← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7586

أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (367 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فهذه الرواية لسقوطها وشدة ضعفها لم تؤثر؛ لأن من شرط الاضطراب تساوي الوجوه (١) . وهذه لم تساوي بقية الروايات. وقد رجح كثير من الحفاظ طريق محمد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعا: ((اذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء)) . وكأنهم لم يروا الاختلاف فيه قادحا لارجحية هذا الطريق على باقي الطرق. قال المباركفوري: ((صححه الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، واسحاق، وابن معين، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، وابن مندة، والحاكم، والخطابي)) (٢) . فتصحيحهم لهذا الحديث لارجحية هذا السند على الاسانيد التي وقع فيها الاختلاف والشك، ومع هذا فقد أعله بعض النقاد بالاضطراب. قال ابن عبد البر: ((اسناده مضطرب اضطرابا يوجب التوقف عن القول به)) (٣) . أثر الحديث في اختلاف الفقهاء: حكم الماء اذا خالطته نجاسة نقل غير واحد من العلماء الأجماع: على ان الماء اذا خالطته نجاسة فغير طعمه أو لونه أو ريحه فهو نجس قل الماء أو كثر (٤) . ثم اختلفوا اذا لم يتغير الماء.

стр. 247

فذهب جماعة من الفقهاء. الى أن الماء الذي خالطته نجاسة لم تغير أحد أوصافه طهور قل الماء أو كثر. وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين وبه قال مالك وأحمد في رواية، وبه قال ابن المنذر والغزالي، والروياني من أصحاب الشافعي (١) . وكأنهم لم يأخذوا بحديث القلتين للاختلاف الواقع فيه، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري، انه قيل: يارسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيه الحيض ولحم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ان الماء طهور لا ينجسه شيء)) (٢) . وذهب بعض الفقهاء الى أن الماء اذا كان قلتين فأكثر لا ينجس الا بتغيره، فاذا كان أقل من قلتين تنجس بوقوع النجاسة فيه سواء تغير أم لا. وهو قول جماعة من السلف. وبه قال الشافعي وأحمد في أشهر الروايات عنه (٣) واحتجوا بحديث القلتين السابق. وذهب بعض الفقهاء الى أنه ينجس كلما غلب على الظن سريان النجاسة فيه

стр. 248

ويغلب على ظن المستعمل للماء انه يستعمل النجاسة معه. وبه قال أبو حنيفة. (١) وقدر المتأخرون من أصحابه بما كان مساحته دون عشرة أذرع في عشرة أذرع فالخلاصة: ان من صحح حديث القلتين أخذ به. ومن حكم عليه بالضعف لاضطرابه ترك الاحتجاج به واحتج لما ذهب اليه بأدلة أخرى المبحث الثاني: الاعلال بالزيادة زيادة الثقة من القضايا الخفية في علل الحديث، وقد أولى المتقدمون لزيادة الثقة أهمية كبيرة فالزيادة نوع من أنواع الاختلاف سواء كان في المتن أو في السند. والزيادة في اللغة: هي النمو، وهو خلاف النقصان (٢) . أما في اصطلاح المحدثين فقد عرفت: بأنها ما انفرد به الراوي من زيادة - في المتن أو في السند عن بقية الرواة، عن شيخ لهم)) (٣) وصورها ابن رجب: ((بأن يروي جماعة حديثا باسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، ولم يذكرها بقية الرواة)) (٤) .

стр. 249

فالزيادة فن عظيم من فنون الحديث، ومرجعه الى الاختلاف بالروايات، ومن الطبيعي أن يختلف الرواة في بعض الأحيان سندا أو متنا ولا غرابة في ذلك؛ اذ يبعد عادة أن يكون الجميع في مستوى واحد من الاهتمام والتيقظ والتثبت والدقة والضبط منذ تلقي الأحاديث من أصحابها الى حين أدائها، لأن المواهب متفاوتة فمنهم من بلغ أوج مراتب الثقات، ومنهم من هو في أدنى هذه المراتب، ومنهم من هو بين الحدين، وهذا الفريق على درجات متفاوتة، وهؤلاء الثقات كثيرا ما يشتركون في سماع الحديث من شيخ لهم، فاذا حدثوا به بعد فترة من الزمن في جملة من الأحاديث المسموعة من مصادر شتى فان مدى الاتفاق بينهم والاختلاف يتوقف على مقدار تيقظهم واهتمامهم ومذاكرتهم ودقتهم وحفظهم، وبما أنهم مختلفون في ذلك فانهم قد يختلفون في أداء الرواية، والزيادة لون من ألوان الاختلاف، وعليه فاذا زاد أحد الثقات في حديث شيئا ليس في حديث الآخرين، فما حكم هذه الزيادة؟ هذا ما سنتكلم عنه بايجاز فيما يأتي: حكم زيادة الثقة: اختلف العلماء في حكم زيادة الثقة على أقوال كثيرة (١) ، أهمها ستة أقوال: القول الأول: تقبل مطلقا: سواء تعلق بها حكم شرعي أم لا وسواء غير الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليس هي فيه أم لا، وسواء أكانت من شخص واحد- بأن يروي مرة ناقصا ومرة بتلك الزيادة - أو كانت الزيادة قد رواها غيره ولم يروها هو. وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأصوليين، وجماعة من أهل الحديث (٢) .

стр. 250

القول الثاني: لا تقبل مطلقا: فلا تقبل ممن رواه ناقصا ولا من غيره. وهو قول جماعة من أهل الحديث (١) . القول الثالث: تقبل اذا كانت من غير الراوي ولا تقبل اذا كانت منه، وذلك بأن يرويها تارة ويسقطها أخرى. وهو قول جماعة من أهل الحديث، وحكاه الخطيب عن فريق من الشافعية (٢) . القول الرابع: تقبل اذا تعدد مجلس السماع وترد اذا اتحد (٣) . القول الخامس: لا تقبل اذا كانت مخالفة في الحكم لما رواه الباقون وتقبل اذا لم تكن مخالفة (٤) . القول السادس: تقبل الزيادة في الالفاظ اذا كان راويها يغلب عليه الفقه ولا تقبل اذا لم يكن راويها يغلب عليه الفقه (٥) .

