وإلا لم يكن لها أثر في أمثالها من العالم السفلي) ١ موافقاً بقوله هذا سلفه من المشركين من قوم إبراهيم عليه السلام٢.
وكما قال ابن أبي الشكر المغربي: (أما الجنس الذي يؤثر فيه الكسوف فهو من جوهر البروج الذي يقع فيه الكسوف، إن وقع في البروج الناطقة كان الحادث في الإنسان، وإن كان في ذوات الأظلاف كان الحادث في الغنم والبقر، وإن كان في البروج المائية كان الحادث في حيوان الماء، وإن كان برج الأسد كان الحادث في السباع وأشباهها، وإن كان في البروج الأرضية كان الحادث في نبات الأرض) ٣. وهذا الأصل فاسد، ويتبين فساده بأمرين هما:
الأمر الأول: أن المتقدمين لما قسموا الفلك إلى اثني عشر قسماً أرادوا أن يميزوا بعضها عن بعض فشبهوا كل قسم من هذه الأقسام بصورة معينة، ولكن هذا الشبه لم يحدث علاقة بين هذه النجوم وما يقابلها من الكائنات الأرضية٤ بإقرار أئمتهم على ذلك. فمن أئمتهم القائلين بهذا أبو الحسين عبد الرحمن الصوفي٥، والبيروني٦، وابن طاووس٧،
стр. 177
وغيرهم.
قال عبد الرحمن الصوفي: (أن تسمية البروج الاثني عشر بالحمل والثور والجوزاء ... إلى آخرها لا أصل له ولا حقيقة. وإنما وضعها الراصدون لهم متعارفاً بينهم، وكذلك جميع الصور التي عن جنبي منطقة البروج الاثني عشر وغيرها، والجميع ثمان وأربعون صورة عندهم مشهورة، وعلمائهم معترفون بأن ترتيب هذه الصور وتشبيهها وقسمة الكواكب عليها وتسميتها صنعه متقدموهم ووضعه حذاقهم الراصدون لها) ١.
الأمر الثاني: أنهم جعلوا تأثير الكواكب قائماً على المشابهة بين صور البروج وصورة المأثر فيه. وهذا ليس سبباً كافياً للقول بالتأثير، بل ولا يدل مطلقاً على تأثير الكواكب بالسعادة والنحوسة فيما يقابلها –هذا إن صحت المشابهة-.
الوجه الخامس: الأصول التي بني عليها المنجمون تأثير الكواكب في العالم السفلي أيضاً أنهم جعلوا لكل كوكب طبعاً يختلف عن طبع الكوكب الآخر، وجعلوا تأثيرها في العالم بحسب طبعها، فجعلوا طبع زحل البرد واليبس بإفراط وتأثيره بحسب طبعه، وطبع المشتري الحر والرطوبة بإعتدال، وطبع المريخ الحر واليبس بإفراط، وطبع الشمس الحر واليبس بمقدار أقل مما للمريخ، وطبع الزهرة البرد والرطوبة باعتدال ... ٢.
واستدلوا على اختلاف طبائع الكواكب باختلاف ألوانها فقالوا: زحل لونه
стр. 178
الغبرة والكمودة، فطبعه البرد واليبس، والمريخ يشبه لونه لون النار فطبعه حار يابس، وكذلك الزهرية فإن لونها كالمركب من البياض والصفرة، والبياض يدل على طبيعة البلغم وهو البرد والرطوبة، والصفرة تدل على الحرارة، ولما كان بياضها أكثر من صفرتها حكمنا بأن بردها ورطوبتها أكثر ... وهكذا١ وهذا الأصل ظاهر البطلان، ويتبين ذلك بأربعة أمور هي:
الأمر الأول: أن البرودة والحرارة واليبس والرطوبة صفات للعناصر التي دون فلك القمر، وليس شيء من هذه الصفات في الأجرام العلوية، لأنها خارجة عن محل حوامل هذه الصفات٢.
الأمر الثاني: أن المشاركة في بعض الصفات لا تقتضي المشاركة في الماهية والطبيعة.
الأمر الثالث: أن الدلالة بمجرد اللون على طبيعة شيء ما أمر باطل، إذ إن النورة والنشادر وغيرها في غاية البياض مع أن طبائعها في غاية الحرارة.
الأمر الرابع: أن بعض كبرائهم لما علم فساد هذا القول وتكذيب العقل له أنكر ذلك٣.
القسم الثالث: الأدلة على فساد أحكام النجوم المزعومة. والتي تبين أن هذه الأحكام ظنون كاذبة، والأدلة على ذلك من المنقول والمعقول. فمن المنقول ما يأتي:
стр. 179
أولاً: الآيات الدالة على أن الله هو المنفرد بعلم الغيب. وأن هذا المنجم لا يعلم شيئاً من الغيب، وكذا الكواكب لا تعلم شيئاً من الغيب. ولم يجعلها الله دالة على شيء من الغيب. وقد سبق ذكرها في المبحث الأول في التمهيد.
ثانياً: الأحاديث والآثار التي تدل على إبطال أحكام النجوم، والتي تبين أنها ظنون كاذبة منها:
ما رواه الشيخان رحمهما الله عن عائشة ﵂ قال: سأل رسول الله ﷺ ناس من الكهان. فقال: "ليس بشيء". فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحياناً بشيء فيكون حقاًّ. فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يحفظها من الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة" ١. فالإخبار عن الأمور الغيبية التي يخبرها بها المنجمون، ويسمونها أحكام النجوم، هي من جنس أخبار الكهان التي حكم عليها النبي ﷺ بأنها ليست بشيء. لهذا علم بالتجربة والتواتر أن الأحكام التي يحكم بها المنجمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق٢.
وما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قيل له لما أراد لقاء الخوارج: "أتلقاهم والقمر في العقرب؟! فقال ﵁: فأين قمرهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر"٣. قال القرطبي٤ ﵀: (انظر إلى
стр. 180
هذه الكلمة التي أجاب بها وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم) ١.
وما أخرجه الخطيب البغدادي عن قتادة أنه قال: "إن الله تعالى إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها نهتدي بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد أخطأ حظه، وقال برأيه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن ناساً جهلة بأمر الله تعالى قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما ممن النجوم نجم إلا يولد به الطويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسن والذميم، قال: وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب، وقضى الله أنه: ﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ، ولعمري لو أن أحداً علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله تعالى بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه الجنة فأكل منها رغداً حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة. فما زال به البلاء حتى وقع بما نهي عنه، ولو كان أحد يعلم الغيب لعلمه الجن حين مات نبي الله سليمان ﵇، فلبث الجن يعملون له حولاً في أشد العذاب، وأشد الهوان، لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. قال: قد كانت تقول قبل ذلك: إنا نعلم. فابتلاهم الله تعالى، وجعل موت
стр. 181
سليمان للجن والإنس عبرة١.
