← Адаб

Адаб · id 7585

التحرير الأدبي

حسين على محمد

Полный текст (476 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إلى حين، ثم تنقلب هي بنفسها بعد قليل إلى مهيجات عصبية؟ وأنا لا أنكر أن في القصة أدبًا عاليًا، ولكن هذا الأدب العالي في رأيي لا يكون إلا بأخذ الحوادث وتربيتها في الرواية كما يربى الأطفال على أسلوب سواء في العلم والفضيلة، فالقصة من هذه الناحية مدرسة لها قانون مسنون، وطريقة ممحصة، وغاية معينة، ولا ينبغي أن يتناولها غير الأفذاذ من فلاسفة الفكر الذين تنصبهم مواهبهم لإلقاء الكلمة الحاسمة في المشكلة التي تثير الحياة أو تثيرها الحياة، والأعلام من فلاسفة البيان الذين رزقوا من أدبهم قوة الترجمة عما بين النفس الإنسانية والحياة، وما بين الحياة وموادها النفسية في هؤلاء وهؤلاء، تتخيل الحياة فتبدع أجمل شعرها، وتتأمل فتخرج أسمى حكمتها، وتشرع فتضع أصح قوانينها. وأما من عداهم ممن يحترفون كتابة القصص، فهم في الأدب رعاع وهمج، كان من أثر قصصهم ما يتخبط فيه العالم اليوم من فوضى الغرائز، هذه الفوضى الممقوتة التي لو حققتها في النفوس لما رأيتها إلا عامية روحانية منحطة تتسكع فيها النفس مشردة في طرق رذائلها. إذا قرأت الرواية الزائفة أحسست في نفسك بأشياء بدأت تسفل، وإذا قرأت الرواية الصحيحة أدركت من نفسك أشياء بدأت تعلو، تنتهي الأولى فيك بأثرها السيئ، وتبدأ الثانية منك بأثرها الطيب، وهذا عندي هو فرق ما بين فن القصة، وفن التلفيق القصصي!!

стр. 282

٣- أمي لعبد العزيز الرفاعي١ كنت في أؤخر كتابة هذا المقال من حين إلى حين.. وربما لأكثر من سبب، لعل منها أنني لا أجد في نفسي الشجاعة الكافية لاسترجاع ذكرى تلك اللحظة المؤلمة التي تلقيت فيها نبأ وفاة والدتي، فشعرت شعورًا حادًّا أنها لحظة فطام مريرة، ولكنها شدة ما تختلف عن ذلك الفطام القديم.. حقًّا إنني الآن أفتقد حنانها فقدانًا لا رجعة فيه ما دمنا في هذه الحياة الدنيا. ولعل منها أنني لا أجد هذه الكلمات التي أستعملها كلما عمدت إلى إعداد مقال ما، لا أجدها تطاوعني على التعبير الدقيق عن حقيقة مشاعري تجاه هذا الحدث الكبير، فليس من السهل أن يعبر كاتب مهما أوتي من بلاغة التعبير عن مرارة فقدان ذلك النهر الدافق من الحنان الذي كان ينهمر من ذلك الصدر الحنون. ولعل منها، أنني كثيرًا ما تساءلت: وماذ يهم القارئ خاصة في هذا العصر العجيب المضطرب بالأحداث أن أحدثه عن أشجاني الخاصة، مع ما يغلف هذا الحديث من مرارة، ومع ما يطفح به العالم من أحداث مؤلمة تملأ النفس أسًى وشجنًا.. أليس من تلك الأحداث الكفاية؟ ومع وجاهة هذا السبب الأخير، فقد كنت أحاول أن أجد له مسوغًا.. أليس في كثير مما يكتب الكتاب أحاديث ذاتية، تدور حول ذواتهم

стр. 283

وخصوصياتهم وأشجانهم؟ وقد وجد عشاق الأدب في هذه الخصوصيات أصداء لمشاعرهم، إلى المتعة الأدبية، وإلى جوانب من الإبداع، ترضي النفس والقلب والعقل؟ وأبادر فأقول: إنني لست من هؤلاء القادرين على الإمتاع والإبداع، ولكنني أجد في مثل هذه النفثات راحة نفسية هي راحة الإفضاء، وأحسبني أجد في هذه النفثة شيئًا آخر يهمني جدًّا، هو أن تكون أيضًا تحية لروح والدتي، التي جاهدت كثيرًا، واحتملت كثيرًا، وضحت كثيرًا، لكي يكون هذا القلم الواهن قادرًا على شيء من التعبير.. إذن فلتكن هذه الكلمة لمسة وفاء معلنة لها. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن تكون أمي قد روضت حروفي ... كلا.. فلم تكن قد نالت حظًّا من التعليم، فشأنها في ذلك شأن جيلها، الذي لم يتجاوز الكتاب الذي حفظت فيه بعض قصار السور، ثم انبترت صلتها بالحرف، فلم تعد تدرك منه شيئًا، وإن ظلت طوال حياتها المديدة وثيقة الصلة بثقافة السماع، تأخذ وتروي، وقد تبدع. لقد روضت قلمي بمؤازرتها الفذة.. بوقوفها بكل قواها إلى جواري، في كل تلك الظروف الصعبة التي أحاطت بنشأتي صبيًّا فقيرًا، يقف وحيدًا تجاه قسوة الحياة إلا من حنانها وثباتها وصبرها وجهادها.. أليس من حق هذه الأم المجاهدة الصابرة، أن أقول عنها كلمة هي بعض واجب هذا القلم، الذي كان لها الفضل الكبير في ترويضه؟

стр. 284

ثم أليس من حق قرائي عليّ أن يعرفوا من كان يقف ورائي، لأكون هذا الذي كنت، مع التحفظ الشديد عند هذا التعبير.. ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه! كانت أمي كلَّ دنياني، كما كنت كل دنياها، فقد كنت وحيدها إلا من أختين، كما كنتُ شجرةً مفردةً في البرية.. ليس لي أعمام ولا أخوال، كما فقدت عطف أبي وأنا صغير.. وفي وقت كنت في أمس الحاجة إلى مساندته، أقول: فقدت عطفه، ولم أفقده! لقد فرَّقت ظروف قاسية بين والدتي ووالدي، وكان في ذلك بدء لمرحلة شقاء أليمة بالنسبة لي، اضطررت بعدها أن أعتمد على أمي في تأمين حياتي، وحياة الأسرة الصغيرة التي تضمنا. كان البؤس يحيط بنا من كل جانب، ولكني وجدت أمامي شخصًا صلب العزيمة، ثابتًا، جلدًا، مثابرًا، كان هذا الشخص هو أمي.. لقد استمدت من ضعفها قوة عجيبة، وصنعت المستحيل لكي تؤمِّن لنا، ولو أدنى مستوى ممكن من العيش بما كانت تبيعه من منسوجات نسوية لم تكن تُدِرُّ إلا القليل. كنت في مفترق طريق صعب جدًّا.. وأنا بعد في حوالي الثالثة عشرة من عمري، فإما أن أفارق الدراسة لألتمس عملًا يؤمّن حياتنا، وأستطيع أن أضع حدًّا لمتاعب والدتي، فقد كنت أحس بما تعاني من شقاء جسمي ونفسي.. وهي تحاول أن تعول هذه الأسرة، وإما أن أواصل دراستي، ولو

