلبه في علة، كالعصفورة التي تهتلك تحت عينيْ ثعبان سلط عليها سموم عينيه. كانت المسكينة في الخامسة والعشرين من سنها، أما في قلبها ففي الثمانين أو فوق ذلك. هي في سن الشباب، وهو متهدم في سن الموت. وكانت فاضلة تقية صالحة، لم تتعلم، ولكن علمتها التقوى الفضيلةَ، وأكمل النساء عندي ليست هي التي ملأت عينيها من الكتب. فهي تنظر إلى الحياة نظرات تحل مشاكل وتخلق مشاكل، ولكنها تلك التي تنظر إلى الدنيا بعين متلألئة بنور الإيمان، تقرأ في كل شيء معناه السماوي، فتؤمن بأحزانها وأفراحها معًا، وتأخذ ما تعطي من يد خالقها رحمة معروفة، أو رحمة مجهولة، وهذه عندي امرأة، ... وتكون الزوجة، ومعناها القوة المسعِدة، وتصير الأم ومعناها التكملة الإلهية لصغارها وزوجها ونفسها١.

стр. 200

٥- المقالة السياسية أ- تنشر في الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية. ب- يتناول كاتبها أمرًا من الأمور الداخلية للبلد الذي تنشر فيه الصحيفة أو المجلة، أو أمرًا خارجيًّا، ويبين رأيه في هذا الأمر، تأييدًا، أو رفضًا، أو نقدًا. جـ- لغتها بسيطة قريبة من لغة الشعب لأنه يخاطب الجماهير ويراعي كل المستويات ... ويناقش قضايا.. وكل ما يقصده هو أن يظهر الحقائق

стр. 201

ويدلل على آرائه، ويناقش آراء الخصوم ويفندها بأسلوبه المنطقي السهل الذي ينأى عن التهويمات، والإغلاق في الخيال، وشدة الانفعال"١. د- غالبًا ما تكون قصيرة. ومن كتابها: عباس العقاد، ومحمد حسنين هيكل، ومصطفى أمين، وعلي أمين، وراشد البراوي، وأحمد بهاء الدين، ولطفي الخولي، وعبد الرحمن الراشد، وغسان سلامة، وجهاد الخازن، وحلمي محمد القاعود، وسلامة أحمد سلامة ... وغيرهم. ومن نماذجها: مقالة جاسر عبد العزيز الجاسر المنشورة في جريدة "الجزيرة"، وهذا نصها: أهداف زيارة رابين ووزرائه إلى جنوب لبنان٢ للأستاذ جاسر عبد العزيز الجاسر أن يكلف إسحاق رابين نفسه ويتعب معه ثلاثة عشر وزيرًا في حكومته مصطحبًا إياهم إلى الشريط اللبناني المحتل، وبالذات إلى مدينة "مرجعيون"، فلا بد أن يكون ذلك لهدف وعمل هام يتطلب هذا الحضور الذي يكاد يكون اجتماعًا طارئًا للحكومة الإسرائيلية، خصص للتفاهم مع "عاملهم" في جنوب لبنان الجنرال أنطوان لحد. اللبنانيون ومعهم متابعو الأحداث في لبنان، تساءلوا عن هذه الزيارة وأبعادها، هل هي للتحضير لاجتياج جديد للبنان..؟ هل هي مظاهرة يراد