ثالثاً: أن هذه الصناعة تصرف الناس عن الالتجاء إلى الله، والتوجه إليه، وطلب الاستخارة منه إلى الالتجاء إلى النجوم وطلب الاستخارة منها، وهذا المسلك مبتدع، ومخالف لما أمر النبي ﷺ فيما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسور من القرآن، "إذا هم أحدكم فليركع ركعتين، ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإن تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأننت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: في عاجل أمري وآجله فاقدره لي، وإن كنت تعلم إن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري أو قال: في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كلن ثم رضني به ويسمي حاجته" ٢، وما كان مخالفاً لطريق النبي ﷺ فهو مردود لما رواه الشيخان عن عائشة ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد"٣، وما كان كذلك فلا شك في فساده، لذلك لما لقي سفيان الثوري٤ ما شاء الله اليهودي
стр. 182
قال له: "أنت تخاف زحل، وأنت ترجو المشتري، وأنا أرجو رب المشتري، وأنت تغدو بالاستشارة، وأننا أغدو بالاستخارة، فكم بيننا؟ فقال له ما شاء الله: كثير بيننا، حالك أرجى، وأمرك أنجح وأحجى"١،
وما رواه الخطيب البغدادي عن أبي محمد البافي٢ أنه قيل له: "إن منجماً لقي رجلاً مسلماً فقال له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت أرجو الله وأخافه، وأصبحت ترجو المشتري وتخاف زحل، فنظمه البافي شعراً وأنشدناه:
أصبحت لا أرجو ولا أخشى سوى
الجبار في الدنيا ويوم المحشر
وأراك تخشى ما يقدر أنه
يأتي به زحل وترجو المشتري
شتان ما بيني وبينك فالتزم
طرق النجاة وخل طرق المنكر٣
وأما الأدلة على فساد صناعتهم، وعلى أنهم ظنون كاذبة من المعقول فهي كثيرة، نذكر أهمها في ثلاثة عشر وجهاً:
الوجه الأول: اعتراف كثير من زعمائهم بأن هذه الصناعة تقوم على الخرص والتوهم، وأنها لا تفيد العلم البتة، كما صرح بذلك بطليموس وأرسطاطاليس٤،
فقال أرسطاطاليس: (لما كان حال العلم واليقين في
стр. 183
جميع السبل التي لها مبادئ أو أسباب أو استقصاءات إنما يلزم من قبل المعرفة بهذه، فإذا لم تعرف الكواكب على أي وجه تفعل هذه الأفاعيل أعني بذاتها أو بطريق العرض، ولم تعرف ماهيتها، وذواتها لم تكن معرفتنا بالشيء أنه يفعل على وجهة اليقين) ١، وكقول ثابت بن قرة: (وأما علم القضاء من النجوم فقد اختلف فيه أهله اختلافاً شديداً، وخرج فيه قوم إلى ادعاء ما لا يصح ولا يصدق بما لا اتصال له بالأمور الطبيعية، حتى ادعوا في ذلك ما هو من علم الغيب، ومع هذا فلم يوجد منه إلى زماننا هذا قريب من التمام كما وجد غيره) ٢، وقول أبي نصر الفارابي: (واعلم أنك لو قبلت أوضاع المنجمين فجعلت العد نحساً، والنحس سعداً، والحار بارداً، والبارد حاراً، والذكر أنثى، والأنثى ذكراً، ثم حكمت لكانت أحكامك من جنس أحكامهم تصيب تارة وتخطئ تارة) ٣.
وقال أيضاً: (من ظن أن هذه التجارب عليها وجدت دلائل هذه الكواكب وشهادتها، فليعملها إلى سائر ما وضع وليقلبها ثم ليحكم بها مقلوباً في المواليد والمسائل والتحاويل، فإن وجد بعضها يصح، وبعضاً لا يصح، على ما عليه حال ما وضع على ما وضع، فليعلم أن ذلك ظن
стр. 184
وحسبان واستحسان) ١،
وما ذكره يعقوب بن إسحاق الكندي مما أراد أن يقيم به للمنجمين عذراً لأغلاطهم، فحط من أقدارهم، فقال ما ملخصه: إن علماء الهند أحذق الناس في علم التنجيم، فأرادوا أن يعلموه أبناءهم، فعجزوا لغموضه، فأجمع علماؤهم جزءاً من ألف جزء من علمهم، فتقبله أبناؤهم، وتعلموه، فلما نشأ أبناؤهم أرادوا تعليمهم هذا العلم كما علمهم آباؤهم ذلك من قبل، فعجزوا عن ذلك، فاختصروه، فصار جزءاً من ألف جزء مما علمهم آباؤهم، ففهمه أبناؤهم وأدركته أذهانهم، ثم قال الكندي: (فما ظنك بعلم اختصر منه جزء من ألف جزء ما يبقى منه الإصابة؟) ٢، وهذا القول وإن أورده الكندي عذراً للمنجمين عن كثرة أغلاطهم، وإلا أن فيه دليلاً على اختلال هذا العلم، وعدم إدراك الإصابة فيه، وأن صدق المنجم فيما وجد منه –على حسب قوله- مرة في كل ألف، ألف مرة٣.
وقول أبي معشر٤: (كل الأعراض الغائبة توهم لا يكون شيء منها يقيناً، وإنما يكون توهم أقوى من توهم.. ومن تأمل أحوال القوم علم
стр. 185
أن ما معهم إلا رزق وتفرس يصيبون معها ويخطئون) ١،
وقول يحيى بن محمد بن أبي الشكر شرحاً على كتاب الإسطرلاب قال: (إنني قد أسهبت وطولت، وذكرت شيئاً من الأحكام لم يقع عليها برهان إلا بالتجربة، وحاكي الكفر ليس بكافر، فلا ينسبنا من قرأ هذا الجزء، وكان له غرض في الشريعة إلى التخلف) ٢، وما ذكره ابن تيمية ﵀ عن المنجمين بقوله: (إني خاطبتهم بدمشق، وحضر عندي رؤساؤهم، وبينت فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعرفون صحتها، فقال لي رئيس منهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة) ٣.
الوجه الثاني: إن هؤلاء القوم أقروا على أنفسهم بفساد صناعتهم، إذ إن كل فريق حكم بفساد أصول الفريق الآخر، وكلما جاءت أمة نقضت أصول من سبقهم، وادعت أن أصولهم هي الصحيحة دون من سواهم، وهذا يبرهن على أن أصولهم المزعومة قائمة على الحدس والتخمين، ومن هذا أن الأوائل في عهد بطليموس عملوا رصداً، واتفقوا أنه هو الصحيح، وبقي الأمر على ذلك سبعمائة سنة تقريباً، والناس ليس بأيديهم إلا تقليدهم، حتى كان عهد المأمون، فاتفق الرصاد في عصره على أنهم امتحنوا رصد الأوائل فوجدوهم غالطين، وأنشئوا رصداً جديداً وسموه الرصد الممتحن، وبهذا أبطلوا رصد الأوائل، فما كان من
стр. 186
الأوائل إجماع على صحة رصدهم الذي عملوه، وما كان من هؤلاء إجماع على فساد رصد الأوائل، وبالتالي إجماع منهم على أنفسهم بأنهم كانوا مخطئين في العمل بالرصد السابق، ثم حكمت طائفة بعد الرصد الممتحن بستين عاماً تقريباً، وزعيمهم أبو معشر محمد بن جعفر بفساد هذا الرصد الممتحن،
وردوا عليهم، وبينوا خطأهم في ذلك١، ثم جاءت جماعة أخرى منهم كوشيار بن باشهري الجيلي٢، حكموا على من سبقهم من المنجمين بالجهل، ومن حكمه عليهم قوله في مقدمة كتاب المجمل: (ومن المنفردين بالعلم الثاني –يعني علم أحكام النجوم- من يأتي على جزئياته بحجج على سبيل النظر والجدل فظن أنها برهان، لجهله بطريق البرهان) ، ثم جاءت جماعة بعد هؤلاء منهم أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي، الذي ذكر أنه قد عثر على أغلاط كثيرة استدركها على المتقدمين، وصنف فيها كتاباً قال في مقدمته: (ولما رأيت هؤلاء القوم مع ذكرهم في الآفاق، وتقدمهم في الصناعة، وإقتداء الناس بهم، واشتغالهم بمؤلفاتهم قد تبع كل واحد منهم من تقدمه، من غير تأمل لخطئه وصوابه بالعيان والنظر، وأوهموا الناس بالرصد حتى ظن كل من نظر في مؤلفاتهم أن ذلك حاصل من معرفتهم بالكواكب ومواضعها..) ، ثم ذكر أن من سبقه ليس معهم بصيرة، بل شهد عليهم بأنهم مموهون مدلسون كذابون مفترون.