стр. 251

وقد نقل عن ابن حبان ما حاصله: ان أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى، دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين؛ لذلك يرى: أن من كان الغالب عليه الفقه لا تقبل منه الزيادة في الاسناد؛ لأن الغالب عليه أحكام المتن الا اذا كانت الزيادة من كتابه، ومن كان الغالب عليه الحديث لا تقبل منه الزيادة في المتن الا اذا كانت الزيادة من كتابه؛ لأن الغالب عليه أحكام السند. ولم يرتض الباحثون هذا الاتجاه، وعدوه من تشدد ابن حبان الذي خالف فيه جمهور المحدثين (١) . هذه أهم الأقوال في زيادة الثقة والذي ينظر فيها يرى أقوالا متباينة جدا ووجهات نظر العلماء فيها مختلفة اختلافا واسعا؛ وقد رجح الخطيب البغدادي قبول زيادة الثقة مطلقا، فقال: ((والذي نختاره من هذه الأقوال: أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه، معمول بها اذا كان راويها عدلا ومتقنا ضابطا)) (٢) . قال ابن رجب: ((وذكر في الكفاية حكاية عن البخاري: أنه سئل عن حديث أبي اسحاق في النكاح بلا ولي - قال: والزيادة من الثقة مقبولة واسرائيل ثقة. وهذه الحكاية - ان صحت- فان مراده الزيادة في هذا الحديث والا فمن تأمل كتاب تأريخ البخاري (٣) تبين له قطعا أنه لم ير أن زيادة كل ثقة في الاسناد مقبولة، وهكذا

стр. 252

الدارقطني يذكر في بعض المواضع: أن الزيادة من الثقة مقبولة ثم يرد (١) في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الارسال على الاسناد، فدل على أن مرادهم زيادة الثقة مثل تلك المواضع الخاصة وهي اذا كان الثقة مبرزا في الحفظ (٢)) ) . وظاهر كلام الحافظ ابن حجر في النخبة قبول زيادة الثقة مطلقا مع عدم المنافاة اذ قال: ((وزيادة راويهما مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق منه)) (٣) . ولم يرتض ما اشتهر عند جمع من العلماء من القول: بقبول الزيادة من غير تفصيل فقد قال في النكت (٤) : ((واشتهر عن جمع من العلماء القول: بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح والحسن ان لا يكون شاذا)) . والذي ينظر في صنيع الأئمة السابقين والمختصين في هذا الشأن يراهم لا يقبلونها مطلقا ولا يردونها مطلقا بل مرجع ذلك الى القرائن والترجيح: فتقبل تارة، وترد أخرى، ويتوقف فيها أحيانا؛ قال الحافظ ابن حجر: ((والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين - كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم- اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم قبول اطلاق الزيادة)) (٥)

стр. 253

وهذا هو الرأي المختار المتوسط الذي هو بين القبول والرد، فيكون حكم الزيادة حسب القرائن المحيطة بها حسب ما يبدو للناقد العارف بعلل الحديث وأسانيدها وأحوال الرواة بعد النظر في ذلك، أما الجزم بوجه من الوجوه من غير نظر الى عمل النقاد فذلك فيه مجازفة، وما أحسن كلام الحافظ الزيلعي ﵀ حيث قال: ((فمن الناس من يقبل الزيادة مطلقا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو: أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل اذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظا ثبتا والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: من المسلمين في صدقة الفطر واحتج بها أكثر العلماء، وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكما عاما فقد غلط بل كل زيادة لها حكم خاص يخصها)) (١) . وقد قال لي العلامة الدكتور هاشم جميل: من مجمل الأقوال ونصوص العلماء وتصرفات النقاد - يبدو لي- أنه يمكنا استخلاص اتجاه وسط ربما لا يكون بعيدا عن الصواب، وذلك اذا حررنا القضية على النحو الآتي: الأصل في زيادة الثقة القبول، الا اذا قام الدليل على الرد، أو رجحت القرائن الرد أو التوقف؛ وذلك لأننا انما نتكلم عن زيادة الثقة، اذن فالزيادة شيء عرفه ورواه راو عدل ضابط، فلا نرده لمجرد أن غيره من الثقات لم يروه ولم يعرفه؛ وذلك لأن القاعدة: أن من عرف حجة على من لم يعرف، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ؛ لذلك قلت: بأن الأصل في زيادة الثقة القبول؛ ولو أطلقنا رد الزيادة لكان في ذلك مجازفة كبيرة؛ لأننا قد نرد جزءا من السنة من غير دليل؛ ومع ذلك فاننا لا ندعي

стр. 254

للراوي الثقة العصمة من الخطأ، فاحتمال الخطأ بالنسبة له وارد وان كان احتمالا بعيدا؛ لذلك قلنا: بأن الزيادة ترد اذا قام الدليل على الرد؛ وكذلك الحال ان رجحت القرائن الرد أو كانت على الأقل ثورت شكا كبيرا يحمل على التوقف. فاذا كانت الزيادة آتية من راو ثقة شاركه غيره من الثقات في مجلس التلقي لهذه الرواية عن الشيخ، فاذا كان الرواة الذين لم يأتوا بالزيادة من الكثرة بحيث يبعد على مثلهم احتمال نسيانهم أو عدم تنبههم جميعا لهذه الزيادة، فان ذلك يشكل قرينة يترجح معها رد الزيادة أو التوقف عن قبولها. ولو روى عدد من الثقات حديثا عن شيخ ثقة معروف بالفقه والفتيا - كمالك والثوري، والأوزاعي مثلا- وانفرد أحد الرواة بزيادة، وهذه الزيادة تنبني عليها قضية فقهية، وثبت أن فتيا ذلك الشيخ الفقيه تتطابق مع الحديث خاليا من تلك الزيادة؛ فان هذه قرينة ترجح رد الزيادة أو التوقف عن قبولها؛ لأنه يتجه القول حينئذ بأن تلك الزيادة لو كانت عنده لأفتى بموجبها. وهكذا. والله أعلم (١) مثال للزيادة في الاسناد: أخرج الامام أحمد في مسنده (٢) قال: حدثنا وكيع - يعني ابن الجراح - وقال (٣) : حدثنا يحيى، وعبد الرحمن وقال الترمذي (٤) : حدثنا محمود، قال: حدثنا أبو نعيم. أربعتهم (وكيع بن الجراح، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين)