стр. 202

بها تخويف المقاومة اللبنانية لمنع تكرار العمليات الفدائية التي زادت وتيرتها في الأيام الأخيرة..؟ هل هناك هدف ثالث للزيارة بحثه رابين ووزراؤه الثلاثة عشر مع "عاملهم" في جنوب لبنان الجنرال أنطوان لحد يتعلق بمصيره ومصير مليشياته إذا تم التفاهم مع لبنان ضمن صفقة سلام الشرق الأوسط..؟ هذه التسؤالات الثلاثة استحوذت على اهتمام اللبنانيين خصوصًا، والمهتمين بالشئون اللبنانية، والدوائر السياسية في المنطقة عمومًا، لما تمثله زيارة رابين ووزرائه من حدث غير اعتيادي في مثل هذه الأيام. لنأخذ الاحتمال الأول، وهو هل الزيارة للتحضير لغزو جديد للبنان؟؟ الصحف اللبنانية اعتبرت أن الزيارة لها هدف واحد فقط وهو التحضير لغزو جديد يستهدف توسيع المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان لإحكام السيطرة على أكبر عدد من القرى والمدن اللبنانية الجنوبية حيث أنها تضم قواعد ومعسكرات رجال المقاومة١، وبما أن إسرائيل قد جربت كل وسائل المواجهة، من مهاجمة القواعد ومعسكرات التدريب، وقصف القري والمدن وحتي خطف بعض قادة المقاومة، إلا أن هذه الوسائل قد فشلت في وضع حد لعمليات المقاومة، ولذا وجدت أن الوسيلة الناجحة للحد من عمليات المقاومة هي احتلال القرى والمدن التي تنطلق منها لضبطها أمنيًّا، وتعتقد الصحف اللبنانية أن إسحاق رابين والوزراء الذين رافقوه كل هدفهم مناقشة الإعداد لكل هذه الأمور مع "عاملهم" أنطوان لحد، إذ إن الغزو الإسرائيلي القادم لن يتبعه خروج، فهدف رابين كما ترى الصحف اللبنانية هو

стр. 203

توسيع المنطقة المحتلة للبقاء فيها واجتثاث أصول المقاومة الوطنية اللبنانية، وهذا يحتاج إلى عمل إضافي من قبل ميليشات أنطوان لحد، زيادة عدد الأفراد، وتكثيف المهمات والأفراد، وكم يحتاج الجنرال لحد من قوات إسرائيلية لدعم ميليشياته التي ثبت عمليًّا أنها ليست قادرة على مواجهة رجال المقاومة الوطنية اللبنانية، وبما أن عناصر الميليشيات هدفها حماية حدود إسرائيل من هجمات رجال المقاومة، فإن واجب رابين ووزرائه تمكينهم من أداء مهمتهم التي ستصبح أكثر صعوبة في حال توسيع منطقة الاحتلال التي تسميها إسرائيل المنطقة الأمنية، وبحث كيفية مساعدة الجنرال أنطوان لحد يحتاج إلى رصد أموال وتجنيد جهات حكومية إسرائيلية أخرى؛ لأن هدف رابين تكوين دويلة فاصلة بين لبنان وإسرائيل يديريها "والٍ" يتبع تل أبيب، لذلك أحضر رابين كل هؤلاء الوزراء لدراسة توفير سبل إنشاء هذه "الدويلة" الفاصلة بين لبنان وإسرائيل. ومن الملاحظ على هذه المقالة السياسية ما يأتي: ١- أنها قصيرة نوعًا ما، وليست طويلة، ليقرأها القارئ في جلسة واحدة. ٢- أنها تتناول حدثًا قريبًا، تناولته وسائل الإعلام المختلفة، من تلفاز، وإذاعة، وصحف.. ٣- أنها تقدم اجتهادًا في فهم الحدث. ٤- تربط الحدث الذي تتناوله "وهو زيارة رابين للشريط المحتل من جنوب لبنان" بالحدث الأكبر الذي يتناوله الإعلام العالمي "وهو الصلح مع إسرائيل"، ويوضح رأيه في هذه القضية.

стр. 204

٥- تتضح لنا شخصية الكاتب من خلال هذه المقالة الموجزة، فهو: أ- قرأ الحدث قراءة واعية مستوعبة. ب- حدد العناصر الرئيسية لفكرته. جـ- حلل هذه العناصر إلى أفكار جزئية. د- ناقش الأفكار التي تطرح على الساحة وبين وجهة نظره: تأييدًا، أو رفضًا، أو تعديلًا. ٦- توصل القارئ في النهاية إلى هدف الكاتب من كتابة مقالته وهو: " ... هدف رابين "من تلك الزيارة" تكوين دولة فاصلة بين لبنان وإسرائيل يديرها "والٍ" يتبع تل أبيب" لذلك أحضر "رابين" كل هؤلاء الوزراء لدراسة توفير سبل إنشاء هذه "الدويلة" الفاصلة بين لبنان وإسرائيل. ومن نماذج المقالة السياسية مقالة الدكتور حلمي محمد القاعود "مقولات شيوعية" المنشورة في زاويته "حفنة سطور" بمجلة الدعوة"١، وهذا نصها: مقولات شيوعية! للدكتور حلمي محمد القاعود بعض الشيوعيين والملاحدة في العالم العربي لا يستحيون من الناس ولا من أنفسهم، ومهما كانت الحقائق واضحة كالشمس، فإنهم لا يتورعون عن ترديد أكاذيبهم وأباطيلهم عملًا بنظرية الألماني "جوبلز" الذي يرى في ترديد الأكاذيب والإلحاح عليها سبيلًا إلى تحويلها إلى حقائق!

