← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 7591

التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام

عبد المجيد بن سالم المشعبي

Полный текст (321 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أما إذا سأل كاهن والمنجم يمتحن حاله ويختبر باطن أمره ويفضحه بين الناس، وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز كما ثبت في "الصحيحين": أن النبي ﷺ سأل ابن صياد. فقال: "ما يأتيك؟ " قال: يأتيني صادق وكاذب. قال: "ما ترى؟ " قال: أرى عرشاً على الماء. قال: "فإني قد خبأت لك خبئاً؟ " قال: الدخ. الدخ. قال: "اخسأ فلن تعدو قدرك فإنما أنت من إخوان الكهان" ١ فهذا الحديث الصحيح مخصص لعموم الأحاديث السابقة٢.

стр. 282

المبحث الرابع: حكم الأجرة المأخوذة على صناعة التنجيم، والواجب تجاه المنجمين أجمع المسلمون على تحريم أخذ ودفع الأجرة التي يأخذها الكاهن على كهانته، لأنه عوض عن محرم، ولأنه أكل مال الغير بالباطل. وفي معناه التنجيم، والضرب الحصى، وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون عن استطلاع الغيب١. لما رواه البخاري ومسلم عن أبي مسعود الأنصاري٢ ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي وحلوان٣ الكاهن" ٤. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (حلوان الكاهن الذي تسميه لعام "حلاوته"، ويدخل في هذا المعنى ما يعطيه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقيم بها، مثل الخشبة المكتوب عليها أ، ب، ج، د والضارب بالحصى ونحوهم، فيما يعطى هؤلاء حرام، وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء كالبغوي، والقاضي عياض وغيرهما.

стр. 283

ويتبين بذلك أن الأجرة المأخوذة على ذلك، والكرامة حرام، على الدافع والآخذ، وأنه يحرم على الملاك، والنظار، والوكلاء، إكرام الحوانيت المملوكة، أو الموقوفة، أو غيرها من هؤلاء الكفار والفساق بهذه المنفعة، إذا غلب على ظنهم أنهم يفعلون فيها هذا الجبت الملعون) ١. ولما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (كان لأبي بكر غلام يخرج له الخوارج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبي بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) ٢. قال ابن حجر ﵀: (والذي يظهر أن أبا بكر إنما قاء لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن، وحلوان الكاهن ما يأخذه على كهانته، والكاهن من يخبر بما سيكون من غير دليل شرعي) ٣. ويجب على ولي الأمر، وكل قادر السعي بالإنكار على المنجمين وإزالتهم، ومنعهم من الجلوس في الحوانيت أو الطرقات، أو دخولهم على الناس في منازلهم لذلك، وإن لم يفعلوا ذلك يكفيهم قوله تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ٤،وقوله سبحانه: ﴿لَوْلا

стр. 284

يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ ١، فإن هؤلاء المنجمين يقولون الإثم، ويأكلون السحت بإجماع المسلمين٢.

стр. 285

الباب الثالث: فيما يلحق بالتنجيم وما قد يظن أنه منه، وهو ليس منه الفصل الأول: ما يلحق بالتنجيم المبحث الأول: حروف أبي جاد، والاستدلال بها على ... المبحث الأول: حروف أبي جاد، والاستدلال بها على المغيبات أرباب هذه الطريقة يزعمون أن لهذه الحروف علاقة ورابطة قوية بحياة الإنسان ومستقبله١ وبالكون وما يحدث فيه من الحوادث، ويزعمون أنهم يعرفون حوادث هذا العالم من هذه الحروف. وطريقتهم في ذلك أنهم يكتبون حروف أبي جاد، ويجعلون لكل حرف منها قدراً من العدد معلوماً عندهم، ويجرون على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها، ثم يجرون على هذه الأعداد عملية حسابية من جمع وطرح بطريقة ما وينسب العدد الباقي من هذه العملية إلى الأبراج الاثنى عشر، ثم يقضون بالسعود والنحوس، وبأوقات الحوادث والملاحم، ويمدد الملك وأعمار الناس، إلى آخر ذلك من أمور الغيب، على وفق ما أصله لهم أسلافهم، وأملاه عليهم شيطانهم٢ ومن ذلك ما فعله يعقوب بن إسحاق الكندي، الذي عمل تسييراً لهذه الأمة، وزعم أنها تقتضي عام ثلاث وتسعين وسبعمائة، وزعم بعض أتباعه أنه استخرج ذلك من حساب الجمل الذي للحروف التي في أوائل السور٣. ويدخل ضمن هذه الصناعة ما يسميه الرافضة بعلم أسرار الحروف، وأهم مؤلف فيه عندهم كتاب الجفر، المنسوب كذباً وبهتاناً إلى جعفر

стр. 286

الصادق ﵁، ونسبته إليه كذب عليه باتفاق أهل العلم به١، إذ أن واضع هذا الكتاب هو هارون بن سعيد العجلي٢، وهو رأس الزيدية وكان له كتاب يزعم أنه يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم، ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص، وقع ذلك لجعفر الصادق ونظائره عن طريق الكشف والكرامة كما يزعمون، ويزعمون أنه كان مكتوباً عند جعفر في جلد جفر صغير، فرواه عنه هارون العجلي وكتبه، وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب فيه، وصار هذا الاسم علماً على هذا الكتاب عندهم، وهذا الكتاب لم تتصل روايته، ولا عرف عينه وإنما تظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل٣ ويزعمون أن هذا الكتاب مشتمل على حوادث الأزمان على مر العصور، عرفت عن طريق علم الحروف المتعلق بآثار النجوم٤. ومما يتشبثون به لتعضيد هذا المعتقد عندهم ما رواه الكليني عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنه قال: (وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ فقيل له: ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل) ٥.

