← Адаб

Адаб · id 7585

التحرير الأدبي

حسين على محمد

Полный текст (476 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١٢- استأذن: يقولون: استأذن منه، والصواب: استأذنه. أي: سأله الإذن، وقد جاء في الآية ٨٦ من سورة "التوبة": ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ . ويقال: "استأذنت فلانًا لكذا"، جاء في الآية ٦٢من "سورة النور": ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ . ١٣- سُقِطَ في يده: يقولون: أُسقط في يده. أي ذل وأخطأ وندم وتحير، والأصح أن يقال: سُقط في يده، اعتمادا على قوله تعالى في الآية ١٤٩ من سورة "الأعراف": ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ . و"أُسْقِطَ" لغة، ذكره الفراء في "معاني القرآن" ١/٣٩٢، وكذلك الأخفش في "معاني القرآن" ١/٣٣٧، وحكاه عن الجوهري في "الصحاح". ١٤- شريعة سمحة: يقول بعض الخطباء: "نحن على شريعة سمحاء" وهذا خطأ، والصواب: "شريعة سمحة" لأن "فعلاء" مؤنث " أفعل" " مثل: حمراء، أحمر"، أما مؤنث "فَعْل" فهو "فَعْلة" "سَمْحٌ، سمحة". ولا يوجد في العربية: "هو أسمح" حتي نقول: "هي سمحاء".

стр. 37

وعلى هذا نقيس "مشترى" عند جمعه، فنقول: "مشتريات" ولا "مشتروات". أضف إلى ذلك أن ألفها ياء لا واوا، فلا وجه لكتابتها بالواو. ١٧- شائن ومَشين: يخطئون عند قولهم: هذا عمل مشين، بضم الميم. والصواب أن نقول "شائن"، لأنه لا يوجد في العربية فعل "أشان" يشين بضم أول مضارعه، ومثله زان يزين، وهو ضد "شان"، وبان يبين، ومنه قوله ﷺ : "عليكم بالرفق فإنه ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه". فاسم الفاعل "شائن" واسم المفعول مشين، بفتح الميم فهو مثل مبيع، من حيث الوزن والإعلال اللاحق به، كما سيأتي. ١٨- مباع ومبيع: كثيرًا ما نرى قد كتب على بعض السلع في بعض المعارض التجارية كالثلاجات أو السيارت، أو غيرهما "مباعة" أو "مباع" بالضم، وقد قصد الكاتب من ذلك أنها قد بيعت وتم قبض ثمنها أو عُربونٍ عليها. وهذا الاستعمال غير صحيح، والصواب أن يقال: مبيعة أو مبيع، بالفتح وتوجيه ذلك أن فعلها ثلاثي وهو باع، واسم المفعول منه "مبيوع" على وزن "مفعول" هذا هو الأصل، وكثيرا ما نسمعه يتردد على ألسنة العامة، ثم ألقيت حركة الياء، وهي الضمة على الباء قبلها، فتحركت الباء بالضم، وبقيت الياء ساكنة بعد تجريدها من حركتها، فالتقى ساكنان، هما: الياء والواو، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصارت الكلمة "مبيع"، ثم كسرت الباء لتناسب الياء، فأصبحت "مَبِيع".

стр. 38

١٥ـ تُوفي: يكثر الآن استعمال الفعل "توفى" مبينًا للمعلوم في مثل قولهم: "توفي فلان" وعلى الرغم من أن الاستعمال الفصيح "توفي" بالبناء للمجهول، فليس الاستعمال الأول خطأ. وقد قرأ بعض القراء "ومِنْكُمْ مَنْ يَتَوَفَّى" "بالبناء للمعلوم، وعلق أبو جعفر النحاس في كتابه" إعراب القرآن" على هذه القراءة قائلا: "فمعناه يستوفي أجله". ١٦- المشتريات١: شاع بين الناس استعمال كلمة "المشتروات"، وهذا الاستعمال غير صحيح لأن الفعل "اشترى"، فاسم المفعول، بناء عليه من غير الثلاثي، على وزن المضارع بإبدال حرف المضارعة في أوله ميمًا مضمومة وفتح ما قبل آخره، فيكون اسم المفعول "مُشْتَرَى". وعند جمع الاسم المنتهي بألف، واو تثنيته، ينظر إلى ألفه، فإن كانت ثلاثية منقلبة عن ياء قلبت ياء، كقولك رحيان في تثنية "رحى"، ورَحَيَات في الجمع، وهديان وهديات في هدى. وإن كان الألف منقلبة عن "واو" أي أصلها "واو" تقلب واوًا، مثل: عصوان وعصوات في "عصا" لأن فعلها عصا يعصو، أي يضرب بالعصا وأن كانت رباعية فصاعدا، تقلب ياء، في مثل: ليليان، وليليات، وبشريان وبشريات، ومنتديان ومنتديات، ومستشفيان ومستشفيات، في ليلى، وبشرى، ومنتدى، ومستشفى.

стр. 39

أما "مُبَاع" فهو اسم مفعول من الفعل الرباعي" أباع"، تقول: أبعت الشيء: إذا عرضته للبيع، لا بعته، فالهمزة هنا أفادت زيادتها على الفعل الثلاثي "باع" معنى العرض أو التعريض للبيع مثل: رهن المدين العقار أو المتاع، فالمتاع مرهون، ولكن أرهنه تفيد معنى عرضه للرهن. وأصل "مباع" هو مبيع، بضم فسكون ففتح، وهو اسم المفعول من الرباعي، على وزن مضارعه بإبدال الياء ميمًا مضمومة، وفتح ما قبل الآخر، مثل: مكرم، نقلت حركة الياء إلى الساكن قبلها، فصارت "مبيع" فتحرك ما قبل الياء التي كانت معتلة في الفعل"باع"، فقلبت الفاء فأصبحت "مباع". "فمبيع" هو الذي تم بيعه، و"مباع" هو المعروض للبيع. ١٩- العيّنَة، العِيْنَة: تطلق "العيِّنة" على النموذج للشيء، كقطعة من ثوب، أو حفنة من حب، أو مادة في مختبر، وما جرى هذا المجرى، ويستعمل الفقهاء في مبحث البيوع "النموذج" في موضع العينة. والذي يبدو لنا أن الصواب فيها هو "العِينة" بكسر العين وسكون الياء دون تشديد، ففي اللسان: عينة الخيل: جيادها. وجاء فيها أيضًا: عينة المال خياره. وهذا ثوب عينة إذا كان حسنًا في مرآة العين. واعتان فلان الشيء: إذا أخذ عينته وخياره. والعينة: خيار الشيء. وجمعها "عِيَن"، بكسر ففتح. قال الراجز: فاعتان منها عينة فاختارها ... حتى اشترى بعينه خيارها وقد أجاز المجمع اللغوي "العَيّنة" بفتح العين وتشديد الياء.

