وطاعته واتباعه في كل ما أتى وأمر به، فما أثبته واجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، فروى البخاري من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى؟! قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" وروى أيضاً من حديث جابر بن عبد الله ﵄ يقول: جاءت الملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا ان لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان فقالوا مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبث داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا أولوها له يتيقنها قال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان قالوا فالدار الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد مفرق بين الناس أي مميز بين مؤمنهم وكافرهم. فأهل القبلة هم أهل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد لله وحده وترك جميع الآلهة سواء، وهذا هو تحقيق معنى لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإخلاصها له فمن استسلم وانقاد لله ولغيره في معناها فهو مشرك والله لا يغفر أن يشرك به، فلفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص أخذاً من قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فأهل القبلة هم العابدون الله بدين الحق المتبع لا بهوى النفوس والبدع.
стр. 107
التوحيد وما يتعلق به:
(فمن الأول) قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ يعني من الشرك وما سواه من الأديان فليس بدين الله المأمور به، بل هو عين ما نهى الله عنه قال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بمعناها وبحقوقها (ومن الثاني) اتخذوا من دونه شفعاء يعتقدون بهم ويتقربون بشفاعتهم كما قال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
стр. 108
زُلْفَى﴾ يعني ليشفعوا لنا إلى الله، وذلك التقريب هو الشفاعة في قول المفسرين، والزلفى القربى اسم أقيم مقام المصدر كأنه قال إلا لتقربنا إلى الله تقريباً (ومعنى العبادة) في اللغة: الذل والانقياد كما قال أهل المعاني (وأما معناها) حقيقة: فهي ما كان مختصاً لله لأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ولذلك توعد سبحانه هؤلاء الذين جعلوا حقه لغيره بقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني بين المتفرقين من أهل الأديان فيما هم فيه يختلفون من أمر الدين، كل يقول الحق ديني فهم مختلفون وحكم الله بينهم أن يخلد في النار من لم يتبع كتاب الله بل نبذه ورغب عنه باتباع هواه ولا يتدين بدين رسوله محمد ﷺ ثم أخبر تعالى أنه لا يهديهم إلى طريق النجاة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ في زعمه ان معتقده يشفع له، كفار في اتخاذه أولياء من دون الله أو معه ليشفعوا له ويقربوه، فالدين المأمور بالإقامة عليه واحد وهو دين الإسلام الذي بعث الله محمداً ﷺ وجملة من الأنبياء لم يختلفوا في أصله كما قال النبي ﷺ فيما صح عنه: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد الأنبياء أخوة العلات" وإنما تنوعت شرائعهم فيه كتنويع القبلة في وقتين فإنه قد كان في وقت يجب استقبال الصخرة التي في بيت المقدس في الصلاة وذلك بعد هجرته ﷺ فصلى إليها بضعة عشر شهراً ثم بعد ذلك وجب استقبال الكعبة، فهذا التنوع الذي كان بين الأنبياء لا يوجب اختلاف الملة، وإنما يوجبه من لم يفرق بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان قال : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي هذه ملتكم دينكم الإسلام ملة واحدة فلا تتفرقوا عنها، وأنا ربكم أي معبودكم الذي خلقتكم وأمرتكم بعبادتي وإخلاصها لي وحدي، فاتقون لا تشركوا بي شيئاً بل احذروا عقابي، خطاب لهم وقصد لغيرهم وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
стр. 109
فَرِحُونَ﴾ فأهل القبلة لله مخلصون وفي الدين متفقون، وأهل الإشراك عن الحق معرضون وهم متفرقون قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ولذلك خلقهم فأهل الرحمة هم أهل القبلة لأنهم فيما شرع الله متفقون، وفيه مجتمعون وعليه واقفون وبه آخذون، فهم فيما أمرهم الله ورسوله به عاملون، وعلى ما يرضى الله ورسوله مقتصرون، وعما لم يشرعه الله متحادون.
وأما من نبذ القرآن وراءه فلم يعمل بما أنزل لأجله فليس من أهل القبلة بل من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون وان تلاه بلسانه تلاوة وهو يتدين بشرك كما يتدين به الأولون وتنسك به المتحادون، ومجرد تلاوة القرآن بلا عمل فيما هو الموجب لإنزاله من التوحيد لإله كل العبيد وانحاز عن منافيه من الشرك الذي لا يغفره إلا بالتوبة منه والتجريد لا تخرجه تلك التلاوة عن ملة الأولين قال : ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ ولهذا يوجد ما أحدث من الشرك والبدع قد تفرق فيه أهله فكان لكل قوم منهم معتقد يعتقدون فيه دفع الضر وجلب الخير يهتفون باسمه عند نزول الشدة نائياً كان المعتقد أو ميتاً، فكل منهم يدعو معتقده ليكشف عنه شدته ويفرج كربته ويجلي غمه، فالموحدون لله وحده لا شريك له العاكفون على توحيده من إخلاص الدعوة له هم أهل القبلة قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ وضدهم هؤلاء المشركون العاكفون على ما يرجونه ويخافونه من دون الله ويتخذونه من تلك المعتقدات في الأحياء الغائبين والأموات يشركون به في عبادة الله ومعاملته فيرجونه يفرج كربتهم ويكشف شدتهم راغبين راهبين منيبين إليه متوكلين عليه أو ليكن شافعاً لهم عند الله في قضاء مطالبهم، فقد عطلوا توحيد الله ﵎ في ألوهيته وصمديته بإشراكهم معه في عبادته ومعاملته وبجعلهم الدين لغيره، ونفي الصانع القادر لم يقل به أحد من المشركين الذين كفرهم رسول الله ﷺ وقاتلهم، فإن المشركين الأولين لم يكن أحد منهم يقول ان العالم له خالقان بل ولا يقولون إن الله له إله يساويه في صفاته هذا لم يقله أحد من المشركين بل كانوا مقرين بأن خالق السموات والأرض واحد كما أخبر الله عنهم في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ
стр. 110
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ وكانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، كما يقول هؤلاء المشركون الذين لمشاكليهم مقتفون إن هؤلاء الذين اعتقدناهم ودعوناهم ورجوناهم هم وسائلنا ووسائطنا إلى الله فإنه فوض إليهم وأعطاهم فلهم ما يشاؤن ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومنهم من يصرح بقوله وهم في الكون يتصرفون فوبخهم الله تعالى وذمهم ولامهم وضرب لهم الأمثال في ذلك فقال عز من قائل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية ولكن تتأله قلوبهم وألسنتهم إما نبياً أو ولياً أو ملكاً أو غيرهم مما يصورونه على صورة أحد هؤلاء يتخذونه واسطة تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فقد قطع الله تعالى بهذه الآيات جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعاً قطعاً يعلم من تأمله ويحقق من تدبره أن من اتخذ من دون الله ولياً أو شفيعاً فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وان أوهن البيوت لبيت العنكبوت، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فمن استمسك بغير الله في حال شدته وكربه وغمه فدعاه ورجاه بما لا يقدر عليه إلا الله فليس في يده ممن استمسك به سواه تعالى إلا كمن يستمسك ببيت العنكبوت فإنه لا يجدي عنه شيئاً، فلو علم المستمسك هذا الحال لما اتخذ من دون الله ولياً ولا شفيعاً، وهذا بخلاف أهل القبلة فإنهم لله مخلصون وله في العمل مستسلمون ومحسنون وفي إتباع ما جاء من الله على لسان رسوله منقادون وبالله معتصمون وبالعروة الوثقى مستمسكون وهي العقد الوثيق المحكم في الدين التي لا انفصام لها لقوتها وثباتها
стр. 111
وهي الكلمة الطيبة لا إله إلا الله قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ والطاغوت كل باطل ليس من الدين وكل ما طغى من شيطان جني أو أنسي وكل عبادة ليست لله فهي باطلة، فالمشرك إنما يتخذ أحداً غير الله لما يحصل له في زعمه من النفع وهو لا يكون إلا فيمن كانت فيه خصلة من أربع: إما أن يكون مالكاً لما يريد متخذه، فإن لم يكن مالكاً كان معيناً، فإن لم يكن كان ظهيراً، فإن لم يكن كان شفيعاً، فنفى هذه المراتب الأربع نفياً مرتباً منتقلاً من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك عن غيره والشركة والمظاهرة والشفاعة التي لأجلها وقعت المخالفة والعداوة والمخاصمة، وأثبت سبحانه شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه لمن رضي عنه في قوله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ الآية وإنما ذكر ذلك تعالى لأنهم دعوا الملائكة دعاء عبادة لشفاعتهم لهم، قاله المفسرون فكفى بهذه الآية نوراً وبرهاناً ونجاة وتجريداً للتوحيد وقطعاً لأصول الشرك، وكافية لمن عقلها على أن القرآن مملوء بأمثالها ونظائرها، ولكن الغفلة والجهل هما المؤديان إلى فهم قصور العام على السبب، فالأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية والشرك، ولم يميز بين ما عابه القرآن وذمه، وبين ما أنزل لأجله ودعا إليه، فَصَوَّب المستقبح وحَسنَّه، وهو لا يعرف حقيقة وصفه. وإنه الذي كان عليه الجاهلية أو نظيره أو أسوأ منه أو دونه فتنقض عرى الإسلام بذلك ويعود المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وهذا بعينه مشاهد، فإنه قد آل الأمر إلى الشك بالشرك والتدين به في اتخاذ الوسائل والوسائط من الأولياء والأنبياء بل والشياطين من الجن والإنس المعاندين والأشجار والنيران والقبور يدعونهم ويرجونهم ويتوكلون عليهم وينسكون النسك لهم راغبين إليهم راهبين منهم ويستدلون على جواز ما اعتقدوه وفعلوه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وإلى فعل الولايات لقبض النذور على الأموات لدفع ما حل من البلايا والمصيبات، ويجعل للقادمين إلى محل الميت الضيافات، وتنحر في باب قبته النحائر من الأنعام للتقرب إليه ورجاء ما لديه، فهذا بعينه هو الذي كان عليه
стр. 112
عباد الأصنام. وقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا عقر في الإسلام" قال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة.