стр. 287

وما رواه أيضاً أن أبا عبد الله سئل عن الجفر، فقال: (هو جلد ثور١ مملوء علماً) ٢، وتارة يذكرون أن هذا العلم مأثور عن آدم ﵇، فقد نقل اليزدي الحائري عن كتاب الينابيع: (أما آدم ﵇ فهو نبي مرسل خلقه الله تعالى بيده ونفخ فيه من روحه فأنزل عليه عشر صحائف، وهو أول من تكلم في علم الحروف، وله كتاب سفر الخفايا، وهو أول كتاب في الدنيا في علم الحروف –ثم ذكر أن آدم ﵇ ورثه لأبنائه من بعده، وأبناؤه ورثوه لمن بعدهم وهكذا إلى أو قال: ثم ورث هذا العلم عن أبيه جعفر الصادق وهو الذي حل معاقد رموزه، وفك طلاسم كنوزه) . ثم ذكر أن له كتاب الجفر الأكبر، والجفر الأصغر، وأن الجفر الأكبر إشارة إلى المصادر الوفقية التي هي من أ، ب، ت، ث ... إلى آخرها، وأنها ألف وفق، وأن الجفر الأصغر إشارة إلى المصادر الوفقية التي هي مركبة من أبجد إلى قرشت، وهي سبعمائة وفق٣. وهذا كله من أكاذيب الرافضة على آل بيت رسول الله ﷺ ، وهذا الكتاب كما ذكرت آنفاً نسب كذباً إلى جعفر الصادق ﵀، وليس لهم برهان على إثباته سوى القول المجرد عن الدليل، بل قد نفى علي بن أبي طالب ﵁ أن يكون هو وذريته مخصوصين بشيء من الوحي دون الناس، وذلك فيما رواه البخاري ﵀: (أنه قيل لعلي ﵁:

стр. 288

هل عندكم شيء من الوحي، إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا. والذي فلق الحبة وبراً١ النسمة ما أعلمه، إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل٢، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر) ٣. أما نسبة هذا العلم إلى آدم ﵇ فليست صحيحة، إذ أن كل ما روي في ذلك عن آدم ﵇ من أنه كان عالماً بحروف أبي جاد وأن الله أنزلها عليه فقد نقلت عن أخبار إسرائيلية، لا يوثق بها، وقد أجمع المسلمون على أن ما روي عن بني إسرائيل في الأنبياء المتقدمين لا يجعل عنده في ديننا، ولا يجوز التصديق بصحتها إلا بحجة صحيحة واضحة٤ كما قال النبي ﷺ –في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة-: "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ... " الآية٥. وما رواه البخاري أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال: "يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله؟ ٦ تقرؤونه ولم يشب٧ وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هو

стр. 289

من عند الله، ليشتروا به ثمناً قليلاً، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسائلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلاً قط قد يسألكم عن الذي أنزل عليكم"١. وبهذا يتبين أن ما ذكر عن آدم ﵇ من ذلك لا يجوز تصديقه، وكذلك ما روي عن النبي ﷺ في الحث على تعلم أبي جاد، وتعلم تفسيرها لا يصح أيضاً، وذلك لأن هذا الحديث روي من طريقين كلاهما لا يصح عن النبي ﷺ : أولهما: ما ذكره ابن تيمية ﵇ أن أبا بكر النقاش٢ رواه في تفسيره وغيره من المفسرين، كما ذكره ابن جرير الطبري في آخر تفسيره ورد عليه٣ فذكر أن أبا بكر النقاش روى بسنده من طريق محمد بن زياد الجزري٤

стр. 290

أن رسول الله ﷺ قال: (تعلموا أبا جاد وتفسيرها، ويل لعالم جهل تفسير أبي جاد. ..) . وذكر ابن تيمية ﵀ أن ابن جرير الطبري ﵀ قال بعد إيراد هذا الحديث: (لو كانت الأخبار التي رويت عن النبي ﷺ في ذلك صحاح الأسانيد لم يعدل عن القول بها إلى غيرها، ولكنها وهبة الأسانيد غير جائز الاحتجاج بمثلها، وذلك أن محمد بن زياد الجزري غير موثوق بنقله) . وقال ابن تيمية ﵀ بعد ذلك: (الحديث فيه فرات بن السائب وهو ضعيف لا يحتج به، وهو فرات بن أبي الفرات١ ومحمد بن زياد الجزري ضعيف أيضاً) ٢. أما الطريق الثاني فقد رواه الصدوق القمي الرافضي بسنده عن الأصبغ ابن نباتة٣ أن النبي ﷺ قال: (تعلموا تفسير أبجد، فإن فيه

стр. 291

الأعاجيب كلها، ويل لعالم جهل تفسيره ... ) ١. والأصبغ بن نباته لا يحتج بروايته. وقد ورد أن هذه الصناعة مأثورة عن فلاسفة اليونان، الصابئة الذي يعبدون الأوثان، فقد جعل أرسطو في آخر كتاب (السياسة) فصلاً في حساب الجمل وادعى أنه يعرف بها الغالب من المغلوب ونحو ذلك من أمور الغيب٢. والذي ينبغي أن يعلم في هذا الموضع أن هذه الحروف ليست أسماء المسميات، ولا علاقة لها بمستقبل الإنسان ولا بحياته، وإنما ألفت ليعرف تأليف الأسماء من حروف المعجم بعد معرفة حروف المعجم، ثم إن كثيراً من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب العدد، فيجعلون الألف واحد، والباء اثنين، والجيم ثلاثة ... وهكذا، ثم أخذ هؤلاء هذا الاصطلاح، ولفقوا عليه الأباطيل، وادعوا أنه علم، وأن به تعرف الأمور الغيبية، وربطوه بالتنجيم، لخفاء بطلان التمجيم على كثير من الناس، والعلم لا يؤخذ عن مثل هذه الظريات الفاسدة، ولا من هذه العقليات الجاهلية الباطلة، بل لابد فيه من عقد مصدق، ونقل محقق٣، وهذا الذي يزعمونه ما هو إلا ادعاء علم استأثر الله به، وهذا

стр. 292

بلا شك من أعظم الشرك في الربوبية، ومن صدقه به واعتقد فيه كفر –والعياذ بالله-١، كما قدمت ذلك في فصل حكم التنجيم، وكما قال ابن عباس منكراً على الذين يتخذون هذه الصناعة: (إن قوماً يحسبون أبا جاد، وينظرون في النجوم، ولا أرى لمن فعل ذلك من خلاق) ٢.

