← Адаб

Адаб · id 7585

التحرير الأدبي

حسين على محمد

Полный текст (476 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

محمد الخنيني: "سياحة لغوية"، ود. عبد الله الدايل: "نكت لغوية"، ود. عبد الله باقازي: "وقفة"، ود. عبد الله أحمد الفيفي: "شفق". ومن نماذج العمود الصحفي ما نشره محمد بن سليمان في عموده بجريدة "الجزيرة" تحت عنوان: "كلمات معدودة" وفيه يتحدث عن: "الصحافة والمجتمع"١ ويناقش فيه مفهوم الحرية بين الصحافة العربية وصحافة الغرب، وهذا نصه: كلمات معدودة الصحافة والمجتمع للدكتور محمد بن سليمان الأحمد قرأت أكثر من مرة ما قاله أمير دولة الكويت الشقيقة في كلمته بمناسبة العشر الأخيرة من رمضان عن الصحافة الكويتية ودورها في تنمية الروابط داخل المجتمع الكويتي ومطالبته لها بعدم تعميق الخلاف والانقسام، والتركيز على المصلحة العامة للوطن والمواطن الكويتي. والواقع أن بعض المؤسسات الصحفية في بعض دول العالم الثالث تتعامل مع مبدأ "الحرية الصحفية" من منطلق غربي، رغم صدورها في دول شرقية. إن مفهوم الحرية ليس واحدا في كل مجتمع وفي كل عصر، فما قد يراه بعض الغربيين من أبسط مبادئ الحرية، قد يرى في بعض دول ومجتمعات غير غربية أنه ممنوع، بل ومحظورة ممارسته.

стр. 247

هناك قيم ومبادئ تحيط بمفهوم الحرية، وتعريف الحرية يخضع كل الخضوع لهذه القيم والمبادئ الاجتماعية السائدة في المجتمع الشرقي أو الغربي. لا يمكن مطلقا أن نقوم بتطبيق مفهوم "الحرية الصحفية" السائد في دولة ومجتمع غربي ورأسمالي ونصراني الديانة يتميز بالفردية، على مجتمع شرقي ودولة يسود فيها الاقتصاد المختلط، ويدين سكانها وحكامها بالدين الإسلامي، ويقوم فيها المجتمع على الأسرة. الصحافة البريطانية مثلا تستطيع وبكل بساطة أن تتحدث عن علاقة سرية وغير مشروعة بين أحد وزراء الحكومة البريطانية المتزوجين وسكرتيرته، بل وتؤكد ذلك بالصور التي تدل على أن هذه السكرتيرة تحمل في جوفها من هذا الوزير، وتلتقي الصحيفة مع زوجة الوزير، ومع سكرتيرته الحامل، وحتى مع إحدى بناته لمناقشة هذه الفضيحة. كل هذا تمارسه الصحيفة البريطانية من منطلق المفهوم الغربي للحرية الصحيفة، ولا يتدخل القضاء لأنه ليس أمامه قضية. ولكن هذه الواقعة في مجتمع شرقي إسلامي تعتبر زنا، ويعاقب عليها الشرع بالجلد لغير المحصن، وبالرجم للمحصن، وهي جريمة لا بد لها من شهود أو اعتراف. وتعاقب الصحافة أو على الأصح الصحفي الذي يتحدث عن هذا الموضوع بجريمة "القذف" في حالة حديثه عنها دون ثبوتها بالدليل القاطع لدى القاضي الشرعي وصدور حكمه النهائي حولها. ما أود قوله: إن بعض وسائل الإعلام في عالمنا الثالث تحاول أن تطبق بعض المفاهيم الإعلامية دون أي اعتبار للمجتمع الذي تصدر فيه، وعاداته وتقاليده وقيمه، وقبل ذلك عقيدته.

стр. 248

جـ- مقالة الرأي: تخصص معظم الصحف والمجلات صفحة أو صفحتين لمقالات الرأي، ومن الطبعي أنها لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة أو الصحيفة؛ فقد يوافقها صاحب المقالة أو يعارضها. وقد تكون مقالة سياسية، أو اجتماعية، أو تتناول قضية تهم الرأي العام "ويبدي كاتبها رأيه مدعمًا بالأدلة، وفق تسلسل مدروس يفضي إلى نتيجة، وقد يكون تحليلا مستفيضًا لموقف، أو دراسة مستفيضة لظاهرة"١. ومن كتاب مقالة الرأي: ثروت أباظة، وفهمي هويدي، ود. محمد سليم العوا، ود. يوسف القرضاوي، والسيد ياسين، ود. عاطف العراقي، والشيخ محمد الغزالي، وأبو عبد الرحمن بن عقيل، ود. عبده زايد، ود. سلطان أبو على ... وغيرهم. ومن نماذج هذه المقالة، مقالة "متى تختفي اللافتات الأجنبية؟ " للدكتور عبده زايد، وهذا نصها:١ متى تختفي اللافتات الأجنبية؟ للدكتور عبده زايد ما من مدينة عربية كبرت أو صغرت يمكن أن تنزل بها الآن ضيفًا زائرًا، أوسائحًا عابرًا، أو عاملًا مقيمًا، إلا هالَكَ فيها كمَّ اللافتات المضيئة وغير المضيئة التي تحمل كلمات أجنبية مكتوبة بحروف لاتينية أو بحروف عربية، للإعلان

стр. 249

عن سلعة محلية أو مستوردة، أو للتعريف بمتجر أو شركة، أو مؤسسة، أو فندق، أو مطعم، أو متنزه، وقد يستشري الداء فيتناول أسماء الأحياء والشوارع والمدارس، وقد يضيق فيتوقف عند أنشطة القطاع الخاص انطلاقًا من الحرية الممنوحة له في مزاولة نشاطه والإعلان عنه. إن مدينة كبيرة كمدينة القاهرة مثلا تلطخ وجهها باللافتات الأجنبية من كل شكل ولون وحجم، وهي لافتات لا تقتصر على أسماء الشركات العالمية التي تفتح لها فروعا هناك، ولا الفنادق الدولية، ولا البنوك الأجنبية ولا حتى أنشطة القطاع الخاص وحده، إنها تتجاوز ذلك إلى أسماء الأحياء كحي جاردن سيتي، وأسماء الشوارع كشارع ماسبيرو الشهير، وأسماء المدارس وحضانات الأطفال مثل "هابي بيبي جاردن"، وأسماء المتنزهات مثل "ميري لاند"، ولا يتوقف الأمر عند الكلمات الأجنبية المزروعة في غير بيئتها، ففوضى الإعلانات قتلت الأسماء العربية والمحلية في عقر دارها، فالقاهرة تتحول إلى "كايرو"، ومصر تصبح "إيجبت"، والأرقام تصبح: "ون"، "تو"، "ثري".. إلخ. أما في مدينة كمدينة الرياض فاللافتات الأجنبية فيها تكاد تقتصر على الأنشطة التجارية التي يتولاها القطاع الخاص الوطني أو المشترك، فأنا لم يصادفني في اللوحات الإرشادية التي تملأ شوارعها اسم غير عربي لحي أو لشارع أو لمدرسة، وقد تكون ملاحظتي هذه ناقصة؛ لأنها قائمة على استقراء ناقص. وهذا الغزو الذي يتولى كبره أبناء المدينة العربية بالدرجة الأولى من باب الترويج والإثارة؛ لأن غرابة الإعلان وغربته من وسائل تثبيته في الذهن وجذب الناس إليه، خصوصًا حينما تتراجع الثقة في كل ما هو وطني وعربي. إن هذا

стр. 250

الغزو لم يمر بسهولة، فالغيورون على وجه المدينة العربية نبهوا إلى خطر هذا الزحف خصوصًا أنه كان ذات يوم وسيلة من وسائل الهيمنة الأجنبية أيام الاستعمار، فلما انقشع الاستعمار وتحررت الأوطان العربية من سيطرته بقيت هذه المظاهر دليلا على الهيمنة الأجنبية في الثقافة والفكر والاقتصاد أيضًا. وإذا كان الوطنيون قد رفضوا هذا المظهر في المرحلة الماضية، فعليهم أن يرفضوه في هذه المرحلة؛ فدلالة هذه اللافتات في المرحلة الحالية هي دلالتها نفسها في المرحلة الماضية. فإذا كانت الصحف المصرية قد أعلنت الحرب على استخدام الألفاظ والعبارات والحروف الأجنبية في أواخر الثلاثينيات الميلادية، حتى نجحت عام ١٩٤١ في حمل هذه الشركات والمصالح الحكومية التي كانت تحت الإدارة البريطانية على استخدام اللغة العربية، لغة البلاد القومية، وإذا كانت الحكومة المصرية قد استطاعت أن تغسل وجه القاهرة -وغيرها من المدن- من اللافتات الأجنبية في حركة التمصير في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات انطلاقًا من الاعتزاز باللغة القومية، فإننا مطالبون الآن بالدور نفسه. ومن هنا وجدنا وزير التموين المصري يتصدر في آواخر الثمانينيات لهذه الفوضى الإعلانية، فأصدر قرارًا بإعادة الوجه العربي إلى مدينة القاهرة، ذلك بتغيير اللوحات الإعلانية الأجنبية إلى لوحات عربية، وقد أمهل أصحاب الشركات والمؤسسات والمتاجر ستة أشهر، وهنا أطلقت عليه وسائل الإعلام سهامها النارية، وسلقته بألسنة حداد، وسخرت من قراره، وقدمت مختلف الحجج والبراهين على تعذر تنفيذ هذا القرار واستحالته، ومضت المدة، ومات القرار، وهدأت العاصفة، واستمر الزحف التغريبي على وجه القاهرة.

