← Адаб

Адаб · id 7585

التحرير الأدبي

حسين على محمد

Полный текст (476 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تدل على أنه يستجيب لمقتضيات العصر في تجربته ولغته وصورته الفنية. ولكل عصر حداثته الخاصة، وقد يكون للحداثة في العصر الواحد أكثر من مظهر واتجاه. ومن حق أبناء كل عصر أن يجدوا أنفسهم في أدب عصرهم وإلا انتفت عنه الحداثة. ولكل عصر تياره الأدبي العام السائد، تواكبه تيارات فرعية نابعة منه أو مستقلة عنه، لكنها لا تزعم لنفسها السيطرة التامة على المواهب والأذواق ما دامت عاجزة عن الوصول إلى متلقي الأدب الذين يدركون بثقافتهم ووعيهم التحول من القديم إلى الجديد، ويحسنون الظن بالجديد ولا يقيسونه دائمًا إلى القديم، ومع ذلك لا يستطيعون أن يعايشوا تلك التيارات المسرفة في التجريب والتجديد. فاللغة ليست مجرد أصوات كالموسيقا ولا مجرد خطوط كالرسم، بل هي كلمات ذات دلالات مألوفة وأبنية معروفة يكسبها الشاعر الموهوب دلالات جديدة ويستخرج منها أبنية مبتكرة، ولكنه لن يستطيع أن يخلصها تمامًا من معانيها وأبنيتها المعروفة لدى الناس. ولا شك أن "التجريب" وسيلة مشروعة ومطلوبة في أي فن من فنون الأدب. وهو الطريق إلى تجنب الجمود وإلى مسايرة المراحل الحضارية المتعاقبة. لكنه لا ينبغي أن يكون مقصودًا لذاته ولا أن يتجاهل استجابة المعاصرين أو إعراضهم عنه إذا أتيح له المدى الزمني المعقول ليخلص من عثرات التجربة وتقترب نماذجه من النضج وتمحو معايشة المتلقي له ما قام في نفسه في البداية من شعور بالغرابة. وقد أتيح لشعراء "الحداثة" هذا المدى الزمني المفروض، فانقضى على بداية اتجاههم نحو عشرين سنة، ولقي من وسائل النشر ما يسر وصوله إلى القراء. ومع ذلك ما زال يتعثر في تجربته وتزداد عزلته يومًا بعد يوم عن القراء، برغم

стр. 212

جهود كثيرة من النقاد لبيان نظريته وتقديم نماذجه.. والمألوف في أي تيار أدبي جديد أن يلقى شيئًا من الصد أو الخصومة في البداية، لكنه -إذا كان مبشرا بمذهب يوشك أن يظهر ويسود لأنه يعبر عن مرحلة جديدة يوشك المجتمع أن ينتقل إليها- لا بد أن يجد طريقه إلى الناس في النهاية بقراءة نصوصه ومتابعة نظرياته. أما إذا طال الأمد على هذا النحو وظلت الغربة قائمة بين النص والمتلقي فلا بد أن يعيد الشعراء والنقاد النظر في ذلك المذهب الجديد، فليس الشعر مجرد "تنفيس" عن هموم الشاعر دون تفكير في التواصل مع الآخرين، وليست لحظة الإبداع "غيبوبة" فنية تأتي بما لا مجال لإعادة النظر فيه على ضوء موقف أبناء العصر منه، وبمقدار قدرته على التأثير في حياة الناس وإمتاعهم أو عجزه عن التأثير والإمتاع. ولن يغني عن الشعراء في هذا المقام ما يقولونه ويقوله بعض النقاد المنتصرين لذلك الاتجاه من تعبيرات ذات إيقاع ضخم ودلالة غير محدودة، كقولهم: إن الشاعر لا بد أن "يفجر" اللغة. ولن يستطيع شاعر مهما تكن قدرته وموهبته أن يفجر اللغة، فيعيد صياغة ألفاظها وعباراتها وأساليبها على نحو جديد. وغاية الشاعر المجدد الموهوب أن يخلع على بعض الألفاظ بعض الدلالات الجديدة ويضعها في سياق غير مألوف، ويبني عبارته الشعرية بناء متميزا يتجنب الأنماط المكررة والصيغ المستهلكة والمجازات التي فقدت أصالتها لطول ما استخدمها الشعراء. لكن أنصار هذا الاتجاه من النقاد يجارون الشعراء في أساليبهم الغامضة ويدرسون شعرهم بمناهج نقدية لا تعترف بالتقويم، وتقنع بالتحليل الشكلي للنص الشعري فيتساوى عندها الجيد والرديء إذ يشتركان في ظواهر شكلية واحدة. وهم بهذا يبررون للمغالين في التجريب ما في شعرهم

стр. 213

من غموض وتفكك. ولا شك أن بعض هؤلاء المجربين من ذوي المواهب والثقافة يدركون حقيقة ما يصنعون، لكن كثيرًا منهم أيضًا شعراء غير موهوبين يسيرون في ركاب ذلك الاتجاه على غير هدى ويغطون عجز الموهبة وقلة الثقافة بما يبدو أنه تجريب وتجديد، وهو في الحقيقة عبث لغوي وأسلوبي يباعد بين الشعراء والمتلقين. فليس من اليسير أن يخرج الشاعر على قوانين اللغة وأعرافها ويقدمها إلى الناس في شكل جديد، إلا إذا أوتي الموهبة القادرة والمعرفة الواسعة بالتراث والسيطرة الكاملة على اللغة في ألفاظها وأساليبها وإيقاعها، مع إدراك لطبيعة العصر الذي يعيش فيه، وقدرات قراء شعره وأذواقهم وما يلتمسون في الشعر من متعة ومعرفة. ومن الإنصاف لشعراء هذا الاتجاه أن نذكر أنهم ليسوا بدعًا في الشعر العالمي الحديث، وإن ما يجري في الوطن العربي من نزوع إلى التجريب والتجديد له نظائر كثيرة في الشعر الغربي، وأن بعض الاتجاهات العربية الحديثة قد تأثرت في نشأتها بنظريات ونماذج غربية أو بشعراء كبار في الوطن العربي، صادفت تلك النظريات والنماذج هوى في نفوسهم ثم انتقلت على أيديهم إلى تلاميذهم ومريديهم من الشباب. على أن أمر التجديد في الغرب والوطن العربي يختلف في ظروفه الفكرية والحضارية، وفي طبيعة من يتلقى ذلك التجديد هنا وهناك. فالحضارة الغربية -على حداثتها- قد مرت خلال ما لا يزيد على خمسة قرون بمراحل حضارية مختلفة اختلافًا شاملًا وحاسمًا فأصبح لكل مرحلة "مذهبها" الأدبي المتميز الذي يعبر عن طبيعتها ويرضي حاجتها الفنية والفكرية، من "كلاسيكية" جديدة إلى "رومانسية" ثم "واقعية" إلى رمز وتجريد غير ذلك. وأدرك المتلقون سنة التجدد والتحول، وتشكلت أذواق كل عصر حسب طبيعته.

стр. 214

الحضارية فلم يعد ممكنا أن "تتعايش" تلك المذاهب الأدبية الكبرى في عصر واحد، فإذا دخل الأدب عصر الرومانسية لم يعد مقبولا أن يكتب الأديب أدبًا كلاسيكيا، وإذا انقضت الرومانسية ونشأت الواقعية لم يعد للومانسية مكان في العصر الجديد. ولكثرة ما يطرأ على المجتمع الغربي من تحولات حضارية وما يصاحبها من تجديد في جميع وجوه الحياة ومن بينها الأدب، أصبح التجديد والتجريب شيئًا مألوفًا عند المبدع والمتلقي على السواء، حتى انتهى إلى ما يشبه الترف الفني الذي يغدو معه البحث عن أشكال جديدة مقصودًا لذاته في بعض الأحيان، ولا بأس أن يظهر لديهم من حين إلى آخر اتجاه جديد في المسرحية أو الرواية أو الشعر يستقبله الناس بترحاب وحسن ظن. ثم ما يلبث أن ينقضي بعد حين ويظل هناك تيار رئيس سائد يمثل طبيعة العصر العامة وفهم جمهور الأدب لطبيعة الأدب وغايته. أما الوطن العربي فإنه -برغم ما طرأ عليه من تحولات حديثة كبيرة- لم يمر بعد بتلك النقلات الحضارية الشاملة والحاسمة التي تستدعي مذهبًا أدبيًّا سائدًا له تميزه الواضح في النظرية والتطبيق، ولم يألف بعد تلك المحاولات التجريبية الفرعية التي لا يجد الناس بأسًا من استقبالها بشيء من حسن الظن ويتركون مصير بقائها أو زوالها للممارسة والزمن، لذلك تبدو دعوى أصحاب شعر "الحداثة" بأنهم وحدهم يمثلون حداثة العصر الشعرية وأن رواد الشعر الحر قد أصبحوا عند القارئ العصري مجرد تراث، ولم يمض على ظهورهم أكثر من خمسين عامًا، وأن من تلا ذلك الجيل الرائد يقفون في برزخ بين العتيق والحداثة، دعوى فيها كثير من الإسراف والغرور وتجاهل طبيعة المجتمع وأذواق محبي الشعر. وهي حين تغطي -من خلال الصخب والحركة الدائبة التي يتسم