стр. 205

وما تكاد ذكرى العبور في حرب رمضان المجيدة تعود، حتى ينطلق الشيوعيون في ترديد مقولات تتحدث عن مساعدة السوفيت الشيوعيين للدول العربية، وعن دور القطاع العام، وعن العلم وأثره في تحقيق العبور إلى الضفة الشرقية من سيناء. والواقع يؤكد أن السوفييت الشيوعيين كانوا سببًا رئيسًا من أسباب الهزيمة عام ١٩٦٧، وأن الأمر لو كان بيدهم في حرب رمضان ١٣٩٣هـ "أكتوبر ١٩٧٣م" ما سمحوا بها أصلًا، وأن تسليحهم لبعض الجيوش العربية كان تسليحا رديئا، ولولا التعويض بالإيمان والعقيدة الصحيحة ما حقق المقاتلون شيئا، ويكفي أنهم قالوا إن خط بارليف يحتاج إلى قنبلة ذرية لتدميره، وإن عبور الجيش المصري سيكلفه معظم أفراده، ولكن خيب الله ظنهم وظن الشيوعيين العرب. أما القطاع العام -وهو الشركات التي تملكها الدولة- فقد كان دورها -خصوصًا في مجالات البناء والتشييد- فعالا ومؤثرا، ومنها تلك التي قامت ببناء قواعد الصواريخ تحت وابل القصف الإسرائيلي، لسبب بسيط جدا هو أن الأغلبية الساحقة من كوادر هذه الشركات كانت من المتدينين، ومعظمهم من الذين قضوا في سجون الحاكم التقدمي ومعتقلاته زهرة أعمارهم. لقد تغلبت عقديتهم على كل المخاطر والآلام، واستجابت لداعي الجهاد، فكان هذا التفوق، الذي يقابله انهيار ملحوظ في شركات أخرى بالقطاع العام كانت تعمل على الجبهة الداخلية! ويظن بعض الشيوعيين العرب أن العلم نقيض الإسلام، والمسألة ليست كما يظنون، فالأبناء المتدينون الذين عبروا، وحاربوا، وهتفوا: "الله أكبر" كانوا من طليعة الشباب المسلم المتعلم المؤهل الذي يعرف حقيقة النداء الإلهي ومغزاه

стр. 206

في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ الذي كان أول نداء ينزل به الوحي على قائد هذه الأمة ﷺ . أما ما يتندر به الشيوعيون العرب من رؤية بعض المحاربين المسلمين لكرامات معينة في ميدان القتال، فله حديث آخر إن شاء الله، ولكننا نقول بصفة عامة: إن الشيوعي الذي يؤمن أن ميدان نضاله هو فيتنام قبل فلسطين، لا يصح له بحال أن يتكلم عن حرب العبور. ومن الملاحظ على هذه المقالة: ١- أنها قصيرة، فقد نشرت في زاوية كان يكتبها صاحبها أسبوعيًّا، قبل أن يجمعها في كتاب. ٢- أنها تتناول حدثًا كثر فيه اللغط من جماعة من الناس، وتبين وجه الحقيقة فيه. ٣- أن الكاتب يورد دعاوى الشيوعيين ثم يرد عليها ويفندها، فكرة فكرة. ٤- لغته قريبة من لغة الصحافة، وإن كان يستخدم أسماء بعض الأعلام مثل "جوبلز"، وبعض المذاهب السياسية مثل "الشيوعية"، وبعض الأمور الحربية في فترة معينة مثل "خط بارليف"، وبعض الأمور الاقتصادية ذات التعريف المحدد، مثل "القطاع العام"، وعلى القارئ للمقالة السياسية أن يكون مستعدًّا لمقابلة أمثال هذه الأشياء. ٥- من أهداف المقالة السياسية أن تقنع قارئها بصدق ما تطرحه، وقد طمحت مقالة الدكتور حلمي القاعود أن تكشف وجه الشيوعيين العرب، وأطروحاتهم الكاذبة، وقد نجحت كثيرًا في ذلك.