стр. 285

إلى الشهادة الابتدائية على الأقل، وفي هذه الحالة سيظل كفاح والدتي مكتملًا، وإن كان الأمر فوق احتمالها.. فقد أخذ المرض والإعياء ينالان منها! كنت حقًّا بين أمرين أحلاهما مر، ولكني لم ألبث أن اخترت بالاتفاق -معها- طريقًا وسطًا، هو أن أعمل في وقت فراغي، وهكذا كان، فعملت في الأمسيات، وعملت في الإجازات.. وهكذا وضعت كتفي الصغير إلى جوار كتفها الواهن، وواصلنا حياة صعبة المراس! ولكن ظل كتفها هو الذي يحمل العبء الأكبر. وهكذا كانت أمي لي أبًا منذ صباي الباكر، وكانت هي عمي وخالي وإخواني وكل أقاربي، إذ لم يكن لي من هؤلاء أحد. وهكذا استطاعت مع وسائلي الواهنة أن تحمل العبء إلى حين تخرجت من المعهد العلمي السعودي الذي حملت شهادته سنة ١٣٦١ هـ، عندئذ فقط أزحت كتفها من عبء النفقة، وهو لم يكن إلا أحد أعبائها الكثيرة. أما العبء الأكبر فقد كان عبء التربية والرعاية، في هذا المجال كان عليها أن تكون أمًّا، وأن تكون أبًا.. وكان طبيعيًّا أن تمنح أمومتها لي ولأختي، ولكن أن تقوم بدور الأب أيضًا، فتلك هي المهمة الشاقة، كان عليها أن تكون مفتوحة العينين تمامًا لروحاتي وغدواتي وسائر تصرفاتي.. وأن تراقب صداقاتي وانتظامي في المدرسة، وأن تؤمن طلباتي المدرسية، وكان كل ذلك يتطلب نوعًا من الحزم، قلما يتوفر لدى الأمهات. وكان عليها

стр. 286

هنا أن تتخلى عن بعض حنانها، وأن -تنسى إلى حد ما- أني وحيدها، وقد نجحت في هذا الدور الصعب، فكنت أحسب لحزمها ألف حساب، ذلك الحزم الذي كنت أجده في الكلمة القارصة العنيفة في غير ما إسراف، أو في "علقة من مقبض "المروحة" التكروني أو الطائفي أو "المدك" الذي كان يستعمل في ضم "دكك" السراويل.. كان هو الآخر أداة إرهاب، وكان كثيرًا ما يكفي التلويح بأحد هذين السلاحين.. فقد كان أحدهما كافيًا تمامًا لروعي. ولعل أدق مهامها أن تراقب صداقاتي، فلم تكن تسمح لي أن أكوّن صداقات إلا مع من تثق بهم، وكانت ضنينة بثقتها، وكان شكها كبيرًا، وهو مظهر من مظاهر ذكائها الحاد الذي كانت تستطيع أن تقرأ به الملامح، وأن تتفحص به اللهجة الصادقة، وابنة عمها المزيفة. ولكنها مع كل شكوكها لم تكن تضيِّق الخناق عليّ، بل تدرك بحسها المرهف أنه لا بد من منحي شيئًا من الحرية. وحينما تجاوزت العاشرة، وأخذت أسعى إلى أن تكون لي "خصوصية" لأنفرد بكتبي ولعبي، كانت تجتهد في أن تهيئ لي هذا المناخ، في ذلك الحد الضيق الذي كان يسمح به فقرنا! لقد استطرت من الفرح حينما أعطتني بقايا "شنطة سفر" كبيرة لأجمع فيها أوراقي وكتبي، إنها أول مكتبة كونتها، وكانت هي صاحبة الفضل فيها، ثم أخذت بعد ذلك تحترم هذه الخصوصية، وتفسح الطريق لظهورها. وكانت لا تتسامح مع الخطأ إن أخطأتُ، كما كانت تشجع التصرفات السليمة.

стр. 287

في بعض الأحايين كانت تبدي بعض الضيق بكتبي وأوراقي، وبالفوضى التي تنجم عنها، ولكنها سرعان ما تستسلم، وكأنها كانت تدرك أهمية الكتاب بالنسبة لي. وحاولت في يوم من الأيام -حينما أصبحتُ موظفًا، وأصبحت سيد البيت- أن تلفت نظري إلى أنني أنفق الكثير على اقتناء الكتب، وكان هذا الكثير لا يزيد معدله على عشر مرتبي، فكانت حجتي أنني لا أدخن مثل الكثير من لِداتي، وأن ما ينفقه أمثالي مبدِّدًا في الهواء أنفقه على شراء الكتب التي تغذي فكري، ثم إن الكتب تعد من المدخرات مهما كسدت أثمانها، ومهما ضاق بعض الناس بها ذرعًا. وكانت حجتي مقنعة لها، ولم تعد تناقشني بعد ذلك في تلك الكتب التي تكاثرت بعد ذلك تكاثر الفئران، وأصحبت ظاهرة مستشرية لا سبيل إلى دفعها وإن صدق فيَّ قول القائل: وعند الشيخ كتب مكدسة، ولكن ما قرأها. ولعل مما كان يعزي أمي عن هذه الكتب التي أخذت تغزو دارنا، هي أنها نشأت هي الأخرى في مناخ كتبي، فعندما كانت "نفيسة" ـ وهذا اسمها ـ طفلة صغيرة كانت تجلس في دكان والدها السيد عبد الفتاح الرشيدي، وتراه وهو يبيع الكتب التي كانت شائعة تلك الأيام كصحيح البخاري، وفتوح الشام، والقصص الشعبية، وحينما كان والدها يتغيب عن الدكان لبعض شأنه، كان يتركها لحراسته، ولم تكن تتردد في البيع، وإن كانت تخطئ.

стр. 288

بحكم سنها، في بعض تصرفاتها، وكان هذا طبيعيًّا. كان تحدثني بذلك، وعندما دارت الأيام وسكنتُ جدة عام ١٣٧٥هـ. وترددت على الأفندي محمد نصيف آخذ من علمه وأدبه وأحاديثه، وأتنسم هواء مكتبته الرائعة، قلت له ذات يوم خلال أحاديثنا المنفردة: إن والدتي من مدينته، من جدة، سألني متطلعًا: - ابنة من هي؟ فلم أكد أذكر اسم والدها، حتى قال: هل تعلم أن جدك هذا أول من استورد الكتب في جدة؟ قلت: كيف كان ذلك؟ قل: لقد كان جدك رجلًا ربعة القامة، نحيلًا، قمحي اللون، وكان له دكان في "زقاق الحبال" الذي كان هو الآخر يبيع الكتب، ثم نقل دكانته إلى جوار مدخل بيت باناجه المعروف في سوق الندى، وكان من عاداته أن يأخذ بضاعته من الكتب من آل الفدّا في باب السلام بمكة المكرمة، ولكنه جاءني ذات يوم، -الكلام للأفندي نصيف- وكان سني آنذاك حوالي العشرين، وقال لي: يا أفندي، أبغاك تكلفني عند فرج يُسر، وكان هذا رجلًا موسرًا، يقرض المحتاجين، وله مشاريع خيرية، أهمها أنه أجرى العين التي كانت معروفة باسمه آنذاك، أي عين فرج يسر، ومكانها تقريبًا في مكان جامعة الملك عبد العزيز اليوم، فاستفسرت منه عن الغرض من الضمان، قال: إنني أحتاج

стр. 289

إلى عشرين ذهبية أرسلها مع فلان إلى مصر، ليرسل لي بضاعة من الكتب فإن ذلك أوفر لي من شرائها محليًّا، وسأرد المبلغ إليه بعد انقضاء موسم الحج القادم، فذهبت معه إليه، وأخرج الشيخ فرج يسر المبلغ المطلوب من "البشتخته" أي من الصندوق الصغير المخصص لحفظ النقود والأوراق المهمة، وسلمه إليه، فكتبنا له سندا به، وتمكن جدك من استيراد كمية من الكتب، كانت أول كتب يستوردها كتبي في جدة من مصر رأسًا. كما تدربت على العيش في مناخ الكتب بعد أن تزوجت والدي الذي كان -يرحمه الله- قارئًا مولعًا بالمطالعة، يقرأ كل شيء.. الصحف والمجلات، والقصص، والروايات القديمة والحديثة، وكتب التراث، وبعض الأدب الجديد، ولكنه كان في تنقلاته الكثيرة ـ بحكم وظيفته ـ من بلد إلى بلد وبما كان يتعرض له من أزمات، كان يحسن التخلص من الكتب، فيبيعها إلى حين يستطيع شراء غيرها، وقد يهديها إلى من يراه قادرًا على الاستفادة منها. وقصة اشتغال جدي لأمي ببيع الكتب في جدة، ثم العمل على استيرادها من مصر، ذكرها الشيخ عبد القدوس الأنصاري -يرحمه الله- في كتابه الضخم "تاريخ جدة" استقاها من الأفندي نصيف الذي كان يكثر من التردد عليه، خاصة حينما كان مشتغلًا بإعداد مادة كتابه ذلك. وكان هذا الجو المليء بالكتب في طفولتها الباكرة، ثم في شبابها، ثم في مرحلة ما بعد الشباب، قد تعاون مع موهبتها الذاتية في تنمية معلوماتها، حيث كانت تتمتع بذاكرة حية، تستوعب وتختزن، وتحسن استعمال مخزونها من المعلومات.