فكل ما تقدم مما ذكرنا داخل في معنى لا إله إلا الله التي أمرنا النبي ﷺ بمجاهدة الخلق وقتالهم حتى يقولوها ويتركوا المنافي لها من الإشراك بالله قولاً وعملاً واعتقاداً. وأما حقها فقد جعل أبو بكر الصديق ﵁ فعل الصلاة وإيتاء الزكاة منه، ومن العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج. واستدلوا بحديث جبريل حين سأل النبي ﷺ عن الإسلام فعد منه هذين الركنين فمن لم يقوّمهما مع القدرة عليهما لم يأت بالإسلام، إذ أركانه لا يقوم بعضها ولا ينوب عن بعض. واستدلوا أيضاً بحديث أبي بكر حين بعث خالد بن الوليد وأمره أن يقاتل الناس على خمس وبقول عمر لو ترك الناس الحج لقاتلناهم عليه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ دعا علياً يوم حنين فأعطاه الراية وقال: "أسر ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك" فسار على ما شاء الله ثم وقف فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس فقال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وفي رواية "إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " فجعل من حقها الامتناع من الصلاة والزكاة مع الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة ﵃. ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من اقام الصلاة وإيتاء الزكاة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وقد ثبت أن النبي ﷺ كان إذا غزا لم يفر حتى يصبح فإن سمع مؤذناً وإلا أغار عليهم. وكان يوصي سراياه إذا سمعتم مؤذناً أو رأيتم مسجداً فلا تقتلوا أحداً. قال العلماء: معنى ذلك والمقصود فيه إذا أظهر قوم توحيد الله والقيام بشرائعه وجب الكف عنهم، لأن فعلهم ذلك دليل على إسلامهم. ثم إن أظهروا منكراً ينكره الشرع ولم ينتهوا عنه إلا بقتال فللإمام قتالهم كما لو تركوا فرض كفاية فيقاتلهم على تركه. ولذلك أنكر النبي ﷺ على أسامة بن زيد قتل الرجل
стр. 113
الذي أظهر الإسلام ظاناً أسامة أنه إنما قال الشهادتين والسلام خوفاً، وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ الآية فإنه لم يدع الإسلام قبل ذلك؛ ثم انه قد قاله وصدر منه بلا وجود مناف له لا في معناه ولا فيما هو حق له، ولهذا أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتثبت لذلك. وقد بعث النبي ﷺ كتاباً فيه: "من محمد النبي إلى أهل عمان - وكان بعضهم يدعي الإسلام- سلام عليكم أما بعد فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأدوا الزكاة وخطوا المساجد وإلا غزوتكم" أخرجه البزار والطبراني وغيرهما فهذا يدل على أنه كان يغير على الداخلين في الإسلام إذا لم يمتثلوا أمر الله ولم يقوموا بشرائعه فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وقوّموا الشرائع كف عنهم وإلا لم يمتنع عن قتالهم. وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر ﵄ كما في الصحيحين عن إلى هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر ﵁ كفر من كفر من العرب فقاتلهم على الإسلام وقاتل أناساً يدعون الإسلام قد امتنعوا من أداء الزكاة قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله " فقال أبو بكر ﵁: لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال فوالله لو منعوني عقالاً كان يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه، فقال له عمر ﵁: فوالله ما رأيت إلا أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. فأبو بكر رضى الله عنه أخذ قتالهم بقوله ﷺ : "إلا بحقه" فدل على أن قتال من أتى بالشهادتين ومنع حقهما جائز، ومن حقهما أداء حق المال الواجب، وعمر ﵁ ظن أن مجرد الإتيان بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا تمسكاً بعموم ألفاظ وردت وليست حال الأمر على ذلك، ثم ان عمر ﵁ رجع إلى موافقة أبي بكر ﵄. وقد خرج النسائي قصة توافق مناظرة أبي بكر وعمر بزيادة وهي أن أبا بكر قال لعمر ﵄: إنما قال رسول الله ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ليأتوا بذلك كله". وخرجه ابن خزيمة في صحيحه وإنما قال أبو بكر لأقاتلن من فرق بين
стр. 114
الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، أخذاً والله أعلم من قوله إلا بحقها وفي رواية إلا بحق الإسلام، فجعل من حق الإسلام فعل الصلاة وإيتاء الزكاة كما أن من حقه أن لارتكب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثنى من قوله إلا بحقها وقوله: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال يدل على ان من ترك الصلاة فإنه يقاتل لأنها حق البدن، فكذلك من ترك الزكاة فإنها حق المال، وهذا فيه إشارة إلى أن تارك الصلاة قتاله أمر مجمع عليه لأنه جعله أصلاً لقتال مانعي الزكاة مقيداً عليه وليس هو مذكوراً في الحديث الذي احتج به عمر، وإنما أخذه من قوله إلا بحقها فكذا الزكاة فإنها من حقها وكل ذلك من حقوق الإسلام، ويستدل أيضاً على قتال تاركي الصلاة بما في صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع" فقالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم قال: " لا ما صلوا" وحكم ترك سائر أركان الإسلام أو واحد منها أن يقاتلوا عليها كما يقاتلوا على ترك الصلاة والزكاة. فروى ابن شهاب عن حنظلة عن علي ابن الأشجع أن أبا بكر ﵁ بعث خالد بن الوليد ﵁ وأمره أن يقاتل الناس على خمس فمن ترك واحدة منهن فقاتله عليها كما تقاتل على الخمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام. قال سعيد بن جبير قال عمر بن الحطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه كما نقاتل على الصلاة والزكاة. فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات. وأما قتل الواحد الممتنع فأكثر العلماء على أنه يقتل الممتنع من الصلاة وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: (أن خالد بن الوليد استأذن رسول الله ﷺ في قتل رجل فقال: "لعله يكون مصلياً" فقال خالد: فكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق قلوبهم" وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عدي بن الخيار: (أن رجلاً من الأنصار حدثه أنه أتى النبي ﷺ فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال النبي ﷺ : "أليس يشهد أن لا إله إلا الله" قال: بلى ولا شهادة له قال: "أليس يصلي" قال: بلى ولا صلاة له قال: " أولئك الذين نهانا الله عز وجل
стр. 115
عن قتلهم"، فجعل النبي ﷺ المانع من قتله كونه يصلي فدل على أن من لم يصل يقتل، ولهذا قال في الحديث الآخر نهيت عن قتل المصلين فدل على أن غير المصلين لم ينهه الله عن قتلهم. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تارك الصلاة إذا كان واحداً يحبس حتى يموت وتقاتل الجماعة. وأما قتل الرجل الواحد الممتنع عن أداء الزكاة والصوم والحج مع القدرة فعن أحمد والشافعي ومالك أنه يقتل تارك الزكاة وهي الرواية المشهورة عنهم ويستدلون بحديث ابن عمر "أمرت أن أقاتل الناس" الحديث وأما الصوم فقال أحمد ومالك في رواية عنه: يقتل بتركه واستدلا بما روى ابن عباس ﵄ مرفوعاً: "أن من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصوم فهو كافر حلال الدم" قال الشافعي في رواية عنه وأحمد في الرواية الأخرى لا يقتل الواحد بل يؤدبه الإمام بالحبس والضرب على ما يرى حتى يصوم واستدلا بحديث ابن عمر ﵄ وغيره مما في معناه فإنه ليس فيه ذكر الصوم ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب الصوم لم يجيء فيه شيء، وهذا والله أعلم قبل أن يثبت عنده حديث ابن عباس فقد رواه ابن الجوزاء عن ابن عباس قال: ولا أحسبه إلا رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة وصوم شهر رمضان من ترك منهن واحدة فهو كافر حلال الدم" ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفاً مختصراً ورواه سعيد بن زيد أخو حماد عن ابن مالك بهذا الإسناد مرفوعاً وقال من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً وقد حل دمه وماله ولم يذكر ما بعده. وأما الحج إذا تركه رجل واحد مع القدرة عليه فعن أحمد في القتل بتركه روايتان، وحمل بعض أصحابه رواية قتله على من أخره عازماً على تركه بالكلية، أو أخره مع غلبة ظنه على موته في ذلك العام، فأما من أخره معتقداً أنه على التراخي كما يقوله بعض العلماء فلا قتل في ذلك وقد روي عن عمر ﵁ ضرب الجزية على من لم يحج، وقال ابن عيينة المرجئة يسمون ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم وان ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر دون الصيام والحج وقال: قد روي عن عمر ضرب الجزية على من لم يحج وقال ليسوا بمسلمين ولا إله إلا الله مفتاح الجنة وحقها أسنانه ولا مفتاح إلا بأسنان رواه البخاري عن وهب بن منبه ولفظه: (قال البخاري: قيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله
стр. 116
قال: بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح) .
