← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7591

التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام

عبد المجيد بن سالم المشعبي

Полный текст (321 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وما ذكره الرازي أيضاً عن أبي معشر البلخي: (وينبغي إذا طلعت الزهرة بحيث يراها أن يكون أسباب المجلس مهيأة هكذا ثلاثة أيام، لايشتغل بشيء آخر سوى شرب الخمر، ويلوط، ويزني في كل ليلة، ثم في الليلة الثالثة إذا طلعت الزهرة يقوم ويخدمها إذا فرغ من جماع المغنية، ويظهر عشقه لها، ويشكو مايقاسي من حبها، ويذكر من الأشعار المذكورة في باب العشق بالعربية والفارسية ويتضرع إليها غاية التضرع، فإنه يصير مقبولاً، وعلامة ذلك أن تكثر أسباب اللهو، ويميل الغلمان والنساء إليه، ويدخلون عليه من غير طلبه) ١، وقال أيضاً: (الباب الثاني في القربانات والضابط في هذا الباب أن قربان كل كوكب حيوان يكون أشرف الحيوانات المنتسبة إليه) ٢، وغير هذه الأقوال كثير تظهر فيها عبادة هذه الكواكب والتقرب لها بالفواحش، والمنكرات، وفعل كل قبيح، ومن هتك أعراض الناس. قال عمر بن فرخان: (إذا أردت أن تعلم هل المرأة عفيفة أو فاسدة انظر فإن كان الطالع بيت زحل وفيه المريخ فإن المرأة زانية، وإن نظر المريخ مع هذا فهي زانية ... فاسدة غير عفيفة، وإن كانت المسألة عن رجل، وكان الطالع بيت عطارد وفيه الزهرة فإنه لوطي ...) ٣. وكذلك ما اتفق عليه المنجمون أن الإنسان إذا أراد أن يستجيب الله دعاءه جعل الرأس في وسط السماء مع المشتري أو شطراً منه، مقبل القمر، متصلاً به، أو منصرفاً عنه ... فهنالك لا يشكو أن الإجابة

стр. 212

حاصلة١. وكذلك من أحكام المستبشعة أنهم جعلوا المشتري دالاًّ على الديانة النصرانية، وكوكب الزهرة دالاًّ على الإسلام٢، مع دعواهم أن المشتري يقتضي معرفة الناس، وإصلاح ذات البين، والصداقة بينهم، والتمسك بالدين، والأمر بالمعروف، والزهرة تقتضي البطالة والاستهزاء، والرفض، وحب الخمر والعسل، واللعب بالشطرنج، والنرد، وكراهة الإيمان، والكذب، والفرح والخلاعة٣. وهذا ظاهر البطلان، إذ كل عاقل يعلم أن النصارى أعظم الملل جهلاً وضلالاً، وأكثرهم اشتغالاً بالملاهي وتعبداً بها٤ وكيف تنطبق هذه الأوصاف عليهم وقد أخبر الله سبحانه عن هؤلاء بقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ * قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ * وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ٥، وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى

стр. 213

لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١. والفلاسفة متفقون على أن شريعة محمد ﷺ أعظم الشرائع، وأن أمته أكمل الناس عقلاً وديناً وعلماً، حتى فلاسفة اليهود والنصارى لا يرتابون في أن المسلمين أفضل عقلاً وديناً من كل أمه. ومن ذلك يتضح أن المسلمين أولى بالعلم والدين والعقل والعدل والأمر بالمعروف والجد باتفاق كل ذي عقل، والنصارى أبعد الناس عن ذلك٢. ومن هذا يتضح أيضاً ما يكنُّهُ هؤلاء تجاه الإسلام وأهله، وأقوالهم المستبشعة كثيرة جداًّ، غير ما ذكرت منها، فضلاً عن بشاعة صناعتهم نفسها، وما ذكرته من أقوالهم كافٍ في بيان حالهم. وهذه الأوجه كلها دالة على أن هذه الصناعة فاسدة لا يوثق بها، بل إنها تعتمد على الظنون الكاذبة بشهادتهم على ذلك، وبشهادة الناس عليهم، وبالأدلة الأخرى الدالة على ذلك.

стр. 214

الفصل الخامس: شبهات المنجمين، والرد عليها الفصل الخامس: شبهات المنجمين، والرد عليها ... الفصل الخامس: شبهات المنجمين، والرد عليها إن المنجمين هو أفراخ الفلاسفة الذين عادوا الرسل، وكذبوا الشرائع، وأعلنوا التمرد والعصيان على الله، ومع ذلك نجد من انتسب للإسلام من هؤلاء المنجمين أرادوا أن يعززوا اعتقادهم في النجوم، ويؤيدوه بما كذبه معلوم ضرورة على الله ورسوله والصحابة ﵃ أجمعين ... فحملوا الآيات على غير معناها، ولفقوا أقوالاً نسبوها إلى النبي ﷺ تارة، وإلى صحابته رضوان الله عليهم تارة أخرى، مقتفين في ذلك أثر أهل الكتاب في الكذب على أنبيائهم، وتحريف كلام الله عن مواضعه، كما أخبر الله سبحانه بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ١. وسأبين –إن شاء الله تعالى- أهم شبهاتهم التي تمسكوا بها وهي ثلاث عشرة شبهة، أذكرها فيما يلي: الشبهة الأولى: استدلالهم بالآيات الدالة على تعظيم هذه الكواكب منها: قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ٢، قالوا: إن أكثر

стр. 215

المفسرين على أن المراد بالخنس والكنس الكواكب التي تسير راجعة تارة، ومستقيمة أخرى١. ٢- وقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٢، قالوا: قد صرح الله تعالى بتعظيم هذا القسم، وذلك يدل على غاية جلالة مواقع النجوم، ونهاية شرفها٣. ٣- وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ ٤، قالوا: قد قال ابن عباس: الثاقب هو زحل لأنه يثقب بنوره سمك السماوات السبع٥، وذكر الرافضة نحو قول ابن عباس عن جعفر الصادق٦. قالوا: إن الله تعالى بين إلهيته بكون هذه الكواكب تحت تدبيره وتسخيره فقال:﴾ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٧.