стр. 251

أما مجمع اللغة العربية، وهو الحارس الأمين على هذه اللغة، فقد هاله هذا الزحف المدنس، ولكن مشكلته أنه لا يملك سلطة تنفيذية، ولا يملك إصدار حكم واجب النفاذ، ولا يستطيع أن يصدر قرارًا ملزمًا لأي جهة، فما كان منه إلا أن أصدر توصية رفعها إلى وزير التعليم السابق الدكتور أحمد فتحي سرور "رئيس مجلس الشعب الحالي"، وعاد إلى التذكير بهذه التوصية أمام وزير التعليم الحالي "الدكتور حسين كامل بهاء الدين" في افتتاح جلسات الدورة الأخيرة للمجمع، وقد طلب أن يرفع الوزير هذه التوصية إلى الجهات التي تملك إصدار القانون الملزم، وتملك تنفيذه، حتى لا يغيب وجه القاهرة تحت ركام الكلمات والعبارات والحروف الأجنبية. وإذا كانت مدينة القاهرة قد أخفقت في استعادة وجهها العربي، ونرجو أن يكون إخفاقًا مؤقتًا، فإن البحرين تخطو الآن خطوات جادة في استعادة وجهها العربي، تحقق منها ما تحقق، وبقي منها ما بقي. والمشكلة في البحرين أعمق، فالأمر هناك لا يتوقف عند لافتات الإعلانات التجارية، وإنما يتجاوزه إلى المعاملات الحكومية والأوراق الرسمية، حتى كشوف مرتبات العاملين في الدولة، إنها جميعًا كانت تتم إلى وقت قريب باللغة الإنجليزية، وقد بدأت البحرين أولًا بتعريب اللافتات، وهي الآن تقوم بتطبيق قانون تعريب المعاملات الحكومية، وقد حدث بالفعل، ولأول مرة في تاريخ البحرين، أن وصلت كشوف رواتب الموظفين العاملين في الجهاز الحكومي وما يتعلق بمستحقاتهم وأجازاتهم باللغة العربية بدءًا من شهر يوليو الماضي كما جاء بالعدد "٤٩٨" من جريدة "المسلمون".

стр. 252

ولن يمضي وقت طويل على مدينة الرياض حتى تستعيد وجهها العربي تمامًا بإذن الله تعالى؛ ذلك أن الأمر فيها تولته أمانة مدينة الرياض، حيث أكدت الأمانة على استخدام اللغة العربية في كافة لوحات المحلات والشركات والمطاعم التي تستخدم الأسماء الأجنبية، بحيث يكون في لوحاتها مكان بارز للغة العربية لا يقل الحيز المخصص لها عن نصف اللوحة، وهذا يعد مكسبًا كبيرًا وخطوة متقدمة لتعريب وجه المدينة. ومع هذا كله فإن هذه محاولات جزئية بطيئة، فهناك مئات من المدن العربية يغيب وجهها تحت اللافتات الأجنبية. فمتى يعود الوجه العربي للمدينة العربية أيا كان موقعها؟ إننا نحتاج إلى أن تستعيد كل المدن العربية وجهها العربي، كبيرة كانت أو صغيرة، وتنفيذا لذلك ليس بالأمر العسير لو صدقت النيات، وصحت العزائم، فلا ينبغي لعربي يعتز بعروبته وبلغته الوطنية لغة القرآن الكريم أن يرضى بهذا الزحف التغريبي على وجه المدينة العربية، أيا كانت الأسباب والدوافع. لقد كانت من بين الأسباب التي رفعت في وجه وزير التموين المصري سبب اقتصادي، فتغير لوحات الإعلان في مدينة القاهرة يحتاج في تقدير المعارضين إلى مليار جنيه مصري، فقد قدروا أن المدينة تضمن مليون لوحة إعلانية أجنبية، وتغيير كل لوحة كان يحتاج إلى ألف جنيه بأسعار هذا الزمان، هذا فضلا عن أن الاسم التجاري جزء مهم من رأس المال، والتفريط فيه تفريط في شيء كبير، وما أسهل الرد على ما قالوه بشرط أن تتوافر العزيمة الصادقة، فإذا كنا نضن بإنفاق هذا المبلغ الكبير على نظافة وجه المدينة من اللوحات الأجنبية

стр. 253

فيمكن أن نمنع الترخيص لأي نشاط جديد لا يحمل اسما عربيًّا ولا لافتة عربية خصوصًا إذا لم يكن فرعًا لشركة أجنبية، ويمكن أيضًا ألا نجدد الترخيص إلا لمن يتخلص من لافتاته الأجنبية كليًّا، أو جزئيًّا على الأقل. وأما من استقر له اسم تجاري يخاف عليه فيمكن أن يبقى على الاسم القديم مع الاسم العربي الجديد فترة من الزمن، حتى ترسخ جذور الاسم الجديد ويصبح أيضًا جزءًا من رأس المال، ولأن يتعرف وجه المدينة العربية ببطء وعلى مدى طويل أفضل من أن يبقى وجهها أجنبيًّا على طول المدى.

стр. 254

د ـ مقالة عرض الكتب: تحرص الصحف والمجلات على أن تعرض للكتب الجديدة التي ترى أنها مؤثرة وتفيد القارئ؛ من خلال تعريفه بأبرز الإصدارات الجديدة. وقد يكون الكتاب الذي يعرض له سياسيًّا، أو اقتصاديا أو أدبيا، أو مذكرات كتبتها شخصية مرموقة عن فترة عملها، وما صادفها من أشياء ترى أنها جديرة بالتسجيل.. إلخ. ويشترط في مقالة عرض الكتب ما يلي: ١- أن تكون لغتها واضحة قريبة من الأفهام؛ لأنها تخاطب الجمهور العام، في صحيفة أو مجلة. ٢- أن يكون الكتاب الذي تَعْرِضُ له قد صدر حديثا، ومتوافرا في الأسواق، ليتمكن القارئ الذي يثيره العرض من شرائه.

стр. 255

٣- أن يكون الكتاب الذي يعرض له متميزا في بابه، كأن يسد ثغرة في مجاله، أو يقدم نظرية جديدة، أو يخالف المألوف نتيجة لأبحاث جديدة، أو قراءة متعمقة. ٤- أن يلم كاتب مقالة عرض الكتاب بأهم ما طرحه الكاتب "صاحب الكتاب". وليس من مهمته أن ينقد الكتاب، أو أن يبين وجه الخطأ والصواب فيه، فهذه مهمة المقالة النقدية. ومن الذين يعرضون للكتب الجديدة: أحمد فضل شبلول في جريدة "الجزيرة"، ومحمد جبريل في مجلة"حريتي"، ومحمود الورداني في "أخبار الأدب"، وعنتر مخيمر ود. محمد علي داود في مجلة "الأدب الإسلامي". ومن نماذج هذه المقالة مقالة "محمد جبريل" في مجلة "حريتي" عن كتاب الدكتور حلمي محمد القاعود "لويس عوض: الأسطورة والحقيقة"، وهذا نصه: لويس عوض أمام محكمة القاعود١ للأستاذ محمد جبريل الكتاب الجديد الذي أصدره الدكتور حلمي محمد القاعود اسمه "لويس عوض: الأسطورة والحقيقة". فوجهة النظر واضحة إذن قبل أن نبدأ القراءة. ويشير الكاتب في استهلاله إلى خطورة القضايا التي يتصدى لها في قوله: إنه كان يعي أن الدخول إلى عالم لويس عوض مسألة محفوفة بالمخاطر والمحاذير،