(وأما استحلال) المحرمات المجمع على حرمتها أو بالعكس فهو كفر اعتقادي لأنه لا يجحد تحليل ما أحل الله ورسوله أو تحريم ما حرم الله ورسوله إلا معاند للإسلام ممتنع من التزام الأحكام غير قابل للكتاب والسنة وإجماع الأمة، وذلك كما لو جحد حل بهيمة الأنعام أو غيرها مما أحله الله في كتابه ورسوله أو في سنته مما لم يجر فيه اختلاف بين الأمة، بخلاف حل النبيذ ونحوه من المسائل الاجتهادية المختلف فيها بين العلماء فلا تكفير بذلك، أو جحد أمراً مجمعاً عليه قال بعضهم: إجماعاً قطعياً لا شبهة فيه ولا تأويل ولذلك لم يحكم كثير من الفقهاء بكفر ابن ملجم قاتل أفضل الخلق في وقته ولا بكفر مادحة عمران بن حطان حيث قال:
يا ضربة من تقى ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحسبه ... أوفى البربة عند الله ميزانا
وقدر عليه في ذلك فقيل:
يا ضربة من شقى لم يزل أبداً ... بها عليه إله الخلق غضبانا
إني لأعلم أن الله جاعله ... أوفى البرية عند الله خسرانا
وكذا قد اختلف العلماء في كفر الخوارج الذين قتلوا الموحدين وأخذوا أموالهم بالتأويل مثل قوم ذي الحويصرة التميمي فإن من الفقهاء من لم يحكم بكفرهم لادعائهم وتأويلهم في نصرة دين الله والاجتهاد فيه وفي إظهاره طالبين المصلحة في ذلك.
стр. 117
الاعتقاد المكفر أقسام:
(وأما قولكم ثم الكفر كفران كفر اعتقاد كفر عمل فكفر الاعتقاد حكمه قتل مرتكبه وسبي ذراريهم ونهب أموالهم وهؤلاء الذين بعث رسول الله ﷺ يدعوهم
стр. 118
إلى التوحيد ولا يدفع عنهم هذا الحكم ويعصمهم إلا الإقرار والاعتراف منهم بالشهادتين وبكل ما علم بالضرورة مجيئه ﷺ به) فنقول الاعتقاد المكفر أقسام (منها) قدم العالم وبقاؤه والشك في ذلك (ومنها) تناسخ الأرواح وانتقالها من شخص في شخص أبد الأبد (ومنها) إثبات شريعة غير الشريعة المحمدية وان للشريعة باطناً لا يعلمه العلماء ولها ظاهر وهي خيالات يقولون بها ويعملون (ومنها) ان ظواهر الشريعة وأكثرها ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون في الآخرة والحشر والقيامة والجنة والنار ليس منها شيء على مقتضى لفظها مفهوم خطابها وإنما خوطب بها الخلق على جهة المصلحة لهم إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم (ومنها) خلق القرآن (ومنها) التكذيب بالشفاعة التي أثبتها الله في كتابه والصراط والميزان (ومنها) خيانة الأمين جبريل ﵊ وأن المبعوث أولاً علي بن أبي طالب أو أن عائشة لم يبرئها الله (ومنها) مجالسة الله تعالى لبعض خلقه في الدنيا وحلوله في الأشخاص (ومنها) تجويز الكذب على الأنبياء أو تكذيبهم فيما أتوا به أو أنهم كتموا منه شيئاً (ومنها) القدح في كلام الله من كونه سحراً أو شعراً أو منسوخاً جملة (ومنها) نسبة الصاحبة والولد إليه (ومنها) اعتقاد الذين اتخذوا من دون الله أولياء لينصروهم ويشفعوا لهم ويقربوهم كالذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى والذين قال الله فيهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ الآية وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً﴾ الآيتين وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية وكل هذه الفرق من أصحاب الاعتقادات المتقدمة كفار بإجماع المسلمين والذين بعث رسول الله ﷺ فيهم يدعوهم إلى التوحيد فأبوا وامتنعوا فجاهدهم لكفرهم وعنادهم، وأنزل القرآن بسبب اعتقادهم لم يكونوا يعتقدوا١ في معتقداتهم كشف ضر أو جلب نفع بل إنما قصدهم رضا رب العالمين والقرب إليه والتحصيل
стр. 119
لما لديه. لكن ضرهم جهل لكيفية الموجبة لحسن الماهية التي يكون بها التعبد أجل مطلوب مقرباً إلى المحبوب قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وكانوا إذا جاءتهم الشدة أخلصوا الدين لله وحده قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ الآية والمتخذون ولياً ونصيراً من دون الله أو معه من أهل هذا الزمان اعتقادهم أسوأ وأشد جناية ممن نزل القرآن بسبب اعتقادهم وأمر الله نبيه ﷺ بجهادهم فان من تأمل أحوال هؤلاء المشركين الذين يرجون من معتقداتهم كشف الشدائد وتفريج الكربات ودفع المضار وقضاء المطالب والدعوات وتيسير الحاجات التي لا يقدر على كشفها وتفريجها ودفعها وجلبها إلا الله رب العالمين من سلامة غائب وعافية مريض ورزق وتحميل عقيم مع أحوال مشركي الأوّلين علم يقيناً ان بينهم مباينة كلية في اعتقاد الضر والنفع، ومجانسة حسية في انخاذ تلك المعتقدات للشفاعة وقضاء الحاجات، والأولون وان تفرق اعتقادهم وتنوع بما ينسبونه لله، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً أجناسهم فليس وجود هذه الأجناس من الخبائث المتقدمة وإجتماعها شرطاً في إثبات حكم الله ورسوله من القتل والسبي وخلود النار، هذا لم يقل به عالم من العلماء بل وجود واحد منها كاف، فإنه لم يقل أحد بأن الكفر الاعتقادي لا يحكم به على المعتقد إلا إن اعتقد إجتماع الصاحبة والولد مع وجود معين يعاونه وظهير يظاهره وشريك يستحق معه وشفيع عنده بلا إذنه. بل اتفق العلماء قاطبة على أنه لو وجدت من ذلك خصلة لكفت في الحكم عليه إلا أن الأولين اشد حذقهم ومعرفتهم معنى الإله وموضوعه فإنه عندهم، كل مألوه ومتأله أبت قلوبهم أن تنفر ما تألهته لتتقرب إلى الله وتنال بهم رضاه، ونفي الإله غير الله باللسان مع العكوف عليه في الاعتقاد والجنان يدعوه ويرجوه ويتوكل عليه ويقصده ليتقرب بشفاعته إليه لا يوجب نفيه حقيقة، والإيمان بالقرآن قول باللسان واليوم الآخر بالجنان، وفعل الصلاة والصوم وسائر الأعمال يشترط لصحتها وجود التوحيد والإسلام. والشرك الأكبر في القول والعقيدة منافياً
стр. 120
للشهادة برسالة المبعوث بالمحجة البيضاء والفرقان، وشهادة أن محمداً رسول الله لا تغني عن شهادة أن لا إله إلا الله، وهذه الشهادة لا تصح ولا تعصم مع التأله مع الله. فبهذا الاعتقاد حصلت الخاصمة والعداوة ولأجله حصل التمييز بين الفرقة الناجية والهالكة، وشرع الجهاد لدحضه مع سائر الفساد فيعبد الله وحده وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. ونحن لم نجاهد ونعاد ونوال إلا في ذلك، ولم يجر بيننا وبين الخلق اختلاف في سائر المحرمات ووجوب إزالتها في أصل الدين الذي هو منهاج المرسلين وصراط رب العالمين الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله فلا يكون لسواه ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، مع إزالة سائر الفساد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها استحلال ما حرم الله كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأكل مال اليتيم، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، أو إثبات ما نفى الله، أو نفي ما أثبت، أو تحريم ما أحل الله كالزينة التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وكعمل أهل الجاهلية من البحائر والسوائب معتقداً لحلها، قال عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : "لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح منه فلذلك مدح نفسه".
