← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7591

التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام

عبد المجيد بن سالم المشعبي

Полный текст (321 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كذب مختلق، وإفك مفترى على الشافعي١، إذ إن في إسنادها محمد بن عبد الله البلوي، وهو كذاب وضاع٢. الوجه الثاني: لم يكن أبو يوسف ومحمد بن الحسن سعياً في أذى الشافعي قط، إذ إن تعظيم محمد للشافعي ومحبته له، وتعظيم الشافعي له، وثناؤه عليه هو المعروف وهو يدفع هذا الكذب٣. الوجه الثالث: أن الشافعي لم يعرف لغة هؤلاء اليونان البتة، حتى يقول: (إني أعرف ما قالوه بلغاتهم) ٤. الوجه الرابع: أن الشافعي ﵀ لم يكن عنده من الطب إلا طرف من طب العرب، حفظ عنه في منثور كلامه، فأما أن يعلم طب اليونان والروم والهند والفرس بلغاتهم فهذا بهت وكذب عليه٥. وقد احتوت القصة على غير هذه الأكاذيب الشيء الكثير، وفيما سبق ذكره كفاية في بيان بطلانها. الحكاية الثانية: قال الحاكم: أخبرنا أبو الوليد الفقيه٦ قال: حدثت

стр. 247

عن الحسن بن سفيان١ عن حرملة٢، قال: (كان الشافعي يديم النظر في كتب النجوم، وكان له صديق وعنده جارية قد حبلت، فقال: إنها تلد إلى سبعة وعشرين يومأً، ويكون في فخذ الولد الأيسر خال أسود، ويعيش أربعة وعشرين يوماً ثم يموت، فجاءت به على النعت الذي وصف، وانقضت مدته فمات، فأحرق الشافعي بعد ذلك تلك الكتب، وما عاود النظر في شيء منها) ٣، ويرد عليها من وجهين هما: الوجه الأول: هذا الإسناد رجاله ثقات، لكن الشأن فيمن حدث أبا الوليد بهذه الحكاية عن الحسن بن سفيان وبهذا يكون إسناده منقطعاً٤.

стр. 248

الوجه الثاني: أنه ليس هناك طالع للولادة يقتضي هذا كله، إنما الطالع عند المنجمين طالعان، هما طالع مسقط النطفة، وهو الطالع الأصلي، وهذا لا سبيل إليه إلا في أندر النادر بزعمهم، والثاني طالع الولادة، وهم معترفون أنه لا يدل على أحوال الوالد وجزئيات أمره لأنه انتقال الولد من مكان إلى مكان، وإنما أخذوه بدلاً من الطالع الأصلي لما تعذر عليهم اعتباره، وهذه الحكاية ليس فيها أخذ أحد الطالعين، والمنجم يقطع بأن الحكم على هذا الولد لا سبيل إليه، وليس في صناعة النجوم ما يمكن الحكم عليه، والحالة هذه، وهذا يدل على أن هذه الحكاية كذب مختلق على الشافعي١. الحكاية الثالثة: وهي ما رواه الحاكم أيضاً: أنبأني عبد الرحمن بن الحسن القاضي٢ أن زكريا بن يحيى الساجي٣ حدثهم أخبرني أحمد بن

стр. 249

محمد ابن بنت الشافعي١ قال: سمعت أبي يقول: (كان الشافعي وهو حدث ينظر في النجوم، وما نظر في شيء إلا فاق فيه، فجلس يوماً وامرأة تلد، فحسب فقال: تلد جارية عوراء على فرجها خال أسود وتموت إلى كذا وكذا، فولدت فكان كما قال، فجعل على نفسه ألا ينظر فيه أبداً) ٢، والرد عليها من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن في إسناد هذا الأثر عبد الرحمن بن الحسن وهو ضعيف٣.

стр. 250

الوجه الثاني: أن تنزيه الشافعي عن هذا هو الذي ينبغي أن يكون من مناقبه فأما أنن يذكر من مناقبه أنه كان منجماً يرى القول بأحكام النجوم وتصحيحها، فهذا فعل من يذم بما يظنه مدحاً١. الوجه الثالث: إذا كان الشافعي شديد الإنكار على المتكلمين مزرياً بهم٢، فلا بد أن رأيه أشد في المنجمين وأمثالهم٣. أما الاستدلال العاشر وهو استدلال الرافضة بأن أئمتهم –على حد زعمهم- يؤيدون هذا العلم، بل يعلمونه، ويعلمون به فالرد عليه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن ما روي من هذه الآثار من أكاذيب الشيعة على آل بيت رسول الله ﷺ ، وخصوصاً على علي بن أبي طالب وجعفر الصادق ﵄، قال ابن تيمية ﵀: (ونحن نعلم من أحوال أمتنا أنه قد أضيف إلى جعفر الصادق، وليس هو بنبي من الأنبياء من جنس هذه الأمور –يقصد من جنس علم النجوم الذي نسب إلى إدريس –﵇، ما يعلم كل عالم بحال جعفر ﵁ أن ذلك كذب عليه، فإن الكذب عليه من أعظم الكذب، حتى أنهم قد نسبوا إليه أحكام الحركات السفلية ... ، والعلماء يعلمون أنه بريء من ذلك كله) ٤. الوجه الثاني: أن بعض الرافضة أورد كثيراً من النصوص عن أئمتهم المزعومين تفيد رد هذه الصناعة وإبطالها، وذم من يعمل بها، مما يبين