стр. 293

المبحبث الثاني: الخط على الرمل، وما يلحق به، والاستدلال به على المغيبات إن هؤلاء المنجمين –الذين يعتمدون على الحدس والتخمين- استنبطوا من التنجيم صناعة، سموها خط الرمل، والواقع أنها رجم بالغيب، وسموها بهذا الاسم نسبة إلى المادة التي يستخدمونها في عملهم، وطريقة هذه الصناعة أنهم جعلوا من النقط والخطوط ستة عشر شكلاً، ميزوا كلاً منها باسم وشكل يختلف عن غيرها، وقسموها إلى سعود ونحوس وشأنهم في ذلك شأنهم في الكواكب١، ومسائل هذه الصناعة تخمينية يزعمون أنها مبنية على تجارب، ويربطونها بالنجوم، ويقولن: إن البروج الاثنى عشر يقتضي كل منها شكلاً معيناً من الأشكال التي اصطلحوا عليها، وقالوا: إنه حين السؤال عن المطلوب تقتضي أوضاع البروج قوى الشكل المعين الذي يرسمه الرمّال على الرمل، وتلك الأشكال تدل على أحكام مخصوصة تناسب أوضاع البروج٢. وهذا كله ظن مبني على ظن، وتعلق بأمر غائب لا يمكن التحقق منه وكان لنبي من الأنبياء في سالف الزمان خط مخصوص أوحاه الله إليه، إلا أن علم ذلك النبي لا يعلم أحد كيفيته، وعلم هؤلاء مخالف لعلم ذلك النبي فعلم هؤلاء –كما ذكرت- مبني على علم التنجيم، والتنجيم وما بني عليه ظن وتخمين.

стр. 294

وقد نهى النبي ﷺ عن العمل به وذلك فيما رواه الإمام أحمد في "مسنده" وغيره عن قبيصة بن المخارق١ أن رسول الله ﷺ قال: "العيافة٢ والطيرة والطرق من الجبت"٣ والطرق: هو الخط على الرمل على قول٤ والجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك٥. كما بين عدم إدراك هذا العلم، وبطلان ما عليه الناس الذي يدعون معرفته، وذلك فيما رواه الإمام مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خذه فذاك" ٦. كذلك بالإضافة إلى ما قدمت من الأدلة على تحريم التنجيم، وعلى فساده، إذ أن هؤلاء بنوا أحكامهم على تأثيرات النجوم ودلالاتها المزعومة، فيكون فرعاً منه، ولا حقاً به، وآخذاً حكمه.

стр. 295

واستدل أرباب هذه الصناعة على جواز وصحة صناعتهم بقول النبي ﷺ : "كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك" ١، قالوا: إن علم الرمل ثبت عن إدريس ﵇، فهو المعلم الأول، وكان علم الرمل من معجزاته٢. وهذا دليل يدل على بطلان هذا العلم، وعلى تحريم هذه الصناعة، ولا يدل على إباحتها مطلقاً، حيث إن العلماء بينوا معنى هذا العلم، وباتضاح المعنى تتضح الدلالة. قال الخطابي ﵀ بعد سرد هذا الحديث: (يحتما أن يكون معناه الزجر عنه، إذ كان من بعده لا يوافق خطه، ولا ينال حظه من الصواب، لأن ذلك إنما كان آية لذلك النبي، فليس لمن بعده أن يتعاطاه طمعاً في نيله) ٣. وقال النووي رحمه الله تعالى: (اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح) . والمقصود أنه حرام، لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وإنما قال النبي ﷺ : "فمن وافق خطه فذاك" ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافق لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي ﷺ على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا. والمعنى أن ذلك النبي لا مانع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها.

стр. 296

وقال القاضي عياض: المختار أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته فيما يقول، لا أنه أباح ذلك لفاعله. قال: ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا. ثم قال النووي: (فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن) ١. وقال ابن خلدون: ليس في الحديث دليل على مشروعية خط الرمل كما يزعمه بعض من لا تحصيل لديه، لأن معنى الحديث كان نبي يخط فيأتيه الوحي عند ذلك الخط، ولا استحالة أن يكون ذلك عادة لبعض الأنبياء، فمن وافق خطه فهو ذاك، أي: فهو صحيح من بين الخط بما عضده من الوحي لذلك النبي الذي عادته أن يأتيه الوحي عند الخط، وأما إذا أخذ ذلك من الخط مجرداً من غير موافقة وحي فلا٢. وقال ابن حجر الهيثمي: (تعلم الرمل وتعليمه حرام شديد التحريم وكذا فعله لما فيه من إبهام العوام أن فاعله يشارك الله في غيبه وما استأثر بمعرفته ... والحديث المذكور في مسلم يجب أن يحل على ما يطابق القرآن، وما اتفق عليه إجماع أهل السنة، وذلك بأن يحمل على الإنكار، لا الإخبار، لأن الحديث خرج جواباً على سؤال من اعتقد علم الخط على ما اعتقدت العرب، فكان جوابه ﷺ بأن ذلك من خواص علوم الأنبياء بما يقتضي الإنكار على من يتشبه به من الناس إذ هو من خصوصياتهم، ومعجزاته الدالة على النبوة، فهو كلام ظاهره الخبر، والمراد به الإنكار، ومثله في القرآن والسنة كثير.