وكما يكون الكفر بالاعتقاد يكون أيضاً بالقول كسب الله أو رسوله أو دينه أو الاستهزاء به قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وبالفعل أيضاً كإلقاء المصحف في القاذورات والسجود لغير الله ونحوهما. وهذان وان وجدت فيهما العقيدة فالقول والفعل مغلبان عليها لظهورهما وإسلام أهل العقائد المكفرة والرجوع عنها والبراءة منها مع تجديد الشهادتين وإخلاص الألوهية لله وحده قولاً وعملاً واعتقاداً فلا يدين الله إلا بذلك ولا يرضى إلا به من نفسه وغيره مع الإيمان بجميع الرسل ومعجزاتهم وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة ونصحوا الأمة وأن محمداً ﷺ خاتمهم وأفضلهم مع الإيمان بما تضمنه قوله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية وكذا أولياء الله والترضي عنهم والإقرار بكراماتهم لا عبادتهم واتخاذهم في جلب النفع ودفع الضر اللذين لا يقدر على جلبهما ودفعهما إلا الله ﵎ ولا إثبات الشفاعة التي
стр. 121
نفاها الله في كتابه أو نفي ما أثبتها فيه، بل لابد من إثبات ما أثبته الله مها ونفي ما نفاه. وكذا المستحل لما حرم الله، والمحرم لما أحل، يحتاج مع الإتيان بالشهادتين إلى تحليل الحلال وتحريم الحرام، فيثبت ما أثبت الله وينفي ما نفاه، ومن حكم عليه بإسلام فسب الله أو رسوله أو دينه فهل تقبل توبته ظاهراً على قولين للعلماء. ففهم من قال تقبل توبته وهو أصح قولي الشافعي ومن وافقه، ومنهم من لا يقبلها وهي الرواية المشهورة عن أحمد، وكذا الخلاف فيمن تكررت ردته والزنديق وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، والكافر الأصلي تقبل توبته قولاً واحداً، وإذا لم يتب حكمه القتل وسبي الأهل والأولاد، والمرتد يستتاب على الأصح فإن تاب وإلا قتل، وما له فيء إلا في حالة الحرب، وإذن فيجب على الإمام قتالهم وغزوهم لفعل الصحابة ﵃، وما أخذ منهم في حالة الحرب فهو غنيمة وإذا علمت الدعوة فلا يلزم الإمام تجديدها قبل الغارة بجيشه لفعل النبي ﷺ وأصحابه من بعده.
стр. 122
تارك الصلاة كافر، وإقامة الدليل عليه:
(وأما قولكم وكفر العمل هو الكفر بإتيان الكبائر وارتكابها كما ورد في تارك الصلاة انه يكفر بتركه إياها أخرجه مسلم في صحيحه وعن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ : "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه أهل السنن وصححه الترمذي، ومن حديث بريدة بن الحصين الأسلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" أخرجه الطبراني وقال الإسناد صحيح على شرط مسلم، ومن حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة فإذا تركها فقد أشرك" وفي هذا الباب أحاديث كثيرة يسمي فيها رسول الله ﷺ تارك الصلاة عمداً كافراً) .
فنقول: أما الكبائر من الذنوب فقد تقدم كلامنا فيها ويأتي له إن شاء الله تتمة.
وأما الصلاة فهي لغة: الدعاء بخير قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِم﴾ أي ادع لهم
стр. 123
وعدي لتضمنه معنى الإنزال أي انزل رحمتك عليهم، وقال النبي ﷺ : " إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطراً فليطعم وإن كان صائماً فليصل" وشرعاً: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، ولا يرد عليه صلاة الأخرس ونحوه لأن الأقوال فيها مقدرة، والمقدر كالموجود، وهذا التعريف باعتبار الغالب فلا يرد صلاة الجنازة وسميت صلاة لاشتمالها على الدعاء، وقيل لأنها ثانية الشهادتين، كالمصلي من خيل الحلبة، واشتقاقها من الصلوين وأحدهما صلى كعصى وهما عرقان من جانبي الذنب، وقيل عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، وفرضت ليلة الإسراء. أخرجه الشيخان البخاري ومسلم من حديث أنس كانت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بسنة والأول هو المشهور عند الأكثر، وكان في رجب وقيل في رمضان والأول هو الصحيح، وترك الصلاة كفر عملي يشترك فيه عمل القلب والجوارح كالاستهانة بالمصحف وقتل الأنبياء لا ككفر سائر أعمال المعاصي التي لا تخرج عن الملة كما توهمه صاحب المقدمة لأن عمل القلب هو ومحبته وانقياده للأوامر باق على حاله وإنما غلب عليه إفراط الشهوة وران الغفلة ولعله أن يكون مستدلاً بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان منه من العمل" أخرجاه في الصحيحين وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال لمعاذ وهو رديفه على الرحل: " يا معاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً قال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اله وأن محمداً رسول الله إلا حرمه الله على النار" قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشرون قال: "إذاً يتكلوا " فأخبر بها معاذ عند موته. متفق على صحته. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قبله" رواه البخاري وعن أبي ذر أن النبي ﷺ قام بآية في القرآن يرددها حتى صلاة الغداة وقال: "دعوت لأمتي وأجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم تركوا الصلاة" فقال أبو ذر: أفلا أبشر الناس قال: "بلى" فانطلق فقال عمر: إنك ان تبعث إلى الناس يتكلوا عن العبادة فناداه أن ارجع فرجع" وبالآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ رواه
стр. 124
الإمام أحمد في مسنده، وفي المسند أيضاً من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً وديوان لا يترك منه شيئاً وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يعبأ به فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً القصاص لا محالة، وأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ " وفي المسند أيضاً عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" وفي المسند أيضاً من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوّع فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك" رواه أهل السنن وقال الترمذي: حديث حسن وبما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" وفي لفظ آخر: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " وفي الصحيح قصة عتبان بن مالك وفيها أن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله وفي حديث الشفاعة يقول الله : " وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله، وفيه فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط" وفي السنن والمسانيد قصة صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مدّ البصر ثم يخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فترجح سيئاته ولم يذكر في بطاقته غير الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم يخرج له صحائف حسناته فتوزن بسيئاته، ويكفي في هذا قوله فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط إذ لو كان كافراً لكان مخلداً في النار غير خارج منها، فظاهر هذه الأحاديث المنع من تكفير تاركها وتخليده في النار والوجوب له من الرجاء ما يرجى لسائر أهل الكبائر، ولأن الكفر جحود التوحيد والاستهزاء به ومعاداته ومشاقة أهله ليرجعوا عنه وإنكار الرسالة والمعاد
стр. 125
وجحد ما جاء به الرسول عناداً وهذا مقر بالوحدانية عامل بها شاهد أن محمداً رسول الله مؤمن بالله وبما جاء عن الله ومن أنه تعالى يبعث من في القبور، فكيف يحكم بكفره. والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل أم كيف يحكم للمصدق بحكم المكذب.