стр. 187
ثم جاءت جماعة أخرى في عهد الحاكم١ بالديار المصرية، خالفوا من سبقهم، وحكموا على الأرصاد السابقة بالفساد، ووضعوا رصداً آخر سموه بالرصد الحاكمي، ثم جاءت جماعة أخرى منهم أبو الريحان البيروني حكموا بفساد أصول من تقدمهم، وذكروا كثيراً من مناقضاتهم والرد عليهم بما هو دال على فساد الصناعة نفسها حتى أن البيروني قال في ذلك: (وعند البلوغ إلى هذا الموضع من صناعة التنجيم كفاية، ومن تعداها فقد عرض نفسه وصناعته لما بلغت إليه الآن من السخرية والاستهزاء فقد جهلها المنتسبون إليها) ٢، كما حكم على فساد طرق منجمي الهند في تنجيمهم فقال: (وإنما حكيت هذا ليعلم تباين طرق قومنا وطرق الهند في أحكام النجوم، وأما طرقهم في أحداث العالم فمع طولها فهي ركيكة جداًّ) ٣، وقال أيضاً فيهم: (فليعلم أولاً أن معولهم في أكثر الأحكام على ما يشبه الزجر والفراسة ... ) ٤.
ثم جاءت طائفة أخرى بعدهم منهم أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن الزرقالة٥ خالفوا الأوائل والأواخر، وحكموا على رصدهم وأحكامهم
стр. 188
بالفساد، فأسقط ابن الزرقالة من الرصد الممتحن المأموني في البروج درجات، ومن الرصد الحاكمي دقائق وسلك في الأحكام طرقاً غير الطرق المعهودة قبله، وزعم أن عليها المعوا، وأن طرق من تقدمه ليست بشيء.
ثم جاءت جماعة أخرى منهم أبو الصلت الأندلسي١ حكم على المنجمين كلهم، الأوائل منهم والأواخر بأنهم أصحاب زرق وهذيان، مع أنه كان رأساً في صناعة التنجيم، فقال:
وراعك قول للمنجم مولاهم
ومن يعتقد زرق المنجم يوهم
فواعجباً يهذي المنجم دهره
ويكذب إلا فيك قول المنجم٢
كما حكم إمامهم الفارابي على المنجمين كلهم بأنهم كذابون مخادعون، وأن علم التنجيم باطل في ذاته لا يمكن تحصيله فقال: (إن أثر الناس الذين لا حنكة لهم لما وجدوا أموراً مجهولة بحثوا عنها، وطلبوا علمها، وظنوا أنه إنما يخلو منه لقصورهم عن إدراك سببه، وأنه سيتوصل إلى معرفته بنوع من البحث والتفتيش، ولم يعلموا أن الأمر في طبيعته ممتنع، ولا يكون به تقدم المعرفة البتة بجهة من الجهات إذ هو ممكن الطبيعة وما هو ممكن، فهو بطبعه غير محصل، ولا محكوم عليه بوجود ثبات أو لا وجود) ٣، ولا شك أن حكم بعضهم على بعض
стр. 189
بفساد أصولهم وصناعتهم دليل كاف يبين فساد الصناعة نفسها، ويبرهن على أن القوم ليس عندهم إلا الظنون الكاذبة.
الوجه الثالث: أن هذا العلم أنكره الناس من غير المنجمين على مر العصور، وبينوا فساده شعراً ونثراً، كما بينوا أنه يقوم على الكذب والأوهام، حتى صار بهتانهم مشهوراً بين الناس كافة من كثرة ما قيل في ذلك، فمن ذلك قول قس بن ساعدة:
علم النجوم على العقول وبال
وطلاب شيء لا ينال ضلال
ماذا طلابك علم شيء غيبت
من دونه الخضراء ليس ينال
هيهات ما أحد بغامض فطنة
يدري كم الأرزاق والآجال
إلا الذي فوق السماء مكانه
فلوجهه الإكرام، والإجلال١
وقال الخليل بن أحم٢:
أبلغنا عني المنجم أني
كافر بالذي قضته الكواكب
عالم أن ما يكون وما كان
قضاء من المهيمن واجب
موقن أن من تكهن أو
نجم كل على المقادير كاذب٣
وقال محمد البافي:
وكنت إن بكرت في حاجة
أطالع التقويم والزيجا
стр. 190
فأصبح الزيج كتصحيفه
وأصبح التقويم تعويجا١
وقال إسحاق الفيروزآبادي٢:
حكيم يرى أن النجوم حقيقة
ويذهب في أحكامها كل مذهب
يخبر عن أفلاكها وبروحها
وما عنده علم بما في المغيب٣
وقال آخر:
من كان يخشى زحلاً
أو كان يرجو المشتري
فإنني منه وإن
كان أبي الأدنى بري٤
وقال آخر:
إذا ما أراد تضيع قطعة
على جاهل صارت بكف منجم
لعمرك ما يبريك من داء عمله
طبيب به داء كذلك فافهم
ولكن تعليل النفوس توهم
وليس يشين المرء مثل التوهم
رأيت البلايا والمنايا خفية
إذا خفي الشيء الخفي فسلم٥
وقال آخر:
خوفني منجم أخو خبل
تراجع المريخ في برج الحمل
فقلت دعني من أباطيل الحيل
المشتري عندي سواء وزحل٦
стр. 191
أما من النثر فكثير جداً منها:
رسالة للخطيب البغدادي في حكم علم النجوم، وكذلك كتاب "مفتاح دار السعادة" لابن قيم الجوزية ذكر فيه كثيراً من مناقضاتهم والردود عليهم، وفي العصر الحاضر كتاب "تقويم الزمان" ذكر شيئاً من الأدلة على فساد صناعتهم١، كما ذكر مؤلف كتاب "قراءة الأبراج والطوالع والحظوظ بين الحلال والحرام والحقيقة والأوهام" بعض الأدلة الدالة على فساد هذه الصناعة، وعلى أنهم يعتمدون على الظنون والأوهام٢.. وسأكتفي بهذه الأقوال، وسيأتي غيرها فيما يأتي من الأوجه إن شاء الله.
ومن هذه الأقوال ومن الأقوال السابقة في الأوجه الماضية يتبين اتفاق الأوائل والأواخر، والفلاسفة والمنجمين وغير المنجمين على أن هذه الصناعة قائمة على الظنون والأوهام، والكذب والبهتان.