стр. 255

رووا عن سفيان الثوري، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ان لكل نبي ولاة من النبيين، وان وليي أبي وخليلي ربي ثم قرأ: ((ان أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين)) (١) هكذا روى الحديث الثقات الأثبات عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله وقد رواه أبو أحمد الزبيري (٢) فزاد فيه: ((مسروق)) بين أبي الضحى وعبد الله بن مسعود كما أخرجه الترمذي (٣) قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو أحمد، قال حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، فذكر الحديث)) . (٤) وقد رجح العلماء رواية من رووه منقطعا (٥) ولم يقبلوا الزيادة التي زادها أبو أحمد الزبيري لأن من رواه منقطعا أكثر عددا وأشد حفظا. قال الترمذي بعد أن ساق الرواية المنقطعة: ((هذا أصح من حديث أبي الضحى، عن مسروق))

стр. 256

وذكر أبو حاتم الرازي وأبو زرعة أن زيادة (مسروق)) خطأ (١) وخالف ذلك العلامة أحمد شاكر في ترجيح هذه الزيادة وقبولها فوهم في ذلك (٢) مثال للزيادة في المتن: ... روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ثابت وقتادة عن أنس، قال: ((نظر بعض أصحاب النبي ﷺ وضوءا فلم يجده، فقال النبي ﷺ : ههنا ماء؟ فرأيت النبي ﷺ وضع يده في الاناء الذي فيه الماء، ثم قال: توضأ بسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، والقوم يتوضئون، حتى توضؤوا من عند آخرهم، قال ثابت: فقلت لأنس: كم تراهم كانوا؟ قال: نحوا من سبعين رجلا)) (٣) . وقد تفرد معمر بن راشد (٤) شيخ عبد الرزاق في روايته لهذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: تفرده في اقتران ثابت وقتادة في هذا الاسناد، ولم يتابعه عليه أحد - فيما أعلم - والحديث محفوظ عن ثابت وحده وعن قتادة وحده أيضا، برواية الجمع من الثقات عن كل واحد منهما على انفراده، هكذا رواه البخاري ومسلم وغيرهما وأعرضا عن رواية معمر. على أن هذا ليس علة.

стр. 257

الثاني: - وهو الأهم - أن معمر ذكر في متن الحديث زيادة التسمية على الوضوء، وهذه الزيادة لم يروها - فيما أعلم- أحد غيره. فقد روي هذا الحديث عن ثابت وحده: رواه حماد بن زيد (١) ، وحماد بن سلمة (٢) - وهو أثبت الناس في ثابت (٣) -، وسليمان بن المغيرة (٤) ، وغيرهم رووه عن ثابت عن أنس ولم يذكروا التسمية. وقد روي الحديث عن قتادة وحده: رواه سعيد بن أبي عروبة (٥) - وهو أثبت الناس في قتادة (٦) - وهمام بن يحيى (٧) وشعبة بن الحجاج (٨) ، وهشام الدستوائي (٩) . وغيرهم. رووه عن قتادة، عن أنس، ولم

стр. 258

يذكروا التسمية مما يقوي الجزم بخطأ معمر في زيادة التسمية؛ اذ ليس من المعقول أن يغفل جميع الرواه عن ثابت وقتادة عن هذه اللفظة ويحفظها معمر. نموذج لذلك وأثره في اختلاف الفقهاء مثال ذلك: ما رواه أبو مالك الأشجعي - سعد بن طارق- عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا اذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى)) (١) قال ابن الصلاح: ((فهذه الزيادة -يعني: وجعلت تربتها لنا - تفرد بها أبو مالك: سعد بن طارق الأشجعي، وسائر الروايات لفظها وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا)) (٢) . والذي يبدو لي أن ابن الصلاح ﵀ قد عد هذه اللفظة زيادة لأنها لم ترد في حديث جابر وأبي هريرة وأبي أمامة (٣) ؛ لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث

стр. 259

وليس له مشارك في روايته عن ربعي (١) ولكن يشكل عليه ان زيادة ذكر التراب وردت من حديث علي (٢) . أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: ما يجوز به التيمم اختلف الفقهاء فيما يجوز به التيمم على قولين: القول الأول: ذهب الشافعي، وأحمد واسحاق، وأبو يوسف، وداود الى أن التيمم يكون بالتراب. وزاد أبو يوسف الرمل، وهو قول الشافعي اذا خالطه تراب. (٣) واستدلوا بالحديث السابق القول الثاني: ذهب أبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك: الى أن التيمم جائز بالأرض وبكل ما عليها سواء كان متصلا بها أم سابخا كان التراب أو غيره حتى الثلج عند مالك. الا ان الامام أبا حنيفة قيده بأن يكون من جنس الأرض. وقد وضع الحنفية كذلك ضابطاً فقالوا: كل ما لا يلين ولا ينطبع بالنار فهو من جنس الأرض. وكل ما يلين وينطبع أو يحترق ويصبح رمادا فهو ليس من جنس الأرض (٤) .