стр. 40

٢٠- قِيد، وقَيْد: كثيرًا ما نسمع قول القائل: لن أحيد عن رأيي قَيْد أنملة، أو قَيْد شعرة، بفتح القاف، والصواب: قِيد شعرة بكسر القاف، أو قاد شعرة، أي مقدار شعرة، ومنه قول الرسول ﷺ : "حتى ترتفع الشمس قِيد رمح" أي قدر رمح وقوله ﵇: "لقابُ قوس أحدكم من الجنة أو قِيد سوطه خير من الدنيا وما فيها". أم القَيْدُ فمعروف، وجمعه قيود وأقياد، وهو ما يقيِّد به. قال امرؤ القيس في وصف فرسه: وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قَيْدِ الأوابد هيكل ٢١- جاء فورًا ـ جاء من فوره: يكثر دوران هذا الاستعمال لكلمة "فور" والأصل أن يقال: جاء فلان من فوره، يؤيد ذلك وروده في التنزيل على هذه الصورة. قال تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران/ ١٢٥] . قال الزمخشري: "من قولك: قفل من غزوته، ورجع من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره.. وهو مصدر فارت القِدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء من صاحبها، فقيل: خرج من فوره، كما تقول: من ساعته، لم يلبث". وقد يكون هذا الكلام على تقدير محذوف، وهو إما حرف الجر، وهو ما يسمى بالحذف والإيصال، فلما حذف الجار وصل الفعل المتعدي بنفسه إلى مفعوله، فنصب المجرور، ومثله قول الشاعر: تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم على إذن حرامُ

стр. 41

أي تمرون بالديار ومنه قوله تعالي: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا﴾ أي من قومه. [الأعراف/ ١٥٥] . وإما أن المحذوف هو المصدر، والتقدير: حضر حضور فور، ثم حذف المصدر، وأقيم المضاف إليه مقامه، فنصب نائبا عن المفعول المطلق، ولكن ما أثر من كلام العرب ومن جرى على سننهم هو غير ذلك. ٢٢- جدد، وجدد: كثيرًا ما يتكرر استعمال لفظ جدد، بضم الجيم وفتح الدال، عند بدء العام الدراسي في المدارس والجامعات مكان اللفظ الثاني، بضم الجيم والدال، فيقال: على الطلاب الجدد أن يفعلوا كذا وكذا.. إلخ. والصواب أن يقال: جدد بضم الأول والثاني؛ لأن جدد، بضم ففتح، جمع جدة، كعدد وعدة، ومدد ومدة، وهي، أي الجُدَّة: الطريقة. ومن معانيها: شاطئ النهر، وبه سميت مدينة جُدَّة، بالمملكة العربية السعودية، القريبة من مكة. والجُدة: الخطة السوداء في متن الحمار تخالف لونه. قال تعالي في جمعها: ﴿وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر/٢٧] . والجدة والجد واحد، وهو شاطئ البحر، كما ذكرنا، وقيل: إنه نبطي أعجمي الأصل ثم عرب. أما "جدد" بضمتين، فجمع جديد، كسرير وسرر. نقول: ثياب جدد وطلاب جدد. وسمي الثوب جديدا لأنه جد حديثًا، أي قُطع، من الجد، وهو القطع.

стр. 42

٣٣ـ وَفى عليٌّ: الاستخدام المعاصر لوفى يفي يجعلها متعدية لمفعولين، فيقولون "وَفَى عليٌّ محمدًا حقه" وهي فعل لازم أصلا فكيف أجعلها فعلا متعديا لمفعولين؟ والصواب في الاستعمال أن نقول: "وَفَى محمد بما قال" و"وفى إبراهيم بوعده" أما التي تتعدى إلى مفعولين فهي "وَفَّى". ٢٤- المرضع والمرضعة: إذا رأى الناس امرأة لها طفل يقولون: "مرضعة"، والصواب أن نقول: مرضع فلا يجوز أن نقول"مرضعة" لها إلا عند ساعة إرضاعها الطفل، أما المرضعة ـ على الإطلاق- فهي التي تمتهن إرضاع الأطفال، مثلما أقول: كانت حليمة السعدية مرضعة الرسول ﷺ . ٢٥- طالما، مادام: نحن نستعمل"طالما" لتؤدي معني "ما دام". فنقول:"طالما حدثتك فاستجب"، وهذا خطأ. والصواب أن نقول: ما دمت حدثتك فاستجب". ٢٦- قاسى من ألم شديد، قاسى ألمًا شديدًا. هناك من يقول: قاسى علاء من ألم شديد" وهذا خطأ؛ لأنه جعله لازما وهو متعدٍّ، والصواب جعله متعديًا فأقول: "قاسى علاء ألمًا شديدًا". ٢٧- مناط، منوط: ويقولون: "هذا الأمر مُناط بفلان"، أي متعلق به.

стр. 43

والصواب: هذا الأمر منوط بفلان " أي معلق به، أو له صلة به؛ لأن الفعل هو "ناطهُ به" أي وصله، وليس "أناطه به". ٢٨- نضوج الثمر، نضج الثمر: يقولون: "نضج الثمر نضوجًا". والصواب: "نضِج يَنْضَجُ نَضْجًا أو نُضجًا أو نِضاجًا، فهو ناضج ونضيج. وقد أخطأ أمير الشعراء أحمد شوقي حيث قال في الجرَّاح الكبير علي إبراهيم باشا: يد إبراهيم لو جئت لها ... بذبيح الطير عاد الطيرانا لو أتت قبل نضوج الطب ما ... وجد التنويمَ عونًا فاستعانا ولو قال: لو أتتنا قبل نضج الطب ما.... لاستقام الوزن وتجنب الخطأ ٢٩- قابله صُدفة، صادَفَهُ: ويقولون: "قابله صُدفة". والصواب: صادَفَهُ. أي وجده، أو لقيه، أو قابله. ويجيز "الوسيط" أن يكون اللقاء من غير موعد أو توقع. ويقول: إنها كلمة مولدة.

стр. 44

أما الفعل صَدَفه فيعني: صرَفَهُ. والفعل أصدفه معناه أيضًا: صرفه وصَدَفَ عنه: أعرض. وصدفه عن كذا وكذا: أماله، وعدل به. وجاء في الآية "١٥٧ "من سورة الأنعام: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ أي: يعرضون. أما الصدفة فخطأ، والصواب: المصادفة، وهي لا تحمل معنى المفاجأة. ٢٠- نَمى المال، أو نَمَا: يخطّئون من يقول: نمى المال، ويقولون: إن الصواب هو: نما المال، أي زاد وكثر، وكلا الفعلين إملاؤه صحيح؛ لأن الفعل هذا يائي وواوي. فتقول: نمى ينمي نميا ونَمْيًا ونَماءًا ونَمِيَّة، وأضاف" المحيط": ونمية، ونقول أيضًا: نما يَنْمو نموًّا. واليائي أفصح؛ لأن "الكسائي" قال: لم أسمعه بالواو إلا من أخوين من بني سُليم، ثم سألت عنه بني سليم، فلم يعرفوه بالواو.

стр. 45

الفصل الثالث: الفقرة يعبر الكاتب عما يحس به، ويفكر فيه بأسلوب، وهذا الأسلوب يتكون من فقرات، والفقرة بكسر الفاء، وجمعها فِقَر، وفِقْرات. ومعناها في أصل اللغة: حلي يصاغ على شكل فِقرة الظهر، ومعناها الاصطلاحي: مجموعة جمل تطور فكرة واحدة. ومن الممكن أن تكون الفقرة جملة واحدة، في مثل هذا الحوار من مسرحية "الدودة والثعبان" لعلي أحمد باكثير: "يدخل الحاجب" الحاجب: رجل أعمي يا سيدي، زعم أنك قابلته في قصر مراد بك في الجيزة، قبل دخولك القاهرة. نابليون "كأنه يحاول أن يتذكر": ... سليمان الجوسقي؟ الحاجب: نعم، هذا اسمه يا سيّدي. بوسيلج: رجل أعمى؟ نابليون: رجل عجيب، ما رأيت أذكى منه. بوسيلج: خذ حذرك منه، لعله.. نابليون: كلا، لا خوف منه، دعه يدخل. بوسيلج: فتشه أولًا قبل أن تُدخله.