الوجه الرابع: أن المنجمين إذا أجمعوا على شيء لم يقع غالباً وهذا دليل قاطع يدل على فساد صناعتهم، وعلى أن أحكامهم مبنية على الظنون الكاذبة، وقد حمل لنا التاريخ القصص الكثيرة الواردة في ذلك٣ منها:
ما ذكره الطبري وغيره في حوادث سنة سبع وثلاثين أن منجماً لقي علي بن أبي طالب ﵁ عندما خرج لمقاتلة الخوارج، فأشار عليه بسير وقت من النهار، وقال: إن سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضراًّ شديداً، فخالفه وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه، فلما فرغ من النهر حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (لو سرنا في
стр. 192
الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره بها المنجم فظفر) . فما غزا ﵁ غزوة بعد رسول الله أتم منها، حيث أنه لم ينجو من الخوارج إلا عدد قليل١.
٢- ما أجمع عليه المنجمون من خراب العالم في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بدعوى أن الكواكب الستة تجتمع فيه في الميزان، فيكون طوفان الريح في سائر البلدان، فارتعد جهلة الناس، وتأهبوا بحفر مغارات في الجبال، وأسراب في الأرض، خوفاً من ذلك، فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إليها لم ير ليلة مثلها في سكونها وركودها وهدوئها، فظر كذب المنجمين واستبانت حقيقة حالهم، حتى نظر الشعراء في تكذيب المنجمين، أشعاراً منها قصيدة مطلعها:
مزق التقويم والزيج فقد بان الخطأ إنما التقويم والزيج هباء وهوا٢
٣- ما زعمه المنجمون من أن المعتصم لا يفتح عمورية، وراسلته الروم بأنا نجد ذلك في كتبنا، أنه لا تفتح مدينتنا إلا في وقت إدراك التين والعنب، وبيننا وبين ذلك الوقت شهور يمنعك من المقام بها البرد والثلج، فأبى أن ينصرف، وأكب عليها ففتحها، فأبطل ما قالوا، فأنشأ أبو تمام٣ قصيدة يمدح المعتصم فيها، ويذكر حريق عمورية وفتحها، ويبين كذب المنجمين وفساد علمهم المزعوم فقال:
стр. 193
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح اللامعة
بين الخمسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية أم أين النجوم وما
صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصًّا وأحاديث ملفقة
ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
عجائباً زعموا الأيام مجفلة
عنهن في صفر الأصفار أو رجب
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة
إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب
وصيروا الأبراج العليا مرتبة
ما كان منقلباً أو غير منقلب
يقضون بالأمر عنها وهي غافلة
ما دار في فلك منها وفي قطب
لو بينت قط أمراً قبل موقعه
لم تخف ما حل بالأوثان والصلب١
٤- ومن ذلك إجماع المنجمين في زمن الواثق بالله٢ أنه يعيش في الخلافة دهراً طويلاً، وقدروا له خمسين سنة مستقبلة من يوم نظروا ولم يعش بعد ما نظروا إلا عشرة أيام ثم توفي٣.
٥- ومن ذلك إجماع المنجمين على خراب العالم، وهلاك سائر المكونات بعد مضي تسعمائة وستين سنة٤ وقد ظهر كذبهم.
стр. 194
٦- ومن ذلك اتفاقهم سنة اثنتين وتسعين ومائتين في قصة القرامطة على أن المكتفي بالله١ إن خرج لمقاتلتهم كان هو المغلوب الملزوم، وكان المسلمون قد لقوا منهم على توالي الأيام شراًّ عظيماً، وخطباً جسيماً، من ذلك أنهم قتلوا النساء والأطفال، واستباحوا الحريم والأموال، وهدموا المساجد، وربطوا فيها خيولهم ودوابهم، وقصدوا وفد الله وزوار بيته فأوقعوا فيهم القتل الذريع، والفعل الشنيع، وأباحوا محارم الله، فعزم المكتفي على الخروج إليهم بنفسه، فاجتمع المنجمون، وأشاروا على الخليفة أن لا يخرج فإنه إن خرج لم يرجع، وبخروجه تزول دولته، وبهذا تشهد النجوم التي يقضي بها طالع مولده، فخالفهم المكتفي بالله وخرج وأقام بالرقة حتى أخذ أعداء الله جميعاً، وسيقت جموعهم بالسيف٢.
٧- ومن ذلك النكبات التي حلت بمن تقيد بهذا العلم في أفعاله وأسفاره، وغير ذلك من أحواله، وهي عبر يكفي العاقل بعضها في تكذيب هؤلاء القوم، ولا يكاد يعرف أحد تقيد بالنجوم في ما يأتيه ويذوره إلا نكب أقبح نكبة وأشنعها، مقابلة له بنقيض قصده، فمن ذلك:
حال أبي علي بن مقلة الوزير٣، وتعظيمه لأحكام النجوم، ومراعاته
стр. 195
لها أشد المراعات،
ودخوله داراً بناها بطالع زعم الكذابون أنه طالع سعد، ولا يرى به في الدار مكروهاً، فقطعت يده ولسانه، وخربت داره فصارت كوماً، ونكب أقبح نكبة نكبها وزير، حتى أنشده بعض الشعراء فيه فقال:
قل لابن مقلة: مهلاً لا تكن عجلاً
واصبر، فإنك في أضغاث أحلام
تبني بأحجر دور الناس مجتهداً
داراً ستهدم قنصاً بعد أيام
ما زلت تختار سعد المشتري لها
فكم نحوس به من نحس بهرام١
إن القران وبطليموس ما اجتمعا
في حال نقض ولا في حال إبرام٢
ومن ذلك أيضاً أن المنجمين حكموا لحاكم بأمر الله بركوب الحمار على كل حال، وألزموه أن يتعاهد الجبل المقطم في أكثر الأيام، وينفرد وحده بخطاب زحل بما علموه إياه من الكلام، ويتعاهد فعل ما وضعوه له من البخورات والأعزام، وحكموا بأنه ما دام على ذلك، وهو يركب الحمار فهو سالم النفس عن كل إيذاء، فلزم ما أشاروا به عليه، فجعل الله العزيز العليم، رب الكواكب ومسخرها، ومدبرها أن هلاكه كان في ذلك الجبل، وعلى ذلك الحمار، فإنه خرج بحماره إلى ذلك الجبل على عادته، وانفرد بنفسه، منقطعاً عن موكبه، وقد استعد له قوم بسكاكين، فقطعوه هنالك للوقت والحين، ثم أعدموا جثته فلم يعلم لها خبر٣.
стр. 196
والقصص في كذب المنجمين كثيرة جداً، وقتلى المنجمين لا يحصيهم إلا الله، وفيما ذكرناه كفاية في بيان فساد صناعتهم، وفي إظهار كذبهم.
الوجه الخامس: لو كان هذا العلم صحيحاً لحظي المنجمون بالغنى والسلامة والنعم، ومعلوم من واقعهم أن الأمر بالعكس، فالغالب في أحوال المنجمين ومن سمع منهم وعمل بقولهم الفقر والنحوسة والحرمان، والتاريخ أكبر شاهد على ذلك١.