стр. 256

فقد مثل -على حد تعبيره- مركز قوة خطيرًا منذ الستينيات، حتى رحيله في التسعينيات. ورأى الناس منه قدرته على تحطيم خصومه، والتنكيل بهم، وفرض هيمنته على معظم الصحف والدوريات والأجهزة الإعلامية، ثم رأى منه الناس قدرته على رفع أنصاره وأتباعه وأشياعه إلى قمة المجد والشهرة، حتى لو لم يكونوا يستحقون، فقط يكفي أن يكون راضيًا عنهم. وكما ترى، فإن الكتاب يبين عن الأرضية التي ناقش عليها شخصية لويس عوض وأفكاره، وإن أكدّ أنه قدم ما يعتقد من آراء، دون ميل أو هوى قد يسببه خلاف المعتقد أو تغاير الانتماء. من الصعب أن نعرض لكل القضايا التي آثارها حلمي قاعود في كتابه، لذلك فسنحاول التركيز على بعض تلك القضايا، بما يوضح النظرة الكلية للويس عوض، كما يقدرها حلمي القاعود. أما المدخل لشخصية لويس عوض، فهو أنه كان ينظر إلى الآخرين. ويتعامل معهم، ويصدر أحكامه عليهم، بقدر اتساق أفكارهم وتصوراتهم مع فكره وتصوارته، ومدى اقترابهم وابتعادهم من تحقيق مصالحه وطموحاته. ذلك ما فعله حتى مع أقرب الناس إليه، سواء أكانوا من أهله أم من أصدقائه. القاعود يرى مفتاح شخصية لويس عوض في "النرجسية" التي تكرس الأنانية والاستعلاء، وتمجيد الذات، والغطرسة، والادعاء بلا حدود. ويورد القاعود مقولة رشاد رشدي: "إن لويس عوض غالبًا ما يبدأ الكتابة بإصدار أحكام مسبقة يكون مصدرها أوهام عقله، أو متاهات في وجدانه، أو

стр. 257

أغراض له شخصية بحتة، ثم يتبع هذه الأحكام ببراهين وأدلة بعيدة عن الحقيقة كل البعد". وارتكازا إلى تلك النرجسية، فقد كان حضور لويس عوض في حياتنا الثقافية حضورا قمعيًّا إرهابيًّا، يعتمد على إخلاء الساحة له ولأتباعه، وتفريغها من المخالفين في الرأي والتصور والاعتقاد، وافتعال المعارك الثقافية لإرهاب الآخرين تحت رايات خادعة. أما الذين احتفى بهم لويس عوض على صفحات "الأهرام"، ونشر لهم، فقد كانوا من أشياعه أو حوارييه، الذين آمنوا بفكره، وعلى الأقل لم يعارضوه، أو ارتضوا نصائحه. أباطيل وأسمار ولقد كان من أهم المعارك التي خاضها لويس عوض معركته مع العلامة محمود محمد شاكر، حين تصدت مجلة "الرسالة" في عهدها الثاني لأخطاء أدانت بها لويس عوض في مقالات نشرها في "الأهرام"، عن أبي العلاء المعري تحت عنوان "على هامش الغفران"، ودخل العلامة محمود محمد شاكر المعركة بثلاثة وثلاثين مقالًا، جمعها فيما بعد تحت عنوان" أباطيل وأسمار" وذكر شاكر أن لويس عوض لم يقرأ حرفًا واحدًا من شعر أبي العلاء المعري. وإن كان قد قرأ منه شيئًا، أو قرئ عليه، فإنه لم يفهم منه حرفًا واحدًا على الوجه الذي يفهم به الشعر. الطريف، والمؤسف أن لويس عوض -كما يقول القاعود- لم يحاول الرد على الآراء بآراء مختلفة وصحيحة، لكن شن حملة لتصفية مجلات وزارة الثقافة التي تبنى بعضها مقالات التصدي لأخطائه العلمية. وقد أغلقت المجلات بالفعل فيما عدا واحدة، وسمى لويس إنجازه بمعجزة صيف ١٩٦٥، وواصل

стр. 258

الرجل حملته -من بعد- فدعا إلى طرد جيوش الدخلاء، وتطهير الثقافة منهم، ورفع أسعار المطبوعات الدورية وغير الدورية التي تصدرها وزارة الثقافة، واستطاع أن يفرض هيمنته على الساحة الثقافية، وحقق من ذلك استفادة شخصية، تمثلت في نشر كتبه بهيئة الكتاب، وحصوله -مقابلا لذلك- على أعلى المكافآت. وعندما أخذت مجلة "الشعر" التي كانت تصدرها وزارة الثقافة موقفًا من الشعر الحر، شن لويس عوض حملة جديدة، لكنه -كما يشير القاعود- أخفق فيها، وإن أكدّ الكاتب أن المسألة لم تكن خلافًا فكريا بقد ما كانت نزوعًا من لويس عوض إلى التسلط والاستبداد والسيطرة، ليقول ما يشاء، دون أن يرد عليه أحد، أو يصحح له أخطاءه، أو يظهر له خطاياه. مراجعات ويلاحظ الكاتب أن تراث لويس عوض في أغلبه مقالات كتبها في "الجمهورية"، "والأهرام"، و"الكاتب"، وغيرها، معظمها يدور حول مراجعات الكتب والدواوين الشعرية، ومتابعات القضايا التي تدور في الواقع الثقافي والاجتماعي، ومن استقراء كتابات لويس في النقد الأدبي يصعب على القارئ تبين فكرة متكاملة توحي بأن الرجل يملك رؤية متكاملة، أو منهجا واضحا، فهو يبدو أقرب إلى الناقد الانطباعي، لا تحليل ولا تعليل، إنما تقرير وأحكام لا ترد. لقد انتقد أحمد شوقي وعزيز أباظة -على سبيل المثال- بسبب عدم إدراكهما -في تقديره- للفارق بين الشعر المسرحي والمسرح الشعري. وأهمل دورهما كرائدين للمسرح الشعري، وانتقد نازك الملائكة لتصورها لشعر التفعيلة،

стр. 259

واتهمها أنها من شعراء اليمين المتطور الذكي، الذين يحاولون منع ظهور الجديد بتبني شعاراته. كذلك فقد حاول لويس عوض أن يفسر العديد من الأعمال بما يرضي توجهه الديني؛ مثل رواية "الطريق" لنجيب محفوظ، وبعض قصائد صلاح عبد الصبور، ثم ينصب عبد الصبور أميرًا للشعراء خلفًا لشوقي، "لقد أثبت صلاح نهائيا، وبما لا يدع مجالا للشك أن عمود الشعر الجديد قد أقيم، وأن أنقاض ذلك المعبد الأثير الذي انهار بموت شوقي قد أزيلت، وارتفع مكانها البناء الجديد". ويلاحظ القاعود أن لويس عوض يسرف في استخدام أفعل التفضيل، وهو ما يمثل خطورة كبيرة؛ لأنه يغلق الطريق على الأجيال التالية، وقد ينتقص الإنجازات السابقة. ويرتبط بالأحكام العامة لدي لويس عوض "أنه ليس في جيل الستينيات غير الأديبين محمد يوسف القعيد وجمال الغيطاني". وهو قول فيه الكثير من الخطأ ومجافاة الصواب، لأن في هذا الجيل -والقول للقاعود- من هو أفضل منهما وأكثر أهمية، ومع ذلك فقد هاجم لويس هذين الأديبين -تحديدًا- فيما بعد لأسباب شخصية. أما آراء لويس عوض في اللغة، فهي تذهب إلى أن التمسك باللغة العربية من بواعث تأخرنا الاجتماعي، وزعم أن للمصريين لغتهم الشعبية الخاصة التي اصطنعوا منها أدبًا شعبيًّا لا بأس به، وتلك اللغة الشعبية المزعومة لدى لويس عوض هي اللهجة العامية التي تختلف -في زعم لويس- عن العربية الحقة في ألف بائها، ونحوها وصرفها، وصيغ ألفاظها، وعروضها. أما لويس عوض المترجم، فإن أسلوبه في الترجمة -كما يقول القاعود- لا

стр. 260

يختلف كثيرًا عن أسلوبه العربي الذي يكتب به، ضعيف تركيبيًّا، بعيد عن صياغة البيان العربي، مليء بالأخطاء اللغوية، بل إن ترجماته -أحيانًا- لا تطابق النصوص التي ترجمها! ترجمة ذاتية ويعد حلمي القاعود الرواية الوحيدة التي كتبها لويس عوض "العنقاء" "أو تاريخ حسن مفتاح" ترجمة ذاتية لمؤلفها: ثمة كثير من التشابه بين الشخصيات والأحداث والزمان والمكان، مع الاختلافات التي تفرضها طبيعة العمل الروائي، إنها وثيقة مهمة تفضح دموية الشيوعيين المصريين، ووسائلهم الخادعة لتحقيق أهدافهم، لكنها -في الوقت نفسه- تثير التعاطف معهم، وتسوِّغ إجرامهم الدامي، أما البناء الروائي فهو مجرد ذكريات، حاول لويس عوض أن يربطها ليصوغ منها رواية حول الشيوعية والشيوعيين في مصر. لذلك فإن الكاتب يعدها مجرد تجربة زاعقة بآراء لويس عوض وأفكاره أكثر منها رواية حافلة بالتعبير الفني والأدبي، ولم تضف إلى فن الرواية جديدًا. أما لويس عوض شاعرًا، فإن حصاده الشعري يكاد يخلو من العاطفة الحقيقية، وينبض بالعقلانية غير المنطقية التي تدور في إطار ديني مليء بهواجس الإلحاد، والتطاول على الذات الإلهية، مع خيالات جنسية فجة وقبيحة. يبقى من لويس عوض المبدع: الكاتب المسرحي. وقد صدر له "الراهب" و"محاكمة إيزيس". فضلًا عن كتاب "المحاورت الجديدة" الذي يعتمد على الحوار بين العديد من الشخصيات التي ترتدي أقنعة. أما "الراهب" فهي