стр. 260

واحتجوا بقوله تعالى: ((فتيمموا صعيدا طيبا)) (١) . والصعيد: هو كل ما صعد أي: ظهر على الأرض وسمي به لصعوده. وبما صح عن جابر بن عبد الله مرفوعا: ((وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) (٢) . فقد عمم الشارع لفظ الأرض وجعل جميعها مطهرة، وعليه فيجوز التيمم بجميع أجزائها (٣) . نموذج آخر: حديث سليمان التيمي (٤) ، عن قتادة عن أبي غلاب يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: قال ابو موسى: ((ان رسول الله ﷺ خطبنا، فعلمنا سنتنا. وبين لنا صلاتنا. فقال: اذا قمتم الى الصلاة فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم فاذا كبر فكبروا، واذا قرأ فانصتوا، واذا قال: ولا الضالين. فقولوا: آمين يحببكم الله. ثم اذا كبر وركع فكبروا واركعوا ... الخ)) . هكذا رواه سليمان التيمي فذكر فيه زيادة ((واذا قرأ فانصتوا)) (٥) . وقد رواه جماعة عن قتادة ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة وهم: معمر بن

стр. 261

راشد (١) ، وسعيد بن أبي عروبة (٢) ، وهشام الدستوائي (٣) ، وأبو عوانة (٤) . فهؤلاء أربعتهم رووه عن قتادة، عن أبي غلاب، عن حطان، عن أبي موسى، به. ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة؛ مما يعلم بذلك تفرد سليمان التيمي بها قال المزي: ((وفي حديث التيمي من الزيادة: ((واذا قرأ فانصتوا)) ولم يذكر هذا اللفظ غيره)) (٥) . وقال مسلم: ((وفي حديث جرير عن سليمان التيمي، عن قتادة من الزيادة: ((واذا قرأ فأنصتوا)) وليس في حديث أحد منهم)) (٦) . وقد طعن في هذه الزيادة بعض الحفاظ (٧) . وقال أبو داود: ((وقوله: فأنصتوا ليس بمحفوظ، لم يجيء به الا سليمان التيمي في هذا الحديث)) (٨) . مثال آخر حديث أبي خالد الأحمر -سليمان بن حيان -، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((انما جعل

стр. 262

الامام ليؤتم به، فاذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، واذا قرا فأنصتوا، واذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، واذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، واذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وان صلى جالسا فصلوا جلوسا اجمعون)) (١) . فقد زاد محمد بن عجلان (٢) في هذا الحديث زيادة: ((واذا قرأ فأنصتوا)) وتفرد بها؛ فقد رواه مصعب بن سعد (٣) ، وسهيل بن أبي صالح (٤) ، والأعمش (٥) ؛ ثلاثتهم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والزيادة هذه عندي من محمد بن عجلان هو الذي تفرد بها. قال النسائي: ((لا نعلم أحدا تابع ابن عجلان على قوله: ((واذا قرأ فأنصتوا)) (٦) . وقد اعتبر أبو داود هذه الزيادة من أبي خالد الأحمر، حيث قال: ((هذه الزيادة واذا قرأ فأنصتوا ليست بمحفوظة الوهم عندنا من أبي خالد)) (٧) . هكذا قال وليس الأمر كذلك، فان أبا خالد الأحمر متابع على هذه الزيادة؛ فقد

стр. 263

أخرجه النسائي (١) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا محمد بن سعيد الأنصاري، عن ابن عجلان، به بالزيادة المذكورة. فهذه متابعة من محمد بن سعيد الأنصاري -وهو ثقة (٢) - لأبي خالد الأحمر مما يرفع احتمال الزيادة من ابي خالد ويكون الحمل في هذه الزيادة على محمد بن عجلان. وقد صحح هذه الزيادة مسلم في صحيحه (٣) أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: حكم قراءة المأموم خلف الامام اختلف الفقهاء في قراءة المأموم خلف الامام على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يقرأ المأموم مع الامام فيما يجهر به، ويقرأ فيما يسر به. وهو مذهب الامام سعيد والزهري، والحكم، والهادي، وزيد بن علي، وهو رواية عن ابن عباس، وقول للشافعي، وهو قول ابن العربي من المالكية (٤) . ومما استدلوا به زيادة: ((واذا قرأ فأنصتوا)) الواردة في حديث أبي موسى الأشعري وحديث أبي هريرة، التي سبق الكلام عليها مفصلا. القول الثاني: لا يقرأ المأموم خلف الامام لا في سرية ولا في جهرية. وهو مذهب جماعة من السلف من الصحابة والتابعين. واليه ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد. الا أن أبا حنيفة منع القراءة مطلقا ووافقه ابن وهب وأشهب من

стр. 264

المالكية. بينما استحب مالك القراءة في الصلاة السرية، وإليه ذهب أحمد وزاد استحبابها في سكتات الامام وعند عدم سماع المأموم القراءة لبعده (١) المذهب الثالث: يقرأ المأموم خلف الامام لا فرق بين سرية أو جهرية. وهو مذهب جماعة من السلف وهو الصحيح من مذهب الشافعي. قال النووي: ((والصحيح وجوب القراءة على المأموم في الصلاة السرية أو الجهرية)) (٢) . نموذج آخر روى ابن حبان (٣) ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد الأزدي، قال: حدثنا اسحاق بن ابراهيم، قال: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: ان رسول الله ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن؟ فقال: ((ان كان جامدا فألقوها وما حولها وان كان ذائبا فلا تقربوه)) . فهذا الحديث فيه زيادة غريبة -وهي: وان كان ذائبا فلا تقربوه - فقد انفرد بها اسحاق بن ابراهيم - وهو ابن راهويه (٤) - عن سفيان بن عيينة مخالفا في ذلك الحفاظ من أصحابه: كالامام أحمد، والحميدي، ومسدد، وقتيبة وغيرهم.

стр. 265

فقد رواه الحميدي (١) - وعنه البخاري (٢) -وأحمد (٣) ، ومحمد بن يوسف (٤) ، ومسدد (٥) ، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي وأبو عمار (٦) ، وقتيبة بن سعيد (٧) ، والحسن بن محمد الزعفراني (٨) ، وعلي بن المديني (٩) . هؤلاء جميعهم رووه عن سفيان بن عيينة، قال: حدثنا الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، انه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة: ان فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل عنها رسول الله ﷺ فقال: ((أنزعوها وما حولها وكلوا سمنكم)) . فهنا يترجح رد هذه الزيادة التي زادها اسحاق، فهو -على جلالته- قد خالف هذه المجموعة الكبيرة من الحفاظ من أصحاب سفيان، والحديث لم ينفرد به سفيان عن الزهري، وانما رواه عن الزهري: مالك (١٠) ، والأوزاعي (١١) ، ومعمر (١٢) ، وروايتهم موافقة لرواية الجمع عن سفيان بن عيينة -بدون الزيادة- مما يترجح للناقد خطأ اسحاق بن راهويه في روايته السابقة

