← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7591

التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام

عبد المجيد بن سالم المشعبي

Полный текст (321 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفصل الأوا: الحكمة من خلق النجوم خلق الله النجوم لحكمة سامية، أرشدنا الله تعالى إليها، ووردت هذه الحكم مجموعة فيما رواه البخاري تعليقاً أن قتادة قال: ( ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ١، خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك٢ أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف مالا علم له به) ٣، ومن هذا تبين أن الحكم التي اتضحت لنا من خلق النجوم ثلاث، وهي: ١- أن تكون زينة للسناء: وقد دلت نصوص القرآن الكريم على هذه الحكمة في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً ٤ وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ ٥، أي: زينا السماء بالكواكب لمن نظر إليها وأبصرها٦، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ ٧،وقوله:

стр. 142

﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ١، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ٣. ٢- أن تكون رجوماً للشياطين: وقد دلت نصوص القرآن الكريم على هذه الحكمة أيضاً في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ٤ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ٥، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ٦، وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٧، وقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ٨ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا

стр. 143

لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ١، وقوله حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ ٢. وبينها النبي ﷺ فيما رواه مسلم من حديث ابن عباس ﵄ قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنهم بينما هم جلوس مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وُلد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ : "فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون" ٣. ٣- أن تكون علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر: وكذلك جعل الله تعالى هذه النجوم أدلة في البر والبحر للناس ليهتدوا بها إذا ضلوا

стр. 144

الطريق أو تحيروا فيه١، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٣. هذه هي الحكم التي من أجلها خلقت النجوم، فمن الواجب أن تجعل النجوم فيما جعلت من أجله، لا يتجاوز بها ذلك، كما قال قتادة ﵀: (فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به) ٤.

стр. 145

الفصل الثاني: حكم الاستسقاء بالأنواء الفصل الثاني: حكم الاستسقاء بالأنواء ... الفصل الثاني: حكم الاستسقاء بالأنواء١ منازل القمر ثمان وعشرون٢ منزلة٣، قد أشار الله إليها بقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٤، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها٥، أما الشمس فتقطع كل منزلة في ثلاثة عشر يوماً تقريباً إلا الجهمية فتقطعها في أربعة عشر يوماً٦، لذلك فإن سقوط كل نجم من هذه بعد ثلاثة عشر يوماً خلا الجهبة فسقوطها بعد أربعة عشر يوماً، حيث تنقضي السنة بانقضاء سقوط النجوم كلها٧، وما من نجم يسقط إلا ويطلع رقيبه في الوقت نفسه الذي يسقط فيه٨، فمن حين سقوطه إلى

стр. 146

سقوط التالي له هو نوءه، وذلك ثلاثة عشر أو أربعة عشر يوماً١ -على ما بينته آنفاً-، فمثلاً إذا سقط الشرطان طلع الإكليل في ساعته فمن حين سقوط الشرطان إلى سقوط الإكليل هو نوء الشرطان ... وهكذا في بقية المنازل. وقد كانت العرب تدعي نسبة ما يحدث في هذه المدة من مطر أو ريح أو برد أو حر إلى النجم الساقط، وقيل: إلى الطالع٢، وكل منزلة من المنازل التي ذكرتها آنفاً لها نوء، ولكنها تختلف عندهم، فبعضها أحمد وأغزر، كنوء الثريا، ويجعلونها إناثاً، وذوات نتاج، ويجعلون مالا نتاج له ذكراً، ومنحوساً٣، فعلى هذا يكون نسبة المطر إلى النوء ينقسم إلى قسمين٤: القسم الأول: نسبة الفعل للكواكب، وادعاء أنه هو الذي ينشئ السحاب، ويأتي بالمطر٥، وهذا اعتقاد باطل، إذ إن من اعتقد أن هذه الأنواء فاعلة للمطر من دون الله فهو كافر، ومن اعتقد أنها فاعلة له وحدها بما جعل الله فيها من القدرة على ذلك ثم تركها فهو كافر أيضاً، لأن الخلق والأمر من الله وحده٦، كما قال تعالى:

стр. 147

﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ١، وهذا ما عليه إجماع المسلمين٢. القسم الثاني: اعتقاد أن المطر من عند الله، مع نسبته إلى النوء والوقت: فهذا من إضافة إنعام الله إلى غيره، وهذا من جنس قول الناس: كانت الرياح طيبة، والملاح حاذقاً إذا نجوا بالسفينة إلى البر. فنسب هؤلاء حسن جريان السفينة إلى طيب الريح وحذق الملاح وسياسته، ونسوا الله تعالى، هذا ما كان عليه أهل الجاهلية، وهو محرم٣، وقد دلت الأدلة على تحريمه، منها: قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٤، فهذه الآية نزلت في الذين يقولون/ مطرنا بنوء كذا، ولا ينسبونه إلى الله تعالى، ودل على هذا ما رواه الإمام مسلم ﵀ عن ابن عباس ﵄ قال: مطر الناس على عهد النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر". قالوا: هذه رحمة الله. قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ " ٥. ومعنى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: شكركم لله على رزقه، ومعنى ﴿أَنَّكُمْ