стр. 216

الشبهة الثاني: استدلالهم بالآيات الدالة على أن لها تأثيراً في هذا العالم، كقوله تعالى:﴾ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ ١، وقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ ٢، قالوا: قال بعضهم: المراد هذه الكواكب٣. الشبهة الثالثة: استدلالهم بالآيات الدالة على أنه تعالى وضع حركات هذه الأجرام على وجه ينتفع بها في مصالح هذا العالم، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ ٥. الشبهة الرابعة: استدلالهم بالآيات التالية: ١- قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦، قالوا: ولا يكون المراد من هذا كبر الجثة، لأن كل أحد يعلم ذلك، فوجب أن يكون المراد كبر القدر والشرف٧.

стр. 217

٢- وقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١، قالوا: لم يخلقها الله ليستدل الناس بتركيبها على وجود الصانع، إذ إن هذا القدر حاصل في تركيب البقة والبعوضة، وفي حصول الحياة في بنية الحيوانات على وجود الصانع دلالة أقوى من دلالة تركيب الأجرام الفلكية على وجود الصانع، لأن الحياة لا يقدر عليها أحد إلا الله، أما تركيب الأجسام وتأليفها فقد يقدر على جنسه غير الله، فلما كان هذا النوع من الحكمة حاصلاً في غير الأفلاك، ثم إنه تعالى خصها بهذا التشريف وهو قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ ، علما أن له تعالى في تخليقها أسراراً عالية، وحكماً بالغة، تتقاصر عقول البشر عن إدراكها٢. وقالوا: ويقرب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٣، ولا يمكن أن يكون المراد أنه تعالى خلقها على وجه يمكن الاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم، لأن كونها دالة على الافتقار إلى الصانع أمر ثابت لها لذاتها لأن كل متحيز محدث، وكل محدث فإنه مفتقر إلى الفاعل فثبت أن دلالة المتحيزات على وجود الفاعل أم ثابت لها لذواتها، وأعيانها٤، وما كان كذلك لم يكن سبب الفعل والجعل، فلم يكن حمل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا

стр. 218

السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ على هذا الوجه، فوجب حمله على الوجه الذي ذكرناه١. الشبهة الخامسة: قالوا: إن الله تعالى حكى عن إبراهيم ﵇ انه تمسك بعلم النجوم، فقال: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ٢. فلو لم يكن عالماً بالنجوم ما نظر فيها، ولا قال: إني سقيم٣. الشبهة السادسة: قالوا: إن إبراهيم ﵇ لما استدل على إثبات الصانع تعالى بقول: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ، قال له النمرود: أتدعي أنه يحيي ويميت بواسطة الطبائع والعناصر، أو لا بواسطة هذه الأشياء، فإن ادعيت الأول فذلك مما لا تجده البتة، لأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما يحدث بواسطة أحوال العناصر الأربعة والحركات الفلكية، وإذا ادعيت الثاني فمثل هذا الإحياء والإماتة حاصل مني، ومن كل أحد، فإن الرجل قد يكون سبباً لحدوث الولد لكن بواسطة تمزيج الطبائع، وتحريك الأجرام الفلكية –إلى أن قال- فثبت أن اعتماد إبراهيم الخليل ﵇ معرفة ثبوت الصانع على الدلائل الفلكية، وأنه ما نازع الخصم في كون هذه الحوادث السفلية مرتبطة بالحركات الفلكية٤.

стр. 219

الشبهة السابعة: قالوا: إن اله وصف بعض الأيام بالنحوسة، فقال: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ١، وزعموا أن جعفر الصادق قال: (كان القمر منحوساً بزحل) ٢. الشبهة الثامنة: قالوا: إن كثيراً من الناس يظنون أن علم أحكام النجوم هو ادعاء الغيب، وليس الأمر كما ظنوا، لأن علم الغيب هو أن يعلم ما يكون بلا استدلال ولا علل، ولا سبب من الأسباب، وهذا لا يعلمه أحد من الخلق، كذلك لا منجم ولا كاهن، ولا نبي من الأنبياء، ولا ملك من الملائكة ولا يعلمه إلا الله ، فالمنجم إنما يخبر بما يظهر له من أدلة النجوم٣. الشبهة التاسعة: قالوا: لا يكون بعد علم القرآن علم أشرف من علم النجوم، وهو علم الأنبياء والأوصياء، وورثة الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ٤، قالوا: ومما يدل على أنه علم الأنبياء ما يلي: ١- ما جاء في الآثار أن أول من أعطي هذا العلم آدم، وذلك أنه عاش حين أدرك من ذريته أربعين ألفاً، وتفرقوا عنه في الأرض، وكان يغتم لخفاء خبرهم عليه، فأكرمه الله تعالى بهذا العلم، وكان إذا أراد أن يعرف حال أحدهم حسب له بهذا الحساب فيقف على حالته٥.

стр. 220

وذكر ابن طاووس: أن الله ﵎ أهبط آدم من الجنة، وعرفه علم كل شيء، فكان مما عرفه النجوم والطب١. ٢- ما ورد عن إدريس أنه أول من حسب حساب النجوم٢. ٣- أن الروايات الواردة في صفات النبي ﷺ يفيد كثير منها أنه لم يكن كاهناً ولا ساحراً، وما وجدنا إلى الآن فيها وما كان عالماً بالنجوم، فلو كان المنجم كالكاهن والساحر ما كان يبعد أن تتضمنه بعض الروايات في ذلك الصفات٣. ٤- الآثار التي تفيد أن علم النجوم من علوم النبوة منها: ما ورد عن ميمون بن مهران أنه قال: (إياكم والتكذيب بالنجوم فإنه علم من علوم النبوة) ٤، وما ورد عنه أيضاً أنه قال: (ثلاث ارفضوهن: لا تنازعوا أهل القدر، ولا تذكروا أصحاب نبيكم إلا بخير، وإياكم والتكذيب بالنجوم فإنه من علم النبوة) ٥. الشبهة العاشرة: قالوا: إن الأحاديث الواردة في تعظيم الكواكب، والتشاؤم من بعضها فيها دلالة على أن النبي ﷺ كان مؤيداً لعلم أحكام النجوم منها:

стр. 221

١- ما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال الشمس والقمر واستدبارها١. ٢- أنه لما مات ولده إبراهيم انكسفت الشمس، ثم إن الناس قالوا: إنما انكسفت لموت إبراهيم، فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" ٢. ٣- ما روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا"٣. ٤- من الناس من يروي أنه ﷺ قال: (لا تسافروا والقمر في العقرب) ٤، وإن كان المحدثون لا يقبلونه٥. الشبهة الحادية عشرة: قالوا: إن بعض الآثار تدل على إثبات هذا العلم وهي كثيرة منها: ١- قول عمر للعباس وهو يستقي: (يا عم رسول الله كم بقي من نوء الثريا؟) قال العباس: فإن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعاً٦. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (ومن اقتبس علماً من