стр. 266

بذكر الزيادة. وأيضا فان الزهري - الذي دار عليه الحديث- لا يفرق في فتياه بين الجامد وغير الجامد (١) . وليس الزهري ممن يقال في حقه لعله نسي الطريق المفصلة المرفوعة، لأنه كان أحفظ الناس في عصره؛ فخفاء ذلك عنه في غاية البعد (٢) . أثر ذلك في اختلاف الفقهاء اختلف الفقهاء في المائعات غير الماء اذا سقطت فيها نجاسة: فذهب جمهور الفقهاء الى انه ينجس كله بملاقاة النجاسة (٣) . أخذا بالزيادة المذكورة عن اسحاق. وخالف فريق من الفقهاء -منهم: الأوزاعي والزهري -فقالوا: لا ينجس الا بالتغير (٤) ((نموذج آخر للزيادة وأثره في اختلاف الفقهاء)) حديث: مؤمل بن اسماعيل، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن كليب بن شهاب عن وائل بن حجر قال: ((صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره)) .

стр. 267

أخرجه ابن خزيمة (٤٧٩) ، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصفهان (الورقة:١٢٥ (١) من طريق مؤمل بن اسماعيل، به. وقد تفرد مؤمل بن اسماعيل - فيما اعلم- بزيادة ((على صدره)) (٢) . فقد روى الحديث عن سفيان الثوري جماعة من الرواة؛ لم يذكر أحد منهم -غير مؤمل- لفظة (على صدره) فقد رواه بدون الزيادة من يأتي: عبد الله بن الوليد، عند احمد ((المسند:٤/٣١٨)) . عبد الرزاق الصنعاني ((المصنف: ٢٥٢٢)) ، وعنه احمد ((المسند:٤/٣١٧)) أبو نعيم الفضل بن دكين، عند أحمد ((المسند:٤/٣١٨)) محمد بن يزيد المخزومي، عند ابن خزيمة (٦٩١) . محمد بن يوسف، عند النسائي ((المجتبى:٣/٣٥)) . وكيع بن الجراح، عند أحمد ((المسند:٤/٣١٦)) . يحيى بن آدم، عند أحمد ((المسند: ٤/٣١٨)) . محمد بن عبد الله بن يزيد المقريء عند النسائي ((المجتبى:٢/٢٣٦)) . ثمانيتهم رووه عن سفيان فلم يذكر أحد منهم هذه الزيادة التي تفرد بها مؤمل، وقد تابع سفيان الثوري على رواية هذا الحديث جماعة فلم يذكر أحد منهم هذه الزيادة التي تفرد بها مؤمل -وهم: سفيان بن عيينة، عند الحميدي ((المسند:٨٨٥)) ، والنسائي ((المجتبى

стр. 268

٣/٣٤)) ، وابن خزيمة ((٧١٣)) . محمد بن الفضل، عند ابن خزيمة (٤٧٨) و (٧١٣) . عبد الواحد بن زياد، عند احمد ((المسند:٤/٣١٦)) . زهير بن معاوية، عند أحمد ((المسند: ٤/٣١٨)) . شعبة بن الحجاج، عند أحمد ((المسند: ٤/٣١٦ و ٣١٩)) ، والبخاري ((جزء رفع اليدين ص٢٦)) ، وابن خزيمة (٦٨٩) و (٦٩٧) . عبد العزيز بن مسلم، عند أحمد ((المسند:٤/٣١٧)) . زائدة بن قدامة، عند الدارمي ((السنن: ١٣٦٤)) ، وأحمد ((المسند: ٤/٣١٨)) ، والبخاري ((جزء رفع اليدين ٣٠) ، وأبو داود ((السنن:١/١٩٣ رقم ٧٢٧)) ، والنسائي ((المجتبى ٢/٢٦)) ، وابن خزيمة (٤٨٠) و (٧١٤) ، والبيهقي ((السنن الكبرى ٢/٢٢٨)) ، وابن الجارود ((المنتقى ٢٠٨)) . عبد الله بن ادريس، عند البخاري ((جزء رفع اليدين ص٧١)) ، وابن ماجه ((السنن: ٨١٠ و ٩١٢)) ، والترمذي ((الجامع:٢/٨٥ رقم ٢٩٢)) ، والنسائي ((المجتبى ٢/٢١١)) ، وابن خزيمة ((٤٧٧)) و (٦٤١) و (٦٩٠) و (٧١٣) . بشر بن المفضل، عند أبي داود ((السنن: ٧٢٦ و ٩٥٧)) ، وابن ماجه ((السنن ٨١٠ و ٨٦٧)) ، والنسائي ((المجتبى ٣/٣٥)) سلام بن سليم عند الطيالسي ((المسند:١٣٧)) . خالد بن عبد الله، عند البيهقي ((السنن: ٢/١٣١)) . فهؤلاء جميعهم رووه عن عاصم بن كليب، عن كليب، عن وائل. ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة.

стр. 269

وقد روى هذا الحديث عن وائل بن حجر غير كليب؛ ١ و ٢ - علقمة بن وائل ومولى لهم عند أحمد ((المسند: ٤/٣١٧)) ، ومسلم ((الصحيح:٢/١٣ رقم ٤٠١)) ، وأبي عوانة ((الصحيح ٢/٩٧)) ، وابن خزيمة (٩٠٦) ، والبيهقي ((السنن الكبرى ٢/٢٨)) ٣- عبد الجبار بن وائل، عند أحمد ((المسند: ٤/٣١٨)) ، والدارمي ((السنن ١٢٤٤)) ، والنسائي ((المجتبى ٢/١٢٢)) ، وابن حزم ((المحلى ٤/١١٢)) . فعدم ورود هذه الزيادة عند أحد من تلاميذ سفيان الثوري وعدم ورودها عن أحد من تلاميذ عاصم بن كليب وعدم ورودها عن أحد من تلاميذ وائل بن حجر يدل على شذوذها وانها زيادة غير صحيحة، وهم فيها مؤمل بن اسماعيل حين حدث من حفظه، وهذه المخالفة مع شدة الفردية لا تقبل، ومؤمل مع ثقته وجلالته فانه يخطيء من حفظه أحيانا بعد ما دفن كتبه. قال فيه ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق شديد في السنة كثير الخطأ. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فعظمه ورفع من شأنه الا أنه يهم في الشيء (١) . ونقل الحافظ ابن حجر: أنه دفن كتبه فكان يحدث من حفظه فكثر خطأه (٢) . ومما يؤكد شذوذ هذه الزيادة ان سفيان الثوري - وهو من أهل الكوفة- مذهبه كمذهب الحنفية في وضع اليدين تحت السرة كما نقله النووي (٣) ، وابن