стр. 148

تُكَذِّبُونَ﴾ أي: بنعمة الله بقولكم سقينا بنوء كذا١. وما رواه الشيخان رحمهما الله وغيرهما عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بين مؤمن بالكوكب" ٢، وما رواه مسلم ﵀ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر"٣، وما رواه مسلم أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ألم تروا إلى ما قال ربكم قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة ألا أصبح فريق منهم كافر يقولون الكواكب، وبالكواكب"، وما رواه مسلم أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين ينزل الله الغيث، فيقولون الكوكب كذا وكذا" ٤، وما رواه مسلم أيضاً وغيره عن أبي مالك الأشعري٥ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من

стр. 149

أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" ١، وما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن معاوية الليثي٢ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون الناس مجدبين فينزل الله ﵎ عليهم رزقاً من رزقه فيصبحون مشركين"، فقيل له: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا" ٣. وما أخرجه أحمد والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ليبيت القوم بالنعمة، ثم يصبحون وأكثرهم كافرون يقولون مطرنا بنجم كذا وكذا" ٤. وما رواه الطبراني٥ وغيره عن أبي أمامة٦ قال: قال رسول الله

стр. 150

صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها النجوم، وتكذيب بالقدر، وحيف١ السلطان" ٢. وما رواه أبو يعلى٣ ﵀ وغيره عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ من المدينة، فالتفت إليها فقال: "إن الله قد برأ هذه الجزيرة من الشرك، ولكن أخاف أن تضلهم النجوم" قالوا: يا رسول الله كيف تضلهم النجوم؟ قال: "ينزل الغيث فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا" ٤. فهذه الأدلة كلها تبين أن من نسب المطر إلى

стр. 151

الأنواء والنجوم فقد وقع في الشرك الخفي، وذم النبي ﷺ لهذا المعتقد يدل على أنه لا عمل للنوء في السحاب والرياح والمطر١. وورود الشرع بالمنع من هذه الكلمة دال على التحريم٢. ولأنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره، فيساء الظن بصاحبها. ولأنها شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم٣. ولأن في التحريم سداً لباب الشرك وحماية لجناب التوحيد٤. أما جعل الأنواء علامة على المطر مع عدم نسبته إليه لا قولاً ولا اعتقاداً: فقد استدل العلماء على جوازه بأدلة٥ هي: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٦، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ ٧، وما في معناها من الآيات، وبما رواه مالك والطبراني عن عائشة ﵂

стр. 152

قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فهي عين غديقة" ١، قالوا: دلت الآيات السابقة والحديث على جواز جعل الرياح علامة على المطر بحسب ما جرت عليه العادة، وكذلك الأنواء يجوز جعلها علامة على ما جرت به العادة، بشرط أن يعتقد أن النوء لا تأثير له في نزول المطر، ولا هو فاعل، وأن المنفرد بإنزاله هو الله وحده٢. وبما رواه الببهقي والطبري بسنديهما وغيرهما عن سعيد بن المسيب قال: (قد حدثني من لا أتهم أنه شهد المصلى مع عمر بن الخطاب ﵁ وهو يستسقي بالناس عام الرمادة، قال فدعا والناس طويلاً، واستسقى طويلاً، وقال للعباس بن عبد المطلب: يا عباس كم بقي من نوء الثريا؟ فقال له العباس ﵁: يا أمير المؤمنين إن أهل العلم بها يزعمون أنها تعترض بالأفق بعد وقوعها سبعاً. قال: فوالله ما مضت تلك السبع حتى أغيث الناس) ٣.

стр. 153

قال الشافعي ﵀: (إنما أراد –عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: كم بقي من وقت الثريا، ليعرفهم بأن الله قدر الأمطار في أوقات فيما جربوا، كما علموا أنه قدر الحر والبر بما جربوا في أوقات) ١. ومثل هذا ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن ابن عباس ﵄ في رجل قال لامرأته: أمرك بيدك. فقالت: أنت طالق ثلاثاً. فقال ابن عباس: (خطأ الله نوءها، لو قالت: أنا طالق ثلاثاً لكان كما قالت) ٢. فقد أراد النوء الذي يجئ فيه المطر٣، أي أخلى الله نوءها من المطر، ويكون المعنى، حرمها الله الأخير كما حرم من لم يمطر وقت المطر٤. ونسبة المطر إلى المنخفضات الجوية القادمة من مناطق معينة –كما هو معروف اليوم –له الحكم نفسه. أما ما رواه مالك أنه بلغه أن أبا هريرة كان يقول إذا أصبح وقد مطر الناس: (مطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ) ٥. وما رواه البيهقي بسنده عن الشعبي قال: (خرج عمر بن الخطاب

стр. 154

رضي الله عنه يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء الذي يستنزل به المطر، ثم قرأ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ ١. ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٢. فليس في كلام هذين الصحابيين نسبة المطر إلى النجوم، بل ورد كلامهما على سبيل المضادة لقول أهل الإلحاد وإطال مذهبهم في الأنواء، وبيان كذبهم فيه مع إرشادهم إلى الطريق الصحيح وهو فتح الله تعالى الرحمة للناس على قول أبي هريرة، والتوجه إلى الله بكثرة الاستغفار على قول عمر رضي الله عنهما٣.