стр. 297

أو يحمل على أنه علق الحل بالموافقة بخط ذلك النبي، وهي غير واقعة في ظن الفاعل، إذ لا دليل عليها إلا بخبر معصوم، وذلك لم يوجد، فبقى النهي على حاله، لأنه علق الحل بشرط، ولم يوجد، وهذا أولى من الأول. أو يحمل على أنه أراد فمن وافق خطه فذاك الذي تجدون إصابته لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم، وهذا يدل على أنه ليس على ظاهره، وإلا لوجب لمن وافق خطه أن يعلم علم المغيبات التي كان يعلمها ذلك النبي، وأمر بها في خطه، من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، وحينئذ يلزم مساواته له في النبوة، فلما بطل حمله له على ظاهره لزم تأويله، وعلم أن الله تعالى خص ذلك النبي ﵇ بالخط، وجعله علامة لما يأمره به وينهاه عنه، كما جعل لنوح ﵇ من فور التنور علامة الغرق لقومه، وفقد الحوت علامة لموسى على لقاء الخضر ﵇، وما في سورة الفتح علامة لنبينا ﷺ على حضور أجله، ومثله كثير) ١. فتبين من كلام هؤلاء العلماء أن الحديث يدل على تحريم العمل بعلم الخط، لا على جوازه، كما يدل على بطلان طريقة الناس في علم الرمل، وفسادها، وذلك لأن الإباحة في هذا العلم معلقة بشرط لا يتحقق، فأدى ذلك إلى عدم الإباحة، فإن ذلك النبي له خط مخصوص ليس كخط هؤلاء، أوحاه الله إليه، وهو مؤيد بالوحي فيما يذكره من المغيبات، ولا سبيل إلى العلم بموافقة ذلك الخط، لأن الموافقة تقتضي العلم به، والعلم يكون بأحد طريقين:

стр. 298

أحدهما: النص الصريح الصحيح في بيان كيفية هذا العلم. والثاني: النقل المتواتر من زمن ذلك النبي إلى زمن النبي ﷺ ، وكلا الأمرين منتفٍ. فدل ذلك على بطلان ما عليه الناس من الخط على الرمل بعد ذلك النبي، وينبغي أن يعلم في هذا المقام أن الأنبياء لا يدعون علم الغيب، ولا يخبرون الناس أنهم يعلمون الغيب، وما أخبروا الناس به من الغيب إنما هو من إيحاء الله إليهم فلا ينسبونه إلى أنفسهم، كما قال الله تعالى: ١، لأن الغيب مما اختص الله بعلمه، فلا يدعيه أحد لنفسه إلا كان مدعياً لبعض خصائص الربوبية، وهذا ما يفعله أرباب هذه الصناعة، فظهر بهذا دجل هؤلاء في دعوى أن هذا النبي الكريم معلم لهم. واستدلوا أيضاً على جواز هذا العلم بقوله تعالى: ٢. وقالوا: حكى عن تفسير بعضهم بأنه علم الرمل٣. والجواب عن هذا الاستدلال أن الصحيح من تفسير هذه الآية أنها بمعنى (أو علم تؤثرونه عن أحد ممن قبلكم) وهذا ما ذهب إليه كثير من المفسرين كابن عباس ومجاهد وأبو بكر بن عياش٤، وابن جرير الطبري

стр. 299

وابن كثير وغيرهم١، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد والطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس، قال سفيان: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ : "أو أثاره من علم" قال: الخط٢. قال ابن جرير الطبري بعد سرد أقوال المفسرين: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الإثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب ... وإذا وجه ذلك إلى ما قلنا فيه ممن أنه بقية من علم، جاز أن تكون تلك البقية من علم الخط، ومن علم استثير من كتب الأولين، ومن خاصة علم كانوا أوثروا به، وقد روي عن النبي ﷺ في ذلك خبر بأنه تأوله أنه بمعنى الخط ... فتأويل الكلام إذن: ائتوني أيها القوم بكتاب من قبل هذا الكتاب تحقيق ما سألتكم تحقيقه من الحجة على دعواكم ما تدعون لآلهتكم، أو ببقية من علم يوصل بها إلى علم صحة ما تقولون) ٣. أما القول بأن المراد بها علم الرمل فهو تفسير مروي عن بعض السلف كابن عباس وأبي بكر بن عياش، قال ابن عباس في ذلك: خط كان يخطه العرب في الأرض، وقال ابن عياش: هو العيافة٤.

стр. 300

وعلى هذا التفسير ليس في الآية دليل على جواز العمل بهذا العلم بل فيه بيان عجز المشركين، حيث إنهم لو سلكوا مسالك الأدلة بأسرها العقلية والنقلية، وعلى الخط الذي يدينون به- لأنهم أهل كهانة وزجر وعيافة- ما استطاعوا أن يثبتوا أن لآلهتهم الباطلة حق في العبادة١. قال القرطبي ﵀ في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢: فيه بيان مسالك الأدلة بأسرها، فأولها المعقول، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وهو احتجاج بدليل العقل في أن الجماد لا يصح أن يدعى من دون الله، فإنه لا يضر ولا ينفع، ثم قال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ فيه بيان أدلة السمع ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ ٣. وقال ابن كثير ﵀: "أي لا دليل لكم لا نقلياً ولا عقلياً على ذلك"، ولهذا قرأ آخرون: "أو أثرة من علم" أي أو علم صحيح تؤثرونه عن أحد ممن قبلكم) ٤. ومما يدخل في علم الرمل، ويأخذ حكمه علم الأسارير وهو علم باحث عن الاستدلال بالخطوط الموجودة في الأكف والأقدام والجباه بحسب التقاطع والتباين والطول والعرض والقصر، وبحسب ما بينها من الفروج المتسعة، أو المتضايقة على أحوال الإنسان من طول الأعمار

стр. 301

وقصرها، والسعادة والشقاوة، والغنى والفقر، وما شابه ذلك١. ويلحق به أيضاً ما يسمى بقراءة الفنجان، قال الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: (وقد ظهر من أقواله ﷺ ، ومن تقريرات الأئمة من العلماء، وفقهاء هذه الأمة، أن علم النجوم، والخط على الرمل، وما يسمى بالطالع، وقراءة الكف، وقراءة الفنجان ومعرفة الخط، وما أشبه ذلك كلها من علوم الجاهلية، ومن الشرك الذي حرمه الله ورسوله، ومن أعمالهم التي جاء الإسلام بإبطالها، والتحذير من فعلها، أو إتيان من يتعاطاها وسؤاله عن شيء منها، أو تصديقه فيما يخبر به من ذلك، لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به) ٢.