стр. 270

قدامة (١) . فلو كانت هذه الزيادة ثابتة عنه لما خالفها، وقد ضعفها ابن القيم (٢) وعد وضع اليدين على الصدر مكروها (٣) أثر هذه الزيادة في اختلاف الفقهاء: موضع اليدين عند القيام في الصلاة اختلف الفقهاء في موضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة عند القيام؛ على أقوال: القول الأول: توضع اليمنى على اليسرى فوق السرة تحت الصدر؛ وهو قول كثيرمن أهل العلم وهو قول الشافعية ورواية عند الحنابلة (٤) . القول الثاني: توضع اليمنى على اليسرى تحت السرة؛ وهو مروي عن أبي هريرة، وأنس، وبه قال الثوري واسحاق بن راهويه، وهو مذهب الحنفية، والمعتمد عند الحنابلة. (٥)

стр. 271

القول الثالث: توضع على الصدر نسبه القرطبي للامام علي (١) ولا يصح عنه (٢) ، ونسبه صاحب الهداية للشافعي (٣) ولا يصح عنه (٤) ونسبه لاسحاق بن راهويه (٥) ولا يصح عنه (٦) واختار هذا المذهب الصنعاني (٧) والمباركفوري (٨) وصاحب عون المعبود (٩) ، والشوكاني (١٠) . القول الرابع: - انه مخير في وضعها لعدم ثبوت شيء في ذلك؛ وهو قول الأوزاعي وابن المنذر (١١) . القول الخامس: الاسبال هو المختار؛ وروي هذا عن الحسن وابراهيم وابن المسيب وابن سيرين وسعيد بن جبير. وروي هذا عن مالك وبه قال أكثر الزيدية (١٢) .

стр. 272

وقد استدل أصحاب القول الثالث؛ بحديث وائل بن حجر مع زيادة مؤمل التي تفرد بها وقد بينا شذوذها وعدم صلاحيتها للاحتجاج، واستدلوا أيضا بما رواه أبو داود (١) : من طريق الهيثم بن حميد عن ثور عن سليمان بن موسى، عن طاوس، قال: ((كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشد بينهما على صدره، وهو في الصلاة)) . وهذا لا يصلح ان يكون دليلا لما يأتي أولا: - الهيثم بن حميد، فيه كلام؛ فقد وثقه أبو داود وقال علي بن مسهر: ضعيف قدري (٢) . ثانيا: - سليمان بن موسى قال البخاري: عنده مناكير، وقال أبو حاتم: محله الصدق وفي حديثه بعض الاضطراب، وقال النسائي: ليس بالقوي (٣) . ثالثا: - الارسال فان طاوس تابعي صغير ولم يذكر ممن سمعه (٤) . واستدلوا أخيرا (٥) ، بما رواه الامام أحمد (المسند: ٥/٢٢٦) قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثنا سماك عن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: ((رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره ورأيته يضع هذه على صدره، ووصف يحيى اليمنى على اليسرى فوق المفصل)) . وهذا ضعيف لا تقوم به حجة لأن قبيصة مجهول لم يرو عنه سوى سماك وقال

стр. 273

عنه الحافظ في التقريب (١) : ((مقبول)) يعني: حيث يتابع والا فليس كما نص عليه في مقدمة كتابه (٢) . وقال المديني: ((مجهول لم يرو عنه غير سماك)) (٣) . ثم ان هذا الحديث معل بعدم ثبوت زيادة ((على صدره)) كما في حديث وائل، فمدار الحديث على سماك واختلف فيه على سماك، فقد رواه عن سماك. ١- شعبة بن الحجاج عند الطيالسي (المسند: ١٠٨٧) ، وابن أبي شيبة (المصنف:١/٣٠٥) ، وأحمد (المسند ٥/٢٢٦ و ٢٢٧) ، وأبو داود (السنن:١/٢٧٣ رقم ١٠٤١) . ٢- زائدة بن قدامة، عند أحمد (المسند: ٥/٢٢٧) ٣- شريك بن عبد الله النخعي عند أحمد (٥/٢٢٦) ٤- أبو الأحوص سلام بن سليم، عند ابن ماجه (السنن ٨٠٩ و ٩٢٩) ، والترمذي (الجامع ٢٥٢ و ٣٠١) ، وعبد الله بن أحمد (في زياداته على مسند أبيه ٥/٢٢٦ و ٢٢٧) . فهؤلاء أربعتهم رووه عن سماك لم يذكر أحد منهم زيادة (على صدره) ، ومنهم من رواه مختصرا. وقد رواه سفيان الثوري عن سماك واختلف عليه أيضا فقد رواه عنه١- يحيى بن سعيد القطان - كما ذكرنا- وهو الوحيد الذي ذكر الزيادة٢- عبد الرزاق (المصنف (٣٢٠٧)) ولم يذكر الزيادة.

