Полный текст (205 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ولم تزل في يده إلى أن خرج عليها الملك المغيث في آخر سنة خمس وخمسين وستمائة، منابذاً لطاعة الملك الناصر، وولى فيها فخرج عليها عسكر الملك الناصر، فهزموه، وصعد إلى الكرك وولى فيها.
وبقيت في يد نوابه إلى ان انحازت البحرية والشهرزورية لصاحب الكرك وخرج بهم إلى نابلس، فاستولى عليها وولى عليها وذلك في سنة سبع وخمسين، فخرج عليهم الملك الناصر بعسكره فهزمهم عنها.
وبقيت في يده إلى أن استولت التتر على البلاد الشامية فخرج إليها الملك الظاهر أخو الملك الناصر من دمشق منابذاً طاعة أخيه فاستولى عليها، ثم خرج السلطان الملك الناصر من دمشق إلها ورتب فيها عسكراً، وقدم عليه مجير الدين ابن أبي زكري، فوصل عليها كشلو خان مقدم التتر فقتل ابن أبي زكري ونور الدين الأكتع وابن درباس وغيرهم من المراء الذين كانوا في العسكر، ثم أخذوها وبقيت في أيديهم إلى أن كسرهم الملك المظفر في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة. واسترجع منهم البلاد، ثم قتل ﵀ في بقية السنة.
وصارت البلاد إلى مولانا السلطان الملك الظاهر فولى فيه عشر نابلس نوابه فيه، إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.
قيسارية
وكانت مدينة على سيف البحر، حصينة، منيعة، لها ربض كبير.
البلاذري: " وولّى عمر بن الخطاب ﵁ يزيد بن أبي سفيان فلسطين مع ما ولاه من أجناد الشام. وكتب أليه يأمره بغزوة قيسارية، وقد كانت حُصرت قبل ذلك فنهض إليها في سبعة عشر ألفاً، فقاتله أهلها فمرض، وعاد إلى دمشق. واستخلف عليها أخاه معاوية " بن أبي سفيان ففتحها، وكتب إليه بفتحها، فكتب به يزيد إلى عمر. وللما توفي يزيد بن أبي سفيان كتب عمر إلى معاوية " بتوليته على ما كان يتولاه يزيد فشكر أبو سفيان ذلك لعمر. وقال: وصلتكم رحمٌ ".
فحاصرها معاوية حتى فتحها في شوال سنة تسع عشرة قسراً، وبعث بفتحها تميم بن زرقاء عريف خثعم إلى عمر ﵁ فقام عمر على المنبر ونادى في الناس ألا إن قسارية قد فتحت.
ولما فتحت وجد بها من المرتزقة سبعمائة ألف، ومن السامرة ثلاثون ألفاً ومن اليهود مائتا ألف ووجد فيها ثلاثمائة سوق قائمة كلها، وكان يحرسها في كل ليلة على سورها مائة ألف. وحوصرت سبع سنين إلا شهراً واحداً.
وقال أيضاً عمن حدثه: إن الروم خرجت في أيام ابن الزبير إلى قيسارية، فشعشها، وهدمت مسجدها الجامع، فلما استقام لعبد الملك " بن مروان " الأمر رمّ قيسارية، وبنى مسجدها وشحنها بالرجال.
ولم تزل يليها من جند فلسطين إلى أن أخذها الفرنج سنة أربع وتسعين وأربعمائة بالسيف، وقتلوا من فيها من الرجال.
ولم تزل بأيديهم إلى أن أخذها منهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على يد بدر الدين دلدرم الياروقي وعون الدين قليج في سنة ثلاث وثمانين. واستمرت في يده إلى أن خرجت عنه في البلاد التي وقعت عليها الهدنة فيما بينه وبين الفرنج في سنة ثمان وثمانين.
واستمرت في أيديهم إلى كسر عسكر ريد افرنس على دمياط في سنة سبع وأربعين وستمائة وأسر، ثم أطلق، فنزل الساحل، وعمر قيسارية وشيدها وحصنها.
ولم تزل في أيديهم إلى أن ملك مولانا الملك الظاهر البلاد، قصدها ونازلها، وحاصرها حتى فتحها فتحا عنوة سنة ثلاث وستين وستمائة، وخرّبها حتى لم يدع لها أثراً.
أرسوف
طولها سبع وستين درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وخمس دقائق.
ليس لها في الفتوح العُمري ذكر، ولا فيما وقفت عليه من الكتب المؤلفة في صدر الإسلام.
وأول ما أحاط به علمي من أمرها أن الفرنج تسلَّموها في سنة أربع وتسعين وأربعمائة بالأمان، ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
ولم تزل في يده إلى أن دخلت في البلاد التي وقعت الهدنة عليها بينه وبين الفرنج في سنة ثمان وثمانين.
ولم تزل بأيديهم إلى أن كُسر ريد افرنس على دمياط، وأسر في سنة سبع وأربعين وستمائة، ثم أطلق، في سنة ثمان ونزل الساحل فعمر قيسارسة - كما قلنا - وأرسوف، وحصنها، وشيدها.
стр. 107
وما زالت في يد الفرنج إلى أن قصدها مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبر، ونازلها في شهر رجب من سنة ثلاث وستين وستمائة، حتى ملكها عنوة في ثاني عشر الشهر، وأخرجها على يد جيوشه ملك الأمراء بدر الدين بيليك الخزندار، فإنه فيها بلاء عجبت السيوف من مضآئه، واعانته الأقدار على إمضائه.
يافا
وهي على ساحل البحر، كانت عامرة، عليها سور مُحكم البناء. ولها قلعة شاهقة في الهواء. وليس لها ذكر في الفتوح العمري.
والّذي اتصل بعلمي من أمرها أن فلسطين لما انتهت في الولايات إلى المستنصر العُبيدي صاحب مصر خرج عليه أتسز بن أوق التركي في سنة ثلاث وستين وأربعمائة وقصد يافا، فأخرج منها نوابه، وعاد إلى دمشق، فخرج إليه عسكر من مصر مقدَّمهُ نصرُ الدَّولة وولّي فيها.
ولم تزل في أيدي العُبيديين إلى أن ملك تاجُ الدولة الشام فملك فلسطين وولّى في بلاده نوابه، وذلك في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
ولم تزل في يده إلى أن قُتل في سنة ست وثمانين، فخرج الأفضل أمير الجيوش إلى الشام من مصر، فاستعاد يافا فيما استعاده من بلاد فلسطين، وولَّى فيها. وبقيت في أيدي نُوابهم إلى أن قصدها كندفري فتسلمها في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، فشيدها، وعمرها، وسلّمها إلى طنكريد صاحب إنطاكية.
ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها عنوة الملك الناصر صلاح الدين في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، على يد أخيه الملك العادل، وخربها، وبقيت خرابا إلى أن تقررت الهدنة بين الملك الناصر وبين الفرنج، وشرَطوا عليه إبقاءَها في أيديهم.
فلم تزل في أيديهم إلى أن خرج الملك العادل سيف الدين ابن أبي بكر أيوب من دمشق لما بلغه إغارة الفرنج على بلاد الساحل وذلك في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة فأغار على مرج عكا، وقصد يافا، ففتحها عنوة في شوال من السنة.
ولم تزل في يده إلى أن خرج الفرنج، وملكوا بيروت فخرج إليهم الملك العزيز من مصر، ووقعت الهدنة بينه وبينهم، وأعيدت يافا إليهم في سنة أربع وتسعين. فلم تزل في أيديهم إلى أن أطلق ريد افرانس من الأسر في سنة ثمان وأربعين وستمائة، وصار إلى الساحل فعمرها، وبنى قلعتها، وجدد أبنيتها.
وبقيت في أيديهم إلى أن قصدها السلطان الملك الظاهر، ونازلها في العشرين من جمادى الآخرة من سنة ست وستين وستمائة، فحضر عنده رسول من صاحبها بالإقامة على ما جرت به العادة، فقبض إليه، وسار إلى " يافا " ليلاً، وعسكره لابسٌ، فصبحهم بكرة فهرب من كان بالمدينة إلى القلعة، وهي على رابية عالية حصينة، فلم تغن عنهم شيئاً، وفتحها بعد يومين من نزوله عليها بالأمان، وخربها، وهي الآن خراب يباب
عسقلان
طولها خمس وستون درجة. وعرضها إحدى وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. طالعها الأسد صاحب ساعة بنائها المشتري.
قال البلاذري: " وكتب عُمر إلى معاوية يأمره بتتبع ما بقي من فلسطين، ففتح عسقلان صلحاً بعد كد. ويقال إن عمرو بن العاص كان قد فتحها، ثم نقض أهلها وأمدهم الرُّوم، ففتحها معاوية وأسكنها الروابط، ووكّل بها الحفظة ".
وقال أيضاً عمن حدثه من أهل عسقلان: إن الروم أخربتها وأجلت أهلها عنها في أيام ابن الزّبير فلمّا ولي عبد الملك بن مروان بناها وحصنها.
ولم تزل في يد من يلي فلسطين - إلى ما حكيناه - منذ فتحت إلى أن صارت في أيدي المصريين، فلما كانت أيام الآمر بأحكام الله كان بها من قبله والياً بشمس الخلافة، فراسل بغدوين ملك الفرنج، وهادنه وأهدى إليه وامتنع به من حكم المصريّين عليه.
فوصلت إلى الآمر الأخبار بذلك، فبعث عسكراً وقدّم عليه قائداً، وأوعز إليه أن يمر بعسقلان، ويظهر أنه يريد الغزاة، وكتب معه كتابا إلى " شمس الخلافة " يأمره فيه بالنهوض معه، وأوصى القائد بالقبض عليه إذا خرج إليه. فلما قارب عسقلان استدعاه فامتنع من الحضور وجاهر العصيان، وأخرج منْ كان معه من الجند المرتبين معه خوفاً منهم.
فلما بلغ الآمر ذلك خاف على عسقلان أن يأخذها الفرنج فأرسل إلى شمس الخلافة، وطيب قلبه، وأقطعه بلاداً بمصر حتى انقاد له، ثم إنه خاف ممن معه فيها، فأحضر جماعة من الأرمن، واتخذهم جنداً، فأنكروا عليه فعله، ووثبوا عليه فقتلوه، ونهبوا داره، وكتبوا إلى الآمر بذلك فبعث عليهم والياً، وذلك في أخر سنة أربع وخمسمائة.
стр. 108
واستمرت في أيدي أصحاب مصر إلى أن تغلب الفرنج على بلاد الساحل، فكانت آخر ما تغلبوا عليه. وسبب تأخرها أنها ليس لها ميناء يُرسي فيها المراكب، ولم تؤخذ حتى تكررت منازلة الفرنج لها مراراً عديدة.
وأول من نزل عليها كندفري، ثم أخوه بغدوين، ثم الونس، ثم فلك بن فلك، وقطعوا أشجارها وكرومها، ورتبوا في الحصون المجاورة لها خيلا، تغاديها وتراوحها الغارات، وعمروا بالقرب منها في سنة أربع وأربعين وخمسمائة غزة ، وسكنوها ومدَّوها بالرجال والفرسان.
فلما بلغ أهلها الجهد كتبوا إلى الملك العادل أبي الحسن علي بن السلاّر، يستنجدونه، فبعث أسامة بن مرشد بن منقذ الكناني إلى الملك نور الدين محمود إلى الشام يلتمس منه أن ينزل على طبرية، ليشغل الفرنج عن التعرض بعسقلان، وبعث معه عسكراً، وأعطاه مالاً، وأمره أنه متى لم يجد من نور الدين عوناً أن يديون بالمال من قدر عليه.
فسار ابن منقذ الملك العادل فوجده محاصراً دمشق، وهو في شُغل بها عن الالتفات إلى غيرها، فاعتذر عليه، ومكنه من التديون، فدون في ثمانية أيام ثمانمائة وستين فارساً، وسار بهم إلى عسقلان، وأقام يحارب الفرنج أربعة أشهر لا ينقضي يوم منها بلا إغارة ثم أستدعي إلى مصر، فرحل عنها، وأقام الحصار عليها حتى مات فلك بن فلك، وملك بعده ولده الأكبر بغدوين فجدّ في حصارها، وعمل عليها برج خشب، وقاتلها حتى ملكها بالأمان في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة وكان بها والٍ يسمى تميماً فلما خرج منها حمل معه رأس الحسين ﵇ إلى القاهرة.
ولم تزل في أيديهم إلى أن نازلها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ونصب عليها المجانيق، وقاتلها قتالا شديدا حتى تسلمها يوم السبت سلخ جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وأخربها، ولم تزل في يده إلى أن تغلب الفرنج.
وبقيت في أيديهم إلى أن تقررت الهدنة بينهم وبين الملك الناصر، وشرط عليهم عودها إليه وتخريبها، فأخربها في شعبان سنة ثمان وثمانين، وكان عليها سور محكم البناء، بحيث أنه كان عرضه في موضع تسعة أذرع، وفي موضعٍ عشرة.
ولم تزال خراباً إلى أن ملكها الملك الصالح دمشق وأعطى الفرنج بلاداً كانت فيها وذلك سنة ثمان وثلاثين فعمروها.
ولم تزل في أيديهم إلى أن قصدها عسكر الملك الصالح نجم الدين ومقدمه معين الدين بن الشيخ فحاصرها حتى أخذها عنوة، وهدمها في مستهل جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وستمائة.
وبقيت في يده إلى أن توفي الملك المعظم ولده، فيما ملك بعده، إلى أن قتل، وملكها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد صاحب فيما ملكه من دمشق والسواحل.
ثم خرجت عنه في صلح الملك المعز في سنة إحدى وخمسين وستمائة، ثم عادت إليه في سنة اثنتين وخمسين ثم خرجت عنه إلى التتار عند استيلائهم على البلاد، ثم عادت إلى الملك المظفر سيف الدين قطز صاحب الديار المصرية في شهر رمضان، من سنة ثمان وخمسين وستمائة.
ثم ملكها السلطان الملك الظاهر فيما ملك في أواخر السنة المذكورة، ثم خرج إليها في سنة تسع وستين، وأخرب ما كان باقيا من قلعتها، وهي بيده إلى الآن.
غزة
وتُعرف بغزة هاشم، وهو هاشم بن عبد مناف، أبو عبد المطلب، لأنه كان كثير التردد إليها، وبها قبره.
وهي نشز مرتفع على البحر، وقد تقدّم لنا فتحها، وعمارة الفرنج لها.
طولها أربع وستون درجة وخمسون دقيقة، وعرضها إحدى وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. طالعها الثور، صاحب ساعة بنائها المشتري.
ولما فتحت عسقلان، فُتحت بغير قتال في تاريخها، ولم تزل في يد صلاح الدين، ثم من بعده في يد العزيز، وفي أيامه أغارت الفرنج عليها، وعلى الداروم، فأمر بخراب قلعة الداروم.
ولم تزل غزة في يده، ثم في يد الأفضل أخيه، ثم في يد عمه الملك العادل، ثم في يد ولده الملك المعظم، ثم صارت في يد الملك الكامل، إلى أن مات، فتغلب عليها الملك الناصر ابن الملك المعظم، وولّى فيها.
وما زالت في يده إلى أن كانت بينه وبين الملك الجواد حرب استظهر عليه فيها الملك الجواد، فاستولى على غزة، وولَّى فيها من قبله.
ثم خرج عسكر الفرنج فاستولوا على غزة فأخرج إليهم الملك العادل سيف أبو بكر ابن الملك الكامل صاحب مصر عسكراً فدفعهم عنها وكسرهم وأعادها للملك الناصر.
стр. 109
وبقيت في يده إلى أن ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل، فولّى فيها من قبله، واستمرت في يده إلى أن مات فصارت إلى ولده الملك المعظم إلى أن قُتل.
وملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد صاحب حلب دمشق، واستولى عليها فيما استولى عليه من بلاد الشام، وما زالت بيده إلى أن نزل عنها مع القدس للملك المعزّ عز الدين أيبك التركي صاحب مصر.
وبقيت في يده إلى أن خرجت البحرية من مصر عند قتل الفارس آقطاي التركي، فاسترجعها الملك الناصر وأقطعها لجماعة منهم.
وما زالت في يد الملك الناصر صلاح الدين إلى أن صارت البحرية إلى الملك المغيث صاحب الكرك، صارت دُولاً بين الملك المغيث وبين الملك الناصر إلى أن استبد بها الملك الناصر في سنة سبع وخمسين وستمائة.
وبقيت في يده إلى أن خرج أخوه الملك الظاهر من دمشق منابذاً، واستولى عليها لما استولى على نابلس.
ثم انقرضت دولة الملك الناصر في هذه السنة عند استيلاء التتر على البلاد، فلم يدر بعد فيها ديار، إلى أن كسر الملك المظفر سيف الدين قطز المعزي التركي صاحب مصر التتر، على " عين جالوت "، واسترجع البلاد، فتراجع إليها أهلها وعمرت.
وهي في عصرنا - الذي وضعناه فيه هذا الكتاب - فيها نواب مولانا السلطان الظاهر ركن الدُّنيا والدّين بيبرس الصالحي - خلد الله ملكه وجعل الأرض بأسرها ملكه -.
الباب السادس في
ذكر ما بمجموع هذه الأجناد الثلاثة من المزارات
ما يختص بلاد جند دمشق
منها: في بعلبك على باب البلد من الشمال، قبر مالك بن الأشتر النخعي والصحيح أنه بالمدينة.
وبها: قبر حفصة زوج النبي ﷺ ، والصحيح أنها أم حفص أخت مُعاذ بن جبل فإن حفصة ماتت بالمدينة.
وبها: دير الياس النبي ﵊، ويقال إنه كان محبوسا به.
وبقلعتها: مشهد إبراهيم الخليل ﵊.
وبها: الوادي، والصخر الهائل، وقيل إنه الذي أنزل فيه:) وثمودَ الَّذين جَابُوا الصَّخْرَ بالوَاد (والصحيح أن الوادي هو وادي القرى، وقوم ثمود كانوا به.
وبها قبر أسباط.
ومن أعمالها قرية يقال لها الكرك: بها قبر نوح ﵊ وقيل فيه غير ذلك، ونحن نذكره عند ذكرنا القدس.
وتحت الكرك أيضاً قبر جبلة بنت نوح، بقرية يقال لها عرجوس وقبر شيث بن نوح. وقيل قبر شيث بجبل أبي قبيس، والصحيح أن الذي بجبل أبي فبيس هو قبر شيث بن آدم.
وبالبقاع: قبر شيبان الراعي، وله حكاية.
ومما بنواحي حوران
منها: قرن الحارة: قرية بها مولد إدريس ﵊.
دير أيوب: قريةٌ كان بها أيوب ﵊ وبها ابتلاه الله ... وبها العينُ التي ركضها برجله، والصخرة التي كان يجلس عليها، وبها قبره.
نَوَى: قرية بها قبرٌ سام بن نوح عليهما الصلاة والسلام.
المحّجة: قرية بها شهداء من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وبها حجر ذُكر أن النبي ﷺ جلس عليه. والصحيح أنه صلوات الله عليه ما تعدّى " بُصرى ". وذكروا أن بجامعها سبعين نبياً.
بُسْر: قرية بها قبر اليسع.
نجران: فرية بها أصحاب الأخدود.
بُصرى: بلدة بها مسجد النبي صلى الله عليه وسل، صلَّى بذلك الموضع. وشرقيها: قريةٌ تعرفُ ب " ديبين "، بها قدم رسول الله ﷺ ، في صخرة سوداء على ما ذكروا. والله أعلم.
وقبلي بُصرى: دير، يُقال له دير الباعقي، كان به بحيرا الراهب، وبه اجتمع برسول الله ﷺ .
صرخد: بلدة بها مشهد، ذكروا أن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام كانا به لما خرجا من التية، وبه قدم هارون، والله أعلم.
وُتْر: قرية بها مسجد، ذكروا أن الزبير بن العوَّام ﵁ بناه.
إمْنان: قرية بها مسجدٌ، ذكروا أن موسى بن عمران ﵊، سكن في موضعه. وبه موضعُ عَصَاه في الصخْر. والله أعلم.
جبلُ بني هلال
تحته قُرى مذكورة في التوراة يقال لها " البثنية " منها: قرية تعرف بالمالكية بها قدح وخشب، ذكروا أنه كان لرسول الله ﷺ .
الحُميمَة: قريةٌ بها قبر محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس ﵃.
стр. 110
غوْر نَابُلسُ: به قرية لها عَمَتَّا بها قبر أبي عبيدة ابن الجراح وقد زرناه بطبرية.
أريحا: بها قبر ذكروا أنه قبر موسى بن عمران ﵇ والله أعلم. وورد أن أريحا مدينة الجبارين.
السَّوَاد: بلد به قرية، يقال لها المُهَيْد، ذكروا أن إبراهيم ﵊ وُلد بها. وقد ذكرنا مولده فيما تقدم.
البلقاء: بلد به الكهف والرقيم، وعنده مدينة يقال لها عَمَّان بها آثار قديمة.
قال الهروي: وقد زرنا الكهف والرقيم ببلاد الروم عند مدينة يقال لها أّبسس، خربة، بها آثار عجيبة، قريبة من مدينة أبلستين. وقيل هي مدينة دقيانوس. " وبالمغرب موضع يقال له جنان الورد في بر الأندلس به الكهف والرقيم، وبه قوم موتى لا يبالون. كما ذكر أهل الموضع. وذكروا أن طليطلة هي مدينة دقيانوس " والصحيح الذي ببلاد الروم.
مآب: به قرية يقال لها سيحان، بها قبر ينزل عليه النور ويراه الناس، وهو على جبل، والنَّاس يزعمون أنه موسى بن عمران ﵊.
صَرَفة: قرية بها قبر، يزعمون أنه قبر يوشع بن النون وقد تقدم قول آخر فيه وهو الصحيح.
الطُّور - ومؤتة
قُرى بها قبر جعفر بن أبي طالب الطيار، وقبر زيد ابن حارث، وعبد الله بن رواحة، والحارث بن النعمان، وعبد الله بن سهيل، وسعد بن عامر بن النعمان القيسي، وأبي دُجانه الأنصاري واسمه سماك.
وباللجّون: مقام إبراهيم ﵇.
ولاوي: قرية بها قبر لاوي بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام.
ظهر الحمار: قرية بها قبر بنيامين أخي يوسف الصديق ﵉.
مدينة نابلس:
ظاهرها مسجد، ذكروا أن آدم ﵊ سجد في ذلك الموضع. وبها الجبل الذي يعتقد اليهود أن إسحاق ﵊، فدي عليه وهذا الجبل تعتقد فيه اليهود، وهو مذكور عندهم في التوراة واسمه كريزِم. والسِّامرةتصلي إليه. وبها عين تحت كهف يعتقدون فيها، ويزورونها.
بُلاطة: قرية من أعمال نابلس، بها عين الخضْر، وحقل يوسف الصديق، وقبر يوسف عند الشجرة. وهو الصحيح.
وعورتا: قبر يوشع بن النون ومفضل ابن عمّ هارون، ويقال بها سبعون نبياً.
سَيْلُون: قريةٌ كان يعقوب ﵊ ساكناً بها، وإن يوسف ﵊، خرج منها مع إخوته، والجبّ الذي رُمي فيه بين سنْجيل ونابلس، عن يمين الطريق.
ما في بلاد جُند الأردن من المزارات
مدينة طبرية
ممن شرقي بحيرتها: قبر سليمان بن داود عليهما الصلاة والسَّلام. والصحيح أن سليمان دُفن إلى جانب أبيه في بيت لحم. وهما في المغارة التي بها مولد عيسى ﵊ ومن شرقيها أيضاً: قبر لقمان الحكيم، وابنه على ما قيل.
وبطبرية: قبر أبي عبُيدة بن الجراح وزوجته، على ما قيل. وقيل بالغور. وقيل ببيسان.
وفي لحف جبل طبرية: قبر أبي هريرة على ما قيل. وقيل قبرهُ بالبقيع. وقيل: بالعقيق.
وبطبرية: عينُ ماء تُنسب إلى عيسى ﵊ وكنيسة الشجرة، ولهذا الموضع حكاية عجيبة ذكرت في الإنجيل لعيسى ﵊ مع الصباغ.
وبظاهر طبرية: مشهدٌ به قبر سُكينة بنت الحسن ﵇، فيما قال. وبها قبر يقال إنه قبر عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب ﵇.
دير فاخور: موضع تعمد فيه المسيح، من يوحنَّا المعمداني على الأردن على ما ذكروا.