стр. 261

تحمل رفضًا لمبدأ الوحدة العربية، وقد كتبها لويس عوض أثناء الوحدة بين مصر وسوريا، وعمومًا، فقد أخفقت المسرحية في تقديم عمل فني له قيمة كبيرة، بسبب نظرة مؤلفها الضيقة، وأما "محاكمة إيزيس" -كما يرى القاعود- فهي تعالج قضايا عديدة، لم تستطع أن تبلورها في مقدمات ونتائج. إنها أقرب إلى الخواطر والمشاعر منها إلى البناء المسرحي الحقيقي، وبالنسبة لكتاب "المحاورات الجديدة"، فإنه يحفل بالهجاء -وليس الرد العلمي- على مقالات مجلتي "الرسالة" و"الثقافة" في فترة الستينيات، والتي كشفت قصوره العلمي. مواقف سياسية أما لويس عوض سياسيًّا، فإن آراءه وتصرفاته تنفي ما أعلنه من أنه لا يكتب في السياسة، ومواقفه محكومة بروحه الطائفية المتعصبة التي تتناقض مع روح المسيحية السمحة فضلًا عن روح العلم والقيم الإنسانية. إنه لم يكن منصفًا في أيٍّ من مواقفه السياسية. برغم الدعاوى العريضة التي تحدث فيها عن الحرية والديمقراطية والإنسانية والعلمانية أيضًا! ويناقش القاعود لويس عوض في مواقفه من العديد من المفكرين العرب. يفندها أو يعارضها، فلويس عوض يرد منجزات "ابن خلدون" إلى الفكر الغربي، بدلًا من أن يرد منجزات الفكر الغربي إلى "ابن خلدون" ومن سبقه من علماء المسلمين. وبالنسبة لرفاعة الطهطاوي، فإن لويس عوض يسلبه شرف الإبداع والريادة، حين يرد إنجازاته إلى السادة الفرنسيين، ثم يلوي أفكار رفاعة وآراءه ليشوهه. ويحمله ما لا يحتمل، ويوجه لويس إلى شخصية "جمال الدين الأفغاني" طعنات قاسية، فيتحول في قلمه إلى أفّاك غامض، وعميل رخيص للاستعمار الإنجليزي، وفي المقابل، فإن لويس عوض يسبغ صفات الوطنية

стр. 262

على المعلم "يعقوب" الذي خان وطنه، ثم آثر الرحيل مع القوات الفرنسية المسيحية، خوفًا من انتقام الوطنيين المصريين. أما آخر فصول الكتاب، فإن الكتاب يناقش في كتابات لويس عوض في الإسلام والعروبة، والتي تتلخص في الإصرار على استبعاد الإسلام من الواقع والحياة العملية، وهو -في آرائه- يغالط ولا يطرح القضايا طرحًا علميًّا. ولا يتقصى الأسباب الحقيقية للمشكلة.. أية مشكلة!.. والكتاب -في مجمله- يفجر الكثير من القضايا المهمة التي أثق أنها ستعيد طرح كتابات لويس عوض على الساحة الثقافية، ما لها وما عليها، وجوانب الصواب والخطأ فيها. ومن الملاحظ على هذه المقالة ما يلي: ١- أنها تتناول كتابًا قد ظهر حديثًا. ٢- أن الكتاب -الذي تتناوله المقالة- يعيد النظر في ناقد شهير، برؤية علمية، وأن مؤلف الكتاب أستاذ جامعي، لم تخدعه شهرة "لويس عوض" فأعاد النظر في قراءة كتبه، ودرس مواقفه النقدية. ٣- إن كاتب المقالة وضع عناوين فرعية بخط أسود كبير ليشوق القارئ إلى مطالعة مقالته، وهذه هي العناوين التي نشرت في الصفحتين اللتين نشرت المقالة فيهما: أ- لويس عوض نرجسي.. يكرِّسُ الأنانية والاستعلاء، والادعاء بلا حدود.

стр. 263

ب- ناقد انطباعي.. لا يملك روية متكاملة، ولا منهجًا واضحًا. جـ- فرض نفسه بالقمع والإرهاب على الساحة الثقافية. د- مواقفه السياسية محكومة بروح الطائفية المتعصبة التي تتنافي مع روح المسيحية السمحة. هـ- حصاده الشعري هزيل، بلا عاطفة، مليء بهواجس الإلحاد والتطاول على الذات الإلهية، والخيالات الجنسية الفجة. ٤- العناوين الفرعية السابقة تضم الفكر الرئيسي للمقالة. ٥- لم يُبْدِ كاتب المقالة رأيه موافقةً أو اعتراضًا، فهذا دور المقالة النقدية.

стр. 264

هـ- مقالة المتابعة "أو التغطية الصحفية ": من أنواع المقالات الصحفية المستحدثة مقالة المتابعة "أو التغطية الصحفية"، وفيها يقوم الكاتب بتلخيص ندوة، أو محاضرة، أو درس شاهده، وينبغي أن يتوافر فيها ما يأتي: ١- يقظة الكاتب، وقدرته على الإحاطة بالموضوع المطروح، وقضاياه الرئيسية، وأفكاره الجزئية. ٢- قدرته على التلخيص والاختزال، فما يقال في ندوة في ساعتين يكتبه في عدد قليل من الصفحات، مع عدم الإخلال. ٣- قد يكون لكاتب المقالة رأيه فيما يتابعه، أو ينقله، موافقة وتأكيدًا، ونقدًا وتفنيدًا.

стр. 265

٤- لا ينبغي أن يوجزها كاتبها إيجازًا مخلًّا بالأفكار، أو مشوِّهًا للحقائق. ٥- أن يضع عناوين لموضوعه تجمع بين نقل الحقيقة، وجذب القارئ. ومن كتاب مقالة المتابعة: أحمد فضل شبلول، الذي نقدم له هنا متابعة لمحاضرة أقامها النادي الأدبي بالرياض، للدكتور سمير عبد الحميد إبراهيم عن المفكر الهندي المسلم"شبلي النعماني"، وهذا نصها. "شبلي النعماني" في النادي الرياضي بالرياض١ للأستاذ:أحمد فضل شبلول ضمن نشاطه المنبري لهذا الموسم استضاف النادي الأدبي بالرياض مساء الثلاثاء ١٣/ ١٠/ ١٤١٥ هـ الدكتور سمير عبد الحميد إبراهيم الأستاذ بعمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ليتحدث عن "الاتجاه الإسلامي في أدب شبلي النعماني"، وقد حظيت المحاضرة بحضور عدد من أساتذة الجامعة والأدباء لا بأس به، شارك بعض منهم في إبعاد الشك الذي ألقاه المحاضر حول الدكتور محمد حسين هيكل وكتابه "الفاروق" عمر بن الخطاب، والشبه التي حامت حول كتاب "حياة محمد". فما علاقة شبلي النعماني بمحمد حسين هيكل ومؤلفاته؟ وكيف تطرقت المحاضرة التي أدارها الدكتور عزت خطاب إلى هذه الأمور؟ في البداية قدم المحاضر تعريفًا بالأديب والشاعر الهندي "شبلي النعماني" فقال: ولد محمد شبلي النعماني عام ١٢٧٣هـ/ ١٨٥٧م في أعظم كره بالهند ـ ودرس اللغة العربية والفارسية واهتم بدارسة الحديث والفقه، وسافر للحج