الوجه السادس: أن هذه الصنعة –على فرض صحة أحكامها- فلا فائدة في حصول العلم بها، إذ إن الإنسان لا يقدر أن يزيد فيه سعداً، ولا ينقص منه نحساً، بشهادتهم على ذلك٢، فضلاً عن المضرة الحاصلة الواقعة على مكتسب هذا العلم، وذلك أن متوقع السعادة يحصل له من قلق المتوقع، وحرقة الانتظار ما يقطعه عن منافعه، ويقصر به عن حركته اتكالاً على ما يأتيه، وتعويلاً على ما يصل إليه، ففكره منقسم، وقلبه معذب، بعد الدقائق والثواني شوقاً إلى ما وعد، فإذا تأخر السعد أو تخلف –وكثيراً ما يحدث- انقدح في القلب حسرة وندامة على ما فاته من السعد الموهوم فكانت مضرة على مضرة، أما متوقع النحس فهو حاصل له قبل وقوعه، لشدة رعبه من قدومه، ففكره لا ينصرف عنه، وعن التفكير فيه، فتبقى حياته منغصة حتى يحين موعده المزعوم، وقد يأتي وقد يتخلف، فعلم من ذلك أن هذه الصناعة ضارة بأهلها وبمن اعتقدها، معذبة لهم، سواء أكانت علماً صحيحاً أم فاسداً٣.
стр. 197
الوجه السابع: اختلاف أصحابها في الأصول التي يبنون عليها أمرهم، ويفرغون عنها أحكامهم١ فمن ذلك:
أولاً: اختلافهم في البروج التي نؤثر في هذا العالم –بزعمهم-، والتي تبنى عليها أحكامهم، والاختلاف فيها في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: في أسمائها: تختلف أسماء البروج بين أمم المنجمين اختلافاً بيناً، فالبروج عند اليونانيين والمصريين والعرب اثنا عشر برجاً، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسركان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت٢.
أما الصينيون فالبروج عندهم كما يلي: برج الفأر، والقط، والحصان، والديك، والجاموس، والتنين، والماعز، والكلب، والنمر، والثعبان، والقرد، والخنزير٣.
الأمر الثاني: اختلاف أحكامهم في دلالة هذه البروج على طباع الناس بناء على اختلافهم في أسمائهم، إذا أنهم جعلوا طبائع المولود تابعة لطبيعة الحيوان الذي سمي باسمه البرج الذي ولد فيه هذا المولود، ولنأخذ مثالاً على ذلك قول أبي معشر في مواليد برج الحمل باعتباره أول البروج عند اليونانيين ومن تابعهم قال: (المولود بهذا البرج يكون رجلاً أسمر اللون، طويل القامة، كبير الرأس، صعب المراس، سريع الغضب، قريب الرضا، سريع الانتقال من مكان إلى مكان، يقول
стр. 198
الحق ويكره الباطل، لا يعمل إلا برأيه، ويكون استقلاله بمشورته فيه بعض فساد تارة، وتارة يستغني، حاله حسن، صبوراً على الأهوال)
فقد استمدوا بعض صفات الحمل وجعلوها صفات لمواليد هذا البرج كما مضى من قول أبي معشر: (سريع الغضب، قريب الرضا، وثاباً، سريع الانتقال من مكان إلى مكان..) وهذه صفات الحمل.
وكذلك فعل الصينيون إلا أنهم بحككم اختلافهم في البروج جعلوا للمولود صفات تختلف عن الصفات التي جعلها اليونانيون، فأول البروج عند الصينيين –كما سبق- برج الفأر، وقالوا في صفات من ولد فيه، (ولد الفأر في برج الفتنة، والعدوان، وهو يبدو للوهلة الأولى هادئاً متزناً.. فرحاً.. ولكن حذار، فإن تحت هذا المظهر الوديع يكمن مزيج من العدوان والقلق المتواصل.. والفأر خلاق للمواقف الحرجة، مهتم بتوافه الأمور، مختل الأعصاب أحياناً، بادئ بالتذمر دائماً، ويميل الفأر أن يكون ضمن مجموعة..) ٢ وهذه صفات الفأر، طبقوها على من ولد في هذا البرج.
الأمر الثالث: اختلافهم في المدة التي تجعل لكل برج: لا شك أن اليوم الواحد، بل الساعة الواحدة لها أثر في اختلاف حكم النجوم المزعوم، فكيف لو امتدت المدة أشهراً؟؟ بلا ريب سيكون اختلاف واضحاً بين الحكمين –على حد زعمهم- إلا أننا نجد أن مدة كل برج عند اليونانيين وأتباعهم ما يقارب الشهر٣، فيكون أثر هذا البرج خلال هذه
стр. 199
المدة١، أما الصينيون فقد جعلوا لكل برج من بروجهم سنة كاملة٢، وهذا يجعل جميع مواليد أبراج اليونانيين تحت حكم واحد، وهذا البون الشاسع دلالة واضحة على كذب هؤلاء.
ثانياً: معرفة السعود من الكواكب والنحوس مهم عند المنجمين، إذ إن الحكم عند وجد كوكب سعد يختلف عن الحكم عند وجود كوكب نحس –على حد زعمهم- فمن ذلك قول ابن الفرخان٣ في كتاب الأحكام: (معرفة سلامة المسئول عنه وضرره انظر كيف حال رب برج المسئول عنه والقمر، فإن وجدتهما ساقطين أو منحوسين، وكان القمر ناقصاً في نوره، والدليل للمسئول عنه راجع في سيره وهبوطه، دل على ضرر بالمسئول عنه، وإن كان مستقيماً، أو شرقياً، أو في شرفه، أو في شيء من حظوظه، أو مسعوداً كان القمر زائداً في نوره وكان في بعض حظوظه ولم يكن في هبوطه سليماً من النحوس، دل على سلامة بدن المسئول عنه) ٤ فاختلافهم في السعد من الكواكب من النحس منها دليل على بهتان هؤلاء، لأنه يؤدي إلى صدور أحكام متضادة، ولو كان علم أحكام النجوم صحيحاً ما حصل هذا التضاد، لأن النجوم في سماء
стр. 200
الشعوب كلها واحدة، فوجود مثل هذا يدل على كذبهم في ادعاء أن هذه الأحكام صادرة من الكواكب، أو هي دالة عليها، فنجد أن مذهب أهل الهند أن السعود من الكواكب ثلاثة هي: المشتري، والزهرة، والقمر، والنحوس منها ثلاثة هي: زحل، والمريخ، والشمس، والمنقلب واحد: وهو عطارد، وسُمي بذلك لأن أحواله تنقلب فيكون سعداً مع السعد، ونحساً مع النحس١.
ومذهب البلخي: أن السعود من الكواكب أربعة: المشتري، والزهرة، والشمس، والقمر، والنحوس منها اثنان: زحل، والمريخ، والمنقلب: عطارد٢.
ومنهم من يقول: إن القمر سعد إذا زاد نوره ونحس إذا نقص نوره.
ومنهم من يقول: إنه في العشر الأوائل من الشهر القمري لا سعد ولا نحس، وفي العشر الأوسط سعد، وفي الأخير نحس٣.
والمنجمون من الرافضة يجعلون زحل من السعود، ويدعون أنه نجم الأنبياء والأوصياء٤.
ثالثاً: اختلافهم في البروج المذكورة والبروج المؤنثة على مذاهب:
الأول: ذهبت طائفة منهم إلى ترتيب البروج المذكرة والمؤنثة من البرج الطالع، فعدوا واحداً مذكراً، وآخراً مؤنثاً، وابتدئوا من المذكر٥.