ومن أعمال طبرية: قرية يقال لها أرْبَد: بها قبر أم موسى بن عمران ﵊، عن يمينه الطريق، وبها أربعة من أولاد يعقوب عليهم الصلاة والسلام، وهم: دَان، وأيساخار، وزبولون، وكاد وفي الطريق إلى بانياس: قصر يعقوب، وبيت الأحزان وجبّ يوسف ﵊. والصحيح أن جبّ يوسف في طريق القدس، عند بلد يقال لها سنجيل.
حطين: ويقال حُطيْم قرية بها قبر شعيب وقبر زوجته، على ما قيل.
الشجرة: قرية بها قبرُ صديق بن صالح، وقبر دحية الكلبي، في مغارة على ما قيل.
كفر كنه: قرية بها مقام يونس، وقبر ابنه، والله اعلم.
رُومة: من أعمال طبرية، بها قبر يهوذا بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام على ما زعم.
стр. 111
وكفر مندة: قرية، قيل إنها مَدْيَن شرقي طور سينا. وبهذه القرية قبر صفوراء بنت شعيب زوجة موسى عليهما الصلاة والسلام. وبها الجب الذي قلع الصخرة من عليه، وسقى منها أغنام شعيب. والصخرة باقية هناك. وبها اثنان من أولاد يعقوب؛ وهما أشير ونفتالي.
وعند هذه الأماكن جبل يقال له: الطور، قيل إن موسى ﵊، منْ هذا الجبل رأى النار، ومن هذا الموضع أرسله الله.
كابُول: قرية بها قبران زعم أنهما قبرا روبين وشمعون.
الناصرة: قرية بها دار مريم ابنة عمران ومنها كانت وبها سُميت النصارى.
وجبل ساعير: قريب منها؛ والإشارة في التوراة في الجزء العاشر من السفر الخامس في حق موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم. وهو قوله تعالى " جاء الله من سيناء " يريد مناجاته لموسى على طُور سيناء. وقوله: " وأشرق من سَاعير " إشارة إلى ظهور عيسى ﵊ من الناصرة. بقوله " واستعلن من جَبَل فَاران " إشارة إلى نبوة نبينا محمد ﷺ . إذ عندهم في التوراة جبال فاران هي جبال الحجاز والنبي ﷺ ظهر منها.
عكا:
بها عين البقرة، ذكروا أن البقر خرجت منها لآدم، فحرث عليها. وعلى هذه العين مشهد ينسب إلى علي ابن أبي طالب ﵇. ويحكى أن الفرنج عملته كنيسة، وأقام بها قيم برسم عمارتها وخدمتها. فلما أصبح قال " رأيت شخصاً يقول أنا علي بن أبي طالب، قل لهم " أن " يعيدوا هذا الموضع مسجداً وإلاَّ من أَقام به هلك ". فأخبرهم، فلم يقبلوا كلامه، وأقاموا غيره، فلما أصبحوا وجدوه ميتا. فتركها الفرنج مسجداً، وهي إلى الآن.
ويقولون بها قبر عكّ الذي نُسبت إليه. ويزعمون أن عك نبي. وبمرج عكا خلق شهداء.
زيارات جند فلسطين
القدس الشريف به الصخرة التي عُرج بالنبي ﷺ منها وأثر قدمه فيها. وهي شبر وافٍ، وعلوّها مقدار ذراعين، ودائرها يزيد على " أربعة أذرع " وتحت قبة الصخر مغارة الأرواح، ذكروا أن أرواح المؤمنين يجمعها الله فيها، ويُنزَلُ في هذه أربع عشرة درجة. ويقال إن بهذه المغارة قبر زكريا ﵊.
ورواق الصخرة مبني على ستّ عشرة أسطوانة من الرخام، وعلى ثمانية أركان. ولها أربعة أبواب من الحديد. وعلى الصخرة درابزين حديد يحويها، طوله قامتان.
المسجد الأقصى: به محراب عمر بن الخطاب لم تغيره الفرنج وقبته أنشئت في أيام الإمام ابن العزيز صاحب مصر، وكملت في سلخ ذي القعدة سنة ستّ وعشرين وأربعمائة. وهي كلها بالفص المذهب، الكتابة والتوريق، لم يغّير منه الفرنج شيئاً. وعلوّ هذه القبة ستون ذراعاً.
وتحت الأقصى، اصطبل كان لدواب سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، كما ذكروا، ومعالف الدواب إلى الآن.
وهناك مغارة يقال لها مهد عيسى.
وقبة السلسلة التي كان يحكم بها سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ودائرها ستون خطوة.
وبالقدس: كنيسة اليعاقبة: بها بئر، يقال إن المسيح ﵊ اغتسل نمنها، وآمنت السامرة على يده عندها.
وبالقدس: برج داود ومحرابه.
وبظاهر القُدس: عين سلوان: ماؤها مثل ماء زمزم، وهي تخرج من تحت قبة الصخرة، وتظهر في الوادي قبليَّ البلد.
وكنيسة السليق: يقال إن المسيح ﵊ منها رفع إلى السماء.
وكنيسة صهيون: يُقال إن المائدة نزلت على عيسى والحواريين بها.
وادي جَهنَمَّ: به قبر مريم أم عيسى: يُنزل إليه في ستّ وثلاثين درجة. وبه العمد من الصخر المانع والرخام.
وتحت القبة: ستة عشر عموداً، ثمانية حمر، وثماني خضر. ولها أربعة أبواب على كل باب ستة عمد من الرخام.
وبه كنيسة وهي الآن مشهد لإبراهيم الخليل ﵊.
وبأرض فلسطين: قبر راحيل أم يوسف عن يمين الطريق السالك من القدس إلى الخليل.
بيت لحم: بلدة بها مولد عيسى ﵊، ويقال إن قبري داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام بها.
حَلْحُلول: قرية بها قبر يونس ﵊، على ما زعموا.
رامة: قرية بها مقام إبراهيم الخليل ﵊.
كفريريك: قرية بها قبر لوط ﵊.
стр. 112
ياقين: قرية بها مقام لوط ﵊، وبها كان يسكن بعد رحيله من زُغر. والموضع الذي خُسف بقومه هو اليوم: البحيرة المنتنة: ويقال الميتة، وقيل إن الحجر الذي ضربه موسى) فانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً (بزُغر.
مدينة الخليل ﵇: بها مغارة فيها قبر إبراهيم الخليل، واسحق، ويعقوب، وسارة، عليهم الصلاة والسلام. وقيل إن قبر آدم، ونوح، وسام، فيها. والمغارة تحت هذه المغارة التي تُرى الآن وتزار قال.
قال علي بن أبي بكر الهروي: حدثني جماعة من مشايخ " الخليل " أنه لما كان في زمان بغدوين الملك انخسف موضع في هذه المغارة، فدخل جماعة من الفرنج إليها باذن الملك، فوجدوا فيها إبراهيم، وإسحاق ويعقوب، وقد بليت أكفانهم، وهم مستندون إلى حائط، وعلى رؤوسهم قناديل وهي مكوفة، فجدّد الملك أكفانهم، ثم سُد الموضع، وذلك في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
بيت جبرين: قيل هو البلد الذي ذكره الله في القرآن في سورة المائدة، وهو قوله) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الُمقَدَّسَة (إلى آخر الآية.
وقيل: إن المدينة التي قال إن فيها قوما جبارين إنها أريحا. وقيل عمّان، وهو الصحيح.
ووادي النمل: وقيل إن به خاطبت النملةُ سليمان ابن داود عليهما الصلاة والسلام.
عسقلان: بها بئر إبراهيم. ويقال إنه حفرها بيده. وبه مشهد الحسين ﵇، كان به رأسه. فلما أخذها الفرنج نقله المسلمون إلى مدينة القاهرة. وذلك سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وبالرملة: قبر عُبادَة بن الصامت، والصحيح أنه بالقدس الشريف.
والله أعْلمُ بالصَّواب.
стр. 113
ذكر الجزيرة
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله .
الحمد لله المعين على المقاصد السديدة، والهادي إلى مظان الإرادات الرشيدة، والموفق لما يرام من المعارف المفيدة، والمرشد إلى الاعتبار بحوادث الدهور المبيدة. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه صلاة تضمن من الفضل مزيده، وتحصل للمثابر عليها نعما عديدة.
وبعد: فقد كنا قدمنا فيما سلف من كتابنا ذكر الشام، وتنقل بلاده في أيدي الملوك والأمراء نحن عاطفون عليه بذكر الجزيرة، ومن ملكها أولا وأخيرا إلى حين خروجها عن أيدي المسلمين إلى أيدي التتار - أنقذها الله منهم -.
ونختم بذكر الموصل وإن لم تكن من الجزيرة، وإنما ساقنا إلى ذكرها المجاورة والمصاقبة، ولأنها كانت معدودة في الولايات الجزرية في صدر الإسلام في أيام بني أمية وبعض ملوك بني العباس.
ذكر متأخرو المؤرخين المعنيين بتحديد الأسقاع أن الجزيرة تعرف بجزيرة أثور لمدينة كانت بها تسمى بهذا الاسم آثارها باقية قريبا من الموصل وإليها ينسب الملوك الآثوريين من الجرامقة، ملوك الجزيرة والموصل.
وسميت جزيرة لأنها بين نهري الفرات ودجلة وهي تشتمل عندهم على ثلاثة أسقاع: أحدها: ديار ربيعة.
والثاني: ديار مضر.
والثالث: ديار بكر.
فأما ديار ربيعة ففيها من البلاد ممايلي بلاد الموصل: بلد وأذرمة ونصيبين - وهي القصبة - ودارا والخابور ورأس العين وسنجار وجزيرة بني " عمر ".
وأما ديار مضر: فحران - وهي القصبة -، والرها والرقة وسروج.
وأما ديار بكر فأمهات بلادها: ميافارقين وأرزن وآمد، وماردين.
وفي خلل هذه البلاد " بلاد " أخر أرضبنا عن ذكرها لصغرها، وكنها لم يستبد بها ملك، وإنما كانت تنتقل في أيدي المتغلبين على الأسقاع، كما سنبين فيما يأتي إن شاء الله.
وأما من تقدم من مصنفي المسالك والممالك كابن خرداذبه وابن واضح فإنهم لم يفصلوها هذا التفصيل؛ بل جعلوها سقعا واحدا سموه: ديار ربيعة؛ إلا أن ابن واضح عد في كورها كورة " بلد " وبازبدي، وجزيرة الأكراد وأظنها - والله أعلم - جزيرة بني عمر لأن الأكراد كثيرا ماينتابونها، وينتجعونها لقضاء أوطارهم، وكورة باعر بابا وكورة سنجار وكورة كفر توثا.
وعد ابن خرداذبة فيها: برقعيد وطورعبدين وقرقيسيا.
وسبب هذا الاختلاف تداول أيدي الملوك عليها، وتغلب بعضهم على بلاد بعض. وقد رأينا أن نعول على القول الأول، فإنه أشمل وأعلم.
ونذكرها منذ فتحت، وانتقلت في أيدي الملوك بلدا بلدا، وموضعها من المعمور في الأقاليم: الرابع - حسب الاستطاعة الممنوحة من ذي القوة والحول، والإفضال والطول -.
стр. 114
فتحت الجزيرة على يد عياض بن غنم بن زهير ابن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب " بن ضبة " ابن الحارث بن فهر.
كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص: إن الله ﵎ فتح على المسلمين الشام والعراق فابعث من قبلك جندا من العراق إلى الجزيرة، وأمر عليه خالد بن عرفطة، أو هاشم ابن عتبة، أو عياض بن غنم. فلما انتهى إليه كتاب عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما أخر أمير المؤمنين عياض بن غنم إلا أنه له فيه رأي أن أوليه، وأنا موليه، فبعثه وبعث معه جيشا، فيه أبو موسى الأشعري وابنه عمر بن سعد، وهو غلام حدث السن، وعثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي، وذلك في سنة تسع عشرة.
فخرج عياض إلى الجزيرة، فنزل بجنده على الرها فصالحه أهلها على الجزيرة.
وصالحت حران حين صالحت الرها على مثل ذلك.
وقرأت في تاريخ ابن الأثير قال: وكان فتح الجزيرة في سنة سبع عشرة على يد عياض بن غنم " الربعي ".
ذكر من ولي الجزيرة
بمجموعها من الأمراء والوزراء إلى حين تفرقت بلادها
ولي عليها عياض بن غنم إلى أن توفي في سنة عشرين. فولى عليها عمر بن الخطاب، ﵁: حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها.
والوليد بن عقبة على عربها.
ولم يزل الوليد أميراً عليها إلى أن عزله عمر ﵁ وولى: فرات بن حيان وهند بن عرو.
ولم يزل حبيب بن مسلمة أميرا إلى أن صرفه عمر في آخر سنة إحدى وعشرين.
وولى عليه وعلى قنسرين وحمص عمير بن سعد ولم يزل عمير والياً عليهما إلى أن توفي عمر ﵁ لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
وولي الخلافة عثمان بن عفان ﵁ فأقر عميرا على إمرته، فأصابه مرض، فاستأذن عثمان في الرجوع إلى أهله، فأذن له.
وجمع لمعاوية بين الشام والجزيرة ولك في سنة ست وعشرين. فولى معاوية الجزيرة حبيب بن مسلمة بن مالك وحمص وقنسرين. ثم عزله عن الجزيرة وولى عليه الضحاك بن قيس الفهري. ولم يزل واليا عليها إلى أن قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وولي ﵇ الخلافة.
فولى على الجزيرة الأشتر النخعي واسمه مالك فسار إليها، فلقيه الضحاك فاقتتلا بين حران والرقة بمكان يقال له: المرج إلى وقت المساء.
وبلغ ذلك معاوية فأمد الضحاك بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في خيل عظيمة، فبلغ ذلك الأشتر فانصرف إلى الموصل، وأقام بها يقاتل من أتاه من أجناد معاوية.
ثم كانت وقعة صفين وانجلت عن أمر الحكمين فولى علي ﵇ على الجزيرة شبيب بن عباس.
وقتل عليٌ ﵇ في شهر رمضان سنة أربعين. وولي الحسن ولده، وصالح معاوية في أوائل سنة إحدى وأربعين، واستقل بالإمرة، فولى من قبله النعمان بن بشير لجزيرة الشام. ودامت ولايته إلى أن توفي معاوية في سنة ستين من الهجرة.
وصار الأمر بعده لولده يزيد، فأقر النعمان على ولايته، ثم عزله في سنة اثنتين وستين.
وولى أبا خالد سعد بن مالك بن بحدل الكلبي ثم عزله بزفر بن الحارث الكلاني، ولم يزل إلى أن مات يزيد في سنة أربع وستين.
وولي بعده ولده معاوية فأقر زفر على ولايته.
ومات معاوية في شهر ربيع الأول من السنة. وولي مروان ابن الحكم فاستمر زفر بن الحارث فدعا لعبد الله بن الزبير على منابر قنسرين، والجزيرة، فندب إليه عبيد الله بن زياد لمحاربته لأنه كان قد خرج من البصرة وعقد البيعة فتوجه عبيد الله بن زياد وطرد زفر من قنسرين إلى الجزيرة وولي عليها.
وتوفي مروان في شهر رمضان سنة خمس وستين.
стр. 115
وتولى ولده عبد الملك وقام المختار بن " أبي " عبيد داعيا لآل محمد بالكوفة. وادعى الأخذ بثأر الحسين وأن قيامه بأمر محمد بن الحنفية - أخي الحسين لأبيه -. ووافقه إبراهيم بن الأشتر النخعي وغلب على الكوفة وأخرج ابن مطيع العدوي منها بأمان. وعقد ليزيد بن أنس الأسدي على الجزيرة ورتب معه عشرة آلاف فارس، فسار حتى قرب من نصيبين وقاتل يزيد بن أنس فهزمه، وقتل خلقا من أصحابه، فلما علم المختار بهذه الوقعة قال لإبراهيم بن الأشتر: إنما هو أنا وأنت فسيره إليهم فخرج ومعه ثلاثون ألفا، فبلغ ذلك عبد الملك فعقد للحصين وعبيد الله بن زياد، وبعث معهما أربعين ألفا، فتقارب العسكران، وتوافوا بمكان يعرف بالخازر. فلما وضعت الحرب أوزارها قتل الحصين بن نمير وعبيد الله بن زياد وحتى إبراهيم بن الأشتر على عسكر أهل الشام فجاءته هند بنت أسماء بن خارجة الفزاري، امرأة عبيد الله بن زياد، فأخبرته بانتهاب ماكان معها من مالها. فقال لها: كم ذهب منك؟ قالت: ماقيمته خمسون ألف درهم، فأمر لها بمائة ألف درهم، ووجه معها مائة فارس إلى البصرة وأكرم نزلها. وكانت هذه الوقعة سنة سبع وستين.
ودخل عُبيد " الله " بن عمرو الساعدي على إبراهيم بن الأشتر فأنشده: الله أعطاك المهابة والتُّقى وأحلَّ بيتك في العديد الأكثر
وأقرَّ عينك يوم وقعة خازر ... والخيلُ تعثرُ بالقنا المتكسر
من ظالمين كفتُهُم آثامهم ... تُركوا لعافيةٍ وطيرٍ حُسرِ
ما كان أجرئهم جزاهم ربهم ... شرّ الجزاء على ارتكاب المُنكرِ
إني أتيتك إذ تناءى منزلي ... وذممتُ إخوان الغِنى من معشرِ
وعلمتُ أنك لا تُضيعُ مِدحتي ... ومتى أكُنْ بسبيل خيرٍ أشكُرِ
فهلُمَّ نحوي من يمينك نفحة ... إن الزمان ألحَّ يابن الأشترِ
فأعطاه عشرة آلاف درهم.
وأقام إبراهيم بن الأشتر بالموصل. ووجه عماله إلى مدن الجزيرة.
ثم قتل مُصعبُ بن الزبير المُختار واستولى على الجزيرة فصارت بينه وبين عبد الملك دولا، إلى أن قُتل في جمادى الآخر سنة إحدى وسبعين.
وصفت الإمرة من أكدار المنازعات لعبد الملك فولّى أخاه محمداً قنسرين والجزيرة، ولم يزل والياً عليها إلى أن مات عبد الملك.
ووليَ الأمرُ بعده ولده الوليدُ.
فأقرَّ محمدا، على ولايته. ثم عزله في سنة تسعين.
وولىَّ أخاه مسلمة، وكان أكثر مقامه بحرّان، وبنى فيها قصرا، ولم يزل متوليا إلى أن مات الوليد.
وولي سليمان - أخوه -.
فسيّر أخاه مسلمة غازيا إلى القسطنطينية واستخلف على عمله. " ثم مات " سليمان.
وَوُلّى يزيد بن عقيل السلمي - من أهل دمشق - ولم يزل إلى أن توفي عمر بن عبد العزيز.
وولي يزيد بن عبد الملك فأقره مُدَّةً ثم عزله بعمر بن هبيرة، ثم عزله، وولّى مروان بن محمد ولم يزل بها واليا إلى أن توفي يزيد.
ووليَ هشام بن عبد الملك في سنة خمس ومائة، فأقرَّ مروان ثم أضاف إليه أرمينية وأذربيجان في سنة أربع عشرة ومئة، ولم يزل عليها إلى أن توفي هشام سنة خمس وعشرين ومائة.
وولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فأقره، واستمر بقية أيامه، وأيام إبراهيم بن الوليد إلى أن صار الأمر إليه، فسار إلى دمشق.
وولىَّ على الجزيرة سعيد بن مسلمة بن أُمية ابن هشام الأموي وكان نائبه بها، ثم عزله.
وولىَّ أبان بن يزيد بن محمد بن مروان بن الحكم واستمر بها إلى أن قُتل مروان.
وصارت الخلافة لبني العباس.
" فقدم عبد الله بن علي الجزيرة، فلقيه أبانُ مُسوِّدا، ودخل في طاعته، وولى على الجزيرة موسى ابن كعب، وخرج عنها إلى الشام فبيّض أهلُ الجزيرة، وخلعوا أبا العباس السّفّاح، وساروا إلى حرّان، وفيها موسى بن كعب في ثلاثة آلاف فارس، وعليهم إسحاق ابن مسلم العقيليُّ، وكان نائب مروان بن محمد على أرمينية، وحاصروا موسى نحوا من شهرين. فوجّه أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر في عسكرٍ، فاجتاز بقرقيسية والرَّقة، وسار نحو حرّان، فرحل إسحاقُ إلى الرُّها، وخرج موسى بن كعب إلى أبي جعفر. ثم كانت بينه وبين إسحاق عدة وقعات. وكان في ستين ألفاً، التجأ في آخرها إلى سُميساط فحاصره فيها سبعة " أشهرٍ ".
стр. 116
وكان إسحاق يقول: في عُنقي بيعةٌ، وأنا لاأدعها حتى أعلم أقُتِلَ صاحبها أم مات؟! فأرسل إليه أبو جعفر، وأخبره أن مروان قد قُتل. فسأله أن ياربص به حتى يتيقن؛ فأجابه. فلما تيقن طلب الأمان. فكتبوا إلى السفاح، فجاءهم الجواب بأمانه. وخرج إسحاق إلى أبي جعفر فأكرمه.
وولى السفاح أخاه أبا جعفر الجزيرة وأذربيجان وأرمينية. وقيل: إن عبد الله بن علي هو الذي أمّن إسحاق وولى أبو جعفر من قِبَله الجزيرة مُقاتِلَ بن حكيم العكي من أهل مروٍ ثم توفي السفاح في سنة ستٍ وثلاثين ومائة.
ووليَ أبو جعفر المنصور الخلافة، وكان بالحجاز. فلما رجع بلغه خروج عبد الله بن علي وقصدهُ الجزيرة ودعواه " أن " السفاح كان ولاه العهد، وأنه نزل على حرَّان وبها مقاتل العكي فتحصن منه فحصره أربعين يوما حتى نزل عنها بالأمان. وأقام معه أياما، ثم وجه به إلى عثمان ابن عبد الأغلى بن سُراقة الأزدي، وعلى يده كتابٌ، فلما وصله قتلهُ، فسيّر أبو جعفر أبا مسلم إلى الجزيرة بعسكر فالتقى بعبد الله ودامت الحروب بينهم خمسة أشهر، حتى خرج عبد الله عنها منهزما إلى البصرة.
فولى المنصور الجزيرة حُميد بن قحطبة ثم عزله.
وولى أخاه العباس على الجزيرة، والثغور والعواصم وذلك في سنة اثنتين وأربعين ومائة. وأقام متوليا عليها إلى أن عزله في سنة خمسٍ وخمسين.
وولى موسى بن كعب ثم عزله سنة ثمان وخمسين.
وولى مكانه الهيثم بن سعيد، ولم يزل عليها إلى أن مات المنصور في بقية السنة.
وتولى المهدي فأقره عليها إلى أن عزله سنة تسع وخمسين وولاها الفضل بن صالح ثم عزله.
وولى عبد الصمد بن علي ثم عزله.
وولى زُفر بن عاصم ثم عزله.
وولى عبد الصمد بن علي ثم عزله.
وولى علي بن سليمان ودامت ولايته إلى أن مات المهدي في سنة تسع وستين.
وولي موسى الهادي فعزل علي بن سليمان عن الجزيرة.
وولى منصور بن زياد واستمرت ولايته إلى " أن " مات سنة سبعين.
وولي هارون الرشيد فعزل منصورا.
وولى أبا هريرة محمد بن فروخ ثم عزله سنة سبع وسبعين.
وولى حرب بن قيس.
ثم خرج الوليد بن طريف التغلبي بالجزيرة في سنة ثمان وسبعين وقتل " إبراهيم بن " خازم بن خزيمة بن طيبين وقويت شوكته. وعاث في أرض الجزيرة وأرض الموصل إلى أرمينية وأذربيجان فسيّر إليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة. فوقعت بينهما حرب قُتل فيها الوليد بن طريف.
وقالت أخته ليلى ترثيه أبياتا وقع إليَّ منها:
بِتلِّ نبايا رسمُ قبرٍ كأنه ... على علم فوق الجبال منيف
تضمن جودا حاتميا ونائلا ... وسورة مقدام وقلب حصيف
ألا قاتل الله الحثا كيف أضمرت ... فتىً كان بالمعروف غير عفيف
فإن يكُ أرداه يزيد بن مزيد ... فيا ربَّ فضها وصفوف
ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهر مُلحٍ بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب قد هوى ... وللشمس همت بعده بكسوف
فيا شجر الخابور مالك مورقا؟! ... كأنك لم تحزن على ابن طريف!