стр. 290

حفظت الأحداث والتواريخ، والأمثال البلدية التي كانت تحفظ منها الشيء الكثير، وإذا كانت بعض الأمثال تعود إلى أصل شعبي مصري، فقد كانت تحرص على أن تنسبها لهذا المصدر، فتقول: قالت المصرية، ثم تورد المثل بلهجته المصرية. وقد استطعت أن ألتقط بعض الأمثال من روايتها، ولكن إلى حد ما. أما مخزونها من الشعر العامي، سواء العامية الحضرية المستعملة في مكة المكرمة وجدة وأمهات المدن الحجازية، أو العامية البدوية الشائعة في بادية الحجاز، خاصة ما يمكن أن أسميه بالودياني، نسبة إلى الوديان الخضراء المحيطة بمكة وجدة، فقد ساعدها هذا المخزون على أن تنظم شيئًا من الشعر العامي، الذي يخيل إلَّى أنه لقاء ما بين الشعر والنثر المسجوع. على أنها كانت تخفي عني هذه الأشعار، فهي كثيرًا ما تكون أشعارًا نقدية لبعض ما يقع في المجتمع من نشاز التصرفات، ولم أقف على شيء من هذه المقولات إلا في وقت متأخر جدًّا. كانت ذاكرتها اللاقطة الحية تساعدها على تسجيل الأحداث التي مرت بها، فكانت تقص علينا قصة حياتها وكأنها تقرأ في كتاب مفتوح، وهي قصة مليئة بالمتاعب، فقد تغربت عن بلدها "جدة" وهي في ريعان الشباب في صحبة أبي الذي كان يتنقل بحكم عمله في الجمارك من بلد ساحلي إلى آخر على طول البحر الأحمر، من العقبة إلى ضبا وأملح وينبع والليث، وكانت هذه البلدة الأخيرة آخر المطاف، حيث استقر به المقام بعدها في مكة المكرمة، وقد صحب هذا الاستقرار بداية حياة بائسة غنية بالبؤس والفقر!

стр. 291

ولكن رب ضارة نافعة، فقد كانت هذه البداية البائسة عهدًا مباركًا بالنسبة لي أنا بالذات، فقد أدخلني والدي ـ يرحمه الله ـ وأنا في حوالي السادسة أو السابعة المدرسة، وصدق القائل: إن مصائب قوم عند قوم فوائد، فقد بدأت صحبتي مع الحرف.. مع كل ما يحيط بحياتي من جفاف شديد، واجهته منذ تلك السن المبكرة. ولكن والدتي ـ يرحمها الله ـ كانت تحرص على أن أتعلم رغم غرامي باللهو، والإهمال، وما كنت أمنيها به من خسائر تتمثل في ضياع الدفاتر والكتب والحذاء، والإحرام.. الذي كان يستعمل للوقاية من الشمس. وكان إذا تيسر لها أن تمر عليَّ خلال "الفسحة الكبيرة" تتحفني بقرش كبير في استدارة القمر، ليلة أربعة عشرة، وكان هذا بالنسبة لي يشكل ثروة هائلة، دونها ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية! وقد ظلت على حرصها هذا إلى أن أصبحت على أبواب الشباب، وعلى أبواب المعهد، وكان الإجهاد قد نال منها كل منال، فقد تضافرت عليها الأحداث والأمراض وحياة الجفاف، فلم يكن في وسعها أن تستمر في الكفاح، فحملت عنها العبء قبل أن أكمل السنة الدراسية النهائية في المعهد، فاستقبلت حياة العمل مدرسًا، وإن ظللت على دراستي بالمنزل حتى حصلت على شهادة المعهد العلمي السعودي، وبذلك قرت عينها، وانتهت متاعب العيش. كنت أعدها مرجعًا في تاريخ جدة، فهي تعرف بيوتها وتعرف حاراتها، وتعرف مشاهير أهلها، فتعرف -مثلًا- أن حمزة شحاته -يرحمه الله- كان

стр. 292

في شبابه يسكن "حارة الشام" وكان أهل الحي يعدونه زينة شباب الحي، وأن لأهل الحي في ذلك شعرًا عاميًّا، وأنه كان يتمتع بوسامة تجعل فتيات الحي يهرعن إلى الرواشين ليرينه إذا مر، وكما هو معلوم، فإن مدرسة "الفلاح" التي كان يدرس بها تقع في هذا الحي إذا لم أكن مخطئًا. وكانت تقص عليّ أن والدها ـ يرحمه الله ـ اشترك مع بعض جيرانه في استقدام مدرس مصري ـ كان اسمه "شاهين" ـ يعلم أولادهم الصغار، وأن أحدهم تبرع بإخلاء غرفة في داره لتكون نواة هذه المدرسة، وأهل جدة أدرى بهذه المعلومة وتفاصيلها، وأحسب أن الأستاذ عبد القدوس الأنصاري ـ يرحمه الله ـ قد أوردها في كتابه الضخم "تاريخ جدة". وكثيرًا ما حدثتني عن الأحداث الكبيرة التي تعرضت لها جدة، كالحروب والحصار والمجاعة، كما حدثتني عن كبار البيوتات بها، وعن الأصول التي تنتمي إليها بعض البيوتات، وتجاراتها، وبدايات أعمالهم، وتقاليد الأسر ... إلخ، ولكني لم أحفل بتدوين شيء من أحاديثها، وأعترف أن ذلك كان تفريطًا مني.. ربما كان مرده أني كنت أفضل أن تكون جلساتي إليها عائلية محضة.. أقول ربما، وإن ظللت غير مقتنع بهذا العذر. وإذا ذهبت أبحث عن أهم ما تميزتْ به في حياتها فقد كان يتمثل ذلك في صبرها واحتمالها. في صدر شبابها فقدت زوجها الأول، الذي توفي شابًّا، ثم فقدت ابنها منه وهو في حوالي العاشرة، وفقدت بعض أطفالها من أشقائي قبل أن

стр. 293

يتجاوزوا سن الرضاع في بلدان صغيرة نائية لا تعرف الطب والأطباء، واغتربت عن بلدها ووالدها في رحلات متعددة، وعاشت في بلدان أشبه بالقرى، تقل فيها وسائل الراحة، ثم تعرضت للفقر والحاجة، وتحملت شظف العيش، وسكنت بمكة في بيوت خربة، لم تجد أمامها غيرها، وكانت عرضة أن تنقض علينا في أية لحظة، وكانت الأمطار عنصرًا مروِّعًا لنا، بل كنا نضطر إذا اشتد هطولها إلى الهجرة إلى دور بعض معارفنا حتى تنقشع الأمطار. ونالت منها الأمراض نيلًا غير يسير، واضطرت أن تعكف هي وابنتها الكبرى على ماكينة الخياطة، وعلى "المنسج" لحياكة الملابس وما إليها، لتأمين حياة الأسرة التي كنت أنا رجلها الوحيد قبل أن أبلغ مرحلة الشاب. احتملت كل ذلك بصبر وإيمان وعزيمة، وكان إيمانها بالله عظيمًا، كان تدينها وحرصها على فروضها منذ شبابها، يعينها على ذلك الاحتمال العجيب! إنني لا أكتب عن امرأة مثالية، ولكني أكتب عن "أمي"، هذه اللفظة الساحرة التي لم أعد أجد لها مكانًا في حياتي إلا الذكرى، وإلا نفثات تعتادني الحين بعد الحين. أمي.. إنني أحاول أن أكتب عنكِ كلمة رثاء، ولكنك أخذتني برفقك المعهود إلى عالم الذكريات، فدخلته برفق أيضًا، وأنا أشفق على قرائي من أن أقحمهم في أمر لا يعنيهم، إلا بقدر ما يعني الصديق أمر الصديق، فيصغي إلى ثرثرته. وماذا عسى أن أقول في رثائك؟ لم أشعر بالكلمات تخذلني قط كما أحس بها اليوم، إنها تتفلت مني تمامًا، كما كانت تتفلت مني كلما وقفت أمامك وأنا ألتمس كلمة اعتذار.