стр. 302

الفصل الثاني: أمور ليست من التنجيم، وقد يظن أنها منه المبحث الأول: توقع حدوث الكسوف والخسوف ... المبحث الأول: توقع حدوث الكسوف والخسوف لمعرفة هذا المبحث أهمية كبيرة في التفريق بين ما يكون علماً قائماً على أصول مدروسة ثابتة، وبين ما يكون مجرد أوهام وظنون كاذبة. ولهذا التفريق أهمية في معرفة الحق من الباطل، وخصوصاً إذا علمنا أن فريقاً من المنجمين يموهون على الجهال بأمر الكسوف والخسوف، ويخبرونهم بوقته، فإذا رأوا صدقهم في هذا ظنوا أن قضاياهم وأحكامهم النجومية من السعد والنحس، والظفر والغلبة، وما شابه ذلك من جنس توقع الكسوف، فيصدقونهم بكل ما يخبرون به، ولم يعلم هؤلاء أن الإخبار عن هذا يختلف عن الإخبار عن الآخر، وأن الكسوف يعلم بحساب سير النيرين في منازلهما، فمن علم حساب ذلك علم وقت الكسوف ودوامه ومقداره وسببه، بخلاف الإخبار عن السعود والنحوس فكله حدس وتخمين١. والكسوف مأخوذ من كسف الشمس والقمر، بفتح الكاف، وكسفا بضمها وانكسفا، وخسفا، وانخسفا بمعنى، وقيل: كسفت الشمس بالكاف، وخسف القمر بالخاء٢. وجمهور أهل العلم على أن الكسوف والخسوف يكون لذهاب ضوئهما كله، ويكون لذهاب بعضه٣.

стр. 303

ولهاتين الحادثتين سببان: سبب كوني، وسبب شرعي. أما السبب الكوني لكسوف الشمس فهو توسط القمر بين جرم الشمس وبين أبصارنا، إذ إن القمر جسم كثيف مظلم يستمد ضوءه من الشمس فإذا وقع بين أبصارنا وبين ضوء الشمس حجب نور الشمس عنا، ويحدث ذلك عند تقاطع مدار القمر مع دائرة البروج، فتتولد عقدتان حينئذ، فإذا كان القمر باتجاه إحدى العقدتين أو قريباً من أحدهما، وكان محدباً لموضع الشمس من البرج والدرجة – ولا يكون ذلك إلا في آخر الشهر، لأنه الوقت الذي يكون القمر فيه محاذياً للشمس –وقع القمر بين الشمس والأرض، فحال بيننا وبين نور الشمس، فتكون الشمس منكسفة حينئذ١. وأما سبب خسوف القمر الكوني فهو توسط الأرض بينه وبين الشمس حتى يصير القمر ممنوعاً من اكتساب النور من الشمس، ويبقى ظلام ظل الأرض في ممره٢. وللكسوف والخسوف أوقات معلومة مقدمة بالحساب، كما أن للهلال وقتاً مقدراً يظهر فيه، وكما أن لليل والنهار، والشتاء، والصيف، وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر وقتاً مقدراً كذلك٣. فالكسوف لا يكون إلا في آخر الشهر ليالي الإسرار، والخسوف

стр. 304

لا يكون إلا في وسط الشهر ليالي الإبدار. ووقت إبدار القمر في ليالي الأيام البيض ليلة الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فالقمر لا يخسف إلى في هذه الليالي. والهلال يستسر آخر الشهر إما ليلة أو ليلتين كما يستسر ليلة تسع وعشرين وثلاثين، والشمس لا تكسف إلى وقت استسراره١. وحتى يمكن معرفة وقت الكسوفين بالتحديد لا بد من معرفة حساب المثلثات الذي يستخرج به مسائل علم الفلك الكروي، وبه يعرف كون القمر في إحدى تقاطع المدارين أو قريباً منها٢، ومن الأدلة على أن جريان الشمس والقمر يدرك بالحساب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٥. والسبب الثاني ف بحادثتي الكسوف والخسوف هو السبب الشرعي، وهو أنهما سبب لنزول عذاب بالناس فيلتجئ الناس إلى ربهم بالصلاة

стр. 305

والدعاء لدفع موجب الكسوفين، ويدل على ذلك: ما رواه البخاري عن أبي بكرة١ ﵁ قالك قال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم" ٢. وما رواه البخاري أيضاً عن ابن عمر ﵄ أنه كان يخبر عن النبي ﷺ : "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا" ٣. وما رواه البخاري أيضاً عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله" ٤. وما رواه البخاري أيضاً عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يخوف بهما عباده" ٥. فالله سبحانه إنما يخوف عباده بما يخوفونه إذا عصوه، وإنما يخاف

стр. 306

الناس مما يضرهم، فلولا إمكان صول الضرر بالناس عند الكسوفين ما كان ذلك تخويفاً١ كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً﴾ ٢، لهذا أمر النبي ﷺ عند حدوث أحد الكسوفين بالفزع إلى ذكر الله والصلاة والدعاء والصدقة وغيرها من الطاعات، لأن هذه الأشياء تدفع موجب الكسوف الذي جعله الله سبباً لما جعله، فلولا انعقاد سبب التخويف لما أمر بدفع موجبه بهذه العبادات٣. فمن هذا يتبين أن الكسوفين قد يكونان سبباً لحلول عذاب أو نزول بلاء بالناس، ويقتصر أثر الكسوف على هذا لدلالة النصوص عليه، ولا ينبغي أن يتعدى إلى غير هذا الأثر، إذ إن الحديث ورد في إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الحوادث الأرضية. قال الخطابي ﵀: (كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما) ٤. ولا تعارض من كون الكسوف والخسوف آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده، ويبين أن يكون لهما وقت محدد يعرف بالحساب، لأمرين: الأمر الأول: أن الأحاديث الماضية ليس فيها إلا نفي تأثير الكسوف في الموت والحياة على أحد القولين، أو نفي تأثير النيرين بموت أحد أو