стр. 201
الثاني: ذهبت طائفة أخلى إلى تقسيم البروج أربعة أجزاء، فجعلوا البروج المذكرة وهي التي من الطالع إلى وسط السماء، والتي يقابلها من الغرب إلى وتد الأرض١، والمربعان الباقيان مؤنثان٢.
الثالث: ذهب أهل الهند وأبو معشر البلخي إلى تقسيم البروج. المذكرة والمؤنثة اعتباراً من برج الحمل فجعلوه مذكراً، ثم برج الثور أنثى، وهكذا الثالث ذكر والرابع أنثى ... إلى آخر البروج٣.
رابعاً: اختلافهم في كيفية معرفة السعادة من هذه الكواكب على أقوال:
القول الأول: قال بطليموس: يؤخذ دائماً العدد الذي يحصل من موضع الشمس إلى موضع القمر، ويبتدئ من الطالع فيرصد منه مثل ذلك العدد، ويؤخذ إلى الجهة التي تتلو البروج فيكون قد عرف موضع السهم.
القول الثاني: زعم غيره أنه يعد من الشمس، ثم يبتدئ من الطالع فيعد مثل ذلك إلى الجهة المتقدمة من البروج.
القول الثالث: قال الفرس: لأن الشمس لها نوبة النهار، والقمر له نوبة الليل، وكان سهم السعادة بالنهار يؤخذ من الشمس إلى القمر
стр. 202
فوجب أن يؤخذ سهم السعادة بالليل من القمر إلى الشمس١.
خامساً: اختلفوا في اعتماد وقوع الخير والشر، والإعطاء والمنع، ونحو ذلك في العالم من الكواكب على أقوال:
الأول: على حسب السعود والنحوس.
الثاني: على حسب كونها من البروج الموافقة والمنافرة لها.
الثالث: على حسب نظر بعضها إلى بعض من التسديس والتربيع والتثليث ... إلخ.
الرابع: على حسب كونها في شرفها وهبوطها٢.
سادساً: اختلفوا في الحدود، والحدود هي: أقسام في البروج مختلفة ينسب كل قسم من كل برج إلى كوكب من الكواكب المتحيرة٣، وتختلف الأحكام في البرج الواحد بحسب اختلاف هذه الأقسام، ووقوع هذه الكواكب فيها، فمن ذلك قول ابن أبي الشكر فيمن سأل عن دفين قال: (إن كان في الطالع عطارد فهو مدفون في الأرض، وإن كانت الزهرة فهو تحت فراش أو فرش، وإن كان المشتري ففي حائط، وإن كان زحل ففي قدر مظلم ... ) ٤.
стр. 203
قلت: إنهم اختلفوا في تقسيم هذه الكواكب على هذه الأقسام، فالكلدانيون لهم تقسيم، وأهل الهند لهم تقسيم آخر، والمصريون لهم تقسيم آخر، وبطليموس له تقسيم يختلف عن جميع تقسيمات من سبق، ومثال اختلافهم في هذه التقسيمات جعل المصريون حدود الجدي –مثلاً- عطارد، والمشتري، والزهرة، وزحل، والمريخ، على الترتيب أما حدود الجدي عند بطليموس فهو الزهرة وعطارد والمشتري والمريخ وزحل على هذا الترتيب١، ولا يخفى على كل ذي لب أثر هذا الاختلاف على اختلاف الأحكام.
سابعاً: اختلفوا في تقويم الكواكب بالزيجات المختلفة، فبعضهم يقومها بزي بطليموس، وبعضهم يقومها بالسند هند، وبعضهم يقومها بالممتحن، وإذا اختلفت هذه الزيجات اختلف الحساب، وإذا اختلف الحساب اختلفت مواقع الكواكب في البروج عند الحساب، وإذا اختلفت دلائلها المزعومةـ وإذا اختلفت دلائلها اختلف القضاء بها، والحكم فيها، وإذا اختلف القضاء بها والحكم فيها وقع الخطأ والكذب لا محالة٢، والكذب واقع في هذه الصناعة بكل حال.
ثامناً: من الأحوال المهمة التي يبنون عليها أحكامهم –بالإضافة إلى ما سبق- تقسيم الكواكب إلى مذكر ومؤنث ومشارك للجنسين، وإن كانت هذه القسمة وهمية، إلا أنها عندهم في غاية الأهمية، إذ بها تعرف الدلالة على الذكور والإناث في سائر أحكامهم، مثال ذلك دلالة الكواكب على المولود أذكر هو أم أنثى؟
стр. 204
قال السجزي١: (الشمس في الطالع والطالع برج ذكر، وعدد الساعات فرد دليل على التذكير، وبالعكس الطالع برج ذو جسدين، وفيه كوكب ذكر وعدد الساعات فرد يدل على الذكر ... ) ٢ وكذلك في دلالته على اللص هل هو ذكر أو أنثى أوخنثى٣، وغير هذه من الأحكام –كثير يعتمد على تذكير الكواكب وتأنيثها- فقد اختلفوا أيضاً في هذا الأصل فمنهم من جعل الشمس وزحل والمشتري والمريخ ذكوراً، والزهرة والقمر أنثيان، وعطارد مشارك للجنسين٤، ومنهم من جعل زحل كالمخصي٥.
ومنهم من جعل المريخ أنثى، ومنهم من جعل أحياناُ أنثى، وأحياناً ذكر٦.
ولو أردت أن أستقصي اختلافاتهم لما وسعتها مئات الأوراق، ولكن أكتفي بما ذكرت، وأشير إلى ما يحضرني منها، ومن أراد التوسع رجع إلى ما أذكره من مراجعها، فمن هذه الاختلافات اختلافهم في عدد السهام٧، واختلافهم في الهيلاج والكداخداه٨، واختلافهم في صداقة
стр. 205
الكواكب وعداوتها١، واختلافهم في درجات الفلك الثلاثمائة وستين درجة المذكر منها والمؤنث٢، واختلافهم في عدد الدرجات لكل كوكب٣، واختلافهم في صورة الفلك وشكله، وحركته، وصورة كواكبه، وأشكالها وحركاتها، وهل تتحرك بأنفسها أو بأفلاكها٤؟
الوجه الثامن: أن هذه الصناعة تشتمل على أصول فاسدة كثيرة منها:
١- دلالة الطالع على أحوال المولود: إن من أهم الأصول التي يبنى عليها المنجمون أحكامهم معرفة الطالع، وجعلوا الطالع هو النجم الذي يظهر في المشرق عند انفصال الولد من رحم أمه، وجعلوه دالاًّ على جميع أحوال المولود إلى آخر عمره، والذي يدل على هذا أقوال المنجمين أنفسهم، ومن هذه الأقوال قول أبي سعيد السجزي: (اعلم أن صاحب الطالع دليل حال المولود، فإن كان صالح الحال فإنه يدل في كل أموره على الصلاح، وإذا كان رديء الحال فإنه يدل على الفساد) ٥، وهذا الأصل باطل من عدة أمور هي:
الأمر الأول: إنه لا ارتباط بين المولود وبين شكل الطالع إلا في شيء واحد وهو أن كلاًّ منهما ظهر بعد خفاء، ومجرد هذا الشبه لا يوجب الاستدلال بهذا الشكل على جميع أحوال الإنسان.