(الجواب عن ذلك كله) ان رواة هذه الأحاديث التي قد يستدل بظاهرها على عدم تكفير تارك الصلاة هم الذين حفظ عنهم تكفير تاركها بأعيانهم وهم أعلم بمعناها من غيرهم قال أبو محمد ابن حزم وغيره من الأئمة الأعلام أن كبار الصحابة ﵃ ومن بعدهم من التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقاً، ويحكمون عليه بالردة. منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الحطاب وابنه عبد الله وابن مسعود وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرة وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت وغيرهم من سائر الصحابة: (أن من ترك صلاة فرض واحد متعمداً حتى خرج وقتها فهو كافر مرتد قالوا ولا يعلم لهؤلاء مخالف من الصحابة وممن ذهب إلى تكفير التكفير المذكور من غير الصحابة أحمد بن حنبل والشافعي في أحد روايتيه وهي المشهورة عند بعض أصحابه وإسحاق بن راهوية وعبد الله بن المبارك والنخعي والحكم بن عتيبه وأبو أيوب السجستاني وأبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين كلهم قد قال بكفر تاركها وأنه ليس من أهل الإسلام بل يقتل كفراً وما له فيء ما لم يتب. وتلك الأحاديث المتقدمة أعني قوله ﷺ : " من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة " ونحوها جميعها محمولة عند من تقدم ذكرهم على عدم المحافظة عليهن في وقتهن مع الإتيان بهن بعد، بدليل الأحاديث الواردة وفي تركها بالكلية فإنها مقيدة وتلك مطلقة والمطلق يحمل على المقيد إذا أمكن الحمل ولم يوجد نسخ، ولذلك لم يأخذ رواة تلك الأحاديث المطلقة ولا غيرهم من الأئمة الأعلام بظاهرها في عدم تكفير تاركها بل حملوها على الآيات والأحاديث المقيدة الآتي بيانها. وأما إخراج الله من النار من لم يعمل خيراً قط بل كفى عن العمل وجود أدنى إيمان في قلبه وإقرار بالشهادتين في لسانه فهو إما لعدم تمكنه من أداء ما افترض الله عليه من أركان الإسلام بل بمجرد أدنى إيمان في قلبه وشهادة بلسانه خرمته المنية لكنه قد عمل عملاً مفسقاً به لوجود
стр. 126
ما صدر منه عالماً به فاستحق دخول النار عليه وإما لكونه نشأ في مكان قريب من أهل الدين والإيمان فلم يعلم ما أوجب الله على خلقه من تفاصيل الدين والإيمان والإسلام وأركانه، بل جهل ذلك ولم يسأل أهل الذكر عنه، فإن الله أوجب على خلقه المكلفين التفقه في الدين وان لم يحصل إلا بقطع مسافة كثيرة غير معذور بهذا الجهل إذ مثله لا يجهل ذلك لقربه من المسلمين فيعاقبه الله على ترك تعلم ما أوجب الله عليه، ولهذا لا يخلد في النار إن لم يوجد منه مناف للإسلام من إنكار أمر علم من الدين ضرورة ولم يمتنع من إجابة إمام المسلمين إذا دعاه لتقويم أركان الدين بل هو مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر لا ينكر منه شيئاً وبأركان الإسلام كلها، لكنه جهل تفاصيل ذلك وأحكامه وما يجب عليه منه، والإيمان يتفاوت ويختلف بحسب أحوال الخلق فمنهم من إيمانه كالجبال الراسيات بحيث لا يزحزحه مزحزح فيزيد إلى ما لا نهاية له، ومنهم من ينقص إيمانه حتى ينتهي إلى مثقال الذرة. فالأول سببه الطاعة والعلم والتفكر في مصنوعات الله، والثاني سببه المعاصي والجهل والغفلة والنسيان. وهذا السبب الثاني لا يوجب الخلود في النار حيث وجد الإيمان وما استطاع عليه من أركان الإسلام لكن لجهله أو غفلته أو نسيانه أو معاصيه وهن إيمانه، ولا يلزم من وهنه عدم فعل الصلاة وسائر أركان الإسلام مما يقدر عليه، بل قد يفعلها وإيمانه ضعيف حتى ينتهي إلى مثقال الذرة واطلاق عدم العمل عليه لكونه عمل جاهل، ولذلك أكثر العلماء منهم الإمام مالك يقول بعدم صحة عبادة الجاهل بتفاصيل أعمال الصلاة فلا يميز بين أركانها وواجباتها وسننها وكذا غير الصلاة فكأنه في هذه الحالة لم يعمل وإخراجه من النار ودخول الجنة سببه الإيمان الذي صدر منه لا مجرد فعل الصلاة من غير إيمان، ولذلك لم يقبل الله صلاة المنافق ولا سائر عمله بل جعله الله في الدرك الأسفل من النار مخلداً مع أنه يفعل الصلاة وسائر الطاعات حتى الجهاد في وقت النبي ﷺ وغيره، لكن لما كان صلاته وعمله من غير إيمان بطل من أصله ولا يخرج بعمله ذلك عن الكفر إلا أنه ظاهراً يعصم ماله ودمه فأما مجرد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر وسائر ما كلف الله به العبيد مع العمل فهو الكلي والصلاة قوام الدين وعماد اليقين فمن تركها فقد أضاعه.
стр. 127
الأدلة على كفر تارك الصلاة:
أولاً: الاستدلال بالكتاب:
(وقد دل على كفر تارك الصلاة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة) أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ فوجه الدلالة من الآية أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين وان هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا حكمه، ثم ذكر أحوال المجرمين الذين هم ضد المسلمين بقوله يوم يكشف عن ساق وأنهم يدعون إلى السجود لربهم ﵎ فيحال بينهم وبينه فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم على ترك السجود مع المصلين في دار الدنيا وهذا يدل على أنهم مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي البقر ولو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين ولو كانوا ممن جحد وجوبها رأساً ولم يدع الإيمان بها لذهب مع الذاهبين الذين قيل لهم ألا تردوا أو تتبع كل أمة ما كانت تعبد إذ لا يخلو أن يكون من أحد الطائفتين ولم يبق مع من يدعي الإسلام العاملين به وغير العاملين.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ فلا يخلو هؤلاء إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من المجرمين أو مجموعها فإن كل واحد منها مستقل بذلك فالدلالة ظاهرة وإن كان مجموع الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة إلى ما هو مستقبل بمجموعهما، ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر
стр. 128
معه ليس شرطاً في العقوبة على التكذيب بيوم الدين بل هو وحده كاف في العقوبة فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك إذ لا يمكن قائلاً أن يقول لا يعذب الكافر ولا يحكم عليه بالكفر إلا من جمع هذه الأوصاف فإذا كان كل واحد منها موجباً للإجرام، وقد جعل الله المجرمين ضد المسلمين، كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ فجعل ضد المؤمنين.
الدليل الثالث:
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فوجه الدلالة أنه تعالى علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها.
الدليل الرابع:
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال أهل المعاني السهو في الشيء تركه من غير علم به، والسهو عنه تركه مع العلم به، والفرق بين الساهي والناسي أن الساهي متى ذكر تذكر، والناسي لا يتذكر مع التذكير. وقد اختلف السلف، الصالح في معنى السهو عنها فقال سعد بن أبي وقاص ومسروق بن الأجدع وغيرها هو تركها حتى يخرج وقتها، وقد روى ذلك في حديث مرفوع قال محمد بن نصر المروزي قال: حدثنا شيبان بن إلى شيبة قال: حدثنا عكرمة بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد ﵄ أنه سأل رسول الله ﷺ عن الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: "الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها" وقال حماد بن زيد حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: يا أبتاه أرأيت قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ
стр. 129
صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أينا لا يحدث نفسه قال: انه ليس ذلك ولكنه اضاعة الوقت. وقال حيوة بن شريح أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: هو تاركها، ثم سأله عن الماعون قال: منع المال من حقه وأكثر المفسرين على أنه اسم شامل لكل ما يحتاج إليه كإبرة وفاس وقدر وقصعة وآنية البيت إذا طلبت للعارية كما صححه الحاكم عن ابن عباس فهو اسم شامل لجميع أنواع المعروف، وحصول الويل شرط في اجتماع الثلاثة غالباً كما جاء عن عكرمة حيث سأله بسام قال: الماعون القدر والفاس والدلو قال بسام: قلت لعكرمة: من منع هذا فله الويل قلت: لا ولكن من جمعهن من راآى في صلاته وسها عنها ومنع هذا فله الويل وإلا فمجرد السهو عنها كاف في حصول الويل وإن لم يوجد المنع لكن وصف الساهين بالمانعين للحكم الأغلبي ومجرد المنع بلا سهو ولا مراآة لا يوجب الويل إلا على من يقول بوجوب العارية، ولعله مع الاضطرار إليها ولم يلحق ربها ضرر بإعارته إياها ولم يكن وقت الاستعارة محتاجاً إليها وإلا فربها إذن أحق بها فلا تجب عليه الإعارة، إذا علم هذا فالوعيد بالويل مطرد في القرآن للكفار كقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ إلا في موضعين منه وهما في ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ فعلق الويل بالتطفيف وهو نقص المكيال والميزان والمطفف الذي ييخس في الكيل والوزن ومثله العد والذرع قال الزجاج: وإنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان ونحوهما مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. والهماز كثير الطعن في الناس ويكون باليد والعين أيضاً واللماز آكل لحوم الناس باغتيابه لهم واللمز هو العيب ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يعب بعضكم بعضاً فيجعل فيه من العيب ما ليس فيه، إذا فهم ذلك فقد علق سبحانه الويل بالتطفيف والهمز واللمز وهذا لا يكتفي به بمجرده فويل تارك الصلاة إما أن يكون ملحقاً بويل الكفار أو بويل الفساق وإلحاقه بويل الكفار هو الحق لوجهين:
أحدهما: أنه قد صح عن سعد بن أبي وقاص في هذه الآية أنه قال لو تركوها
стр. 130
لكانوا كفاراً ولكن ضيعوها عن وقتها فجعل تركها كفراً.