стр. 222

علم النجوم من حملة القرآن ازداد به إيماناً ويقيناً، ثم تلا: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ... ﴾ ) ١. ٣- ما تضمنته خطبة الأشباح من تصديق دلالة النجوم في النحوس والسعود، وذلك فيما روي عن علي ﵁ في كتاب نهج البلاغة أنه قال في صفة السماء: (ورمي مسترق السمع بثواقب شهبها، وأجراها على أذلال٢ تسخيرها من إثبات ثابتها، ومسير سائرها، وهبوطها وصعودها، ونحوسها وسعودها) ٣. ٤- مل يروى أن عليًّا ﵁ كان يكره أن يسافر الرجل أو يتزوج في محاق الشهر، وإذا كان القمر في العقرب، وإن كان المحدثون لا يقبلونه٤. ٥- ما رواه ابن طاووس بسنده، عن قيس بن سعد٥ ﵁ أنه قال: كنت أسائر أمير المؤمنين كثيراً إذا سار إلى وجه من الوجوه، فلما قصد أهل النهروان وصرنا بالمدائن، وكنت يومئذ مسايراً له،

стр. 223

إذا خرج إلينا قوم من أهل المدائن من دهاقينهم١ معهم براذين٢ قد جاءوا بها هدية إليه فقبلها، ومان فيمن تلقاه دهقان منهم كانت الفرس تحكم برأيه –فيما يعني- وترجع إلى قواه- إلى أن قال- فتبسم أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ثم قال: أيها الدهقان المنبئ بالأخبار، والمحذر من الأقدار، أتدري ما نزل البارحة في آخر الميزان؟ وأي نجم حل السرطان؟ قال: سأنظر ذلك، وأخرج من كمه اسطرلاباً وتقويماً، فقال: لا، قال: أفتقضي على الثابتات؟ قال: لا، قال: فأخبرني عن طول الأسد، وتباعده عن المطالع والمراجع؟ وما الزهرة من التوابع والجوامع؟ قال: لا علم لي بذلك، -إلى أن قال- قال: (يقصد عليًّا ﵁ : هل علمت يا دهقان أن الملك اليوم انتقل من بيت إلى بيت في الصين، وتغلب برج ماجين، واحترقت دور بالزنج.. وهاج نمل السيح.. وعمي راهب عمورية، وسقطت شرفات القسطنطينية، أفعالم أنت بهذه الحوادث؟ وما الذي أحدثها شرقها أو غربها من الفلك؟ قال: لا علم لي بذلك. قال: فبأي الكواكب تقضي في أعلى القطب؟ وبأيها ينحس من تنحس؟ قال: لا علم لي بذلك ... ٣.

стр. 224

٦- ما روي عن الوليد بن جميع١، قال: رأيت عكرمة٢ يسأل رجلاً عن حساب النجوم، والرجل يتحرج أن يخبره، فقال عكرمة: سمعت ابن عباس يقول: هو علم عجز الناس عنه، ولوددت أني علمته٣. ٧- قال ابن عباس لعكرمة مولاه: اخرج فانظر كم بقي من الليل؟ فقال: إني لا أبصر النجوم، فقال ابن عباس: نحن نتحدى بك فتيان العرب وأنت لا تبصر النجوم، وقال: وددت أن أعرف (الهفت دوازده) ، يريد النجوم السبعة –السيارة، والبروج الاثنى عشر٤. عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: إن هاهنا رجلاً يهودياً يتكهن ويخبر، فبعث عبد الله بن عباس إليه فجاءه فقال: يا يهودي، بلغني

стр. 225

أنك تخبر بالغيب. قال: أما الغيب فلا يعلم إلا الله، ولكن إن شئت أخبرتك، قال: هات، قال: لك ولد له عشر سنين يختلف إلى الكتاب؟ قال: نعم، قال: فإنه يأتي محموماً من الكتاب، ويموت يوم العاشر، وأما أنت فلا تخرج من الدنيا حتى يذهب بصرك، فقال: هذا ما أخبرتني به عن ابني ونفسي، فأخبرني عن نفسك؟ قال: أموت رأس السنة، قال عكرمة: فجاء ابن عباس محموماً من الكتاب، ومات في اليوم العاشر، فلما كان رأس السنة، قال ابن عباس: يا عكرمة انظر ما فعل اليهودي. فأتيت أهله، فقالوا: مات أمس، ثم ما خرج ابن عباس من الدنيا حتى ذهب بصره١. ٩- روي أن الشافعي كان عالماً بالنجوم، وجاء لبعض جيرانه ولد، فحكم له الشافعي أن هذا الولد ينبغي أن يكون على العضو الفلاني منه خال صفته كذا وكذا، فوجد الأمر كما قال٢. ١٠- ما روي عن أئمة الشيعة –المزعومين- من تأييدهم لهذا العلم، ومن ذلك: (إن رجلاً سأل أبا جعفر الصادق، فقال: جعلت لك الفداء، إن الناس يقولن: إن النجوم لا يحل النظر فيها وهي تعجبني، فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي بشيء يضر بديني، وإن كانت لا تضر بديني فو الله إني لأشتهيها، وأشتهي النظر فيها، فقال ﵇: ليس

стр. 226

كما يقولون لا تضر بدينك، ثم قال: إنكم تنظرون في شيء منها كثيره لا يدرك وقليله لا ينتفع به) ١. ومن ذلك أيضاً ما روي عنه أنه سئل عن علم النجوم، فقال: (ما يعلمها إلا أهل بيت من العرب وأهل بيت من الهند) ٢، وما روي عنه أيضاً أنه قال: (إن الله تعالى خلق زحل في الفلك السابع من ماء بارد، وخلق سائر النجوم الستة الجاريات من ماء حار، وهو نجم الأنبياء والأوصياء، وهو نجم أمير المؤمنين ﵇ يأمر بالخروج من الدنيا والزهد فيها، ويأمر بافتراش التراب، وتوسد اللبن، وأكل الجشب٣، وما خلق الله نجماً أقرب إليه منه سبحانه) ٤، وغيرها من الروايات كثير، وقد أطال ابن طاووس في ذكر مثل هذه الأقوال، وكلها تهدف إلى إلصاق التنجيم بآل بيت النبي ﷺ . الشبهة الثانية عشرة: زعمهم اعتراف الناس قديماً وحديثاً بعلم أحكام النجوم، ومن ذلك:

стр. 227

أخبروه بأنه سيجيء ولد من بني إسرائيل، ويكون هلاكه على يده١. ٣- إخبار منجمي اليهود، ومنجمي الروم، ومنجمي الفرس، بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم٢. ٤- أن هذا العلم ما خلت عنه ملة من الملل، ولا أمة من الأمم، ولا يعرف تاريخ من التواريخ القديمة والحديثة إلا وكان أهل ذلك الزمان مشتغلين بهذا العلم ومعولين عليه في معرفة المصالح، ولو كان هذا العلم فاسداً بالكلية لاستحال إطباق أهل المشرق والمغرب من أول بناء العالم إلى آخره عليه٣. الشبهة الثالثة عشرة: أن المنجمين اختبروا عدة طوالع، فكان الحكم كما ذكروا، ومن ذلك: ما روي في عهد أردشير بن باك أنه قال في العهد الذي كتبه لولده: لولا اليقين بالبوار الذي على رأس ألف سنة لكنت أكتب لكم كتاباً إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً، وعني بالبوار ما أخبره المنجمون من أنه يزول ملكهم عند رأس ألف سنة من ملك آخر ملوك الفرس قبل ملوك الطوائف. والمراد منه زوال دولتهم وظهور دولة الإسلام.

стр. 228

وروي أنه دخل الفضل بن سهل على المأمون في اليوم الذي قتل فيه، وأخبره أنه يقتل في هذا اليوم بين الماء والنار، وأنكر المأمون ذلك عليه، وقوي قلبه، ثم ما اتفق أنه دخل الحكام فقتل في الحمام، وكان الأمر كما أخبر ثم قال الرازي: واعلم أن التجارب في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية١. وأطال ابن طاووس في ذكر مثل هذه الحوادث، وجاء بقرني حمار٢ لتدعيم مذهبه به. وهذه غاية أدلتهم، وقد نفضوا ما في جعبتهم، ورموا الكلام على عواهنه٣. وسأبين إن شاء الله تعالى سقوط استدلالاتهم هذه، وكشف أباطيلهم وتمويهاتهم، والله المستعان على ذلك، والرد عليهم بما يأتي: الرد على الشبهة الأولى: وهي أن إقسام الله بالكواكب ومواقعها دال على أن لها تأثيراً في هذا العالم واستدلوا بالآيات الثلاث الآنفة الذكر. والرد عليهم أن هذه الآيات قد اختلف المفسرون في تفسيرها٤، وعلى القول بأن المراد من تفسير هذه الآيات هي الكواكب لا حجة لهم فيها، وذلك لما يأتي:

стр. 229

١- إن هذه الآيات دالة على أن الله أقسم بهذه الكواكب كما أقسم بغيرها من المخلوقات، وإن كان في إقسامه بالكواكب دلالة على أن لها تأثيراً في هذا العالم بالسعود والنحوس، أو أنها علامات على ذلك، وجب أن يكون لليل والنهار، والسماء والأرض، والنفس، والضحى، والتين، والزيتون، والفجر ... تأثير في هذا العالم، أو أنها دلالات على السعود والنحوس، فإذا بطل هذا بطل استدلالهم١. ٢- إن هذا القسم وأمثاله ليس فيه تعظيم هذه المخلوقات، وإنما فيه تعظيم خالقها ﵎، وتنزيه له عما نسبه إليه المعطلون لربوبيته، وإلهيته، فهذا القسم لا يقرر علم أحكام النجوم كما يزعم المفترون، بل يقرر ربوبية خالق هذه النجوم، ووحدانيته، وتفرده بالخلق، والإبداع٢. أما استدلالهم بالآية الرابعة من الشبهة الأولى وهو أن الله بين إلهيته يكون هذه الكواكب تحت تدبيره وتسخيره بقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. ويرد عليهم بما يأتي: ١- إن هذا دليل عليهم لا لهم، إذ إن هذه الآية متضمنة لانفراد الله بالخلق والأمر، فكيف يكون لهذه الكواكب أمر أو تصرف، وقد انفرد الله بذلك؟

стр. 230

قال الطبري ﵀: (وخلق الشمس والقمر، والنجوم، كل ذلك بأمره، أمرهن الله فأطعن أمره، ألا لله الخلق كله، والأمر الذي لا يخالف ولا يرد أمره دون ما سواه من الأشياء التي لا تضر ولا تنفع ولا تأمر، تبارك الله معبودنا الذي له عبادة كل شيء رب العالمين) ١. ٢- إن كون هذه الكواكب مسخرة مدبرة مقهورة لا يدل على أن لها تأثيراً في هذا العالم بالسعود والنحوس، ونحو ذلك أو أنها دلالات على ذلك، ولو دل على هذا لدل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢ على أن للطير تأثيراً في هذا العالم أو أنه دلالة على السعود والنحوس والموت والحياة ونحو ذلك. وكذلك الفلك والأنهار، بل كل ما في السموات والأرض لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣، فإن كان هذا مردوداً فقولهم من باب أولى٤. أما الشبهة الثانية: وهي أن الله أخبر أن لهذه الكواكب تأثيراً في العالم بقوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ ٥، وقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ ٦، فالرد عليها:

стр. 231

أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن المقصود بالمدبرات في الآية الأولى الملائكة، وهذا ما تشهد له النصوص الأخرى، كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ ١، وقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢، وأما على القول بأنها الكواكب فلا دليل عليه، سوى أنه قول قيل، وإذا حملت الآية على أن المقصود الكواكب يكون المعنى مدبرة لنفسها بالطلوع والأفول على وفق ما أمرها الله٣، أما قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ ، فلم أجد من خالف في أنها الملائكة وفي ذلك قال ابن القيم: لم يقل أحد من أهل التفسير أنها النجوم، بل قالوا: هي الملائكة، فتفسير الآية بأنها النجوم كذل على الله، وعلى المفسرين٤. أما شبهتهم الثالثة: وهي أن الله جعل حركات هذه الأجرام على وجه ينتفع بها في مصالح هذا العالم، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ٥، فليس فيها دلالة على ما يزعمونه من أحكام النجوم، بل ذكر الله وجه الانتفاع من هذه الأجرام وهو الضياء والنور، ومعرفة حساب الأيام والشهور والأعوام٦. ولو كان لها