стр. 251

بهت هؤلاء القوم، وتطاولهم بالكذب على أهل البيت –ومن فمك أدينك- فمن ذلك: ما ورد عن علي ﵁ (لما أراد المسير إلى النهراوان أتاه منجم فقال له: يا أمير المؤمنين، لا تسر في هذه الساعة، وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال أمير المؤمنين: ولم ذاك؟ قال، لأنك إن سرت في هذه الساعة أصابك، وأصاب أصحابك أذى وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت، وظهرت، وأصبت كلما طلبت، فقال له أمير المؤمنين: تدري ما في بطن هذه الدابة أذكر أم أنثى؟ قال: أن حسبت علمت. قال له أمير المؤمنين: من صدقك على هذا القول كذب بالقرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١، ما كان محمد ﷺ يدعي ما ادعيت، تزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء، والساعة التي من سار فيها حاق به الضر، من صدقك بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة بالله في ذلك الوجه، وأحوج إلى الرغبة إليك في دفع المكروه عنه، وينبغي له أن يوليك الحمد دون ربه، فمن امن لك بهذا فقد اتخذك من دون الله نداً وضداً ... ) ٢. وما ورد عن أبي عبد الله أنه سئل عن النجوم. فقال: (هو علم قلت منافعه، وكثرت مضراته، لأنه لا يدفع به المقدور، ولا يتقى به المحذور، وإن أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز

стр. 252

من القضاء، وإن أخبرهم بخبر لم يستطع تعجيله، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه، والمنجم ينازع الله في علمه، بزعمه أنه يرد قضاء الله عن خلقه) ١. وروي أيضاً عن أبي جعفر الباقر ﵁ أنه قال: (المنجم ملعون، والكاهن، والساحر ملعون ... ) ٢. وما روي عنه أيضاً أنه كان يدعو، ويقول: "اللهم إنك خلقت أقواماً يلجئون إلى مطالع النجوم لأوقات حركاتهم، وسكونهم، وتصرفهم، وعقدهم، وخلقتني أبرأ إليك من اللجوء إليها، ومن طلب الاختيارات بها، وأتيقن أنك لم تطلع أحداً على غيبك في مواقعها) . ونقولاتهم عن الأئمة في هذا الشأن كثيرة مبسوطة في كتبهم، مما يبرهن أن نسبة التنجيم إلى آل بيت رسول الله ﷺ كذب عليهم، وعلى أن علياً ﵁ وأبناءه كانوا يذمون هذه الصناعة وأهلها. الوجه الثالث: الاضطراب الشديد، والاختلاف بين الروايات عن أئمتهم المزعومين، إذ إنهم يروون تارة أن علم النجوم يختص وجوده بأهل الهند، ومن ذلك ما رووه عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنه قال: (بعث الله المشتري في صورة رجل إلى الأرض –إلى أن قال-: وأخذ بيد رجل من الهند، فعلمه حتى أنه قد بلغ، وقال: انظر إلى المشتري، أين هو؟ فقال: إن حسابي ليدل على أنك أنت المشتري، قال: فشهق شهقة فمات، وورث علمه أهله، فالعلم هناك)

стр. 253

وتارة يرون أن هذا العلم موجود في أهل بيت من العرب، وأهل بيت من الهند ومن ذلك ما روي (أن أبا عبد الله سئل عن علم النجوم؟ فقال: ما يعلمها إلا أهل بيت من العرب، وأهل بيت من الهند) ١. وتارة يرون أن هذا العلم لا يصدق منه شيء اليوم، بل كله حدث وتخمين، ومن ذلك ما روي عن أبي عبد الله أيضاً أنه قال: (لما رد الله تعالى الشمس على يوشع بن نون وعلي بن أبي طالب٢ ضل علماء النجوم، فمنهم من صيب ومنهم مخطئ) ٣، وإذا وجد الاضطراب والاختلاف سقط الاحتجاج. أما شبهتهم الثانية عشرة وهي اعتراف الناس قديماً وحديثاً بعلم النجوم، وأنه ما خلت منه أمة من الأمم، ولا ملة من الملل، إلا كانوا مشتغلين به، ولو كان فاسداً لاستحال إطباق الناس عليه، فالرد عليه من ستة أوجه: الوجه الأول: أن هذا من الكذب والافتراء على العالم من أول بنائه إلى آخرة، وذلك لما يأتي: ١- إن آدم وأولاده كانوا برآء من ذلك، وأئمتهم معترفون بأن أول من عرف منه الكلام في هذا العلم، وتلقيت عنه أصوله هو إدريس ﵇، فكيف وهو كذب عليه؟ ومن نسب إليه ليس معه إلا مجرد القول والكذب على الأنبياء.