стр. 155

الفصل الثالث: حكم تعلم علم الفلك الفصل الثالث: حكم تعلم علم الفلك ... الفصل الثالث: حكم تعلم علم الفلك علم الفلك هو علم مداره الأجرام العلوية، أي الشمس والقمر والكواكب السيارة والكواكب الثابتة وتوابعها ونحو ذلك، وهو قسمان نظري وعملي، فالأول يصف تلك الأجرام، ويعين لنا أبعادها عن الشمس وحركاتها وفصولها السنوية، وهيآتها، والثاني يبحث عن كيفية رصد تلك الأجرام١. أما حكم تعلم هذا العلم فقد اتفق الفقهاء على اعتبار النجوم من الدلائل التي تدل على جهة القبلة عند خفائها، وعلى أنها من أقوى الأدلة على ذلك، وعلى ضرورة أن يتعلمها المسافر٢ مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٣. واتفقوا أيضاً على أن المواقيت تؤخذ من الأهلة، وأنها هي المعتبرة في مواقيت الناس ومواقيت العبادات٤، كما أن الشمس دليل على أوقات الصلوات٥.

стр. 156

كما ذهب العلماء إلى أن ما يمكن معرفته عن طريق الحس أو المشاهدة أو الحساب أو نحو ذلك يجوز تعلمه كالعلم بأسماء الكواكب، ومناظرها، ومطالعها، ومساقطها، ومعرفة بعد الكواكب عن الأرض، ومقدار ما تقطعه الكواكب في أفلاكها، ومعرفة منازل القمر، والبروج الاثنى عشر، ودرجات الفلك ونحو ذلك١، واستدلوا على ذلك بأدلة منها: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي

стр. 157

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ ٥، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ ٦، وقوله: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ٧، وغيرها من الآيات. وما رواه البيهقي والخطيب البغدادي رحمهما الله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أحب عباد الله إلى الله رعاء٨ الشمس والقمر الذين يحببون عباد الله إلى الله ويحببون الله إلى

стр. 158

عباده" ١. ومارواه مالك والخطيب البغدادي رحمهما الله عن عائشة ﵂ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت قتلك عين غديقة"٢. وما أخرجه أيضاً عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٣: (هي ثمانية وعشرين منزلاً ينزلها القمر في كل شهر أربعة عشر منها شامية، وأربعة عشر منها يمانية ... ) ٤، وإجماع السلف على القول باستدارة الفلك٥. أما تعلم ما زاد على ما يحتاجه الإنسان مما لا يحتاجه فقد كرهه بعض العلماء كابن رجب الحنبلي، وغيره، كما كره قتادة تعلم منازل القمر،

стр. 159

وأنكر الإمام أحمد الاستدلال بالجدي على القبلة، وقال: "إنما ورد ما بين المشرق والمغرب القبلة"، وأنكر ابن مسعود على من قال: إن الفلك يدور، كما أنكر الإمام أحمد ﵀ على المنجمين قولهم: إن الزوال يختلف في البلدان١. وهذه الأقوال وما في معناها محمولة على أمرين: الأمر الأول: على تعلم ما لا فائدة فيه في عصرهم. والاستغلال بما لا فائدة فيه لا شك في كراهته لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ٢. الأمر الثاني: يحمل نهيهم هذا على أنهم لمسوا ممن تكلم في ذلك أنه أراد أن يبني على قوله هذا الشبهات، أو أراد التشكيك في قبلة المسلمين، أو نحو ذلك فأنكروا عليه، ومن كان بهذه الصفة لا بد من الإنكار عليه٣. وأما الاستدلال بقول عمر ﵁: (تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبر ثم انتهوا) ٤ على عدم جواز تعلم ما زاد على الاهتداء فلا يصح، إذ إن هذا الأثر ضعيف، لو صح لم يكن فيه حجة لأن المراد النهي عن علم التأثير لا التسيير٥.

стр. 160

أما إذا لمست مصلحة في تعلم شيء من ذلك، فلا بأس في تعلمه، بشرط أن لا يتعارض مع تعلم ما هو أوجب منه، وأن يسخر هذا العلم في طاعة الله بناءً على ما دلت عليه الأدلة السابقة١. أما بالنسبة لصحة هذا العلم وفساده فينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما تشهد الأدلة النقلية على صحته، مثل دوران الشمس والقمر في الفلك، وأن لكل منهما فلكاً يجري فيه، كما قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢، وكالقول بأن الأفلاك مستديرة لانعقاد الإجماع عليه٣ ونحو ذلك، فهذا لاشك في صحته، ويجب الإيمان به لدلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه، إذ إن المسائل المنصوص عليها بكتاب أو سنة أو إجماع تعتبر من جملة المسائل الشرعية التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يحيدون عنها، حتى وإن خالفها جميع الفلكيين. القسم الثاني: ما كان مخالفاً لنصوص الكتاب أو السنة أو الإجماع، مثل القول بأن الشمس ثابتة لا تتحرك ونحو هذا، فهذا لا شك في فساده.