стр. 294

إنني اليوم أبحث عن تلك الكلمة، كلمة الاعتذار عن هذا العِيِّ، وعن هذا الوجوم، لو اعتصرت عمري كله دموعًا لأبكيك يا أمي، لما وفيت بحق دمعة واحدة من عينيك الغاليتين، انسكبت ذات يوم من أجلي.. وكم سكبت من أجلي من دموع! كانت الأسفار -وأنا بها مولع- تأخذني منك كثيرًا، وتذهب بي بعيدًا.. وكثيرًا ما كنت أجد نفسي سعيدًا وأنا أستقبل رحلة جديدة أطل بها على العالم. ولكنك كنت كلما جد لي للرحيل عزم، تستقبلين عالمًا من الأحزان، وتشرق عيناك بالدموع، ولكنني كنت في كل مرة أعلل النفس بأن ألقاك على ما أحب وتحبين، وإن كنت في الأيام الأخيرة قد أصبحت أقل تفاؤلًا، يخامرك شعور غريب أنني لن أكون جوارك.. حينما يحين موعد رحلتك البعيدة. وهكذا كان، فقد رحلت وكان بيني وبينك آلاف الأميال حيت فقدت الأمل في أن ألقي عليك النظرة الأخيرة، لولا أن رحمة الله كانت أوسع لي ... فاستدعاني شوقك، واستجاب الله دعاءك، فأتاح لي أن أقبل جبينك الوضيء في نظرة أخيرة. فلم يكد أخي معالي الشيخ أحمد ذكي يماني يعلم بمحنة وجودي بعيدًا جدًّا عنك، حتى وضع بين يدي -جزاه الله أوفى الجزاء- بساطًا من بسط الريح، تقلني في ساعات، فإذا أنا بين يديك.. فإذا بي إلى جوار جثمانك الحبيب، وإذ بي من جملة المصلين عليه، الواقفين على ثراه. يرحمك الله يا أمي، رحمة عباده الأبرار، وجمعني الله بك في دار القرار مع الصالحين والأخيار.

стр. 295

٤- أدب المهجر الشرقي ١ للدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع إذا قيل الأدب المهجري انصرف الذهن إلى أدب المهاجر الأمريكية، إلى الأدب العربي الذي قاله المهاجرون العرب من المشرق بعامة، ومن سوريا ولبنان بصفة خاصة، إلى الأمريكتين، فالذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية أطلق على أدبهم "أدب المهجر الشمالي"، والذين هاجروا إلى أمريكا الجنوبية أطلق على أدبهم "أدب المهجر الجنوبي"، ويمتاز هذا الأدب بخصائص تميزه عن غيره من حيث الأسلوب والعاطفة والأفكار. وأغلب الأدباء الذين هاجروا إلى الأمريكتين هم من العرب النصارى، ولذلك نجد التأثير المسيحي واضحًا في هذا الأدب، مهما قيل عن طوابعه الإنسانية وانتماءاته العربية.. وكنت دائمًا أتساءل: هل اتجه كل المهاجرين العرب إلى الأمريكتين؟! ألم تتجه طائفة أخرى إلى مهاجر أخرى. لماذا يقصر اصطلاح "الأدب المهجري" على تلك الفئة وذلك المكان؟ وظل السؤال في ذهني، حتى قدر لي أن أذهب في مهمة رسمية إلى أندونيسيا، تلك الجمهورية الإسلامية الشرقية الكبرى التي تضم أضخم تجمع للمسلمين الذين يتعرضون لحملات التنصير، وهناك التقيت بطوائف من

стр. 296

العلماء والمثقفين، واستعرى انتباهي وجود مجموعة من العرب في تلك المناطق، ولهؤلاء قصة يطول شرحها وتاريخ مجيد يحتاج إلى من يزيل عنه غبار السنين. أجداد هؤلاء هم الذين نشروا الإسلام في أندونيسيا، وفتحوها بأخلاقهم وعلمهم وحسن تعاملهم، حتى انتشر الإسلام هناك بالقدوة وحسن المعاملة. وأغلب هؤلاء قد هاجروا من جنوب الجزيرة العربية ومن إقليم "حضرموت" بصفة خاصة. وقد شاهدت ثلاثة أجيال من هؤلاء في اجتماع خاص وفي حفل تكريمي أقيم لنا، وجدت الجد الرجل الكبير يجيد العربية قراءة وكتابة بل وشعرًا، ووجدت الأب وقد اضطرب لسانه وضعفت عربيته لكنه يحاول ولا يكاد يبين، ووجدت الابن وقد فقد العربية فلا يكاد يعرف منها شيئًا، تلك مأساة هؤلاء العرب، وليس عن هذا أريد الحديث، لكني أردت أن أصل منه إلى عنوان الموضوع وهو "أدب المهجر الشرقي" فقد عرفت أن كثيرًا من هؤلاء المهاجرين النازحين إلى "أندونيسيا وغيرها من بلاد الشرق" قد خلفوا تراثًا أدبيًّا عربيًّا إسلاميًّا، يتمثل في مجموعة من المؤلفات العربية ومن الصحف والدوريات العربية ومن الشعر العربي المنشور في المجلات أو المجموع في دواوين مخطوطة في الأغلب، أو منشورة في الأقل، وقرأت نزرًا يسيرًا من هذا الشعر وهذا التراث الأدبي، فوجدته يمتاز بعاطفة الحنين إلى الجزيرة العربية بالعاطفة الدينية، فقلت عندها: لقد عثرت على جواب السؤال، وهو: هل هناك أدب مهجري عدا ما نعرفه من أدب المهجر الشمالي أو الجنوبي؟!! ففلت: نعم، وألف نعم.

стр. 297

هناك "أدب المهجر الشرقي" أي الأدب العربي المهاجر إلى الشرق والشرق والأقصى، أدب هؤلاء العرب الذين نزحوا إلى اندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورا والهند.. فأطلقت عليه "أدب المهجر الشرقي، وتمنيت أن يقوم أحد طلابنا في أقسام الدراسات العليا بإعداد أطروحة علمية عن هذا الأدب المجهول وما أحلى ارتياد المجهول، وما أكثر فوائد السفر. وإلى الإخوة الكرام في أندونيسيا وفي "معهد العلوم الإسلامية والعربية" ألف تحية، فجلساتهم الأدبية والفكرية هي التي أوحت لي بهذا المقال، وألهمتني هذه القضية، وأوجبت عليّ أن أنادي بأعلى صوتي: لماذا يُهمل "أدب المهجر الشرقي"؟ لماذا؟ لماذا؟

стр. 298

٥- نقاد الحداثة وموت القارئ ١للأستاذ أحمد فضل شبلول شاع في السنوات الأخيرة العديد من الأفكار والمصلطحات النقدية والأدبية التي تسللت إلى حياتنا الثقافية بحجة التطوير والتحديث، والمتأمل في هذه المصطلحات يجد أن نقادنا العرب القدماء تحدثوا عنها وبحثوها، وقاموا باختبار صلاحيتها عن طريق الدرس التطبيقي على بعض النصوص، ولكن لأنها وردت إلينا في الفترة الأخيرة عن طريق الترجمة أو النقل أو الاقتباس من لغات أجنبية، فقد تم الاحتفاء بها، واعتبرها نقادنا العرب المحدثون فتحًا جديدًا، ولم يتنبه إلا القليل منهم إلى وجود مثيلها في تراثنا النقدي والأدبي، ويرى بعض النقاد أن الأفكار والمصطلحات النقدية والأدبية غير الموجودة في تراثنا القديم والواردة من الخارج قد لا تصلح ـ في أغلبها ـ لبيئتنا العربية والإسلامية لأنها ترتد إلى جذور إغريقية وثنية، تتمرد على صورة الإله في تراثها، وتراه يحد من انطلاقة الإنسان، وتفترض صراعًا أو تعارضًا بين الإله والإنسان. وقد أدت هذه الأفكار إلى انبثاق فكرة "موت المؤلف" التي تجر وراءها تداعيات فلسفية، ترتد إلى جذور إلحادية تؤدي في النهاية إلى اختفاء القيمة وتحويل النص إلى شكلية ميتة، وهذه الفكرة "موت المؤلف" تعني انتهاء عالم الميتافيزيقيا، أي ما وراء النص، وطرح النص كعالم مستقل بنفسه لا يعتمد على شيء خارجه.