стр. 254

٢- أو ليس من الفرية أن ينسب هذا العلم إلى أمه موسى في زمنه ويعدوه بأنه كان معولهم في مصالحهم؟ ٣- أو ليس من الكذب كذلك أن ينسب إلى أمه عيسى، وأمه يونس، والذين كانوا مع نوح ونجوا معه في السفينة؟ ٤- وهل كان النبي ﷺ وأصحابه يعتمدون على هذا العلم في مصالحهم؟ أو كان قرن التابعين يفعله؟ أو قرن تابعي التابعين؟ أو الموفقون من خلفاء الأمة وملوكها وساداتها وكبرائها معولين على هذا العلم أو معتمدين عليه في مصالحهم؟ فإن ادعوا ذلك فهذه سيرهم تكذبهم وترد عليهم١. الوجه الثاني: لا ننكر أن لهذا العلم طلبة مشغولين به معتنين بأمره، وهذا لا يدل علة صحته، فهذا السحر لم يزل في العالم من يشتغل به ويطلبه أعظم من اشتغال من يشاغل بالنجوم، وطلبهم له أكثر من ذلك بكثير، وتأثيره في الناس مما لاينكر، أفكان هذا دليلاً على صحته؟ ٢. الوجه الثالث: أن هذه الأصنام لم تزل تعبد في الأرض من قبل نوح وإلى الآن، ولها الهياكل المبنية والسدنة، ولها الجيوش التي تقاتل عنها، أفيدل هذا على صحة عبادتها، وأن عبادها على الحق؟ ٣ الوجه الرابع: أما ادعاؤه أن أهل المشرق والمغرب من أول بناء العالم إلى أخره أطلقوا على هذا العلم، فليس هناك من فرية أبلغ من هذه الفرية، إذ إن هناك كثيراً من الناس ينكرون هذه الصناعة وينكرون على

стр. 255

أهلها، كما يوجد من الكتب في إبطال هذا العلم والرد على أهله، وكثير منها للفلاسفة الذي يعظمهم هؤلاء١. الوجه الخامس: لو أن مقابلاً قابله، لو كان هذا العلم صحيحاً لاستحال إطباق أهل المشرق على رده وإبطاله، لكان قول من جنس قوله، ولكن أهل المشرق والمغرب فيهم هذا وهذا كما يشهد به الحس والتاريخ٢. الوجه السادس: أن ما أخبروا به من أخبار المنجمين بنبوه بعض الأنبياء ليس لهم دلالة فيه، إذ إن في أخبار الكهان ما هو أعجب من هذا، ومع ذلك قال النبي ﷺ في أخبارهم: "ليس بشيء"، فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحياناً بشيء فيكون حقًّا، فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يحفظها من الجني فيقرها في أذن وليٍّه فيخلطون معها مائة كذبة" ٣ يعني بذلك بطلان قولهم وأنه لا حقيقة له٤، فلم يدل على صدقهم في بعضه الأحيان على صحة أصولهم أو مشروعية صناعتهم، وهذا محك الكلام مع أصحاب علم أحكام النجوم. أما الشبهة الثالثة عشرة: وهي أن المنجمين اختبروا عدة طوالع فكان الحكم كما أخبروا، فالرد عليها من خمسة أوجه: الوجه الأول: إن كان يدعونه يدل على صحة أحكام النجوم، فما الفرق بينهم وبين من قال: الدليل على بطلان الأحكام أنا امتحنا مواليد

стр. 256

صححنا طوالعها، ومسائل تفقدنا أحوالها فوجدنا جميعها باطلاً، ولم يصح الحكم في شيء منها، فإن كانت الدلالة على صحة مقالتهم صدقهم في بعض أحكامهم، فالدلالة على بطلانها كذبهم في بعضها١. الوجه الثاني: أن الحكايات المتضمنة لإصابتهم في بعض الأحوال ليست بأكثر من الحكايات عن أصحاب الفأل، وزجر الطير، والضرب بالحصى، والطرق، والعيافة، والكهانة، والخط، والحدس، وغيرها. فإن كانت حكايات هؤلاء لاتدل على أن علومهم صحيحة فكذلك حكايات المنجمين٢. الوجه الثالث: أن الشبهة تدخل على الناس من أمر المنجمين من قبيل أنهم يرون المنجم يصيب في مسألة تقع بين أمرين، كالجنين الذي لا يخلو من أن يكون ذكراً أو أنثى، أو المريض الذي لا يخلو من أن يصح أو يموت، أو الغائب الذي لا يخلو من أن يقيم بمكان أو يرحل عنه، ومن شأن الناس أن يحفظوا الصواب للعجب به، والشغف، ويتناسون الخطأ لأنه الأصل الذي يعرفونه، والأمر الذي يعهدونه، ومن ذا الذي يتحدث ممن قصد المنجم بأنه سأله فأخطأ؟ ومثل هذه المسائل التي يخبر المنجم فيها في الحكم بين أمرين تقع أحياناً للمعتوه والطفل فضلاً عن الرجل المتحذر٣. الوجه الرابع: كيف يسلم للمنجمين ما يدعونه وأحدهم لا يعرف على التحقيق ما يحدث في منزله ولا ما يصلح أهله وولده، بل لا يعرف ما يصلحه في نفسه، ويؤثر عنه بعد هذا كله أنه يخبر بالغيب الذي لم يؤته