стр. 307

حياته على القول الآخر، وليس فيه تعرض لإبطال حساب الكسوف، ولا الإخبار بأنه الذي لا يعلمه إلا الله١. الأمر الثاني: أن الكسوف إذا كان له أجل مسمى لم يناف ذلك أن يكون عند أجله يجعله الله سبباً لما يقتضيه من عذاب وغيره لمن يعذب الله في ذلك الوقت، كما أن تعذيب الله لمن عذبه بالريح الشديدة الباردة –كقوم عاد- كان في آخر الشتاء٢. وما رواه البخاري ﵀ عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا رأى مخيلة٣ في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سري عنه٤ فعرفته عائشة فقال النبي ﷺ : "وما أدري لعله كما قال قوم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ... ﴾ الآية"٥. وكذلك الأوقات التي ينزل الله فيها الرحمة كالعشر الأواخر من رمضان والأولى من ذي الحجة، وكجوف الليل وغير ذلك، هي أوقات محددة لا تتقدم ولا تتأخر، وينزل فيها من الرحمة ما لا ينزل في غيرها٦. ولا يلزم ممن يخبر بالكسوف والخسوف أن يكون مصيباً في جميع

стр. 308

الأوقات، بل قد يخطئ في حسابه، ولا يلزم تصديقه على كل حال، كما قدمت الكلام عن هذا في فصل حكم تعلم علم الفلك. فمن هذا نجد أن الكسوف والخسوف ليالي معتادة جرت بها سنة الله الكونية من عرف جريان النيرين عرفها كما أن من علم كم مضى من الشهر علم أن الهلال يطلع في الليلة الفلانية، لكن العلم بالعادة في الهلال علم مشترك عام بين جميع الناس، أما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جريان النيرين، وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذب القائل لها أعظم من صدقه١ إلا أن بعض العلماء ذهب إلى تأديب من يخبر بذلك إذا كان إخباره يدخل الشك على العوام، ويشوش عقائدهم، ويزلزل قواعدهم في اليقين٢.

стр. 309

المبحث الثاني: توقع حالة الجو للمنجمين طريقة في الإخبار عن حالة الجو تختلف عن طريق علماء الأرصاد الجوية، وهي أنهم قسموا البروج إلى هوائية، وترابية، ومائية، ونارية، ويحدد المنجم حالة الجو بحسب وقوع النجم الطالع في أحد أنواع هذه البروج الأربعة ومناظرة الكواكب له مناظرة معينة زعموا أن وقوع الطالع في برج هوائي مثلاً يدل على الرياح ونحو ذلك، وفي المائي على الرطوبة والأمطار ونحو ذلك ... وهكذا١. وهذا ليس من جنس الاستدلال من انتقال الشمس في البروج الفلكية على الفصول الأربعة وعلى أوقات الحر والبر والأمطار والرياح –كما يفعله العرب- الذي يدخل في علم التسيير الذي قدمت القول بجوازه في فصل حكم تعلم علم الفلك، بل هذا يعتمد على الوهم والظن والكذب، فمن أين لهم تقسيم البروج إلى هذه الأقسام الأربعة؟ بالإضافة إلى ذلك فهم يجزمون بنزول الأمطار، أو بمجيء ريح أو نحو ذلك، إذا استدلوا بترهاتهم هذه على شيء من ذلك. وتوقع حالة الجو –كما هو معروف اليوم- يجب أن يسلم من هذه الادعاءات، حتى يكون القول به جائزاً، إذ إن الله تعالى هو المتفرد بعلم الغيب والجزم بوقوع شيء غائب على سبيل التحقيق من ادعاء علم الغيب الذي نهى الله عنه، كما قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا

стр. 310

هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١. وما رواه البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحد ما يكون في غد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر" ٢. قال ابن العربي٣ ﵀: (من انتظر المطر من الأنواء على أنها فاعلة له دون الله فهو كافر، ومن اعتقد أنها فاعلة بما جعل الله فيها فهو أيضاً كافر، لأنه لا يصح أن يكون الخلق والأمر إلا الله، كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ٤، ومن انتظرها، وتوقع المطر منها على أنها عادة أجراها الله فلا شيء عليه فإن الله قد أجرى العوائد على السحاب والرياح والأمطار بمعاني تربت في الخلقة وجاء على نسق في العادة) ٥. وقال القرطبي ﵀: (قال علماؤنا: أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتاب الله، إلا من اصطفى من عباده فمن قال: إنه

стр. 311

ينزل الغيث غداً وجزم به فهو كافر، أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا) ١، فمن هذا يتضح أن من أخبر عن نزول المطر أنها غداً أو بعد غد أو نحو ذلك وجزم به فهو كافر، لادعائه لعلم استأثر الله به، أما إذا لم يجزم بذلك، وجعل هذا الحكم بحسب العادة والتجربة فلا يكفر ولا يفسق، بل يجوز ذلك، لأن الله تعالى أجرى العوائد، وجعل لبعض المغيبات علامات تدل عليها والذي يدل على جوازه ما يأتي: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ ٣، وقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٥. قال القرطبي ﵀: (أي: الرياح تبشر بالمطر) ٦. وقال ابن كثير ﵀: (يذكر تعالى نعمه على خلقه في إرسال الرياح

стр. 312

مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها) ١. فمن هذا يتضح أن هذه الآيات تدل على جواز توقع حالة الجو من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أالذي تحصل له البشرى بالمطر يكون عالماً بأنواع الرياح، فليس كل نوع منها يكون مبشراً بالمطر. الوجه الثاني: أن الله تعالى جعل هذا النوع من الرياح علامة على المطر، وأرشدنا إلى ذلك. وما رواه البيهقي ﵀ وغيره عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال للعباس بن عبد المطلب ﵁ حين استسقى به: يا عم رسول الله ﷺ : كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعاً بعد سقوطها، فما مضت سابعة حتى مطروا، فقال عمر: الحمد لله هذا بفضل الله ورحمته٢. قال القرطبي رحمه الله تعالى: (وكأن عمر ﵁ قد علم أن نوء الثريا وقت يرجى فيه المطر ويؤمل٣ فسأله عنه: أخرج أم بقيت منه بقية؟) ٤.