стр. 299

وفي مقابل "موت المؤلف" تم تطرح فكرة مشاركة القارئ، فالقارئ هو المسئول وحده عن كشف معميات العمل الفني، وبالتالي فقد استبد هذا القارئ بالساحة وحل محل المؤلف، وأخذ ينتهك النص كي يفسره حسب هواه، وإذا قيل له: إن المؤلف لا يريد ذلك أجاب بأن المؤلف قد مات فيرحمه الله، وأنه -أي القارئ- هو الوريث الشرعي للنص. من أجل هذا، ومن أجل تحديد المواقع، موقع المؤلف، وموقع النص وموقع القارئ، جاءت هذه الدراسة الجديدة للدكتور عبد الحميد إبراهيم "نقاد الحداثة وموت القارئ"، التي صدرت مؤخرًا في كتاب وقع في ١٦٠ صفحة من القطع المتوسط، عن نادي القصيم الأدبي ببريدة. وتأتي هذه الدراسة دعوة إلى موت القارئ لكي ينتعش النص، ويمنح إمكاناته بلا تردد ولا حدود، ولكي يلتقي على أرضيته المؤلف والقارئ معًا في حوار، ودون أن يقتات أحدهما على جسد الآخر، ولكن كيف يقوم هذا الحوار مع قارئ ميت؟ إنني كنت أفضل أن تكون دعوة د. عبد الحميد إبراهيم إحياء للمؤلف ودوره في إنشاء النص، بدلا من دعوته إلى موت القارئ. ذلك الحوار الذي لا يقوم إلا بإحياء المؤلف والقارئ معًا، بدلا من الدعوة إلى موتهما، أو موت أحدهما على حساب الآخر. تنقسم الدراسة إلى شقين: شق نظري؛ يرد فيه المؤلف على الكثير من أفكار النقاد الحداثيين في عالمنا العربي. وشق تطبيقي، على كتاب "الخطيئة والتكفير" للدكتور عبد الله الغذامي، وما ورد فيه من نماذج تطبيقية على شعر حمزة شحاته.

стр. 300

إن الغذامي في نظر الدكتور عبد الحميد إبراهيم يعد من أفضل نقاد الحداثة؛ لأنه يحاول أن يعود في بعض الأمثلة إلى التراث، ولأنه يمتلك موهبة نقدية تتميز بالخصوصية، ولأنه يدعم حديثه النظري بنموذج تطبيقي، ولكنه من ناحية أخرى يخلط في القسم النظري في كتابه "الخطيئة والتكفير" المدارس بعضها ببعض، وما يقوله عن إحداها ينقله إلى الأخرى، وقد يقتبس من كلام بارت عناصر السيميلوجيا وهو بصدد الحديث عن البنيوية، ويخرج القارئ في النهاية دون تعريف محدد للمدارس، وهو يثني على الجميع، ولا يفرق بين واحد وآخر من الكتاب، وكل كاتب يصبح مدرسة، وكل مدرسة تعتبر فتحًا في مسير النقد العالمي.. إلخ. لقد اختار الدكتور عبد الحميد إبراهيم الغذامي نموذجًا لنقاد الحداثة، لأنه يرى أنهم جميعًا يكررون أنفسهم، وأنهم طبعات متكررة لنسخة واحدة، فيقول في صدر كتابه "أقرأ لواحد من نقاد الحداثة فكأنني قد قرأت للجميع، وأقرا كتاب الواحد منهم فكأنني قد قرأت جميع كتبه.. وما أظن أن ذلك بسبب ذكاء نادر عندي، وإنما لأن المصادر واحدة، واللغة واحدة، بل إن المصطلحات والأعلام تكاد تتكرر من ناقد إلى ناقد، ومن كتاب إلى آخر". أما رأيه في كتاب "الخطيئة والتكفير" فيتلخص في أن مقدماته تختلف عن نتائجه، وأن أول الكتاب حديث عن الموضوعية العلمية، وهتاف بسقوط التحليلات النفسية، وآخره تجسس على شخصية الشاعر، وبحث عن دوافعه، وتحليل لعقده واتجاهاته، ونبش لحياته الخاصة، وحديث عن فلسفة الرفض عنده

стр. 301

وفي رأيه فإن عنوان الكتاب "الخطيئة والتكفير" يحمل مسحة مسيحية أدتا إلى دخول الناقد بفكرة مسبقة يحاول أن يفرضها على أدب حمزة شحاتة، وفي رأي الدكتور عبد الحميد إبراهيم فإن شعر حمزة شحاته يقدم لنا شخصية قلقة، لم تستطع أن تحقق ذاتها، ولم تناضل كثيرًا من أجل هذا التحقيق، فوقعت فريسة الشكوى والمرارة، وبالتالي فهو لم يجد في شعره إشارة صريحة إلى قصة الخطيئة والتكفير التي ذهب إليها الغذامي بعناصرها الست وهي: آدم "الرجل/ البطل/ البراءة"، حواء "المرأة / الوسيلة/ الإغراء"، الفردوس " المثالي/ الحلم"، الأرض "الانحدار/ العقاب"، التفاحة "الإغراء/ الخطيئة"، إبليس "العدو/ الشر". وبالتالي فإن الدكتور عبد الحميد إبراهيم يرى تكلفًا في شرح الغذامي للقصائد، حتى يستجيب للرموز التي وضعها، فالقارئ يقرأ الشعر ثم يقرأ شرحًا مخالفًا، إنها أفكار مسبقة عن نموذج عقدي وجداني، يحاول المؤلف أن يفرضه على واقع القصيدة. وفي رأي الدكتور عبد الحميد إبراهيم أيضًا أن دراسة الغذامي، في شعر شحاتة لم تخلص تمامًا للجوانب الفنية؛ لأنه استطرد في شروح نظرية استبدت بمعظم صفحات كتابه "٣٤٨ صفحة من القطع الكبير"، ولم يتبق منها سوى خمسين صفحة للناحية الجمالية، وهنا تبدو المفارقة فالغذامي منذ الصفحات الأولى يتبنى منهجًا يزعم أنه يتجاهل كل الإسقاطات التي هي

стр. 302

خارج البنية الشكلية للنص الأدبي، ولكن كتابه يسرف في التجريد النظري من ناحية، وفي اقتراح نموذج فلسفي من ناحية ثانية، ثم يأتي الحديث عن الجماليات في صفحات أخيرة متقطعة الصلة عن نموذجه في الخطيئة والتكفير من ناحية ثالثة. ويرى الدكتور عبد الحميد إبراهيم أن المنهج التفكيكي قد استبد بالغذامي، وأوقعه في أحكام جزئية، حجبت عنه الرؤية الكلية، كما يأخذ على الغذامي التوقف طويلًا عند عنوان قصيدة "ياقلب مت ظمأً" حيث راح يريق حديثًا فلسفيًّا تجريديًّا حول العنوان، في حين أن الشاعر نشر هذه القصيدة في ديوان آخر تحت عنوان آخر هو "المعاناة"، وكل هذا يدل على أن الحديث عن دلالة العنوان في شعر شحاتة، واستنتاج بعض الأحكام الفنية من عنوان قصائده، حديث لا يعتمد على أساس علمي. وإذا كان الدكتور عبد الحميد إبراهيم قد أخذ على الغذامي العديد من المآخذ في محاولاته لقراءة النصوص الثلاثة لحمزة شحاتة، فإنه يقدم قراءته الخاصة لهذه القصائد فيرى أن الشاعر لم يدخل في صراع مع أدواته يتكافأ مع موهبته المتدفقة، كما أنه لم يدخل في صراع مع مجتمعه، ومن هنا لم يحتمل معاناة القصيدة طويلًا، وآثر أن يقذفها بسرعة، فبدت عليها علائم عدم النضج الذي يتخذ مظاهر عديدة منها: ترهل القصيدة، ووقوع مفردات وجمل في حالة غير شعرية، ووقوفه عند عتبات التوظيف الخارجي للأسطورة، مما يفقدها بعدها التاريخي، ووقوفه عند سطح الملحمة.