стр. 266

وهو في التاسعة عشرة، وشارك في حركة عليكره، فعمل أستاذًا للعربية والفارسية، ثم انتقل إلى لكهنو واشترك في تأسيس ندوة العلماء ودار المصنفين. وقد اهتم شبلي بإصلاح نظام التعليم في المدارس العربية الإسلامية، ورد على جرجي زيدان في كتابه "التمدن الإسلامي" ونشرت مقالاته بالعربية في "المنار" التي كان يديرها محمد رشيد رضا، وهو بالإضافة إلى هذا كتب الشعر بالعربية والفارسية والأردية، ومن مؤلفاته بالأردية: المأمون، الفاروق، سيرة النعمان، سيرة النبي "جزءان". ويتضح الاتجاه الإسلامي في مؤلفاته النثرية والشعرية بجلاء. وقد أوضح المحاضر د. سمير عبد الحميد أن عام ميلاد النعماني ١٨٥٧م يعد عامًّا مشهودًا في تاريخ الهند لأنه عام الثورة التي قام بها المسلمون ضد الإنجليز، وأنه توفي في بداية الحرب العالمية الأولى ١٩١٤م/١٣٣٢هـ. كما تطرق المحاضر إلى أن الرجل غير معروف في العالم العربي، كما أنه غير معروف لدارسي الآداب الشرقية، وأنه لم يكتب عنه شيء باللغة العربية، وأنه ساعد من خلال كتاباته ومؤلفاته على إرساء التقاليد الأدبية للغة الأردية، حيث كانت الكتابة الأدبية قبله تعتمد على الفارسية. وقد ساعدت الظروف التي مر بها شبلي النعماني ومرت بها الهند عمومًا على تكون فكره وأدبه، ولعل من أهم هذه الظروف: الثورة التي قام بها المسلمون في الهند ضد الإنجليز، وموجة الاضطهاد الواسعة التي شنت ضد هؤلاء المسلمين. لذا فقد طالب شبلي النعماني بإعادة كتابة تاريخ الهند مرة أخرى، وإلقاء الضوء على دور المسلمين.

стр. 267

لقد ولد شبلي النعماني وتربى في مدرسة دينية صغيرة، ثم أرسله أبوه إلى شيخ يعلمه اللغة العربية، ثم تعلم الفارسية، وعندما جاء للحج وهو في التاسعة عشرة من عمره راح يبحث في مكتبات مكة المكرمة والمدينة المنورة فوجد كتبًا لم تكن موجودة في الهند عن الحديث النبوي، كما أنه راح يبحث عن الكتب التي تتحدث عن حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ثم انكب على الكتابة عن رحلته إلى الحج. وفي حديث المحاضر عن شبلي النعماني أوضح أن الرجل كان سلفيًّا وأنه بدأ يتصل بسيد أحمد خان وزامله لمدة ١٦عامًّا ثم اختلف معه وتركه لانحرافه العقدي ثم ذهب إلى تركيا والشام ومصر لدراسة نظام التعليم بتلك الدول وتطبيقه في الهند. وفي مصر مكث فترة طويلة زار فيها الأزهر وقابل الشيخ محمد عبده. ورغم أنه كتب كتابة طيبة عن مصر فإن نظام التربية في الأزهر لم يكن يعجبه -كما لم يعجب محمد عبده أيضًا- كما لم يعجبه أيضًا نظام التعليم، حيث لا توجد سنوات دراسة متدرجة بالأزهر، إلا أن نظام كلية دار العلوم التي أسسها علي باشا مبارك قد أعجبه، وأعجبه أكثر أن الأساتذة في تلك الكلية لم ينقلوا من كتب وإنما كانوا ينقلون من صدورهم "فكأنما العلم مطبوع في صدورهم وقلوبهم" كما زار شبلي في مصر المسرح وقال: "إن الذهاب إلى المسرح يتعارض مع الوقار والاحترام". ثم انتقل المحاضر إلى الحديث عن أدب شبلي النعماني فأوضح أنه كما يقول شعرا مرتجلًا باللغة العربية وكان يتحدث فيه عن الأمة الإسلامية.. وهنا يتحدث المحاضر عن أن الشعر العربي في الهند يحتاج إلى دراسة وليس في الهند

стр. 268

فحسب، ولكن في المهجر الشرقي بعامة، وبالإضافة إلى الشعر، فقد كتب شبلي رسالة نثرية بالعربية عنوانها "إسكات المعتدي"، كما أبدع نثرًا عربيًّا في جامعة عليكره، وكتب عن الجزية في الإسلام، ونقد كتاب "التمدن الإسلامي" لجرجي زيدان، وكان على صداقة بالشيخ رشيد رضا صاحب "المنار"، وعلى الرغم من ذلك فقد تردد رشيد رضا في نشر ما كتبه شبلي عن "التمدن الإسلامي"، ومن وجهة نظر شبلي فإن العلماء في مصر ـ في ذلك الوقت ـ كانوا يخافون من جرجي زيدان، ولكن رشيد رضا انتصر على تردده وحرجه ونشر ما كتبه شبلي، ثم رد عليه زيدان فيما بعد. وبالإضافة إلى ردود شبلي على جرجي زيدان فإنه كان يقوم بالرد على عدد من المستشرقين وبخاصة في كتابه عن الفاروق. وهنا يفجر المحاضر قنبلة تتعلق بالدكتور محمد حسين هيكل وكتابه "الفاروق" حيث يشك د. سمير عبد الحميد في أن هيكل عندما كتب عن الفارق رجع إلى كتاب "الفاروق" الذي كتبه بالإنجليزية ظفر خان، وذلك في الجزء الأول، وبنظرة إلى تسلسل الفصول في كلا الكتابين يقوم الشك، أما الجزء الثاني من كتاب "الفاروق" لمحمد حسين هيكل فإن المحاضر يشك بأنه مأخوذ عن شبلي النعماني. وفي نهاية المحاضرة عرض المحاضر لنماذج من شعر النعماني، حيث يظهر أدبه في الشعر أكثر من النثر، كما يتضح الاتجاه الإسلامي أكثر في هذا الشعر. ويعلن المحاضر أسفه لانتهاء الوقت المخصص للمحاضرة دون أن يتناول الكثير مما رتبه للحديث عن شبلي النعماني، وبخاصة دوره في تأسيس ندوة العلماء في الهند، وما كتبه عن محنة البلقان "البوسنة والهرسك الآن".

стр. 269

بعد ذلك فتح الدكتور عزت خطاب الباب للمداخلات والتعليقات والإضافات، فكان أول المتحدثين الشيخ عبد الله بن إدريس -رئيس النادي الأدبي- فشكر المحاضر وطلب منه استكمال مشواره عن شبلي النعماني بتأليف كتاب عنه، كما طلب منه أن يحيل شعر الشبلي غير العربي إلى شاعر يعيد صياغة هذا الشعر، وهنا تقدم الدكتور الشاعر حسين علي محمد بقصيدة عنوانها "العيد" قام بصياغتها شعرًا عن قصيدة مأخوذة عن شبلي النعماني ترجمها المحاضر. أما الدكتور عبد الحميد إبراهيم فبعد أن أشاد بالمحاضر والمحاضرة، توقف عند شك المحاضر في كتاب الفاروق لمحمد حسين هيكل، وأوضح أن د. هيكل لم تكن لغته الأجنبية الأولى الإنجليزية، بل كانت الفرنسية، وأن النظر إلى فهرست الكتابين لا يقيم دليلًا على السرقة. وأن هيكل لا يحتاج إلى النقل من شبلي ولكن إذا أراد أن ينقل من الكتب فلديه كتب أخرى بالعربية. وألمح د. عبد الحميد إبراهيم إلى أن المقارنة بين كتابين تحتاج إلى وسائل وإثباتات علمية لم يقدمها المحاضر. أما الدكتور زكي إسماعيل فقد توقف عند أمر مهم للغاية وهو فكرة شبلي النعماني وحديثه عن الأزهر وطلابه في سلوكهم اليومي، فقال: من المعروف أن الأزهر قدم عظماء للعالم الإسلامي كله، وأن انتقاد النعماني للأزهر لم يكن له أي أساس من الصحة، لأن الأزهر في ذلك الوقت كان يقوم على طريقة الأعمدة، فكل معلم يأخذ عمودًا ويدرس لطلابه الذي يتقدمون للعلم من تلقاء أنفسهم، وأن نظام السنوات المتدرجة لم يكن مطبقًا في ذلك الوقت الذي زار فيه شبلي الأزهر، وأنه لا يصح أن نقف عند حديث النعماني في ذلك.