стр. 206
الأمر الثاني: أن الأجسام لا تنفعل من غيرها إلا بواسطة المماسة، وهذه الكواكب لا مماسة لها بأعضائها وأبداننا، وأرواحنا، فيمتنع كونها فاعلة فينا، إلا ما كان من وصول شعاع بعضها إلى أجسامنا.
الأمر الثالث: أن ذلك الشكل لم يحدث إلا في تلك اللحظة ثم يفنى ويزول، ويحدث شكل آخر، فهذا الشكل معدوم في جميع أجزاء عمر الولد إلا في تلك اللحظة فلا يكون علة ولا جزءاً من العلة لهذا المولود، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال به على جميع أجزاء عمره.
الأمر الرابع: أنه عند حدوث الطالع فإن أنواعاً من الحيوانات، والجمادات، والنباتات قد حدثت في ذلك الوقت، فلو كان ذلك الطالع يوجب آثاراً مخصوصة لحصلت لهذه الأشياء كذلك، فلما لم يحدث ذلك علمنا أن القول بتأثير الطالع باطل١.
الأمر الخامس: نفترض –جدلاً- أن الطالع له تأثير في أحوال المولود، فعلى هذا يكون اعتبار طالع الولادة خطأ، بل الأولى أن يكون طالع سقوط النطفة هو المعتبر لا طالع الولادة، وذلك لأن سقوط النطفة هو مبدأ التكوين، أما الولادة فهو انتقال من مكان إلى مكان بعد أن تم تكوينه وحدوثه، وطالع سقوط النطفة لا يمكن إدراكه، فدل ذلك على عدم إمكان حصول العلم بهذه الصناعة٢.
أنهم يبنون صناعة التنجيم على السيارات السبع، ويعدونها فيخطئون لأنهم يحسبون القمر من السيارات وليس هو منها، ولا يحسبون
стр. 207
الكرة الأرضية، وهي في وسطها، وكان المنجمون الأقدمون يجهلون ثلاثاً من السيارات لأنها لم تكشف قبل اختراع المنظار المقرب، وهو أورانوس الذي اكتشف سنة ١٧٨١م، ونبتون الذي كشف في منتصف القرن الماضي، وبلوتس الذي كان معروفاً بالظن، ولم يعرف على وجه التحقيق قبل سنة ١٩٣٠م١.
٣- أن المنجمين يذكرون بروج الفلك، ويذكرون سلطان كل برج منها كأنه ثابت في مكانه، وقد أثبت أخيراً أن البروج تنتقل من أماكنها فلا تتفق طوالع المواليد اليوم، وطوالعهم قبل ألف سنة ولا قبل مائة سنة، لأن مواضعها في أفلاك البروج لا تزال في انتقال واختلاف٢.
٤- أن المنجمين حكموا على بعض الأجرام العلوية بالسعادة، وعلى بعضها بالنحوسة، مع إجماعهم أن هذه الأجرام غير قابلة في ذاتها للتأثيرات والتكوينات، ولا اختلاف في طباعها، فإن ادعوا أنهم قسموا هذا التقسيم من أجل ألوانها أو حركاتها البطيئة والسريعة فلا يستقيم، إذ ليس كل ما أشبه شيئاً بعرض من الأعراض يجب أن يكون شبيهاً به في طبعه، وأن يصدر عن كل واحد منهما ما يصدر عن الآخر٣.
أن المنجمين جعلوا دلالة الكواكب على الأشياء السفلية على حسب اتفاق هذه الكواكب مع هذه الأشياء في اللون أو في الحركة، وهذا لا يصح إذ لو وجب أن يكون كل
стр. 208
ما لونه من الكواكب شبيهاً بلون الدم مثل المريخ دليلاً على القتال وإراقة الدماء لوجب أن يكون كل ما لونه أحمر من الأجسام السفلية أيضاً دليلاً على ذلك، إذ هي أقرب منها، ولو وجب أن يكون كل ما حركته سريعة أو بطيئة من الكواكب دلائل على التباطئ والتسارع في الحوائج لوجب أن يكون كل بطيء، وكل سريع من الأجسام السفلية أدل عليها، إذ هي أقرب منها، وأشد اتصالاً، وكذلك الأمر في سائرها١.
٦- أن المنجمين قسموا الفلك إلى أجزاء من درجات، ودقائق، وثواب ... وهذه الأجزاء المفترضة في الفك إما أن تكون متشابهة في الطبيعة والماهية، أو مختلفة فيها، فإن كانت متشابهة في الطبيعة والماهية كان الطالع مساوياً لسائر الأجزاء، وحكم سائر الأجزاء واحد، وإن كانت الأجزاء مختلفة وهذا ما يدعونه إذ أنهم جعلوا لكل جزء من الفلك طبيعة مختلفة٢، فلا شك في فساد أحكامهم، لأن سرعة الفلك عظيمة جداً، حتى قالوا: إن الفرس شديد العدو إذا رفع رجله ووضعها يكون الفلك قد تحرك ثلاثة آلاف ميل، فإن كان كذلك فمن الوقت الذي ينفصل فيه الجنين عن بطن أمه إلى أن يأخذ المنجم الإسطرلاب وينظر في الفلك قد تحرك مسافات بعيدة جداً٣.
وغير ذلك من الأصول الفاسدة التي شملتها هذه الصناعة.
الوجه التاسع: إن علم أحكام النجوم المزعوم مبني على معرفة مواضع الكواكب ومناسبتها مع بعضها، وهذا تتوقف معرفته على آلات الرصد، وهي لا تنفك عن شيء من الزلل، والخلل الذي لا يستطيع
стр. 209
الإنسان توفيه، وهذا ما اعترف به بعض كبرائهم منهم أبو سعيد السجزي، حيث قال: (وأما الموضع الذي يخطئ عامة المنجمين فيه أن تكون الدلالة الحسية على معرفة هيئة الفلك بالتغير، إما باعوجاج الآلات مثل الإسطرلاب فإنه يمكن أن يتغير آخر برج من البروج فيصير أول البروج الذي يليه، أو ما شكل ذلك) ١ بالإضافة إلى عدم مقدرتها على ضبط الثواني والثوالث والروابع والخوامس٢ ... إلى آخر ذلك بما يعتمد عليه المنجمون، وذلك لسرعة جريان جرم الفلك٣ ودقة هذه الأجرام مما يستحيل معه ضبطها.
الوجه العاشر: لو أن شخصين سألا منجمين في وقت واحد، وفي بلد واحد عن خصمين طالعها واحد أيهما يظفر بصاحبه؟ فإن دل الطالع على حال الغالب والمغلوب مع كونه مشتركاً بني الخصمين لزم أن يكون كل واحد منهما غالباً ومغلوباً، وهذا محال، إذ فيه اجتماع الضدين، واجتماعهما يستحيل حصوله٤.
الوجه الحادي عشر: من المشاهد أنه يموت مجموعة كبيرة من الناس في ساعة واحدة، إما بغرق أو بقتل في حرب أو نحو ذلك، مع اختلاف
стр. 210
أحوالهم، وتباين طبقاتهم، واختلاف طوالعهم، ودرجات نجومهم، ولو كان للطوالع تأثير لامتنع عند اختلافها الاشتراك في طريقة ووقت الموت، فإن قال المنجم: يؤخذ الحكم بين الطالع الذي ركبوا فيه، قيل له: يكون على مقتضى ذلك أن الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على اختلافها، فيكون بهذا لا فائدة في أخذ الطوالع عند الولادة، ولا يوثق في أحكامها، إذا يحتمل أن كل طالع ينسخ حكم ما تقدم من أحكام الطوالع، فلا يبقى بهذا حكم يوثق به١.