стр. 215

بها أصحابها- على المواهب الأصيلة والنماذج المتم يزة في الشعر الحر، تلحق الأذى بالحركة الشعرية كلها وتكاد تصرف محبي الشعر عنه جميعا. وقد أصبحت تلك الحقيقة شيئًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، فأخذت دائرة المتلقين تضيق يومًا بعد يوم، ولم يعد للشعر من منفذ إليهم إلا في أمسية شعرية أو مهرجان شعري يستمعون إلى الشعر فيه من خلال إطار من "السمر الاجتماعي"، ويحاول الشعراء أن يصلوا إلى وجدان المستمعين بحسن الإلقاء والتمثيل ويستجيب الحاضرون بشيء من المجاملة المفروضة. ثم ينفضُّ السامر ولا يبقى منه في نفوس من حضروه إلا نثار من جمل شعرية هنا أو هناك أو بقايا من دعابات وحوار بين الأصدقاء. وقد يكون في الأمسية نماذج شعرية طيبة يضيع صداها في ضجيج الحلقات اللغوية والإلقاء التمثيلي، ويخبو وهجها أمام ظلمة الغموض والتعقيد. وهؤلاء الشعراء حين يتجاهلون ميول المتلقين وطبيعة البيئة والعصر يتجاهلون في الوقت نفسه حقيقة تفرض نفسها على كل من يحرص على وجود الشعر ومستقبله وعلى بقاء الصلة بين مبدعيه ومتلقيه. فقد أصبح من الواضح لمن يتابع حركة الأدب في المجتمع العربي في السنوات الأخيرة أن الشعر لم يعد له مكان الصدارة بين فنون القول، وأن وجوده أخذ في الانحسار أمام الفن القصصي والفن التمثيلي. ويؤثر أغلب الناس في هذه الأيام أن يقرءوا رواية عصرية قصيرة أو مجموعة من القصص أو يشاهدوا تمثيلية أو مسلسلًا على أن يقرأوا ديوانًا من الشعر يواجهون فيه ما لا طاقة لهم به من تجريب لغوي وأسلوبي وتجارب باطنية غامضة بعيدة عن همومهم وعن طبيعة العصر الذي يعيشون فيه. وإذا كان في نفس أغلب الناس نزعة فطرية إلى الشعر فقد أصبح يرضيها حوار شعري في مشهد تمثيلي، أو وصف جيد لشخصية، أو موقف في

стр. 216

رواية أو قصة، أو أداء بارع في التمثيل لمشهد أو شخصية أو موقف. بل لقد أصبحت تلك النزعة الشعرية الفطرية تكتفي أحيانًا بمناظر طبيعية جميلة مصورة يصاحبها شيء من الموسيقا التصويرية الجميلة. ولا يعود إيثار الناس للقصة والرواية إلى أن الفن القصصي فن محافظ لا يواجه القراء بما يواجهونه في الشعر من تجديد. ففي الوطن العربي نهضة قصصية مرموقة ذات ثمار مختلفة طيبة لا تنقصها الحداثة، لكن أصحابها لا يتعالون على القراء كما يفعل شعراء الحداثة، ولا يتجاهلون قضايا العصر ومشكلاته ونماذجه البشرية، وهم على اختلاف حظوظهم من الحداثة أقرب إلى نفوس القراء من شعراء التجريب والتجريد، ومع ذلك فهم أكثر تواضعًا وأخفض صوتًا وأقل اتهامًا للقراء والنقاد. ولعل الإحساس الغامض بأزمة شعرية كان من وراء اتجاه بعض الأدباء إلى ما أسموه "قصيدة النثر" مقتبسين اسمها وطبيعتها من الآداب الأوروبية، إلى جانب تأثرهم بمفهوم خاص للشعر لا يتقيد بمعاييره الشكلية المعروفة، ولعلهم قدروا أن ذلك الشكل الذي يجمع بين الشعر والنثر قد ينفذ بالشعر من تلك الدائرة الضيقة إلى جمهور أوسع من المتلقين. وقد عرف النثر العربي الحديث نماذج كثيرة قريبة من قصيدة النثر عرفها الناس باسم "النثر الفني"، ولم يزعم أصحابها أنهم يكتبون "قصائد نثرية" ويعترض كثيرون على هذه التسمية -لا لمجرد أنها تخلط بين الشعر والنثر - ولكن لما قادت إليه من محاكاة مقصودة لبعض مقومات شعر الحداثة، فاتجهت قصيدة النثر إلى التجريد والغموض، والخروج على العرف اللغوي خروجًا يشبه الطفرة المفاجئة، ومهما يكن الرأي في غموض شعر الحداثة وجرأته المسرفة على اللغة فإن في بعض نماذجه المقبولة عناصر شعرية تكسبه قدرة على الإيحاء دون

стр. 217

أن يلتمس المتلقي فيه فكرًا واضحًا، على حين يظل غموض قصيدة النثر وتهويماتها الأسلوبية واللفظية أقل قدرة على النفاذ إلى الوجدان إذ تفتقد كثيرًا من مقومات الشعر التي تكسبه تلك القدرة الفريدة على تحويل الفكرة إلى إحساس. ويأتي الخلط بين القصيدة الشعرية وقصيدة النثر -فيما أرى- من نظر هؤلاء الأدباء إلى الوزن في الشعر على أنه قيمة شكلية لا ينقص الشعر كثيرًا بفقدها إذا تحققت له مقوماته الأخرى. والحق أن قيمة الوزن لا تنبع من ذلك الإيقاع المنتظم الذي تطرب له الأذن فحسب، بقدر ما تنبع من المواجهة بين موهبة الشاعر القدير وقيود الوزن في لحظة الإبداع، وما تنتهي إليه هذه المواجهة عند الشاعر الموهوب -غير النظام- من اختيار صيغة نهائية خلال خيارات عديدة من الألفاظ والمرادفات والأبنية والتراكيب التي تزدحم في خاطره في جيشان وجدان مختلط، يمتزج فيه الوعي بالتلقائية، والخبرة بالموهبة، ويكتسب الشعر بها تلك القدرة الفريدة التي تميزه عن النثر الفني. ولا أدل على هذا من أننا قلَّ أن نقرأ الشعر موقعًا ومقطعًا حسب تفعيلاته العروضية. بل إن ذلك يعد قراءة رديئة للشعر. والأغلب أن يقرأ الشاعر البيت -والسطر- على الناس فيقف ويصل ويسكّن ويحرّك، وينطق بلفظة مفردة أحيانا، أو بجملة مستقلة بنفسها أو متصلة بجملة أخرى حينًا آخر فتتداخل التفعيلات ويختلف وزن البيت وإن بقي له إيقاعه العام. لكن التأثير الأكبر يظل قائمًا من خلال تلك الصيغ الفريدة التي أثمرتها المواجهة بين موهبة الشاعر وقيود الوزن أمام خيارات كثيرة مختلطة في لحظة الإبداع. وفي قصيدة النثر تظل المواجهة أقل احتدامًا والاختيار أكثر يسرًا، لا يستدعي بالضرورة -كما يحدث عند الشاعر- كل المختزن والمبتكر من ألفاظ.

стр. 218

اللغة وأبنيتها وتراكيبها المتصلة بالتجربة، فلا تبلغ الصورة النثرية حد الشعر ولا تكتسب صفة القصيدة. وقد يفتقد القارئ فيها ما يلتمسه عادة في النثر من بعض مظاهر الفكر. ويقيني أنه أمام تلك الصلة المقطوعة بين المتلقين وشعراء الحداثة ينبغي للشعراء أن يعيدوا النظر في مفهومهم وفي طبيعة الصلة بين الشاعر وأبناء عصره إذا أريد للشعر أن يصمد أمام الأشكال الأدبية الأخرى وأمام سطوة الفكر العلمي التي تزداد يومًا بعد يوم في هذا المكان. ومن الملاحظ على هذه المقالة ما يلي: ١- أنها طويلة نوعًا ما، ولذلك نشرت في مجلة شهرية تتيح لقرائها أن يبقوا مع ما ينشر فيها شهرًا كاملًا، قبل أن تصدر لهم عددًا جديدًا. ٢- أنها تناولت قضية أدبية جديرة بالدرس والمناقشة وهي: مسيرة التجديد والتجريب بلا ضوابط في الشعر العربي الحديث, وهي مسيرة تواجه قارئ الشعر بنماذج من طراز غريب عليه، يثير في نفسه كثيرًا من القلق والعجب. ٣- أنها بسطت رأي المؤلف في هذه القضية، وقد أرجع أسبابها إلى: أ - ارتداد التجربة الشعرية -عند أصحاب التجريب- من الواقع الخارجي إلى الواقع النفسي الباطني. ب - استخدامهم الألفاظ في غير معناها المألوف. جـ- استخدامهم ألفاظًا عربية أصبحت لصيقة بالعامية. د- بناء خارجي للعبارة يخرج عن منطق اللغة.