стр. 303

ويرى د. عبد الحميد إبراهيم في النهاية أن التقيد بمنهج واحد في النقد هو نوع من العبودية تخمد الموهبة الفنية عند النقاد، لذا فإنه يقترح ألا يكون للناقد منهج في النقد بشرط أن يستوعب كل المناهج، فإخلاص الغذامي لمنهج التشريحية، على سبيل المثال، كانت نتيجته أن شاعره حمزة شحاتة يفوق الأوائل والأواخر على الرغم من نقاط الضعف التي بدت في شعره. وهذا تعليق على مقالتين من المقالات السابقة: ١- تعليق على مقالة "فرعونيون وعرب١ تميزت المقالة ببراعة الاستهلال؛ حيث بدأها الكاتب بمقدمة لطيفة فافتتح بجملة دعائية: "عفا الله عن كتابنا الصحفيين" حتى يجذب القارئ مهما كانت ميوله واتجاهاته، حتى وإن كان من المعارضين لوجهة نظر الكاتب. ثم أتبعها بأسلوب تعجب رائع: "ما أقدرهم على أن يثيروا عاصفة من غير ريح ويبعثوا حربًا من غير جند". وتتوالى أساليب الكاتب وتتنوع بين الخبر والإنشاء، مما يمتع القارئ ويجبره على إتمام القراءة إلى أن ينهي المقالة، فقد عرض الموضوع عرضًا شيقًا ممتعًا بعبارات متناسقة وألفاظ عذبة سهلة ليس فيها غرابة ولا سوقية.

стр. 304

ولا تخلو المقالة من السجع الحسن غير المتكلف كما في قوله: "هي أدعى إلى الفخر، وأبقى على الدهر". ومما تميزت به هذه المقالة قوة العاطفة؛ فهي تفيض بالحب للعرب. وأفكار المقالة مترابطة، وقد أيدها الكاتب بكثير من الحجج والبراهين العقلية، إلا أن الكاتب لم يوفق في الخاتمة حيث جانبه الصواب كثيرًا عندما قال: "وبعد فإن ثقافتنا الحديثة إنما تقوم في روحها على الإسلام والمسيحية، وفي أدبها على الآداب العربية والغربية، وفي علمها على القرائح الأوروبية الخالصة". وهذا يعد تناقضًا من الكاتب من نفسه؛ لأنه قال قبل عدة أسطر: لا تستطيع مصر الإسلامية إلا أن تكون فصلًا من كتاب المجد العربي لأنها لا تجد مددًا لحيويتها ولا سندًا لقوتها ولا أساسًا لثقافتها إلا في رسالة العرب". ثم أي ثقافة هذه التي تقوم على دينين في آن واحد؟ والله سبحانه يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . وعن أي مسيحية يتحدث؟ لا أظن أن هناك غير المسيحية المحرفة التي تؤمن بعقيدة التثليث، والعياذ بالله.

стр. 305

٢- تعليق على مقالة "نقاد الحداثة وموت القارئ" ١- قراءة الكاتب للكتاب الذي عرض له قراءة جيدة، وقد عرفنا ذلك من خلال تلخيصه الجيد للكتاب. ٢- أشار الكاتب إلى القضايا التي قدمها الكتاب، وقد أيد بعضها، ونقد فكرة "موت القارئ" عند مؤلف الكتاب. ٣- وضع عناوين جانبية للفقرات١، ليساعد القارئ على تحديد الفكرة، والإحاطة بها. ٤- نقل بعض فقرات الكتاب، ليطلع القارئ على أسلوب المؤلف، وليؤيد فكرته. ٥- تقترب مقالة عرض الكتاب -عند أحمد فضل شبلول- من "التقويم": أ- ففيها تلخيص موجز للكتاب، ولأهم قضاياه. ب- وفيها نقل لبعض فقرات الكتاب، للتمثيل. جـ- وفيها إبداء للرأي، موافقة للكتاب، أو نقدًا له. د- وهي تبغي تكوين رأي عند القارئ تجاه الكتاب، والقضايا التي يعرض لها.

стр. 306

نماذج من إنتاج الطلاب في المقالة ١- جزاء سنِّمار! لنويِّر العنزي١ منذ أيام عاودني الحنين إلى قلمي الذي أحب، فأردت أن أرمق هذا المجتمع، وأسطر الأحداث كما هي، فقمت بزيارة إلى بعض المرافق الحكومية، ومن بين تلك الزيارات ذهبت إلى دار يقال لها "دار المسنين"، واتجهت إلى إحدى الغرف القريبة. طرقت الباب وولجته مشفقة على من في الداخل، فإذا بعجوز دامعة العينين، تخنقها آهاتٌ تسعون من الزمن. جلست بالقرب منها، وقلت لها: حدثيني عما يجيش في نفسك من ألم، حدثيني ولا تزرفي هذه الدموع الحزينة. بقيت واجمة ولم تتحدث، فانتظرت مليّا.. وبعد ذلك نطقت. وردد القلم صداها، يكتب ويقول: ما أجمل الليل! يحمل في سكونه وهدوئه جمال الطبيعة، ويؤنس قلب عجوز حزينة بكت دمًا من شدة المصيبة، ودائمًا تتذكر في هذا الليل الطويل من احتضنته صغيرًا، وكان في المهد بريئًا، تعبت وذاقت المر حلوًا من أجله، تمنت أن يكبر وترى فيه الأمل، ترعرع شيئًا فشيئًا، وأصبح رجلًا، نسي ذلك المعروف، وأصبحت أمه نسيًا منسيًّا.

стр. 307

وقف على قدميه شامخًا، وأخذ أمه ووضعها في "دار المسنين". لقد أخطأنا عندما قلنا: "دارًا" ليتنا قلنا: "عالمًا" يضم عبرات حزينة، يضم حرقة قلوب رحيمة! وممن يا ترى؟! من فلذات الأكباد. أما زلتَ صداحًا يا أيها الطير؟! ارفع الصوت بالأهازيج والغناء، علك تحرك مشاعر الأبناء، علك تضمد جرح الأمهات والآباء! ما الذي يدفع هذا الابن حتى يلقي بأمه في تلك الدار؟! لقد كانت بطنها له وعاء، واليوم هذا البيت ضاق بها، أم أن تلك الزوجة لم تعد تحتمل أن ترى عجوزًا مسنة تشاركها في البيت، وربما القيم والعادات الغربية أفسدت النفوس والقلوب. دع عنك العقوق، فإن الحقوق ضاعت، فهل تجد من يبحث عنها ويرجعها إلى أصحابها؟ ربياك صغيرًا، فارحمهما وأنت كبير. عبست في وجهك، وبَسَرت في عينيك، فقلت لأمك: دعيني، فسوف أزورك في كل أسبوع، ويمضي أسبوعان، ويفيض حنان الأمومة لديها، وينافس قلبُكَ الصخرَ قساوةً. وتمضي شهور، ثم تتذكر أن لك أمًّا! لقد أبعدت ينبوعًا من الحنان يتدفق بشدة، أما أنت مشتاق إلى ذلك الينبوع؟ أم استغنيت عن فيضه؟! تقول: بلى، أنا مشتاق وعندي لوعة. تُرى أين اللوعة؟ وأين إحسانك إلى والديك؟