стр. 232

أثر في هذا العالم كما يدعيه هؤلاء لكان الأليق ذكر ما تقتضيه هذه الكواكب من السعد والنحس، والخير والشر في هذا العالم، إذ إن هذا أعظم في العبرة من مجرد الضياء١. واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ ٢، وكذلك هذه الآية ليس لهم دلالة فيها، إذ إنها تتضمن ثناء الله وتمجيده وتعظيمه لنفسه على ما خلق في السماء من الكواكب العظام أو القصور أو النجوم٣ على اختلاف المفسرين في ذلك، وخلق فيها الشمس سراجاً والقمر نوراً. فأي دلالة في ذكر هذه المخلوقات على أحكام النجوم؟ ولو كان لهذه المخلوقات دلالات وآثار في العالم لكان ذكرها أليق في هذا المقام٤. أما الشبهة الرابعة: فالرد عيها من شقين: الشق الأول: إن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥. وقولهم: (ليس المراد هو كبر الجثة لأن هذا أمر معروف، فوجب أن يكون المراد كبر القدر والشرف) . استدلال في غاية الفساد، لأن المراد من الخلق هنا الفعل لا المفعول، وهذا من أبلغ الأدلة على إعادة الخلق يوم القيامة، أي أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وخلقهما أكبر

стр. 233

من خلقكم، فكيف يعجزه خلقكم بعد ما تموتون، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ١﴾ ، فهذا استدلال بشمول القدرة للنوعين، وأنها صالحة لهما، فلا يجوز أن تثبت تعلقهما بأحد المقدورين دون الآخر. فهذا هو المقصود من الآية، ولم يتعرض فيها لأحكام النجوم بوجه قط، ولا لتأثير الكواكب، ولا لتعظيمها٢. الشق الثاني: ويشتمل على أمرين: الأمر الأول: استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٣، وقولهم: إن الله لم يخلق السماوات والأرض ليستدل بهما على وجود الصانع، لأن هذا القدر موجود في تركيب البقة والبعوضة، بل وجود الحياة في الحيوانات أبلغ في الدلالة على الصانع، لأن الحياة لا يقدر على إيجادها أحد إلا الله، فدل ذلك على أن في خلقها أسراراً عالية، وحكماً بالغة، لذلك خصها الله بالتشريف بقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ . والرد عليهم من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: لا ريب أن خلق السموات والأرض من أعظم الأدلة على وجود فاطرهما وكمال قدرته وعلمه وحكمته، وانفراده بالربوبية والوحدانية، ومن سوى بين ذلك وبين البقة والبعوضة، وجعل العبرة

стр. 234

والدلالة والعلم بوجوب الرب الخالق منهما سواء، فقد كابر وخالف ما هو معلوم من الشرع والعقل، فقد قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وأين الدلالة في خلق العالم العلوي والسفلي إلى خلق البقة والبعوضة؟ فكيف يسمح لعاقل عقله أن يسوي بينهما، ويجعل الدلالة من هذا كالدلالة من الآخر؟ ٢. الوجه الثاني: أن الله سبحانه إنما يذكر للدلالة عليه أظهر المخلوقات للحس والعقل، وأبينها دلالة، وأعجبها صنعة، كالسماء والأرض والشمس والقمر، والجبال، والإبل ونحو ذلك، ولا يدعو عباده إلى التفكر في القمل والبراغيث والبعوضة ونحوها، وإنما يذكر من ذلك في سياق ضرب الأمثال مبالغة في الاحتقار والضعف كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ٣، وما في معناها من الآيات. الوجه الثالث: أو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ لا يختص بالسماوات والأرض، بمعنى أن الله لا يخلق شيئاً باطلاً، سواء أكان هذا الخلق هو السماوات والأرض أو غيره، وذلك لدلالة قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ وهي بمعنى تنزيه الله أن يخلق شيئاً باطلاً٤. فعلم من ذلك أن التشريف الذي ادعاه الرازي لا يختص بالسماوات والأرض، بل هو في جميع المخلوقات، فإن كان هذا التشريف دالاً على

стр. 235

أسرار عالية، وحكم بليغة لزمه إجراء ذلك على جميع ما في الكون، وإن انتفى ذلك انتفى استدلالهم. أما الأمر الثاني: وهو استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ ١، وقولهم: لا يمكن أن يكون الله تعالى خلقها للاستدلال بها على الصانع لأن افتقارها إلى الصانع أمر ظاهر، وما كان كذلك لم يكن سبب الفعل والجعل، لذلك لا يمكن حمل الآية على ذلك، فوجب حملها على دلالتها على الأسرار الجليلة والحكم البليغة، والجواب عليه من وجهين: الوجه الأول: أن هذه الآية من أقوى الأدلة وأبينها على بطلان قول المنجمين والدهرية الذين يسندون جميع ما في العالم من الخير والشر إلى النجوم وحركاتها واتصالاتها، وأن ادعاءهم أن لهذه الكواكب تصرفاً في هذا الكون، أو أنها مشاركة لله في علم الغيب، وإحالة حوادث العالم على حركات الكواكب وادعاء أن هذا العالم خلق عبثاً، وترك سدى، وخلي هملاً هو الباطل الذي نفاه الله عن نفسه في هذه الآية، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٢. الوجه الثاني: أنه قوله لا يمكن أن يقال: المراد أنه خلقها على وجه يمكن الاستدلال بها على الصانع الحكيم ... إلى آخر قوله مبني على أصل فاسد يكرره الرازي في كتبه وهو أن الذوات ليست بمجعولة للدلالة

стр. 236

على الصانع بفعل الفاعل، وهذا مما أنكره أهل العلم والإيمان، وقالوا: إن كونها ذواتاً، وأن وجودها وأوصافها، وكل ما ينسب إليها هو بفعل الفاعل، وبجعل الجاعل، فهو الذي جعل الذوات والصفات، وثبوت دلالتها لذاتها لا تنفي أن تكون بجعل الجاعل، فإنه لما جعلها على هذه الصفة مستلزمة لدلالتها عليه، كانت دلالتها عليه بجعله١. وبهذا يتبين بطلان استدلاله هذا. أما الرد على الشبهة الخامسة والسادسة فقد تقدم في مبحث (لم يكن خليل الرحمن منجماً) ، ما يغني عن إعادته. أما الشبهة السابعة: وهي أن الله وصف بعض الأيام بالنحوسة بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ٢، وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ ٣، فالرد عليها من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الأيام التي أوقع الله سبحانه فيها العقوبة بأعدائه، وأعداء رسله كانت أياماً نحسات عليهم، لأن النحس أصابهم فيها، وأن كانت أيام خير لأوليائه المؤمنين، فهي نحس على المكذبين سعد للمؤمنين، وهذا كيوم القيامة فإنه عسير على الكافرين، يوم نحس عليهم، يسير على المؤمنين يوم سعد لهم، فسعود الأيام ونحوستها، إنما هو بحسب الأعمال، وموافقتها لمرضاة الله ، ونحوس الأعمال ومخالفتها لما جاءت به الرسل، لأن الأيام منحوسة في ذاتها٤.