стр. 257

الله أحداً، ولم يستودعه بشراً إلا لرسول يرتضيه يطلعه على شيء منه، أو نبي يصطفيه١. الوجه الخامس: أن يصدق هؤلاء في بعض الأمور ليس لحكمهم بعلم أحكام النجوم وإنما هو لأحد خمسة أمور وهي: الأمر الأول: استعمال الجن واستراق السمع من السماء أو في الإخبار بأمور تخفى عن الناس، ويستطيع الجني الإطلاع عليها بما آتاه الله من القدرة على ذلك. الأمر الثاني: إخبار الكتب السابقة بأمر الأمور، فيأخذ المنجم الخبر منها. الأمر الثالث: تأليف قصة بعد وقوع حادثة ما، ويدعون أنهم قد أخبروا بها قبل وقوعها كذباً وبهتاناً. الأمر الرابع: إخبارهم بأمور تعرف بالحساب كالإخبار بحادثتي الكسوف والخسوف، ونحوها، فتقع كما أخبروا، فيظن الجاهل أنها من جنس أعمالهم. الأمر الخامس: أن يقع خبرهم مصادفاً لقدر قدره الله، فيظن الجاهل أن المنجم صدق في خبره. وبهذا يتبين فساد الاستدلال المنجمين على جواز استعمال هذه الصناعة، وعلى صحة أحكامها، ويقتض ما لفقوه من الكذب والبهتان على الله ورسوله، وصفوة خلقه، وما عضدوا به مذهبهم من الاستدلالات التي لا تصح، والأخبار التي يعلم الكذب من سياقها، وهذا ليس ببعيد عنهم، إذ إن هذه الصناعة ما قامت إلا على الكذب والتمويه وخداع الناس.

стр. 258

الفصل السادس: حكم التنجيم المبحث الأول: حكم العمل بالتنجيم ... المبحث الأول: حكم العمل بالتنجيم فيما تقدم من الكلام ذكرنا أن علم أحكام النجوم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: اعتقاد أن هذه الكواكب تدبر هذا الكون، ومنها يصدر الخير والشر والسعادة والنحوسة. القسم الثاني: اعتقاد أن الخالق والمدبر هو الله، وقد جعل الله هذه الكواكب علامات ودلالات على الحوادث الأرضية. أما القسم الأول: وهو نسبة الاختراع والتدبير إلى الكواكب دون الله أو مع الله فهذا كفر، يقتل صاحبه مرتداً بالإجماع١. فمن اعتقد هذا الاعتقاد فقد نحا نحو الصابئة: عبدة الكواكب. الذي بعث فيهم إبراهيم ﵇، وصار على عقيدتهم وارتد عن الإسلام –والعياذ بالله-. وهل يستتاب من فعل ذلك؟ ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستتاب ثلاثاً قبل قتله٢. وفضل ابن رشد٣ الجد في ذلك فقال: (إذا كان المنجم يزعم أن

стр. 259

النجوم واختلافها في الطلوع والغروب هي الفاعلة لذلك كله، وكان مستسرًّا بذلك فحضرته البينة قتل بلا استتابة؟ لأنه كافر زنديق، وإن كان معلناً بذلك غير مستسر به، يظهره ويحاج عليه استتيب، فإن تاب وإلا قتل، كالمرتد سواء) ١. واختلف القائلون بالاستتابة في وجوبها وعدمها على قولين: أحدها: أنها واجبة، وهذا ما ذهب إليه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄، والإمام مالك وأصحاب الرأي، والنووي وأشهر الروايتين عن الإمام أحمد ورواية عن الشافعي وغيرهم. الثاني: أنها مستحبة، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه وهو القول الثاني للشافعي، وإليه ذهب الحنيفة وغيرهم٢. واستدل الفريق الأول بما رواه الإمام مالك وغيره، أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ رجل من قبل أبي موسى فقال له عمر: هل كان من مغرية خبر؟ قال: نعم. رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ما فعلتم به؟ قال قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر: فهلا حبستموه ثلاثاً، فأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه لعله يتوب، أو يراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني٣، ولو لم تجب

стр. 260

استتابته لما برئ من فعلهم. ولأنه أمكن استصلاحه، فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه كالثوب النجس١. واستدل الفريق الثاني بما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ٢. ولم يذكر استتابة. وبما رواه الشيخان عن معاذ أنه قدم على أبي موسى فوجد عنده رجلاً موثقاً فقال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهودياً فأسلم، ثم راجع دينه دين السوء فتهود، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله، قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات. فأمر به فقتل٣ ولم يذكر استتابة. وقالوا: لأنه يقتل لكفره فلم تجب استتابة كالأصيل، فهو كافر حربي بلغته الدعوة. فيقتل للحال لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٤. والراجح –والله أعلم- القول بوجوب الاستتابة وذلك لما يأتي: ١- قد ورد في حديث معاذ أن النبي ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له: "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه،

стр. 261

وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها" ١ وهو نص في محل النزاع. ٢- أما قصة معاذ مع أبي موسى فقد جاء في رواية: أنه استتاب أبو موسى وقال: (ونحن نريده على الإسلام، قال: أحسبه شهرين) ٢. واكتفى معاذ ﵁ باستتابة أبي موسى للرجل٣. ٣- أما حديث: "من بدل دينه فاقتلوه" فقد بينه حديث معاذ وهو أنه يقتل بعد الاستتابة، والحديث دل على حكم من فعل ذلك، وهو أن من بدل دينه فحكمه القتل. ٤- أما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فهو دال على أن المشركين مستحقين للقتل، ودلت السنة على عرض الإسلام عليهم قبل قتالهم، كما دلت على استتابة المرتد في حديث معاذ ﵁، وكذلك فإن ارتداد المسلم يكون عن شبهة غالباً، فلا بد من مدة يمكنه التأمل فيها٤. أما القسم الثاني: وهو جعل الكواكب دلالات وعلامات على الحوادث الأرضية، وادعاء علم ما يستقبل من الحوادث، وما مضى منها بناءاً على هذه الدلالات، ولم يقترن هذا الاعتقاد بالسجود للكواكب، أو

стр. 262

الاستعانة بها أو التوكل عليها، أو نحو ذلك من صرف العبادات لهذه الكواكب، فأجمع المسلمون على تحريم ذلك. كما دلت النصوص من الكتاب والسنة على تحريمه١ منها: ١- قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴿﴾ .

стр. 263

قال الهيثمي١: "إن الله أطلع أنبياءه على مغيبات كثيرة، ولكنها تعتبر جزئيات قليلة بالنسبة إلى علمه تعالى، فهو المنفرد بعلم المغيبات على الإطلاق كليها وجزئيها دون غيره) ٢. ٢- وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ٣. قال الهيثمي ﵀: (أي لا تقل في شيء من الأشياء ما ليس لك به علم، فإن حواسك مسئولة عن ذلك) ٤. ٣- وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٥. وما رواه البخاري ﵀ عن النبي ﷺ : "مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحد ما يكون فيغد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجئ المطر" ٦. قال الخطيب البغدادي: (ولم يذكر الله تعالى أن الله عنده علم هذه

стр. 264

الأشياء وفي خلقه من يعلمها كعلمه، وما كان لوصفه نفسه بالعلم بها هو ممتقع يختص بالتسليم إليه، لمشاركة خلقه فيها، ولا إفادة للمتصفح قراءتها، وإذا اشترك الخالق والمخلوق في شيء فكيف يتبين القادر منهما، والعاجز فيهما على أوضاع المنجمين وقد شاركوا رب العالمين ﵎ في علم هذه الأمور؟) . لأن منهم من يخبر أن طوفان نار يكون في آخر الزمان في وقت بعينه يحده، يأتي على الخلق، ينشر له الكواكب، فالمظهر للتمسك بالشرع منهم يقول: إنه القيامة التي ذكرها الله تعالى، ويتكلمون أيضاً في الغيث في تحاويل السنين، ويحكمون على الجنين في بطن أمه من مطالع، فيقولون: ذكر هو أو أنثى ... ) ١. وما أخرجه الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من سحر ما زاد زاد، وما زاد زاد" ٢. ٤- وما رواه الإمام مسلم عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" ٣. وما رواه الخطيب البغدادي وأبو وغيرهما عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي حتى خرجنا من

стр. 265

المدينة، فلما خرجنا نظر إليها، وقال: "هذه الجزيرة قد برئت من الشرك ما لم تضلهم النجوم". قال: "يقولون إذا أصابهم الغيث: مطرنا بنجم كذا وكذا" ١. ٧- وما رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن علي بن أبي طالب ﵁. قال لي النبي ﷺ : "يا علي أسبغ الوضوء وإن شق عليك، ولا تأكل الصدقة، ولا تنز الحمير على الخيل، ولا تجالس أصحاب النجوم" ٢. ٨- وما رواه الخطيب والطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا" ٣. قال الخطيب البغدادي ﵀: (أراد صلى الله عليه وسم بالإمساك عن النجوم الكف عما يقول المنجمون فيها، من أنها فاعلة مدبرة وأنها تسعد وتنحس، وأن ما يكون في العالم من حادث فهو بحركات النجوم، فأمر ﵊ بالإمساك عن هذا القول، وأن يقال فيها إنها كما جعلها الله تعالى يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، ويعرف بالشمس

стр. 266

٩- والقمر عدد السنين والحساب، وأن فيها دلالة على قدرة الله وحكمته) ١. ١٠- وما رواه الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها: النجوم، وتكذيب بالقدر، وحيف السلطان" ٢. ١١- وما رواه أحمد والخطيب البغدادي وغيرهما من ثعلبة بن عباد العبدي٣ من أهل البصرة قال: شهدت خطبة لسمرة بن جندب٤ فذكر حديثاً عن رسول الله ﷺ بأنه قال: "أما بعد: فإن ناساً يزعمون أن كسوف الشمس، وكسوف هذا القمر، وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض وأنهم قد كذبوا، ولكنها هي آيات الله يعتبر بها عباده فلينظر من يحدث له منهم توبة ... " ٥.

стр. 267

وما رواه الخطيب البغدادي أيضاً عن ابن لهيعة١ أن الربيع ابن سبرة٢ حدثه قال: "لما غزا عمر ﵁، وأراد الخروج

стр. 268

إلى الشام خرجت معه، فلما أردنا أن ندلج نظرت فإذا القمر في الدبران فأردت أن أذكر لعمر ذلك، فعرفت أنه يكره ذكر النجوم. فقلت له: يا أبا حفص انظر إلى القمر ما أحسن استواءه الليلة، فنظر فإذا هو في الدبران، قال: قد عرفت ما تريد يا ابن سبرة، تقول: إن القمر بالدبران، وإنا والله لا نخرج بالشمس ولا بالقمر ولكن نخرج بالله الواحد القهار"١. ١١- وما رواه الخطيب أيضاً عن ميممون بن مهران قال لابن عباس: أوصني. قال: (أوصيك بتقوى الله، وإياك وعلم النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة، وإياك أن تذكر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير فيكبك الله على وجهك في جهنم، فإن الله تعالى أظهر بهم هذا الدين، وإياك والكلام في القدر فإنه ما تكلم فيه اثنان إلا أثماً، أو أثم أحدهما) ٢. وهل يحكم بتكفير من عمل بهذه الصناعة، فادعى أنه يعلم الغيب بما تدل عليه هذه الكواكب؟ اختلف العلماء في تكفيره على قولين: القول الأول: ذهب فريق من العلماء منهم: القرطبي، والشيخ سليمان عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب٣ إلى أن من ادعى أن هذه