стр. 207

٦- المقالة النقدية: الغالب عليها هو منهج البحث العلمي وما يقتضيه من جمع المادة وترتيبها وتنسيقها وعرضها بأسلوب واضح جلي لا يورط القارئ في اللبس، ولا يقوده إلى مجاهل التعمية والإبهام، ولذا يعنى الكاتب بوضع تصميم دقيق، وخطة محكمة لما يكتب حتى لا يضل قارئه السبيل، ولا بد في هذا النوع من المقالة أن يكون له مقدمة، وعرض، وخاتمة، وخطة يسير عليها، ويصل إلى نتائج في النهاية. وتعتمد على قدرة الكاتب على تذوق الأثر الأدبي أو مناقشة القضية التي يعرض لها، ثم تعليل الأحكام وتفسيرها وتقويم الأثر بوجه عام. ومن أشهر كتابها: المازني، وسيد قطب، ووديع فلسطين، وعبد الحميد إبراهيم، وشكري عياد، ومحمد مصطفى هدارة، وعبد القدوس أبو صالح، ومحمد رجب البيومي، ومحمد بن سعد بن حسين، وأحمد هيكل، وحسين سرحان، ومحمد بن عبد الرحمن الربيع، ورجاء النقاش، وفاروق عبد القادر.. وغيرهم. ومن نماذجها: مقالة الدكتور عبد القادر القط: "إلى أين يسير الشعر؟ "١. إلى أين يسير الشعر؟ للدكتور عبد القادر القط حين ظهر الشعر الحر -أو شعر التفعيلة- منذ أكثر من أربعين عاما، وقف معظم محبي الشعر حينذاك منه موقف الخصومة، إذ رأوا فيه خروجا على المألوف في العروض والمعجم الشعري وبناء العبارة الشعرية. لكنهم ما لبثوا

стр. 208

بمرور الزمن ومتابعة نماذج شعرية متميزة فيه أن اطمأنوا إليه وكفوا عن قياسه إلى القديم، وأخذوا يتذوقونه بمعايير جديدة مستمدة من نظريته التي بينها النقاد، ومن نماذجه التي أبدعها الرواد من الشعراء. وقد أعانهم على ذلك التحول من موقف الخصومة الحادة إلى موقف القبول أنهم أدركوا بعد أن زالت صدمة المواجهة الأولى أن الصلة لم تكن مقطوعة بين التراث والنماذج الجيدة من ذلك الشعر في مرحلته الباكرة، وأن رواده الأوائل قد بدأوا حياتهم الشعرية في الشكل العمودي المألوف، وإن جاءت قصائدهم ذات طابع عصري في التجربة والمعجم والصورة الفنية بوجه عام. وهكذا ظلت نماذجهم الأولى من الشعر الحر محتفظة بشيء غير قليل من سمات الشعر العربي قبل ظهور ذلك الشكل الجديد. وتلا جيلَ الرواد جيلٌ آخر ساروا بتجربة التجديد إلى مدى أبعد، وخلا شعرهم من عثرات التجربة الأولى، وبدا أقل حفاظًا على مقومات الشعر العمودي ليصل إلى "صيغة" شعرية جديدة لا تخلو من امتداد للتراث لكنها تحاول أن تبتكر لنفسها أسلوبها الخاص وإيقاعها المتميز. وعاشت النماذج الجيدة في ذلك الشكل الجديد جنبًا إلى جنب مع القصيدة العمودية العصرية، وإن زاد شعراؤه يوما بعد يوم، وزاد إقبال الناس على نماذجه حتى كاد يطغى لدى شباب القراءة على الشكل القديم، وإن ظلوا يطربون لإيقاع القصيدة العمودية إذا كانت ذات طابع حديث متميز ولم تكن مجرد تقليد نمطي للشعر العربي القديم. على أن طائفة من هؤلاء الشعراء في الوطن العربي كله تجاوزت تجديد جيل الرواد ومن تلاهم إلى ضروب من التجريب والتجديد التي تواجه قارئ الشعر