стр. 270

الخصوص، أما الجانب الآخر فإن جامعة عليكرة بالهند حولها الكثير والكثير من الشبهات، وأنها جامعة علمانية، تبتعد عن الإسلام، وآمل أن يلقي د. سمير ظلالًا حول هذا الموضوع. ثم تقدم بعد ذلك الأستاذ راضي صدوق ليعزز شكه في هيكل بشك آخر في كتاب "حياة محمد"، فقد حدثه الأستاذ عادل زعيتر "يرحمه الله" بأنه عندما قرأ كتاب "حياة محمد" لهيكل تذكر كتابًا باللغة الفرنسية يحمل العنوان نفسه لكاتب فرنسي "لم يذكر اسمه" وأنه قارن بين الكتابين، وأراد أن يكشف سرقة هيكل بأسلوب العلماء، فترجم الكتاب من الفرنسية إلى العربية، فإذا هذا من ذاك. "ولكن أين الكتاب؟ ومن هو مؤلفه؟ ". وتساءل الدكتور السيد الشاهد: هل كتب شبلي النعماني عما فعله الإنجليز في المسلمين بالإنجليزية؟ وأضاف أن الكتابة بالعربية معروفة، فالمآسي نعرفها، والأولى بمعرفتها هم الأوروبيون. أما محاولة سيد أحمد خان -التي تحدث عنها المحاضر- في نقل الثقافة الإنجليزية إلى الهند دون نقل الدين، فإنها تسير بشكل متطابق مع ما قام به الغرب في العصور الوسطى بنقل العلوم الإسلامية دون الأخذ بالدين الإسلامي. وفي كلتا الحالتين فالنتيجة واحدة وهي "العلمنة"، ثم تساءل د. الشاهد: هل يوجد أوجه شبه بين سيد أحمد خان وطه حسين؟.. و.. ألم يكن لأي مستشرق من المستشرقين تأثير يمكن أن يسمى تأثيرًا إيجابيًّا على شبلي النعماني ومن عاصروه؟ أما د. عبد القدوس أبو صالح فقال: إن هناك قممًا عالية تضم عباقرة من الأدباء المسلمين من غير العرب لم يتم التعريف بهم. وكفانا تعريفًا بأدباء المهجر الذين أخذوا حظًّا أوفر. وطالب د. عبد القدوس إدارة النادي بإعطاء

стр. 271

المحاضر وقتًا أطول فالموضوع جيد يجب ألا يحد بوقت معين. كما أشاد بتمكن المحاضر من موضوعه، وعفويته في الإلقاء. ثم تحدث بعد ذلك د. حلمي القاعود فقال: كنت أنتظر أن يركز المحاضر على عنوان المحاضرة "الاتجاه الإسلامي في أدب شبلي النعماني"، ولكن مشكلة الوقت التي تحدث عنها د. عبد القدوس اضطرت المحاضر إلى تقديم نماذج قليلة من إبداعات شبلي النعماني. وآمل أن يقوم النادي بطباعة المحاضرة لنستفيد مما جاء فيها. أما عن رأي القاعود في التشكيك في مؤلفات د. محمد حسين هيكل فأوضحه بقوله: إنني أربأ بالمتحدثين أن يقيموا حفلًا على لصوصية هيكل، فهيكل لم يكن محتاجًا لأن ينقل عن الغرب، وأزعم أن هيكل ألف أول بحث علمي في كتابة السيرة، رغم المأخذ التي أخذت عليه، لذا يجب أن نتريث كثيرًا عند اتهامه باللصوصية أو السرقة. أما د. أحمد الحسيسي فرغم أنه متخصص في الفارسية إلا أنه استفاد كثيرًا من المحاضرة التي أضافت إليه جديدًا في معلوماته عن شبلي النعماني، ثم أعلن تأييده لما قاله د. زكي إسماعيل من قبل. ثم تحدث بعد ذلك د. حسين نصار فقال: إنني لن أتكلم عن المحاضرة التي أقر أنني على الرغم من اتصالي بالتراث الهندي فإنني عرفت منها أشياء كنت أجهلها، غير أنني أتوقف عند فكرة سرقة كتاب الفاروق، فالسرقات لها معايير ولا صلة لها على الإطلاق بالعنوان، فتشابه العنوان أو تطابقه، وأيضًا قائمة المحتويات لا يقيم دليلًا على سرقة. ثم أعطى الدكتور عزت خطاب الميكروفون للمحاضر كي يرد على المداخلات والتعليقات والتساؤلات والاعتراضات. وكان أول رد للدكتور سمير

стр. 272

عبد الحميد هو ما يتعلق بموضوع سرقة د. هيكل فأوضح أن هيكل ذكر ثبتًا للمراجع الإنجليزية في نهاية كتابه عن الفاروق، ولكن على أية حال فإن هذا لم يعزز الاتهام. وتساءل عن الترجمة العربية لكتاب ظفر خان وقال: إنها مفقودة. ثم علق المحاضر على شكه بقوله: إن هيكل وشبلي التقيا في الحجاز كما التقى كل من ظفر خان وهيكل، وإن ظفر خان أعطي نسخة من كتابه عن الفاروق مكتوبة باللغة الإنجليزية للدكتور هيكل أثناء زيارته للحجاز، لكن يجب البحث والتقصي للوصول إلى الحقيقة، وإن كل حديثي مجرد شك فحسب. أما بخصوص كلام الشبلي عن الأزهر فإنه لم يكن موجهًا للأزهر نفسه، ولكن لم تعجب شبلي طريقة التربية في الأزهر، وهذه غيرة منه على الأزهر، وأنا مع شبلي في هذا. كما أوضح المحاضر أن شبلي لم يكتب عن واقع المسلمين باللغة الإنجليزية وأنه استفاد من المستشرقين، وتعلم عن توماس أرنولد منهج البحث. أما بخصوص أوجه الشبه بين طه حسين وسيد خان في حركة عليكرة فإن الاثنين يختلفان تمامًا عن بعضهما البعض. واختتم د. سمير عبد الحميد ردوده بقوله: إن د. حلمي القاعود محق في كلامه عن عنوان المحاضرة، ولكن الوقت لم يسمح ببيان روعة شبلي في أدبه الإسلامي، كما أنني لم أتحدث عن دور شبلي النعماني في ندوة العلماء.

стр. 273

ومن الملاحظ على هذه المقالة ما يلي: ١- أن كاتبها أجاد عرض المحاضرة، وتلخيصها، والأجواء التي تمت فيها. ٢- وضع عناوين مثيرة له لتجذب القارئ، غير العنوان الرئيسي ومنها: أ- المحاضر يتهم الدكتور محمد حسين هيكل بسرقة كتاب "الفاروق"، والمعلقون يدافعون. ب- "النعماني" يرسي التقاليد الأدبية للغة الأردية. جـ- النعماني ينتقد نظام التربية والتعليم بالأزهر، ويبدي إعجابه بكلية دار العلوم. د- علماء مصر كانوا يخشون جرجي زيدان!

стр. 274

خصائص المقالة الأدبية مدخل ... رابعًا- خصائص المقالة الأدبية يمكن أن نجمل العناصر الرئيسية للمقالة الأدبية فيما يلي: ١- صدق إحساس الكاتب. ٢- الأصالة بمعنى التعبير المبتكر عن الذات. ٣- وجهة نظر خليقة البروز والعرض. ٤- جمال التعبير. ٥- قوة الإثارة، والإمتاع "العرض الجيد"١. صفات المقال الجيد ١- صدق إيمانه بما يكتب، وحرارة عاطفته لموضوعه. ٢- أن يكون متمتعًا بالذوق اللغوي الممتاز في إلباس المعاني الألفاظ المناسبة، ووضع الألفاظ في أماكنها الملائمة. ٣- أن تكون لديه روح الملاحظة الذكية التي ترصد ما حولها، ثم تختار ما تراه جديدًا بالتعبير عنه من مظاهر الحياة، وشئون الكون، وتجارب الآخرين. ٤- ألا يكون صوت كاتب المقالة صدى لأصوات أخرى، بل يكون تناوله لموضوعاته في المقالة تناولًا حرًّا مستقلًّا. ٥- التريث في الكتابة، حتى ينأى الكاتب بقلمه عن تقديم النتاج الفج المتعجل.

стр. 275

٦- الملائمة بين أسلوب الكاتب وتفكير القراء، فكاتب المقالة الأدبية يحس وجود قرائه معه وهو في عزلته يكتب على مكتبه، وكأنه يتحدث إلى هؤلاء الآلاف من القراء؛ يعرف مشكلاتهم، ولا تغيب عنهم أمانيهم. ٧- الملاءمة بين أسلوب الكاتب وروحه، حتى تكون الكلمة المكتوبة انعكاسًا صادقًا لنفسه الصادقة. ٨- مراعاة الكاتب الاقتصاد في الكتابة مع الوضوح فيها، ويتحقق هذان العنصران بإيراد الكلمات المفهومة، والتراكيب النحوية السلمية، حتى لا يستنفد جهد القارئ في تفسير الكلمات، وتوضيح التراكيب النحوية١. نماذج للمقالة وفي نهاية هذا الفصل نقدم لك خمسة نماذج للمقالة، للتحليل، على ضوء القراءة فيما سبق:

стр. 276

١- فرعونيون وعرب للأستاذ أحمد حسن الزيات ١ عفا الله عن كتابنا الصحفيين! ما أقدرهم على أن يثيروا عاصفة من غير ريح، ويبعثوا حربًا من غير جند. حلا لبعضهم ذات يوم أن يكون بيزنطيًّا يجادل في الدجاجة والبيضة، أيتهما أصل الأخرى؟ فقال على هذا القياس: أفرعونيون نحن أم عرب؟ أنقيم ثقافتنا على الفرعونية أم نقيمها على العربية؟ نعم قالوا ذلك القول وجادلوا فيه جدال من أعطي أَزِمَّةَ النفوس وأَعِنَّةَ الأهواء، يقول لها كوني فرعونية فتكون، أو كوني عربية فتكون! ثم اشتهر بالرأي الفرعوني اثنان أوثلاثة من رجال الجدل وساسة الكلام، فبسطوه في المقالات، وأيدوه بالمناطرات، ورددوه في المحادثات، حتى خال بنو الأعمام في العراق والشام أن الأمر جد، وأن الفكرة عقيدة، وأن ثلاثة من الكتاب أمة، وأن مصر رأس البلاد العربية قد جعلت المآذن مسلات، والمساجد معابد، والكنائس هياكل، والعلماء كهنة. مهلا بني قومنا لا تعتدوا بشهوة الجدل على الحق، ورويدا بني عمنا لا تسيئوا بقسوة الظن إلى القرابة! إن الأصول والأنساب عرضة للزمن والطبيعة؛ تواشج بينها القرون وتفعل فيها الأجواء حتى يصبح تحليلها وتمييزها وراء العلم وفوق الطاقة، فإذا قلنا فلان عربي أو فرنسي أو تركي، فإنما نعني بهذه النسبة انطباعه بالخصائص الثقافية والاجتماعية لهذا الشعب.

стр. 277

كاللغة والأدب والأخلاق والهوى والدين. فمهيار عربي وأصله فارسي، وروسو فرنسي وأصله سويسري، والأمير فلان مصري وأصله تركي؛ لأن كلا من هؤلاء الثلاثة أصبح جزءًا من شعبه، ينطق بلسانه ويفكر بعقله ويشعر بقلبه. فبأي شيء من هذا يتمارى أخواننا الجدليون وهم لو كشفوا في أنفسهم عن مصادر الفكر ومنابع الشعور ومواقع الإلهام لرأوا الروح العربية تشرق في قلوبهم دينًا وتسري في دمائهم أدبًا، وتجري على ألسنتهم لغة، وتفيض في عواطفهم كرامة ... ؟ لا نريد أن نحاجهم بما قرره العلماء المحدثون من أن المصرية الجاهلية تنزع بعرق إلى العربية الجاهلية، فإن هذا الحجاج ينقطع فيه النفس ولا ينقطع به الجدل.. وكفى بالواقع المشهود دليلًا وحجة. هذه مصر الحاضرة تقوم على ثلاثة عشرة قرنًا وثلثًا من التاريخ العربي نسخت ما قبلها كما تنسخ الشمس الضاحية سوابغ الظلال.. وذلك ماضي مصر الحي الذي يصبح في الدم، ويثور في الأعصاب، ويدفع بالحاضر إلى مستقبل ثابت الأس، شامخ الذرى، عزيز الدعائم. أزهقوا إن استطعتم هذه الروح، وامحوا ولو بالفرض هذا الماضي، ثم انظروا ما يبقى في يد الزمان من مصر. هل يبقى غير أشلاء١ من بقايا السوط، وأنضاء٢ من ضحايا الجور، وأشباح طائفة ترتل "كتاب الأموات"، وجباه ضارعة تسجد للصخور وتعنو للعجماوات، وقبور ذهبية.

стр. 278

الأحشاء ابتعلت الدور حتى زحمت بانتفاخها الأرض، وفنون خرافية شغلها الموت حتى أغفلت الدنيا وأنكرت الحياة؟ وهل ذلك إلا الماضي الأبعد الذي تريدون أن يكون قاعدة لمصر الحديثة، تصور بألوانه وتشدو بألحانه وتحيا أخيرًا بروحه؟ ولكن أين تحسون بالله هذه الروح؟ إن أرواح الشعوب لا تنتقل إلى الأعقاب إلا في نتاج العقول والقرائح. فهل كشفتم بجانب الهياكل الموحشة والقبور الصم مكتبة واحدة تحدثكم عن فلسفة كفلسفة اليونان، وتشريع كتشريع الرومان، وشعر كشعر العرب؟ أم الحق أن مصر القديمة دفين فنيت روحه مع الآلهة، وصحائف موت ذهب سرها مع الكهنة، والخامد لا يبعث حياة، والجامد لا يلد حركة؟ لا تستطيع مصر الإسلامية إلا أن تكون فصلًا من كتاب المجد العربي؛ لأنها لا تجد مددًا لحيويتها، ولا سندًا لقوتها، ولا أسسًا لثقافتها، إلا في رسالة العرب. أما أن يكون لأدبها طابعه ولفنها لونه، فذلك قانون الطبيعة ولا شأن "لمينا" ولا "ليعرب" فيه؛ لأن الآداب والفنون ملاكها الخيال. والخيال غذاؤه الحس، والحس موضوعه البيئة، والبيئة عمل من أعمال الطبيعة يختلف باختلافها في كل قطر، فإذا لم يوفق الفنان بين عمله وعمل الطبيعة، ويؤلف بين روحه وروح البيئة فاتته الصبغة المحلية، وهي شرط جوهري لصدق الأسلوب وسلامة الصورة. وقديمًا كان لون الأدب في الحجاز غيره في نجد، وفي العراق غيره في الشام، وفي مصر غيره في الأندلس، دون أن يسبق هذا التغاير دعوة ولا أن يلحق به أثر؟ انشروا ما ضمت القبور من رفات الفراعين، واستقْرُوا من الصخور الصلاب أخبار الهالكين، وغالبوا البلى على ما بقي في يده من أكفان الماضي.

стр. 279

الرميم، ثم تحدثوا وأطيلوا الحديث عن ضخامة الآثار وعظمة النيل وجمال الوادي وحال الشعب، ولكن اذكروا دائمًا أن الروح التي تنفخونها في مومياء فرعون هي روح عمرو، وأن اللسان الذي تنشرون به مجد مصر هو لسان مضر، وأن القيثار الذي توقعون عليه ألحان النيل هو قيثار امرئ القيس، وأن آثار العرب المعنوية التي لا تزال تعمر الصدور وتملأ السطور وتغذي العالم، هي أدعى إلى الفخر وأبقى على الدهر وأجدى على الناس من صفائح الذهب وجنادل الحجارة. إنما تتفاضل الأمم بما قدمت للخليقة من خير، وتتفاوت الأعمال بما أجدت على الإنسان من نفع. أليس"الخزان" خيرًا من الكرنك، والأزهر أفضل من الأهرام، ودار الكتب أنفس من دار الآثار؟ وبعد فإن ثقافتنا الحديثة إنما تقوم في روحها على الإسلام والمسيحية١، وفي أدبها على الآداب العربية والغربية، وفي علمها على القرائح الأوروبية الخالصة. أما ثقافة "البردي" فليس يربطها بمصر العربية رباط، لا بالمسلمين ولا بالأقباط.

стр. 280

٢- فلسفة القصة ١ للأستاذ مصطفى صادق الرافعي لم أكتب في القصة٢ إلا قليلًا، إذا أنت أردت الطريقة الكتابية المصطلح على تسميتها بهذا الاسم، ولكني مع ذلك لا أراني وضعت كل كتبي ومقالاتي إلا في قصة بعنيها، هي قصة هذا العقل الذي في رأسي، وهذا القلب الذي بين جنبي.. أنا لا أعبأ بالمظاهر والأغراض التي يأتي بها يوم وينسخها يوم آخر، والقبلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها وسمو غايتها، ويمكّن لفضائلها وخصائصها في الحياة، ولذا لا أمس من الآداب كلها إلا نواحيها العليا؛ ثم إنه يخيل إلىّ دائمًا أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه، فأنا أبدًا في موقف الجيش "تحت السلاح": له ما يعانيه وما يلكفه وما يحاوله ويفي به، وما يتحاماه ويتحفظ فيه، وتاريخ نصره وهزيمته في أعماله دون سواها؛ وكيف اعترضت لجيش رأيته فنَّ نفسه، لا فنك أنت ولا فن سواك؛ إذ هو لطريقته وغايته وما يتأدى به للحياة والتاريخ. ألا ترى أن تلك الروايات توضع قصصًا، ثم تقرأ فتبقى قصصًا؟ وإن هي صنعت شيئًا في قرائها لم تزد على ما تفعل المخدرات؛ تكون مسكنات عصبية