стр. 161

القسم الثالث: ما لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في شواهد العيان ما يدل على قبوله، أو رده، فهذا لا يحكم بصحته ولا بفساده، بل يكون موقوفاً فيه، حتى يوجد من الأدلة العلمية ما يقتضي صحته أو فساده١. وأما ما ذهب إليه بعض العلماء في العصر الحاضر إذ إن معرفة مقادير أجرام هذه الكواكب، وأبعادها، ومواردها، وغير ذلك غير ممكنة، فيكون القول في هذه الأمور من تعاطي علم الغيب فهو خطأ، واستدلاله على ذلك هو أن من ادعى ذلك أضعف وأعجز من أن يتوصل إلى اكتشاف ما في السماء الدنيا، وهو مسيرة خمسمائة عام، وقوله: إن النصوص قد دلت على أن الشمس والقمر والكواكب في السماء منها: قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراًؤ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَؤ﴾ ٣، ثم قال: في الآيات وما في معناها نص على أن الشمس والقمر في السماء، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة" ٤،

стр. 162

وإذا كان بين السماء والأرض هذا البعد الشاسع فالتوصل بالأرصاد والمناظير إلى اكتشاف ما في السماء غير ممكن١. ويناقش هذا الاستدلال بما يلي: أولاً: ليس في الآيات المذكورة ما يدل على أن الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب في داخل السماء، أو أنها ملصقة بها، وإنما تدل الآيات على أن هذه الكواكب في السماء، وأنها زينة لها، ولفظ السماء يطلق ويراد به ما علا وارتفع، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، فالمراد بالسماء هنا: السحاب وسمي بذلك لعلوه وارتفاعه٣. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ ٤، فالمراد بقوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أي في العلو٥. وقال: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ ٦، أي فليمدد بسبب إلى

стр. 163

ما فوقه من سقف ونحوه، فسماه سماءًا لعلوه بالنسبة إلى ما تحته١، فإذا عرف هذا كان معنى الآيات التي استدل بها محمولاً على أحد معنيين: الأول: أن الله سبحانه جعل هذه الكواكب في مدار بين السماء والأرض، وسماه سماءً لعلوه، وليس في الأدلة ما يمنع ذلك. وقد ذكر الله سبحانه أن الشمس والقمر يجريان في فلك في آيتين من كتابه الكريم، وهما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٣، ولو كانا ملصقين في السماء لم يوصفا بالسبح، كما قال ابن عباس وغيره: "يدورون كما يدور المغزل في الفلكة"٤، وقال النسفي٥: الجمهور على أن الفلك موج مكفوف٦ تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم٧. المعنى الثاني: أنه أراد بالسماء في الآيات المتقدمة السماء الدنيا كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ ٨،

стр. 164

ولم يرد سبحانه أن البروج في داخلها، وإنما أراد سبحانه أنها بقربها وتنسب إليها، وأما وصفه سبحانه للكواكب بأنها زينة للسماء فلا يلزم منه أن تكون ملتصقة بها، ولا دليل على ذلك، بل يصح أن تسمى زينة لها وإن كانت منفصلة عنها، وبينها فضاء كما يزين الإنسان سقفه بالقماش والثريات الكهربائية ونحو ذلك، ومن غير ضرورة إلى إلصاق ذلك به١. ومما يدل على إمكان الصعود إلى الكواكب –فضلاً عن إمكان اكتشاف ما فيها بالأرصاد والمناظير- قوله تعال فيما أخبر عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ ٢، فإن كان الجن قد أمكنهم الصعود إلى السماء حتى لمسوها، وقعدوا منها مقاعد، فكيف يستحيل ذلك على الإنسان، وخصوصاً في هذا العصر الذي تطور فيه الاختراع٣. ومن هنا يتبين أن القول بعدم إمكان معرفة علم الفلك قول لا يصح، بل إن معرفة ذلك ممكن شرعاً واقع حسًّا ... والله تعالى أعلم.

стр. 165

الفصل الرابع: الأدلة على فساد صناعتهم، وأنها ظنون كاذبة الفصل الرابع: الأدلة على فساد صناعتهم، وأنها ظنون كاذبة ... الفصل الرابع: الأدلة على فساد صناعتهم، وأنها ظنون كاذبة إن كل سبيل يطلب فيه الإنسان معرفة الغيب وكل دعوى يزعم فيها الإنسان أنه يشارك الله فيما استأثر به لنفسه لا بد وأن يعتمد على التمويهات والخداع التي يتقلبها عادة السذج من الناس. فإذا اقتنعوا بها نمقوها وزخرفوها، وزادوا وأنقضوا، وجادلوا وماروا فيكونون بهذا دعاة للباطل، وباعة للكذب والبهتان. فالمنجمون ودعاتهم من جنس هؤلاء. فقد سمعوا ظنونهم الكاذبة علماً، وتمويهاتهم وخداعهم أصلاً، وكذبهم وبهتانهم حكماً. وسأستعرض هنا –إن شاء الله- الأدلة على فساد صناعتهم. وسأبين أنهم يعتمدون على مجرد الظنون الكاذبة مما يدل على أن هذا العلم المزعوم لا حقيقة له، وأه ليس بعلم، بل هو كلام جعله هؤلاء على هيئة قوانين تهيئ الناس لقبول باطلهم، وسأقسم الأدلة التي تبين فساد صناعتهم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأدلة على فساد اعتقادهم بأن هذه الكواكب آلهة، أو أن لها تصرفاً في هذا الكون. القسم الثاني: الأدلة على اعتقادهم أن لهذه الكواكب تأثيراً في هذا الكون. القسم الثالث: الأدلة على فساد أحكام النجوم المزعومة، والتي تبين أن هذه الأحكام ظنون كاذبة. القسم الأول: الأدلة على فساد اعتقادهم بأن هذه الكواكب آلهة، أو أن لها تصرفاً في هذا الكون: والأدلة على ذلك من المنقول والمعقول، فمن