стр. 46

نابليون: لا بأس.. فتشه بلطف. الحاجب: سمعًا يا سيدي. بوسيلج: ماذا عساه يريد؟ نابليون: أنا كنت أريده، جاء في الوقت المناسب. بوسيلج: أنت يا سيدي الرجل العجيب. "يدخل الحاجب ومعه الجوسقي"١ وقد اقتصرت الفقرة في الحوار السابق على جملة بعينها -وأحيانا جملتين أو ثلاثة- لأن الكاتب في حواره قد يطرح فكرة ما، أو يطورها، أو يريد أن يؤكد شيئًا معينًا. لكن الفقرة أحيانًا قد تطول وفقًا للفكرة المطروحة التي تعالجها الفقرة، ويمكننا أن نطبق ذلك على هذه الفقرة التي تتحدث عن الشعر: "تعريف الأقدمين عمومًا للشعر يدور حول العبارة الآتية: الشعر هو الكلام الموزون المقفّى قصدًا، حيث ترددها كتب العروض والأدب واللغة، ثم تشرح قيودها من "الوزن والقافية والقصد" مع إخراج محترزات هذه القيود مما لا داعي لتكراره والإطالة فيه بنقل ما أورده الأقدمون عنه. والملاحظ أن هذا التعريف اتجه في تمييز الشعر عن النثر إلى الشكل العروضي الذي يلتزمه الشعر العربي من توالي مقاطع الكلام على طريقة خاصة، حيث

стр. 47

يتكون من كميات نغمية تتكرر عدة مرات لتؤدي الإيقاع الموسيقي الذي هو أهم خصائص الشعر. كما يلاحظ أيضًا أنه أخذ في هذا التعريف تردُّد القوافي وتكرارها على نظام خاص وشروط محددة تفصلها كتب العروض، وكأنما تصنع القافية وقفة موسيقية في نهاية البيت، يبدأ بعدها التفاعل في البيت الذي يأتي بعد ذلك. أما تقييد مفهوم الشعر"بالقصد" فيبدو أن الدافع لهذا القيد ديني لا علمي، كيلا يدخل الشعر بعض آيات القرآن الكريم التي تصادف مجيئها على وزن بعض البحور، مثل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وكذلك ما نطق به الرسول ﷺ من عبارات موزونة "بدون قصد"، مثل: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، والقرآن ورسول الله منزهان عن الشعر وقوله، فقد وضع هذا القيد إذن لسب ديني، يؤيد ذلك أن هذه العبارات الموزونة أو سامعها لا يعْلَق بذهنه منها أنها تنتمي بسببٍ إلى الشعر. على أنه ينبغي أن يُعلم مع ذلك أن علماءنا الأقدمين -وإن فهموا الشعر هذا الفهم الذي يعتمد على شكله الموسيقي- عرفوا للشعر قيمًا أخرى يحملها وحده، وتعد من سماته المميزة، وهي قيم فنية نص عليها بعض الدراسين منهم. قال الجاحظ: "الشعر شيء تجيش به صدورنا، فتقذفه على ألسنتنا". ويقول ابن خلدون: "قول العروضيين في حَدِّهِ: "إنه الكلام الموزون المقفَّى" ليس بحد لهذا الشعر الذي نحن بصدده ولا رسم له، وصناعتهم إنما تنظر في الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة، فلا جرم أن حدهم لا يصلح له عندنا، فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من

стр. 48

هذه الحيثية، فنقول: الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصَّل بأجزاء متفقة في الوزن والرويّ". فالجاحظ يضيف إلى خصائص الشعر الناحية الشعورية القوية فيه، فما كل كلام موزون مقفى شعر، بل الشعر ما يجيش في الصدر، فيقذف إلى اللسان تعبيرًا مشحونًا بالعواطف والأحاسيس. أما ابن خلدون فلا يرضيه تحديد العروضيين للشعر بأنه الكلام الموزون المقفى فقط، بل لا بد لهذا الكلام أن يكون بليغًا، مبنيًّا على الاستعارات والأوصاف، أو بعبارة أقرب إلى فهمنا: لا بد أن يكون بناؤه اللفظي قائمًا على صور شعرية، تدل على خيال رائع. فالذي يحصله المرء عن فهم الأقدمين للشعر، تلخصه الأمور الآتية: أ- أن الشعر موسيقا تؤديها الألفاظ بالوزن والقافية. ب- أنه يحمل الشعور الذي يجيش في الصدور، ويقذف على اللسان. جـ- أن نسجه يتألف من صور فنية للمعاني والمشاعر. فهذه الأمور الثلاثة "الموسيقا، والعواطف، والتصوير" تكوِّن سمات الشعر لدى علمائنا الأقدمين، ولا أظن المشتغلين بالشعر في العصر الحديث قد زادوا عليها شيئًا كثيرًا في تحديد مفهومه. وبناء على ذلك فإن مقابل الشعر -وهو "النثر"- لا يؤخذ في مفهومه الصفات السابقة في الشعر، أوبعبارة أخرى: ليس من اللازم أن تتحقق فيه، وربما حمل بعضها أحيانًا بطريقة عفوية"١.

стр. 49

ونلاحظ على الفقرِ السابقة ما يأتي: ١- تعلن عنوان الموضوع، أو تصرح بعنوان الجزء الرئيس منه الفقرة الأولى التي تبدأ بقوله "تعريف الأقدمين للشعر.." فكأنها تحدد أن الفقرت التالية ستتناول هذا التعريف، نقلًا، وشرحًا، وتوضيحًا. ٢- الانتقال من فكرة جزئية إلى أخرى، فالفقرة الثانية تتناول دور تكرار القوافي في تحديد مفهوم الشعر، والفقرة الثالثة تتناول مفهوم القصد الذي يخرج بعض الآيات، وبعض الأحاديث التي تصادف مجيئها على وزن بعض البحور ... الخ. ٣- تلخيص الموضوع أو جزء منه: وغالبًا ما يكون في الفقرات الأخيرة، وهنا نلمح تلخيص الموضوع في الفقرة قبل الأخيرة التي تبدأ بقوله "فهذه الأمور الثلاثة ... ". ٤- الربط بين الأجزاء الفكرية المختلفة "ويكون ذلك من خلال حروف الصلات والرباطات، من قبيل: بالإضافة إلى، أحرى، وأولى، إن قيل، لأنه، إنما، وليس هذا، فما من، وإذا كان، إلى سواهم، وأنت، إذا، فأينما"١. والملاحظ أن فقرات الموضوع السابق، استخدمت الربط، وهي من الفقرة الثانية إلى الأخيرة، جاءت على هذا النحو: "والملاحظ، كما يلاحظ، أما..، على أنه، قال....، ويقول ... ، فالجاحظ، أما ابن خلدون، فالذي، فهذه الأمور الثلاثة، وبناء على ذلك".