стр. 269

الكواكب دلالات على علم الغيب فهو كافر، لأنه ادعى علم شيء استأثر الله بعلمه١. قال القرطبي ﵀: (قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليه، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على ثبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب، ويزجر الطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله، مفترٍ عليه بحدسه وتخمينه وكذبه) ٢. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: (وينبغي أن يقطع بكفره، لأنها دعوى لعلم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه بما لا يدل عليه) ٣. القول الثاني: ذهب مالك وابن رشد الجد والقرافي٤ وابن حجر وغيرهم إلى عدم تكفيره. قال ابن رشد الجد ﵀: (سئل مالك عن الذي ينظر في النجوم

стр. 270

فيقول: الشمس تكسف١ غداً، والرجل يقدم غداً، وما أشبه ذلك، فقال: أرى أن يزجر عن ذلك، فإن لم يفعل أدب في ذلك) ٢. وقال ابن رشد الجد أيضاً: (وإن كان مؤمناً بالله ، مقراًّ بأن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب لا تأثير لها في شيء مما يحدث في العالم، وأن الله هو الفاعل لذلك كله، إلا أنه جعلها أدلة على ما يفعله، فهذا يزجر عن اعتقاده ويؤدب عليه أبداً حتى يكف عنه، ويرجع عن اعتقاده، ويتوب عنه، لأن ذلك بدعة يجرح بها وتسقط إمامته وشهادته) ٣. وقال القرافي ﵀: (إن اعتقد أن الله هو الفاعل عندها زجر عن هذا الاعتقاد الكاذب، لأنه بدعة تسقط العدالة) ٤. وقال ابن حجر العسقلاني ﵀: (ولم يتعين الكفر في حق من قال ذلك، وإنما يكفر من نسب الاختراع إليها، وأما من جعلها علامة على حدوث أمر في الأرض فلا) ٥. قلت: والمتتبع لكتب هؤلاء المنجمين وأحوالهم يرى أنهم يعتدون على ما استأثر الله بعلمه، حتى علم الساعة جعلوا لأنفسهم نصيباً منه، وغالب أحكامهم تدور على ادعاء ما يكسبه الإنسان في مستقبل أيامه، وعلى جعل الأمور الغيبية تحت تصرفه وحكمه، يطلع عليها متى شاء

стр. 271

ويقضي فيها بما أراد، فمن كان هذا حاله فلا شك في كفره، إذ إنه ينازع الرب في ربوبيته، ويدعي علماً استأثر الله به، والله أعلم. وقد ذكر الشيخ حافظ الحكمي١ ﵀ الأوجه التي بها حكم على الكاهن والمنجم والعراف ونحوهم بالكفر فقال: (وأما كفر الكاهن فمن وجوه: منها كونه ولياً للشياطين، فلم يوح إليه الشيطان إلا بعد أن تولاه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ ٢، والشيطان لا يتولى إلا الكفار، وهم يتولونه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ٣ وهذا وجه ثان. والثالث قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ أي: نور الإيمان والهدى ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ أي: ظلمات الكفر والضلالة، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِينا ً﴾ ٤ وهذا وجه رابع. والخامس: تسميته طاغوتاً٥ في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ٦ نزلت في المتحاكمين إلى كاهن جهينة.

стр. 272

وقوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: الطاغوت، وهذا وجه سادس. والسابع: إن من هداه الله للإيمان من الكهان كسواد بن قارب١ ﵁ لم يأته رأيه بعد أن دخل في الإسلام، فدل أنه لم ينزل عليه في الجاهلية إلا لكفره وتوليه إياه. الثامن: وهو أعظمها تشبهه بالله في صفاته، ومنازعته له في ربوبيته، فإن علم الغيب من صفات الربوبية التي استأثر الله تعالى بها دون من سواه، فلا سمي له، ولا مضاهي، ولا مشارك قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٢، وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ ٣. التاسع: إن دعواه تلك تتضمن التكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله. العاشر: النصوص في كفر من سأله عن شيء فصدقه بما يقول، فكيف به نفسن فيما ادعاه؟ كما روى أبو هريرة ﵁ عن رسول

стр. 273

الله ﷺ قال: "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" ١. ثم قال الحكمي: ثم أعلم أن الكاهن وإن كان أصله ما ذكرنا فهو عام في كل من ادعى معرفة المغيبات ولو بغيره كالرمال الذي يخط في الأرض أو غيرها، والمنجم، والطارق بالحصى وغيرهم٢.