стр. 237

الوجه الثاني: أن اليوم الواحد يكون سعداً لطائفة، ونحساً لطائفة، كما كان يوم بدر يوم سعد للمؤمنين ويوم نحس على الكافرين، فما للكواكب والطالع والقرانات وهذا السعد والنحس؟ ولو كان المؤثر في النحس هو الكواكب والطالع لكان نحساً على العالم كله، فأما أن يؤثر الكوكب بالنحس على طائفة وبالسعد على أخرى، فهذا محال١. الوجه الثالث: أن ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ صفة للنحس لا لليوم، أي لا يقلع عنهم كما تقلع مصائب الدنيا عن أهلها، بل هذا النحس دائم على هؤلاء المكذبين للرسل٢. وأما ما روي عن جعفر الصادق في ذلك فهو كذب عليه –كما سيأتي بيانه في الرد على الشبهة الحادية عشرة إن شاء الله. أما الشبهة الثامنة: وهي أن علم أحكام النجوم ليست ادعاء لعلم الغيب، لأن علم الغيب هو أن يعلم ما يكون بلا استدلال ولا علل، ولا سبب من الأسباب، وهذا لا يعلمه إلا الله، وعلم أحكام النجوم ليس من جنس هذا، فالرد عليها من وجهين هما: الوجه الأول: أن هذا قول من لا يعلم معنى الغيب، لأن الغيب هو كل ما غاب عنك٣، والأشياء التي يخبر بها المنجم مما غاب عنه. الوجه الثاني: لو كان الأمر كما ذهب إليه هذا القائل لما تصور أن

стр. 238

يكون غيب ينفرد الباري بعلمه، لأن على قولهم الفاسد ما من شيء كان ويكون إلا والنجوم تدل عليه١. أما الشبهة التاسعة والعاشرة: فالرد عليها قد تقدم في فصل (تنزيه الأنبياء أن يكونوا منجمين) ما يغني عن إعادته. أما الشبهة الحادية عشرة: وهي الآثار التي تدل على صحة هذا العلم فالرد على مسلكين: مسلك إجمالي، ومسلك تفصيلي: -المسلك الإجمالي: ويرد عليه فيه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن أكثر هذه الآثار مكذوبة على من نسبت إليه، وما صح منها حرفها هؤلاء عن معانيها الصحيحة، وصرفوها إلى معان توافق أهواءهم في تأييد مذهبهم. الوجه الثاني: أن الأدلة صريحة في عدم جواز هذا العلم كما سأبينها إن شاء الله في فصل حكم التنجيم، والأدلة على فساد صناعتهم واضحة في فساد هذا العلم كما بسطتها في فصل الأدلة على فساد صناعتهم وأنها ظنون كاذبة، وهذه الأدلة كافية في بيان فساد أي شبهة يتمسك بها هؤلاء. الوجه الثالث: أن هذه الآثار حتى وإن صحت ليس لهم حجة فيها، إذ إن الحجة في كتاب الله تعالى وفي أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وما خالف شيئاً من ذلك ضرب به عرض الحائط.

стр. 239

-المسلك التفصيلي: وسوف أستعرض فيه شبهاتهم بالتفصيل، وأورد عليها إن شاء الله فاستدلالهم بالأثر الأول وهو سؤال عمر للعباس وهو يستسقي كم بقي من نوء الثريا؟ لا دلالة لهم فيه على صحة أحكام النجوم، ولا على جوازه إذ المقصود من كلام عمر ﵁ كم بقي من وقت نوء الثريا؟ ليعرف الناس أن الله قدر الأمطار في أوقات معينة فيما جربوا، كما علموا أنه قدر الحر والبرد بما جربوا في أوقات١. وأوقات الأمطار، وأوقات الحر والبرد، يمكن أن تدل التجربة عليها لأن هذه الأوقات متكررة في كل عام، أما ما يدعونه من دلالتها على السعود والنحوس فلا يمكن معرفتها إن سلمنا جدلاً بوجودها، فكيف وهي غير موجودة أصلاً؟ أما استدلالهم بالأثر الثاني وهو ما روي عن علي ﵁ أنه قال: (من أتقتبس علماً من النجوم من حملة القرآن ازداد به إيماناً ويقيناً، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ... ﴾ ) ٢. فمقصود علي ﵁ –إن صح عنه- علم التسيير، لا علم أحكام النجوم، بدليل قراءته لهذه الآية الكريمة. قال ابن كثير في معنى الآية: (وقوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي الآيات الدالة على

стр. 240

عظمته) ١، ومن هذا تبين أن هذه الآية بم تتعرض لأحكام النجوم بوجه، بل دلت على علم التسيير. أما استدلالهم بالأمر الثالث، وهو ما ورد في كتاب نهج البلاغة أن علياًّ ﵁ مثبتاً لنحوس الكواكب وسعودها لهذه النجوم فيرد عليه من وجهين: الوجه الأول: أين إسناد هذا النقل، بحيث ينقله ثقة عن ثقة، متصلاً إليه؟ وهذا لم يوجد في هذه الرواية قط، وإنما وجد مثل هذا في كتاب نهج البلاغة وأمثاله، وأهل العلم يعلمون أن أكثر خطب هذا الكتاب مفتراة على عليّ ﵁، ولهذا لا يوجد غالبها في كتاب مقدم، ولا لها إسناد معروف، فهذا الذي نقلها من أين نقلها؟ ونحن في هذا المقام ليس من الضروري علينا أن نبين أن هذا كذب، بل تكفينا المطالبة بصحة النقل، فإن اله لم يوجب على الخلق أن يصدقوا بما لم يقم دليل على صدقه، بل هذا ممتنع بالاتفاق٢. الوجه الثاني: أن هذا الكلام مما يعلم قطعاً كذب نسبته إلى عليّ ﵁، إذ كيف يثبت ذلك، وقد علم من حاله النكير على المنجمين، ومن اعتقد اعتقادهم؟ كما ورد في قصته مع المنجم الذي لقيه عندما أراد الخروج لقتال الخوارج، وقد خالف قول المنجم، بل وخطب الناس محذراً من أمثال هؤلاء٣.