стр. 166

المنقول الأدلة من القرآن الدالة على انفراد الله بالخلق والتدبير، وقد سبق أن ذكرتها في المبحث الأول في التمهيد وهي أدلة أيضاً على فساد اعتقاد هؤلاء أن الأفلاك آلهةـ أو أن لها تصرفاً في هذا الكون. وأضيف إلى تلك الأدلة أدلة أخرى تدل على فساد هذا المعتقد نفسه وهي: الآيات الدالة على أن الكواكب مسخرة مدبرة، تجري بمقدار معين، وعلى منهاج مقنن جعله الله لها لا تستطيع الخروج عنه، وأنها لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن أن تملك ذلك لغيرها، ومن كان هذا حاله يستحيل أن يكون إلهاً. أو أن يكون له تصرف في الكون. قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢، وقال:﴾ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ٤،

стр. 167

وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ١. قال ابن كثير ﵀: (إنما الشمس والقمر على التنصيص لأنها قد عبدت من دون الله. فبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة) ٢. أما الأدلة من المعقول فهي كما يلي: الدليل الأول: إن القول بصدور الحوادث الأرضية من الكواكب كالإحياء والإماتة والرزق ونحو ذلك يقتضي أن تكون هذه الكواكب مؤثرة بذاتها وطبعها، وهذا يتطلب منها أن تكون مختارة مريدة، وهذا منتفي لما يأتي: أولا: لو أن هذه الكواكب مختارة مريدة لجرت الأحكام على وفق إرادتها، ولم تتوقف هذه الأحكام على اتصالاتها وهبوطها وارتفاعها، ولاختلفت أحكامها أيضاً بحسب اختلاف الدواعي. كما هو حال المختار المريد٣. ثانياً: أن هذه الكواكب لو كانت مختارة مريدة لما بقيت حركتها أبداً على سير أحد لا يتبدل، إذ إن هذه صفة الجماد المدبر الذي لا اختيار له٤.

стр. 168

الدليل الثاني: أن هذه الكواكب لو كانت آلهة مصرفة لهذا الكون –كما يزعمون- لكانت مستقلة بإحداث شيء من الحوادث الأرضية، واعتقادهم يخالف هذا، إذ إنهم يعتقدون أن حركة الفلك التاسع جزء السبب، وحركة كل فلك جزء السبب فتكون هذه الحوادث ناتجة عن مجموع حركات الأفلاك –على حسب زعمهم١- وهذا يناقض أن تكون واجبة الوجود، أو أن تكون آلهة، إذ إن المشتركين في المفعول الواحد لا يمكن أن يكون كل واحد منهم قادراً عليه بانفراد وإلا لاستقل به، وهذا يدل على عجزه وقصوره وعدم مقدرته على إكمال نفسه، ومن كان متصفاً بهذه الأوصاف لا يمكن أن يكون واجب الوجود: إذ إن من صفات واجب الوجود الغنى المطلق، ولو كان هذه الأفلاك متصفة بهذه الصفة لم تفتقر إلى غيرها في فعلها، فافتقارها إلى غيرها بوجه من الوجوه دليل عدم غناها٢. ثالثاً: لو فرضنا أن لتدبير الكواكب شيئاً من الحركات والحوادث الأرضية لكان الصادر عنها الحركة العرضية على نسق حركتها، أما بقية الحركات فلا تكون صادرة عنها، ومن باب أولى لا يكون صادراً عنها الأجسام نفسها وقواها وصفاتها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ويعلم بذلك أن المتصرف في الكون المشهود والموجود له رب غيرها هو الذي أبدعها وصورها وحركها على الحركات المختلفة، وبهذا يتبين بطلان ربوبية هذه الكواكب٣.

стр. 169

رابعاً: لو سلم أن هذه الكواكب هي المدبرة لهذا الكون لكان تدبيرها حال ظهورها فقط، أما حال أفولها فينقطع تصرفها بالكلية، وهذا ينافي ربوبيتها، إذ إن الرب الذي يكون متصرفاً لهذا الكون يجب أن يكون قيوماً يقيم هذا الكون في جميع الأوقات وفي جميع الأحوال، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ ١، لذا أشار الخليل ﵇ عند محاجته لقومه إلى هذا المعنى بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ٢. القسم الثاني: الأدلة على فساد اعتقادهم أن لهذه الكواكب تأثيراً في هذا الكون، والأدلة على ذلك من المنقول والمعقول، فمن المنقول الأحاديث التي تدل على إبطال تأثير الكواكب في الحوادث الأرضية، منها ما أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأستموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي"٣، وما رواه مسلم عن ابن عباس –﵄ قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم. فقال رسول