стр. 50

١- الجملة الأولى في الفقرة: ١- الفقرة تتضمن عادة فكرة عامة واحدة. ٢- الجملة الأولى في الفقرة تسمى" الجملة المفتاحية" وهي تتضمن فكرة رئيسة، تتبعها أفكار فرعية. ٣- هذه الجملة المفتاحية قد تكون جملة دعاء، أو استفهام، أو اقتباس من القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو قول مأثور، أو أسلوب نهي، أو أسلوب خبري، أو بإثارة قضية. نموذج تطبيقي: قال مصطفي صادق الرافعي في فصل عنوانه "الشيخ أحمد" يرثي فيه ابن عمه، زوج أخته الشيخ أحمد الرافعي، الذي ذهب لأداء فريضة الحج، فأفضى إلى ربه من هناك ودفن بمكة: "يرحمك الله يا صديقي الكريم، تركتنا مصعدًا إلى الله في سلم كانت الأولى من درجاتها عتبة هذا البيت في مصر، وكانت الأخرى تلك العتبة الطاهرة من بيت الله في مكة"١. والفكرة العامة التي تناولتها الفقرة: وفاة الشيخ أحمد الرافعي. - والجملة المفتاحية هنا: يرحمك الله يا صديقي الكريم". - وهي جملة دعاء.

стр. 51

٢- بناء الفقرة تبدأ الفقرة بجملة رئيسه تامة تمثل الفكرة، ثم توضح هذه الجملة بعدة طرق، منها: ١- بالتعريف: إذا كانت الفقرة تتناول شخصية أو بلدة، أو حدثًا تاريخيًّا، أو موقعة حربية. ٢- بالتفريع: إذا كانت مجملة. ٣- بالتمثيل: ضرب الأمثلة، لتأكيد الكلام. ٤- بالوصف: إذا كانت الفقرة تتناول شيئًا تاريخيًّا أو زمانيًّا. فتبدأ الفقرة من القديم إلى الحديث، أما إذا كانت تصف شيئًا مكانيًّا فيكون الوصف من اليمين إلى اليسار، ومن الأعلى إلى الأسفل. ٥- الموازنة: تعتمد عليها الفقرة في بنائها، إذا كانت تتحدث عن شيئين متشابهين. ٦- الاقتباس: لا بد من أهمية القول المقتبس ومكانة صاحبه، ويشترط في المقتبس الدقة والأمانة في النقل. ٧- الإحصاء: لا بد فيه من الفهم والدقة في نقل الإحصائيات للتوصل إلى حكم عام دقيق، ويكثر في الكتابة العلمية، ومن الممكن أن يصوغ الكاتب هذه الإحصائيات ويوظفها في أسلوب أدبي جميل، فيكون أسلوبه علميًّا متأدبًا.

стр. 52

نموذج تطبيقي: من النص السابق للرافعي: "لهفي لذكراه صديقًا، كانت نفسه العالية كالنجمة وهبت قوة النزول إلى الأرض، وحبيبًا لو انقسمت روحي في جسمين لكان جسمها الثاني. كان دائمًا كالذي يشعر أنه لا بد ميت وتارك ميراث مودته، فلا أعرف أني رأيت منه إلا أحسن ما فيه، وكأنما كان يضاعف حياتي بحياته، ويجعلني معه إنسانين، وكان له دين غض كعهد الدين بأيام الوحي: لا تزال تحته رقة قلب المؤمن وفوقه رقة جَناح الملَك، يخالط نوره القلوب. وكان حييًا، صريح الحق، ترى صدق نيته في وجهه كما يريك الحق صدق فكره في لسانه، ساميًا في مروءته ليس لها أرض تسفل عندها١، وإنما هي إلى وجه الله فلا تزال ترتفع، ودودًا لا يعرف البغض، محبًّا لا يتسع للحقد، ألوفًا لا يُسرُّ الموجِدَةَ على أحد. وكان رحيبَ الصدر، كأن الله زاد فيه سعة الأعوام التي سينتقصها من حياته، ففي قلبه قوة عمرين، وكان طيب النفس فكأن الله لم يمد في عمره طويلًا لأنه نفى منه الأيام الهالكة التي يكون فيها الإنسانُ للإنسان معنى من معاني الموت٢"٣. ويلاحظ على نص الرافعي أنه يبدأ بجملة ثم يفرعها: وهي وسيلة بلاغية جيدة، فكأنما يجمل ثم يشرح.

стр. 53

٣- متى يقتبس الكاتب النص حرفيًّا؟ يقتبس الكاتب النص حرفيًّا إذا أدى هذا الاقتباس دورًا محددًا، مثل: ١- تأييد الكاتب في موقفه من قضية ما. ٢- تفنيد الكاتب لرأي معارض بنقده، أو موازنته بآراء غيره. ٣- إذا كان النص المقتبس يجسم المعنى الذي يطرحه الكاتب على نحو أفضل. ٤- إذا احتوى النص على بعض المصطلحات التي يصعب إيجاد بديل لها. ٥- إذا كان الاقتباس ضروريًّا في بناء نسق من البراهين المنطقية. ٤- عناصر الفقرة: ١- الفقرة تتضمن فكرة عامة واحدة. ٢- لكل فقرة عدد من العناصر "الجمل" تتفرع عنها. ٣- تختلف هذه العناصر قلة وكثرة حسب قدرة الكاتب، وهدفه من كتابته، وجمهور قرائه. ٤- تتعاون هذه العناصر في النهاية لتشكل إطارًا عامًّا للفكرة الرئيسة. ٥- تنظيم الأحداث: ونقصد بالأحداث الأفكار الفرعية ضمن الفكرة الأساس: ١- ينظم الكاتب أفكاره الرئيسة في فقرته تنظيمًا سليمًا بحيث تجيء مرتبة ترتيبًا منطقيًّا.

стр. 54

٢- هذا التنظيم له مظاهر كثيرة، فقد يكون من القديم إلى الحديث، أو من المحسوس إلى المجرد، أو من البعيد إلى القريب. ٣- الهدف من هذا الترتيب هو الوضوح، والدقة في نقل الخبرات والأفكار. ٦- الأوصاف المادية: ١- نعني بالأوصاف المادية ما يلجأ إليها الكاتب في كتابة نصوصه من استخدام الحواس الخمس وهي: البصر، والسمع، والشم، والذوق، واللمس. ٢- هذه الحواس الخمس تعد مصدرًا لإثراء الكتابة الأدبية، وتطوير الجمل، وتأييد الأفكار. ٣- الكاتب الجيد هو الذي يستطيع أن ينقل إحساسه الصادق عن طريق حواسه للتعبير عن الأوصاف المادية التي ينفعل بها. ٧- إثراء الفقرة: ١- يتضمن الموضوع الواحد في التعبير عددًا من الفقرات تتناول فكرته العامة. ٢- يجب على الكاتب في فقرته أن يحقق جانبي الإقناع والإمتاع معًا للقارئ: - الإقناع: بالأدلة والبراهين والتفسير والشرح والأمثلة "الشرح والتأييد". - الإمتاع: بالتصوير والخيال والتأثير النفسي "من خلال الأسلوب". ٣- يلجأ الكاتب إلى إثراء فقرته، واتساع بنائها ليشمل أنماطًا أسلوبية متعددة منها:

стр. 55

أ - الجملة الاسمية والفعلية. ب - الأسلوب الخبري والإنشائي. جـ- الجمل البسيطة والمركبة والمعقدة. ٨- إعادة صياغة الفقرة: ١-كل كاتب له أسلوبه الذي يتميز به في صياغة عباراته بطريقته الخاصة التي تعبر عن شخصيته. ٢- عند إعادة صياغة فقرة من الفقرات يجب أن تعبر الفقرة عن المعنى المراد التعبير عنه تعبيرًا جيدًا من خلال التزامها بالفكرة الرئيسية والأفكار الفرعية. ٩- تلخيص الفقرة: ١- التلخيص مهارة لغوية مكتسبة، علينا أن نتمكن منها في العصر الحديث، عصر السرعة والانفجار الثقافي. ٢- عند التلخيص لأي فقرة نراعي الآتي: أ- فهم الفكرة الرئيسية في الفقرة، والأفكار الجزئية التي تندرج تحتها. ب- معرفة الجملة الرئيسية، والجمل المفسرة الشارحة، والجمل المؤكدة، والمعلِّلة. جـ- معرفة الجملة المفتاحية التي تبدأ بها الفقرة، وإعادة صياغتها بأسلوبك. د- إعادة صياغة الفقرة مع المحافظة على الأفكار العامة، وحذف الجمل المترادفة، والتكرار، والحشو، والتطويل.

стр. 56

كيف يكون التلخيص تحريرًا أدبيًّا جيدًا: أ- التركيز على العناصر الرئيسة للفقرة، واستيفاء الأفكار الرئيسة. ب- حذف المكرر من الألفاظ والعبارات. جـ- الحرص على أن يكون التلخيص بأسلوبك لا بأسلوب الكاتب. د- الدقة والوضوح في عرض التلخيص. هـ- الاستيعاب الدقيق للمضمون الذي يتناوله الموضوع ثم إبعاده قبل الكتابة، حتى تكون الكتابة واضحة. ١١- نموذج للتحليل: للأستاذ عبد العزيز البشري١: كان لي صديق ... أحب الحياة وغلا في حبها، وأبغض الموت وأسرف في بغضه، وسبيل الموت في العادة هو المرض، فكان إذا ذكر الموت طار قلبه فرقا٢ من ذكر الموت. وكيف يتقي المرض ويتحامى أسبابه؟ لقد جاء بطبيب، والتزمه بياض نهاره وسواد ليله، فلا يهب من فراشه إلا إذا أمره بالهبوب، ولا يطمئن إلى مضجعه إلا إذا آذنه بالاطمئنان، ولا يخرج من داره لطلبه أو لفرجة إلا إذا أشار عليه بالخروج، ولا يبدل أثوابه، أو يتروّى بجرعة الماء إلا إذا أوصى إليه الطبيب. بل جاء بكتب الحكمة، وطلب المجلات الطبية، وجعل يديم النظر فيها، والانكباب على تفهم مباحثها، وما قال العلماء في اتقاء الأمراض وعلاجها، وما لوح به المستشكفون من إمكان التوصل إلى مدافعة الموت وإطالة الحياة.

стр. 57

ولكنه قد يصافح إنسانًا، وقد يمس آنية، أو يلمس ثوبًا فسرعان ما يفزع إلى ألوان المطهرات: هذا يغسل به يديه، وهذا يُضَمِّخُ به ثوبه، وهذا للمضمضة، وهذا للاستنشاق. ولكنه يتنفس ولا غناء عن أن يتنفس، وقد يجر نفسه نسمة مؤذية بما تحمل من المكروبات. فهو دائم على ترجع الأدوية، هذا لتطهير الحلق، وهذا لتنقية الرئتين، وهذا لتنظيف المصران الدقاق. وإنه لفي نشاطه ونضارته.. حتي يرميه بابه بزائر، فإذا سقط لسانه بأن فلانا قد مات اربدَّ١ وجهه، وتتعتع لسانه٢، وتاهت حدقتاه في محاجرها، وشد نفسه شدًّا، ثم تهافت بها على الزائر يسأله: "وهل مرض فلان هذا؟ وهل شكا؟ وماذا كانت علته؟ ومتى ابتدأت شكاته؟ وما الذي كان يظهر عليه من أعراض الداء؟ وهل كان يحس وجعًا؟ وفي أي موضع كان يستشعر الألم؟ وما صفة الدواء الذي كان يتناوله؟ ومن الطبيب الذي كان يعالجه؟ وهل فحص عن قلبه؟ وهل كان يعد ضرباته؟ ". ثم إنك لتشعر أن قد نشبت في نفس المسكين معركة هائلة بين الرجاء في الحياة وتوقع الموت كما مات فلان. ثم تكون له فترة يقبل فيها على جس نبضه، ثم تراه قد دخل في الغشية ولحقه الذهول، فزاغت عيناه، وتقلصت شفتاه، وأرعشت يداه، وجعل يطفو ويرسب في كرسيه، وأومأ فتطاير الخدام يطلبون الأطباء من كل مكان. وكذلك قضى العمر إلى غايته مشغولًا عن متع الحياة ومطالب الحياة، بشدة الحرص على الحياة.

стр. 58

الفصل الرابع: كيف تقرأ النص الأدبي مدخل ... الفصل الرابع: كيف تقرأ النص الأدبي حينما أريد أن أقرأ نصًّا أدبيًّا فهناك أربع خطوات للتعامل مع هذا النص: ١- أن يكون هناك حافز للقراءة. ٢- التعرف على هدف الكاتب من وراء النص. غالبًا نعرف هدف الكاتب بعد قراءة نصه، أما في الكتب العلمية فنحن نعرف هدف الكاتب منذ البداية، فلو قرأنا مثلًا كتابًا عنوانه "الإيدز: طرق العدوى، والعلاج"، فمن العنوان تعرف أنه كتاب طبي يتحدث عن هذا المرض، وطرق العدوى فيه، وكيفية انتقاله إلى الأشخاص، وكيفية تجنبه. ٣- معرفة الجنس الأدبي الذي يقدمه الكاتب من خلال نصه. ٤- تكوين رأي في النص المقروء من خلال التعرف على: أ - هدف الكاتب من كتابة نصه، ومدي توفيقه في الوصول إلى هدفه. ب - معرفة مدى التزام الكاتب بقواعد الجنس الأدبي للنص، وجوانب تميزه أو جوانب الإخفاق فيه١.

стр. 59

وهذه قراءة في نص قام بها طالب: ١- قراءة في نص "إرادة الحياة" لأبي القاسم الشابي١ مقدمة: الحمد لله وحده، وأصلي وأسلم على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.. فإن أدبنا الحديث مليء بالنصوص والأعمال الإبداعية التي جذبت إليها الدارسين لتناولها بالبحث والدراسة وذلك لبيان خصائصها، ومناهجها، والأنماط الفكرية التي تحتويها، ومن ثم نقدها، وبيان أخطائها، وهذا هو مسلك النقاد حسبما أعلم. من هذا المنطلق وللحرص على إفادة الطلاب، قام أستاذنا الدكتور حسين علي محمد بتكليفنا بهذه الدراسة الأدبية لقصيدة من العصر الحديث هي قصيدة "إرادة الحياة" للشاعر أبي القاسم الشابي. ودراستنا للقصيدة هذه اتخذت طابعًا محدودًا وليست دراسة شمولية، فهي تبدأ بتعريف بالشاعر، ثم المناسبة والداعي لنظم القصيدة، ثم نطالع أثر الصور الجمالية في النص، وبعدها تقع عيناك على الشعور في القصيدة والألفاظ الدالة عليه، ومن ثم نتحدث عن الموسيقا في النص ونختتم الدراسة برأي نقدي متواضع.