стр. 219

هـ- القفز من معنى إلى آخر، ومن إحساس إلى غيره بأسلوب التداعي الحر للمعاني والألفاظ. و اقتباس الأساطير أو استدعاء التاريخ دون فهم واعٍ لهما. ٤- وضحت المقالة أن هذه الفئة "من أصحاب التجديد بلا ضوابط" ليست بدعًا في الشعر العالمي الحديث، فما يجري في الوطن العربي له نظائر في الغرب، لكنها شددت على أن التجديد في الغرب له ظروفه الموضوعية، والمتلقي الغربي يختلف عن المتلقي العربي. ٥- وضحت المقالة أن هؤلاء المجربين قد يكونون أعلى الشعراء صوتًا وضجيجًا وإثارة للشغب، لكنهم ليسوا أصحاب أقدر المواهب الشعرية الغربية بكل تأكيد. ومن الملاحظ على كاتب هذه المقالة "الدكتور عبد القادر القط": ١- أنه ناقد معروف بقدرته على الكتابة النقدية المنضبطة البعيدة عن الهوى. ٢- أنه ناقش قضية حساسة، وأبدى وجهة نظره بوضوح، وبلا مواربة. ٣- أنه أفاد من قدرته على تذوق الشعر العربي، ومعرفته به، وفهمه لحركات التجديد فيه على امتداد تاريخه. ٤- أفاد من متابعته للأدب العالمي، في طرحه للقضية، ومقارنته بين التجريب في الشعر الغربي والشعر العربي. ٥- شخصيته واضحة في مقاله، بقدرته على التناول الحر، وإبداء الرأي.

стр. 220

٧- المقالة الفلسفية وهي تعرض لشئون الفكر والفلسفة بالتحليل والتفسير، ومهمة الكاتب هنا صعبة، إذ عليه أن ينقب عن الأسس الحقيقية للموضوع، وعليه أن يعرض المادة بدقة ووضوح حتى لا يضل القارئ سبيله في شعاب هذا الموضوع الشائك. ومن كتابها: أحمد لطفي السيد، وأحمد حسن الزيات، وأحمد أمين وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، وحسن حنفي، وإمام عبد الفتاح إمام، ومحمد عبد الواحد حجازي.. وغيرهم. ومن نماذج المقالة الفلسفية مقالة "جزيرة بلا سياسيين" للدكتور أحمد أمين، ويقول فيها: كان الشيخ محمد عبده، يقول: "لعن الله السياسة وساس ويسوس وسائس ومسوس، وكل ما اشتق من السياسة فإنها ما دخلت شيئًا إلا أفسدته. كل شيء في العالم يتغير حتى الأهرام، عريت بعد أن كانت مكسوة، وحتى أبو الهول كسرت الأيام أنفه وعلته الرمال، إلا السياسة الاستعمارية فإنها لم تتغير بوجه من الوجوه. وعقلية الساسة في القرن الثامن عشر هي عقليتهم في القرن العشرين، يظنون أن التهديد والوعيد يرعب الأمم، ويقضي عليها، وينفذ رغبة المستعمرين، فبعد ضرب الأسكندرية بسبعين عامًا ظلوا يفهمون أيضًا أن ضرب الإسماعيلية أيضًا ينتج نفس النتيجة مع اختلاف المقدمات اختلافا كبيرا، فقد كان الرعب يستولي على النفوس، ولم يكن وعي قومي يفهم ألاعيب السياسة ولا شيء من ذلك، ولكن عقلية الإنجليز فهمت أن ما جرب بالأمس ونجح يجرب اليوم وينجح، أما الفوارق الكبيرة وخصوصا الفوارق النفسية فقد أغمضوا أعينهم عنها.

стр. 221

كم أود أن أعيش في جزيرة مطمئنة هادئة ليس فيها ساسة، ولكن مع الأسف لا يمكن أن يعيش الإنسان من غير حكومة ومن غير ساسة يسوسون الناس، فكل مجتمع لا بد فيه من مجرمين وأشرار وطامعين ونهابين. فما لم تأخذ الحكومة على يدهم عاثوا في الأرض فسادا، فلا يمكن لجزيرة أن تعيش من غير حكومة، وكل كتّاب "اليوتوبيا" أو بعبارة أخرى "المدن الفاضلة"، وأفلاطون نفسه "في جمهوريته" لم يخلوا بلادهم التي عدوها مثلا أعلى من ساسة ومن حكومة. غاية الأمر أنهم أملوا أن تكون الحكومة فيها حكومة عادلة، حكومة ترعى الأمة، ولا تستبد بها، وتأخذ بيدها ولا تمحقها، حكومة متسعة العقل، مرنة تتطور مع الأحداث، وتعلم أن ما صلح أمس لا يصلح اليوم، لا كساسة الإنجليز والفرنسيين لا يتحولون عما في أذهانهم مهما تغيرت الظروف١. ومن الملاحظ على هذه المقالة: ١- أنها تتناول قضية لها خطورتها هي: هل يمكن أن يعيش الناس -في مجتمع ما بلا ساسة يدبرون أمرهم. ٢- وضح لنا الكاتب الباعث على سؤاله، وهو أن كل شيء حولنا يتغير، ما عدا نظرة المستعمرين من الإنجليز إلينا، ومعاملتهم لنا. ٣- دلل الكاتب على قضيته ببعض الأمثلة التي اختارها. ٤- كشفت المقالة الفلسفية عن الحقيقة الواضحة التي ينبغي ألا يضل عنها القارئ -وهو يقرأ الموضوع- وهي أنه "لا يمكن أن يعيش الناس من غير

стр. 222

حكومة، ومن غير ساسة يسوسون الناس". ووضحت المقالة ذلك بالدليل النقلي عن أفلاطون "وأصحاب المدن الفاضلة"، وبالدليل العقلي: كل مجتمع لا بد فيه من مجرمين وأشرار طامعين ونهابين. فما لم تأخذ الحكومة على أيديهم عاثوا فسادًا". ٥ - وصفت المقالة الحكومة العادلة بعدة صفات "ليست موجودة في الإنجليز الذين ضربوا الإسكندرية عام ١٨٨٢، ثم ضربوا الإسماعيلية عام ١٩٥١". ٦- تهدف المقالة في النهاية إلى توضيح مغزى "أو فلسفة" أن يكون للناس حكومة تدافع عن مصالحهم، بأن "ترعى الأمة ولا تستبد بها، تأخذ بيدها ولا تمحقها، حكومة متسعة العقل، مرنة، تتطور مع الأحداث ... ". ٧- قد تنطلق المقالة الفلسفية من أحداث الواقع ومعطياته لتتأمل حدثًا ما، وتناقش قضية فكرية، وهذا ما فعله الدكتور أحمد أمين، فقد انطلق من الواقع "مقاومة الفدائيين المصريين للإنجليز في الإسماعيلية" ليناقش فكرة جديرة بالنقاش، وهي ضرورة السياسة والسياسين في حياتنا.

стр. 223

٨- المقالة الانطباعية وهي المقالة التي تصور انطباعات كاتبها عن مشاهد رآها، أو ناس عاشرهم وعاش معهم أو قرأ أو سمع عنهم، أو عن حيوانات وقع نظره عليها وسجل انطباعات عنت له عنها، وعن شيء أثار انتباهه، أو شيء قرأه وأثاره، فأراد التعليق عليه. وهذا اللون من الكتابة يحتاج إلى عقل لاقط، قادر على الاكتشاف والرؤية، حتى يستطيع أن يدرك الأشياء التي وقع عليها بصره، فيبصر مكامن الخلل فيها أو الجدة، أو يقترح الحلول لما يرى من مثالب.

стр. 224

ومن كتاب هذه المقالة: أحمد أمين، وعباس محمود العقاد، وعبد العزيز البشري، وميخائيل نعيمة، ومصطفى أمين، ومصطفى محمود، ومحمد فهمي عبد اللطيف، وأحمد بهجت.. وغيرهم. ومن نماذجها مقالة "الأفغاني: بين الحقيقة والافتراء" لأحمد بهجت، حيث عبر فيها عن انطباعه عن مقالات قرأها للويس عوض عن "الأفغاني" في مجلة "التضامن" اللندنية١ ملأها بالتخرصات والاتهامات، تحت عنوان "الإيراني الغامض"٢. وهذا نص مقالة أحمد بهجت٣. الأفغاني: بين الحقيقة والافتراء للأستاذ أحمد بهجت أيها السادة المثقفون! لقد كنا ضحية خديعة فاجعة، كنا جميعًا مخطئين حين تصورنا أن السيد جمال الدين الأفغاني رجل يوزع السعوط بيمناه، وينشر الثورة بيسراه. كنا مخدوعين حين تصورنا أن جمال الدين الأفغاني ثائر إسلامي، ومصلح اجتماعي، ورجل دين عظيم، أيقظ الشرق من سباته. بينما هو إيراني، وليته كان إيرانيًّا فحسب، إنما هو الإيراني الغامض وهو غامض لأنه أفاق، مغامر، متلون. هذا الاكتشاف "الهزلي" الجديد، يدين بوجوده للدكتور لويس عوض، كشف عنه في سلسلة المقالات التي يكتبها لمجلة عربية تصدر في لندن.