ولا الحيل إلا كُلَّ جرداء شطبة ... وكل حَصان باليدين عروف
فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني ... أرى الموت بكل شريف
فقدناك فقدان الربيع وليتنا ... فديناك من دهمائنا بألوف
وقال مسلم بن الوليد من قصيدة:
يفترُّ عند افترار الحرب مبتسما ... إذا تغير وجه الفارس البطل
موفٍ على مهجٍ، في يوم ذي رهج ... كأنه أجلٌ يسعى إلى أمل
ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل
واستعمل الرشيد على الجزيرة خزيمة بن خازم بن خزيمة واستمر بها إلى أن عقد الرشيد لولده القاسم على الجزيرة والشام سنة ستٍ وثمانين، وكان في حِجرِ عبد الملك بن صالح فأقره عليها.
ولم يزل القاسم على الجزيرة إلى أن مات الرشيد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة.
وولي ولده محمد الأمين فأقر أخاه القاسم على الشام.
وولى خزيمة على الجزيرة، ثم عزل أخاه عن قنسرين وأضافها إلى خزيمة بن خازم ثم عزله عنها في سنة ستٍ وتسعين.
وولى عبد الملك بن صالح الجزيرة والشام فمات في بقية السنة. ثم وليها خزيمة، واستمر بها إلى قَتلِ الأمين في سنة ثمان وتسعين.
وولي المأمون فعزله عنها.
стр. 117
وولى طاهر بن الحسين الجزيرة والشام وغيرهما. واستمر طاهر بن الحسين في ولايته بالجزيرة إلى أن عزله في سنة خمس ومائتين، وولاه خراسان.
وولى يحيى بن معاذ الجزيرة فمات سنة ست ومائتين.
فولى عبد الله بن طاهر بن الحسين، ويُقالُ في سنة سبع، ولم يزل بها إلى أن عزله المأمون.
وولى ولده العباس على الجزيرة والثغور والعواصم ولم يزل العباسُ متوليا إلى أن مات أبوه المأمون في سنة ثمان عشرة ومائتين وولي أخوه المعتصم الخلافة.
فأقر ابن أخيه العباس على ولايته إلى أن قبض عليه عند منصرفه من فتح عمورية لما بلغه أنه يريد التوثب على الخلافة في سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
وولى أشناس التركي الجزيرة والشام وديار ربيعة فولى فيها من قِبله. ولم يزل مستمرا بها إلى أن مات المعتصم في شهور سنة سبع وعشرين ومائتين.
وولي الواثق بالله الخلافة.
فأقر أشناس على ولايته. ومات أشناس في سنة ثلاثين ومائتين.
فولى الواثق بالله عُبيد الله بن عبد العزيز بن عبد الملك بن صالح الجزيرة والشام، ثم عزله.
وولى محمد بن صالح بن عبد الله الجزيرة وتوفي في سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
فعقد الواثق لأحمد بن مسلم بن سلم بن قتيبة الباهلي على الجزيرة والثغور والعواصم، وحلب وقنسرين، فغزا شاتياً، فأصاب الناس شدةٌ عظيمةٌ، بحيث ماتت أكثر خيول الناس، فوجد الواثق بالله عليه فعزله.
وولى نصر بن حمزة الخزاعي الجزيرة والثغور والعواصم وحلب. - ذكره الصاحب كمال الدين عمر المعروف بابن العديم -.
ولما مات الواثق بالله في سنة اثنتين " وثلاثين " ومائتين. ووُلي المتوكل على الله جعفر بن المعتصم فأعاد أحمد بن سعيد إلى ولاية الجزيرة، فاستمر بها إلى أن عقد لابنه المنتصر في سنة خمس وثلاثين ومائتين على الجزيرة والشام.
فولى فيهما من قِبله بُغا الكبير، فاستمر على ولايته " إلى " أن بويع له بعد قتله لأبيه في سنة سبع وأربعين ومائتين، فأشخص بُغا إليه.
وولى وصيفا.
ثم مات المنتصر في بقية السنة. وولي المستعين. فأقره إلى أن عزله في سنة خمسين ومائتين.
وولى أحمد المولد، ولم يزل إلى أن توفي المستعين سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
وولي المعتز فعزل أحمد عن الجزيرة وولاه حلب ثم عزله بعد أيام قلائل، ثم أعاده إلى الجزيرة، فاستمر بها إلى أن عزله.
وولى أبا الساج ديوداد، الجزيرة والشام. فاستمر بها إلى أن خُلع المعتز في مستهل شعبان سنة خمس وخمسين وولي المهتدي، فأقره على ولايته إلى أن تغلب عيسى ابن الشيخ على الشام. فانحاز إلى الجزيرة. فتغلب على آمد وميافارقين، وديار بكرٍ جميعها، وبقي فيها إلى أن قُتل المهتدي في سنة ست وخمسين.
وولي المعتمد، فعقد لأخيه الموفق على الجزيرة والشام.
فولى الجزيرة محمد بن أتامش ولم يزل بها إلى أن استولى أحمد بن طولون على الشام، فسار إلى الجزيرة فطرد محمدا عنها، وولى أخاه موسى بن أتامش ديار ربيعة وولى غلامه لؤلؤا ديار مضر، فقصد موسى إسحاق بن كنداج في سنة ست وستين فطرده إلى ديار ربيعة واستولى عليه " و " ولى فيها، وعاد إلى الموصل. واستمر لؤلؤ على ديار مضر إلى أن خالف مولاه أحمد ابن طواون وصارت إلى الموفق وذلك في سنة تسع وستين.
واستولى إسحاق بن كنداج على الجزيرة، فلما توفي أحمد بن طولون في سنة سبعين طمع ابن كنداج، وابن أبي الساج في الشام، وكاتبا الموفق، واستمداه ثم جمعا وقصدا بلاد أحمد متغلبين عليها، إلى أن وصلا دمشق فملكوها، وولوا فيها، فخرج إليهما خُمارويه فطردهما عن البلاد، وهجم الشتاء، وتفرقت العساكر، ووصل المعتضد في جموعه وعساكره إلى دمشق، وخرج عنها يريد مصر. فخرج إليه خمارويه وكانت بينهما وقعة الطواحين التي انهزم " فيها " المعتضد.
وسار خمارويه واسترجع البلاد الشامية من إسحاق ابن كنداج بن أبي الساج.
стр. 118
فلما كانت سنة ثلاث وسبعين اختلف محمد بن أبي الساج، وإسحاق بن كنداج، وكانا متفقين بالجزيرة. وذلك أن أبي الساج نافس إسحاق في الأعمال، وأراد التقدم، فامتنع عليه إسحاق. فكاتب ابن أبي الساج خمارويه وانضم إليه، وخطب له بنسرين. وسيّر ولده ديوداد رهينة، فسار خمارويه إلى الشام واجتمع بابن أبي الساج ببالس. ثم عبر ابن أبي الساج الفرات إلى الرقة فلقيه ابن كنداج وجرى بينهما حرب انهزم فيها اسحاق، واستولى محمد على الجزيرة والموصل ودعا لخمارويه بن أحمد، ثم خالف عليه، وقصد الشام فخرج خمارويه من مصر فالتقيا على ثنية العقاب فانهزم ابن أبي الساج فتبعه خمارويه إلى أن عبر الفرات، فعبر خلفهن وتبعه إلى أن وصل إلى بَلد وجهز خلفه إسحاق بن كنداج ومعه عسكر كثيف فالتقى به، ووقعت بينهما حرب عند قصر حرب من أعمال الموصل فأجلت عن هزيمة ابن كنداج. وسار حتى عبر الفرات وصار إلى خمارويه، وتبعه ابن أبي الساج إلى الرقة فأقام بها داعيا للمعتمد، فبعث خمارويه ابن كنداج في جيش فعبر الفرات، وأوقع بعسكر ابن أبي الساج فانهزم بين ديه إلى الموصل، ثم سار إلى بغداد.
واستولى ابن كنداج على ديار ربيعة وديار مضر وذلك في سنة ست وسبعين واستمر في الجزيرة إلى أن توفي في سنة ثمان وسبعين.
وولي ولده محمد الجزيرة واستمرت ولايته داعيا لخمارويه إلى أن مات مقتولا في سنة اثنتين وثمانين. فدعا محمد للمعتضد واستمر به إلى أن عزله عنها.
وولى فاتكا، وبقيت في يده إلى أن عزله في سنة ست وثمانين.
وولى ولده المكتفي الجزيرة، فسكن الرقة ولم تزل في يده إلى أن مات المعتضد سنة تسع وثمانين.
وبويع المكتفي فسار من الرقة إلى بغداد واستخلف على الجزيرة من يضبطها.
ثم ولى مؤنسا الخادم على الجزيرة والشام ومصر فولى ديار ربيعة الحسين بن حمدان إلى سنة ثلاث وثلاثمائة، فخرج عن طاعة المقتدر وكان مؤنس غائبا بمصر. فبعث إليه الوزير علي بن عيسى رائقا بجيش، فالتقيا، فكسره الحسين، فسار إليه مؤنس من مصر. فهرب من بين يديه وتبعه إلى جزيرة ابن عمر وتفرق عسكره عنه، فسار إليه عسكر مؤنس فقبض عليه وحمله إلى بغداد راكبا على جمل.
ثم ولى مؤنس الخادم بعض ديار ربيعة وصيفا البكتمريَّ واستمر بها إلى أن مات العباس بن عمرو - متولي ديار ربيعة - سنة خمس وثلاثمائة. فولى على الجزيرة وصيفا البكتمري فعجز عن ضبطها، فعُزل عنها.
وولى جني الصفواني، وبقي بها إلى أن عُزل عن ديار ربيعة في سبع وثلاثمائة.
وقلدها إبراهيم بن حمدان. وبقيت ديار مضر في يده.. ثم عزل إبراهيم في سنة ثمان.
وولي أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان ديار ربيعة والموصل والجبال وطريق مكة، ولم تزل في يده إلى أن قتله المقتدر سنة سبع عشرة وكان نائبه على ديار ربيعة والموصل ولده ناصر الدولة الحسن فأقره المقتدر عليها. ثم ولاه استقلالا ديار ربيعة وصرفه عن الموصل سنة ثمان عشرة، ومازالت ديار ربيعة في يد بني حمدان بعدُ. وسنذكر أخبارهم فيما نأتي به من أخبار البلاد على تفاصيلها.
وأما ديار مضر فإن آخر ما اتصل بعلمي من أخبار جني الصفواني فيما نقلته من تاريخ ابن الأثير قال: في سنة اثنتي عشرة ورد جني الصفواني بغداد من يدار مضر، وما أعلم هل عاد إليها أم لا!!.
وقرأت في كتاب عنوان السِّير لأبي " الحسن " محمد " بن " عبد الملك الهمذاني في ترجمة بني حمدان: وملك سيف الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان ديار مضر عند انصراف بدر الخرشني في سنة خمس وعشرين.
ونقلت من تاريخ ابن الأثير في حوادث سنة سبع وعشرين وثلاثمائة: استولى أبو بكر بن رائقٍ على الرَّاضي في سنة ثمان وعشرين. وسار إلى الجزيرة فولى فيها من قِبله طريفا " السبكي "، وأضاف إليه قنسرين، والعواصمز ثم خرج أبو بكر من الجزيرة وعبر الفرات إلى الشام. فوقعت بينه وبين الإخشيد حروب نكص فيها ابن رائق على عقبه إلى العراق فقتله ناصر الدولة بن حمدان في رجب سنة ثلاثين.
стр. 119
وقلد الراضي ما كان بيد ابن رائق من البلاد لناصر الدولة ولقبه أمير الأمراء وضُربت السكة باسمه، فقلد يأنس المؤنسي الجزيرة وقنسرين فلما صار إلى قنسرين انحاز إلى الإخشيد. وبقيت الجزيرة في " يد " ناصر الدولة إلى أن قصد معز الدولة بن بويه الموصل فملكها في رمضان سنة سبع وثلاثين. وأراد أن يملك بقية البلاد، فورد عليه الخبر من أخيه ركن الدولة أن عساكر خراسان قد قصدت جُرجان والرَّيَّ، فاضطر إلى مصالحة ناصر الدولة وترددت الرسل بينهما إلى أن استقرت القاعدة على أن يؤدي ناصر الدولة عن الموصل والجزيرة مائتي ألف ألف درهم في كل سنة، ويخطب في بلاده لمعز الدولة وعماد الدولة ثم رحل إلى بغداد.
ثم لوى ناصر الدولة بما ضمن لمعز الدولة فقصده في سنة سبع وأربعين، واستولى على الموصل، فهرب ناصرُ الدولة بين يديه إلى نصيبين، فتبعه إليها، فخرج منها إلى ميافارقين.
ثم قصد حلب إلى أخيه سيف الدولة، فكتب سيف الدولة إلى معز الدولة يسأله القيام على الصلح، ويضمن له الوفاء بالمال، وحمل له مالا، وذلك في المحرم سنة ثمان وأربعين فنزل ناصر الدولة لأخيه سيف الدولة عن ديار مضر.
ولم تزل ديار ربيعة في يد ناصر الدولة إلى أن قبض عليه ولده أبو تغلب وحبسه في قلعة كواشى من أعمال الموصل فمات فيها بعد شهر، وذلك في سنة ستٍ وخمسين وثلاثمائة. وكان قد ساءت أخلاقه، وضيق على أولاده، وأصحابه، وخالفهم في أغراضهم.
وقام أبو تغلب لمعز الدولة بما كان على أبيه من الضمان.
ولم تزل ديار مضر في يد سيف الدولة إلى أن وثب أهل حرَان فيها، وكان نائب سيف الدولة عليها هبة الله ابن أخيه ناصر الدولة عنده بحلب فسار إليهم هبة الله، فأغلقوا دونه أوابها، فحاصرهم شهرين، فلما عجز كتب إلى سيف الدولة، فسار إليه، وراسلهم، وضمن لهم ما اقترحوه، فسلموا له البلد، فولى فيها من قِبله، وعاد عنها إلى حلب، فلحقه في الطريق عشية أرجف الناسُ بموته، فسار هبة الله بن ناصر الدولة إلى حرَّان ووثب فيها، وحلّف أهلها فيها. فلما علِم سيف الدولة سيّر غلامه نجا فأغلق هبة الله وأهل حران أبوابها دونه، فضايقها نجا حتى سُلِّمت إليه. وخرج منها هبة الله إلى أرزن، فدخلها، وصادر أهلها بألف ألف درهم أدوها في خمسة أيام، فأفقرهم، ثم خرج عنها، وتركها شاغرة بغير والٍ، فتسلط العياّرون عليها وذلك في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
ثم ولى فيها سيف الدولة، واستمرت في أيدي نوابه إلى أن توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
وتولى ولده سعد الدولة أبو المعالي شريف. ودامت في أيدي نوابه إلى أن قصدها أبو تغلب فضل الله بن ناصر الدولة في سنة تسع وخمسين فأغلق أهلها أبوابها، فحاصرها، وضايقها حتى أخذها واستعمل عليها سلامة البرقعيدي، فإن أهلها طلبوه منه، وكان إليه عمل الرقة.
واجتمع لأبي تغلب ديار مضر وديار ربيعة.
فلما كانت سنة ثمان وستين وثلاثمائة، بعث سعد الدولة جيشا إلى حران فوقعت بينه وبين سلامة البرقعيدي حروب كثيرة. وكان سعد الدولة كتب إلى عضد الدولة وعرض نفسه على خدمته، فأنفذ عضد الدولة جيشا صُحبة [النقيب] الطاهر أبي أحمد - والد الشريف ارضي -، إلى البلاد، فتسلمها بعد حروب كثيرة جرت بينهما، وأخذ النقيب الرقة لعضد الدولة، وأطلق ما فيها لسعد الدولة.
وفي هذه السنة انقرضت دولة بني حمدان، واستولى عضد الدولة على ملكهم، وخرج أبو تغلب من بلاد الجزيرة إلى الشام فقُتل لعى الرملة بفلسطين في حرب كانت بينه وبين دغفل بن المفرج بن الجراح.
ثم لم تزل بلاد الجزيرة في يد سعد الدولة بن سيف الدولة إلى أن توفي في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
وولي بعده أبو الفضائل سعيد الدولة واستولى على ما كان بيد أبيه من البلاد. وبموته انقرضت دولة بني حمدان وتفرقت بلاد الجزيرة، وصار كل بلد في يد ملك مستبد به. نحن نأتي على ذكرها بلدا بلدا، ونعيد الجملة إلى التفصيل، ونأتي بالتفريع تبييناً لما مضى من التفاصيل، ونقرها على ما رسمت أوضاعها، ورتبت أصقاعها.
ذكر ديار مضر
وقصبتها حرّان
стр. 120
كانت قبل أن تخربها التتر في مستوٍ من الأرض إلى الطول ماهي، مبنية بالحجر والكلس، متسعة الشوارع، ولها سور منيع، وربضٌ عليه سورٌ أيضا متصل بسور المدينة، وقلعة كانت تسمى قديما المدور وهي أحد هياكل الصابئة التي كانت بحرّان بناءها الملك العادل سيف الدين، أبو بكر، محمد ابن أيوب.
وللمدينة سبعة أبواب: باب الرقة وهو مسدود -.
والباب الكبير.
وباب البيار.
وباب يزيد.
وباب الفدان.
والباب الصغير.
وباب السر.
وباب الماء - وكان مسدودا - ويقال: إن في برج " هذا الباب " حيتين من نحاس هما طلمسان للحيات ولربضها " أيضا أبواب ": وهي بين نهرين يسمى أحدهما: نهر ديصان، والآخر: نهر جلاب. ولها من هذا النهر مجار إلى مصانع متخذة فيها كثيرة. وخروج هذا النهر من قرية تدعى الدب وهو يسقي حران ويدخل إلى بعض آدر البلد، وإلى الجامع، وإلى مصانع السبيل على قناطر معقودة.
وهذه الآبار مالحة يطلق عليها الماء في شهر كانون الثاني، فيبقى الحلو فوق المالح لا يختلط به، ويستعمله الناس إلى أن ينفد.
وبها أربع مدارس كلها حنبلية: ١ - مدرسة أنشأها نور الدين محمود.
٢ - ومدرسة أنشأها شمس الدين شقير.
٣ - ومدرسة أنشأتها الحاجة ست النعم، نسيبة شرف الدين بن العطار.
٤ - ومدرسة أنشأها شمس الدين، أبو محمد بن سلامة بن العطار.
وبها خانقاه أنشأها نور الدين محمود.
وبها خانقاه أنشأها جمال الدين شاذنخت " موقوفة " على الفقراء عامة من العرب والعجم.
وبيمارستان أنشأه مظفر الدين صاحب إربل، وكان دارا له يسكنها فوقفها.
وبها من المزارات: ١ - مسجد إبراهيم الخليل ﵇.
٢ - ومسجد به صخرة يقال إن إبراهيم ﵇ كان يستند إليها.
وجدد جامعها نور الدين " محمود بن زنكي " وزاد فيه، وكان هيكلاً للصابئة عظيما، أخذه منهم عياض ابن غنم لما فتح حران وعوضهم عنه موضعا آخر عمروه بحران وكان بأيديهم إلى أن خربه يحيى بن الشاطر - متولي حران - من قبل شرف الدولة " مسلم بن قريش ".
طالعها الجوزاء وعطارد. طولها سبع وسبعون درجة. عرضها ست وثلاثون درجة وأربعون دقيقة.
ذكر بنائص
وإلى من تنسب
يقال: إنها بنيت بعد الطوفان بمائتين وخمس وسبعين سنة. بناها هارون، ويقال: آران باسم ملكها. فعربتها العرب فقالوا: حران، وذلك أن الهاء والحاء " من حروف الحلق، فأبدلوا من الحاء " هاء، ثم أسقطوا الألف تخفيفا.
هذا القول حكاه " أبو " منصور، موهوب بن " أحمد بن محمد بن " الخضر الجواليقي في كتاب: المعرب.
وقال محمد بن جرير الطبري في تاريخه: إن سارة ابنة هاران الأكبر - عم إبراهيم الخليل - ملك حران، ويقال: إن نوحا خطها عند انقضاء الطوفان وخط سورها بنفسه، ثم دمشق بعدها.
وقيل: إن إبراهيم ﵇ قال: أخبرني ربي أن حران أول مدينة وضعت على وجع الأرض، وهي العجوز ثم بابل، " ثم مدينة " نينوى، ثم دمشق ثم صنعاء اليمن، ثم إنطاكية، ثم رومية.
ويقال: إن إبراهيم كان له أخوان أكبر منه، يقال لأحدهما: آران، وبه سميت حران.
وذكر صاحب كتاب ابتداء عمران البلدان في كتابه فقال: حران، بنيت لمئتين وخمس وسبعين سنة بعد الطوفان بناها قينان بن أرفخشذ بن سام بن نوح وسماها: آران.
ودخلها من الأنبياء - فيما زعم أهل التواريخ القديمة - نوح، وإبراهيم، ويعقوب، وعيسى.
ذكر ملوكها
قد ذكرنا من ملكها مع سائر بلاد الجزيرة بعد فتحها إلى أن انتهينا إلى آخر دولة بني حمدان مجملة؛ إذ لم يمكن تفصيل بلادها حينئذ، ثم ملكها بعدهم وثاب ابن سابق النميري وكان نائبا عن سعيد الدولة قبل موته. فلما مات استبد بها، ولم يزل متوليا عليها إلى أن مات سنة عشر وأربعمائة.
стр. 121
فملكها بعده ولده شبيب واستمر بها إلى أن توفي سنة إحدى وثلاثين، فملك حران بعده أخواه: مطاعن وقوام واستمر بها إلى أن أخرجها عنهما شرف الدولة مسلم بن قريش بخلف جرى فيها، وكان واليها من قبلهما: يحيى ابن الشاطر - أحد عبيد بني وثاب - واستولى على الجزيرة والموصل واستمرت حران في يده إلى أن عصي عليه أهلها في سنة ست وسبعين، وهو نازل على دمشق " وأطاعوا قاضيهم ابن جلبة، وأرادوا هم وابن عطر النميري تسليم البلد إلى جبق أمير التركمان " فلما بلغ ذلك شرف الدولة، رحل عن دمشق، وسار إلى حران فحاصرها، ورماها بالمنجنيق، حتى خرب من سورها بدنة، وفتح البلد في جمادى الأولى. وأخذ القاضي وابنين له فصلبهم على السور وصلب معهم مائة نفس، وقطع على البلد مائة ألف دينار. وكانت مدة عصيانهم نيفا وتسعين يوما.
ولم تزل حران في يده إلى أن قتل لست بقين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربع مائة.
وولي بعده أخوه مؤيد الدولة إبراهيم وكان معتقلاً بقلعة سنجار، فأطلقه خادم كان لشرف الدولة يسمى: لؤلؤ. ما كان في يده من البلاد. ولم تزل في يده إلى أن وصل السلطان ملكشاه إلى الجزيرة قاصدا حلب في سنة تسع وسبعين وأربعمائة. نزل على حران فسلمها له ابن الشاطر - نائب إبراهيم بن قريش عليها - مع غيرها من البلاد، فأقطعها لمحمد بن شرف الدولة وسروج والرحبة وأقطع بزان الرها. وأقطع سالم بن مالك الرقة وقلعة جعبر. وأقطع إبراهيم بن قريش الموصل ونصيبين وسنجار.
وفي سنة اثنتين وثمانين تسلم بن جهير بأمر السلطان ما كان في يد إبراهيم بن قريش ويد ابن أخيه محمد وقبض عليهما وسيرهما إلى أصفهان فحبسهما فيها.
واستمرت البلاد في يد نواب السلطان، الملك المعظم، ملك شاه إلى أن مات في السادس عشر من شوال سنة خمس وثمانين.
وملك ابنه محمود فأطلق إبراهيم بن قريش وابن أخيه. فوصل إبراهيم إلى بلاده، وطرد ابن أخيه عن المملكة، واستولى على بلاده.
ولما ملك تاج الدولة الشام خرج من دمشق وسار إلى حران فتسلمها، وتسلم جميع ما كان في يد إبراهيم ابن قريش وذلك في سنة ست وثمانين وكسره كسرة عظيمة، وأسره وعمه مقبل. وقتلهما صبرا في ثاني عشر شهر ربيع الأول.
وأقطع حران عماد الدولة بزان وسار إلى البلاد: أرمينية وديار بكر فولى فيها حتى وصل إلى أذربيجان ففسخ عنه قسم الدولة آق سنقر وعماد الدولة بزان. وسار إلى بركياروق، وكان بالري فرجع منكفئا حتى قطع الفرات وصار إلى دمشق.
ولما وصل بزان وقسيم الدولة إلى بركياروق وطلباه أن يسير معهما إلى بلادهما حلب وحران والرها وضمنا له أن يكونا بينه وبين تاج الدولة، فسار معهما إلى الرحبة، وخالف بينهما وبين علي بن شرف الدولة وسار كل منهما إلى بلاده.