стр. 209

بنماذج من طراز غريب عليه، يثير في نفسه كثيرًا من القلق والعجب، وينسب هؤلاء الشعراء أنفسهم -وينسبهم النقاد- إلى ما أصبح يعرف بالحداثة ويتميز عن اتجاهات الشعر الحر الأولى سواء في طبيعة التجربة أم الصور الشعرية. أما التجربة فارتدَّت -في أغلب الأحوال- من الواقع الخارجي إلى العالم النفسي الباطني للشاعر، فأصبح الواقع الخارجي مجرد "مثير" لما يختزنه عقله الباطن من ذكريات وتجارب. وأما الصور فتمثلت في معجم شعري جديد قد يستخدم الشاعر فيه الألفاظ في غير معناها المألوف، وقد يصوغ منها مشتقات جديدة، وقد يورد عن قصد ألفاظا هي عربية في الأصل ولكنها أصبحت لصيقة بالعامية. كما تمثلت في بناء خاص للعبارة يخرج في كثير من الأحيان على منطق اللغة ليستجيب لطبيعة التجربة الباطنة ومنطقها الخاص الذي يقوم على أوهى الروابط، أو يقفز من خاطرة إلى خاطرة ومن إحساس إلى إحساس بأسلوب "التداعي الحر" للمعاني والألفاظ. وقد يبني الشاعر بعض عباراته وصوره على مقتبسات من التاريخ أو الأسطورة أو المعاني الصوفية أو الدينية. وكلما اهتدى الشاعر إلى اقتباس جديد أسرع الشعراء الآخرون فأخذوه عنه، حتى تشابهت أشعارهم في كثير من الأحيان، وقلت فيها الأصوات المتميزة بسمات وخصائص معروفة. ومع أن إضفاء دلالات على الألفاظ وبناء العبارة على نحو مبتكر هما من الغايات الأولى لأي شعر أصيل، فإن الأمر عند هؤلاء الشعراء يتجاوز الحد المقبول في كثير من الأحيان ليبدو في صورة حذلقة لغوية أحيانًا أو يبدو عبثًا أسلوبيًّا وسعيًا مقصودًا وراء الغموض المغلق الذي لا يشف عن معنى أو

стр. 210

يوحي بدلالة. وقد لا يكون أصحابه أقدر المواهب الشعرية العربية، لكنهم بلا شك أعلى الشعراء صوتًا وأكثرهم شغبًا على من يساندهم من النقاد ومن لا يسير على نهجهم من العراء، وهكذا غطوا على أصوات أكثر اعتدالًا وأسمى موهبة حتي بدا أن اتجاههم أصبح يمثل التيار الرئيس للشعر العربي المعاصر. وبدأ محبو الشعر يحسون من جديد بشيء غير قليل من الغربة أمام نماذج ذلك الشعر الذي قلت فيه الرموز المشتركة بينهم وبين مبدعيه. فالتجربة المستمدة من العقل الباطن قد يكون لها رموزها الإنسانية العامة، لكن لها مع ذلك رموزها الشخصية الخاصة بالنابعة من الطفولة والنشأة والبيئة. وتظل تلك الرموز الشخصية عالمًا مغلقًا يعز فهمه حتى على الشاعر نفسه كما يعز تفسير الأحلام. ويزيد الغموض انغلاقا بما يقصده إليه الشعراء من إسراف في تفكك العبارة والنقلات السريعة من خاطرة إلى خاطرة، وما أشرنا إليه من استخدام الألفاظ بمدلولات بعيدة لا تجيء من طبيعة الأصالة والابتكار بمقدار ما تأتي من الاعتقاد بأن الغموض قرين العمل وأن الوضوح نظير السطحية في كل الأحوال. وبدأ المتلقون والمبدعون يتبادلون الاتهام. المتلقون يرمون الشعراء بأنهم يتجاهلون هموم العصر وقضايا الحياة ويقصدون قصدًا إلى الحذلقة ويتعالون على الناس. والشعراء يتهمون القراء بالتخلف والعجز عن مسايرة "الحداثة" ويحتجون بأنهم لا يمكن أن يفرضوا على مواهبهم "الذوق العام" الذي يلتمس في الشعر معاني واضحة ومعجمًا مألوفًا وصورًا مكررة. وهم في كلامهم عن "الحداثة" يصورونها كأنها "مذهب" أدبي خاص كالواقعية، والوجدانية أو الرمزية على حين أنها في الحقيقة ليست مذهبًا في الأدب بل هي صفة للأدب.