стр. 225

ويسمي الدكتور لويس ما ينشره بحثًا جرئيًا! والأصل في البحث أن يتحرى الحقيقة، ويحلل الأحداث والمواقف، ويضيء جوانب كانت غامضة، بهدف نهائي هو اكتشاف الحقيقة. أما بحث الدكتور لويس فليس كالبحوث، فهو بحث جريء، ومن ثم فهو لا يلتزم بأصول البحث، ولا يرجع إلى المراجع! بل يستند إلى مراجع تشبه تقارير المخبرين السريين التي يكتبونها عن ثائر، فيصفونه بكل رذيلة وشر، ويسندون إليه كل نقيصة وبلية. وشر البلية ما يضحك. ويبذل الدكتور لويس عوض جهدا كبيرا في بحثه المزعوم، بينما الحقيقة أنه يرسم صورة كاريكاتيرية للأفغاني، صورة تفتقر إلى الفن، وإن كان هدفها السخرية، والتشويه، وإسقاط الاحترام. ويبدو عبث المحاولة في الجهد الشديد الذي يبذله الدكتور لويس وهو يلوي عنق الأحداث، ويكتشف منها ما يحاول به تشويه صورة الأفغاني، فهو في البداية والنهاية إيراني غامض، يتسلل وسط الظلام مدججًا بالمؤامرات.

стр. 226

٩- المقالة العلمية: "تعنى بمعالجة قضية من قضايا العلم، كأن تتحدث عن نظرية في الطب، أو في الجبر، أو الهندسة، أو الكيمياء، أو الفيزياء، أو الطبيعيات، أو تعرض ما وصلت إليه هذه العلوم، أو تعرف الناس بالمكتشفات العلمية الحديثة، وتحاول توضيح المعطيات التي ترتكز عليها الأبحاث العلمية عامة"١.

стр. 227

وفي المقالة العلمية سعي إلى إثبات المعارف، وزيادة معلومات الناس، وتوسيع ثقافتهم وتنمية عقولهم ومنطقهم، وتعريف لهم بما يجهلون، أو ما يعرفون فيه معرفة ناقصة. ومن كتاب المقالة العلمية في أدبنا العربي الحديث والمعاصر: فؤاد صروف، وأحمد زكي، وعبد الحليم منتصر، وسعد شعبان، ومحمد عبد القادر الفقي.. وغيرهم. ومن المجلات التي كانت تخصص قسمًا منها في كل عدد للمقالات العلمية المجلات الثقافية مثل: "العربي" في الكويت، و"الفيصل" و"المجلة العربية" و"القافلة" في السعودية و"الدوحة" في قطر، و"الثقافة العربية" في ليبيا، و"البحرين الثقافية" في البحرين ... وغيرها. ومن نماذج "المقالة العلمية" مقالة أحمد محمد كنعان: "الحَمْلُ: القدرة الإلهية المتجددة" التي نشرتها مجلة "القافلة" وهذا نصها: الحمل.. القدرة الإلهية المتجددة بقلم الدكتور: أحمد محمد كنعان الحمل والولادة هما وسيلتا التكاثر وبقاء النوع، ليس عند البشر وحدهم، وإنما عند جميع أنواع الثدييات. ولا يكون الحمل إلا بعد سن البلوغ، وهو وقت ابتداء النشاط الجنسي عند الذكر والأنثى. فقد شاءت عناية الله ألا يبدأ هذا النشاط إلا بعد نضوج البنية البدنية لكل منهما، وبعد وصولهما إلى درجة من الوعي والإدراك لمعنى الحمل والولادة، ورعاية النشء. يصل الإنسان عادة لسن البلوغ فيما بين الثانية عشرة والخامسة عشرة من العمر وهو يبكر قليلًا في البلدان الحارة، ويتأخر قليلا في البلدان الباردة،

стр. 228

وبصورة عامة، فإن الفتاة تبلغ قبل الفتي بحوالي سنتين. تبدأ قصة الحمل بالتقاء نطفة الرجل ببويضة المرأة. ويحصل هذا الالتقاء عادة في النصف الأخير من بوق الرحم. علمًا بأن للمرأة مبيضين، يقذف كل منهما بويضة واحدة كل شهرين، أي أن المرأة تنتج بويضة واحدة كل شهر وهذه تنقذف من المبيض في منتصف الدورة الشهرية التي تستغرق وسطيًّا ثمانية وعشرين يومًا ويرافق نضوجها وانقذافها تبدلات عميقة في بطانة الرحم، فإذا لم تلقح في غضون يوم أو يومين من انقذافها ماتت وتحللت، وتبع ذلك في نهاية الدورة الشهرية نزيف من الرحم، هو الذي ندعوه بـ"الطمث". إذا لحقت نطفة الرجل بيضة المرأة بدأت البيضة الملقحة من فورها بالتكاثر قبل أن تصل إلى الرحم، فإذا وصلت الرحم علقت بسقفه، ولهذا تسمى العلقة، وتستمر خلايا هذه العلقة بالانقسام والتكاثر سريعًا، فتصبح في غضون أيام قليلة أشبه بقطعة اللحم الممضوغ، ولهذا تسمى المضغة، وابتداء من الأسبوع الرابع تبدأ أعضاء الجنين تأخذ أشكالها المعروفة، ليكتمل تشكيلها في نهاية الأسبوع الثاني عشر. يستغرق حمل المرأة في الغالب أربعين أسبوعًا، تحسب من أول يوم من أيام آخر طمث رأته المرأة قبل الحمل. على سبيل المثال: لو أن المرأة رأت آخر طمث لها في اليوم الأول من شهر "كانون الثاني" فإن ولادتها ستكون حوالي نهاية شهر "أيلول" في نفس العام، ويمكن التأكد من حصول الحمل بعد أقل من أسبوعين من بدء الحمل، وذلك بفحص البول أو اللعاب أو بعض الاختبارات الهرمونية الخاصة. وفيما يتعلق بسلامة الجنين فقد لاحظ العلماء أن حالات الوضع التي تحدث ما بين الأسبوع التاسع والثلاثين والأسبوع الحادي والأربعين تتمتع بأحسن نسبة سلامة للجنين وتتعرض حياة الجنين للخطر إذ ما بكرت

стр. 229

الولادة عن سبعة وثلاثين أسبوعًا، أو تأخرت عن اثنين وأربعين. يبلغ وزن الجنين عند الولادة ثلاثة كيلو جرامات وربع الكيلو جرام وسطيًّا. علمًا بأنه بدأ من النطفة والبيضة اللتين لا يزيد وزنهما عن جزء واحد من ألف مليون جزء من الجرام، وهذا معناه أن وزن الجنين يتضاعف أكثر من ثلاثة ألاف مليون مرة ما بين مرحلة النطفة ومرحلة الولادة ويحصل هذا التضاعف المذهل في غضون تسعة شهور فقط. ومع أن الجنين قد بدأ من خليتين، فإن عدد خلاياه حين الولادة يجاوز مائتي ألف مليون خلية، وأما طوله الذي كان في البداية يقاس بالميكرونات ببضعة أجزاء من مليون جزء من المتر، فإن طوله عند الولادة يصل إلى خمسين سنتيمترًا أي أن طوله يتضاعف أكثر من مائة ألف مرة، ولو تخيلنا أن الإنسان الذي يبلغ طوله مائة وسبعين سنتيمترًا قد استطال بنفس النسبة التي يستطيل فيها الجنين خلال فترة الحمل، لبلغ طول ذلك الإنسان مائة وسبعين كيلو مترًا. وأما الرحم الذي لا يزيد وزنه قبل الحمل عن خمسين جرامًا ولا يزيد طوله على عشرة سنتيمترات، ولا يتسع قبل الحمل لأكثر من خمسة جرامات هو وزن الجنين إضافة إلى المشيمة التي يبلغ وزنها نصف كيلو جرام، يضاف إليهما السائل الأمنيوسي الذي يبلغ وزنه كيلو جرام، أي سعة الرحم تتضاعف ألف مرة عما كانت قبل الحمل. وأقل مادة للحمل الذي يمكن للجنين أن يعيش بعدها هي ستة شهور، وأما أطول مدة للحمل فلا تزيد في الغالب على شهر واحد بعد موعده؛ لأن المشيمة التي تغذي الجنين تأخذ بالتنكس والتحلل ولا تعود قادرة على تأمين متطلبات الجنين بعد هذه المدة. وأما الأخبار التي تروى عن نساء حملن أطول من هذه المدة، وبخاصة منها الأخبار التي تروى عن نساء استمر حملهن