وعاد بركياروق إلى بغداد فخرج تاج الدولة من دمشق يريد حلب، فخرج إليه آق سنقر وبزان وكربغا وكان مقدم عسكر أنجد به بركياروق قسيم الدولة بعسكر فالتقوا به، فانكسروا. وأسر آق سنقر فقتل صبرا. وهرب بزان وكربغا إلى حلب، فقصدها وتسلمها.
وقبض على بزان فقتله صبرا، وحبس كربغا بقلعة حلب.
ثم سار حتى قطع الفرات، فتسلم حران والرها واستخلف على حران فراجا مملوكة، وتأتمر بها إلى أن قتل تاج الدولة في مصاف كان بينه وبين بركياروق على الري.
وتولى ولده رضوان حلبه، وولده دقاق دمشق فعصي قراجا علي رضوان. ولم تزل في يده إلى أن أفرج رضوان عن كربغا بأمر السلطان ركن الدين بركياروق في سنة تسع وثمانين فقصد حران وملكها، وأقر قراجا فيها، وسار إلى الموصل، فلما كانت سنة ست وتسعين خرج قراجا للقاء الفرنج، واستخلف على حران محمد الأصفهاني فعصي بها على قراجا باتفاق من أهلها، وقبض على غلمان قراجا خلا مملوك يعرف بجاولي فجعله مقدم جنده، وأنس به، فجلس معه يوما للشرب، وقد اتفق مع خادم على قتله، فقتلاه، وهو سكران. فبلغ الفرنج ذلك، فسارواحتى نزلوا على حمران.
واتفق معين الدين سقمان بن أرتق، وشمس الدولة جكرمش وكان بينهما خُلفٌ على دفع الفرنج عن حران، فسارا إليها، والتقيا بالفرنج على البليخ، فكسرا عسكرهم، واستولى جكرمش على حران، وذلك في سنة سبع وتسعين.
стр. 122
فلما كانت سنة ثمان وتسعين سار قليج أرسلان بن قطلمش السلجوقي في عسكره، وقصد الرُها فكتب إليه نواب جكرمش بحران يستدعونه ليتسلم حران فوصل إليها وتسلمها، ثم عاد عنها، ولم تزل في يده إلى أن قُتل بعد أخذه للموصل في ذي القعدة سنة خمس مائة.
وولى ولده، فطمع الفرنج فيها، وساروا إليها وحاصروها فقصدها سكمان القطبي، صاحب أرمينية بجمع من التركمان فرحل الفرنج عنها، وسلمها لشرف الدين ممدود، صاحب الموصل، فأقطعها نجم الدين يلغازي بن أرتق. وذلك في سنة اثنتين وخمسمائة.
ولم تزل في أيدي نوابه إلى أن وصل السلطان محمد إلى بغداد فبلغه موت مودود فسيّر سنقر البرسقي إلى الموصل وتسلم جميع الأعمال التي كانت في يد ممدود بعد امتناعٍ من كافة من كان بها، وتوجه إلى حران، فخافه ممدود نائب إيلغازي المقيم بحران، وراسل الفرن الذين بالرُّها في وصولهم إليه، ليقصده بهم، فأحس رئيس حران جعفر بن أبي الفهم، وأهلها بالحال، فراسلوا البرسقي، يستحثونه في الوصول إليهم، فوصل إليها ملكها، ثم خرج منها، وضيق على أعمال إيلغازي، وذلك في سنة ثمان وخمس مائة.
ولم تزل في يد آق سنقر البرسقي إلى أن قصدها نجم الدين إيلغازي في سنة اثنتي عشرة. وقد كان نزل عليها عسكر أوبنا التركماني، فطرده عنها، وتسلمها، وقبض على رئيس البلد جعفر بن أبي الفهم وقطع عليه مالا وحمله إلى ماردين، ولم تزل نوابه بحران إلى أن توفي في سنة ست عشرة.
فقصد بُلُك بن بهرام بن أرنق حران فملكها في ربيع الأول من السنة، ولم تزل في يده إلى أن قتل في سنة ثمان عشرة على منبج فملكها تمرتاش، فسار إليها آق سنقر البرسقي فملكها مرة ثانية، ولم تزل في يده إلى أن قُتل في سنة عشرين وخمس مائة.
وتولى ولده عز الدين مسعود، ولم تزل حران في يد نواب مسعود إلى أن توفي في سنة إحدى وعشرين.
فولى السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه عماد الدين زنكي الموصل وحران وحلب.
فأقطع حران سوتكين الكرجي فعصي فيها، فاستعادها منه، ولم تزل نواب عماد الدين بها إلى أن قُتل على قلعة جعبر سنة إحدى وأربعين.
فاستولى ولده سيف الدين غازي على ما كان في يده من بلاد الجزيرة ووليّ في حرَّان، ولم تزل في يد نوابه إلى أن توفي بالموصل في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين.
وملك بعده أخوه قطب الدين ممدود ما كان في يده من البلاد، وولى في حران.
ثم اتفق " أن " أخاه نور الدين، صاحب حلب، لما مات سيف الدين سار إلى سنجار، فملكها، وجرت بينه وبين أخيه أمور أدت إلى الصلح، على أن يعيد سنجار إليه، ويعوضه عنها الرّحبة والرَّقة والرُّها.
ثم بعد انفصال هذا الصلح طلب منه حران، فنزل له عنها، فولى فيها من قِبله عبد الملك المقدَّم، فلم تزل في يده إلى أن وصل من الموصل زين الدين علي كوجك إلى حلب فأقبل عليه نور الدين وأعطاه ما يساوي مائتي ألف دينار، وأقطعه حران، وذلك يف سنة سبع وأربعين، ولم تزل في يد نائبه إلى أن استعادها نور الدين وأقطعها لأخيه نصير الدين أميران في سنة اثنتين وخمسين.
ولم تزل في يده إلى أن تغير عليه نور الدين، فسيّر عسكره إليه وحاصره، وضايقه إلى أن تسلمها في سنة أربع وخمسين.
ثم أقطعها زين الدين علي كوجك، فاستناب فيها خادما له يسمى قايماز، ولم تزل في يده إلى أن تسلمها منه قطب الدين ممدود، صاحب الموصل، واستمرت في يد نوابه إلى أن توفي سنة خمس وستين وخمس مائة.
ووليِّ ولده الصغير سيف الدين غازي بعهدٍ منه، وعدل عن ولده الأكبر عماد الدين زنكي، فسار نور الدين في سنة ست وستين إلى سنجار، فأخذها من أخيه أميران وسلمها لعماد الدين زنكي، وسار إلى الموصل، فتسلمها، ثم أنعم بها على ولد أخيه سيف الدين غازي، وأخذ منه حران وغيرها - فيما يأتي ذكره - فأقطعها، وقيل: استناب بها غلاما له يسمى قايماز الحراني، ولم تزل بيده إلى أن توفي نور الدين في شوال سنة تسع وستين. فسار سيف الدين غازي وقصد حران وحاصرها أياما، فامتنع قايماز من تسليمها فقاتله قتالا شديدا، فأطاعه على أن يكون له حران نائبا فيها، فأجابه، فلما نزل إليه قتله، وملك بلاد الجزيرة خلا الرقة ورأس العين وسنذكر تفصيل ذلك.
ولم تزل حران في يد نواب سيف الدين إلى أن توفي في سنة ست وسبعين وخمس مائة.
стр. 123
وتولى عز الدين مسعود - أخوه - فأقطع مظفر الدين كُكُبري حران، ولم تزل في يده إلى أن أنضم إلى صلاح الدين، وخرج عن طاعة عز الدين مسعود، ولم تزل حران في يده إلى أن توفي أخوه زين الدين يوسف بن علي كوجك في سنة ست وثمانين، وكان بيده إربل وأعمالها، فصيّر صلاح الدين ما كان بيد أخيه من البلاد، وتوجه إليها، وتسلمها.
وأقطع حران لولد أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، مضافا إلى ما كان بيده من البلاد في سنة سبع وثمانين.
ثم توفي في ذهه السنة بخرت برت.
فتسلمها الملك العادل واستخلف فيها ابنه الملك الكامل، ولم تزل بيده إلى أن ملك مصر واستدعي الملك الكامل إليها، وأقطع الملك الأشرف حران في سنة تسع وتسعين وخمس مائة، فولى فيها الحاجب عليّاً.
وبقيت في يد الأشرف إلى أن قايض أخاه الملك الكامل عن دمشق بحرَّان، والرُّها، وسروج في شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة.
فولى الملك الكامل، في حران الأمير شمس الدين صواب العادلي وما زال متوليا الجزيرة بمفرده إلى أن قصد الملك العادل، آمد وفتحها في سنة تسع وعشرين، واستناب ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب في الجزيرة، وكان مُدِّبرُ دولته شمس الدين صواب.
واستقل الملك الصالح بالملك، ولم تزل في يد الملك " الصالح " إلى أن قصد علاء الدين صاحب لاروم، فلم يمكنه الدخول من الدربند، فعاد قصد الدخول من خرت برت فخرج علاء الدين، وكسره، وطرده عن تلك البلاد، واستولى على حران وغيرها، مما يأتي مفصلا، وذلك في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين. " ولم تزل في يده إلى أن قصدها الملك الكامل في سنة ثلاث وثلاثين " فنازلها حتى ملكها في رابع عشر شهر ربيع الآخر، وبقيت في يده إلى أن مات في حايد عشر شهر رجب سنة خمس وثلاثين.
واستولى عليها الملك الصالح - ولده - على ما كان في يد أبيه من بلاد الجزيرة، واستمرت في يده إلى أن استدعى الخوارزمية، واستنجدهم، فأقطع مدينة حران بركت خان الخوارزمي وبقيت القلعة في يد نوابه.
وقصد سنجار فنزل عليه فيها بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل، فبذل قلعة حران للخوارزمية حتى رحّلوه عنها.
ثم تغلبوا على بلد الجزيرة فقصدهم عسكر الملك الناصر، صاحب حلب، فالتقى بهم في العشرين من شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة، فطردوهم عن حران في بقية الشهر.
وولي فيها من قبل الملك الناصر الأمير حسام الدين ألطاش ابن تركمان إلى " أن " عزله في سنة أربعين وستمائة.
وولى فيها الملك الأعز ابن الملك الأعز يعقوب ابن الملك الناصر صلاح الدين ولم يزل بها متوليا عليها إلى سنة اثنتين وأربعين.
ثم عزله وولاها الأمير سيف الدين أبا بكر بن عمر الرادكي، واستمر في نيابتها، ولم تزل في يده إلى أن توفي في سنة سبع وخمسين بحلب.
وكان نائبه بالمدينة ناصر الدين نصر الله بن سيّار ونائبه بالقلعة ناصر الدين محمد بن حسام الدين أبي بكر المعروف بصاحب عين تاب. فلم تزل تحت نظرهما إلى أن قصدها هولاكو في أوائل سنة ثمان وخمسين، فنازلها وضايقها، وأشرف على أخذها، فنزل إليه الشيخ يوسف بن حماد الحراني ومعه عليُّ الصوراني، فاجتمعا بهولاكو، وبذلوا له الطاعة، فكتب لهم بذلك يغلِغ وتسلم البلد.
ووليّ علي الصوراني رئاسة حران، ودخلها التتر ولم يؤذوا بها أحدا من أهلها، واستمر الحصار على القلعة إلى أن سقط منها برج، فخاف من فيها أنها متى أخذت عنوة قُتِلوا.
فبعثوا إلى هولاكو الشيخ أبا القاسم ابن الشيخ أبي بكر ابن الشيخ حياة الحراني، والنقليس محاسن ابن البقال - والي البر - فاجتمعا بهولاكو وطلبا منه الأمان لمن في القلعة، فأمنهم على حريمهم وأموالهم، وتسلم القلعة وأخربها، وأخرب شراريف سور البلد. ونزل إليه ناصر الدين محمد العين تابي وقال له: أخذْتَ ثأرنا، فإن عين تاب كانت لنا، وأخذها منا المسلمون، وحلق رأسه، ولبس سراقوجا، وارتدَّ.
وبقيت حران في أيدي نواب التتر إلى أن كُسر كَتْبُغا على عين جالوت في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة.
ثم قُتل الملك المظفر في بقية السنة، وملك مولانا السلطان الملك المظفر، ركن الدين يببرس البلاد التي كانت التتر استولوا عليها.
فخرج شمس الدين آقوش البرلي، فصار إلى حلب، خائفا من مولانا السلطان الملك الظاهر وولى في حران.
стр. 124
فلما قصده عسكر مولانا السلطان خرج من حلب إلى حران في شعبان سنة تسع وخمسين، وبقيت في يده إلى أن كُسر على سنجار في رابع جمادى الآخرة سنة ستين وستمائة.
فعادت نواب التتر إلى حران، واستمرت نوابهم بها بعدُ على أسوأ حال من العرب الذين في طاعة مولانا السلطان بتلك البلاد، وانتقل أكثر من رعيتها إلى ماردين والموصل.
فلما كانت سنة سبعين، سير مولانا السلطان من حلب الأمير علاء الدين طيبرس، وجامعة من العرب مُقدَّمهم عيسى بن مُهنا إلى قاطع الفرات، وكان بحران جماعة من نواب التتر، فلما رأوا العسكر ألقوا سلاحهم، فقُبضوا عن آخرهم، وأسروا، وكانوا فوق الثمانين نفسا، وبعد القبض عليهم سأل من كان بحران طيبرس أن يُليِّ عليهم من قبله، فلم يُجبهم، وأخذ بعضهم وعاد.
ولما تحقق التتر عجزهم عن حفظها، وحفظ من فيها، نقلوا جميع من فيها إلى ماردين وغيرها، وأخربوا جامعها، وسدوا أبوابها، وتركوها خاوية على عروشها، فكأنها التي عناها الشاعر بقوله:
أَضْحَت خَلاءً، وأَضْحى أَهْلُها احْتَملوُا ... أَخْنىً عَليْها الذّضيِ أخنى على لُبدِ
كان من الحمامات بها: ١ - حمّامُ بُلاط.
٢ - حمامُ الكنيسة.
٣ - حمامُ الشيخ.
٤ - حمامُ السّباعِ.
٥ - حمامُ عليِّ.
٦ - حمامُ الوليّات.
٧ - حمام الرئيس.
٨ - حمام باب فدان.
٩ - حمام الزَّكيِّ.
١٠ - حمام الوليِّ.
" وفي الخارج " منها أربعة: ١ - حمامان على الباب الكبير.
٢ - وحمامان على باب يزيد، إنشاء الحاجب علي.
ارتفاعها لمّا ملكها السلطان الملك الناصر صلاح الدين
يوسف صاحب حلب في سنة ثمان وثلاثين وستمائة بعثني إليها في سنة أربعين لأكشفها، فكان ارتفاعها - أعني قصبتها في ذلك التاريخ - ألفي ألف درهم.
وبلغني أنه كان في زمن الملك الأشرف ثلاثة آلاف ألف درهم.
ولما قصدها التتر مرة بعد مرة تقهقر إلى ما يذكر مُفصلاً: - الإسقاء: مائة وسبعون ألف درهم.
- الضواحي: مائة وخمسون ألف درهم.
- الباب الكبير: مائة وثلاثون ألف درهم.
- دار الوكالة: مائة وخمسة وعشرون ألف درهم.
- الجهات المجموعة: مائة ألف درهم.
- الأقطان: ثلاثون ألف درهم.
- الصبغ: ثلاثون ألف درهم.
- العرصة: أربعون ألف درهم.
- الجوالي: خمسة عشر ألف درهم.
- فائض الأوقاف: مائة ألف درهم.
- العداد: خمسون ألف درهم.
- الحمامات: عشرة آلاف درهم.
- الأوثار: ثمانية آلاف درهم.
- السجون: خمسة آلاف درهم.
- الجنايات: أربعون ألف درهم.
- الخفارتين: مائة ألف وستون ألف درهم.
- المواريث: مائة وستون ألف درهم.
- المفادنة: مائة ألف درهم.
وكان في عملها من القرى ثمانمائة قرية، منها عامر خمسمائة قرية. يصرف من مغلها في ألف فارس، والباقي حملا لبيت المال.
جملين والموزر
قلعتان لهما عملان متسعان بين بلاد ديار مضر وبلاد ديار بكر، على يوم من حران. مازالتا في أيدي من تملك ديار مضر إلى أن استولى عليهما الفرنج عند ملكهم للرها وبقيتا في أيديهم إلى أن فتحهما الأرتقية أصحاب ديار بكر.
وبقيتا في أيديهم إلى أن أخذ عماد الدين زنكي بن آق سنقر منهم المورز في سنة خمسة وثلاثين، وحملين في سنة ثمان وثلاثين. ثم استرجعوهما بعد موته، وصارتا في أيديهم إلى أن أخيهما الملك الأشرف وانضافتا إلى حران. وصار حكمهما في الأخذ والترك لهما حكم حران إلى أن استولت عليهما التتر فيما استولوا عليه من البلاد، ثم نزلوا عنهما لصاحب ماردين وهما في يده إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.
ذكر الرقة
عن هشام ابن الكلبي قال: إنما سميت الرقة لأنها على شاطئ الفرات. وكل أرض تكون على الشط ملساء مستوية فهي رقة.
وقال صاحب كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق: الرقة مدينة على شرقي الفرات، ويقال لها: الرقة البيضاء استولى عليها الخراب.
وقال ابن حوقل في كتاب المسالك والممالك: الرقة والرافقة مدينتان كالمتلاصقتين وكل واحدة منهما بائنة عن الأخرى بأذرع كثيرة. وفي كل واحدة منها مسجد جامع. وهما على شرقي الفرات من الشام وكان لهما عمارة وأعمال، وأشجار ومياه، ورساتيق وكور، فقل حظهما لما ملك بنو حمدان.
стр. 125
فقلت: والرقة مدينة قديمة، والرافقة مدينة محدثة بناها المنصور في سنة خمس وخمسين ومائة، على يد ولده المهدي على هيئة الطيلسان.
وقرأت في تاريخ الطبري: " وفي سنة أربع وخمسين ومائة سار المنصور إلى الشام فنزل الرقة فاستحسن مكانها، فأمر ببناء مدينة في بقعتها، فمنعه أهل الرقة فهم بمحاربتهم ثم كف.
ولما عاد من الشام سنة ثمانين خرج الرشيد من بغداد وسار إلى الرقة فاتخذها موطنا، وبنى سورها، واسمه مكتوب على باب السبال من الجانب الشرقي، مثاله: " امر بعمارته أمير المؤمنين هارون الرشيد - أطال الله بقاءه - بتولي الفضل ابن الربيع - مولاه - ".
طالعها القوس والمشتري.
طولها ثلاث وسبعون درجة وخمس عشرة دقيقة. وعرضها ست وثلاثون درجة، وثمان دقائق.
بها مدرستان: ١ - شافعية.
٢ - وحنفية.
وبيمارستان.
وخانقاه من بناء نور الدين.
وبنى بها عماد الدين الأصفهاني، وزير قطب الدين صاحب الموصل خانقاه.
ولما ملكها الملك الأشرف غرس بها بساتين كثيرة وجلب إليها الغروس من كل بلد، حتى النخل والموز، وبنى بها الجواسق والحمامات.
وبها من المزارات مشهد علي بن أبي طالب ﵇.
وبها مشهد الجنائز.
وبها قبر يحيى بن عبد الله بن الحسن " بن الحسن " بن علي بن أبي طالب ﵇.
وبها جماعة ممن قتل بصفين، من أصحاب علي بن أبي طالب ﵇ معروفة قبورهم.
ولم تزل الرقة في يد من يتولى الجزيرة منذ فتحت إلى أن صارت ديار مضر في " يد " سيف الدولة فطلب منه أخوه الرقة ناصر الدولة، أبو محمد، الحسن بن أبي الهيجاء، عبد الله بن حمدان فأعطاه إياها. وبقيت في يده إلى أن أقطعها ولده حمدان مع الرحبة.
ولم تزل في يده إلى سنة ثمان وخمسين.
فوقع بينه وبين أخيه أبي تغلب، فنزل عليه في الرقة وحاصره، وضيق عليه إلى أن صالحه على أن يقتصر على الرحبة وسلم إليه الرقة. ومازالت في يده إلى أن وقعت بينه وبين سعد الدولة وحشة ومنافرة ألجأت سعد الدولة إلى أن كاتب عضد الدولة وعرض نفسه عليه، فأنفذ عضد الدولة النقيب أبا أحمد - والد الرضي والمرتضى - إلى ديار مضر فتسلمها من سلامة البرقعيدي - نائب أبي تغلب فضل الله بن ناصر الدولة بن حمدان بعد حروب شديدة. فأخذ الرقة عضد الدولة، وسلم باقي البلاد لسعد الدولة.
ولم تزل الرقة في يد عضد الدولة إلى أن خرج بكجور - غلام سعد الدولة - هاربا من دمشق إليها في شهر رجب سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، وأقام الدعوة فيها للمصريين، واستمر بها إلى أن خرج له سعد الدولة من حلب فالتقى به على الناعورة في سلخ المحرم سنة إحدى وثمانين فقتله، وسار إلى الرقة، وفيها حرمه وأمواله وأولاده، فتلقاه أهل الرقة برجالهم ونسائهم وأولادهم.
ودخلوا عليه حريم بكجور وسألوه أن يهبهم نفوسهم وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك واصطنعهم، وحلف لهم. فمدحه أبو الحسن محمد بن عيسى النامي بقصيدة أولها:
غَرائزُ الجُودِ طَبْعٌ غيرُ مَقْصُودِ ... وَلَسْتَ عَنْ كَرَمٍ يُرْجى بمَصْدُودِ
فلما خرج أولاد بكجور بأموالهم استكثر سعد الدولة فقال له وزيره أبو الهيثم: أنت حلفت لهم على مال بكجور ومن أين لبكجور مالٌ؟! المال لك.
فنكث وغدر، وقبض على المال، وكان مقداره ثمان مائة ألف دينار، وصادر نواب بكجور واستأصل أموالهم وعاد إلى حلب فأصابه الفالج في طريقه، فاستُدعي الطبيب فطلب يده ليجس نبضه، فناوله اليسرى، فقال: يمينك أيها الأمير فقال: ما أبقت لي اليمين يمينٌ، ومات بعد أيام، فحُمل تابوته إلى الرقة، فدُفن بها.
وصارت الرقة إلى ولده سعيد الدولة فيما صار إليه من بلاد أبيه. واستمرت في يده إلى أن توفي في صفر سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة.
وولي بعده ابناه: أبو الحسن علي، وأبو المعالي شريف وقام بتدميرهما غلام أبيهما لؤلؤ، ثم استبد بالملك، وقبض عليهما وسيرهما إلى مصر " فتغلب على " الرقة واليها من قبل سعد الدولة فخرج إليها واسترجعها، وولي فيها من قبله، وذلك في سنة ثمان وتسعين. وفي هذه السنة توفي وولي بعده ولده أبو نصر منصور.
فاستولى على الرقة وثاب بن سابق النميري لما ملك حران، ولم تزل في يده إلى أن توفي في سنة عشر وأربع مائة.
стр. 126
وملك بعده ولده شبيب، فلم تزل في يده إلى أن توفي في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، فاستولى أخواه مطاعن وقوام علي ما كان بيده من بلاد الجزيرة.
وكانت أخته السيدة عليوة امرأة نصر مقيمة بالرافقة، فتحيلت على غلام أخويها، الوالي بها، إلى أن أخرجته واستولت على البلد، وتزوجت بمعز الدولة أبي علوان ثمال بن صالح لتقيم هيبتها به. فحضر في الرقة ولم تزل في يده إلى أن سلمها لمنيع بن شبيب بن وثاب في سنة تسع وأربعين وأربع مائة.
واستمرت إلى أن قصدها عطية بن صالح فأخذها منه، وبقيت في يده إلى أن قصدها شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي فملكها في سنة ثلاث أو أربع وستين وأربع مائة. ثم زاده السلطان ملكشاه في سنة ثلاث وسبعين حلب وحران وغيرهما من البلاد، ولم يزل مالكا لما بيده من البلاد إلى أن قتل سنة ثمان وسبعين.
فملك بعده أخوه إبراهيم، ولم تزل في يده إلى أن قصد السلطان ملك شاه الشام وملك حلب وأقطعها مملوكه قسيم الدولة آق سنقر وتسلم قلعتها من شمس الدولة سالم بن مالك العقيلي وعوضه عنها قلعة جعبر والرقة، ولم تزل في يده إلى أن كبرت سنة ففوض أمره لولده نجم الدولة مالك واعتزل.