стр. 241

مما يدل دلالة قاطعة على كذب أية رواية تنسب إلى عليّ ﵁ في تأييد التنجيم. أما الأمر الرابع، وهو ما يروي عن عليّ أنه كان يكره السفر والزواج في المحاق، وإذا نزل القمر في العقرب، فالرد عليه من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الأثر لا يثبت عن عليّ رضي الله عنه١. الوجه الثاني: على فرض صحة هذا الأثر عن عليّ ﵁ ليس فيه تعرض لإثبات أحكام النجوم، بل يحمل ما روي عن عليّ في ذلك على محبته ابتداء الأعمال والأسفار في أول النهار، وأول الشهر، وأول العام، تطبيقاً لقول النبي ﷺ : "اللهم بارك لأمتي في بكورها" ٢، لذا كره ﵁ أن يبتدأ بالأسفار والأعمال في نهاية الشهر، وأين هذا من علم أحكام النجوم٣؟

стр. 242

أما الأثر الخامس، وهو ما أورده ابن طاووس من حكاية الدهقان مع علي بن أبي طالب ﵁ فلا يثبت عن عليّ، بل هو موضوع، وحاشا ابن عم رسول الله ﷺ أن يدعي مثل ذلك، ومدار هذا الخبر على أبي محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري وهو رافضي راوية المناكير١، حتى متن الرواية يفوح من الكذب بصورة لا تجعل لقارئه أدنى شك في الحكم بوضعه. أما الأثر السادس والسابع، وهما ما ورد عن ابن عباس أنه قال: "علم عجز الناس عنه، ولوددت أني علمته"، وقال أيضاً: "وددت أني أعرف النجوم السبعة السيارة، والبروج الاثني عشر". فليس فيهما دلالة على ما يزعمون، إذ إن هذه الآثار ليس فيها ذكر أحكام النجوم، بل هي محمولة على علم التسيير، ويتضح ذلك من أربعة أوجه: الوجه الأول: أن عكرمة سأل الرجل عن حساب النجوم، وحساب النجوم هو علم التسيير، إلا أن الرجل ظن أنه محظور لما سمع التغليظ الوارد في علم النجوم، وحسب أنه على العموم٢. الوجه الثاني: أن ابن عباس قال: إنه علم من علوم النبوة، وعلم أحكام النجوم ليس من علوم الأنبياء –كما بينت هذه في فصل تنزيه الأنبياء أن يكونوا منجمين –بل نسبة ذلك إليهم من جنس نسبة السحر إليهم.

стр. 243

الوجه الثالث: أن ابن عباس أمر مولاه أن ينظر كم بقي من الليل؟ ولم يأمره أن ينظر في سعود الكواكب ونحوسها، واتصالاتها مع بعضها كما هو معروف عند أصحاب هذا الشأن. الوجه الرابع: أن ابن عباس تمنى أن يتعلم النجوم السيارة، والبروج الاثني عشر وهو يعرفها، كما ذكرت ذلك في فصل حكم تعلم علم الفلك، مما يشير إلى ضعف الرواية الثانية، وعلى فرض التسليم بصحة نسبتها إليه، فهو لم يتمن معرفة أحكام النجوم، والفرق واضح بين تعلم هذه وتعلم علم أحكام النجوم. أما الأثر الثامن: وهو ما ذكره الرازي وغيره عن اليهودي، الذي أخبر ابن عباس بما أخبر فالرد عليه من وجهين: الوجه الأول: أن المشهور عن ابن عباس بغض المنجمين والكذابين، لا تقريبهم وسؤالهم وتصديقهم، وعلى فرض صحتها فلا دلالة لهم فيها إذ إن هذا الخبر من جنس أخبار الكهان بشيء من المغيبات التي حكم عليها النبي ﷺ بأنها ليست بشيء١. الوجه الثاني: أي حجة في فعل هذا اليهودي، وهل نحن متعبدون بما يفعله اليهود والنصارى؟ وهذه الحكاية كما أنها لا تدل على جواز هذا العلم، فكذلك لا تدل على صحته، فإن تصدق هذا المنجم في هذه الحكاية –إن صحت الرواية- فله بلا شك من الكذب أضعاف ما صدق فيها، فإن استدلوا

стр. 244

بصدق هذا المنجم على صحة علم أحكام النجوم استدللنا بكذبه على بطلان هذا العلم١. أما الأثر التاسع: وهو استدلالهم بما روي أن الشافعي كان عالماً بالنجوم، وأنه حكم بأحكامها على عمر مولود، فيرد عليهم بما يلي: إنهم نسبوا الشافعي وحكموه فيه بأحكام ليعجز عن مثلها أئمة المنجمين، والذي غرهم في ذلك –والله أعلم- أبو عبد الله الحاكم حيث صنف في مناقب الشافعي كتاباً كبيراً، وجعل الباب الرابع والعشرين منه في معرفة الشافعي بتسيير الكواكب من علم النجوم، وذكر فيه حكايات للشافعي تدل على تصحيحه لأحكام النجوم، ثم لما صنف الرازي في مناقب الشافعي اعتمد اعتماد على هذا الكتاب، والذي غر الحاكم من هذه الحكايات تساهله في إسنادها٢، وفينا يلي سأبينها وأبين حالها ليتبين أن نسبة ذلك إلى الشافعي كذب عليه وهي ثلاث حكايات أوردها ابن القيم عن الحاكم، وهي: الحكاية الأولى: ما رواه الحاكم بسنده عن عبد الله بن محمد البلوي٣، قال: حدثه خاله قال: (كنت صديقاً لمحمد بن