الوجه الثاني عشر: ما هو معلوم بالحس والواقع أن الإنسان يستطيع أن يخالف ما يدعيه المنجم من الأحكام، وبهذا يتبين كذب المنجم إذ لو كانت حقاًّ وحتماً لما أمكن مخالفتها فصح أنها تخرص وتخمين٢.
الوجه الثالث عشر: أن هذه الصناعة محتوية على أحكام كثيرة مستبشعة تقتضي التقرب إلى الكواكب وعبادتها، وهتك أعراض الناس بمجرد النون الكاذبة، وارتكاب الفواحش، وذم الإسلام وأهله، وتني هدم الإسلام وكسر الملة الإسلامية. فمن ذلك:
ما نقله الرازي عن أبي معشر أنه قال: (من أراد هذا العلم الشريف فلا بد أن يبتدئ بالقمر فإذا حصل منه مقصوده توسل به إلى سحر عطارد، وبهما إلى الزهرة، ثم بالثلاثة إلى الشمس لاسيما عطارد في وقت احتراقه ... ) ٣ والتوسل من العبادة التي يجب أن تصرف لله وحده.
стр. 211
وما ذكره الرازي أيضاً عن أبي معشر البلخي: (وينبغي إذا طلعت الزهرة بحيث يراها أن يكون أسباب المجلس مهيأة هكذا ثلاثة أيام، لايشتغل بشيء آخر سوى شرب الخمر، ويلوط، ويزني في كل ليلة، ثم في الليلة الثالثة إذا طلعت الزهرة يقوم ويخدمها إذا فرغ من جماع المغنية، ويظهر عشقه لها، ويشكو مايقاسي من حبها، ويذكر من الأشعار المذكورة في باب العشق بالعربية والفارسية ويتضرع إليها غاية التضرع، فإنه يصير مقبولاً، وعلامة ذلك أن تكثر أسباب اللهو، ويميل الغلمان والنساء إليه، ويدخلون عليه من غير طلبه) ١، وقال أيضاً: (الباب الثاني في القربانات والضابط في هذا الباب أن قربان كل كوكب حيوان يكون أشرف الحيوانات المنتسبة إليه) ٢، وغير هذه الأقوال كثير تظهر فيها عبادة هذه الكواكب والتقرب لها بالفواحش، والمنكرات، وفعل كل قبيح، ومن هتك أعراض الناس.
قال عمر بن فرخان: (إذا أردت أن تعلم هل المرأة عفيفة أو فاسدة انظر فإن كان الطالع بيت زحل وفيه المريخ فإن المرأة زانية، وإن نظر المريخ مع هذا فهي زانية ... فاسدة غير عفيفة، وإن كانت المسألة عن رجل، وكان الطالع بيت عطارد وفيه الزهرة فإنه لوطي ...) ٣.
وكذلك ما اتفق عليه المنجمون أن الإنسان إذا أراد أن يستجيب الله دعاءه جعل الرأس في وسط السماء مع المشتري أو شطراً منه، مقبل القمر، متصلاً به، أو منصرفاً عنه ... فهنالك لا يشكو أن الإجابة
стр. 212
حاصلة١.
وكذلك من أحكام المستبشعة أنهم جعلوا المشتري دالاًّ على الديانة النصرانية، وكوكب الزهرة دالاًّ على الإسلام٢، مع دعواهم أن المشتري يقتضي معرفة الناس، وإصلاح ذات البين، والصداقة بينهم، والتمسك بالدين، والأمر بالمعروف، والزهرة تقتضي البطالة والاستهزاء، والرفض، وحب الخمر والعسل، واللعب بالشطرنج، والنرد، وكراهة الإيمان، والكذب، والفرح والخلاعة٣.
وهذا ظاهر البطلان، إذ كل عاقل يعلم أن النصارى أعظم الملل جهلاً وضلالاً، وأكثرهم اشتغالاً بالملاهي وتعبداً بها٤
وكيف تنطبق هذه الأوصاف عليهم وقد أخبر الله سبحانه عن هؤلاء بقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ * قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ * وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ٥، وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى
стр. 213
لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١.
والفلاسفة متفقون على أن شريعة محمد ﷺ أعظم الشرائع، وأن أمته أكمل الناس عقلاً وديناً وعلماً، حتى فلاسفة اليهود والنصارى لا يرتابون في أن المسلمين أفضل عقلاً وديناً من كل أمه.
ومن ذلك يتضح أن المسلمين أولى بالعلم والدين والعقل والعدل والأمر بالمعروف والجد باتفاق كل ذي عقل، والنصارى أبعد الناس عن ذلك٢.
ومن هذا يتضح أيضاً ما يكنُّهُ هؤلاء تجاه الإسلام وأهله، وأقوالهم المستبشعة كثيرة جداًّ، غير ما ذكرت منها، فضلاً عن بشاعة صناعتهم نفسها، وما ذكرته من أقوالهم كافٍ في بيان حالهم.
وهذه الأوجه كلها دالة على أن هذه الصناعة فاسدة لا يوثق بها، بل إنها تعتمد على الظنون الكاذبة بشهادتهم على ذلك، وبشهادة الناس عليهم، وبالأدلة الأخرى الدالة على ذلك.
стр. 214
الفصل الخامس: شبهات المنجمين، والرد عليها
الفصل الخامس: شبهات المنجمين، والرد عليها
...
الفصل الخامس: شبهات المنجمين، والرد عليها
إن المنجمين هو أفراخ الفلاسفة الذين عادوا الرسل، وكذبوا الشرائع، وأعلنوا التمرد والعصيان على الله، ومع ذلك نجد من انتسب للإسلام من هؤلاء المنجمين أرادوا أن يعززوا اعتقادهم في النجوم، ويؤيدوه بما كذبه معلوم ضرورة على الله ورسوله والصحابة ﵃ أجمعين ...
فحملوا الآيات على غير معناها، ولفقوا أقوالاً نسبوها إلى النبي ﷺ تارة، وإلى صحابته رضوان الله عليهم تارة أخرى، مقتفين في ذلك أثر أهل الكتاب في الكذب على أنبيائهم، وتحريف كلام الله عن مواضعه، كما أخبر الله سبحانه بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ١. وسأبين –إن شاء الله تعالى- أهم شبهاتهم التي تمسكوا بها وهي ثلاث عشرة شبهة، أذكرها فيما يلي:
الشبهة الأولى: استدلالهم بالآيات الدالة على تعظيم هذه الكواكب منها:
قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ٢، قالوا: إن أكثر
стр. 215
المفسرين على أن المراد بالخنس والكنس الكواكب التي تسير راجعة تارة، ومستقيمة أخرى١.
٢- وقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٢، قالوا: قد صرح الله تعالى بتعظيم هذا القسم، وذلك يدل على غاية جلالة مواقع النجوم، ونهاية شرفها٣.
٣- وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ ٤، قالوا: قد قال ابن عباس: الثاقب هو زحل لأنه يثقب بنوره سمك السماوات السبع٥، وذكر الرافضة نحو قول ابن عباس عن جعفر الصادق٦.
قالوا: إن الله تعالى بين إلهيته بكون هذه الكواكب تحت تدبيره وتسخيره فقال:﴾ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٧.