стр. 274

٣- عبد الرحمن بن مهدي عند الدارقطني (السنن ١/٢٨٥) ولم يذكر الزيادة. ٤- وكيع بن الجراح عند أحمد (المسند٥/٢٢٧) ، وابن أبي شيبة (المصنف ١/٣٠٥) ولم يذكر الزيادة. فهذا الحديث لا يصلح للاحتجاج به لجهالة قبيصة وهو علة الحديث ثم لعدم ثبوت لفظة ((على صدره)) عند بقية أصحاب سفيان وعدم ثبوتها عند بقية أصحاب سماك -والله أعلم- المبحث الثالث: الاعلال بالشذوذ تعريف الشاذ: الشاذ لغة، هو: المنفرد عن غيره أو الجمهور (١) . أما في الاصطلاح فله ثلاثة تعاريف: الأول: عرفه الشافعي، فقال: ((ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، انما الشاذ من الحديث ان يروي الثقات حديثا فيشذ عنهم واحد فيخالفهم)) (٢) . وهذا هو الذي استقر عليه الاصطلاح وعليه اهل العلم (٣) . وعلى هذا التعريف يقيد الشاذ بقيدين: أولهما: ان يكون راوي الشاذ ثقة.

стр. 275

وثانيهما: ان يخالف غيره من الثقات (١) . الثاني: عرفه الحليلي، فقال: ((ان الشاذ ما ليس له الا اسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة أو غير ثقة، فما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به ويرد ما شذ به غير ثقة)) (٢) . وقد رد هذا بافراد الصحيحين (٣) . الثالث: عرفه الحاكم فقال: ((فاما الشاذ فانه حديث ينفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة)) (٤) . هكذا عرفه الحاكم ولم يشترط فيه المخالفة، ولم يذكر رده، وعلى هذا يلزم ان يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ (٥) . وقد أشرت فيما سبق الى أن التعريف الأول: هو الذي استقر عليه الاصطلاح، وجرى عليه العمل عند جماهير المحدثين. شروط الشاذ: يتضح من التعريف الذي استقر عليه جمهور المحدثين: ان الحديث الشاذ لا

стр. 276

يكون شاذا حتى يجتمع فيه امران: التفرد، والمخالفة؛ وذلك لأن تفرد الثقة بحديث لم يخالف فيه غيره لا يعد ضعيفا، بل هو صحيح اذا استوفى بقية الشروط. مثال ذلك: حديث: ((انما الاعمال بالنيات)) فقد تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمدبن ابراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب (١) . فهذا الحديث قد حصل فيه تفرد في أكثر من طبقة، ومع ذلك فلا يعد شاذا؛ لأن من تفرد به لم يخالف غيره. ثم ان خولف الثقة بأرجح منه: لمزيد ضبط او كثرة عدد أو غير ذلك من المرجحات فالمرجوح هو: الشاذ، والراجح محفوظ (٢) أنواع الشذوذ: الشذوذ تارة يكون في المتن، وتارة يكون في الاسناد، وقد يكون فيهما كليهما ونذكر فيما يأتي امثلة ونماذج لذلك: حديث جرير بن عبد الحميد، عن سهيل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، مرفوعا: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تسافر بريدا)) (٣) . فلفظ بريد في هذه الرواية شاذ كما أشار اليه الحافظ ابن حجر (٤) ؛ فقد رواه

стр. 277

مالك بن أنس (١) ، ومحمد بن عجلان (٢) ، وابن أبي ذئب (٣) ؛ ثلاثتهم عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن ابي هريرة، مرفوعا: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة)) . وبهذا اللفظ أخرجه الشيخان (٤) . مما يؤكد شذوذ الرواية الأولى ولعل الوهم في ذلك من جرير وهو ابن عبد الحميد؛ فقد قال عنه الحافظ: ((ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه)) (٥) . فلعله روى الحديث في الآخر من حفظه فأخطأ فيه. مثال للشذوذ في السند: ما رواه سفيان بن عيينة (٦) -وتابعه ابن جريج (٧) ، وحماد بن سلمة (٨) - عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس: ((ان رجلا مات على عهد رسول الله ﷺ ،

стр. 278

ولم يدع وارثا الا عبدا، هو أعتقه، فأعطاه النبي ﷺ ، ميراثه)) (١) . وقد خالفهم حماد بن زيد - وهو ثقة (٢) - فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس (٣) . ولذا قال أبو حاتم: ((المحفوظ حديث ابن عيينة)) (٤) ، فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط ومع ذلك فقد رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه (٥) . نموذج للشذوذ في المتن وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء مثال ذلك: حديث أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين: ((أن النبي ﷺ صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم)) (٦) .

стр. 279

فذكر التشهد في هذا الحديث شاذ تفرد به أشعث (١) وخولف فيه؛ قال الامام البيهقي: ((تفرد به أشعث الحمراني، وقد رواه شعبة، ووهيب، وابن علية، والثقفي، وهشيم بن زيد، ويزيد بن زريع، وغيرهم، عن خالد الحذاء لم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث عن محمد عنه)) (٢) . وأيده الحافظ ابن حجر في الفتح (٣) وقال: ((وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد الحذاء غير هذا الحديث. انتهى. وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر (٤) ، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الثقات عن ابن سيرين، فان المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد)) . أقول: والحديث المحفوظ الذي رواه جمع من الثقات عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين،: ((ان رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام اليه رجل، يقال له الخرباق، وكان في يديه طول. فقال: يا رسول الله، فذكر صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى الى الناس. فقال: أصدق هذا؟ قالوا نعم. فصلى ركعة. ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم)) (٥) .