стр. 211

تدل على أنه يستجيب لمقتضيات العصر في تجربته ولغته وصورته الفنية. ولكل عصر حداثته الخاصة، وقد يكون للحداثة في العصر الواحد أكثر من مظهر واتجاه. ومن حق أبناء كل عصر أن يجدوا أنفسهم في أدب عصرهم وإلا انتفت عنه الحداثة. ولكل عصر تياره الأدبي العام السائد، تواكبه تيارات فرعية نابعة منه أو مستقلة عنه، لكنها لا تزعم لنفسها السيطرة التامة على المواهب والأذواق ما دامت عاجزة عن الوصول إلى متلقي الأدب الذين يدركون بثقافتهم ووعيهم التحول من القديم إلى الجديد، ويحسنون الظن بالجديد ولا يقيسونه دائمًا إلى القديم، ومع ذلك لا يستطيعون أن يعايشوا تلك التيارات المسرفة في التجريب والتجديد. فاللغة ليست مجرد أصوات كالموسيقا ولا مجرد خطوط كالرسم، بل هي كلمات ذات دلالات مألوفة وأبنية معروفة يكسبها الشاعر الموهوب دلالات جديدة ويستخرج منها أبنية مبتكرة، ولكنه لن يستطيع أن يخلصها تمامًا من معانيها وأبنيتها المعروفة لدى الناس. ولا شك أن "التجريب" وسيلة مشروعة ومطلوبة في أي فن من فنون الأدب. وهو الطريق إلى تجنب الجمود وإلى مسايرة المراحل الحضارية المتعاقبة. لكنه لا ينبغي أن يكون مقصودًا لذاته ولا أن يتجاهل استجابة المعاصرين أو إعراضهم عنه إذا أتيح له المدى الزمني المعقول ليخلص من عثرات التجربة وتقترب نماذجه من النضج وتمحو معايشة المتلقي له ما قام في نفسه في البداية من شعور بالغرابة. وقد أتيح لشعراء "الحداثة" هذا المدى الزمني المفروض، فانقضى على بداية اتجاههم نحو عشرين سنة، ولقي من وسائل النشر ما يسر وصوله إلى القراء. ومع ذلك ما زال يتعثر في تجربته وتزداد عزلته يومًا بعد يوم عن القراء، برغم