стр. 170

الله ﷺ : "لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته.." ١. وما رواه الإمام مسلم ﵀ عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" ٢. فذم النبي ﷺ لهؤلاء يدل على أنه لا تأثير للكواكب ولا للأنواء في حوادث العالم السفلي٣. أما الأدلة من المعقول فتتبين من خمسة أوجه: الوجه الأول: أن معرفة تأثير الكواكب في هذا الكون يكون بأحد أربعة طرق: إما الخبر الصادق الصحيح من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ وهذا غير موجود، بل دلت الأدلة على انتفاء وجوده، والنهي عن اعتقاده. وإما الحس فيشترك الناس في إدراكه وهذا منتفي وغير موجود، وإما ضرورة العقل أو نظره وهذا غير موجود أيضاً٤ وإما التجربة –وهذا ما يدعونه٥- ويشترط في صحة التجربة أن تكون بتكرر موثوق بدوامه تضطر النفوس إلى الإقرار به، وهذا لا يمكن في القضاء بالنجوم لأن النصب الدالة على الكائنات –عندهم- لا تعود في الدرجة والدقيقة نفسها إلا بعد آلاف السنين كما ذكر ذلك البيروني٦ فقال: (إن الكواكب الثابتة

стр. 171

تقطع كل واحد من منازل القمر في ستمائة سنة) ١، وعلى هذا لا يعود إلى موضعه إلا بعد ستة عشر ألف وثمانمائة سنة، وكما قال إخوان الصفا أيضاً: (واعلم أن الكائنات التي يستدل عليها المنجمون سبعة أنواع: منها الملل والدول التي يستدل بها من القرانات الكبار، التي تكون في ألف سنة بالتقريب مرة واحدة..) ٢. وتجري تأثير الكواكب في مثل هذا الوقت لا يمك قطعاً، ومن هذا يتضح أن دعوى تأثير الكواكب في هذا الكون دعوى وهمية لا تقوم على دليل أو برهان٣. الوجه الثاني: ادعاؤهم أن لهذه الكواكب تأثيراً في الكون بالسعادة والنحوسة، وأن لها تأثيراً في حصول الأحوال النفسية من ذكاء وبلادة ونحو ذلك، وأن هذا التأثير من جنس تأثير الشمس والقمر في الحرارة والبرودة واليبوسة والحرارة وغير ذلك٤ ادعاء باطل لا يستقيم، وذلك لأن هذا القياس فاسد، وذلك لوجود الفرق بين المقيس، والمقيس عليه، إذ إننا لا ننازع في تأثير الشمس والقمر في هذا العالم على ما يجري على الأمر الطبيعي بما جعله الله فيها من مميزات، كتأثير الشمس في الرطوبة والبرودة والحرارة ونحو ذلك، وتأثيرها في أبدان الحيوانات والنباتات والناس في نشاطهم وخمولهم ونحو ذلك، ومع هذا فإن هذه الكواكب

стр. 172

جزء من السبب المؤثر، وليست بمؤثر تام، فإن تأثير الشمس مثلاً إنما كان بواسطة الهواء، وقبوله للسخونة والحرارة، ويختلف هذا القبول عند قرب الشمس من الأرض وبعدها.. وهكذا. فكل واحد من هذه جزء السبب مع وجود أشياء أخرى مكملة لسبب. وقد يقدر الله تعالى أموراً أخرى تمنع هذه الأسباب ليظهر عليها أثر القهر والتسخير، فإثبات مثل هذه التأثيرات لا ينكر، أما الذي ينكر عليهم فهو دعوى أن جملة الحوادث في العالم من الأرزاق والآجال والسعادة والنحوسة وجميع ما في العالم تقع لكون الكواكب هي المؤثرة فيه ومن تحتها خاضع لها، وهذا يختلف عن ذلك١. ثم إن النوع الأول قد دل عليه الشرع والعقل والحس بخلاف النوع الثاني لم يدل عليه شيء من ذلك، بل يناقضه كما أشرت إلى ذلك في الوجه الأول. الوجه الثالث: لو سلمنا –جدلاً- أن للكواكب تأثيراً بالسعد والنحس –كما يزعمون- فإنه لا يمكن معرفة هذا التأثير إلا بالنظر إليها ومعرفة طبائعها مفردة ومجتمعة، فإذا لم يفعل ذلك المنجم لا يمكن له حصوله العلم بهذا التأثير٢، وهذا لا يستطيع الإحاطة به منجم، بل ولا أي مخلوق مما يجعل معرفة هذا التأثير مستحيلاً، ويجعل هذه الصناعة مستحيلة الوجود ويحكم على أحكام الأولين والآخرين بالبطلان، وذلك لأربعة أمور هي:

стр. 173

الأمر الأول: أنه لا سبيل إلى معرفة طبائع البروج وطبائع الكواكب وامتزاجها إلا بالتجربة. وأقل ما لا بد منه في التجربة أن يحصل ذلك الشيء على حالة مرتين فأكثر، إلا أن الكواكب لا يمكن تحصيل ذلك فيها لأنه إذا حصل كوكب معين في موضع معين في الفلك وكانت سائر الكواكب متصلة به على وضع مخصوص وشكل مخصوص فإن ذلك الوضع المعين بحسب الدرجة والدقيقة لا يعود إلا بعد آلاف السنين، وعمر الإنسان لا يفي بذلك، فثبت أنه لا يمكن الوصول إلى هذا الأحوال عن طريق التجربة١ –كما سبق الإشارة إلى هذا المعنى في الوجه الأول-. الأمر الثاني: من المعلوم أن في فلك البروج كواكب لم يعرفها المنجمون إلا في العصر الحاضر، فلعل وقوع نجم من هذه النجوم المجهولة في ذلك العصر على درجة الطالع يوجب أثراً ما لا يوجبه بدونها٢، ومن هذه الكواكب التي لم تكتشف إلا في العصر الحاضر (مذنب هالي) الذي سماه المنجمون الكوكب الآثاري٣، وكوكب (أورانوس) الذي اكتشف سنة ١٧٨١م٤، وغيرها كثير لم يتوصلوا إليه حتى اليوم، إذ إن نجوم السماء كثيرة جداً، حتى إن بعض الفلكيين صور كثرتها بقوله: (إن عدد النجوم يزيد على عدد حبات الرمل على شواطئ جميع بحار الدنيا) ٥، وهذا الوصف وإن كان فيه شيء من المبالغة إلا أنه