стр. 274

المبحث الثاني: حكم تعلم التنجيم دون العمل به حكم تعلم التنجيم يدخل ضمن حكم تعلم علم السحر لأن النبي ﷺ عده شعبه وذلك في قوله: "ما اقتبس رجل علماً من النجوم إلا اقتبس بها شعبة من السحر" ١، فكان جزءاً منه من هذا الوجه وكذلك جعله كثير من العلماء كابن تيمية وابن كثير وغيرهم. فيكون الكلام عن حكم تعلم علم السحر كلاماً عن حكم تعلمه. وقد ذهب جماهير العلماء إلى أن تعلم علم السحر –بما في ذلك علم التنجيم- حرام من الكبائر تعلمه، وتعليمه، فإن تضمن ما يقتضي الكفر –من التعبد للشياطين أو للكواكب أو نحو ذلك- كفر، وإلا فلا٢ ومن الأدلة على ذلك ما يأتي: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ

стр. 275

اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وهذه الآية من أصرح الأدلة في التحريم، إذ إن الله تعالى صرح بأنه يضر ولا ينفع، فإذا أثبت الله أن السحر ضار، ونفى أنه نافع، فكيف يجوز تعلم ما هو ضرر محض لا نفع فيه؟ ٢ وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ : قال بعض العلماء: أي فلا تكفر بتعلم السحر٣. ٢- وقول النبي ﷺ : "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٤. وما رواه مسلم ﵀ عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة"٥ فهذا في الإتيان والتصديق، فكيف بالتعلم؟ ٣- وما رواه الإمام وغيره أن النبي ﷺ قال: "ما اقتبس رجل علماً من النجوم إلا اقتبس بها شعبة من السحر ما زاد زاد" ٦ وقد ورد هذا الحديث في معرض الذم، وما كان مذموماً لا يكون مباحاً. ٤- إن تعلمه قد يكون ذريعة للعمل به، والذريعة إلى الحرام يجب سدها٧.

стр. 276

٥- إن في تعلمه ترويجاً للباطل١. وتجدر الإشارة هنا إلى كلام الرازي في إيجاب تعلم علم السحر حيث قال: (المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور اتفق المحققون على ذلك، لأن العلم لذاته شريف، وأيضاً لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز، والعلم يكون المعجز معجزاً واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً، وما يكون واجباً كيف يكون حراماً وقبيحاً؟) ٣. وقد تصدى ابن كثير للرد عليه فقال: (هذا الكلام فيه نظر من وجوه: أحدها قوله: العلم بالسحر ليس بقبيح. إن عني به ليس بقبيح عقلاً فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عني أنه ليس بقبيح شرعاً، في هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر، وفي "الصحيح": "من أتى عرافاً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد"٤. وفي "السنن": "من عقد عقدة، ونفث فيها فقد سحر" ٥.

стр. 277

وقوله: (ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك) كيف لا يكون محظوراً مع ما ذكرناه من الآية، والحديث، واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله علم السحر في عموم قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ ١ فيه نظر لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم الشرعي، ولم قلت أن هذا منه؟ ثم ترقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به ضعيف، بل فاسد، لأن أعظم معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلاً، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصابئة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه) ٢. وأما ما نقله ابن حجر عن بعض العلماء بأن السحر جائز تعلمه لتمييز ما فيه كفر من غيره٣ فهذا خلاف التحقيق إذ ليس لأحد أن يبيح ما صرح الله بأنه يضر ولا ينفع، وكذلك قد يكون تعلمه ذريعة للعمل به، والذريعة إلى الحرام يجب سدها٤ –كما قدمت ذلك- وعلم التنجيم يأخذ حكم ما سبق، والله أعلم.

стр. 278

المبحث الثالث: حكم إتيان المنجمين، وتصديقهم بما يخبرون به ... البحث الثالث: حكم إتيان المنجمين، وتصديقهم بما يخبرون به إتيان المنجمين وما في معناهم من كهان وعرافين وسؤالهم، وتصديقهم بما يخبرون حرام من كبار الذنوب، بل قد يصل إلى حد الشرك الأكبر، وقد دلت الأدلة على ذلك منها: ما رواه الإمام مسلم عن معاوية بن الحكم ﵁ أنه قال: وإن منا رجالاً يأتون الكهان، قال: "فلا تأتهم"١. قال النووي ﵀: قال العلماء: إنما نهي عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف الفتنة على الإنسان، بسبب ذلك لأنهم يلبسون على الناس كثيراً من أمر الشرائع وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم٢. وقال ابن تيميه رجمه الله: (نهي النبي ﷺ عن إتيان الكهان، والمنجم يدخل في اسم الكاهن عن الخطابي وغيره من العلماء، وحكي ذلك عن العرب. وعند آخرين هو من جنس الكاهن وأسوأ حالاً منه، فلحق به من جهة المعنى) . وما رواه مسلم عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة".

стр. 279

قال القرطبي ﵀: (العراف: هو الحازر١ والمنجم الذي يدعي علم الغيب، والتنجيم من العرافة، وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة، وكلها يطلق عليها اسم الكهانة) ٢. وما رواه الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٣. وما رواه البزار٤ عن عمران بن حصين٥ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن عقد عقدة، ومن أتى كاهناً فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ٦.