стр. 212

جهود كثيرة من النقاد لبيان نظريته وتقديم نماذجه.. والمألوف في أي تيار أدبي جديد أن يلقى شيئًا من الصد أو الخصومة في البداية، لكنه -إذا كان مبشرا بمذهب يوشك أن يظهر ويسود لأنه يعبر عن مرحلة جديدة يوشك المجتمع أن ينتقل إليها- لا بد أن يجد طريقه إلى الناس في النهاية بقراءة نصوصه ومتابعة نظرياته. أما إذا طال الأمد على هذا النحو وظلت الغربة قائمة بين النص والمتلقي فلا بد أن يعيد الشعراء والنقاد النظر في ذلك المذهب الجديد، فليس الشعر مجرد "تنفيس" عن هموم الشاعر دون تفكير في التواصل مع الآخرين، وليست لحظة الإبداع "غيبوبة" فنية تأتي بما لا مجال لإعادة النظر فيه على ضوء موقف أبناء العصر منه، وبمقدار قدرته على التأثير في حياة الناس وإمتاعهم أو عجزه عن التأثير والإمتاع. ولن يغني عن الشعراء في هذا المقام ما يقولونه ويقوله بعض النقاد المنتصرين لذلك الاتجاه من تعبيرات ذات إيقاع ضخم ودلالة غير محدودة، كقولهم: إن الشاعر لا بد أن "يفجر" اللغة. ولن يستطيع شاعر مهما تكن قدرته وموهبته أن يفجر اللغة، فيعيد صياغة ألفاظها وعباراتها وأساليبها على نحو جديد. وغاية الشاعر المجدد الموهوب أن يخلع على بعض الألفاظ بعض الدلالات الجديدة ويضعها في سياق غير مألوف، ويبني عبارته الشعرية بناء متميزا يتجنب الأنماط المكررة والصيغ المستهلكة والمجازات التي فقدت أصالتها لطول ما استخدمها الشعراء. لكن أنصار هذا الاتجاه من النقاد يجارون الشعراء في أساليبهم الغامضة ويدرسون شعرهم بمناهج نقدية لا تعترف بالتقويم، وتقنع بالتحليل الشكلي للنص الشعري فيتساوى عندها الجيد والرديء إذ يشتركان في ظواهر شكلية واحدة. وهم بهذا يبررون للمغالين في التجريب ما في شعرهم

стр. 213

من غموض وتفكك. ولا شك أن بعض هؤلاء المجربين من ذوي المواهب والثقافة يدركون حقيقة ما يصنعون، لكن كثيرًا منهم أيضًا شعراء غير موهوبين يسيرون في ركاب ذلك الاتجاه على غير هدى ويغطون عجز الموهبة وقلة الثقافة بما يبدو أنه تجريب وتجديد، وهو في الحقيقة عبث لغوي وأسلوبي يباعد بين الشعراء والمتلقين. فليس من اليسير أن يخرج الشاعر على قوانين اللغة وأعرافها ويقدمها إلى الناس في شكل جديد، إلا إذا أوتي الموهبة القادرة والمعرفة الواسعة بالتراث والسيطرة الكاملة على اللغة في ألفاظها وأساليبها وإيقاعها، مع إدراك لطبيعة العصر الذي يعيش فيه، وقدرات قراء شعره وأذواقهم وما يلتمسون في الشعر من متعة ومعرفة. ومن الإنصاف لشعراء هذا الاتجاه أن نذكر أنهم ليسوا بدعًا في الشعر العالمي الحديث، وإن ما يجري في الوطن العربي من نزوع إلى التجريب والتجديد له نظائر كثيرة في الشعر الغربي، وأن بعض الاتجاهات العربية الحديثة قد تأثرت في نشأتها بنظريات ونماذج غربية أو بشعراء كبار في الوطن العربي، صادفت تلك النظريات والنماذج هوى في نفوسهم ثم انتقلت على أيديهم إلى تلاميذهم ومريديهم من الشباب. على أن أمر التجديد في الغرب والوطن العربي يختلف في ظروفه الفكرية والحضارية، وفي طبيعة من يتلقى ذلك التجديد هنا وهناك. فالحضارة الغربية -على حداثتها- قد مرت خلال ما لا يزيد على خمسة قرون بمراحل حضارية مختلفة اختلافًا شاملًا وحاسمًا فأصبح لكل مرحلة "مذهبها" الأدبي المتميز الذي يعبر عن طبيعتها ويرضي حاجتها الفنية والفكرية، من "كلاسيكية" جديدة إلى "رومانسية" ثم "واقعية" إلى رمز وتجريد غير ذلك. وأدرك المتلقون سنة التجدد والتحول، وتشكلت أذواق كل عصر حسب طبيعته.