стр. 174

يبين كثرة النجوم في السماء، فإن كانوا عاجزين عن اكتشاف هذه النجوم فعجزهم عن إدراك طبائعها وتأثيراتها أولى وأحرى، فإن قالوا: لو حصلت هذه الكواكب الصغيرة لم تكن لها قوة وتأثير أصلاً، لأجل أن صغرها يوجب ضعفها، قيل لهم: هذا باطل، لأن عطارد مع غاية صغره تقاربه سائر الكواكب السيارة مع عظم أجرامها، بل الرأس والذنب نقطتان١، وأصحاب الأحكام أثبتوا لهما آثاراً عظيمة، بل سهم السعادة وسهم الغيب نقطتان وهميتان٢، والمنجمون أثبتوا لها آثاراً قوية٣، فإن جعلوا لهذه آثاراً فمن باب أولى بقية النجوم على حسب منهجهم. الأمر الثالث: أننا نفترض –جدلاً- أنهم عرفوا طبائع الكواكب حال بساطتها، لكن من المسلم به وما شهد به كبراؤهم أنه لا يمكن معرفة طبائعها وآثارها حال امتزاج بعضها ببعض، وذلك لأن الامتزاج الحاصل من ألف كوكب أو يزيد يستحيل على العقل ضبطه٤. فقد نقل أبو حيان التوحيدي٥ عن بعض كبرائهم أنه قال: (وقد يغفل – مع هذا كله -

стр. 175

المنجم اعتبار حركات كثيرة من أجرام مختلفة، لأنه يعجز عن نظمها وتقويمها ومزجها وتسييرها، وتفسير أحوالها، وتحصيل خواصها، مع بعد حركة بعضها، وبطئها وسرعتها، والتفاف صورها، والتباس مقاطعها، وتداخل أشكالها، ومن الحكمة في هذا الإغفال أن الله تقدس اسمه يتميز بذلك القدر المغفل، والقليل الذي لا يؤبه له، والكثير الذي لا يحاول البحث عنه أمراً لم يكن في حساب الخلق) ١. الأمر الرابع: نفترض –جدلاً كذلك- أنهم استطاعوا معرفة طبيعة الامتزاجات الحاصلة في وقتهم، ولكن من الممتنع عليهم معرفة الامتزاجات السالفة، فربما كان لها أثر في هذه الحوادث كالامتزاجات الحاصلة في وقتهم الذي يدعونه٢. الوجه الرابع: من الأصول التي بنى عليها المنجمون تأثير الكواكب قائماً على علاقة المشابهة بين أسماء البروج وما يوافقها من عالم الكون والفساد، بمعنى أنهم جعلوا تأثير الحيوانات السفلية بما يقابلها من الصور العلوية، فبرج العقرب –مثلاً- يؤثر في العقارب ... وهكذا كما قال بطليموس٣: (الصور الموجودة في عالم التركيب مطيعة للصور الفلكية، إذ هي في ذاتها على تلك الصور، فليست تلك الصور وهمية،

стр. 176

وإلا لم يكن لها أثر في أمثالها من العالم السفلي) ١ موافقاً بقوله هذا سلفه من المشركين من قوم إبراهيم عليه السلام٢. وكما قال ابن أبي الشكر المغربي: (أما الجنس الذي يؤثر فيه الكسوف فهو من جوهر البروج الذي يقع فيه الكسوف، إن وقع في البروج الناطقة كان الحادث في الإنسان، وإن كان في ذوات الأظلاف كان الحادث في الغنم والبقر، وإن كان في البروج المائية كان الحادث في حيوان الماء، وإن كان برج الأسد كان الحادث في السباع وأشباهها، وإن كان في البروج الأرضية كان الحادث في نبات الأرض) ٣. وهذا الأصل فاسد، ويتبين فساده بأمرين هما: الأمر الأول: أن المتقدمين لما قسموا الفلك إلى اثني عشر قسماً أرادوا أن يميزوا بعضها عن بعض فشبهوا كل قسم من هذه الأقسام بصورة معينة، ولكن هذا الشبه لم يحدث علاقة بين هذه النجوم وما يقابلها من الكائنات الأرضية٤ بإقرار أئمتهم على ذلك. فمن أئمتهم القائلين بهذا أبو الحسين عبد الرحمن الصوفي٥، والبيروني٦، وابن طاووس٧،