فولى نجم الدولة أخاه شهاب الدولة الرقة فوقع بينه وبين أهل الرقة وبني نمير منافرة فقاموا عليه وقتلوه. وملكوا الرقة منصور بن جوشن النميري، واتصلت الحرب بينه وبين نجم الدولة بالقلعة. وفي أثناء ذلك قصده جاولي سقاوه في سنة اثنتين وخمس مئة وحاصره في البلد، فاضطر إلى مصانعته حتى رحل عنه.
ثم استمرت الحرب بينه وبين نجم الدولة حتى باع الرقة من الملك رضوان صاحب حلب بقلعة نجم وضياع بحلب فصانع عنها نجم الدولة مالك إلى أن عادت إليه.
فولى فيها أخاه زعيم الدولة مسيب فأقام بها إلى أن اجتاز بها عماد الدين زنكي وهو متوجه إلى الشام، فخرج إليه مسلما عليه، فنزل بها عماد الدين فملكها، وأخرجه عنها، وذلك يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وخمسمائة. فأقطعها شهاب الدين أميرك الجاندار فدامت في يده إلى أن قتل عماد الدين على قلعة جعبر وملك ولده نور الدين حلب وملك أخوه سيف الدين غازي الموصل، فانضاف شهاب الدين إلى سيف الدين غازي وبقي في حاشيته إلى أن توفي في سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
وتولى أخوه قطب الدين ممدود فقصد نور الدين سنجار وملكها، فراسله قطب الدين واصطلحا على أن يأخذ نور الدين حران والرحبة وحمص، وأن يكون شهاب الدين أميرك في خدمته، واستمرت الرقة في يد شهاب الدين إلى أن مات بها سنة أربع وخمسين، فأقرها نور الدين في يد أكبر أولاده إسحاق. ثم استرجعها منه في بقية السنة، وولى فيها من قبله. ولم تزل كذلك إلى أن تسلم نورد الدين حمص من الشان صلاح الدين الأعرج وسلمها إلى أبن أخيه سيف الدين غازي وعوض الشان عنها بالرقة وذلك في سنة ستين وخمسمائة. ولم تزل في يده إلى ان استعادها منه سنة اثنتين وستين، وسلمها لأخيه قطب الدين - صاحب الموصل - على ان يقيم عسكرا للقاء الفرنج، ولم تزل بيده إلى أن توفي سنة خمس وستين وخمس مائة.
وولي ولده الأصغر بعهد من أبيه، فلما بلغ الخبر نور الدين سار إلى الرقة وبها والٍ من قبل قطب الدين يقال له كردك بن موسى الكردي فتحصن بها، فحاصره إلى أن فتحها عنوة في سلخ السنة، ونهب أهلها، وقتل منهم جماعة، وأعطى كردك سن ابن عطير واستمرت الرقة في أيدي نواب نور الدين إلى أن توفي سنة تسع وستين.
وولي بعده ولده الملك الصالح إسماعيل واستولى على ماكان في يد أبيه من البلاد، فسير سيف الدين غازي عسكرا استولى على الخابور والرقة وحران وسروج والرها وذلك في سنة سبعين وخمس مئة. ولم يكن للملك الصالح قدرة على دفعه، فصالحه على ذلك.
стр. 127
واستمرت الرقة في يد سيف الدين إلى أن خرج إليه ابن حسان فأقطعه إياها في سنة إحدى وسبعين، واستمرت في يده إلى أن انتزعها منه الملك الناصر صلاح الدين يوسف في سنة ثمان وسبعين. ولما تسلم حلب من عماد الدين زنكي في سادس عشر صفر سنة تسع وسبعين، عوضه عنها سنجار والخابور والرقة ونصيبين، فأقطع عماد الدين الرقة لعز الدين طمان، فإنه الذي توسط بينهما. ولم تزل بيده إلى أن توفي الملك الناصر صلاح الدين سنة تسع وثمانين فاتفق عز الدين مسعود - صاحب الموصل - وسيف الدين بكتمر - صاحب خلاط - وخطبا لكيفاذ - صاحب بلاد الروم - وخرج من بلاده معاضدا لهما ومساعدا، وسار إلى ديار مضر فسار الملك العادل في عسكر من حمص وعسكر من دمشق وعسكر من حلب لدفعهما عن البلاد، فاتفق أن عز الدين مسعود مرض وعاد إلى الموصل ومات. ووثب غلمان بكتمر عليه فقتلوه. ومات كيقباذ - صاحب بلاد الروم - بسيواس فاستولى الملك العادل على حران وسروج، وصار إلى الرقة، فأخذها بعد حصار من عز الدين طمان في العشرين من شهر رجب سنة تسع وثمانين وولى فيها. ثم أقطعها لولده الملك الأشرف موسى وبقيت في يده إلى أن سار وصاحب آمد نجدة لبدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - فأخذ سنجار من صاحبها، وعوضه عنها بالرقة وذلك في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة ثم استعادها منه، ولم تزل في يده إلى أن وقعت المقايضة بينه وبين أخيه بالرقة والبلاد التي قدمنا ذكرها في حران عن دمش في شهر رمضان سنة ست وعشرين، ولم تزل في يد نواب الملك الكامل إلى أن كسره كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان - صاحب بلاد الروم -.
واستولى على ما كان بيده من بلاد الجزيرة، وبقيت حران في يده إلى أن عاد الملك الكامل واستعادها من نواب صاحب الروم وولاها ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب فيما ولاه من بلاد الجزيرة، وبقيت في يده إلى أن توفي الملك الكامل في سنة خمس وثلاثين.
فاستبد بما في يده إلى أن قابض الملك الجواد مظفر الدين يونس بن ممدود عن دمشق بسنجار وعانا والرقة وكانت إقطاعا لصاروخان الخوارزمي، وبقيت الرقة في يده أياما، فوصلت الخوارزمية فأخرجوه منها، واستمرت في أيديهم إلى أن كسرهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف - صاحب حلب - في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين واستولى عليها وولىّ فيها. ولم تزل في يده إلى أن أقطعها الأمير حسام الدين الحسن بن أبي الفوارس القيمري في سنة تسع وثلاثين. وبقيت في يده إلى أن استعادها منه لما ملك دمشق وأقطعها في سنة تسع وأربعين الأمير مجاهد الدين بن قليج، واستمرت في يده إلى أن مات في سنة اثنتين وخمسين فأقطعها الملك الصالح إسماعيل ابن الملك المجاهد - صاحب حمص - ثم استعادها منه في سنة خمس وخمسين ولم يقطعها بعد، وبقيت في خاصته إلى أن انقرضت دولته بعد ذلك واستولى التتر على البلاد، فخربوا الرقة ولم يسكن بها أحد بعد ذلك إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب. فهي كما قيل:
كَأنْ لَمْ يَكُنْ بينَ الحجُون إلى الصَّف ... أَنيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكّةَ سَامِرُ
ذكر الرُّها
قال ابن الكلبي: سميت الرها برها بن السندباد بن مالك ذعر بن يويب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم. ويقال: إن ماني الزنديق بن فتق بني الرها.
وقرأت في تاريخ محبوب بن قسطنطين الرومي المنبجي أن في سنة أربع وثمانين من مولد أرعو وعشر سنين مضت من الألف الثالثة قام الملك الأول على جميع الأرض ببابل نمروذ بن كنعان " بن حام " فملك تسعا وستين سنة، وكان إكليله منسوجا لم يكن من ذهب، وأنه بنى من المدن أراح وأحا وكيلا، التي هي الرها ونصيبين والسلوقية.
وفي السنة الثالثة من سني بطلميوس بن أرنب بن سلقوس بنيت أفامية وحلب وقنسرين والرها وسلوقية واللاذقية.
ونقلت من كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق.
مدينة الرها بقعة تتصل بمدينة حران، وسطة من المدن، أكثر أهلها نصارى، وبها لهم ما يناهز ثلاثمائة بيعة ودير منها: كنيسة هي إحدى عجائب الدنيا، بنتها هيلاني - أم قسطنطين -.
وقال ابن أبي يعقوب: والرها مدينة رومية، ذات عيون كثيرة، تجري منها الأنهار.
وأخبرني من رآها أن لها سورا من حجر يحيط بأشجار وأرحاء وبساتين.
وتجري في المدينة عينان: تسمى إحداهما: العين الطويلة والأخرى: العين المدورة.
ولها ثلاث أبواب:
стр. 128
١ - باب حران.
٢ - وباب أقساس.
٣ - وباب شاع.
وكان لها قلعة على جبل يتصل بها سور المدينة من الجانب الغربي، فخربها الملك الكامل، وسنذكر تخريبه لها فيما يأتي.
طولها: ثلاث وسبعون درجة وعشرون دقيقة.
وعرضها: سبع وثلاثون درجة.
طالعها: برج الأسد.
صاحب ساعة بنائها الشمس.
ذكر فتحها
" قال الواقدي: لما مات أبو عبيدة استخلف عياض ابن غنم فورد عليه كتاب عمر ﵁ بتوليته حمص وقنسرين والجزيرة. فسار إلى الجزيرة يوم الخميس النصف من شعبان سنة ثمان عشرة في خمسة آلاف؛ فانتهت طليعة عياض إلى الرقة فأغاروا على حاصر كان حولها، فأصابا مغنما، وهرب من نجا منهم فدخل المدينة. وأقبل عياض في عسكره حتى نزل بالرها في تعبئة فرمى المسلمون ساعة حتى جرح بعضهم. ثم إنه تأخر عنهم لئلا تبلغه حجارتهم وسهامهم. وركب فطاف حول المدينة، ووضع على أبوابها روابط. ثم رجع إلى عسكره، وبعض السرايا، فجعلوا يأتون بالأسرى من القرى ... ".
فما مضت خمسة أيام أو ستة، حتى أرسل بطريق المدينة إلى عياض يطلب الأمان، فصالحه عياض على أن أمن أهلها جميهم على أنفسهم، وذراريهم، وأموالهم، ومدينتهم " ووضعوا الجزية على رقابهم. على كل رجل منهم دينارا في " كل " سنة ... ووظف عليهم مع الدينار أقفزة من قمح، وشيئا من عسل وزيت وخل.
ثم إنهم فتحوا أبواب المدينة وأقاموا للمسلمين سوقا على باب الرها.
وكتب لهم عياض: هذا كتاب من عياض بن غنمٍ لأسقف الرُّها، إنكم إن فتحتم لي باب المدينة على أنكم تودُّون إليَّ عن كل رجل دينارا، ومُدَّي قمح فأنتم آمنون على أنفسكم، وأموالكم، ومن تبعكم، وعليكم إرشادُ الضالِّ، وإصلاحُ الجسور والطرق، ونصيحة المسلمين، شهد الله وكفى به شهيدا.
ثم تنقلت بعدُ في أيدي الولاة على حكم تنقُّل ماعداها من بلاد الجزيرة كما حكيناه فيما مضى، إلى أن صارت في يد وثّاب بن سابق النميري لما ملك حران، فأعطاها ابن عمه عُطيرا، وبقيت في يده إلى أن مات وثّاب في سنة عشرٍ، فقصد نصر الدولة بن مروان - صاحب ديار بكر - الرُّها، وكان فيها نائب لعطيرٍ وكان فيه عدلٌ، وحسنُ سيرةٍ، وأهل البلد يميلون إليه ويختارونه على عطير لأنه كان على عكس هذه الصفات. فلما رأى عطيرٌ ميل الرَّعيةِ إلى نائبه حسده فقتله، فأنكرت الرعية ذلك، وكاتبوا نصر الدولة ليسلموا إليه البلد، فسيّر إليهم نائبا كان له بآمد يسمى زنك فتسلمها وأقام بها ...
ومضى عطيرٌ إلى صالح بن مرداس وسأله الشفاعة " له " إلى نصر الدولة فشُفّع فيه، فأعطاه نصف البلد.. " وتسلم عطير نصف البلد " ظاهرا وباطنا، وأقام " فيه " مع نائب نصر الدولة زمانا. واتفق أن " نائب نصر الدولة " عمل طعاما ودعاه فأكل وشرب واستدعى ولدا كان لنائب عطير الذي قتله وقال له: تريد أن تأخذ بثأر أبيك؟ قال: نعم! قال: هذا عطير عندي في نفرٍ يسيرٍ، فإذا خرج فاقتله ولا تخف فإني من ورائك وأهل البلد.
ففعل ما أمره به وقتل عطيرا.... فاجتمع بنو نُمير وقالوا: هذا فعل زنك يعنون: نائب نصر الدولة ولئن لم نأخذ بثأرنا ليخرجننا من بلادنا.. فأغارت منهم طائفة على البلد، وقد كمن غيرهم. فسمع زنك الخبر، فخرج إليهم في جنده، فاندفعوا بين يديه، فتبعهم، فخرج عليهم الكمين فقاتلهم فأصابه حجر مقلاعٍ صرعه قتيلا، وذلك في سنة ثمان عشرة وأربعمائة.
وسار ابنُ عُطير وابنُ شبل النميريين فتشفّعا بصالح ابن مرداس إلى نصر الدولة ليرد عليهما الرُّها فشفعه وسلمهما إليهما.
وكان فيها برجان ... فأخذ ابن عطير البرج الكبير وأخذ ابن شبل البرج الصغير وأقاما في البلد إلى أن راسل ابن عطير أرمانوس - ملك لاروم - وباعه حصته. بعشرين ألف دينار وعدَّة قرى من جملتها قريةٌ تعرف الآن بسنِّ ابن عطير، وتسلموا البرج الذي له، ودخلوا البلد وخربوا المساجد. وسمع نصر الدولة الخبر فسيّر جيشا إلى الرها فحصروها وفتحوها عنوة، واعتصم من بها من الروم بالبرجين واحتمى النصارى بالبية التي لهم - وهي من أكبر البيع - فحصرهم " المسلمون " بها، وأخرجوهم، وقتلوا أكثرهم، ونهبوا البلد، وبقي الروم في البرجين وسير إليهم ملكهم عسكرا نحو عشرة آلاف مقاتل، فخرج منها أصحاب ابن مروان بين أيديهم، ودخلوا البلد، ومازالت في أيديهم إلى سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
стр. 129
فيها: وصل السلطان ملكشاه إلى الرها فملكها من أيديهم على يد بُزان ولم يزل بها إلى أن تسلمها منه تاج الدولة وضرب رقبته صبرا، وذلك في سنة سبع وثمانين ...
وبقيت في يده إلى أن وصلها ابن أخي سليمان بن قطلمش فملكها في سنة تسع وثمانين. وأقام بها أياما ومات.
فتغلب عليها مقدمها الكربلاط وبقي فيها إلى أن وصل إليها بغدوين - أخو الملك كندفري، صاحب القدس - فسلمها له في بقية السنة، وتسلطوا بها على كثير من بلاد الجزيرة فملكوه.
" ثم تنقلت في أيدي ملوك الفرنج إلى أن فتحها عنوة عماد الدين زنكي في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين.. بعد أن نازلها ثمانية وعشرين يوما. وكانت في يد جوسلين بن جوسلين " ولما ملكها ولى فيها قطب الدين ينال بن حسان - صاحب منبج - وبقي بها إلى أن قُتل عماد الدين على قاعة جعبر في سنة " إحدى " وأربعين. فراسل جوسلين الأرمن الذين كانوا بالرها، وحملهم على العصيان والامتناع على المسلمين وسار إليها ليلا فملكها، وامتنعت عليه القلعة بمن فيها من المسلمين فقاتلها، فبلغ ذلك نور الدين محمود بن زنكي وهو بحلب فسار إليها مُجّدا ... فلما قاربها خرج منها جوسلين هاربا ... فدخلها نور الدين فنهبها، وسبى أهلها فإنهم كانوا ظاهروا الأرمن، وولى فيها قطب الدين ينال واستمر بها إلى أن عوضه عنها في سنة ثلاث وستين بمنبج وقلعة نجم.
وولي الأمير فخر الدين مسعود بن الزعفراني وبقيت في يده إلى أن ملكها الملك الناصر صلاح الدين في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين. فسلمها إلى الأمير مظفر الدين بن زين الدين علي كوجك وبقيت في يده إلى أن قبض عليه في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين. وأخذ منه حران والرها ثم رضي عنه بعد أيام قلائل وأعادهما إليه.
وبقيت الرها في يده إلى أن توفي أخوه زين الدين يوسف - صاحب إربل وأعمالها - فصيّر إليه صلاح الدين ما كان بيد أخيه من البلاد، فتوجه إليها وتسلمها.
وأقطع حران والرها ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين في سنة سبع وثمانين. ثم توفي بخرت برت في بقية السنة.
فأُقطعت للملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب فولاها لولده الملك الكامل ولم تزل في يده إلى أن ملك الملك العادل مصر فاستدعاه إليها.
وأقطع الملك العادل ما كان بيد ولده الملك الكامل للملك الأشرف.
وأفرد الرها لولده الملك المظفر شهاب الدين غازي ولم تزل في يده إلى أن أخذها منه الملك الأشرف في سنة ثمان عشرة وست مئة، وعوضه عنها ميفارقين.
وبقيت في يد الأشرف إلى أن وقعت المقايضة بينه وبين أخيه الملك الكامل عن دمشق فتسلمها فما تسلم من البلاد، وبقيت في يد نوابه إلى أن كانت وقعة الدربند وانهزم عسكر الكامل بين يدي علاء الدين كيقباد - صاحب الروم - في سنة اثنتين وثلاثين.
وسار علاء الدين إلى الرها فامتنعت عليه فقاتلها وحاصرها. وكان للملك الكامل بها خزانة وحاصل، فتسلمها بالأمان وأخذ ما فيها، واستخلف عليها، ولم تزل في يده إلى أن عاد الملك الكامل من مصر إلى بلاد الشرق فاسترجعها، بعد حصار، يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين.
وهدم قلعتها، وكانت حصينة منيعة، يُضرب بها الأمثال في القلاع، فلم تُعمر بعدُ، فلما ملكها سلمها مع غيرها من البلاد لولده الملك الصالح نجم الدين أيوب ولم تزل في يده إلى أاستدعى الخوارزمية من الروم ليستعين بهم على قصد حصار حلب نُصرةً لأبيه الملك الكامل في سنة خمس وثلاثين.
فاتفق أن مات الملك الكامل في هذه السنة في رجب، فطمعت الخوارزمية في الملك الصالح وخاف منهم فأقطعهم الرها وحران وغيرها، من غير قلاع من البلاد.
وسار إلى سنجار في شوال، فصده بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - فتوجه ولده الملك المغيث ومعه بدر الدين قاضي سنجار إلى حران، واجتمعا بالخوارزمية وسلموا إليهم قلعة حران وقلعة الرها ليدفعوا بدر الدين عن سنجار، فساروا إليه ورحلوه في بقية السنة.
ولم تزل الرها في أيديهم، وكانت في يد كشلوخان الخوارزمي إلى أن كسرهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف يوم الأربعاء العشرين من شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
стр. 130
وتسلم الرها وولى فيها من قبله، ولم تزل في يده إلى أن قصدت التتر البلاد واستولوا عليها في سنة ثمان وخمسين وستمائة، وبقيت في أيديهم إلى أن كسرهم الملك المظفر قُطُز في شهر رمضان من السنة هرب من كان بحلب منهم، وأخربوا ما بقي من قلعة الرها ونفر أهلها منها، وليس بها في عصرنا من أهلها أحدٌ غير أناسٍ قلائل من التركمان.
وكان يُصرفُ ما يُتحصل منها من الحقوق السلطانية في خمس مائة فارس وجوه ذلك: البساتين: خمسة وثلاثون ألف درهم.
ورق التوت: خمسة وعشرون ألف درهم.
عُنّاب: ثلاثون ألف درهم.
الرباع: خمسة وعشرون ألف درهم.
الطواحين: أربعة آلاف درهم.
العشر: خمسة وعشرون ألف درهم.
الختم: عشرة آلاف درهم.
المقاث: أحد عشر ألف درهم.
الثلج: خمسة آلاف درهم.
عداد الغنم: ستون ألف درهم.
الجنايات: ثلاثون ألف درهم.
المواريث: ثلاثون ألف درهم.
العرصة: خمسة وعشرون ألف درهم.
الجوالي: خمسة وعشرون ألف درهم.
الأفراح: خمسة وثلاثون ألف درهم.
الدرب: خمسة وعشرون ألف درهم.
السجون: خمسة وعشرون ألف درهم.
المفادنة: مائة وخمسة آلاف درهم.
الصبغ: خمسة آلاف درهم.
فذلك خمس مائة ألف وستون وأربعون ألف درهم خارجا عن الغلال.
وكان في عملنا من القرى سبعمائة قرية، تشتمل على أربعة عشر ألف فدان وستمائة.
سروج
وهي عن شمال حران، إلى جسر منج، حسنة حصينة، كثيرة الأشجار والمياه والزبيب، ويعمل من زبيبها الناطف.
طولها ثلاث وسبعون درجة.
وعرضها سبع وثلاثون درجة.
ذكر البلاذري في تاريخه قال: لما فرغ عياض بن غنم من سميساط أتى سروج فرأسكيفا والأرض البيضاء فغلب على أرضها، وصالح أهل حصونها، على مثل صلح الرها.
لم يزل حكمها في التنقل في أيدي الولاة حكم سائر بلاد الجزيرة إلى أن صارت في يد سيف الدولة فهجمها الروم وملكوها وأخربوها، وقتلوا وسبوا. وذلك في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. ثم خرجوا عنها فقصدها سيف الدولة وعمرها وحصنها. ولم تزل في يده إلى أن توفي في سنة ست وخمسين وثلاث مائة.
وملك بعده ولده فاستمرت في يده إلى أن قصدها أبو تغلب فضل الله بن ناصر الدولة بن حمدان في سنة تسع وخمسين فملكها، واستمرت في يده إلى أن فتحها عضد الدولة فيما فتحه من بلاد الجزيرة، وأنعم بها على سعد الدولة واستمرت في يده إلى أن توفي في سنة إحدى وثمانين.
وملك بعده أبو الفضائل سعيد الدولة فاستمرت في يده إلى أن استولى عليها وثاب النميري فيما استولى عليه من البلاد، وبقيت في يده إلى أن توفي في سنة عشر وأربعمائة.
وملك بعده ولده منيع فاستمرت في يده إلى أن توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. فاستولى عليها ولده حسن بن منيع ولم تزل في يده إلى أن أخذها منه شرف الدولة مسلم ابن قريش العقيلي سنة أربع وسبعين وأربعمائة. وعوضه عنها نصيبين ولم تزل في يده إلى أن قتل في مصاف كان بينه وبين سليمان بن قطلمش سنة ثمان وسبعين.
وولي ولده محمد الموصل والجزيرة. فلم تزل سروج في يده إلى أن وصل السلطان ملكشاه الشام في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، فأقره على ما في يده من البلاد.
ولم تزل في يده إلى أن قصد الوزير ابن جهير الجزيرة واستولى عليها وأخذ ما كان في يد ولده من البلاد وأخذهما واعتقلهما بأصبهان وذلك في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
ولم تزل بلاد الجزيرة في يده إلى أن مات.
ثم مات بعده ملكشاه بشهر وذلك في خمس وثمانين وأربع مئة، فأطلقهما محمود بن ملكشاه وأعادهما إلى بلادهما.
فتغلب إبراهيم على بلاد ابن أخيه وطرده عنها. ولم تزل سروج في يد إبراهيم إلى أن قصد تاج الدولة بلاد الجزيرة فملك الرحبة وحران وسروج وأقطعها لبزان وذلك في سنة ست وثمانين وأربعمائة.
ولم تزل في يده إلى أن خرج عن طاعته واتفق مع آق سنقر ونابذه.
وخرج تاج الدولة إلى حلب وأوقع بآق سنقر وقتله، وأسر بزان وقتله صبرا، واستعاد من نوابه ما كان بيده من البلاد، وأقطعها سقمان بن أرتق وبقيت في يده إلى أن قتل تاج الدولة في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
وملك ولده رضوان حلب فأقرها في يده.
стр. 131
وكان بسروج من قبله ابن أخيه - بلك - فأساء التدبير، وظلم الرعية، وأخذ أموالهم، فاضطر أهل سروج إلى أن كاتبوا قمص الرها وسلموا إليه سروج فهرب بلك منها فاستمرت في أيدي الفرنج إلى أن قصدها بلك في سنة أربع وتسعين، وفتحها عنوة، وقتل من فيها، ثم خرج عنها بعد أن رثت أحوالها، فقصدها الفرنج فافتتحوها مرة ثانية، وقتلوا كل من فيها. ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها عماد الدين زنكي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وولي فيها حسانا - والي منبج - ولم تزل في يده إلى أن توفي عماد الدين على قلعة جعبر سنة " إحدى " وأربعين.
وملك بعده ولده نور الدين محمود فأقرها في يده، واستمر فيها إلى أن توفي في سنة اثنتين وأربعين.