стр. 313

والعرب قديماً كانوا يستدلون على الأمطار بعلامات معروفه عندهم بحسب ما اعتادوا من ذلك. منها: أنهم كانوا يستدلون على المطر بعلامات فيه، كأن يكون السحاب ناشئاً من العين، والعين ناحية القبلة١. أو تشتد الحمرة جداً في السحاب المخيل المتكاثف٢. وكذلك إذا كان السحاب أبيض يبرق بضوء قالوا: إن ذلك دليل على مائة، وإذا كانت السحاب نمرة فهي مخيلة للمطر، والنمرة التي ترى سحابها صفاراً ينأى بعضه من بعض، وإذا كان السحاب بطيئاً في سيره استدلوا به على كثرة مائة٣. كما عرف العرب الرياح وأماكن مهابها واتجاهاتها، والتي تسوق السحاب، والتي تفرقه بحسب ما اعتادوا، وقسموا أمهات الريا إلى أربعة أقسام: الشمال، والجنوب، والصبا، والدبور. الشمال مهبها من كرسي بنات نعش٤ إلى مغرب الشمس صيفاً أي من جهة الشمال، وكانت العرب تكرهها لبردها، ولعدم نزول الأمطار في أوقاتها، والجنوب مهبها من مطلع سهيل٥ إلى مطلع الشمس شتاء أي من جهة الجنوب، والصبا مهبها من مطلع الشمس إلى مطلع العيوق أي من جهة المشرق، والسحاب، ويجيء فيها المطر عادة، وأما الدبور فمهبها

стр. 314

من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل أي من ناحية الغرب١ وتفصيل ذلك مبسوط في كتب الأنواء، ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد، والمقصود هنا أن العرب عرفوا ذلك بحسب ما اعتادوا من أحوالها. أما في العصر الحاضر فاختلفت العلامات التي يعتمد عليها أرباب الأرصاد في الإخبار عن حالة الجو. فأصبحت أخبارهم مبنية على مقدمات حسية تصل إليهم من المناطق المجاورة لهم، بالإضافة إلى نظريات فيزيائية وحسابية يعتمدون عليها، ويستطيعون من خلالها توقع حالة الجو خلال مدة زمنية بسيطة قادمة. يقول الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: (وأما الإخبار عما يسمى "بالطقس" أحوال الجو من أمطار، أو رياح أو غيوم أو صحو أو غير ذلك، فخي توقعات مبنية على مقدمات مستفادة من مراصد الأحوال الجوية التي تتأثر بالرطوبة واليبوسة ونحو ذلك، ولهذا كثيراً ما يكون الأمر على خلاف ما قالوا) ٢. وطريقتهم باختصار في توقع أحوال جو منطقة ما، خلال يوم قادم أو يومين، تقوم على دراسة خريطة شاملة لجميع أحوال جو منطقة كبيرة محيطة بهذه المنطقة، ويرتبط حجمها بالفترة الزمنية التي يتناولها الرصد الجوي، ويتعين في هذه الخريطة الكتل الهوائية المختلفة، والجبهات الهوائية، وترتيب ووضع وخواص حركة الرياح وتحديد نسبة وكثافة السحب المنتشرة، وتوزيع درجات الحرارة، ومناطق الانخفاضات

стр. 315

والارتفاعات الجوية، وبقية المعلومات الجوية الأخرى المتعلقة بظروف الدورة الهوائية١. ولهذا الغرض تقوم شبكة من محطات الأرصاد الجوية المنتشرة على مدى مساة شاسعة ومحدودة بمراقبة الأوضاع الجوية، مرسلة المعلومات والنتائج بشكل دوري منتظم عبر وسائل حديثة، وأجهزة مختصة إلى مراكز بث النشرات الجوية، ثم تعمل هذه المراكز على توحيد التقارير واختزالها إلى رسائل جماعية تبث حسب البرامج المقررة، وتتلقاها مراكز توقع الجو في كافة أنحاء العالم٢. وتتكون معرفة أحوال الجو في المناطق المحيطة بمعرفة خواص الظروف الجوية –آنفة الذكر- ومقدارها واتجاهاتها. فمن خواص الظروف الجوية-مثلاً- الكتلة الهوائية وهي ما تشابه من الهواء المنتشر على مدى مساحة شاسعة في الخواص والمميزات٣. وتعرف خواصها وسماتها من مكوثها لبضعة أيام فوق منطقة ذات صفات مناخية معينة، مثل الصحراء أو المحيط المداري أو المناطق القطبية، وتسمى بالمنطقة المصدر، وتغادر الكتلة الهوائية هذه المنطقة وهي تحمل صفات مناخها تقريباً إلى المنطقة التي ستحط رحالها فيها. وانطلاقاً من خطوط العرض الخاصة بالمنطقة يمكن وصف الكتلة الهوائية بالاستوائية أو المدارية أو القطبية الشمالية أو القطبية ولكل نوع

стр. 316

من أنواع هذه الكتب مميزات نختلف عن الأخرى، فالكتلة الهوائية القطبية –مثلاً- تتميز بالبرودة في الصيف، والبرودة في الشتاء.. وهكذا، وتتأثر هذه الكتل بالمناطق التي تمر عليها، وبحسب هذه المنطقة تتغير بعض مميزات هذه الكتلة الهوائية، فالكتلة الهوائية الشمالية –مثلاً- إذا وصلت أوروبا الغربية من الجهة الشمالية تصبح مضطربة وغير مستقرة، وذلك لمرورها فوق البحر الدافيء نسبياًّ، فتتسم عندئذ بالأمطار وبالشتاء المثلج، أما إذا اتبعت ممراً فوق روسيا فإنها تصبح جافة وفي الشتاء قاسية البرد١. وبعد جمع هذه المعلومات من مراكز النشرات الجوية ووضع تقديرات لكيفية احتمال تحركها، وموها طيلة الفترة التي يلحقها التوقع بالحالة الجوية، يقوم المسئول عن توقع أحوال الجو بتعيين حالة الجو بعوارضه من أمطار، وضباب، وغيوم، وجليد، وما شابه ذلك، وربطها بأنظمة مسلسل الخرائط الشاملة، ويتولى المسبار اللاسلكي٢ مهمة القيام بتقديم المعلومات حول درجة الحرارة والرطوبة في الهواء، وقبل أن يقوم المتوقع لحالة الجو بهذه العملية يجب عليه أن يأخذ بعين الاعتبار أموراً تساعده على القيام بمهمته، منها معرفة الرطوبة في الجو، وهو مهم لتوقع هطول الأمطار المقبلة إذ إن المحتوى الكافي من النداوة في الهواء٣ دليل على نزول الأمطار في العادة.