стр. 281

إلى حين، ثم تنقلب هي بنفسها بعد قليل إلى مهيجات عصبية؟ وأنا لا أنكر أن في القصة أدبًا عاليًا، ولكن هذا الأدب العالي في رأيي لا يكون إلا بأخذ الحوادث وتربيتها في الرواية كما يربى الأطفال على أسلوب سواء في العلم والفضيلة، فالقصة من هذه الناحية مدرسة لها قانون مسنون، وطريقة ممحصة، وغاية معينة، ولا ينبغي أن يتناولها غير الأفذاذ من فلاسفة الفكر الذين تنصبهم مواهبهم لإلقاء الكلمة الحاسمة في المشكلة التي تثير الحياة أو تثيرها الحياة، والأعلام من فلاسفة البيان الذين رزقوا من أدبهم قوة الترجمة عما بين النفس الإنسانية والحياة، وما بين الحياة وموادها النفسية في هؤلاء وهؤلاء، تتخيل الحياة فتبدع أجمل شعرها، وتتأمل فتخرج أسمى حكمتها، وتشرع فتضع أصح قوانينها. وأما من عداهم ممن يحترفون كتابة القصص، فهم في الأدب رعاع وهمج، كان من أثر قصصهم ما يتخبط فيه العالم اليوم من فوضى الغرائز، هذه الفوضى الممقوتة التي لو حققتها في النفوس لما رأيتها إلا عامية روحانية منحطة تتسكع فيها النفس مشردة في طرق رذائلها. إذا قرأت الرواية الزائفة أحسست في نفسك بأشياء بدأت تسفل، وإذا قرأت الرواية الصحيحة أدركت من نفسك أشياء بدأت تعلو، تنتهي الأولى فيك بأثرها السيئ، وتبدأ الثانية منك بأثرها الطيب، وهذا عندي هو فرق ما بين فن القصة، وفن التلفيق القصصي!!

стр. 282

٣- أمي لعبد العزيز الرفاعي١ كنت في أؤخر كتابة هذا المقال من حين إلى حين.. وربما لأكثر من سبب، لعل منها أنني لا أجد في نفسي الشجاعة الكافية لاسترجاع ذكرى تلك اللحظة المؤلمة التي تلقيت فيها نبأ وفاة والدتي، فشعرت شعورًا حادًّا أنها لحظة فطام مريرة، ولكنها شدة ما تختلف عن ذلك الفطام القديم.. حقًّا إنني الآن أفتقد حنانها فقدانًا لا رجعة فيه ما دمنا في هذه الحياة الدنيا. ولعل منها أنني لا أجد هذه الكلمات التي أستعملها كلما عمدت إلى إعداد مقال ما، لا أجدها تطاوعني على التعبير الدقيق عن حقيقة مشاعري تجاه هذا الحدث الكبير، فليس من السهل أن يعبر كاتب مهما أوتي من بلاغة التعبير عن مرارة فقدان ذلك النهر الدافق من الحنان الذي كان ينهمر من ذلك الصدر الحنون. ولعل منها، أنني كثيرًا ما تساءلت: وماذ يهم القارئ خاصة في هذا العصر العجيب المضطرب بالأحداث أن أحدثه عن أشجاني الخاصة، مع ما يغلف هذا الحديث من مرارة، ومع ما يطفح به العالم من أحداث مؤلمة تملأ النفس أسًى وشجنًا.. أليس من تلك الأحداث الكفاية؟ ومع وجاهة هذا السبب الأخير، فقد كنت أحاول أن أجد له مسوغًا.. أليس في كثير مما يكتب الكتاب أحاديث ذاتية، تدور حول ذواتهم

стр. 283

وخصوصياتهم وأشجانهم؟ وقد وجد عشاق الأدب في هذه الخصوصيات أصداء لمشاعرهم، إلى المتعة الأدبية، وإلى جوانب من الإبداع، ترضي النفس والقلب والعقل؟ وأبادر فأقول: إنني لست من هؤلاء القادرين على الإمتاع والإبداع، ولكنني أجد في مثل هذه النفثات راحة نفسية هي راحة الإفضاء، وأحسبني أجد في هذه النفثة شيئًا آخر يهمني جدًّا، هو أن تكون أيضًا تحية لروح والدتي، التي جاهدت كثيرًا، واحتملت كثيرًا، وضحت كثيرًا، لكي يكون هذا القلم الواهن قادرًا على شيء من التعبير.. إذن فلتكن هذه الكلمة لمسة وفاء معلنة لها. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن تكون أمي قد روضت حروفي ... كلا.. فلم تكن قد نالت حظًّا من التعليم، فشأنها في ذلك شأن جيلها، الذي لم يتجاوز الكتاب الذي حفظت فيه بعض قصار السور، ثم انبترت صلتها بالحرف، فلم تعد تدرك منه شيئًا، وإن ظلت طوال حياتها المديدة وثيقة الصلة بثقافة السماع، تأخذ وتروي، وقد تبدع. لقد روضت قلمي بمؤازرتها الفذة.. بوقوفها بكل قواها إلى جواري، في كل تلك الظروف الصعبة التي أحاطت بنشأتي صبيًّا فقيرًا، يقف وحيدًا تجاه قسوة الحياة إلا من حنانها وثباتها وصبرها وجهادها.. أليس من حق هذه الأم المجاهدة الصابرة، أن أقول عنها كلمة هي بعض واجب هذا القلم، الذي كان لها الفضل الكبير في ترويضه؟

стр. 284

ثم أليس من حق قرائي عليّ أن يعرفوا من كان يقف ورائي، لأكون هذا الذي كنت، مع التحفظ الشديد عند هذا التعبير.. ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه! كانت أمي كلَّ دنياني، كما كنت كل دنياها، فقد كنت وحيدها إلا من أختين، كما كنتُ شجرةً مفردةً في البرية.. ليس لي أعمام ولا أخوال، كما فقدت عطف أبي وأنا صغير.. وفي وقت كنت في أمس الحاجة إلى مساندته، أقول: فقدت عطفه، ولم أفقده! لقد فرَّقت ظروف قاسية بين والدتي ووالدي، وكان في ذلك بدء لمرحلة شقاء أليمة بالنسبة لي، اضطررت بعدها أن أعتمد على أمي في تأمين حياتي، وحياة الأسرة الصغيرة التي تضمنا. كان البؤس يحيط بنا من كل جانب، ولكني وجدت أمامي شخصًا صلب العزيمة، ثابتًا، جلدًا، مثابرًا، كان هذا الشخص هو أمي.. لقد استمدت من ضعفها قوة عجيبة، وصنعت المستحيل لكي تؤمِّن لنا، ولو أدنى مستوى ممكن من العيش بما كانت تبيعه من منسوجات نسوية لم تكن تُدِرُّ إلا القليل. كنت في مفترق طريق صعب جدًّا.. وأنا بعد في حوالي الثالثة عشرة من عمري، فإما أن أفارق الدراسة لألتمس عملًا يؤمّن حياتنا، وأستطيع أن أضع حدًّا لمتاعب والدتي، فقد كنت أحس بما تعاني من شقاء جسمي ونفسي.. وهي تحاول أن تعول هذه الأسرة، وإما أن أواصل دراستي، ولو

стр. 285

إلى الشهادة الابتدائية على الأقل، وفي هذه الحالة سيظل كفاح والدتي مكتملًا، وإن كان الأمر فوق احتمالها.. فقد أخذ المرض والإعياء ينالان منها! كنت حقًّا بين أمرين أحلاهما مر، ولكني لم ألبث أن اخترت بالاتفاق -معها- طريقًا وسطًا، هو أن أعمل في وقت فراغي، وهكذا كان، فعملت في الأمسيات، وعملت في الإجازات.. وهكذا وضعت كتفي الصغير إلى جوار كتفها الواهن، وواصلنا حياة صعبة المراس! ولكن ظل كتفها هو الذي يحمل العبء الأكبر. وهكذا كانت أمي لي أبًا منذ صباي الباكر، وكانت هي عمي وخالي وإخواني وكل أقاربي، إذ لم يكن لي من هؤلاء أحد. وهكذا استطاعت مع وسائلي الواهنة أن تحمل العبء إلى حين تخرجت من المعهد العلمي السعودي الذي حملت شهادته سنة ١٣٦١ هـ، عندئذ فقط أزحت كتفها من عبء النفقة، وهو لم يكن إلا أحد أعبائها الكثيرة. أما العبء الأكبر فقد كان عبء التربية والرعاية، في هذا المجال كان عليها أن تكون أمًّا، وأن تكون أبًا.. وكان طبيعيًّا أن تمنح أمومتها لي ولأختي، ولكن أن تقوم بدور الأب أيضًا، فتلك هي المهمة الشاقة، كان عليها أن تكون مفتوحة العينين تمامًا لروحاتي وغدواتي وسائر تصرفاتي.. وأن تراقب صداقاتي وانتظامي في المدرسة، وأن تؤمن طلباتي المدرسية، وكان كل ذلك يتطلب نوعًا من الحزم، قلما يتوفر لدى الأمهات. وكان عليها
следующие страницы →