стр. 230

سنوات، فهي أخبار عارية عن الصحة! وليس الأمر كذلك بين الثدييات الأخرى غير الإنسان، فإن من الثدييات ما تحمل لفترات طويلة، ولعل أطول فترة حمل قاطبة هي فترة حمل أنثى الفيل الآسيوي التي تبلغ وسطيًّا عشرين شهرًا وقد تصل إلى خمسة وعشرين شهرًا. وأما أقصر فترة حمل سجلت عند الإنسان حتى الآن فهي مادة حمل الطفلة "أرنستين هدجنس" التي ولدت في الأسبوع الثاني والعشرين من الحمل وذلك في سان ديغو، كاليفورنيا في الثامن من شباط ١٩٨٣م. وأما بين الثدييات فإن حمل حيوان الأوبوسوم الأمريكي الذي يسمى أيضًا "أوبوسوم فرجيينا" تعد أقصى مدة حمل على الإطلاق إذ لا تتعدى اثني عشر يومًا أو ثلاثة عشر يومًا وقد لا تزيد على ثمانية أيام فقط. وتكون المرأة عادة قادرة على الحمل منذ سن البلوغ، حتى سن اليأس الذي يبدأ وسطيًّا عند بلوغ سن الخامسة والأربعين من العمر، وأنسب السنوات لحمل المرأة عندما يكون عمرها ما بين العشرين والخامسة والثلاثين؛ لأن الحمل الذي يحصل في هذا العمر يتمتع بأقل نسبة وفيات للأجنة خلال الشهرين الأخيرين من الحمل وأقل نسبة وفيات بين المواليد كذلك خلال الأسبوع الأول بعد الولادة. وربما كان أكبر عمر مسجل وموثق رسميًّا لامرأة حملت بعد المدة المعتادة لسن اليأس هو عمر المرأة "روث كستلر" المولودة عام ١٨٩٩م في بورتلاند، أوريغون في الولايات المتحدة، فهناك شهادة ميلاد أعطيت لها عند ولادتها ابنتها سوزان في ١٨ تشرين الأول ١٩٥٦م، وكان عمر هذه المرأة آنذاك سبعًا وخمسين سنة وثلاثة أشهر وتسعة أيام! ومع هذا فقد شكك بعض أقرباء هذه المرأة بعد حين بصحة عمرها!!

стр. 231

وقد أجريت الأيام الأخيرة تجارب عملية على بعض النساء فحملن بعد سن اليأس، وذلك بفضل التقدم العلمي الكبير الذي حصل بعد نجاح عمليات طفل الأنابيب وزرع المبايض، وغيرها من الوسائل الحديثة. ونذكر أن الجماع قد لا يؤدي إلى الحمل، وأن نسبة الجماع المخصب قليلة جدًّا، بل نادرة، إذا ما قورنت بعدد مرات الجماع التي تجري بين الزوجين، حتى وإن لم يعمدا إلى أية وسيلة من وسائل منع الحمل. ومن جهة أخرى، فليس كل حمل ينتهي إلى تمام مدته، فقد بينت الإحصاءات أن نحو ٧٨% من حالات الحمل تجهض تلقائيا دون سبب ظاهر، وأن نحو ٥% من حالات الحمل تسقط دون أن تعلم المرأة أنها كانت حاملا. وفي هذا شاهد على قدرة الله الذي يدبر، ويقدر، فيسمح لجنين أن يبصر النور، ويحجب النور عن آخر، فسبحانه حين يمنح، وسبحانه حين يمنع، وسبحانه في كل حال.

стр. 232

١٠- مقالة الصورة الشخصية يترجم فيها الكاتب صورة إنسان حي أو ميت، ويبين مدى التأثر والتأثير عنده، وجوانب التفوق وجوانب الإخفاق، ورأي النقاد فيه، وصورته في عصره، والكاتب لهذه المقالة يعتمد على حسن التنسيق، وجلال التعبير، حتي تبدو الشخصية الموصوفة كأنها تحدثنا، فنعجب بها إذا راقتنا، وننفر منها إذا ساءتنا١. والفارق بين التاريخ ومقالة الصورة الشخصية "أن الأول سرد للوقائع والأحداث والمواقف والأعمال في حياة المترجم أو عالمه، وتقديمها في إطار علمي يقوم على الدقة والتفصيل والتحقيق وإحكام التنسيق وسلامة العرض. والثانية يأخذ الكاتب فيها من التاريخ المادة التي تسعفه مع ما يتمتع به من ثقافة وخبرة في أن "يصور لنا موقفًا إنسانيًّا خاصًّا من شخصية إنسانية، فيعكس لنا تأثره بها، وانطباعاته الخاصة عنها، ويحاول أن يخطط معالمها الإنسانية تخطيطًا فنيًّا واضحًا، معتمدًا على التنسيق والاختيار، بحيث تتراءى لنا الشخصية الموصوفة وكأنها حية متحركة تحدثنا ونصغي لها، وتروقنا بعض صفاتها فنعجب لها، وتسوؤنا فننفر منها٢. ومن كتّاب هذا اللون من المقالة: إبراهيم عبد القادر المازني، وعباس محمود العقاد، وعبد العزيز البشري، ومحمود تيمور، ومحمد رجب البيومي، وخيري شلبي،

стр. 233

ومحمد حسن عبد الله، وأحمد بهجت.. وغيرهم. ومن نماذج هذه المقالة ما كتبه الدكتور محمد رجب البيومي في كتابه "من صحائف التاريخ" تحت عنوان "قوة الإرادة"، وما كتبه الدكتور محمد حسن عبد الله عن نجيب الكيلاني بعنوان "ما أروع أن تقول بغير كلام"، وفي هذه المقالة يرسم صورة شخصية للمتحدث عنه، وهذا نصها: ما أروع أن تقول بغير كلام١ للدكتور محمد حسن عبد الله في صمت جليل، يليق برزانته.. رحل نجيب الكيلاني. أضع صورته أمامي. خمس سنوات لم يجمعنا لقاء. كل مناسبات حضوره في القلب كثيرة؛ مع كل ذكرى عزيزة كان يحضر، أسمع نبرت صوته الهادئ الحكيم حين تعصف من حولي شعارات هي طوفان من الجنون، تظن نفسها طوفان نوح! ما كل هذا السلام في العينين؟ ومن أين جاءت هذه الوداعة في القسمات المصرية الصلبة، لشخص حكم عليه بعشر سنوات في السجن لضلوعه في أعمال خارجة على الشرعية ضمن "الجهاز السري"؟ أقلب الصورة، توقيع "نجيب الكيلاني" واضح تمامًا، وضوح أخلاقه وفكره، التاريخ تحت التوقيع: ١٤/ ٩/ ١٩٦٢. أذكر مناسبة الإهداء، كان قد بقي لي في مصر يومان فقط، أغادر ليل القاهرة، وصداقات الجامعة، وأحلام المستقبل، لأعمل مدرسًا في الكويت،

стр. 234

التي لم أكن أعرف عنها غير اسمها، وأنها بلد فيه بترول، وأن العاملين بها يحضرون معهم قماش بدل "شاركستين" ونظارات "بيرسول"، ولا بد أن يكون أستيك الساعة " فيكس فيلكس".كان قرار السفر حزينًا محبطًا، أقسى شيء يعانيه إنسان الشعور بالظلم في الوطن، وأن تكون أخلصت الحب للصديق، أكثر من استطاعته أن يخلص لك!! أتأمل الإهداء خلف الصورة، في بساطته يذكرني بالعبارت المحفوظة التي كان يكتبها "أولاد" الإعدادي زمان: كاتب إليك بالقلم الرصاص، علامة المحبة والإخلاص!! يكتب نجيب "إلى الأخ العزيز الأستاذ محمد حسن عبد الله، أهدي صورتي تعبيرًا عما يكنه قلبي من حب ووفاء، وإلى اللقاء، رائحة الفراق تفوح بحدة من "إلى اللقاء" فقد كنت على سفر، لكنها الآن، بعد اثنين وثلاثين عاما تكتسب معنى آخر، فقد سافر نجيب هذه المرة، سبقني، وهأنذا أبادله الحب والوفاء، وأهتف: إلى اللقاء!! تتداعى الذكريات فلا يطول البحث عن ملابسات اللقاء الأول. كان ذلك مساء الأربعاء ٨ أكتوبر ١٩٥٨، وقد ازدان نادي القصة وفتحت أبوابه على مصارعها في انتظار قدوم العميد الدكتور طه حسين. كان كمال الدين حسين، وزير المعارف، قد تأخر في حلف اليمين الدستورية أمام جمال عبد الناصر وزيرا "مركزيا لمصر وسوريا" وكان محمود تيمور، ومحمد فريد أبو حديد في الصالون تأهبًا لاستقبال القادمين، ويوسف السباعي مثل "أم العروس" فهو أمين عام النادي، أما عبد الحليم عبد الله أبي الروحي فقد كان فخورا بي حقًّا، إذ كنت الفائز الأول ذلك العام، أما نجيب الكيلاني فكانت له جائزة أيضًا.