стр. 245

الحسن١، فدخلت معه يوماً على هارون الرشيد، فسأله، ثم إني سمعت محمد بن الحسن وهو يقول: إن محمد بن إدريس يزعم أن للخلافة أهلاً، قال: فاستشاط هارون من قوله غضباً، ثم قال: علي به، فلما مثل بين يديه أطرق ساعة، ثم رفع رأسه إليه، فقال: إيه، قال الشافعي: ما إيه يا أمير المؤمنين، أنت الداعي وأنا المدعو وأنت السائل وأنا المجيب ... فذكر حكاية طويلة سأله فيها عن العلوم ومعرفته بها –إلى أن قال- كيف علمك بالنجوم؟ قال: أعرف الفلك الدائر، والنجم السائر، والقطب الثابت والمائي والناري، وما كانت العرب تسمية الأنواء، ومنازل النيرين، والشمس والقمر، والاستقامة والرجوع، والنحوس والسعود، وهيأتها وطبائعها، وما أستدل به من بري وبحري، وأستدل في أوقات صلاتي، وأعرف ما مضى من الأوقات في كل ممسي ومصبح، وظعني في أسفاري، قال: فكيف علمك بالطب؟ قال: أعرف ما قالت الروم ... بلغاتهم، وما نقل عن أطباء العرب، وفلاسفة الهند، ونمقته علماء الفرس ... ) ٢، ثم ساق سائر العلوم عمل هذا النحو في حكاية طويلة، والرد عليها من أربعة أوجه: الوجه الأول: أن هذه الحكاية يعلم من له علم بالمنقولات منها أنها

стр. 246

كذب مختلق، وإفك مفترى على الشافعي١، إذ إن في إسنادها محمد بن عبد الله البلوي، وهو كذاب وضاع٢. الوجه الثاني: لم يكن أبو يوسف ومحمد بن الحسن سعياً في أذى الشافعي قط، إذ إن تعظيم محمد للشافعي ومحبته له، وتعظيم الشافعي له، وثناؤه عليه هو المعروف وهو يدفع هذا الكذب٣. الوجه الثالث: أن الشافعي لم يعرف لغة هؤلاء اليونان البتة، حتى يقول: (إني أعرف ما قالوه بلغاتهم) ٤. الوجه الرابع: أن الشافعي ﵀ لم يكن عنده من الطب إلا طرف من طب العرب، حفظ عنه في منثور كلامه، فأما أن يعلم طب اليونان والروم والهند والفرس بلغاتهم فهذا بهت وكذب عليه٥. وقد احتوت القصة على غير هذه الأكاذيب الشيء الكثير، وفيما سبق ذكره كفاية في بيان بطلانها. الحكاية الثانية: قال الحاكم: أخبرنا أبو الوليد الفقيه٦ قال: حدثت

стр. 247

عن الحسن بن سفيان١ عن حرملة٢، قال: (كان الشافعي يديم النظر في كتب النجوم، وكان له صديق وعنده جارية قد حبلت، فقال: إنها تلد إلى سبعة وعشرين يومأً، ويكون في فخذ الولد الأيسر خال أسود، ويعيش أربعة وعشرين يوماً ثم يموت، فجاءت به على النعت الذي وصف، وانقضت مدته فمات، فأحرق الشافعي بعد ذلك تلك الكتب، وما عاود النظر في شيء منها) ٣، ويرد عليها من وجهين هما: الوجه الأول: هذا الإسناد رجاله ثقات، لكن الشأن فيمن حدث أبا الوليد بهذه الحكاية عن الحسن بن سفيان وبهذا يكون إسناده منقطعاً٤.

стр. 248

الوجه الثاني: أنه ليس هناك طالع للولادة يقتضي هذا كله، إنما الطالع عند المنجمين طالعان، هما طالع مسقط النطفة، وهو الطالع الأصلي، وهذا لا سبيل إليه إلا في أندر النادر بزعمهم، والثاني طالع الولادة، وهم معترفون أنه لا يدل على أحوال الوالد وجزئيات أمره لأنه انتقال الولد من مكان إلى مكان، وإنما أخذوه بدلاً من الطالع الأصلي لما تعذر عليهم اعتباره، وهذه الحكاية ليس فيها أخذ أحد الطالعين، والمنجم يقطع بأن الحكم على هذا الولد لا سبيل إليه، وليس في صناعة النجوم ما يمكن الحكم عليه، والحالة هذه، وهذا يدل على أن هذه الحكاية كذب مختلق على الشافعي١. الحكاية الثالثة: وهي ما رواه الحاكم أيضاً: أنبأني عبد الرحمن بن الحسن القاضي٢ أن زكريا بن يحيى الساجي٣ حدثهم أخبرني أحمد بن

стр. 249

محمد ابن بنت الشافعي١ قال: سمعت أبي يقول: (كان الشافعي وهو حدث ينظر في النجوم، وما نظر في شيء إلا فاق فيه، فجلس يوماً وامرأة تلد، فحسب فقال: تلد جارية عوراء على فرجها خال أسود وتموت إلى كذا وكذا، فولدت فكان كما قال، فجعل على نفسه ألا ينظر فيه أبداً) ٢، والرد عليها من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن في إسناد هذا الأثر عبد الرحمن بن الحسن وهو ضعيف٣.

стр. 250

الوجه الثاني: أن تنزيه الشافعي عن هذا هو الذي ينبغي أن يكون من مناقبه فأما أنن يذكر من مناقبه أنه كان منجماً يرى القول بأحكام النجوم وتصحيحها، فهذا فعل من يذم بما يظنه مدحاً١. الوجه الثالث: إذا كان الشافعي شديد الإنكار على المتكلمين مزرياً بهم٢، فلا بد أن رأيه أشد في المنجمين وأمثالهم٣. أما الاستدلال العاشر وهو استدلال الرافضة بأن أئمتهم –على حد زعمهم- يؤيدون هذا العلم، بل يعلمونه، ويعلمون به فالرد عليه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن ما روي من هذه الآثار من أكاذيب الشيعة على آل بيت رسول الله ﷺ ، وخصوصاً على علي بن أبي طالب وجعفر الصادق ﵄، قال ابن تيمية ﵀: (ونحن نعلم من أحوال أمتنا أنه قد أضيف إلى جعفر الصادق، وليس هو بنبي من الأنبياء من جنس هذه الأمور –يقصد من جنس علم النجوم الذي نسب إلى إدريس –﵇، ما يعلم كل عالم بحال جعفر ﵁ أن ذلك كذب عليه، فإن الكذب عليه من أعظم الكذب، حتى أنهم قد نسبوا إليه أحكام الحركات السفلية ... ، والعلماء يعلمون أنه بريء من ذلك كله) ٤. الوجه الثاني: أن بعض الرافضة أورد كثيراً من النصوص عن أئمتهم المزعومين تفيد رد هذه الصناعة وإبطالها، وذم من يعمل بها، مما يبين
следующие страницы →