فوليها ولده سيف الدين أيوب ولم تزل في يده إلى أن توفي سنة تسع وأربعين.
فوليها ولده غازي فعصي على نور الدين فنهد إليه عسكرا مقدميه مجد الدين ابن الداية وأسد الدين شيركوه فقاتلاه حتى تسلما منه منبج وقلعة نجم وأبقوا عليه سروجا وذلك في سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
ولم تزل في يده إلى أن أخذها منه نور الدين سنة أربع وستين وعوضه عنها ببالس، وبقيت في يده إلى أن تسلم قلعة جعبر من عز الدين علي بن مالك العُقيلي وعوضه عنها أشياء من جملتها سروج تمليكا، وبقيت في يده ويد عقبه إلى أن مات نور الدين سنة تسع وستين وخمس مائة.
فقصدها سيف الدين غازي - صاحب الموصل - واستولى عليها ولم تزل في يد نوابه إلى أن توفي في سنة ست وسبعين.
وتولى أخوه عز الدين مسعود فملكها فيما ملك من البلاد، ولم تزل في يده إلى أن قصدها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف في سنة ثمان وسبعين، فملكها، وبقيت في يده إلى أن أخذ حلب من عماد الدين زنكي بن قطب الدين مودود في سنة تسع وثمانين. وعوضه عنها سنجار والخابور ونصيبين وسروج، ولم تزل في يده إلى أن توفي صلاح الدين سنة تسع وثمانين.
واتفق عز الدين مسعود - صاحب الموصل - وسيف الدين بكتمر - صاحب خلاط - على أخذ ما كان في يد صلاح الدين البلاد، وخطبا لكيقباد - صاحب الروم - ليعاضدهما ويساعدهما. فخرج بكنمر من خلاط، وخرج مسعود من الموصل، واجتمعا على الرها فأخذاها، ثم إن مسعود مرض ورجع إلى الموصل ومات بها، ووثب أحد غلمان سيف الدين بكتمر عليه فقتله.
ومات كيقباد بسيواس بعد أن خرج من بلاده. فسار الملك العادل إلى الجزير فاستولى على سروج فيما استولى عليه من البلاد، وأقطعها ولده الملك المظفر شهاب الدين غازي، ولم تزل في يده إلى أن أخذها منه في سنة ثمان عشرة وستمائةٍ الملك الأشرف وعوضه عنها ميافارقين، وبقيت في يد نواب الملك الأشرف إلى أن قايض أخاه الملك الكامل وأخذ منه دمشق في سنة ستٍ وعشرين، لما صارت في يد الملك الكامل وولى فيها شمس الدين صواب، ولم تزل في يد الكامل إلى أن كسر كيقباد - صاحب الروم - لعسكر الملك الكامل على الدربند. وعاد الملك الكامل إلى مصر في سنة اثنتين وثلاثين. واستولى كيقباد على سروج وغيرها من البلاد، وولى فيها، وبقيت في يد نوابه إلى أن خرج الملك الكامل من مصر وقصد الجزيرة فاسترجع سروج عند حصاره الرها يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين، وهدم قلعة ساكما وكانت تضرب بها الأمثال في الحصانة، فلم تعمر بعد فلما ملكها سلمها لولده الملك الصالح نجم الدين أيوب مع غيرها من البلاد. ولم تزل في يده إلى أن استعان بالخوارزمية وأسكنهم معه في البلاد سنة خمس وثلاثين. فلما مات الملك الكامل طمعوا فيه، ورأى منهم ما لا يطيق حمله، فهرب منهم إلى سنجار بعد أن أقطعهم سروج فيما أقطعهم من البلاد، ثم ملكوها بعد على ما حكيناه في الرا. ونزل بها منهم خان بغدي ولم تزل في يده إلى أن كسرهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد - صاحب حلب - في سنة ثمان وثلاثين.
واستولى على البلاد، ولم تزل سروج في أيدي نوابه إلى أن استولى عليها التتر فيما استولوا عليه من البلاد سنة ثمان وخمسين وستمائة، وبقيت في أيديهم إلى أن أخلوها وانتزحوا عنها في سنة ثلاث وستين وستمائة.
وكان ما يتحصل من ضياعها يُصرف في ثلاثمائة فارس، وما يُستخرج من قصبتها يُحمل إلى بيت المال، ومقداره يزيد على أربع مائة ألف درهم.
قلعة جَعْبر
стр. 132
وهي بريةٌ بحريةٌ جزريةٌ، على تل مشرف على الفرات، لها ربضٌ. كانت عامرة بالأسواق، كثيرة الأرزاق.
طولها ثلاث وسبعون وثلاثون درجة فقط.
وكانت تُعرف قديما بقلعة دوسر ويقال: إنه غلامٌ للنعمان بن المنذر اللخمي - ملك العرب وصاحب الجزيرة - تركه على أفواه الشام، والنعمان مقيم بالحيرة فبنى هذه القلعة، فنُسبت إليه.
وما زالت هذه القلعة في أيدي ملوك الجزيرة، تنتقل بانتقالها، إلى أن صارت لبني نُمير فاشتراها الدزبري لما ملك حلب من بعضهم -، يقال: إنه منيع بن شبيب بن وثاب - ثم تغلبوا عليها بعد موته، فعمل عليهم جعبر بن سابق القشيري وكان له عدة أولاد فسرقها من بني عطير فلما استولى عليها جدد بناءها وحصنها فنسبت " إليه " ولم تزل في يده إلى أن توفي في المحرم سنة أربع وستين وأربعمائة.
واستولى عليها ولده سابق، وكان أعمى. وكانت رجاله يقطعون الطريق وينتهكون محارم الله. ولم يزالوا على ذلك إلى أن توجه السلطان الملك العادل ملكشاه ابن ألب أرسلان محمد بن جعفر بك بن ميكائيل بن سلجوق قاصدا حلب لما قتل شرف الدولة مسلم بن قريش ملكها، وبقيت بلا ملك، فعبر على قلعة جعبر فحاصرها يوما وليلة حتى فتحها وقتل سابقا وأهله وصلبه. فلما ملك حلب عصي بقلعتها شمس الدولة سالم بن مالك بن بدران العقيلي. ثم نزل عنها فعوضه عنها بقلعة حعبر ووقفها عليه وعلى أولاده بكتاب شرعي وأقطعه معها الرقة وضياعا، فأقام بها إلى أن توفي يوم الأربعاء العشرين من شوال سنة تسع عشرة وخمس مائة. فملكها بعده ولده شهاب الدين نجم الدولة مالك.
" وكان بينه وبين ابن منقذ مودة أكيدة فأجتاز على صاحب شيزر جماعة كثيرة من حجاج الفرنج يريدون أفامية فضلوا عن الطريق، فدخلوا شيزر " وهي " إذ ذاك بغير سور، فوثب عليهم أهلها، فقتلوا الرجال، وسبوا النساء والصبيان. وحمل ذلك إلى ابن منقذ فرأى منهن جارية حسنة فكساها وأصلح شأنها وأنقذها إلى شهاب الدين المذكور، فأعجبته وحظيت عنده. واستولدها ولدا سماه بدران وجعله ولي عهده. فلما توفي ملك بعده بدران. فتدلت أمة من القلعة ومضت إلى سروج، وفيها الفرنج فتزوجت برجل إسكاف ".
ودام بدران المذكور بقلعة جعبر إلى أن عمل عليه أخوه سيف الدولة علي بن مالك وقتله في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. وملك القلعة ولم يزل بها إلى أن نزل عليها عماد الدين زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل وحلب يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة سنة " إحدى " وأربعين فحاصرها وضايقها.
وسير إلى عز الدين ابن حسان - صاحب منبج - لتقرير الصلح. وتسلميها، والعوض عنها. فقال: أنظرني إلى غد فقال له ابن حسان: وأي شيء يأتيك في غد؟ فقال له: الذي جاء لبلك بن أرتق، وهو محاصر لك في منبج.
فلما كانت ليلة الأحد سادس شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وثب على عماد الدين زنكي خادم له، فقتله.
وافترق العسكر، ونهب بعضهم بعضا، ورحلوا عن قلعة جعبر وأخذ كل من ولديه جهة.
ولم يزل عز الدين بها إلى أن قتل يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر سنة ست وأربعين. وكان السبب في قتله أن العرب أغارت على نواحي الرقة، فاتصل به الخبر، فخرج إليهم، وكان مع العسكر، عسكر أميرك الجاندار، فأصابه منهم سهم فمات.
وملك بعده ولده شهاب الدين مالك، ولم يزل بها إلى أن خرج إلى الصيد في سنة أربع وستين فوقع عليه عرب من بني هذيل من كلب، فأثخنوه جراحا، مسكوه وحملوه إلى نور الدين فضيق عليه وعذبه، وبعث سابق الدين عثمان ومجد الدين - ابني الداية - صاحب بالس إذ ذاك، وفخر الدين مسعود بن الزعفراني إلى قلعة جعبر، فنازلوها في شعبان من السنة. فلما عجزوا عن حصارها، زاد في التضييق على شهاب الدين فسلمها إليه. وكان آخر من ملكها من بني عقيل، وكانت مدة ملكهم ثمانية وثمانين سنة.
ولما ملكها نور الدين أقطعها مجد الدين بن الداية، فاستناب فيها شمس الدين، وعوض شهاب الدين عنها سروج وبلدها، وباب بزاعا وعشرين ألف دينار نقدا. ووقف عليه أورم الكبرى والملوحة والحمامين اللتين بالحاضر، ودار ابن الأيسر - بباطن حلب المعروفة الآن بدور بني قليج.
وأعطى نائبه بها، وهو القائد محمد بن عروة خمسمائة دينار، وخلعة وهو بها بسخت وسرفسار، وأقطعه الرصافة وكتبها له ملكا. وأعطى الأجناد خمس مائة دينار.
стр. 133
وكان بها قوم من الباطنية فأمر بإخراجهم على الوجه الجميل.
ولم تزل يد شمس الدين عليها إلى أن توفي نور الدين في سنة تسع وستين. وملك ولده الملك الصالح إسماعيل ووصل من دمشق إلى حلب.
في سنة سعين: قبض على شمس الدين واخوته. وكان ينوب عن نور الدين في حلب. وولى فيها.
ولما كانت سنة اثنتين وسبعين حاصر صلاح الدين حلب ورحل عنها عن صلح وقع.
فشفع في شمس الدين واخوته فأطلقهم، ولم يبق بأيديهم مما كان نور الدين أقطعهم غير قلعة جعبر في يد شمس الدين وشيزر في يد سابق الدين عثمان.
ولم تزل قلعة جعبر بيده إلى أن توفي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
وولي ولده علاء الدين يوسف ولم يزل بها إلى أن مات بها.
وتسلمها الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين بوصية منه، إما في سنة ست وثمانين، أو سبع وثمانين وخمسمائة فولى فيها غلامه بدر الدين أيد مر - المعروف بالوالي -.
وبقيت في يد الملك الظاهر إلى أن تسلمها الملك العادل سيف الدين، أبو بكر محمد بن أيوب. وكان السبب في تسلميها أن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه لما توفي أقطع الملك الناصر صلاح الدين ما كان في يده من بلاد الجزيرة أخاه الملك العادل، فطلب منه قلعة جعبر فامتنع عليه، وكره أن ينزعها من يد ولده. وجعل يسوفه ويعده ويمنيه، وهو مع ذلك يتوسل إليه بالشفاعات حتى أبرمه، فسير إلى الملك الظاهر يأمره بتسليمها له، وأن ينزل عنها فأنفذ الملك الظاهر إلى الوالي بها يأمره بتسليمها إلى نواب الملك العادل ولم ينفذ إليه بعلامة يثق بها ويستند إليها؛ وإنما فعل ذلك ليسوف الأوقات، ويدافع الساعات، والملك العادل يجد في طلبها، ورسله في ذلك لا تنقطع، حتى الجأ الملك الظاهر إلى تسليمها وأعطى لنواب الملك العادل العلامة التي كانت بينه وبين الوالي. فحدث أن مات الملك الناصر في اليوم الذي تسلمها. وكان أول مبادي سعادة الملك العادل.
ولم تزل في أيدي نوابه إلى أن استناب فيها الملك الحافظ في سنة خمس عشرة وستمائة فاستولى ولده الملك الحافظ نور الدين أرسلان عليها، وبقيت في يده إلى أن تسلمها منه الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز - صاحب حلب - في صفر سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وعوضه عنها بعزاز.
وكان السبب في ذلك أن الخوارزمية وضعوا أيديهم على أرشين من بلاد البيرة في سنة سبع وثلاثين وطمعوا فيما عداها. وكثر إجحافهم بأطراف ضواحي قلعة جعبر، والملك الحافظ يداريهم ويبذل لهم الأموال، وهم مع ذلك لا ينفكون عن الفساد.
واتفق " أن " أصابه " فالجٌ "، وحصلت بينه وبين ولده تقي الدين مسعود وحشة خرج من أجلها تقي الدين إلى الخوارزمية، ومعه رجل يُقال له ابنُ قاضي نابلس وقصداهُم بحران وأطماعهم في قلعة جعبر وغيرها، وأوحيا إليهم أن أموال أهل بالس مودعة عند الملك الحافظ فسيَّروا إليه، وطلبوا منه المال وتوعدوه إن لم يعطه، فخاف، وأرسل إلى أخته الملكة بحلب، وطلب منها التعويض عن قلعة جعبر وبالس بما يعمل له مقدار ارتفاعهما فجرى ما ذكرناه.
وسيَّرت الأمير ناصح الدين أبا المعالي الفارسي فتسلم منه القلعة، وخرج الملك الحافظ فدخل حلب، فأُكرم وأُنزل في الدار المعروفة قديما بدار صاحب عين تاب.
واستمرت في مملكة الناصر صلاح الدين إلى أن استولى التترُ على البلاد، وتسلموها من الوالي بها يومئذ، وكان عماد الدين أحمد بن أبي القاسم بما فيها من غير حصار لها، وإنما عماد الدين سار إلى هولاكو وهو بحارم بمفاتيحها وهدية فأخربوها وحاضرها، ولم يُبقِ بها إلاّ مساكن، ثم نزح بعد ذلك من كان بها.
البيرة
قلعةٌ حصينةٌ على جبل مُشرف على الفرات، من شرقيها إلى الطول ما هيُّ، لها مما يلي الفرات حائطٌ ممتدٌ، ومما يلي البرِّ سورٌ وأبرجةٌ.
طولها: اثنتان وسبعون درجة وثلاثون دقيقة.
وعرضها: سبعٌ وثلاثون درجة.
لم يتصل بعلمي شيء من أخبارها فيما طالعته من كتب التواريخ المصنفة في صدر الإسلام.
والذي أحطتُ به علما أن بغدوين نزل عليها في سنة سبع عشرة وخمسمائة وأخذ أهلها أسرى. ولم تزل يف أيدي الفرنج إلى سنة تسع وثلاثين.
стр. 134
وفيها: قصدها عماد الدين زنكي بنُ آق سنقر وحاصرها وضايقها وأشرف على أخذها، فبلغه قتلُ نائبه بالموصل فرحل عنها ضرورة، فوصل إليها حسامُ الدين تمرتاش بن نجم اليدن إيلغازي بن أُرتُق فأخذها وبقيت في يده إلى أن تسلمها منه نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي وأعطاها لشهاب الدين محمد بن إلياس بن إيلغازي بن أرتق، ولم تزل في يده إلى أن توفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
ووليها بعده فخر الدولة ياقوت أرسلان فقصده عسكر قطب الدين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق وحصره. فكاتب صلاح الدين ودخل في طاعته. فسيَّر صلاح الدين إلى قطب الدين فرحّله عنه وبقيت البيرة في يد ياقوت إلى أن توفي. وتولى ولده شهاب الدين محمد ولم تزل بيده إلى أن تسلمها الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بسبب أنه زوَّج أخاه الملك الزاهر داود بابنة شهاب الدين وتُدعى: سُفْرى خاتون. وكانت له بنت أخرى تُدعى: إلْتي خاتون تزوجها الأمير عز الدين عزيز ابن الأمير سيف الدين علي بن علم الدين سليمان ابن جندر.
ولما ملكها الملك الزاهر استولى على عمق البيرة ونهر الجوز وكفر سود والأوشين.
وبقيت في يده إلى أن توفي في صفر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. فتسلمها ابن أخيه الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر وسلمها إليه قبل موته. ولم تزل في يده إلى أن توفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين فملكها ولده الملك الناصر وبقيت في يده إلى سنة ثمان وخمسين وستمائة. فاستولى عليها هولاكو - ملك التتر - بعد حصار شديد، وأمدٍ مديدٍ، وولى فيها من قِبله.
ولم تزل في يده إلى أن كسر الملك المظفر سيف الدين قطز التركي المعزي - صاحب مصر - التتر على عين جالوت في شهر رمضان من السنة. فسير إلى حلب نائبا عنه علاء الدين علي بن بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - فتسلم البيرة وولى عليها من قبله أسد الدين - حاجب الأمير حسام الدين جو كان دار -. ولم يزل بها مستمرا إلى أن ملك علم الدين الحلبي دمشق وقبض السلطان الملك الظاهر عليه، واستدعاه إلى مصر تحت الحوطة. وولا " هـ " حلب، وسار إلى حلب فكاتبه على أن يُسلِّم إليه القلعة على مال استقر بينهما، فتسلم المال ولم يُسلم القلعة وبقيت في يده إلى أن استدعى شمس الدين أقوش البرلي من حران وسلمها إليه.
ولم تزل في يه إلى أن قصدها مولانا السلطان الملك الظاهر، ركن الدين بيبرس في سنة ستين فتسلمها، واستمرت في أيدي نوابه إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا التاريخ.
وقصتها التتر - خذلهم الله تعالى - وحاصروها ثلاثة دفوعٍ، يأتي ذكرها في تاريخنا المرتب على السنين، في سيرة السلطان الملك الظاهر - خلد الله ملكه -.
ذكر ديار ربيعة من الجزيرة
وقصبة مدنها نصيبين. وهي مدينةٌ في مستو من الأرض. ومخرج مائها من " شعب يعرف " ببالوسا، وهو أنوه مكان بها، ثم يبسط في بساتينها ومزارعها. ويدخل إلى كثيرٍ من دورها.
وبها عقارب قاتلة. وبقربها جبل ماردين وارتفاعه نحو فرسخين، عليه قلعة تُعرف بالباز الأشهب من بناء بني حمدان.
طالعها الأسدُ والشمس.
صاحب ساعة بنائها القمر.
طولها خمسٌ وسبعون درجة وثلاثون دقيقة.
عرضها سبعٌ وثلاثون درجة.
بها: مشهد علي بن أبي طالب ﵇ وبها شجرة عُنّابٍ.
وبها: كفُّ عليٍّ ﵇ في مسجد باب الروم.
وبها: مسجد أبي هريرة في محلة الزاهية، وعلى بابه حجرٌ فيه خط باليوناني، قد جُرب اوجع الظهر.
وبها: مشهد زين العابدين ﵇.
وبها: مشهد الرأس في سوق النشابين.
يقالُ: إن رأس الحُسين ﵇ عُلّقَ به لما عبروا بالسبّي إلى الشام.
وبها: مشهد النُّقطة. يقال: إنه نقط من دم الرأس نقطةٌ هناك.
وبها: مسجد بني بكرة، وهو أول مسجد عُمر بها، وهو كان الجامع القديم.
وبها: مسجد النبي ﷺ عند الحضيرة.
وبها: مسجد باب سنجار، كان به مصحف عثمان ﵁.
وبها: قبلة باب الناصر من الشرق قبر جُبير بن إسحاق.
قال البلاذري: فتح عياض بن غنم نصيبين بعد قتال على مثل صلح الرُّها.
стр. 135
ولم يزل من يلي الجزيرة منذ فُتحت إلى أن تغلب عليها وعلى دار حمدان بن حمدون بن حارث بن لقمان بن راشد التغلبي وتحصن بقلعة ماردين، فخرج المعتضد إليه في سنة إحدى وثمانين. فهرب من القلعة وبقي فيها ولده. فلما وصل المعتضد إلى القلعة وقف ببابها وقال: يا بن حمدان! افتح الباب ففتحه، ودخل المعتضد إليها، وأمر بنقل ما فيها وهدمها.
ثم ظفر به بعد ذلك فحبسه ثم أطلقه، وأعاد عليه بلاده واصطنع ولده الحُسين.
ثم صارت نصيبين بعد إلى ما كانت عليه، في كونها في يد من يلي بلاد الجزيرة. ولم تزل كذلك إلى أن ولى المكتفي الحُسين بن حمدان ديار ربيعة سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
" ولم يزل بها متوليا إلى أن خرج عن طاعة المقتدر فبعث إليه مؤنسا الخادم فظفر به وأدخله بغداد على جملٍ " وقيل: على فيل. وولى ديار ربيعة عثمان الغنوي وذلك في سنة ثلاث وثلاث مائة. ولم يزل واليا عليها إلى أن عزله في سنة سبع وثلاث متئة.
فوليها إبراهيم بن حمدان. ولم تزل في يده إلى أن توفي في سنة ثمان وثلاثمائة.
فوليها داود بن حمدان، ولم يزل متوليا بها إلى أن عُزل عنها سنة ثمان عشرة.
ووليها ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء مع الموصل ولم تزل في يده إلى أن تغلب على ما في يده من البلاد في سنة سبع وعشرين فقصده الراضي وبجكم فكسراه.
وسار إلى آمد واستولى عليها، ولم تزل في يده إلى أن قبض عليه ولده أبو تغلب وحبسه بقلعة كواشى من أعمال الموصل في سنة ست وخمسين. وبقيت البلاد في يده إلى أن اختلف أولاد ناصر الدولة في سنة تسع وخمسين فقصد حمدان نصيبين فاستولى عليها، فبعث إليه أبو تغلب أخاه أبا الفوارس في جيش فهزمه وملك نصيبين فسار حمدان إلى سنجار فملكها، ولم يزل أبو الفوارس بنصيبين إلى أن استولى عليها عضد الدولة فيما استولى عليه من بلاد الجزيرة في سنة ثمان وستين وولى فيها من قِبله أبا الوفاء.
ولم تزل نصيبين في يد عضد الدولة إلى أن توفي في سنة سبعين وثلاث مئة. وملك صمصام الدولة فأقر فيها أبا الوفاء. ولم يزل بها إلى أن قصد نصيبين باد الكردي الحمُيدي - خال بني مروان - فاستولى عليها في سنة ثلاث وسبعين ثم ملك الموصل، فسيَّر إيله صمصام الدولة جيشا فطرده عن البلاد وولى في نصيبين سعدا ولم يزل بها إلى أن ملك بهاء الدولة في سنة تسع وسبعين فجمع أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسين - ابنا ناصر الدولة -، وقصدا الموصل فأخذاها بعد حرب، وملكا ديار ربيعة، فسار إليهما باد الكردي فأوقع بهما، واستولى على ما استوليا عليه.
وأقطع لأبي ذوَّادٍ محمد بن المسيب نصيبين وجزيرة ابن عمر، وذلك في بقية سنة تسع وسبعين ليُساعده على الحروب. ولم تزل في يد أبي ذواد إلى أن توفي في سنة سبع وثمانين وثلاث مئة، فوليها بعده أخوه أبو حسان، المقلد بن المسيب. وبقيت في يده إلى أن قتله غلام له في سنة إحدى وتسعين وتولى بعده أبو المُنيع قرواش، ولم تزل نصيبين في يده مع ما استولى عليه إلى أن أعطاها لأخيه بدران في سنة سبع عشرة فقصدها نصر الدولة بن مروان واستولى عليها سنة ثمان عشرة ولم تزل بيده إلى أن وقعت بينه وبين بدران بن المقلد حربتكافآ فيه وانفصل كل منهما عن صاحبه، ولم يظفر منه بشيء. فقصد بدران نصر الدولة وهو بميافارقين، وطلب منه نصيبين عوضا عن صداق عمته فأجابه إلى ذلك، فتسلمها، ولم يزل.
ووليها بعده ولده قريش ولم تزل بيده إلى أن قصدها. طُغرلبك في سنة تسع وأربعين.