стр. 235

كانت الصحف تحدثت عنه، وعن ملابسات سجنه، فأخرج تلك الليلة، ليتسلم جائزته ويعود إلى السجن. رأيته، ومن صوره المنشورة عرفته، تقدمت نحوه، عانقته، قلت بغير همس: سجنوك ظلمًا أولاد الكلب!! ابتسم بدهشة، نظر إلى الأرض، قال: خد بالك.. الجماعة بوليس!! كان يقف بين رجلين، لم أنتبه إلى حقيقتهما قبل كلمته، التي لم يقلها همسا، عزّ علىّ أن أعدل موقفي أو أعتذر. بثبات قلت: أنا عارف!! بعد ساعتين أخذت ميدالية طه حسين الذهبية، وستين جنيه نقدا، وانصرفت، وعاد نجيب إلى السجن "الميدالية سرقت مع ميداليات ذهبية أخرى من مكتبه في عطلة العيد، ولا تزال مباحث المعادي توالي التحري". استمرت الصحف تشير إلى الأديب الذي يعلم أبناءنا الحرية، وهو محروم منها، فقد كانت قصة "الطريق الطويل" قد فازت بمسابقة القراءة ذات الموضوع الواحد فقررت على الصف الثاني الثانوي، والقصة عن النضال ضد الاحتلال البريطاني، تمكن كمال الدين حسين من الحصول على عفو "صحي". وخرج نجيب من السجن، وعاد ليكمل دراسته في كلية طب القصر العيني، بعد أربعين شهرًا في طرة، والقلعة، وغيرهما. وهكذا التقينا من جديد، هو في الطب، وأنا في دار العلوم، وتحت لواء العشق القصصي نلتقي: نقرأ ونراجع ما نكتب، ونتبادل الخبرة، وكنت أحترم فيه تاريخه القديم في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، ولم أناقش معه أبدًا أهمية أو عدم أهمية، أو خطورة هذه التنظيمات، أما إذا ساقتنا ذكريات السجن فإنه كان يتحدث عنها حديث الفنان الساخر، وليس الممرور الحاقد، يصف

стр. 236

طوابير الصباح، والإكراه على الترديد وراء أم كلثوم "أجمل أعيادنا المصرية بنجاتك يوم المنشية" وعصا الحراس "تداعب" من لا يرفع صوته بالغناء، حتى لوكان الهضيبي نفسه! وكم ضحكنا من القلب وهو يصف طابور الذهاب إلى الحمام "جماعة" وما يترتب على هذا من كشف العورات، ومشاعر الحرج وأثقال الشعور بالإثم، وأعيش معه عبر وصفه المرح السعيد، وقد لعب معه "كيوبيد" لعبة خطرة وهو في سجن القلعة!! كان قبل السجن قد عقد قرانه على إحدى قريباته، بعد إلحاح من والدته. لكن قلبه اختار اتجاهًا آخر، فكان لا بد من فصم علاقة، قبل إقامة علاقة جديدة، أما "الكوميديا" فكانت في مرحلة الانتقال. إنه يلح على "صاحبة العقدة" أن تغنم حريتها، فيطلقها لأنه سجين، وهي أحق بمستقبلها!! لكنها -على سبيل الوفاء وكما يجب على بنات "الأصول"- ترفض فكرة الطلاق، حتى لو قضى في السجن عمره كله!! وتحت هذا الوفاء الصعب تواظب على زيارته في السجن، وتحمل إليه الطعام والفاكهة، أما الأخرى التي اختارها القلب فقد كان بيتها قريبًا من السجن "يا لها من مصادفة روائية" فالزيارة عليها أيسر، والإشارت على البعد، قبل عصر الاستشعار، كان لغة معترفًا بها!! في زمن وجيز سافر نجيب الكيلاني إلى المنصورة "ليصافح هناك جمال عبد الناصر، ويتلقى منه جائزة، فقد أقيمت مسابقة أدبية موضوعها حملة لويس التاسع وانتصار المنصورة. فاز يعقوب الشاروني بجائزة المسرحية عن "أبطال بلدنا" كما فاز أحمد باكثير بجائزة عن مسرحيته "دار ابن لقمان"، أما نجيب الكيلاني فانفرد بجائزة الرواية عن "اليوم الموعود". أقيم احتفال العيد

стр. 237

القومي في المنصورة -لأول مرة- يوم ٧ مايو ١٩٦١. سافرت مع نجيب وباكثير لأقوم لهما بواجب الضيافة في مدينتي وتحضرني ذكريات. رأيت عبد الناصر في معكسر إقامة الحرس الوطني "كنت متدربًا فيه" في حديقة شجر الدر "مكان جامعة المنصورة الآن" كان هذا أعقاب حوادث مارس ١٩٥٤. عزل محمد نجيب. كرهنا عبد الناصر، وأوشكنا أن نتمرد على رفع السلاح تحية له، كان محمد نجيب أبًا طيبًا لشعب أطيب. وفي العيد القومي للمنصورة بعد سبع سنوات خطب عبد الناصر في جماهير تمتد بحجم المدينة ذاتها، دون مبالغة، وجد الناس امرأة مجهولة قيل إنها تولت غسل ثياب الرئيس في الليلة التي قضاها في المنصورة، وأثلج صدور أهل المدينة، وتناقلوا أن عبد الناصر قال للمحافظ: كيف تبني لنفسك هذا القصر بسبع حمامات؟ هل رأيت البيت الذي أسكن فيه؟ هكذا تلقى نجيب الكيلاني جائزته من يد عبد الناصر، الذي حبسه من قبل، وسيحبسه مرة أخرى، ولم أسمع يومًا عبارة ازدراء أو أمنية شريرة. كان يراه وطنيًّا عظيمًا، فقط: ليته كان معنا! وبمثل هذه اللغة كان يتحدث عن الإخوان "السابقين" الذين وجدوا لهم طريقًا آخر، فمثلا حدثني عن ياسر عرفات حين كان طالبا إخوانيًّا بهندسة القاهرة، وكيف ينسب -فيما بعد- إلى اتجاه نقيض. بعد سنوات قلائل من لقائنا الأول، ربما عامان أو ثلاثة، ومعه مخطوط رواية جديدة، اختار لها عنوان: "الربيع العاصف"، طلب مني أن أقرأها، وأن أكتب دراسة نقدية تطبع معها!! عجبت للطلب، فقد كنت متخرجًا

стр. 238

حديثًا: واسمي أقل بكثير من اسم نجيب الكيلاني، كما أنه كان باستطاعته أن يطلب هذا من أشخاص تحددت مواقعهم واستقرت مكانتهم النقدية، حتى وإن كانوا من الشباب في ذلك الوقت، مثل عبد المحسن بدر، وتوفيق حنا، ومحمود أمين العالم، وعباس خضر، وقد أفضيت له بما يعتمل في صدري. فقال: حتى نجيب محفوظ، لو قصدته في تقديم روايتي سيفعل، ولكن أرى أن يعتمد جيلنا على نفسه، وأن نتقدم معًا، وهكذا أصر، وكتبت تلك الدراسة التي لا تزال تطبع ملحقة بـ "الربيع العاصف"، كلما تكرر نشرها، دون تعديل، وحتى دون إضافة اللقب العلمي الذي وصلني بعد تلك الدراسة بثمانية أعوام! تجري أحداث الربيع العاصف في قريته "شرشابة" "محافظة الغربية" "ولم أشعر أبدًا بجمال هذا الاسم!! ". عقب تخرجه في كلية الطب عين طبيبًا لعمال ورش السكة الحديد في "أبي زعبل" حين عرفت، لم أتفاءل. التعليق فرض نفسه: يا نجيب ما كفاك طره، والقلعة، حتى تختم بأبي زعبل!! مع هذا حصل على "فيلا" صغيرة جميلة، قضى فيها مع زوجته وولده حسام "الوحيد في ذلك الوقت" سنة هادئة، واستفاضني فيها مع زوجتي في أسبوع زفافنا يومين: كانا أطيب أيام العسل، وانتهت علاقته بأبي زعبل، بحشد الإخوان مرة أخرى في المعتقلات، صيف ١٩٦٥، كان في زيارتي ليلة القبض عليه، فقد كنت عائدًا في الغد إلى مقر عملي بالكويت، وكان متوجسًا، لم يكن خائفًا، لم أره خائفا أبدا، ولكنه كان يشعر أن صحته لم تعد تحتمل السجن، وكانت آلام المفاصل "في الركبتين خاصة" تعاوده، وسافرت، وهناك عرفت أنه قبض عليه في اليوم التالي!! لم يطل مقامه في السجن، ولا في مصر، عقب الإفراج عنه سافر إلى دولة

стр. 239

الإمارات، استقر في دبي طبيبًا بالصحة المدرسية، وفي دبي كان آخر لقاء بيننا، حين دعاني نادي الثقافة والعلوم للمشاركة في موسمه الثقافي بإلقاء محاضرة. تعشيت في منزل نجيب، ورأيت أولاده وقد أصبحوا رجالا، وابنته عزة قد صارت طبيبة وتزوجت طبيبًا، وصار له أحفاد، ودار كبيرة في طنطا، وأكثر من خمسين كتابا. نجيب الكيلاني أول من اهتم بطرح قضية "الأدب الإسلامي" في كتاب بهذا العنوان، ورؤيته بعيدة تمامًا عن التزمت، إنه لا يطلب في فنون الأدب أن ترتبط بالدعاية، أو الوعظ، إنه يقف تحت شعار: "من ليس علينا فهو معنا"، لا يطلب أكثر من عدم الاستهتار بالقيم، وعدم الإغراق في وصف المشاهد التي تغري بالخطيئة. أما عالمه الروائي، الذي بدأ "بالطريق الطويل" و"في الظلام" التي تحولت إلى فيلم بعنوان: "ليل وقبضان"، وقصصه القصيرة "المصرية": "موعدنا غدا"، "دموع الأمير" وغيرها، فقد اتسعت دائرة اهتمامها، لتتعقب القضية الإسلامية في مواطن أزماتها: عن المسلمين في الاتحاد السوفيتي كتب: "ليالي تركستان"، وعن صراع الإسلام والوثنية في نيجيريا كتب: "عمالقة الشمال"، ثم "عذراء جاكرتا"، ومنذ فترة مبكرة ألف عن الشاعر الإسلامي العالمي "إقبال"، كما أفضى بجانب من حياته الشخصية في "مذكرات طبيب"، وإن يكن كتب عن نفسه مباشرة في "ملامح من حياتي" وهو من جزئين. يا أخي وصديقي.. هذا دوري..آن أن أقول أنا لك هذه المرة: إلى اللقاء!!