стр. 280

أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: التشهد في سجود السهو اختلف الفقهاء في التشهد بعد سجود السهو، لكن هذا يقتضي منا أن نوجز أولاً خلافهم في محل سجود السهو لكي نحيل عليه خلافهم في حكم التشهد، فنقول: اختلفوا في محل سجود السهو: فذهب أكثر الفقهاء الى أن محله قبل السلام. وبه قال الشافعي في الصحيح من أقواله وأحمد في رواية. وذهب بعضهم الى: أن السجود بعد السلام، وبه قال جملة من الفقهاء، واليه ذهب أبو حنيفة. وذهب بعضهم الى ان السجود ان كان من نقص فمحله قبل السلام، وان كان من زيادة فمحله بعد السلام وهو مذهب مالك، وهو قول قديم للشافعي، ورواية عن أحمد. فان اجتمعت الزيادة والنقص فمحله قبل السلام عند مالك، وبعد السلام عند الشافعي على هذا القول. وذهب بعضهم الى: أن السجود كله قبل السلام الا في موضعين فيكون بعد السلام، وهي: اذا سلم من نقص في صلاته أو تحرى الامام فبنى على غالب ظنه (١) . اذا حررنا هذا فقد اختلفوا في التشهد بعد سجدتي السهو؛ وخلاصة هذا الاختلاف فيما يأتي:

стр. 281

من قال: ان سجود السهو كله بعد السلام - كأبي حنيفة - قال: يتشهد بعد سجدتي السهو (١) . ومن قال سجود السهو كله قبل السلام - كالشافعي في الجديد- قال: يتشهد بعد سجدتي السهو. (٢) أما الذين فصلوا فجعلوا بعضه قبل السلام وبعضه بعده: فقد قال مالك: يتشهد للذي بعد السلام، وأما التشهد للذي قبل السلام فعنه فيه روايتان (٣) . وقال أحمد: لا يتشهد لسجود السهو الذي قبل السلام، ويتشهد لسجود السهو الذي بعد السلام (٤) . ونحو ذلك مذهب الشافعي بالنسبة لقوله القديم (٥) . وعلى أية حال: فمن قال بالتشهد بعد سجدتي السهو فقد أخذ بالزيادة التي سبق ذكرها في حديث عمران، ومن عدها شاذة وردها قال بعدم التشهد بعد سجدتي السهو. نموذج آخرحديث سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبة سبعين بدنة البدنة عن عشرة، وقال رسول الله ﷺ : ((يشترك البقر في الهدي)) . رواه الحاكم وصححه (٦) ، لكن لفظة ((العشرة)) شاذة، والصواب سبعة وهو

стр. 282

المحفوظ. وقد أشار الحافظ الذهبي الى شذوذ لفظة ((العشرة)) ، فقال: ((وخالفه ابن جريج، ومالك، وزهير، عن أبي الزبير، فقالوا: البدنة عن سبعة، وجاء عن سفيان أيضا كذلك)) (١) . وهو كما قال ﵀ فقد أخرجه الدارمي (٢) قال: أخبرنا يعلى، قال: حدثنا سفيان، فذكره محفوظا كرواية الجميع، ولكن لم يتبين لنا هذا الشذوذ ممن حصل. ورواية مالك أخرجها أحمد (٣) ، والدارمي (٤) ، ومسلم (٥) ، وأبو داود (٦) ، وابن ماجه (٧) ، والترمذي (٨) . ورواية ابن جريج، أخرجها أحمد (٩) ، ومسلم (١٠) ، وابن خزيمة (١١) .

стр. 283

ورواية زهير أبي خثيمة أخرجها مسلم (١) . ورواه غيرهم عزرة بن ثابت (٢) ، وعمرو بن الحارث (٣) جميعهم عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: ((نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبة البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة)) . كل هذا يؤكد شذوذ رواية الحاكم أثر ذلك في اختلاف الفقهاء: الاشتراك في الهدي الهدي الذي تجزيء فيه الشاة - كهدي التمتع - هل يجزيء فيه اشتراك اكثر من واحد في بدنة؟ هذا موضع اختلف فيه الفقهاء: فذهب بعضهم الى أن البدنة -البعير والبقرة- تجزئ عن العشرة. وممن قال ذلك اسحاق وابن حزم (٤) . واحتجوا بالحديث السابق مع الزيادة الشاذة ويدل لهم أيضا: بأن النبي ﷺ في قسمة الغنائم، عدل البعير بعشر شياه؛ وما دامت الشاة تجزيء عن واحد فالبعير يجزيء عن عشرة. فقد روي عن رافع بن خديج قال: ((كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع، فأصبنا ابلا وغنما)) . الى أن قال: ((ثم قسم، فعدل عشرة من الغنم ببعير

стр. 284

... الحديث)) رواه البخاري (١) والبقرة مثل البعير؛ فان كلا منهما يطلق عليه بدنة في اللغة (٢) وذهب بعضهم الى أن البعير عن عشرة والبقرة عن سبعة. وهذا رواية عن سعيد بن المسيب (٣) وحجته حديث ابن عباس، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقر سبعة وفي الجزور عشرة (٤) . وذهب الجمهور الى أن كلا منهما يجزيء عن سبعة. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد (٥) . وحجتهم حديث جابر السابق باللفظ المحفوظ، ويرجح هذا أنه آخر فعل النبي ﷺ . وقال مالك: لا يشترك في الدم الواحد، فالبعير كالشاة لا تجزيء الا عن واحد (٦) . وما سبق حجة عليه. نموذج للشذوذ في السند والمتن: وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء حديث: حيان بن عبيد الله، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال:

стр. 285

((بين كل أذانين صلاة الا المغرب)) أخرجه البزار (١) ، والدارقطني (٢) قال البزار: ((لا نعلم أحدا يرويه الا بريدة ولا رواه الا حيان وهو بصري مشهور)) . أقول: هذا الحديث شاذ متنا وسندا والشذوذ جاء من قبل حيان بن عبيد الله (٣) لتفرده بهذا الاسناد والمتن مع الزيادة كما نص عليه البزار. قال الحافظ ابن حجر: ((وأما رواية حيان - وهو بفتح المهملة والتحتانية - فشاذة؛ لأنه وان كان صدوقا عند البزار وغيره لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في اسناد الحديث ومتنه)) (٤) . وقد بين لنا الشذوذ الامام البيهقي -رحمه الله تعالى- اذ قال: ((أخطأ فيه حيان بن عبيد الله في الاسناد والمتن جميعا، أما السند: فأخرجاه في الصحيح عن سعيد الجريري وكهمس عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل عن النبي ﷺ قال: ((بين كل أذانين صلاة، قال في الثالثة: لمن شاء، وأما المتن فكيف يكون صحيحا وفي رواية ابن المبارك عن كهمس في هذا الحديث قال: وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين، وفي رواية حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا قبل المغرب ركعتين، وقال في الثالثة: لمن شاء)) (٥) .
следующие страницы →