ثم عاد منها، واستمر بها " قريش بن بدران إلى أن توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
ووليها بعده ولده شرف الدولة مسلم بن قريش ولم تزل بيده إلى أن فتح سروج " وأخذها " من حسن ابن " منيع بن " وثاب النميري وعوضه عنها بنصيبين. ولم تزل في يده إلى أن قبض عليه وقتله في سنة خمس وسبعين وأربعمائة واستعاد نصيبين منه. ولم تزل بيده إلى قتل سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
стр. 136
وملك أخوه مؤيد الدولة إبراهيم واستولى على ما كان بيده من البلاد. وبقيت في يده إلى أن قصد نصيبين تاج الدولة تتش في سنة خمس وثمانين وأربعمائة فنازلها وقاتل من فيها من نواب مؤيد الدولة حتى أخذها عنوة، ونهبها وقتل أكثر أهلها، فسار إليه إبراهيم في جموع جمعها، والتقى به في شهر ربيع الآخر على نهر الهرماس فكسرهم تاج الدولة. فلما رأى إبراهيم ذلك رجع إلى خيمته، فنزل وجلس على التخت حتى أتوه، فقتلوه عليه، واستولوا على عسكره.
وولي تاج الدولة نصيبين من قبله محمد بن شرف الدولة، ولم تزل في يده إلى أن قصدها كربوقا في سنة تسع وثمانين " فالتقاه على مرحلتين من نصيبين، فاستحلفه لنفسه فحلف له، وغدر به كربوقا بعد ذلك، وقبض عليه، وأتى نصيبين فامتنعت عليه، فحاصرها أربعين يوما ثم تسلمها وقتل محمد بن شرف الدولة ".
ولم تزل نصيبن في يده إلى أن توفي في سنة خمس وتسعين فقصد شمس الدولة حكرمش - صاحب جزيرة ابن عمر - فتسلمها، ولم تزل بيده إلى أن قصده قليج أرسلان بن سليمان بن قطلمش السلجوقي - صاحب الموصل - فأخذها منه في سنة خمسمائة، ولم تزل في يده إلى أن التقاه جاولي سقاقوه في بقية السنة، واقتتلا فقتل قليج أرسلان.
فصار نجم الدين إيلغازي بن أرتق إلى نصيبين فملكها في بقية السنة، وولى بها من قبله ولده. ولم يزل بها إلى أن استولى عليها مودود وعلى جميع بلاد الموصل في سنة اثنتين وخمسمائة. ولم تزل بيده إلى أن قتل في سنة سبع وخمسمائة.
وفيها: وصل السلطان محمد بن إصفهان إلى بغداد ورد أمر الموصل وأعمالها، ونصيبين إلى آق سنقر البرسقي وجعله أتابك عسكر ولده مسعود. واستمرت تحت نظره إلى أن استولى عليها نجم الدين إبلغازي في سنة اثنتي عشرة، ولم تزل في يده إلى استولى عليها آق سنقر البرسقي - صاحب الموصل - مرة ثانية في سنة خمس عشرة، ولم تزل في يده " إلى " أن قتل سنة عشرين فاستولى عليها حسام الدين تمرتاش وبقيت في يده إلى أن قصدها عماد الدين زنكي في " سنة " إحدى وعشرين، ولم تزل بيد نوابه إلى أن قتل في سنة إحدى وأربعين فاستولى على ما كان بيده من البلاد الجزرية ولده سيف الدين غازي، ولم تزل في يده إلى أن توفي بالموصل سنة أربع وأربعين.
واستولى قطب الدين مودود على ما كان بيده من البلاد، ثم مات في سنة خمس وستين.
وولي ولده الصغير سيف الدين غازي بعهد منه ووصية، فلم تزل نصيبين بيده إلى أن صار إليه نور الدين وأخذها منه. وعوضه عنها بالموصل في سنة " ست و " ستين وخمسمائة ولم تزل في يد نوابه إلى أن توفي في شوال سنة تسع وستين. ولما توفي قصدها سيف الدين غازي - صاحب الموصل - في عسكره فملكها. ولم تزل في يد نوابه إلى أن توفي في سنة ست وسبعين.
وتولى أخوه عز الدين مسعود ولم تزل في يده إلى أن عبر صلاح الدين الفرات في سنة ثمان وسبعين وسار إلى نصيبين فملكها، وأقطعها لأبي الهيجاء السمين ثم استرجعها منه، وأقطعها محمد بن مروان.
فلما ملك الناصر حلب من عماد الدين زنكي ابن قطب الدين مودود عوضه عنها سنجار ونصيبين، وسروج والخابور والرقة.
ولم تزل نصيبين بيد عماد الدين إلى أن توفي في المحرم سنة أربع وتسعين.
وملك بعده ولده قطب الدين سنجار ونصيبين فسار ابن عمه نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود إلى نصيبين فأخذها بعد حصار وقتال شديد في جمادى الأولى من السنة. ثم استرجعها بمساعدة الملك العادل في شهر رمضان من السنة. ولم تزل في يد قطب الدين إلى أن قصدها نور الدين أرسلان شاه بجموعٍ كثيرةٍ، فملكها في سنة ستمائة. ثم أخذها قطب الدين بمساعدة الملك العادل له مرة ثانية. ولم تزل في يده إلى أن قصد الملك العادل قطب الدين في سنجار سنة ستٍ وستمائة فحاصره وضايقه إلى أن صالحه على نصيبين والخابور واتفقا على ذلك.
стр. 137
ولم تزل في يد الملك العادل إلى أن مات، واستولى عليها الملك الأشرف، ولم تزل في يده إلى أن توفي في رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة. فقصدها الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل فأخذها، ولم تزل في يده إلى أن توفي والده في رجب سنة خمس وثلاثين " ثم " قصده، وهو بسنجار بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - فنازله وحاصره، واستولى على نصيبين فبعث الملك الصالح إلى الخوارزمية ولده الملك المُغيث وبدر الدين - قاضي سنجار -. وكانوا في ديار مضر وأرغبهم في البلاد، ووعدهم بها إن هُم رحّلوا عنه بدر الدين فساروا إلى نصيبين فملكوها، واستولوا عليها. ورحّلوا بدر الدين عن سنجار. وسنذكر هذه الوقائع على ما وقعت، مبينة واضحة في تاريخنا الذي جعلناه ذيلا لتاريخ ابن الأثير.
ولم تزل البلاد التي استولوا عليها في أيديهم إلى أن كسرهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف - صاحب حلب - في سنة ثمان وثلاثين واستولى على ما كان بأيديهم. فسار بدر الدين إلى دارا ونصيبين وولى فيهما، فاسترجع منه نصيبين وأبقى عليه دارا، وبقيت في يد نوابه إلى أن التجأت الخوارزمية إلى شهاب الدين غازي، فوصل بهم إلى نصيبين فأخذوها وولى فيها، فسار إليه عسكر الملك الناصر، ومقدمه صاحب حمص، فكسروه واستولوا على نصيبين مرة ثانية. وأقطع بعضها لصاحب الموصل وما زال باقيها في يده، إلى أن انضافت الخوارزمية إلى صاحب ماردين، فخرج عسكر حلب مقدمه الملك المعظم وجمال الدولة، وقصد دُنيسر في بقية سنة أربعين وضايقوها إلى أن وقع الاتفاق على أن أعطوا رأس العين لصاحب ماردين وأعطوا نصيبين للخوارزمية. ولم تزل في ايديهم إلى أن هربوا من التتار لما قصدوا بلاد الروم وأخلوا البلاد، وقصدوا الساحل.
فأقطع الملك الناصر صلاح الدين نصيبين لصاحب ماردين ولصاحب الموصل وللملك المعظم ابن الملك الصالح - صاحب حصن كيفا - وولي عليها من قِبله. ولم تزل في يده إلى أن قصدت التتر ميافارقين فوصل شهاب الدين غازي إلى نصيبين هاربا بين أيديهم. ثم رحلوا عنها في سنة اثنتين وأربعين وعاد شهاب الدين إلى ميافارقين فسار إلى نصيبين صاحب ماردين الملك السعيد نجم الدين إيلغازي في سنة ثلاث وأربعين واستولى عليها، وبقيت يف يده إلى أن وصل الشيخ نجم الدين الباذرائي - رسول الديوان العزيز المستعصمي - وأصلح بين صاحب الموصل وصاحب ماردين على أن تكون نصيبين على القاعدة التي قررها الملك الناصر - صاحب حلب - في سنة خمس وأربعين.
ثم نقض بدر الدين لؤلؤ هذه القاعدة، وصد نصيبين واستولى عليها، وأزج عسكر صاحب ماردين، وذلك في سنة ست وأربعين فخرج الملك المعظم من حلب في عسكر واجتمع بصاحب ماردين وكسروا بدر الدين في سابع شهر ربيع الآخر من السنة، وتسلموا نصيبين من علم الدين قيصر الموصلي.
وكان بدر الدين قد بنى قلعتها، وله بها خزانةٌ، وولى فيها من قِبل الملك الناصر، وأقطع من ضياعها لصاحب ماردين سبعين قرية.
وبقيت في يد الملك الناصر إلى أن استشفع بدر الدين بالخليفة المستعصم إلى الملك الناصر في نصيبين، فنزل له عنها، ورتب عليه مالا يحمله في كل سنة، وأقطع صاحب ماردين عوضا عن سهمه الذي كان له في قراها ماكسين والمجدل وقرى من الخابور، وبقيت في يد بدر الدين إلى أن قصدها الملك السعيد - صاحب ماردين - فملكها في سنة إحدى وخمسين وبقيت في يده إلى أن وصل الشيخ الباذرائي - رسول الديوان العزيز - مع الصاحب كمال الدين ابن العديم، وأصلح بين صاحب الموصل وصاحب ماردين على أن تكون لصاحب الموصل فتسلمها في سنة ثلاث وخمسين واستمرت في يده إلى أن توفي في شعبان سنة سبع وخمسين وستمائة. وبقيت من بعده في يد ولده الملك الصالح إسماعيل مع الموصل إلى أن استولت التتر على البلاد الشامية في سنة ثمان وخمسين. فهرب الملك الصالح من الموصل وقصد باب السلطان الملك الظاهر في سنة تسع وخمسين. فولت التتر في بلاده نوابا. ولم تزل نصيبين في أيديهم إلى سنة إحدى وستين، فضمنها منهم الملك المظفر قرا أرسلان ابن الملك السعيد غازي - صاحب ماردين - واستولى عليها، وفي يده إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.
دارا
قال ابن حوقل: " وهي مدينة، كانت، طيبة في نفسها " وإنما تغيرت في أيام بني حمدان، وكانت مضافة إلى نصيبين " - هنا انتهى كلامه -.
стр. 138
بناها دارا بن دارا - آخر ملوك الطبقة الثانية من الفرس -، وهو الذي قتله الإسكندر، وكان ملكه أربع عشرة سنة.
طولها: خمس وسبعون درجة، وخمس عشرة دقيقة.
عرضها: سبع وثلاثون درجة، وعشر دقائق.
طالعها: برج الميزان.
صاحب ساعة بنائها المشتري.
لم تزل تنتقل في أيدي من يلي ديار ربيعة إلى أن انفردت نصيبين بنفسها، فصارت مضافة إليها في الولاية، إلى أن قتل كربوقا محمد بن شرف الدولة لما أخذ منه نصيبين فلما مات كربوقا في سنة خمس وتسعين وأربعمائة ملك شمس الدولة جكرمش نصيبين، وملك سقمان بن أرتق دارا وحصن كيفا ولم تزل في يده إلى أن ملكها من بني أرتق عماد الدين - ابن عم الملك الصالح - صاحب آمد.
فلما قصد الملك المعظم مظفر الدين - صاحب إربل - حصار الموصل في سنة ست عشرة وستمائة، وجاءه الملك الأشرف إلى الموصل ومعه ملوك الشرق لنجدة عسكر الموصل وكان " من " جملة الملوك، الملك الصالح - صاحب آمد -.
فشكا للملك الأشرف من سوء مجاورة ابن عمه عماد الدين في دارا فقال له: لاأدخل بينكما.
فقبض عليه وأخذ منه دارا في سنة سبع عشرة. واستمرت في ملكه إلى أن توفي في سنة تسع عشرة وانتقلت مملكته إلى ولده اللمك المسعود، فأخذ الملك الأشرف دارا لكونها مجاورة لصيبين وأعطاها لملوكه عز الدين أيبك المعروف بصاحب دارا واستمرت في ولايته إلى أن قتله الخوارزمية في خلاط وكان بها نائبا عن الملك الأشرف عندما أخذوها في سنة سبع وعشرين. ووليها ولده صلاح الدين محمد، وبقي فيها إلى أن توفي الملك الأشرف سنة خمس وثلاثين وستمائة. فصارت إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل فاستولت عليها الخوارزمية عندما تغلبوا على البلاد التي كانت يف يده من أرض الجزيرة. ولم تزل في أيديهم إلى أن قصدهم عسكر الملك الناصر - صاحب حلب - في صفر سنة ثمان وثلاثين وستمائة، فكسروه، واسروا مقدم جيشه الملك المعظم فخر الدين توران شاه وجماعة من أمرائه. ثم التقاهم العسكر مرة أخرى في بقية السنة فكسرهم واستولى على ما كان بأيديهم من بلاد الجزيرة وتغلبوا، فقصد بدر الدين لؤل صاحب الموصل دارا وفيها الملك المعظم محبوس، فحاصرها، ونصب عليها المجانيق، وسير إلى الملك المعظم يسأله أن يتوسط بينه وبين نواب صاحبها دونلك، وشرط على نفسه ألا يعدل بدارا عنه إذا أخذها، فتوسط بينهما إلى أن تسلمها، وولى فيها، واخذ معه الملك المعظم إلى سنجار فأرغد عليه في الإنام والإكرام. ثم سأله أن يُنعم عليه بدارا فأجابه. ثم سار إلى الملك الناصر واستنجز له توقيعا بها. واستمرت في يده إلى أن اتفق " بدر الدين " لؤلؤ مع الملك الصالح نجم الدين أيوب - صاحب مصر - في سنة ستٍ وأربعين.
وقصد دُنيسر و رأس العين فنهبهما، واستصرخ صاحب ماردين بالملك الناصر فسير إليه عسكرا مقدمه الملك المعظم فخر الدين فكسر بدر الدين، واستعاد منه دارا، وخربها وسلم بلدها للملك السعيد نجم الدين غازي ابن الملك المنصور بن أرتق، ولم تزل في يده إلى أن توفي في سنة تسع وخمسين.
وملك بعده ولده الملك المظفر قرا أرسلان وهي في يده إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا التاريخ.
رأس العين
وهي مدينة في مستو من الأرض، أكبر من دارا. لها سور يشتمل على طواحين ومزارع وبساتين. وبها أكثر من ثلاثمائة عين جارية صافية، منها ما لا يعرف له قرار، وقد وُضع عليها شباك من حديد. تجتمع هذه المياه فتصير نهرا واحدا، ويجري على وجه الأرض ويعرف بنهر الخابور. يقع إلى قرقيسيا. فيكون عليه مقدار عشرين فرسخا قرى، منها ماهي كالمدن، وهي: عرابانُ، والمجدل، وماكسين.
ولعرابان سور منيع.
طالع رأس العين الدالي.
متولي ساعة بنائها المشتري.
طولها أربع وسبعون درجة.
عرضها ست وثلاثون درجة وخمسون دقيقة.
فقال البلاذري: لما فتح عياض بن غنم البلاد امتنعت عليه رأس العين ففتحها عمير بن سعد وهو إذ ذاك والي عمر " بن الخطاب ﵁ " على الجزيرة بعد أن قاتل أهلها قتالا شديدا ودخلها المسلمون عنوة، ثم صالحهم بعد ذلك على أن دفعت الأرض إليهم، ووضعت الجزية على رؤوسهم، على كل رأس أربعة دنانير، ولم يسب نساءهم ولا أولادهم.
стр. 139
لم يزل يليها من يلي ديار ربيعة منذ فتحت في صدر الإسلام إلى أن ملك تاج الدولة تتش ديار بكر، واستولى على كثير من بلاد ديار ربيعة، فلما قتله ابن أخيه بركياروق ابن ملكشاه استولى على ما كان بيده من البلاد، فوهب لمغن له يسمى لجا كسرى ماردين فلم يزل بها إلى أن أخذها منه ياقوتي ابن أرتق.
وسبب أخذها أن كربوقا - متولي الموصل من قبل بركياروق - قصد آمد وحارب صاحبها، فاستنجد بسقمان فسار حتى التقى بكربوقا. ووقعت بينهم معركة أجلت عن هزيمة سقمان وأسر أخاه ياقوتي بن أرتق، فحبسه بقلعة ماردين عند لجاكري، فمضت زوجة أرتق إلى كربوقا، وسألته في إطلاق ابنها فأطلقه، فنزل في ظاهر ماردين.
وكان من بنواحي ماردين من الأكراد قد طمعوا في صاحبها، فلا يزالون يشنون الغارات على أطرافها، فسير ياقوتي إليه يقول له: قد صار بيني وبينك مودة وصداقة، وأريد أن أعمر بلدك بأن أمنع عنه الأكراد، وآخذ أموالهم، وأعينك بها على مقاصدك، على أن أقيم في الربض، وتكون أنت في القلعة " وترتب " معي من أجنادك من أستظهر به. فأنعم له بما طلب. فجعل يغير في نواحي خلاط وأرمينية وكلما تحصل له من الكسب يقرفه في الأجناد، فاختدع بذلك أكثر أجناد ماردين، وصاروا معه. فرجع في بعض الأوقات من إغارة فقبض عليهم وقيدهم، وجاء بهم إلى القلعة، ونادى من بها من أهلها: " إن فتحتم الباب وإلا ضربت أعناق من معي " فامتنعوا، فقتل إنسانا منهم، فأذعنوا بتسليمها، فلما ملكها، وذلك في سنة ست وتسعين وأربعمائة، جمع جموعا وأغار بها على بلاد جكرمش، وملك رأس العين، وبقيت في يده إلى أن قتل في حرب كانت بينه وبين جكرمش، فاستولى على ما كان بيده، وبقيت في يده رأس العين إلى أن مات سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وملك بعده إيلغازي - أبن أخيه -. ولم تزل رأس العين بيده إلى أن توفي في شهر رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة، وملك بعده ولده حسام الدين تمرتاش رأس العين فيما ملكه من البلاد. ولم تزل في يده إلى أن توفي في سنة سبع وأربعين، وولي بعده نجم الدين إلبي، ولم تزل في يده إلى أن مات. وملك بعده ولده إيلغازي ثم مات في سنة ثمانين وخمسمائة. وملك بعده حسام الدين يولق أرسلان، ولم يزل مالكا إلى أن قصد الملك العادل ماردين وولي في رأس العين ودنيسر ثم رحل عنها بعد أن حاصرها ولم يظفر منها بطائل في سنة خمس وتسعين، فاسترجع ما كان أخذ من بلاده. ثم عاد جيش الملك العادل إلى البلاد، ومقدمه الملك الأشرف وملك رأس العين، ثم وقعت بينهما على مال قرر، وأن يخطب للملك العادل في بلاده. ولم تزل رأس العين في يد حسام الدين.. إلى أن قتل في سنة ستمائة، وولي بعده أخوه إيلغازي، ولم يزل بها إلى أن قصده الملك الأشرف في سنة سبع عشرة، ومعه الملك الصالح وضايقه، ثم اتفقا على أن يعطي الملك الأشرف رأس العين وثلاثين ألف دينار، ويعوضه الموزر ولم تزل بعد في يد الملك الأشرف إلى أن دخلت في البلاد التي قايض بها أخاه الملك الكامل عن دمشق في سنة ست وعشرين. ولم تزل في يد نواب الملك الكامل إلى أن توفي في سنة خمس وثلاثين.
واستمرت في يد الملك الصالح نجم الدين أيوب - ولده - إلى أن استولى عليها الخوارزمية في سنة خمس وثلاثين. ولم تزل بأيديهم إلى أن كسرهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف - صاحب حلب - في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وأخذها، وولى فيها، واستمرت في يده إلى أن أقطعها الملك السعيد نجم الدين غازي ابن الملك المنصور ناصر الدين أرتق بن إيلغازي، وساتمرت بيده إلى أن توفي في سنة تسع وخمسين، وملك ولده الملك المظفر قرا أرسلان فصالح التتر على ما في يده من البلاد عندما قصدوها في السنة المذكورة. واستمرت رأس العين في يده إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا التاريخ، وهو سنة خمس وسبعين وستمائة.
قرقيسيا
هي قصبة كورة الخابور، وعند مصب نهر الخابور في الفرات. وفي كورتها من البلاد: ماكسين، وعربان، والمجدل.
لم يتصل بعلمي من ملكها بعد خروجها عن أيدي بني قريش فيما طالعته من كتب التواريخ. إلى أن قرأت في تاريخ ابن الأثير.
قال في حوادث سنة أربع وعشرين وستمائة: مات الملك المظفر نور الدين محمود بن زنكي بن قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي - صاحب قرقيسيا - وكان الملك الأشرف قد أخذها منه وعوضه عنها.
стр. 140
ولم تزل في يد نواب الملك الأشرف " إلى أن توفي " في رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة. فاستولى عليها السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهو حينئذ نائب عن والده السلطان الملك الكامل، وبقيت في يده إلى أن تغلب عليها الخوارزمية، ولم تزل في أيديهم إلى أن كسرهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف - صاحب حلب - واسترجعها منهم، وأقطعها للملك المنصور، ناصر صلاح الدين أبي طاهر إبراهيم ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه - صاحب حمص - ولم تزل في يده إلى أن مات في سنة أربع وأربعين وستمائة.
وعادت بعد موت الملك المنصور - صاحب حمص - إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف - صاحب الشام - والخابور معها لبدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - في سنة سبع وأربعين وستمائة. فلما توفي بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - في سنة سبع وخمسين وستمائة عاد السلطان الملك الناصر ولىّ عليها من قبله. ولم تزل في يده إلى أن دخلت سنة ثمان وخمسين وستمائة، واستولت التتر على البلاد الشامية، فطلبها من التتر الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل - فأعطيها، وولىّ فيها من قبله، ولم تزل بيده إلى أن خرج من الموصل قاصدا الديار المصرية في سنة تسع وخمسين وستمائة. فعادت إلى ولاية التتر وهي بأيديهم إلى حين وضعنا هذا الكتاب، وهو سنة تسع وسبعين وستمائة، وأظنها - والله أعلم - أنها لصاحب ماردين غير أن بها من جهة التتر ناسا لأجل حفظ المعابر.
سنجار
قال " ابن " الكلبي: وسنجار، وهيت وآمد أسماء أولاد البلندي بن مالك بن ذعر بن بويب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم. نزلوا بهذه الأماكن فعرفت بهم ونسبت إليهم.
وذكر ابن حوقل: مدينة في وسط البرية في سفح جبل، بها أنهار جارية، وعيون مطردة، ومباخس وإسقاء وضياع، وعليها سور من الحجر والكلس منيع.
واستوصفت أحد أهلها بها، فذكر أنها كانت قبل استيلاء أحد أهلها لها، فذكر أنها كانت قبل استيلاء التتر عليها بليدة صغيرة، لها سوران، أحدهما أعلى من الآخر، وكلاهما مبني بالحجر والجص.
ولها قلعتان على تلين: إحداهما: من بناء أحد العقيليين الذين كانوا ملوك الموصل أولا، وهو الذي جدد بناء سورها، وبنى بها برحا كبيرا يعرف ببرج الخزانة.
والقلعة الأخرى تسمى الجديدة أنشأها قطب الدين محمد ابن الأثابك عماد الدين زنكي بن آق سنقر سنة ست وستمائة.
ولما استولت التتر - خذلهم الله - على سنجار سنة ستين وستمائة أخربوا السور والقلعتين، وأخربوا مشهدا كان ملاصقا للسور يعرف بمشهد علي ﵇ فجدده نائب لهم من العجم يدعى قوام الجين محمد اليزدي، واقيمت فيه الجمعة.
وفي وسط المدينة نهران: وفي وسط المدينة نهران: أحدهما يعرف بنهر دار العين.
والآخر يخرج من عين في البلد ثرة تسمى عين الأحتات فتجري في البلد، ثم تخرج من تحت السور.
وكان لها أربعة أبواب، ثلاثة منها في قبليها: أحدها: باب الماء.
والثاني: الباب العتيق.
والثالث: الباب الجديد، ويدخل من هذا الباب إلى ساحة كبيرة فيها دور السلطنة.
والباب الرابع: من شماليها يدعى باب الجبل.
ويطل على البلد جبل مرتفع من شماليها، كثير البساتين الأشبة.
ولها ربضان، وفيها الأسواق العامرة، والمساجد الآهلة، والآخر من شرقيها.
وبها ست مدارس: منها اثنتان داخلها: إحداهما: إنشاء السلطان الشهيد نور الدين محمود بن زنكي، يدرس فيها مذهب أبي حنيفة.
والآخر أنشأها الشيخ صدر الدين المعروف بابن الشيخ، وكان رئيس البلد وكبيرها وعينها، يدرس فيها مذهب الإمام الشافعي ﵁.