стр. 240

المقالة الصحفية وأنواعها مدخل ... ثالثًا: المقالة الصحفية وأنواعها منذ نشأة الصحافة العربية في منتصف القرن الماضي نشأ فن المقالة الصحفية التي تتناول "الظروف السياسية القائمة، وما تتركه من مشكلات تحتاج لحل سريع ورأي حاسم.. والكاتب فيه مقيد بموضوعات معينة لا تتجاوز أفكارًا معينة من الصحيفة، ويمتاز بالسهولة في التعبير، ويختلف طولًا وقصرًا، وتتعدد ألوانه بتعدد فنونه"١، ومن أنواع المقالة الصحفية: أ- المقالة الافتتاحية. ب- العمود الصحفي "الخاطرة". جـ- مقالة الرأي. د- مقالة عرض الكتب. هـ- مقالة المتابعة "أو التغطية الصحفية". وهذا تعريف موجز لهذه الفنون:

стр. 241

أ- المقالة الافتتاحية: تمثل سياسة الدولة، أو الحزب، أو الجهة التي تصدر الصحيفة، ويكتبها من تثق به الصحيفة دون أن يضع توقيعه عليها "ويستعين بالوثائق والأرشيف، ويلتمس الفكرة المثيرة والحقائق والشواهد المؤكدة للفكرة، ويلتزم بالخصائص التالية: ١- الحذر والتحفظ في إبداء الرأي، والعمل على بلورته. ٢- العمل على إقناع القارئ، وتشويقه إلى متابعة القراءة. ٣- التماس الموضوعات الطازجة والمسايرة للحدث.

стр. 242

٤- النزوع إلى الاستمالة والتوجيه، ومخاطبة الرأي العام١. ومن نماذجه: هذه الافتتاحية التي نشرتها جريدة "الندوة" تحت عنوانها الثابت "كلمة الندوة"، وهذا نصها: كلمة الندوة المسلمون والحوار٢ عشرات الضحايا الذين سقطوا في المواجهات وأعمال العنف الطائفية التي وقعت خلال اليومين الماضيين في "كراتشي" بباكستان، تعطي صورة سيئة عن المسلمين للعالم في عصر توصل أهله وشعوبه إلى العديد جدا من السبل والطرق لمعالجة الخلافات في الرأي التي تقع بين أبناء الشعب الواحد. بل وحتى بين الشعوب المختلفة. ولعل أكبر الصفات التي يتميز بها إنسان هذا العصر عن عصور الغاب الغابرة، أنه توصل إلى التغلب على نوازع الشر والقتل في النفوس البشرية، وأحل محلها لغة التخاطب والتفاهم والحوار، كأسلوب حضاري يمنع الانغماس في مستنقعات الدم وحمأة الحقد والقتل والعنف. وما حدث في كراتشي وعمد القائمون به إلى توجيه أسلحتهم إلى المصلين الخارجين من المساجد، عمل وحشي دون شك وهو لا يعطي صورة حقيقية للإسلام السمح، بل يكشف خبيئة نفوس الذين قاموا بهذه المذابح، وسواد قلوبهم، وبعدهم عن التحلي بأخلاق الإسلام الذي يحرم قتل النفس دون وجه حق. وأي حق في أن تحصد الرشاشات أرواح عدد من المصلين الذين تصادف أن أدوا الصلاة في المسجد الذي وقع عليه العدوان.

стр. 243

والحقيقة: أن هذه النفوس تسيء إلى المسلمين وإلى صورة وحقيقة الإسلام١. وهي تعطي شعوب العالم صورة خادعة عن الإسلام، لأن الذين يقومون بتلك الأعمال والجرائم، إنما ينتمون إلى الإسلام اسما، ولكن حقيقة الإسلام بعيدة عن أي عنف أو عدوان، دون وجه حق، ولعل هذا هو ما يدفع المضللين في الدول الغربية للحديث عما يسمونه "الإرهاب الإسلامي" ويستخدمون ما يقع في بعض الدول العربية والإسلامية دليلًا على ما يذهبون إليه، في حين أن الواقع الإسلامي بعيد عن ذلك. ولا يعبر هذا الأسلوب الغوغائي عن حقيقة الحضارة الإسلامية، وما يزرعه الإسلام في نفوس أتباعه من أخلاق الرحمة والتسامح، وتأكيده النهي عن القتل دون وجه حق. ومن المؤكد أن ما يقع في بعض الدول العربية من عنف وقتل يتصاعد من سنوات.. وما تشهده بعض الدول الإسلامية، خاصة أفغانستان والصومال، هو في حقيقته خروج عن الأخلاق والآداب الإسلامية، بل يعتبر جريمة ترتكب على أيدي أناس لا يعرفون حقيقة الإسلام، بل تدفعهم إلى القتل طموحات أحلام مريضة، كان يمكن أن تكون مقبولة وشرعية، لو أنها عرفت الطريق السليم الحضاري لتحقيقها عن طريق الحوار والتفاهم، بدلًا من القتل والسحل. كما كان يمكن أن يتحلى أصحابها بضبط النفس بدلا من الانسياق مع النوازع الشريرة في النفس البشرية. لقد أساءت بعض الجماعات إلى الصورة النقية للإسلام وتعاليمه ومبادئه السمحة، ولم يعد مقبولًا ولا معقولًا أن تتواصل هذه الإساءة التي تلحق الضرر بأبناء الأمة المسلمة وتسيء إلى صورة المسلمين في العالم، وهو ما تتطلع كل الشعوب المسلمة إلى وضع حد له، وأن يرتقي الجميع إلى مستوى المسئولية التي

стр. 244

يحملونها أمام الشعوب المسلمة نفسها وأمام العالم أيضًا. في عصر يرفض هذه الأساليب ويدعو لتغليب العقل والحكمة والجدال بالتي هي أحسن. وهي من القواعد الأساسية في العقيدة الإسلامية. "الندوة".

стр. 245

ب- العمود الصحفي: يكتبه أحد الكتاب المرموقين في الصحيفة "يلتقط كاتبه فكرة أو واقعة أو ظاهرة يتحدث فيها من وجهة نظره الخاصة انتقادًا، أو استحسانًا، أو تحليلا.. وفي الغالب يكون العنوان ثابتًا، والكتابة دورية؛ أسبوعية أو يومية وغالبًا ما يتسم أسلوب كاتب العمود الصحفي بخصوصية متميزة، وبإيجاز غير مخل، وربما تكمن خصوصية الأسلوب في السخرية، أو في خفة العبارة ورشاقتها، وهناك من يرى أن أهم عناصر الخاطرة أو العمود الصحفي: الفكرة الجوهرية أو الواقعة، ثم الشواهد والنتيجة، وهذا ليس أمرًا مفروضًا بالضرورة"١. ومن كتّاب الأعمدة في جريدة "الأهرام": أحمد بهجت: "صندوق الدنيا"، وسلامة أحمد سلامة: "من قريب"، وأنيس منصور: "مواقف". وفي جريدة "الأخبار": محمود عبد المنعم مراد "كلمات"، ومصطفى أمين: "فكرة". وفي جريدة "الجزيرة": "عائض الردَّادي: "دقات الثواني"، ود. عبد العزيز الفيصل: "رؤى وآفاق"، ود. محمد سليمان الأحمد: "كلمات معدودة "، ود. عبد الله بن محمد الفيصل: "وقفة مراجعة". وفي "المسائية":

стр. 246

محمد الخنيني: "سياحة لغوية"، ود. عبد الله الدايل: "نكت لغوية"، ود. عبد الله باقازي: "وقفة"، ود. عبد الله أحمد الفيفي: "شفق". ومن نماذج العمود الصحفي ما نشره محمد بن سليمان في عموده بجريدة "الجزيرة" تحت عنوان: "كلمات معدودة" وفيه يتحدث عن: "الصحافة والمجتمع"١ ويناقش فيه مفهوم الحرية بين الصحافة العربية وصحافة الغرب، وهذا نصه: كلمات معدودة الصحافة والمجتمع للدكتور محمد بن سليمان الأحمد قرأت أكثر من مرة ما قاله أمير دولة الكويت الشقيقة في كلمته بمناسبة العشر الأخيرة من رمضان عن الصحافة الكويتية ودورها في تنمية الروابط داخل المجتمع الكويتي ومطالبته لها بعدم تعميق الخلاف والانقسام، والتركيز على المصلحة العامة للوطن والمواطن الكويتي. والواقع أن بعض المؤسسات الصحفية في بعض دول العالم الثالث تتعامل مع مبدأ "الحرية الصحفية" من منطلق غربي، رغم صدورها في دول شرقية. إن مفهوم الحرية ليس واحدا في كل مجتمع وفي كل عصر، فما قد يراه بعض الغربيين من أبسط مبادئ الحرية، قد يرى في بعض دول ومجتمعات غير غربية أنه ممنوع، بل ومحظورة ممارسته.