стр. 280

وما رواه الطبراني عن أبي الدرداء١ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لن ينال الدرجات العلى من تكهن أو استقم أو رجع من سفر تطيراً" ٢. فهذه الأحاديث تدل على أن من سأل الكاهن أو المنجم أو العراف في شيء، فصدقه بما يخبر به كفر لاعتقاده أنه يعلم الغيب، سواء ادعى الكاهن أن معرفته بذلك عن طريق الشياطين، أو عن طريق النجوم، أو نحو ذلك، أما إذا سأله ولم يصدقه، سواء كان هذا السؤال استهزاء أو استطلاعاً أو نحو ذلك فلا يكفر، وإنما لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن الحديث الذي فيه الوعد بعدم قبول الصلاة أربعين ليلة ليس فيه ذكر تصديقه، والأحاديث التي فيها إطلاق الكفر مقيدة بتصديقه٣.

стр. 281

أما إذا سأل كاهن والمنجم يمتحن حاله ويختبر باطن أمره ويفضحه بين الناس، وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز كما ثبت في "الصحيحين": أن النبي ﷺ سأل ابن صياد. فقال: "ما يأتيك؟ " قال: يأتيني صادق وكاذب. قال: "ما ترى؟ " قال: أرى عرشاً على الماء. قال: "فإني قد خبأت لك خبئاً؟ " قال: الدخ. الدخ. قال: "اخسأ فلن تعدو قدرك فإنما أنت من إخوان الكهان" ١ فهذا الحديث الصحيح مخصص لعموم الأحاديث السابقة٢.

стр. 282

المبحث الرابع: حكم الأجرة المأخوذة على صناعة التنجيم، والواجب تجاه المنجمين أجمع المسلمون على تحريم أخذ ودفع الأجرة التي يأخذها الكاهن على كهانته، لأنه عوض عن محرم، ولأنه أكل مال الغير بالباطل. وفي معناه التنجيم، والضرب الحصى، وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون عن استطلاع الغيب١. لما رواه البخاري ومسلم عن أبي مسعود الأنصاري٢ ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي وحلوان٣ الكاهن" ٤. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (حلوان الكاهن الذي تسميه لعام "حلاوته"، ويدخل في هذا المعنى ما يعطيه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقيم بها، مثل الخشبة المكتوب عليها أ، ب، ج، د والضارب بالحصى ونحوهم، فيما يعطى هؤلاء حرام، وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء كالبغوي، والقاضي عياض وغيرهما.

стр. 283

ويتبين بذلك أن الأجرة المأخوذة على ذلك، والكرامة حرام، على الدافع والآخذ، وأنه يحرم على الملاك، والنظار، والوكلاء، إكرام الحوانيت المملوكة، أو الموقوفة، أو غيرها من هؤلاء الكفار والفساق بهذه المنفعة، إذا غلب على ظنهم أنهم يفعلون فيها هذا الجبت الملعون) ١. ولما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (كان لأبي بكر غلام يخرج له الخوارج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبي بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) ٢. قال ابن حجر ﵀: (والذي يظهر أن أبا بكر إنما قاء لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن، وحلوان الكاهن ما يأخذه على كهانته، والكاهن من يخبر بما سيكون من غير دليل شرعي) ٣. ويجب على ولي الأمر، وكل قادر السعي بالإنكار على المنجمين وإزالتهم، ومنعهم من الجلوس في الحوانيت أو الطرقات، أو دخولهم على الناس في منازلهم لذلك، وإن لم يفعلوا ذلك يكفيهم قوله تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ٤،وقوله سبحانه: ﴿لَوْلا

стр. 284

يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ ١، فإن هؤلاء المنجمين يقولون الإثم، ويأكلون السحت بإجماع المسلمين٢.

стр. 285

الباب الثالث: فيما يلحق بالتنجيم وما قد يظن أنه منه، وهو ليس منه الفصل الأول: ما يلحق بالتنجيم المبحث الأول: حروف أبي جاد، والاستدلال بها على ... المبحث الأول: حروف أبي جاد، والاستدلال بها على المغيبات أرباب هذه الطريقة يزعمون أن لهذه الحروف علاقة ورابطة قوية بحياة الإنسان ومستقبله١ وبالكون وما يحدث فيه من الحوادث، ويزعمون أنهم يعرفون حوادث هذا العالم من هذه الحروف. وطريقتهم في ذلك أنهم يكتبون حروف أبي جاد، ويجعلون لكل حرف منها قدراً من العدد معلوماً عندهم، ويجرون على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها، ثم يجرون على هذه الأعداد عملية حسابية من جمع وطرح بطريقة ما وينسب العدد الباقي من هذه العملية إلى الأبراج الاثنى عشر، ثم يقضون بالسعود والنحوس، وبأوقات الحوادث والملاحم، ويمدد الملك وأعمار الناس، إلى آخر ذلك من أمور الغيب، على وفق ما أصله لهم أسلافهم، وأملاه عليهم شيطانهم٢ ومن ذلك ما فعله يعقوب بن إسحاق الكندي، الذي عمل تسييراً لهذه الأمة، وزعم أنها تقتضي عام ثلاث وتسعين وسبعمائة، وزعم بعض أتباعه أنه استخرج ذلك من حساب الجمل الذي للحروف التي في أوائل السور٣. ويدخل ضمن هذه الصناعة ما يسميه الرافضة بعلم أسرار الحروف، وأهم مؤلف فيه عندهم كتاب الجفر، المنسوب كذباً وبهتاناً إلى جعفر
следующие страницы →