стр. 214

الحضارية فلم يعد ممكنا أن "تتعايش" تلك المذاهب الأدبية الكبرى في عصر واحد، فإذا دخل الأدب عصر الرومانسية لم يعد مقبولا أن يكتب الأديب أدبًا كلاسيكيا، وإذا انقضت الرومانسية ونشأت الواقعية لم يعد للومانسية مكان في العصر الجديد. ولكثرة ما يطرأ على المجتمع الغربي من تحولات حضارية وما يصاحبها من تجديد في جميع وجوه الحياة ومن بينها الأدب، أصبح التجديد والتجريب شيئًا مألوفًا عند المبدع والمتلقي على السواء، حتى انتهى إلى ما يشبه الترف الفني الذي يغدو معه البحث عن أشكال جديدة مقصودًا لذاته في بعض الأحيان، ولا بأس أن يظهر لديهم من حين إلى آخر اتجاه جديد في المسرحية أو الرواية أو الشعر يستقبله الناس بترحاب وحسن ظن. ثم ما يلبث أن ينقضي بعد حين ويظل هناك تيار رئيس سائد يمثل طبيعة العصر العامة وفهم جمهور الأدب لطبيعة الأدب وغايته. أما الوطن العربي فإنه -برغم ما طرأ عليه من تحولات حديثة كبيرة- لم يمر بعد بتلك النقلات الحضارية الشاملة والحاسمة التي تستدعي مذهبًا أدبيًّا سائدًا له تميزه الواضح في النظرية والتطبيق، ولم يألف بعد تلك المحاولات التجريبية الفرعية التي لا يجد الناس بأسًا من استقبالها بشيء من حسن الظن ويتركون مصير بقائها أو زوالها للممارسة والزمن، لذلك تبدو دعوى أصحاب شعر "الحداثة" بأنهم وحدهم يمثلون حداثة العصر الشعرية وأن رواد الشعر الحر قد أصبحوا عند القارئ العصري مجرد تراث، ولم يمض على ظهورهم أكثر من خمسين عامًا، وأن من تلا ذلك الجيل الرائد يقفون في برزخ بين العتيق والحداثة، دعوى فيها كثير من الإسراف والغرور وتجاهل طبيعة المجتمع وأذواق محبي الشعر. وهي حين تغطي -من خلال الصخب والحركة الدائبة التي يتسم

стр. 215

بها أصحابها- على المواهب الأصيلة والنماذج المتم يزة في الشعر الحر، تلحق الأذى بالحركة الشعرية كلها وتكاد تصرف محبي الشعر عنه جميعا. وقد أصبحت تلك الحقيقة شيئًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، فأخذت دائرة المتلقين تضيق يومًا بعد يوم، ولم يعد للشعر من منفذ إليهم إلا في أمسية شعرية أو مهرجان شعري يستمعون إلى الشعر فيه من خلال إطار من "السمر الاجتماعي"، ويحاول الشعراء أن يصلوا إلى وجدان المستمعين بحسن الإلقاء والتمثيل ويستجيب الحاضرون بشيء من المجاملة المفروضة. ثم ينفضُّ السامر ولا يبقى منه في نفوس من حضروه إلا نثار من جمل شعرية هنا أو هناك أو بقايا من دعابات وحوار بين الأصدقاء. وقد يكون في الأمسية نماذج شعرية طيبة يضيع صداها في ضجيج الحلقات اللغوية والإلقاء التمثيلي، ويخبو وهجها أمام ظلمة الغموض والتعقيد. وهؤلاء الشعراء حين يتجاهلون ميول المتلقين وطبيعة البيئة والعصر يتجاهلون في الوقت نفسه حقيقة تفرض نفسها على كل من يحرص على وجود الشعر ومستقبله وعلى بقاء الصلة بين مبدعيه ومتلقيه. فقد أصبح من الواضح لمن يتابع حركة الأدب في المجتمع العربي في السنوات الأخيرة أن الشعر لم يعد له مكان الصدارة بين فنون القول، وأن وجوده أخذ في الانحسار أمام الفن القصصي والفن التمثيلي. ويؤثر أغلب الناس في هذه الأيام أن يقرءوا رواية عصرية قصيرة أو مجموعة من القصص أو يشاهدوا تمثيلية أو مسلسلًا على أن يقرأوا ديوانًا من الشعر يواجهون فيه ما لا طاقة لهم به من تجريب لغوي وأسلوبي وتجارب باطنية غامضة بعيدة عن همومهم وعن طبيعة العصر الذي يعيشون فيه. وإذا كان في نفس أغلب الناس نزعة فطرية إلى الشعر فقد أصبح يرضيها حوار شعري في مشهد تمثيلي، أو وصف جيد لشخصية، أو موقف في
следующие страницы →