стр. 308

ومن ذلك أنادي بأعلى صوتي، فهل من مجيب لهذا النداء؟ ما ذنب تلك الأم الحزينة، وذلك الأب الشيخ الكبير؟ دعوهم يرون الشمس بخيوطها الذهبية، دعوهم يرون قطرات الندى على الأغصان الخضرة الندية، ويسمعون ويتلذذون بضحكات الأحفاد البريئة! تحدثت تلك الدار وقالت: ارحموا جدراني فإنها لم تعد تقوى على سماع الأنين أو نبرات الشوق والحنين. ولقد هاج اشتياقي جدة تذكرتها.. تذكرتها وعاودني الحنين إليها، كانت تسرد لي القصص عن الحياة، وعن الغابة التي ملئت بالوحوش المخيفة، ولا أنسى قصتها عن ذلك الابن العاق. كل ذلك كانت تسرده لي الجدة الحبيبة، واليوم لا أراها، لقد ولت الأنغام الجميلة، وبقيت عبرات حزينة. هل تعودين يا جدتي لتحدثيني مرة أخرى؟ حدثيني لأعيش الماضي الذي يستكن بين أحضانك الدافئة. الأمل ما زال يداعبني لأسمع صوتك الحاني، وتلك دموع صادقة، فهل هناك من يكفكفها؟ أم تبقى تلك الدموع تخرق خدي وترهق قلبي؟! أيها القارئ الكريم، ربما لم تكن تلك مقالة، لكنها زفرات ونبرات، ومشاعر وألحان حزينة، بل هي قصيدة قَصُرَتْ عنها بحورُ الخليل!

стр. 309

٢- للغربة حسنات لزهراء الظفيري١ نعم.. الغربة مرة وهذه العبارة دارجة على ألسنة الكثيرين، وربما قالها من لم يجرب الغربة أصلًا، لكني أرى أن الغربة خالفت القاعدة، وأذاقتني شيئًا غير المرارة أجهل طعمه، وأعطتني ما لم تعطه لأحد؛ لأنها بالمقابل أخذت مني ما لم تأخذه من أحد، فهي في هذه الحال أنصفتني! فالغربة علمتني ما لم أتعلمه في مقاعد الدرس أو في صفوف الحياة؛ إذ لها الفضل في تعليمي كيف أضحك بعيون دامعة، وكيف أبتسم فرحًا بقلب حزين، وكيف أداري جراحي بالكي لا بغيره، علمتني كيف أتكلم دون أن أنطق، وكيف أنطق دون أن أعبر، وكيف أحسب الزمن دون انتظار شيء، وكيف أضيء ليلي بذكريات سوداء! علمتني كيف أجن بعقلانية، وكيف أصرخ بصوت مهموس، وكيف أضيِّع دربي بخطوة ثابتة! علمتني أن من يُقتل يموت مرة، ومن يغترب يموت بعدد لحظات غربته، أعطتني دروسًا عدة جعلت مني إنسانة سرابية. وكان الدرس الأول منها في البلاغة، فعلمتني أن هناك شبهًا كبيرًا بينها

стр. 310

وبين الصبر، وشبهًا كبيرًا أيضًا بين الموت والوحدة. والدرس الثاني كان في الرسم؛ فعلمتني كيف أرسم قناعًا تعلوه الابتسامة وإشراقة الوجه، أرتديه كل صباح لينتزعه الغير، فيظهر اللا شيء! والدرس الثالث في علم الأحياء؛ فعلمتني أن جرح الجسد أصعب بكثير من جرح المشاعر، لأنه يحتاج إلى أدوات حادة، لكن المشاعر تحتاج إلى كلمة واحدة فقط لتودي بها. والدرس الرابع في اللغة والأدب؛ فعلمتي أن ألتزم الصمت مهما وجه إلى من إساءات أو اتهامات؛ وذلك لأنها أنستني اللغة التي تربيت عليها! والدرس الخامس كان في الحساب؛ فعلمتني أن الواحد إذا أنقصنا منه واحدًا يساوي أناسًا كثيرين لا معنى لهم، فقط: تعرفنا عليهم يومًا ما، وفارقناهم في يوم ما، ليصبحوا بين طيات النسيان. وأخيرًا أعطتني درسًا في النحو؛ فعلمتني أن الظروف ثلاثة: ظرف زمان، وظرف مكان، وظرف حيرة بينهما!!

стр. 311

٣- القلم الثائر لسلمى محمود شاكر١ ها هو قلمي يصارع أمواج السطور المتلاطمة من حوله، ويعلن حالة استنفار لم يعهد لها مثيل، ويتمطّى أنامل يدي، ويمتزج بها، وكأنه الأصبع السادس لها، ويطالبني بالعزف على أوتاره، والشروع بإزالة حبره الذي سئم من طول الانتظار، ويهمس همسات توحي بالشفقة والاستعطاف بأن أمده بأفكار يشدو بها. لكن ماذا عساي أن أقول لهذا التمرد، فقد ماتت العبارات في جوفي، واختنقت العبرات في حلقي، فلم يعد يسمع حتى الأنين، وآثر قلبي الصبر على الحنين. لكن هذا القلم العابث الثائر حرك كل ما بداخلي حتى زلزلني البركان، وهو كياني. سأكتب، نعم، اليوم سأكتب، وفي هذه الساعة بالذات، سأكتب وسأفرغ كل ما يصول ويجول في صدري، وكل ما يعتمل في نفسي، وأملي على هذا القلم الذي ما زال يحلم بأن تظهر كتاباته إلى النور، ويرى العالم الذي أظل أسيره طويلًا، خوفًا من النظرات التي ستحيط به وتلاحقه. لكن اليوم عاد وكأن شيئًا لم يكن، والخوف مات ولن يعود. اكتب أيها القلم، اكتب فلا تثريب عليك اليوم!

стр. 312

الفصل الخامس: القصة مدخل ... الفصل الخامس: القصة ١- توطئة: العرب والقصَص: مادة "قص" في اللغة تعني: التتبع والاقتفاء. يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئًا بعد شيء. منه قوله تعالى حكاية عن أم موسى حين استجابت لأمر ربها وألقت بابنها في اليم: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ ١ أي: تتبعي أثره حتى تكوني على علم بما يحدث له٢. ولا يستطيع إنسان أن يتصور وجودًا بشريًّا يخلو من القصة، مهما كان لونها وأسلوبها، فالقصة ـ بهذا المفهوم ـ ملازمة للوجود البشري فوق سطح هذه الأرض، إذا لا يتصور وجود بشري خالٍ من الحركة الدائبة، والسعي الدائم، والعمل المستمر من أجل الحفاظ على الحياة، ولا يتصور وجود هذه الحركة والسعي والعمل خاليًا من الصراع والاحتكاك. فلابد من وجود أحداث تذكر، ومواقف تعاد وتحكى، ومشاهد تنقل وتروى لمن لم يشاهدها. فالاقتضاء والتتبع ملازمان للوجود البشري على الأرض لا تختص بهذا جماعة دون جماعة"٣. وقد عرف الجاهلي القصة ومارسها من خلال شكلين من أشكال الأدب:

стр. 313

الشكل الأول: قصص الأمثال: فقد شاعت عند الجاهلين الأمثال، "ويشير كل مثل إلى قصة ضخمة فإذا قيل: "أشأم من البسوس" فيعنون قصة الحرب الدامية بين بكر وتغلب. وإذا قيل: "أوفى من السموءل" أرادوا قصة وفاء السموءل الذي رفض تسليم دروع لغير صاحبها فكانت حياة ابنه ثمنًا لهذا الوفاء. وإذا قيل: "رجع بخفي حنين" أشاروا إلى قصة الإسكاف الحيري الذي ضحك على الأعرابي، وسرق منه بعيره بعد أن ألقى بخفين في طريقه، أحدهما يبعد عن الآخر"١. وهذه القصص -لا تزال إلى اليوم- تشهد "على ما أنتج خيالهم، وصاغت قريحتهم من قصص ... ترينا جموح خيالهم، وسبحات فكرهم، ونظم حياتهم، وتقلبهم في بلادهم، كما ترينا مختلف طبائعهم وعاداتهم ومعتقداتهم"٢. الشكل الثاني: القصص الشعري: من ذلك ما نراه في المعلقات وغيرها من قصائد الشعراء الجاهليين من نحو مقطوعات الأعشى في الملوك والقرون الخالية، وعينية لقيط بين يعمر الإيادي، ومعلقة عمرو بن كلثوم، وشعر امرئ القيس وغيره. ومن ذلك قول حاتم الطائي في وصف كرم له مع طارق ليلي:

стр. 314

وداعٍ دعا بعد الهدوِّ كأنما ... يقاتل أهوال السرى وتقاتله دعا يائس شبه الجنون وما به ... جنون ولكن كيد أمر يحاوله فلما سمعت الصوت أقبلت نحوه ... بصوت كريم الجد حلو شمائله فأبرزت ناري ثم أثقبت ضوءها ... وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله وقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... رشدت ولم أقعد إليه أسائله وقمت إلى برك هجان أعدها ... لوجبة حق نازل أنا فاعله بأبيض خطت نعله حيث أدركت ... من الأرض لم تخطل عليّ حمائله فجال قليلا وأتقاني بخيره ... سنامًا وأملاه من النِيِّ كاهله فخر وظيف العزم في نصف ساقه ... وذاك عقال لا ينشط عاقله١ لقد عرف الأدب العربي إذن فن القصة ساذجًا في العصر الجاهلي في أيام العرب وحروبهم وأمثالهم. وفي العصر العباسي في حكايات "كليلة ودمنة" و"ألف ليلة وليلة" و"مقامات بديع الزمان الهمذاني"، والحريري ثم عرفه قويًّا مكتمل الخصائص في العصر الحديث نتيجة لعوامل النهضة وتطورها، مارًّا بالمراحل الآتية: ٢- القصة في الأدب العربي الحديث: مرت القصة العربية بثلاث مراحل هي مرحلة الترجمة، ومرحلة التعريب، ومرحلة التأليف.

стр. 315

أ- مرحلة الترجمة: ١- بدأت بترجمة القصص الأجنبية مع الاحتفاظ بمعالمها وشخصياتها وأحداثها، ومن المترجمين رفاعة الطهطاوي في "مغامرات تليماك" عن الفرنسية، ثم محمد عثمان جلال في قصة "بول وفرجيني". ٢- وعندما هاجر إلى مصر عدد من السوريين "في أواخر القرن التاسع عشر" أسهموا في ترجمة العديد من القصص، وكان لهم أثر في تنشيط حركة الترجمة، ومنهم نقولا رزق الله الذي ترجم "سقوط نابيلون الثالث". وانتهى القرن التاسع عشر، ولا تزال الترجمة هي المسيطرة على القصة، ولكنها كانت ترجمة ضعيفة الأسلوب، هابطة المستوى، غير جيدة الموضوع والهدف. ب- مرحلة التعريب: وفي أوائل القرن العشرين ظهرت إلى جانب حركة الترجمة حركة التعريب أو التمصير، وذلك بإعطاء شخصيات القصص وأماكنها أسماء عربية، والتصرف في بعض أحداثها لتلائم الجو المصري أو العربي، ومن ذلك "البؤساء" لفيكتور هوجو التي ترجمها حافظ إبراهيم عن الفرنسية، مع أنه لم يكن متمكنًا في هذه اللغة. والمنفلوطي في رواياته "الفضيلة، ماجدولين، الشاعر، في سبيل التاج"، وقد ترجمت له، ثم تولى تعريبها بأسلوبه السلس العذب. والتعريب علم غير فني، وغير خلاق؛ لأنه يعتمد على نتاج الآخرين، ولأن المعرب يستبيح لنفسه التغيير في الأصل الذي ينقل عنه، وربما قصر في نقل جوانب أرادها المؤلف، ولذلك تعثر التعريب، ومضت الترجمة في طريقها.

стр. 316

ولما انتهت الحرب العالمية الأولى نشطت ترجمة القصص واتجهت في طريقين: أحدهما: يحاول الإثارة، وتزجية الفراغ، بالقصة الغرامية والبوليسية التي كانت تترجم بسرعة، في أسلوب ركيك ضعيف، وفي اتجاه يسيء إلى عقلية الشباب ونفوسهم. والثاني: اهتم فيه المترجمون بالموضوع والأسلوب معًا، مثل ترجمة الزيات لقصة "آلام فرتر"، ومحمد عوض محمد في ترجمته لقصة "فاوست" وأحمد زكي في ترجمته لقصة "جان دارك". جـ- مرحلة التأليف: ١- بدأ تأليف القصة على شكل مقامة تنقد المجتمع مثل "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي، "وليالي سطيح" لحافظ إبراهيم. ٢- ثم ظهرت القصة التاريخية على يدي البستاني في قصة "زنوبيا"، وجرجي زيدان في قصصه الإسلامية مثل "أبو مسلم الخرساني", "فتاة غسان"، و"غادة كربلاء"، و"عبد الرحمن الناصر" ... وغيرها، ومحمد فريد أبو حديد في "الملك الضليل"، و"عنترة"، وعلي الجارم في "غادة رشيد"، و"فارس بين حمدان"، و"هاتف من الأندلس". وفي هذا اللون من القصص كان التاريخ هو الذي يحدد الشخصيات والأحداث مما يقيد المؤلف. ٣- أما القصة الاجتماعية فقد ظهرت عام ١٩٠٤ على يد الدكتور محمد حسين هيكل في "زينب" التي صور فيها الريف المصري بعاداته وتقاليده. ولكن يؤخذ على هذه القصة الاستطراد في السرد، والميل إلى المبالغة،

стр. 317

ومع هذا يعد الدكتور هيكل أول من ألف رواية اجتماعية عربية خالصة، فتح بها الباب أمام معاصريه١. فظهرت القصص المتنوعة، التي تعنى بالمشكلات الوطنية والقومية مثل "عودة الروح" لتوفيق الحكيم٢، و"الثلاثية" لنجيب محفوظ، و"الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي. والقصص التي تعنى بالتحليل النفسي مثل "سارة" للعقاد. أو نقد العيوب الاجتماعية مثل قصص محمود تيمور، وإبراهيم المصري، ويحيى حقي، وإبراهيم الورداني، وإحسان عبد القدوس. والتي تصور الطبقات الشعبية الكادحة مثل قصص نجيب محفوظ، ويوسف إدريس.

стр. 318

الفرق بين الخبر والقصة من المعروف -كما يقول د. رشاد رشدي في كتابه "فن القصة القصيرة"-: "أن القصة تروي خبرا، ولكن لا يمكن أن نعد كل خبر أو مجموعة من الأخبار قصة. فلأجل أن يصبح الخبر قصة يجب أن تتوافر فيه خصائص معينة، أولها أن يكون له أثر كلي"١. وهذا يعني أن مجموعة الأخبار التي تروى ينبغي أن يتصل بعضها مع البعض الآخر ليحدث أثرا كليا. وهذه الأخبار -التي تحدث أثرًا كليا- تكون حول موضوع واحد، له بداية، ووسط، ونهاية.

стр. 319

إن هذه الأخبار -بصورة أخرى- تصور حدثًا في ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى: البداية "الموقف"، والمرحلة الثانية: الوسط "الذروة"، العقدة"، والمرحلة الثالثة: النهاية "لحظة التنوير".

стр. 320

أنواع القصة "من حيث القالب " تعريف القصة: قالب تعبيري، "يعتمد فيه الكاتب على سرد أحداث معينة تجري بين شخصية وأخرى أو شخصيات متعددة، يستند في قصها وسردها على الوصف مع عنصر التشويق حتى يصل بالقارئ أو السامع إلى نطقة معينة تتأزم فيها الأحداث وتسمى "العقدة"، ويتطلع المرء معها إلى الحل حتى يأتي في النهاية. ويرى بعض النقاد أن العقدة والحل غير لازمين لفن القصة"١.
следующие страницы →