الثاني: ما سنذكره من الأدلة الدالة على كفره يوضحه الدليل الخامس هو قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ قال عبد الله بن مسعود ﵁: هو واد في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه. قال عبد الله بن عباس ﵄: إن أودية جهنم لتستعيذ منه ومن حره يسيل قيحاً ودماً. قال كعب: هو أبعد قعراً وأشدها حراً فيه بئر تسمى البهيم كلما خبت جهنم فتح الله تلك البهيم فتستعر منه لشدة حرارته وعذابه وما أعد الله فيه لأعدائه فوجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل هذا المكان لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات ولو كانوا مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من جهنم ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو من أسفلها فإن هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنة الكفار، وفي الآية دليل آخر، وهو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ فلو كان مضيع الصلاة مؤمناً لم يشترط في توبته الإيمان فإنه يكون تحصيلاً للحاصل (فإن قيل) قد قال عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي في تفسير أضاعوا الصلاة بأن أخروها عن وقتها لغير عذر، وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر حتى يأتي المغرب، ومفهوم قولهم أن المضيعين عن وقتها يصلونها قضاء ومن أخرها عن وقتها حتى خرج ثم قضاها بعد ذلك فهو فاسق لا كافر مرتد، وأيضاً قد ورد في السنة أن ذلك الوادي الذي فيه تلك البئر البهيم أعده الله لمن لم يتب من الزناة ومدمني الخمر وأكلة الربى وعاق والديه وشاهد الزور وهؤلاء فسقة ليسوا بكفار إذا لم يستحلوا ذلك، والطبقة العليا من النار إنما هي للعصاة من الموحدين وهذا الغي فيها (الجواب) ان الإضاعة ليست خاصة في تأخيرها عن الوقت مع القضاء بعد ذلك بل هي في من تركها بالكلية أولى ولذلك ذهب عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة والتابعين إلى تكفير تاركها مطلقاً وأولوا الآية على ذلك فالترك أخص والإضافة أعم، وقد قال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة أضاعوا الصلاة أي تركوا الصلاة المفروضة فلم يأتوا بها والله سبحانه أوعد المضيعين للصلاة بهذا الغي ولا مانع من اشتراك الكافرين والفاسقين في نوع المعذب فيه ويختلفون في ألمه إذ العذاب على الكافر أشد منه على العاصي والله
стр. 131
على كل شيء قدير. وظاهر كلام ابن عباس ﵄ كغيره من الصحابة أن الغي في جهنم خاصة لا في غيرها من طبقات النار إذ هي سبع طبقات بعضها فوق بعض، قال علي كرم الله وجهه: تدرون كيف أبواب النار هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى أي سبعة أبواب بعضها فوق بعض وان الله وضع الجنان على العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض. قال ابن جريج: النار سبع دركات أولها جهنم وفيها يعذب الله العاصين من الموحدين، وفي قعرها هذا الوادي الذي سمى الغي تستعيذ منه جميع أوديتها يعذب الله فيه من أضاع الصلاة واتبع الشهوات، وإنما عذب فيه تارك الصلاة بالكلية مع الحكم عليه بعدم الإسلام والكفر المخلد في العذاب، لأن كفره عناد بعدم فعله لها لا جحود ولا انكار ولا نفاق فليس فيه من مجانسة أفعال من يستحق الدركات الباقية لا شرك ولا غيره ولما كان المضيع للصلاة عن وقتها مع قضائها يعد فيه مجانسة في نوع فعل التارك لها بالكلية عذب معه قي نوع المعذب فيه وفارقه في ألم العذاب لإيمانه الذي قد مات عليه ثم الثانية لظى للنصارى، ثم الثالثة الحطمة لليهود، ثم الرابعة السعير للصابئين، ثم الخامسة سقر للمجوس، ثم السادسة الجحيم لأهل الشرك، ثم السابعة الهاوية للمنافقين، وبهذا الترتيب يعلم أن عذاب أهل الشرك أشد عذاباً من الكافرين بترك الصلاة ولا ريب في ذلك أن توحيد الله لا أفضل منه فهو أساس الصلاة وكل عبادة فلا تصح إلا به ولا تثبت إلا عليه ولذلك قدمت الشهادتان رتبة على سائر الأركان.
الدليل الخامس:
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ فعلق أخوّتهم في الدين بفعل الصلاة فإذا لم يفعلوها لم يكونوا أخوة للمؤمنين فلا يكونون مؤمنين لقوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
الدليل السادس:
قوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ فلما كان الإسلام تصديق الخبر والانقياد للأمر جعل الله سبحانه له ضدين عدم التصديق وعدم
стр. 132
الصلاة وقابل التصديق بالتكذيب والصلاة بالتولي فقال: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ فكما أن المكذب كافر فالمتولي عن الصلاة كافر وكما يزول الإسلام بالتكذيب يزول بالتولي عن الصلاة. قال سعيد عن قتادة ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ لا صدق بكتاب الله ولا صلى ولكن كذب وتولى كذب بآيات الله وتولى عن طاعته أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى وعيد على أثر وعيد أي الذم والعذاب أولى لك من غيره فأولى أي لك أيضاً وهذا وان كان السبب خاصاً فالحكم عام إذ الآية محكمة إلى يوم القيامة.
الدليل السابع:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: هي الصلاة المكتوبة ووجه الاستدلال بالآية الكريمة أنه سبحانه حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة والخسران المطلق لا يحصل إلا للكافرين، فإن المسلم لو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح يوضحه أنه سبحانه أكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد.
أحدها: أنه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه دون الفعل الدال على التجدد والحدوث.
الثاني: تصدر الاسم بالألف واللام المشعر بحصول كمال المسمى لهم فإنه إذا قيل زيد العالم والصالح أفاد ذلك إثبات كل العلم والصلاح له بخلاف ما إذا قيل عالم وصالح.
الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفين وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ كما في وأولئك هم المفلحون والكافرون هم الظالمون وأولئك هم المؤمنون حقاً ونظائره.
الرابع: إدخاله ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريتين قوة الإسناد واختصاص المسند إليه بالمسند كقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ
стр. 133
الْحَمِيدُ﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ونظائر ذلك.
الدليل الثامن:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى الإيمان عمن إذا ذكر بآيات الله لم يخر ساجداً مسبحاً بحمد ربه ومن أعظم التذكير بآيات الله التذكير بآيات الصلاة فمن ذكر بها فلم يتذكر ولم يصل ولم يؤمن بما لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه فلم يؤمن بقوله تعالى وأقيموا الصلاة إلا من التزم إقامتها.
الدليل التاسع:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ذكر هذا بعد قوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ ثم توعدهم تعالى على ترك الركوع وهو الصلاة إذا دعوا إليها، ولا يقال إنما توعدهم على التكذيب، فإنه سبحانه انما أخبرهم عن تركهم لها وعليه وقع الوعيد، على أنا نقول لا يصر على ترك الصلاة اصراراً مستمراً من يصدق بأن الله أمر بها أصلاً فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقاً تصديقاً جازماً بأن الله سبحانه فرض عليه في كل يوم وليلة خمس صلوات وأنه تعالى يعاقبه على تركها أشد العقاب وهو مع ذلك مصر على تركها مصدق بفرضها أبداً، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان ولا يصغي إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها وليتأمل هل في الطبيعة أن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعيد والوعد والجنة والنار وان الله تعالى فرض عليه الصلاة وانه معاقبه على تركها وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة من الفعل، وهذا القدر هو الذي خفي على ذي الجهل المركب حيث أثبت الإيمان لمدّعيه مع تركه من الإسلام أعظم الأركان
стр. 134
وجعله الإيمان مجرد التصديق وان لم يقارنه فعل واجب ولا ترك وهذا من أن محل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم وليس من لازمه ولا يقتضيه القيام بالأركان ولا فعل طاعته وترك معصيته، ونحن نقول الإيمان هو التصديق ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق الخبر دون الانقياد إيمان، وإلا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود والذين عرفوا أن محمداً ﷺ رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي يعتقدون أنك صادق ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ والجحود لا يكون إلا بعد معرفة الحق، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ وقال موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ وقال تعالى عن اليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وأبلغ من هذا قول النفر من اليهود لما جاؤا إلى النبي ﷺ وسألوه عما دلهم على نبوته فقالا: نشهد إنك نبي، فقال: "ما يمنعكما عن إتباعي؟ "، قالا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك تقتلنا يهود فهؤلاء قد أقروا بألسنتهم إقرارا مطابقاً لمعتقدهم أنه نبي ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار في الإيمان لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره. ومن هذا كفر أو طالب فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق وأقر بذلك بلسانه وصرح به في شعره ولم يدخل بذلك ني الإسلام فالتصديق إنما يتم بأمرين:
والثاني: محبة القلب والانقياد.
ولهذا قال تعالى لإبراهيم: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وإبراهيم كان معتقداً لصدق رؤياه حين رآها فإن رؤيا الأنبياء وحي وإنما جعله مصدقاً لها بعد أن فعل ما أمر به وكذلك قوله ﷺ : "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" فجعل التصديق عمل الفرج ما عناه القلب والتكذيب تركه لذلك، وهذا صريح في أن التصديق لا يصح إلا بالعمل وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وقد روي هذا مرفوعاً إلى النبي ﷺ من غير وجه والمقصود أنه يمتنع من التصديق الجازم بوجوب الصلاة والوعد على فعلها والوعيد على تركها المحافظة على تركها واجتماعهما محال.
стр. 135
الاستدلال بالسنة:
(وأما الاستدلال بالسنة على ذلك فمن وجوه. الدليل الأول:) ما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" ورواه أهل السنن وصححه الترمذي.
الدليل الثاني: ما رواه بريدة بن الحصين الأسلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" رواه الإمام أحمد وأهل السنن وقال الترمذي: حسن صحيح إسناده على شرط مسلم.
الدليل الثالث: ما رواه ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها ففد أشرك" رواه هبة الله الطبري وقال إسناده صحيح على شرط مسلم.
الدليل الرابع: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: "من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو حاتم بن حبان في صحيحه وإنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفر، وفيه نكتة بديهة وهي أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله عنها ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته فمن يشغله عها ماله فهو مع قارون، ومن يشغله عنها ملكه فهو مع فرعون ومن يشغله عنها رياسته من وزارة وغرها فهو مع هامان وزير فرعون كلمن يشغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف.