стр. 60

هذا هو منهجنا الذي لم نتجشم عناء في وضعه وتحديده وإنما كفانا أستاذنا -جزاه الله خيرًا- مؤونة ذلك، فله من الله المثوبة، ومنا جزيل الشكر. ولئن كان التناول محدودًا في هذه الدراسة فإنني أعتقد أنه اشتمل على أهم الجوانب المفيدة لطالب في مثل مرحلتنا. أتركك لقراءة هذه الوريقات التي أتمنى أن تكون مشتملة على المطلوب أو قريبًا من ذلك. وفقكم الله وسدد خطاكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 61

نص القصيدة ... إرادة الحياة إذا الشعب يوما أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدرْ ولا بد لليل أن ينجلي ... ولا بد للقيد أن ينكسرْ ومن لم يعانقه شوقُ الحياة ... تبخر في جوها واندثر فويل لمن لم تشقه الحيا ... ة من صفعة العدَم المنتصر كذلك قالت ليَ الكائنات ... وحدثني روحها المستتر ودمدمت الريح بين الفجاج ... وفوق الجبال وتحت الشجر "إذا ما طمحتُ إلى غاية ... ركبت المنى ونسيت الحذر" "ولم أتجنب وعور الشعاب ... ولا كُبَّةَ اللهب المستعر" "ومن لا يحب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر" فعجَّتْ بقلبي دماء الشباب ... وضجت بصدري رياح أُخر وأطرقت أصغي لقصف الرعود ... وعزف الرياح ووقع المطر

стр. 62

وقالت ليَ الأرض لما سألت ... "أيا أم هل تكرهين البشر" "أبارك في الناس أهل الطموح ... ومن يستلذ ركوب الخطر" "وألعن من لا يماشي الزمان ... ويقنع بالعيش عيش الحجر"١ "هو الكون حي يحب الحياة ... ويحتقر الميت مهما كبُر" "فلا الأفق يحضن ميت الطيور ... ولا النحل يلثم ميت الزهر" "ولولا أمومة قلبي الرؤوم ... لما ضمت الميت تلك الحفر" "فويل لمن لم تشقه الحيا ... ة من لعنة العدَم المنتصر! " وفي ليلة من ليالي الخريـ ... ـف مثقلة بالأسى والضجر سكرت بها من ضياء النجوم ... وغنيت للحزن ٣ حتى سكر سألت الدجى: هل تعيد الحياة ... لما أذبتله ربيع العمر فلم تتكلم شفاه الظلام٤ ... ولم تترنم عذارى السحر وقال لي الغاب في رقة ... محببة ٥ مثل خفق الوتر "يجيء الشتاء، شتاء الضباب ... شتاء الثلوج شتاء المطر" فينطفئ السحر سحر الغضون ... وسحر الزهور وسحر الثمر".

стр. 63

وسحر السماء الشجي الوديع ... وسحر المروج الشهي العطر" "وتهوِي الغصون وأوراقها ... وأزهار عهد حبيب نضر "وتلهو بها الريح في كل وادٍ ... ويدفنها السيل أنى عبَر" ويفنى الجميع كحلم بديع ... تألق في مهجة واندثر" "وتبقى البذور التي حملت ... ذخيرة عمر جميل غبر" "وذكرى فصول ورؤيا حياةٍ١ ... وأشباحَ دنيا تلاشت زُمَرْ" "معانقة وهي تحت الضباب ... وتحت الثلوج وتحت المَدَر" "لطيف الحياة الذي لا يملُّ ... وقلب الربيع الشذيِّ الخضر٢" "وحالمة بأغاني الطيور ... وعطر الزهور وطعم الثمر" "ويمشي الزمان فتنمو صروف ... وتذوِي صروف وتحيا أخر" "وتصبح أحلامها يقْظة ... موشَّحة بغموض٣ السحر" "تسائل أين ضباب الصباح ... وسحر المساء وضوء القمر" "وأسراب ذاك الفَراش الأنيق ... ونحلٌ يغني وغيم يمر" وأين الأشعة والكائنات ... وأين الحياة التي أنتظر" "ظمئت إلى النبع بين المروج ... يغني ويرقص فوق الزهر! "

стр. 64

"ظمئت إلى نغمات الطيور ... وهمس النسيم ولحن المطر" "ظمئت إلى الكون أين الوجود ... وأنَّى أرى العالم المنتظر" "هو الكون خلف سبات الجمود ... وفي أفُقِ اليقظات الكُبَر" "وما هو إلا كخفق الجنا ... ح حتى نما شوقها وانتصر" "فصدعت الأرض من فوقها ... وأبصرت الكون عذب الصور"١ "وجاء الربيع بأنغامه٢ ... وأحلامه وصباه العطر" "وقبلها قبلا في الشفاه ... تعيد الشباب الذي قد عبر" "وقال لها قد مُنحت الحياة ... وخُلدت في نسلك المدخر" "وباركك النور فاستقبلي ... شباب الحياة وخصب العمر" "ومن تعبد٣ النور أحلامه ... يباركه النور أنى ظهر" "إليك الفضاء إليك الضياء ... إليك الثرى الحالم المزدهر" "إليك الجمال الذي لا يبيد ... إليك الوجود الرحيب النضر" "فميدي كما شئت فوق الحقول ... بحلو الثمار وغض الزهر" "وناجي النسيم وناجي الغيوم ... وناجي النجوم وناجي القمر" "وناجي الحياة وأشواقها ... وفتنة هذا الوجود الأغر"

стр. 65

"وشفَّ الدجى عن جمال عميق ... يشب الخيال ويذكي الفكر" "ومد على الكون سحر غريب ... يصرفه ساحر مقتدر" "وضاءت شموع النجوم الوضاء ... وضاع البخور بخور الزهر" "ورفرف روح غريب الجمال ... بأجنحة من ضياء القمر" "ورنَّ نشيد الحياة المقدَّ ... سُ في هيكلٍ حالمٍ قد سُحر" "وأُعلن في الكون أن الطموح ... لهيب الحياة وروح الظفر" "إذا طمحتْ للحياة النفوس ... فلا بد أن يستجيب القدر"١

стр. 66

التعريف بالشاعر: هو أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن إبراهيم الشابّي اتفق المؤرخون على أن مولده كان في سنة ١٩٠٩م أما الشهر واليوم فيظلان حائرين بين ٢٤/ ٢و ٣/ ٤ على أقوال عدة وروايات مختلفة. ولد أبو القاسم ببلدة الشابيّة إحدى ضواحي مدينة توزر بالجنوب التونسي وهي بلاد معروفة بالجمال وحسن الطبيعة، ولم ينشأ بمسقط رأسه بل ظل والده يتنقل به من منطقة إلى أخرى في البلاد التونسية حيث كان يعمل قاضيًا شرعيًّا فتنقل في بيئات اجتماعية مختلفة غذت خياله الغض؛ مما كان له أكبر الأثر في شاعرية أبي القاسم. درس شاعرنا في الكتاتيب وفيها حفظ القرآن حين بلغ التاسعة من عمره، ثم أخد والده يعلمه العربية والعلوم الدينية بنفسه، ثم أرسله إلى جامع الزيتونة