стр. 247

هناك قيم ومبادئ تحيط بمفهوم الحرية، وتعريف الحرية يخضع كل الخضوع لهذه القيم والمبادئ الاجتماعية السائدة في المجتمع الشرقي أو الغربي. لا يمكن مطلقا أن نقوم بتطبيق مفهوم "الحرية الصحفية" السائد في دولة ومجتمع غربي ورأسمالي ونصراني الديانة يتميز بالفردية، على مجتمع شرقي ودولة يسود فيها الاقتصاد المختلط، ويدين سكانها وحكامها بالدين الإسلامي، ويقوم فيها المجتمع على الأسرة. الصحافة البريطانية مثلا تستطيع وبكل بساطة أن تتحدث عن علاقة سرية وغير مشروعة بين أحد وزراء الحكومة البريطانية المتزوجين وسكرتيرته، بل وتؤكد ذلك بالصور التي تدل على أن هذه السكرتيرة تحمل في جوفها من هذا الوزير، وتلتقي الصحيفة مع زوجة الوزير، ومع سكرتيرته الحامل، وحتى مع إحدى بناته لمناقشة هذه الفضيحة. كل هذا تمارسه الصحيفة البريطانية من منطلق المفهوم الغربي للحرية الصحيفة، ولا يتدخل القضاء لأنه ليس أمامه قضية. ولكن هذه الواقعة في مجتمع شرقي إسلامي تعتبر زنا، ويعاقب عليها الشرع بالجلد لغير المحصن، وبالرجم للمحصن، وهي جريمة لا بد لها من شهود أو اعتراف. وتعاقب الصحافة أو على الأصح الصحفي الذي يتحدث عن هذا الموضوع بجريمة "القذف" في حالة حديثه عنها دون ثبوتها بالدليل القاطع لدى القاضي الشرعي وصدور حكمه النهائي حولها. ما أود قوله: إن بعض وسائل الإعلام في عالمنا الثالث تحاول أن تطبق بعض المفاهيم الإعلامية دون أي اعتبار للمجتمع الذي تصدر فيه، وعاداته وتقاليده وقيمه، وقبل ذلك عقيدته.

стр. 248

جـ- مقالة الرأي: تخصص معظم الصحف والمجلات صفحة أو صفحتين لمقالات الرأي، ومن الطبعي أنها لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة أو الصحيفة؛ فقد يوافقها صاحب المقالة أو يعارضها. وقد تكون مقالة سياسية، أو اجتماعية، أو تتناول قضية تهم الرأي العام "ويبدي كاتبها رأيه مدعمًا بالأدلة، وفق تسلسل مدروس يفضي إلى نتيجة، وقد يكون تحليلا مستفيضًا لموقف، أو دراسة مستفيضة لظاهرة"١. ومن كتاب مقالة الرأي: ثروت أباظة، وفهمي هويدي، ود. محمد سليم العوا، ود. يوسف القرضاوي، والسيد ياسين، ود. عاطف العراقي، والشيخ محمد الغزالي، وأبو عبد الرحمن بن عقيل، ود. عبده زايد، ود. سلطان أبو على ... وغيرهم. ومن نماذج هذه المقالة، مقالة "متى تختفي اللافتات الأجنبية؟ " للدكتور عبده زايد، وهذا نصها:١ متى تختفي اللافتات الأجنبية؟ للدكتور عبده زايد ما من مدينة عربية كبرت أو صغرت يمكن أن تنزل بها الآن ضيفًا زائرًا، أوسائحًا عابرًا، أو عاملًا مقيمًا، إلا هالَكَ فيها كمَّ اللافتات المضيئة وغير المضيئة التي تحمل كلمات أجنبية مكتوبة بحروف لاتينية أو بحروف عربية، للإعلان

стр. 249

عن سلعة محلية أو مستوردة، أو للتعريف بمتجر أو شركة، أو مؤسسة، أو فندق، أو مطعم، أو متنزه، وقد يستشري الداء فيتناول أسماء الأحياء والشوارع والمدارس، وقد يضيق فيتوقف عند أنشطة القطاع الخاص انطلاقًا من الحرية الممنوحة له في مزاولة نشاطه والإعلان عنه. إن مدينة كبيرة كمدينة القاهرة مثلا تلطخ وجهها باللافتات الأجنبية من كل شكل ولون وحجم، وهي لافتات لا تقتصر على أسماء الشركات العالمية التي تفتح لها فروعا هناك، ولا الفنادق الدولية، ولا البنوك الأجنبية ولا حتى أنشطة القطاع الخاص وحده، إنها تتجاوز ذلك إلى أسماء الأحياء كحي جاردن سيتي، وأسماء الشوارع كشارع ماسبيرو الشهير، وأسماء المدارس وحضانات الأطفال مثل "هابي بيبي جاردن"، وأسماء المتنزهات مثل "ميري لاند"، ولا يتوقف الأمر عند الكلمات الأجنبية المزروعة في غير بيئتها، ففوضى الإعلانات قتلت الأسماء العربية والمحلية في عقر دارها، فالقاهرة تتحول إلى "كايرو"، ومصر تصبح "إيجبت"، والأرقام تصبح: "ون"، "تو"، "ثري".. إلخ. أما في مدينة كمدينة الرياض فاللافتات الأجنبية فيها تكاد تقتصر على الأنشطة التجارية التي يتولاها القطاع الخاص الوطني أو المشترك، فأنا لم يصادفني في اللوحات الإرشادية التي تملأ شوارعها اسم غير عربي لحي أو لشارع أو لمدرسة، وقد تكون ملاحظتي هذه ناقصة؛ لأنها قائمة على استقراء ناقص. وهذا الغزو الذي يتولى كبره أبناء المدينة العربية بالدرجة الأولى من باب الترويج والإثارة؛ لأن غرابة الإعلان وغربته من وسائل تثبيته في الذهن وجذب الناس إليه، خصوصًا حينما تتراجع الثقة في كل ما هو وطني وعربي. إن هذا

стр. 250

الغزو لم يمر بسهولة، فالغيورون على وجه المدينة العربية نبهوا إلى خطر هذا الزحف خصوصًا أنه كان ذات يوم وسيلة من وسائل الهيمنة الأجنبية أيام الاستعمار، فلما انقشع الاستعمار وتحررت الأوطان العربية من سيطرته بقيت هذه المظاهر دليلا على الهيمنة الأجنبية في الثقافة والفكر والاقتصاد أيضًا. وإذا كان الوطنيون قد رفضوا هذا المظهر في المرحلة الماضية، فعليهم أن يرفضوه في هذه المرحلة؛ فدلالة هذه اللافتات في المرحلة الحالية هي دلالتها نفسها في المرحلة الماضية. فإذا كانت الصحف المصرية قد أعلنت الحرب على استخدام الألفاظ والعبارات والحروف الأجنبية في أواخر الثلاثينيات الميلادية، حتى نجحت عام ١٩٤١ في حمل هذه الشركات والمصالح الحكومية التي كانت تحت الإدارة البريطانية على استخدام اللغة العربية، لغة البلاد القومية، وإذا كانت الحكومة المصرية قد استطاعت أن تغسل وجه القاهرة -وغيرها من المدن- من اللافتات الأجنبية في حركة التمصير في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات انطلاقًا من الاعتزاز باللغة القومية، فإننا مطالبون الآن بالدور نفسه. ومن هنا وجدنا وزير التموين المصري يتصدر في آواخر الثمانينيات لهذه الفوضى الإعلانية، فأصدر قرارًا بإعادة الوجه العربي إلى مدينة القاهرة، ذلك بتغيير اللوحات الإعلانية الأجنبية إلى لوحات عربية، وقد أمهل أصحاب الشركات والمؤسسات والمتاجر ستة أشهر، وهنا أطلقت عليه وسائل الإعلام سهامها النارية، وسلقته بألسنة حداد، وسخرت من قراره، وقدمت مختلف الحجج والبراهين على تعذر تنفيذ هذا القرار واستحالته، ومضت المدة، ومات القرار، وهدأت العاصفة، واستمر الزحف التغريبي على وجه القاهرة.
следующие страницы →