الدليل الخامس: ما رواه عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله ﷺ فقال: " لا تشركوا بالله شيئاً ولا تتركوا الصلاة عمداً فمن تركها عمداً خرج عن الملة " رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه.
стр. 136
الدليل السادس: ما رواه معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله" رواه الإمام أحمد ولو كان باقياً على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام.
الدليل السابع: ما رواه أبو الدرداء قال: "أوصاني أبو القاسم ﷺ أن لا أترك الصلاة متعمداً فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة" رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه.
الدليل الثامن: ما رواه معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة" وهو حديث صحيح مختصر ووجه الاستدلال به أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة يسقط عمودها فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة وقد احتج الإمام أحمد بهذا الحديث بعينه.
الدليل التاسع: ما في الصحيحين والسنن والمسانيد من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" رواه مسلم ورواه الإمام أحمد في بعض ألفاظه "الإسلام خمس" فذكره ووجه الاستدلال به من وجوه:
أحدها: أنه جعل الإسلام كالقبة المبنية على خمسة أركان فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قبة الإسلام.
الثاني: أنه جعل هذه الأركان في كونها أركاناً لقبة الإسلام قرينة الشهادتين فهما ركن والصلاة ركن والزكاة ركن فما بال قبة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد أركانها دون بقية أركانها.
الثالث: أنه جعل هذه الأركان نفس الإسلام وداخلة في مسمى اسمه وما كان اسماً لمجموع أمور إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمى ولاسيما إذا كان من أركانه لا من أجزائه التي ليست ركناً له كالحائط للبيت فإنه إذا سقط، سقط البيت بخلاف
стр. 137
العمود والخشبة واللبنة ونحوها.
الدليل العاشر: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا" ووجه الدلالة فيه من وجهين:
أحدهما: أنه إنما جعله مسلماً بهذه الأربعة فلا يكون مسلماً بدونها.
الثاني: أنه إذا صلى إلى المشرق والقبلة في غير ناحية بالنسبة إليه لم يكن مسلماً حتى يصلي إلى جهة قبلة المسلمين فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية.
الدليل الحادي عشر: ما رواه الدارمي عبد الله بن عبد الرحمن من حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مفتاح الجنة الصلاة" وهذا يدل على أن من لم يكن من أهل الصلاة لم تفتح له الجنة وهى تفتح لكل مسلم فليس تارك الصلاة بمسلم ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر وهو قوله: "مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله" فإن الشهادة أصل لمفتاح الصلاة وبقية الأركان أسنانه التي لا يحصل الفتح إلا بها إذ دخول الجنة موقوف على المفتاح وأسنانه وقال البخاري: وقيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.
الدليل الثاني عشر: ما رواه محجن بن الأدرع الأسلمي أنه كان في مجلس مع النبي ﷺ فأذن بالصلاة فقام النبي ﷺ فصلى ثم رجع ومحجن في مجلسه فقال له: "ما يمنعك أن تصلي ألست برجل مسلم؟ " قال: بلى ولكني صليت في أهلي فقال له: "إذا جئت فصل مع الناس وان كنت قد صليت" رواه الإمام أحمد والنسائي فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة ويوجد تحت ألفاظ الحديث أنك لو كنت مسلماً لصليت ولم تصل في بيتك وهذا كما يقال لرجل حي ناطق: مالك لا تتكلم ألست بناطق وما لك لا تتحرك ألست بحي ولو كان الإسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه لا يصلي "ألست برجل مسلم".
стр. 138
الاستدلال بالإجماع:
(وأما الاستدلال بإجماع الصحابة) فقد تقدم ذلك عن عمر بن الحطاب وابنه عبد الله ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي الدرداء وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وغيرهم ولا يعلم عن صحابي خلافهم. وعلى هذا نهج الأئمة الأسلاف كسفيان بن سعيد الثوري وأبي عمر الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وحماد بن زيد ووكيع بن الجراح والإمام مالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي في أشهر قوليهما وأحمد بن حنبل واسحق بن راهويه وأصحابهم كلهم قالوا: بكفر تاركها وقتله، ثم جمهورهم قالوا: يقتل بالسيف ضرباً في عنقه، وقال بعض الشافعية يضرب بالخشب إلى أن يصلي أو يموت، وقال ابن شريح ينخس بالسيف نخساً حتى يموت لأنه أبلغ، والجمهور على ضرب عنقه بالسيف لأنه أحسن القتلات وأحسنها إزهاقاً. وقد سن الله سبحانه في قتل الكفار والمرتدين ضرب الأعناق دون النخس بالسيف، والجمهور عند هؤلاء كلهم أنه يستتاب فإن تاب ترك وإلا قتل، هذا قول الشافعي وأحمد وأحد القولين في مذهب مالك وقال أبو بكر الطرطوشي في تعليقه مذهب مالك أنه يقال له ما دام الوقت باقياً صل فإن فعل ترك، وان امتنع حتى خرج الوقت هل يستتاب أم لا، قال بعض أصحابنا يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال بعضهم لا يستتاب لأن هذا تحتم فلا يسقط كالحد، وهذا الذي حكاه الطرطوشي عن بعض أصحابهم أنه يقتل من غير استتابة هو رواية عن مالك، وفي استتابة المرتد روايتان عن أحمد، وقولان للشافعي ومن أوجب الاستتابة قال الرعاية إليها شرط في قتله لأنه قد يتركها لعذر أو ما ظنه عذراً أو لكسل لا يستمر ولذلك أذن النبي ﷺ في الصلاة نافلة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت ولم يأمر بقتالهم ولم يأذن في قتلهم لأنهم لا يصروا١ على تركها فإذا دعي فامتنع لا من عذر حتى خرج الوقت تحقق تركه وإصراره. وهل يقتل بترك صلاة أو صلاتين أو ثلاث صلوات هذا فيه خلاف بين الناس. فقال سفيان الثوري ومالك وأحمد في
стр. 139
إحدى الروايات عنه: يقتل بترك صلاة واحدة وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد، وحجة هذا القول ما تقدم من الأحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. فقد روى معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله" رواه الإمام أحمد في مسنده وعن أبي الدرداء ﵁ قال: " أوصاني أبو القاسم ﷺ أن لا أترك صلاة متعمداً فمن ترك صلاة متعمداً فقد برئت منه الذمة" رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه ولأنه إذا دعي إلى فعلها في وقتها فقال: لا أصلي ولا عذر له فقد ظهر إصراره فتعين إيجاب قتله وإهدار دمه، واعتبار التكرار ثلاثاً ليس عليه دليل من نص ولا إجماع ولا قول صحابي، وقال أبو اسحق من أصحاب أحمد ان كانت الصلاة المتروكة تجمع إلى ما بعدها كالظهر والمغرب لم يقتل حتى يخرج وقت الثانية لأن وقتها وقت الأولى في حال الجمع فأورثت شبهة ههنا وان كانت لا تجمع إلى ما بعدها كالصبح والعصر وعشاء الآخرة قتل بتركها وحدها إذ لا شبهة في التأخير، وهذا القول حكاه اسحق عن عبد الله بن المبارك أو عن وكيع بن الجراح الشك من اسحق في تعيينه، فعلى هذا متى دعي إلى الصلاة في وقتها فقال لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وان لم يضق وقت الثانية نص عليه الإمام أحمد قال القاضي وأصحابه كابن عقيل وأبي الخطاب لا يقتل حتى يتضايق وقت التي بعدها وقال شيخ الإسلام أبو البركات تقي الدين متى دعي إلى الصلاة في وقتها فقال لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وان لم يضق وقت الثانية، وفي المثال الذي ذكر يعني أبا الخطاب أولى لأن القتل بتركها دون الأولى لأنه لما دعي إليها كانت فائتة والفوائت لا يقتل تاركها. وكذا حكم ترك الوضوء والغسل من الجنابة واستقبال القبلة وستر العورة والقيام في الفرض لقادر أو الركوع أو السجود لقادر عليهما كترك الصلاة، وكذا حكم ترك الجمعة لما روى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود: "أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: وصريح القرآن مشعر بفرضيتها وآمر بإقامتها إلزاماً، وأخطأ على الشافعي من نسب إليه القول بأن صلاة الجمعة فرض كفاية إذا قام بها قوم سقطت عن الباقين ولم يقل الشافعي هذا قط وإنما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد أنها تجب
стр. 140
على من تجب عليه صلاة الجمعة بل هذا نص من الشافعي ﵁ على أن صلاة العيد واجبة على الأعيان، وهذا هو الصحيح في الدليل فإن صلاة العيدين من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة ولم يكن يتخلف عنها أحد من الصحابة ولا تركها رسول الله ﷺ مرة واحدة ولو كانت سنة لتركها ولو مرة واحدة كما ترك قيام رمضان وعلى إنا نقول بفرضية صلاة العيدين لا نكفر من تركها لجريان الخلاف في فرضيتها بخلاف ما تقدم من الصلوات. ولذلك لم يختلف أحد ممن تقدم في قتل تارك الصلاة إلا أبو حنيفة ﵀ ومحمد بن شهاب الزهري وداود بن علي المزني فإنهم قالوا: يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب وحجتهم قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" رواه البخاري ومسلم وحجة من قال بالقتل وهم من تقدم من الصحابة والتابعين والأئمة من كبار المجتهدين تعليقه في الحديث بحقها قالوا: وهذه الصلاة من أعظم حقها وقد قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فأمر بقتلهم حتى يتوبوا من شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة والقول بأنه متى تاب من شركة سقط عنه القتل وإن لم يقم بالصلاة ولا آتى الزكاة خلاف ظاهر القرآن والسنة وإجماع صدر الأمة، فلا يعتد به بعد انعقاد الإجماع والله تعالى أعلم.