وأربع بخارجها: إحداها إنشاء الأمير مجاهد الدين قايماز، عتيق عماد الدين زنكي، يدرس فيها مذهب أبي حنيفة.
والثانية أنشأها صاحب الديوان شمس الدين المعروف بابن الكافي يدرس فيها المذهبان.
والثالثة من إنشاء عماد الدين زنكي.
والرابعة ليس لها وقف، من إنشاء أم قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي، دفن فيها الملك الفائز إبراهيم ابن الملك العادل.
وبها خانقاهات ثلاث، منها: واحدة داخلها إنشاء نور الدين محمود بن زنكي.
وبخارجها اثنتان: إحداهما من إنشاء جمال الدين محمد الأصفهاني - الوزير -.
стр. 141
والثانية من إنشاء السلطان الشهيد نور الدين ﵀ مرصدة للواردين الغرباء.
ذكر فتح مدينة سنجار وملكها
قال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: حدثني محمد ابن المفضل الموصلي عن مشايخ من أهل سنجار قالوا: كانت سنجار في أيدي الروم فاتفق أن كسرى المعروف بأبرويو أراد قتل مائة رجل من الفرس كانوا حملوا إليه بسبب خلاف ومعصية. فكلم فيهم " فأمر أن يوجهوا إلى سنجار وهو يومئذ يعاني فتحها، فمات منهم " في الطريق رجلان، ووصل " إليها " ثمانية وتسعون " رجلا "، فصادفوا المسلمين عليها محاصرين لها، فنزلوا على ناحية منها وقاتلوها، ففتحوها دون المسلمين وتحصنوا بها. فلما انصرف عياض بن غنم من خلاط " وصار " إلى الجزيرة بعض إلى سنجار ففتحها " صلحا " وأسكنها قوما من العرب.
ذكر من وليها بعد خروج الجزيرة عن أيدي
بني حمدان في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة قد تقدم القول بذكر من فتحها، ومن ملك الجزيرة بمجموعها أولا، فأعني عن إعادته ثانيا. فإن سنجار لم تزل مضافة إلى من يلي ديار ربيعة والموصل. فلما أن خرجت عن أيدي بني حمدان في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة انتقلت إلى أمراء بني عقيل - ملوك الموصل - وأولهم: أبو الذواد محمد بن المسيب بن رافع بن المقلد ابن جعفر بن عمرو بن المهنا عبد الرحمن بن بريد - مصغرا - بن عبد الله بن زيد بن قيس بن جوثة بن طهفة ابن حزن بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوزان.
تغلب أبو الذواد على الموصل وملكها وسنجار فلم تزل في يده إلى أن توفي في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
ووليها المقلد - أخوه - إلى أن قتل في سنة إحدى وتسعين.
ووليها ولده قرواش، وتوفي سنة اثنتين وأربعين " وأربعمائة " ولم تزل " في يد " من يلي الموصل من بني عقيل إلى زمن الأمير شرف الدولة، أبي المكارم مسلم بن أبي المعالم قريش.
وكان استولى على ديار عظيمة، وسيرته حسنة. فساس الناس سياسة حسنة. وشمل الأمن جميع الرعية والسبل. وقد استوفينا بعض سيرته في أخبار حلب.
ولم يزل مالكا الموصل وسنجار وحلب إلى أن قتل في حرب جرت بينه وبين سليمان بن قتلمش - ظاهر إنطاكية - في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
وولي بعده أخوه أبو سالم إبراهيم بن قريش. وكان قد اعتقله أخوه شرق الدولة في قلعة سنجار أربع عشرة سنة. فلما توفي أخوه اجتمعت العشيرة على إخراجه وتوليته مكان أخيه، فأخرجوه وولوه الموصل وسنجار. فلم يزل بهما إلى أن وصل السلطان ملكشاه في سنة ثمانين وأربعمائة، فقبض على إبراهيم بن قريش وسلم البلاد إلى أبي عبد الله محمد بن شرف الدولة بن قريش وأزوجه أخته زليخا واستمرت إلى أن استدعاه السلطان ملكشاه إليه واعتقله. فلم يزل معتقلا إلى أن توفي السلطان ملكشاه ليلة الجمعة النصف من شوال من سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فأطلقته تركان خاتون - زوجة السلطان - ولعمه إبراهيم فوصلا إلى الجزيرة.
وكان نواب أبي عبد الله محمد بن شرف الدولة بسنجار مدة حبسه. فوصل إلى الجزيرة.
ولما بلغ تاج الدولة تتش السلجوقي، صاحب دمشق - أخو ملكشاه - خرج من دمشق بعساكره طمعا في ملك أخيه ملكشاه. فوصل إلى الجزيرة واستولى على هيت، وعاد إلى دمشق.
ثم خرج ثانيا، فوصل إلى حلب وقتل قسيم الدولة آق سنقر - صاحب حلب - في وقعة كانت بينهما بظاهر حلب وملكها.
ثم سار إلى الرها فملكها، وإلى ميافارقين وآمد فملكهما، وتسلم تصيبين، وسلمها إلى محمد ابن شرف الدولة بن قريش.
وتوجه إلى لقاء ابن أخيه بك ياروق وضرب معه مصافا، فقتل تاج الدولة في الوقعة، وذلك في سنة ثمان وثمانين وأربع مائة.
стр. 142
ولم يزل محمد بن مسلم بن قريش واليا على الموصل وسنجار إلى أن قتله كربوقا في وقعة جرت بينهما، بعد أن أسره، وذلك في سنة تسع وثمانين وأربع مائة. واستولى على الموصل بعد حصار. ولم يزل حاكما على الموصل وسنجار إلى أن توفي في سنة خمس وتسعين وأربع مائة وذكر ابن الأثير في تاريخه " الكامل " في حوادث سنة اثنتين وخمسمائة أن تميرك كان متوليا على سنجار مستقلا بملكها، ولم نتحقق تمليكه لها، هل كان نيابة أو تغلبا. واستمر نميرك في ولاية سنجار إلى أن دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة فأقطع السلطان " محمود بن محمد مدينة الموصل وسنجار والخابور وغيرها من البلاد لآق سنقر البرسقي فلم يزل مالكا لسنجار إلى أن قتل بالموصل في الجامع يوم الجمعة ثامن ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة.
ووليّ ولده عز الدين مسعود، ولم يزل واليا على الموصل وسنجار إلى أن توفي بمدينة الرحبة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
وبقي جاولي - مملوك البرسقي - على الموصل وسنجار أشهرا.
ذكر ولاية عماد الدين زنكي الموصل
أقطع السلطان محمود الموصل والجزيرة وما يليهما لعماد الدين زنكي بن قسيم الدولة آق سنقر الذي كان ملك سنة احدى وعشرين وخمس مائة فاستقل بملكها. ثم سار إلى نصيبين فملكها. وسار إلى سنجار، فامتنع من بها ثم صالحوه وسلموها إليه وملك الجزيرة بكمالها. ولم تزل في يده إلى أن قصد قلعة جعبر وحاصرها. وقتل بها سنة إحدى وأربعين وخمس مائة.
وملك ولده الكبير سيف الدين غازي الموصل وبلاد الجزيرة وسنجار يوم الاثنين سابع شهر ربيع الآخر منها. وملك سيف الدين غازي الموصل وسنجار بعد أبيه. ونقل خزائن الموصل إلى سنجار.
وكان الوالي بها رجل يقال له يلمان فعزله وولاها لعبد الملك المقدم الديلمي. ولم تزل سنجار في يده إلى أن توفي في جتدي الآخرة من سنة أربع وأربعين وخمس مائة.
فلما توفي سيف الدين غازي كان أخوه قطب الدين مودود مقيما بالموصل، وكان له ولد صغير فتوفي بعده فملك الموصل قطب الدين مودود بعد أخيه.
ذكر استيلاء نور الدين على سنجار
لما ملك قطب الدين مودود الموصل، [بعد أخيه سيف الدين غازي] كان أخوه الأكبر نور الدين محمود بالشام، وله حلب وحماة، فكاتبه جماعة من الأمراء، وطلبوه. ومن جملة من كاتبه المقدم عبد الملك، وكان حينئذ مستحفظا لسنجار فأرسل إليه يستدعيه، ليسلم إليه سنجار. فسار جريدةً في سبعين فأرسل من أمراء دولته. فوصل إلى ماكسين في نفر يسير قد سبق أصحابه. وكان يوما شديد المطر، فلم يعرفهم الذي كان يحفظ الباب، فأخبر الشحنة أن نفرا من التركمان المتجندة قد دخلوا البلد، فلم يستتم كلامه حتى دخل نور الدين الدار على الشحنة، فقام إليه، وقبل يده، ولحق به باقي أصحابه.
ثم سار إلى سنجار، فوصلها، وليس معه غير ركابي واحد وسلاح دار، ونزل بظاهر البلد، وأرسل إلى المقدم يعلمه بوصوله. وكان المقدم حينئذ قد توجه إلى الموصل، فسيَّر خلفه من أعلمه بوصول نور الدين. فعاد إلى سنجار وسلمها إليه، فدخلها نور الدين وتسلمها. وأرسل إلى فخر الدين قرا أرسلان - صاحب الحصن - يستدعيه لمودة كانت بينهما، فوصل إليه في عسكره.
ولما سمع أتابك قطب الدين مودود وجمال الدين محمد الإصبهاني، الوزير، وزين الدين علي كوجك بذلك جمعوا عساكرهم وساروا نو سنجار، فوصلوا إلى تل يعفر وترددت الرسل بينهم، بعد أن كانوا عازمين على قصد سنجار فقال لهم جمال الدين: ليس من الرأي قتاله، فإننا نحن قد عظّمنا محلّه عند السلطان. وجعلنا أنفسنا دونه، وهو أيضا يعظمنا عند الفرنج. فإذا لقيناه، فإن هزمناه طمع السلطان فينا، ويقول: هذا الذي " كانوا " يعظمونه ويحتمون به أضعف منهم " وقد هزموه "، وإن هزمنا طمع الفرنج فيه، وتطرفوا إلى البلاد.
وبالجملة فهذا هو ولد أتابك الكبير وأشار بالصلح، ويسلم سنجار إلى أخيه قطب الدين ويتسلم مدينة حمص والرحبة بأرض الشام. فعاد الشام له، والجزيرة لأخيه واتفقا.
وعاد نور الدين " إلى " حلب، وأخذ معه ما كان ادخره أبوه أتابك الشهيد فيها من الجواهر، وكانت شيئا كثيرا جدا.
ولم تزل سنجار في يد قطب الدين إلى أن توفي في سنة خمس وستين وخمس مائة. وكان قد جعل ولي عهده عماد الدين زنكي ولده، فعدل عنه إلى ولده الصغير سيف الدين غازي.
стр. 143
وكان السبب في عدوله عن ولده الكبير أن وزيرا كان رجلا يدعى فخر الدين عبد المسيح، فحسّن له العدول عن ابنه عماد الدين زنكي، وتولية ابنه الصغير، فولى سيف الدين غازي، فسار ولده الكبير إلى عمه نور الدين وكان يبغض فخر الدين عبد المسيح.
ذكر ملك نور الدين الموصل وسنجار
لما بلغ نور الدين محمود بن زنكي وفاة أخيه قطب الدين مودود - " صاحب " الموصل - وملك " ولد " أخيه سيف الدين غازي الموصل والبلاد التي كانت لأبيه بعد وفاته، وقيام فخر الدين عبد المسيح بالأمر معه، وتحكّمه عليه، أنف لذلك، وعظم عليه وقال: أنا أولى بتدبير بني أخي وملكهم. وسار عند انقضاء العزاء جريدةً في قلةٍ " من " العسكر، وعبر الفرات عند قلعة جعبر مستهل المحرم من هذه السنة وقصد الرقة فحصرها، وأخذها. ثم سار إلى الخابور " فملكه جميعا ". وملك نصيبين وأقام بها، فجمع العسكر، فأتاه نور الدين محمد بن قرا أرسلان ابن داود - صاحب حصن كيفا - وكان قد كثر جمعه. وكان قد ترك أكثر عساكره بالشام لحفظ ثغوره، فلما اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها، ونصب عليها المجانيق، فملكها وسلمها إلى عماد الدين ابن أخيه قطب الدين.
وكان قد جاءته كتب الأمراء " الذين بالموصل " سرا يبذلون له الطاعة، ويحثونه على الوصول " إليهم "، فسار إلى الموصل، فأتي مدينة بلد وعبر دجلة " عندها " في مخاضةٍ إلى الجانب الشرقي، وسار فنزل شرقي الموصل على حصن نينوى ودجلة بينه وبين الموصل.
ومن العجب أن يوم نزوله سقط من سورها بَدَنةٌ.
وكان سيف الدين غازي وفخر الدين قد سيرا عز الدين مسعود بن قطب الدين " إلى أتابك شمس الدين إيلكز، صاحب همذان، وبلد الجبل، وأذربيجان، وأصفهان الري وتلك الأعمال " يستنجده على عمه نور الدين، فسير " إيلدكز " رسولا إلى نور الدين ينهاه عن التعرض إلى الموصل ويقول له: إن هذه البلاد بلاد السلطان فلا تقصدها فلم يلتفت إليه، وقال للرسول: قل لصاحبك، أنا أصلح لأولاد أخي منك، فلِمَ تُدخل نفسك بيننا؟ وعند الفراغ من إصلاح بلادهم، يكون الحديث معك على باب همذان فنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة وأهملت الثغور حتى غلبت عليها الكُرج، وقد بُليتُ أنا، ولي مثل ربع بلادك بالفرنج، وهم أشجع العالم، فأخذتُ معظم بلادهم، وأسرتُ ملوكهم، فلايحل لي السكوت عنك، فإنه يجب علينا وعلى كل مسلم القيام " بحفظ " ما أهملتَ، وإزالة الظُلم عن المسلمين.
وأقام نور الدين على الموصل، فعزمَ من بها من الأمراء على مجاهرة فخر الدين عبد المسيح بالعصيان، وتسليم البلد إلى نور الدين فعلِم بذلك، فأرسل إلى نور الدين في تسليم البلد إليه، على أن يُقّضرهُ بيد سيف الدين، ويطلب لنفسه الأمان ولماله. فأجابهُ إلى ذلك، وشرط أن يأخذهُ معه إلى الشام، ويعطيه عنده إقطاعا يرضيه. فسلم إليه البلد ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ودخل القلعة من باب السر، لأنه لما بلغه عصيان عبد المسيح عليه، حلف أنهُ لا يدخلها إلا من أحصن مكان فيها.
ولما ملكها أطلق ما بها من المكوس وغيرها من " أبواب " المظالم. وكذلك فعل بنصيبين وسنجار والخابور، وهكذا فعل في جميع بلاده من الشام ومصر.
ووصله وهو على الموصل " يحاصرها " خلعة من الخليفة المستضيئ بأمر الله فلبسها.
ثم أعطى سنجار لعماد الدين، فلم يزل بها إلى أن توفي نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر وملك ولده الملك الصالح إسماعيل حلب.
ولم يزل عماد الدين مستمرا بسنجار إلى أن مات الملك الصالح في سنة سبع وسبعين وخمس مائة.
وكان لما اشتد مرضه أوصى بأن تُسلم حلب إلى ابن عمه عز الدين مسعود - صاحب الموصل - فوصل إليها وتسلمها إلى أن توفي.
ذكر تسليم حلب إلى عماد الدين من عز الدين صاحب الموصل
стр. 144
" لما وصل عز الدين إلى الرقة، جاءته رسل أخيه عماد الدين - صاحب سنجار - وطلب أن يسلم إليه مدينة حلب، ويأخذ عوضا عنها مدينة سنجار فلم يجبه إلى ذلك. ولجّض عماد الدين وقال: إن لم تُسلم إليَّ حلب، وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين. فأشار حينئذ جماعة من الأمراء بتسليمها إليه. وكان أشدهم في ذلك مجاهد الدين قايماز، فلم يُمْكنِ عز الدين مخالفته لتمكنه في لادولة، وكثرة عساكره وبلاده. وإنما حمل مجاهد الدين على " ذلك " خوفه م عز الدين لأنه عظم في نفسه وكثر معه العسكر. فكان الأمراء الحلبيون لا يلتفتون إلى مجاهد الدين ويسلكون معه من الأدب ما يسلكه معه عسكر الموصل، فاستقر الأمر على تسليم حلب إلى عماد الدين ودفع سنجار إلى أخيه، وعاد إلى الموصل.
وكان صلاح الدين إذ توجّه بمصر، فلما بلغه خبر ملك عز الدين حلب، عظم عليه. وخاف أن يسير منها إلى دمشق وغيرها، ويملك الجميع. فأيس من حلب. فلما بلغه ملك عماد الدين لها برز " من مصر " من يومه. وسار إلى الشام. وكان " من الوهن على " دولة عز الدين ما نذكره - إن شار الله تعالى -.
ذكر ملك صلاح الدين سنجار
" لما سار صلاح الدين عن الموصل إلى سنجار سيَّر مجاهد الدين " قايماز " إليها عسكرا، قوة لها ونجدة، فسمع بهم صلاح الدين فمنعهم من الوصول إليها، وأوقع بهم، واذخ سلاحهم، ودوابهم وعلوفاتها، وسار إليها ونازلها. وكان بها شرف الدين أمير أميران " هندوا " وأخوه عز الدين - صاحب الموصل - معه في عسكرٍ، فحصر البلد وضايقه، وألح في قتاله، فكاتبه بعض الأمراء الأكراد، " الذين به " من الزرزارية " وخامر معه "، وأشار عليه بقصده من الناحية التي هو فيها " ليسلم إليه " البلد، فطرقه صلاح الدين ليلا، فسلم إليه ناحيته، فملك الباشورة لا غير. فلما سمع شرف " الدين " الخبر استكان وخضع، وطلب الأمان فأمِّن. ولو قاتل على تلك الناحية لكان أخرج العسكر الصلاحي عنها. ولو امتنع بالقلعة لحفظها ومنعها، لكنه عجز. فلما طلب الأمان أجابه صلاح الدين إلى ذلك وأمنَّهُ، وملك البلد، وسار شرف " الدين " ومن معه إلى الموصل " واستقر الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بملك سنجار.
" واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنُر، وكان من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى ".
ولم تزل سنجار بيد صلاح الدين إلى أن دخلت سنة تسع وسبعين وخمس مائة، فملك صلاح الدين آمد، وأنعم بها على نور الدين بن قرا أرسلان - صاحب الحصن -.
وقصد حلب وحاصرها. وكان بها عماد الدين زنكي ابن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي، وضايقها، فأرسل عماد الدين إليه، وطلب الصلح، فعوضه عنها سنجار ونصيبين والرقة وسروج والخابور.
وكان ذلك في ثامن عشر صفر من السنة.
ولم تزل سنجار بيد عماد الدين زنكي " بن مودود بن زنكي بن آق سنقر إلى أن توفي في المحرم سنة أربع وتسعين وخمس مائة وملكها ولده قطب الدين محمد.
ذكر وفاة عماد الدين زنكي بن مودود
" في هذه السنة من المحرم توفي عماد الدين زنكي بن مودود ابن " زنكي ن " آق سنقر - صاحب سنجار ونصيبين والخابور والرقة. وقد تقدم ذكره، كيف ملكها سنة تسع وسبعين.
وكان ﵀ عادلا، حسن السيرة في رعيته، عفيفا عن أموالهم، وأملاكهم، متواضعا، يحب أهل العلم والدين، ويحترمهم، ويجلس معهم، ويرجع إلى أقوالهم إلا أنه كان بخيلا شديد البخل، وملك بعده ولده قطب الدين محمد وتولىّ تدبير دولته مجاهد الدين يرنقش - مملوك أبيه -.
وكان دينا، خيرا، عادلا، حسن السيرة، كثير البر والإحسان إلى الفقراء، وكان ﵀ شديد التعصب على مذهب الحنفية، كقير الذم للشافعية.
فمن جملة تعصبه أنه بنى مدرسة للحنفية بسنجار، وشرط أن يكون النظر إلى الحنفية من أولاده، دون الشافعية، وشرط أن يكون البواب والفراش على مذهب أبي حنيفة. وشرط للفقهاء طبيخا يطبخ لهم كل يوم؟ وهذا نظر حسن، رحمه الله تعالى.
ذكر حصار الملك العادل سنجار
стр. 145
وفي سنة ست وستمائة قصد الملك العادل أبو بكر " محمد " بن أيوب نصيبين والخابور وملكهما، وحصر مدينة سنجار " والجميع " من أعمال الجزيرة، وهي بيد قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي " بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي " بن آق سنقر ". وسبب ذلك أن قطب الدين المذكور كان بينه وبين ابن عمه نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود - صاحب الموصل - عداوة مستحكمة، وقد تقدم ذكر ذلك.
فلما كان سنة خمس وستمائة حصلت مصاهرة بين نور الدين والملك العادل فإن بعض أولاد الملك العادل تزوج بابنة نور الدين.
وكان وزراء نور الدين يحبون أن يشتغل عنهم، فحسنوا له مراسلة الملك العادل، والاتفاق معه على أن يقتسموا البلاد التي لقطب الدين، وبالولاية التي لولد سنجر شاه بن غازي ابن مودود وهي جزيرة ابن عمر وأعمالها فيكون " ملك " قطب الدين للملك العادل، وتكون الجزيرة لنور الدين. فوافق هذا القول هوى نور الدين فأرسل إلى الملك العادل في المعنى، فأجابه إلى ذلك مستبشرا، وجاءه ما لم يكن يرجوه. لأنه علم أنه متى ملك هذه البلاد إذا ملكها لولده الذي هو زوج ابنة نور الدين ويكون مقامه في خدمته بالموصل. واستقرت القاعدة على ذلك، وتحالفا عليها. فبادر الملك العادل إلى المسير من دمشق إلى الفرات في عساكره، وقصد الخابور فأخذه.
فلما سمع نور الدين بوصوله خاف واستشعر، فأحضر من يرجع إلى رأيهم وقولهم وعرفهم وصول الملك العادل واستشارهم فيما يفعله. فأما من أشار عليه بذلك فسكتوا، وكان فيهم من لا يعلم هذه الحال فعظم الأمر، وأشار بالاستعداد والحصار وجمع الرجال، وتحصيل الذخائر وما يحتاج إليه. فقال نور الدين: نحن فعلنا ذلك وخبرة بالخبر فقال: بأي رأي تجيء إني عدو لك، وهو أقوى منك وأكثر جمعا، وهو بعيدٌ منك متى تحرك تعلم به فلا يصل إليك إلا وقد فرغت من جميع ما تريده، تسعى حتى يصير قريبا منك ويزداد قوة إلى قوته؟!.
ثم " إن " الذي استقر بينكما أنه له تمليكه أولا بغير تعب وغير مشقة، وتبقى أنت لا يمكنك أن تفارق الموصل إلى الجزيرة وتحصرها، والملك العادل ههنا. هذا إن وفى لك بما استقرت القاعدة عليه؛ بل لايجوز أن تفارق الموصل إلى إن عاد الشام لأنه قد صار له ملك خلاط وبعض ديار بكر والجزيرة، جميعها، - والجميع بيد أولاده - متى سرت عن الموصل أمكنهم أن يحولوا بينك وبينها. فما زدت على أن آذيت نفسك وابن عمك وقويت عدوك، وجعلته شعارك، وقد فات الأمر. وليس يجوز إلا أن تقف معه على الأمر الذي استقر بينكما، لئلا يجعل ذلك حجة ويبتدئ بك. هذا والملك العادل قد ملك الخابور ونصيبين وعاد إلى سنجار وحضرها. وكان في عزم قطب الدين - صاحبها - أن يسلمها إليه بعوض يأخذه عنها، فمنعه من ذلك أمير كان معه اسمه أحمد بن يرنقش مملوك " أبيه " زنكي وقام بحفظ المدينة والذب عنها.
وجهز نور الدين عسكرا مع ولده الملك القاهر يسيروا إلى الملك العادل. فبينما الأمر على ذلك إذ جاءهم أمر لم يكن في الحساب، وهو أن مظفر الدين كوكبري - صاحب إربل - أرسل وزيره إلى نور الدين يبذل له من نفسه المساعدة على منع الملك العادل عن سنجار، والاتفاق معه على ما يريد فوصل الرسول ليلا، فوقف مقابل دار نور الدين وصاح، فعبر إليه سفينة عبر فيها، واجتمع بنور الدين ليلا وأبلغه الرسالة، فأجاب نور الدين إلى ما طلب من الموافقة، وحلف له على ذلك، وعاد الوزير من ليلته، فسار مظفر الدين فاجتمع هو ونور الدين فنزلا في عساكرهما بظاهر الموصل.
следующие страницы →