стр. 67

ومنها إلى مدرسة الحقوق التونسية حتي تخرج فيها. كان لأبي القاسم نشاطات ومساهمات، كقيادة حركة استهدفت إصلاح التعليم والإدارة في الكلية، كما أسهم في قيام النادي الأدبي بالعاصمة، وجمعية الشبان المسلمين، ونادي الطلاب بتوزر، وكل هذه الأنشطة تبرز لنا جانبًا من حياة الشاعر المليئة بالنشاط والحيوية، كما أنها توضح لنا شيئًا من التطلع للثورة على الأوضاع الخاطئة. عانى الشابي في حياته من مآسٍ عديدة لكن أكبر مأساة أحاطته هي مأساة مرضه الخطير الذي أصاب قلبه وكان سببًا بعد إرادة الله في قصر حياته التي انطفأت وهو في الخامسة والعشرين من عمره فجر يوم الثلاثاء التاسع من أكتوبر سنة ١٩٣٤م١. جو النص نشأ الشابي في بيئة ومجتمع تضافرت عليه قوى الشر وعوامل الإبادة، فالاستعمار الفرنسي البغيض يستغل إمكانات تونس وشعبها ويسلبها خيرات البلاد وثمارها، ويحول بينها وبين النهوض والتنمية، والمجتمع التونسي آنذاك كان مجتمعًا مريضًا جسدًا وروحًا، نائمًا في شقائه مستسلمًا لهذه الأوضاع المزرية، فكان يسيرًا على المستعمر أن يسيِّر شعبًا هذه حالته ومثل هذا وضعه. كانت هذه هي البيئة، ولكن ما حال شاعرنا فيها؟!!

стр. 68

كان الشابي وقّاد الفكر فتيًّا طموحًا كحال غيره من الشباب والغيورين، لكنه تميز عنهم بالخيال، ورقة الحس، ورهافة الشعور، والشاعرية المنطلقة، فلم يرضَ عن المجتمع ولم يطمئن لنوع الحياة التي يحياها ولا لأصناف الظلم التي يعانيها ويكابدها، فكانت هذه القصيدة التي فاضت بها نفس هذا الفتى الثائر الطموح، فأخذ يطلقها صيحات في شعبه ليتحرر من عبودية المستعمر وينطلق من أغلاله. وقد ضمن الشابي قصيدته خواطر وتأملات طالعها الشاعر في حياته، كما حكى فيه بعض مواقفه مع الطبيعة. الصور الجمالية ودورها في خدمة النص: إن الدارس لهذه القصيدة بل والقارئ لها أيضًا يرى جليًّا ما حوته من صور بيانية وصور بديعية كثيرة اهتم بها الشاعر بإيرادها ليحسّن الصورة ويقوّي المعنى وهذا هو هدف الشعراء، لكن المتمعن يدرك أن أبا القاسم قد نجح في مهمته أيما نجاح، واستطاع أن يستنطق الجمادات ويبدع فيما يسمى بالتجسيم أو التشخيص، إضافة إلى ذكر الشيء وضده الذي يعرف بالطباق، ولا يخفى ما لهذا الأسلوب من فائدة جمالية، وأخرى معنوية. ولنبدأ في استعراض بعض هذه الصور الجمالية مبينين أثرها في خدمة النص وإبراز المعنى. نرى الشاعر يستخدم التشخيص، وهو أسلوب يستنطق فيه الجمادات، يبعث إليها خطابه ويصورها وكأنها ذت إرادة، فيحادثها ويحاورها ويناجيها ويكلمها وتكلمه ويضفي عليها صفات الإنسان، فتفعل فعله وليست كذلك في واقع الأمر.

стр. 69

وقد كان التشخيص من الخصائص الأسلوبية التي طرقها أرباب المدرسة الرومانسية التي ثارت -فيما ثارت عليه- على العقل، وأعلت شأن العاطفة، وقدست الخيال حتي جعلت من المعنوي محسوسًا، ومال الرومانسيون إلى الطبيعة يناجونها، ومن الأمثلة التي نراها عند أبي القاسم ما يلي: - "يستجيب القدر": جعل الشاعر للقدرة إرادة وعقلا فمن يدعوه فإنه يجيبه ومن أصر عليه فإنه لا بد أن ينصاع له. ولنا مع هذه الصورة الفنية رجعة في التعليق بمشيئة الله تعالى. وهذا التشخيص" الاستعارة" أفاد المعنى قوة وتمكينًا في النفس، وحضًّا للشعب الذي يخاطبه على العمل والثورة لأن القدر سيبارك سعيهم ولن يضيع عملهم سدى بل النتيجة الحتمية واستجابة القدر مؤذنة بالتغير والتطور؛ لأن من يعمل وهو يعلم بالنتيجة الحسنة لعمله فإنه سيواصل العمل، ويتجاوز العقبات ويتجرع العلقم ليناله عاقبة حلوة في المنتهى. - " يعانقه شوق الحياة": أبو القاسم يجعل للحياة شوقًا يريد بذلك العمل، ومعاركة الحياة وأحداثها، ويصور شوق الحياة بشخص يعانق كأنه إنسان، وفي هذا استعارة تضمنت تشخيصًا. فائدة الصور: - أراد الشابي حض الشعب على العمل والثورة والتفاعل مع الأحداث ومصارعتها، وعبر عن هذه بالمعانقة والتعلق بالشيء، فدلت المعانقة والمفاعلة على العمل. ثم يقول: إن الذي لا يعمل ولا يعانق هذا الشوق فالفشل حليفه والاندثار مصيره.

стр. 70

- "ودمدمت الريح.... إذا ما طمحت.. " يجعل للريح صفة التكلم وهي صفة خاصة بالإنسان فجعل الريح كشخص، وهذه استعارة مكنية، ومثله كذلك "قالت لي الكائنات"، ومثل هذا: "وقالت لي الأرض:....."، و"قال لي الغاب" مشبهًا الأرض والغاب بإنسان يتكلم. أراد الشاعر بهذه الأمثلة أن يثبت كلامه عن الثورة والطموح والعمل ويقويه في ذهن المخاطب فجمع له المؤيدين، حتي الذين لم يعهد منهم أن يتكلموا استطاع أبو القاسم بحاسته المرهفة أن يخاطبهم وأن يشهدوا له بما قال، فالريح تزأر بقوة، إن الطموح يريد العمل، وإن المتكاسل المتواني ضعيف الهمة يعيش في الحفر بينما يصعد غيره شمم الجبال وقممها، والأرض تحب الطامحين الذين لا تثنيهم المصاعب والأخطار عن تحقيق المنى، وهي تكره أشد الكره الخائنين الذين يرضون بالعيش الذليل، والغاب يتطلع إلى رؤية الحياة الحقة حين تترنم الطيور وتهب النسمات العليلة ويعم المطر الكون بعزفه وقطراته المنعشة. أما الاستعارة "الخالية من التشخيص" فقد أكثر منها الشاعر مقويًّا بها معانيه ولنستعر شيئًا منها: ـ "لبست المني وخلعت الحذر": هنا استعارة مكنية شبه فيها الأماني بشيء يلبس كما شبه الحذر والخوف بشيء يخلع. وقد أفادت الاستعارة هنا أن العمل واجب لتحقيق ما تطمح إليه النفس وما إليه تصبو، ومن مظاهر العمل أن يتمنى الإنسان الأماني العالية، ويعمل على تحقيقها، وأن يترك عنه الخوف، والحذر يخلعه ويتخلص منه ويرمي به.