стр. 141
الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة:
(وأما قولكم وأخرج الطبراني والبزار عن بن أبى أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" رواه أبو هريرة في الصحيح وابن عمر وعائشة وجماعة آخرون، فنفى رسول الله ﷺ عن هؤلاء الإيمان ومن لازمه إثبات الكفر لهم وأخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: " من أتى كاهناً فصدقه بما يقول أو أتى امرأة حائضاً أو في دبرها فقد برئ بما أنزل على محمد" وأمثال هذا كثير
стр. 142
في كلام الصادق المصدوق فهذا النوع الذي هو الكفر العملي وان أطلقه الشارع على مرتكب هذه الكبائر فإنه لا يخرج به العبد من الإيمان، ولا يفارق به الملة المحمدية ولا يباح ماله ودمه وأهل كما ظنه من لم يفرق بين الكفرين ولم يميز بين الأمرين) .
فنقول يحتاج كل قائل ومعترض إلى تحقيق معاني قوله وما يعارض به، ومن أعظم الحاجة في ذلك تحقيق معاني كلام الله ورسوله ﷺ إذا عورض به أمر، لا بد من التأمل والتحقيق حتى يسوغ التكلم ويسوغ المعارضة، والعاقل اللبيب إذا تأمل ووعى ما نحن فيه مما اعتقدناه وقلناه علم يقيناً الفرق بين ما عنيناه وقصدناه من عقيدتنا ودليلنا ومدلولنا وبين معارضتنا بهذه الأحاديث والاعتراض بها علينا، وعلم أيضاً أن بين ما عارضه صاحب المقدمة من عقائدنا ودلائلنا وبين ما عارضنا به من نقل هذه الأحاديث واعتقاده فينا مباينة ومخالفة من وجوه:
أحدها انه لم يفهم قصدنا ولا ما اعتقدنا وقلنا فإن أعظم قصدنا وأمرنا الحث والأمر بتوحيد الله وحده لا شريك له في عبادته ومعاملته حتى تثبت وتتم الألوهية كلها له وحده لا شريك له، فكما أنه تعالى منفرد بالربوبية فكذلك هو منفرد بالألوهية قولاً وعملاً واعتقاداً فلا يرجى في جلب نفع أو كشف ضر إلا الله وحده ولا يتوكل إلا عليه وان الخلق ليس لهم ولي من دونه ولا شفيع إلا من بعد إذنه، وصاحب المقدمة قد فهم فينا ما لم نقله، واعتقد متقولاً علينا ما لا نعتقده فانه يزعم إنا نكفر بالذنوب بدليل السياق.
والاعتراض الثاني: أنه لم يميز بين ما حرم الله به دخول الجنة وأوجب الخلود في النار وبين ما هو تحت مشيئته تعالى إن شاء غفره فلم يعذب عليه وان شاء طهر فاعله في النار ثم مآله إلى الجنة حيث مات موحداً بل عارض الأول بالثاني كما دل عليه صنيعه.
الثالث: أنه لم يميز بين الإيمان الذي يستحق المتصف به أن لا يخلد في النار بل ترجى له الشفاعة بإذن الله والمغفرة منه له فضلاً وكرماً ويثبت له مناكحة المسلمين وموارثتهم وبين الإيمان الذي يستحق به النجاة من العذاب وتكفير السيئات وقبوله الطاعة وكرامة الله ومثوبته وبه يستحق أن يكون محموداً مرضياً موصوفاً بصفات الثناء لا بصفات الذم بل جعل القسمين قسماً واحداً.
(وأما الكلام) على معنى هذه الأحاديث التي قد أدلى بها وأوردها صاحب
стр. 143
المقدمة علينا فنقول لا يحقق ذلك إلا من حقق معنى الإيمان وعرفه ومازه حتى تحصل له المعرفة وكمال الإدراك بمعنى هذه الأحاديث وأمثالها والمدلي بها يحتاج إلى فهم معاني ما تضمنته من نفي الإيمان ومعرفة حقيقته، وما هو، كيف هو، ثم ينفي بها نفياً لا إثبات معه أو معه إثبات، أو يثبت إثباتاً لا نفى معه، أو معه نفي، ثم يفصل ويبين ذلك المثبت والمنفي وعكسهما، إذا علم هذا فالإيمان قد اشتهر وشاع عن السلف وأهل الحديث أنه قول وعمل ونية وان الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكاراً شديداً وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولاً محدثاً سعيد بن جبير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السجستاني والنخعي والزهري ويحيى بن أبي كثير وغيرهم، وقال الثوري: (هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره) وقال الأوزاعي: (كان من مضى من السلف لا يعرفون الإيمان إلا العمل) وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى أهل الأمصار: (أما بعد فإن للإيمان فرائض وشرائع وسنناً فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان) ذكره البخاري في صحيحه وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال لوفد عبد القيس: " آمركم بأربع الإيمان بالله وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وان تعطوا من المغنم الخمس" وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فإن أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ولفظه لمسلم قال الخطابي في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم بمعنى ذي شعب وأجزاء له أدنى وأعلى، فالاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبه وتستوفي جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها ويدل عليه قوله ﷺ : "الحياء شعبة من الإيمان" وفي إثبات التفاضل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاته، هذا آخر كلام الخطابي.
стр. 144
وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مصعب البغوي الشافعي في حديث سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام وجوابه قال: جعل النبي ﷺ الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك، لأن الأعمال ليست من الإيمان أو أن التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال ﷺ : "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعاً يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول إلا بانضمام التصديق إلى العمل هذا كلام البغوي، وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه التحرير في شرح صحيح مسلم: الإيمان في اللغة هو التصديق فان عني به ذلك فلا يزيد ولا ينقص لأن التصديق ليس شيئاً يتجزأ حتى يتصور كماله تارة ونقصه أخرى والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقصان، وهو مذهب أهل السنة، وقال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالاسي المغربي في شرح صحيح البخاري مذهب جماعة أهل السنة ممن سلف من الأمة وخلفها ان الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري رحمه الله تعالى من الآيات يعني قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ وقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ ومجرد التصديق بالله تعالى ورسوله ﷺ لا ينقص إلا شكاً ولذلك توقف مالك رحمه الله تعالى في بعض الروايات مع القول بالزيادة عن القول بالنقصان إذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه إذا نقص صار شاكاً فخرج عن اسم الإيمان، وقال بعضهم إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتناول موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي بالذنوب وإلا فقد قال مالك بنقصان الإيمان مثل قول جماعة أهل السنة، قال عبد الرزاق سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحاب سفيان الثوري ومالك بن أنس
стр. 145
وعبد الله بن عمر والأوزاعي ومعمر بن راشد وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي والحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد وعبد الله بن المبارك، فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين وهو إتيانه بهذه الأمور التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع انه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه فلا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه بقلبه وجحده بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم المؤمن، فكذلك إذا اقر بالله وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمناً بالإطلاق وان كان في كلام العرب يسمى مؤمناً بالتصديق فذلك غير مستحق في كلام الله لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ فأخبر إن المؤمن من كانت هذه صفته، وقال ابن بطال في باب من قال الإيمان هو العمل فان قيل قد تقدم ان الإيمان هو التصديق قيل له التصديق هو أول منازل الإيمان ويوجب للمصدق دخول الأعمال فيه ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمناً مطلقاً إلا باستكمال شعب أعماله، هذا مذهب جماعة أهل السنة وان الإيمان قول وعمل، قال أبو عبيد: هو قول مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين وأهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم قال ابن بطال وهذا المعنى أراد البخاري ﵀ إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال باب أمور الإيمان وباب الصلاة من الإيمان وباب الزكاة من الإيمان وباب الجهاد من الإيمان وسائر أبوابه وإنما أراد الرد على المرجئه في قولهم ان الإيمان قول بلا عمل وتبين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذهب الأئمة.
(وأما الفرق) بين الإيمان والإسلام فالتحقيق في الفرق بينهما ما قاله المحققون ان الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته مع الأعمال بجميع ما فرض الله. والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده، وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمى الله الإسلام ديناً في كتابه تعالى وهو حديث جبريل حين سمى ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان ديناً، وهذا أيضاً مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر لجامعية الأعمال كلا منهما وان انفرد التصديق في دخول مسمى الإيمان، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل، فأما ما ورد من إثبات أحدهما ونفي الآخر من نحو قوله