стр. 317

كما أن لمعرفة الضغط أهمية في معرفة اتجاه الرياح، فالرياح تكون متجهة عادة نحو الضغط الأكثر انخفاضات١. ويجب عليه أيضاً دراسة أشكال الغيوم، فلكل شكل من أشكاله دلالة على طقس معين٢ وغير هذه الأمور. والتوقع بحالة الجو ليس بالأمر المؤكد الذي لا يطرأ عليه الخطأ، بل هو توقع قائم على دراسات سابقة قد يثيب وقد يخطئ، كتوقع السائق إذا سار بمركوبة من منطقة إلى أخرى أنه سيصل في الساعة الفلانية بناء على دراسة سابقة لمسافة الطريق، ولمتوسط سرعته، ولما سيقابله ... وهكذا. فهذا التوقع قد يصيب في توقعه، وقد يجد ما يعيقه عن الوصول، لذلك نجد بعض علمائهم يصرح بأن هذه التوقعات قائمة على دراسات وحسابات خاصة قد تصيب وقد تخطيء. يقول صاحب كتاب علم المناخ: (يجب أن لا ننسى أن الظروف المحلية التي تعترض مسير المنخفضات ... قد تؤثر لحد بعيد على الطريق الذي تسلكه هذه المنخفضات وعلى تطورها، ولهذا نلاحظ أن المعلومات القائمة على دراسة الطقس في مكان واحد لا يمكن أن يكون لها أكثر من قيمة محدودة جداًّ، والتنبؤ٣ عن الطقس بالنسبة لمدى بعيد ليس له اليوم إلا صفة غامضة غير مؤكدة) ٤.

стр. 318

ويقول صاحب كتاب الطقس والمناخ والأرصاد الجوية: (وتعتبر عملية التنبؤ الجوي من المسائل المعقدة التي تحتاج إلى تحليلات دقيقة لخرائط الأنواء، وخبرة علمية واسعة في هذا المضمار، بالرغم من بساطة وسهولة بعض الظواهر الجوية المرصدة، وعلى ذلك فقد تظهر بعض الأخطاء الطفيفة في عملية التنبؤ عن حالة الجو القادمة، وقد تظهر أحياناً أخطاء كبيرة خلال التنبؤ الجوي للفترات القصيرة القادمة) ١.

стр. 319

الخاتمة: وبعد أن سهل الله علي تمام المبحث أحمد الله أولاً وآخراً على ذلك. وأسأله العفو والمغفرة إن حصل مني خطأ أو تقصير، وألخص أهم النتائج التي توصلت ليها من خلال كتابتي لهذا البحث فيما يلي: ١- أن صناعة التنجيم تتضمن معرفة أحكام النجوم وتأثيراتها في حوادث العالم السفلي كما يزعمون المنجمون. ٢- أن اعتقاد أن السعود والنحوس والخير والشر من الكواكب من أعظم الأسباب المفضية إلى عبادتها، واتخاذها أرباباً من دون الله. ٣- أن إبراهيم ﵇ كان مناظراً لقومه، محتجاً عليهم، مستدلاً بالأدلة العقلية على فساد عبادتها في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً﴾ ١، ولم يكن يعتقد أنها رب كما يزعم الزاعمون. ٤- أن معنى قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ... ﴾ ٢ تفكر إبراهيم ليدبر حجة، ولم يكن اعتقاداً من إبراهيم ﵇ بصناعة التنجيم. ٥- أن ادعاء أن علم أحكام النجوم المزعوم من علوم الأنبياء ادعاء باطل لا يقوم على دليل، وكل من ادعى ذلك تناقض مع نفسه. ٦- أن التنجيم انتشر بين المسلمين لما فتح بعض الخلفاء العباسيين باب ترجمة تكتب الفلاسفة، فدخل التنجيم على أيدي طوائف متعددة من أعداء الإسلام.

стр. 320

٧- أن الرافضة شاركوا في نشر التنجيم بجميع الوسائل، وتنوعت أساليبهم في غرس هذه العقيدة في قلوب الناس. ٨- أن التنجيم في العصر الحاضر اتخذ وسائل متنوعة وأشكالاً مختلفة ساعدت على انتشاره بين الناس، وأرباب هذه الصناعة اليوم يسلكون طريق التمويه والخداع حتى يتمكنوا من ابتزاز أموال الناس بالباطل. ٩- أن انتشار مثل هذه الصناعة في أوساط الناس دال على سخافة عقولهم وسوء معتقدهم، إذ إنهم يروجون لصدق المنجم وإن لم يكن صدقه إلا مرة، ويتغاضون عن كذبه وإن بلغ آلاف المرات. ١٠- أن صناعة التنجيم صناعة باطلة قائمة على الحدس والتخمين، بشهادة كبار المنجمين على ذلك، وبحكم بعضهم على بعض بفساد الصناعة، وبظهور كذبهم في كل ما يجمعون عليه بظهور خلافه، وبالأدلة الأخرى الدالة على فساد هذه الصناعة. ١١- أن موافقة خبر المنجم للواقع أحياناً ليس لكون الكواكب تدل على ذلك. وإنما هو لأحد أمور خمسة: الأمر الأول: إخبار الشياطين لهم بذلك عن طريق السمع أو القرين. الأمر الثاني: موافقة أخبارهم قدراً قدره الله. الأمر الثالث: استغلال علم من العلوم الكونية أو الفلكية بتوقع حصول بعض الأمور، كالكسوف والخسوف ونحوها، والتلبيس به على كثير من العامة. الأمر الرابع: نقل بعض الأخبار الواردة في الكتب السابقة.
следующие страницы →