стр. 177

وغيرهم. قال عبد الرحمن الصوفي: (أن تسمية البروج الاثني عشر بالحمل والثور والجوزاء ... إلى آخرها لا أصل له ولا حقيقة. وإنما وضعها الراصدون لهم متعارفاً بينهم، وكذلك جميع الصور التي عن جنبي منطقة البروج الاثني عشر وغيرها، والجميع ثمان وأربعون صورة عندهم مشهورة، وعلمائهم معترفون بأن ترتيب هذه الصور وتشبيهها وقسمة الكواكب عليها وتسميتها صنعه متقدموهم ووضعه حذاقهم الراصدون لها) ١. الأمر الثاني: أنهم جعلوا تأثير الكواكب قائماً على المشابهة بين صور البروج وصورة المأثر فيه. وهذا ليس سبباً كافياً للقول بالتأثير، بل ولا يدل مطلقاً على تأثير الكواكب بالسعادة والنحوسة فيما يقابلها –هذا إن صحت المشابهة-. الوجه الخامس: الأصول التي بني عليها المنجمون تأثير الكواكب في العالم السفلي أيضاً أنهم جعلوا لكل كوكب طبعاً يختلف عن طبع الكوكب الآخر، وجعلوا تأثيرها في العالم بحسب طبعها، فجعلوا طبع زحل البرد واليبس بإفراط وتأثيره بحسب طبعه، وطبع المشتري الحر والرطوبة بإعتدال، وطبع المريخ الحر واليبس بإفراط، وطبع الشمس الحر واليبس بمقدار أقل مما للمريخ، وطبع الزهرة البرد والرطوبة باعتدال ... ٢. واستدلوا على اختلاف طبائع الكواكب باختلاف ألوانها فقالوا: زحل لونه

стр. 178

الغبرة والكمودة، فطبعه البرد واليبس، والمريخ يشبه لونه لون النار فطبعه حار يابس، وكذلك الزهرية فإن لونها كالمركب من البياض والصفرة، والبياض يدل على طبيعة البلغم وهو البرد والرطوبة، والصفرة تدل على الحرارة، ولما كان بياضها أكثر من صفرتها حكمنا بأن بردها ورطوبتها أكثر ... وهكذا١ وهذا الأصل ظاهر البطلان، ويتبين ذلك بأربعة أمور هي: الأمر الأول: أن البرودة والحرارة واليبس والرطوبة صفات للعناصر التي دون فلك القمر، وليس شيء من هذه الصفات في الأجرام العلوية، لأنها خارجة عن محل حوامل هذه الصفات٢. الأمر الثاني: أن المشاركة في بعض الصفات لا تقتضي المشاركة في الماهية والطبيعة. الأمر الثالث: أن الدلالة بمجرد اللون على طبيعة شيء ما أمر باطل، إذ إن النورة والنشادر وغيرها في غاية البياض مع أن طبائعها في غاية الحرارة. الأمر الرابع: أن بعض كبرائهم لما علم فساد هذا القول وتكذيب العقل له أنكر ذلك٣. القسم الثالث: الأدلة على فساد أحكام النجوم المزعومة. والتي تبين أن هذه الأحكام ظنون كاذبة، والأدلة على ذلك من المنقول والمعقول. فمن المنقول ما يأتي:

стр. 179

أولاً: الآيات الدالة على أن الله هو المنفرد بعلم الغيب. وأن هذا المنجم لا يعلم شيئاً من الغيب، وكذا الكواكب لا تعلم شيئاً من الغيب. ولم يجعلها الله دالة على شيء من الغيب. وقد سبق ذكرها في المبحث الأول في التمهيد. ثانياً: الأحاديث والآثار التي تدل على إبطال أحكام النجوم، والتي تبين أنها ظنون كاذبة منها: ما رواه الشيخان رحمهما الله عن عائشة ﵂ قال: سأل رسول الله ﷺ ناس من الكهان. فقال: "ليس بشيء". فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحياناً بشيء فيكون حقاًّ. فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يحفظها من الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة" ١. فالإخبار عن الأمور الغيبية التي يخبرها بها المنجمون، ويسمونها أحكام النجوم، هي من جنس أخبار الكهان التي حكم عليها النبي ﷺ بأنها ليست بشيء. لهذا علم بالتجربة والتواتر أن الأحكام التي يحكم بها المنجمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق٢. وما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قيل له لما أراد لقاء الخوارج: "أتلقاهم والقمر في العقرب؟! فقال ﵁: فأين قمرهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر"٣. قال القرطبي٤ ﵀: (انظر إلى

стр. 180

هذه الكلمة التي أجاب بها وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم) ١. وما أخرجه الخطيب البغدادي عن قتادة أنه قال: "إن الله تعالى إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها نهتدي بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد أخطأ حظه، وقال برأيه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن ناساً جهلة بأمر الله تعالى قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما ممن النجوم نجم إلا يولد به الطويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسن والذميم، قال: وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب، وقضى الله أنه: ﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ، ولعمري لو أن أحداً علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله تعالى بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه الجنة فأكل منها رغداً حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة. فما زال به البلاء حتى وقع بما نهي عنه، ولو كان أحد يعلم الغيب لعلمه الجن حين مات نبي الله سليمان ﵇، فلبث الجن يعملون له حولاً في أشد العذاب، وأشد الهوان، لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. قال: قد كانت تقول قبل ذلك: إنا نعلم. فابتلاهم الله تعالى، وجعل موت
следующие страницы →