стр. 71

- "ركوب الخطر": استعارة مكنية، شبه الخطر بما يركب. - تفيدنا هذه الصورة أن الذين يعملون سوف يعترض طريقهم من المصاعب والأخطار الشيء الكثير. والأرض تمتدح من الناس الذين يستلذون ركوب الخطر كأنهم يركبون دابة ما، ويسيرونها على ما يريدون لا ترهبهم ولا يداخل نفوسهم الخوف، بل هم أعلى شأنًا منها. -"الكون ... يجب الحياة ويحتقر الميت": استعارة مكنية شبه الكون بإنسان يحب ويحتقر. والذي نستفيده من هذه الصور أن الكون يوافق الشاعر في نظرته، فهو يحب الناس الأحياء المتحركين العاملين بينما يكره حتي يصل إلى حد الاحتقار للإنسان الذي لا يعمل، فشأنه شأن الأموات حيث السكون وعدم الحركة. -"العدم المنتصر": استعارة مكنية شبه العدم بمن ينتصر. يريد الشاعر أن ينفر الناس من الكسل وترك العمل، فيبين أن الذي يسلم نفسه للدَّعَةِ والسكون والكسل عديم الفائدة حاله كحال المعدوم الذي انتصر عليه العدم وجعله تحت إمرته. ـ "ليلة ... مثقلة بالأسى والضجر": استعارة مكنية شبه الليلة بشيء محسوس يشعر بالثقل. أفادت الاستعارة شدة الأسى والضجر حتي إن الليلة لتحس وتشعر بثقله. ـ "ويمشي الزمان": استعارة مكنية شبه الزمان بإنسان يمشي. وتفيد الاستعارة أن الأحوال لا تبقى كما هي، بل إن سنة التغير ماضية، وإذا ذهب يوم وأتى آخر فإنه يحمل معه أحداثًا أخرى. ولعلك تلاحظ عدم

стр. 72

التخلص من الاستعارة حتى في التعبير العادي ذلك أنها من عوامل التحسين للمعنى، أو أنها تفرض نفسها وتصبح على لسان الفرد العادي تعبيرًا لا نحس بمدى جماله. "سنة التغير ماضية"، "ذهب يوم/ أتى آخر"، "يحمل معه"، "تفرض نفسها" ... ـ "النبع يغني ... يرقص" شبه النبع بمن يغني ويرقص، ففيه استعارة مكنية. ويحكي هنا أن الزمان يتساءل أين ضباب الصباح أين؟ ... أين؟ ... فهو يتطلع إلى الحياة الكريمة ثم يذكر أنه يريد أن يرى النبع يغني بين المروج ويرقص فوق الشجر. وهذا دلالة على السعادة والحياة الجميلة حيث الغناء والرقص -كما يرى الشاعر وليس كما أرى. ـ كما يحكي عن الزمان وأنه ظامئ إلى النور والنبع ونغمات الطيور والنسيم العليل، وكل هذه مظاهر جيدة يتطلع إليها الزمان ويطمح إليها، فإذا كان غير العاقل يطمح للمعالي فمن باب أولى أن يطمح الإنسان صاحب العقل، وصاحب الإمكانات. ـ "جاء الربيع": استعارة مكنية شبه الربيع بإنسان يجيء، صاحب إرادة. وفيه تشخيص. هذه الاستعارة أفادتنا أن الزمان حينما طمح للحياة السعيدة وأراد تحقيقها أتته أمانيه كما يشتهي.

стр. 73

وهنا يريد الشاعر أن يثبت قوله: "إذا الشعب يومًا أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدر" حيث مثل هذا بالزمان الذي يرى كآبة الخريف ومظاهره ثم الشتاء وقسوته، فيطمح للتخلص من هذا الوضع وما هو إلا يسير، ثم ليتحقق مراده، فيأتيه الربيع حاملًا معه الأماني، محققًا الآمال، فكأن الربيع هو الثورة التي دعا إليها الشابي مجتمعه ليتحرر من جدبه ويصبح خصبًا مثل الأرض في فصل الربيع. ـ "وقبَّلها قبلا..": استعارة مكنية شبه الربيع بإنسان يقبّل. وأفدنا هنا أن الحياة انبعثت في الأرض وظهر شبابها، كما تبعث القبلة الحياة السعيدة.

стр. 74

من الصور الجمالية التي ضمنها الشابي قصيدته: التشبيه: وهو وإن لم يُكثر منه؛ إلا إنه أجاد فيه لأنه شبه بأشياء حسية يدركها المتلقي. وإننا نلاحظ على تشبيهات الشابي الرومانسية الواضحة، والأجواء العاطفية من الأنغام والأحلام والأجنحة، وكلها أدوات استخدمها أرباب المدرسة الرومانسية في تشبيهاتهم. وتشبيهاته قليلة كما قلنا لأنه استخدم بدلًا عن هذا الطريق طريقًا آخر هو طريق الاستعارة، فلنر ما أورده من تشبيه: "وقال لي الغاب في رقة ... محجبة مثل خفق الوتر" شبه الرقة بالنغم، والتشبيه أفادنا ملمحًا، وهو أن الشاعر يذكر حديثه مع الغاب حينما غلبته الأجواء الرومانسية وما فيها من تجنيح للخيال، فيوصف حديث الغاب بالرقة والخفة كأنه النغم الهادي المنبعث عن أوتار آلة موسيقية.

стр. 75

والهدف من التشبيه أن يصور لنا مدى الإحساس العميق بالحزن والأسى الذي كان عليه الحال والجو الحزين في تلك الليلة الخريفية التي حادث فيها الغاب وساءل الدجى ليبثه همومه وأحزانه. ـ "يفني الجميع كحلم بديع": شبه فناء الجميع من الغصون والثمار والزهر بالحلم البديع الجميل الذي يرى فيه الإنسان أشياء جميلة مبهجة ثم لا يلبث أن ينتهي ويندثر دليلًا على السرعة في التحول. ويفيدنا هذا التشبيه جانبًا من جوانب نفسية الشاعر، وهو الحزن العميق حيث يرى شيئًا سعيدًا ثم ما هو إلا وقت قليل حتي ينتهي معقبًا خلفه النهاية التعيسة. ومن الصور الجمالية التي أثرت النص وحسنت المعنى: "إذا الشعب يومًا أراد الحياة ... فلا بد أن يستجيب القدر". كناية عن أن العمل والجد والكفاح يتبعه الفوز والنجاح. وفائدة هذه الكناية واضحة في حث الشاعر لشعبه على العمل والجد. ـ "فلا الأفق يحضن ميت الطيور": كناية عن أن الضعيف لا مكان له إلا في الأماكن الوضيعة، أما الأفق والمعالي فهما للأقوياء العاملين. والحض على العمل والتنفير من الكسل واضح وفائدته جلية هنا. وهناك كنايات كثيرة لا يتسع لها المقام هنا لأننا قي مقام التمثيل لا الحصر. الشعور وعلاقته بالألفاظ: إن القارئ لهذه القصيدة يرى النغم الصاخب، والصوت الثوري المرتفع، والروح الملتهبة، وهذا نابع من هدف الشاعر من نظمه لهذه القصيدة.
следующие страницы →