← Акыда

Акыда · id 7597

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق

محمد بن علي بن غريب

Полный текст (402 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة: (وأما قولكم وأخرج الطبراني والبزار عن بن أبى أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" رواه أبو هريرة في الصحيح وابن عمر وعائشة وجماعة آخرون، فنفى رسول الله ﷺ عن هؤلاء الإيمان ومن لازمه إثبات الكفر لهم وأخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: " من أتى كاهناً فصدقه بما يقول أو أتى امرأة حائضاً أو في دبرها فقد برئ بما أنزل على محمد" وأمثال هذا كثير

стр. 142

في كلام الصادق المصدوق فهذا النوع الذي هو الكفر العملي وان أطلقه الشارع على مرتكب هذه الكبائر فإنه لا يخرج به العبد من الإيمان، ولا يفارق به الملة المحمدية ولا يباح ماله ودمه وأهل كما ظنه من لم يفرق بين الكفرين ولم يميز بين الأمرين) . فنقول يحتاج كل قائل ومعترض إلى تحقيق معاني قوله وما يعارض به، ومن أعظم الحاجة في ذلك تحقيق معاني كلام الله ورسوله ﷺ إذا عورض به أمر، لا بد من التأمل والتحقيق حتى يسوغ التكلم ويسوغ المعارضة، والعاقل اللبيب إذا تأمل ووعى ما نحن فيه مما اعتقدناه وقلناه علم يقيناً الفرق بين ما عنيناه وقصدناه من عقيدتنا ودليلنا ومدلولنا وبين معارضتنا بهذه الأحاديث والاعتراض بها علينا، وعلم أيضاً أن بين ما عارضه صاحب المقدمة من عقائدنا ودلائلنا وبين ما عارضنا به من نقل هذه الأحاديث واعتقاده فينا مباينة ومخالفة من وجوه: أحدها انه لم يفهم قصدنا ولا ما اعتقدنا وقلنا فإن أعظم قصدنا وأمرنا الحث والأمر بتوحيد الله وحده لا شريك له في عبادته ومعاملته حتى تثبت وتتم الألوهية كلها له وحده لا شريك له، فكما أنه تعالى منفرد بالربوبية فكذلك هو منفرد بالألوهية قولاً وعملاً واعتقاداً فلا يرجى في جلب نفع أو كشف ضر إلا الله وحده ولا يتوكل إلا عليه وان الخلق ليس لهم ولي من دونه ولا شفيع إلا من بعد إذنه، وصاحب المقدمة قد فهم فينا ما لم نقله، واعتقد متقولاً علينا ما لا نعتقده فانه يزعم إنا نكفر بالذنوب بدليل السياق. والاعتراض الثاني: أنه لم يميز بين ما حرم الله به دخول الجنة وأوجب الخلود في النار وبين ما هو تحت مشيئته تعالى إن شاء غفره فلم يعذب عليه وان شاء طهر فاعله في النار ثم مآله إلى الجنة حيث مات موحداً بل عارض الأول بالثاني كما دل عليه صنيعه. الثالث: أنه لم يميز بين الإيمان الذي يستحق المتصف به أن لا يخلد في النار بل ترجى له الشفاعة بإذن الله والمغفرة منه له فضلاً وكرماً ويثبت له مناكحة المسلمين وموارثتهم وبين الإيمان الذي يستحق به النجاة من العذاب وتكفير السيئات وقبوله الطاعة وكرامة الله ومثوبته وبه يستحق أن يكون محموداً مرضياً موصوفاً بصفات الثناء لا بصفات الذم بل جعل القسمين قسماً واحداً. (وأما الكلام) على معنى هذه الأحاديث التي قد أدلى بها وأوردها صاحب

стр. 143

المقدمة علينا فنقول لا يحقق ذلك إلا من حقق معنى الإيمان وعرفه ومازه حتى تحصل له المعرفة وكمال الإدراك بمعنى هذه الأحاديث وأمثالها والمدلي بها يحتاج إلى فهم معاني ما تضمنته من نفي الإيمان ومعرفة حقيقته، وما هو، كيف هو، ثم ينفي بها نفياً لا إثبات معه أو معه إثبات، أو يثبت إثباتاً لا نفى معه، أو معه نفي، ثم يفصل ويبين ذلك المثبت والمنفي وعكسهما، إذا علم هذا فالإيمان قد اشتهر وشاع عن السلف وأهل الحديث أنه قول وعمل ونية وان الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكاراً شديداً وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولاً محدثاً سعيد بن جبير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السجستاني والنخعي والزهري ويحيى بن أبي كثير وغيرهم، وقال الثوري: (هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره) وقال الأوزاعي: (كان من مضى من السلف لا يعرفون الإيمان إلا العمل) وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى أهل الأمصار: (أما بعد فإن للإيمان فرائض وشرائع وسنناً فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان) ذكره البخاري في صحيحه وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال لوفد عبد القيس: " آمركم بأربع الإيمان بالله وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وان تعطوا من المغنم الخمس" وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فإن أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ولفظه لمسلم قال الخطابي في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم بمعنى ذي شعب وأجزاء له أدنى وأعلى، فالاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبه وتستوفي جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها ويدل عليه قوله ﷺ : "الحياء شعبة من الإيمان" وفي إثبات التفاضل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاته، هذا آخر كلام الخطابي.

стр. 144

وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مصعب البغوي الشافعي في حديث سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام وجوابه قال: جعل النبي ﷺ الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك، لأن الأعمال ليست من الإيمان أو أن التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال ﷺ : "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعاً يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول إلا بانضمام التصديق إلى العمل هذا كلام البغوي، وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه التحرير في شرح صحيح مسلم: الإيمان في اللغة هو التصديق فان عني به ذلك فلا يزيد ولا ينقص لأن التصديق ليس شيئاً يتجزأ حتى يتصور كماله تارة ونقصه أخرى والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقصان، وهو مذهب أهل السنة، وقال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالاسي المغربي في شرح صحيح البخاري مذهب جماعة أهل السنة ممن سلف من الأمة وخلفها ان الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري رحمه الله تعالى من الآيات يعني قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ وقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ ومجرد التصديق بالله تعالى ورسوله ﷺ لا ينقص إلا شكاً ولذلك توقف مالك رحمه الله تعالى في بعض الروايات مع القول بالزيادة عن القول بالنقصان إذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه إذا نقص صار شاكاً فخرج عن اسم الإيمان، وقال بعضهم إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتناول موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي بالذنوب وإلا فقد قال مالك بنقصان الإيمان مثل قول جماعة أهل السنة، قال عبد الرزاق سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحاب سفيان الثوري ومالك بن أنس

стр. 145

وعبد الله بن عمر والأوزاعي ومعمر بن راشد وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي والحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد وعبد الله بن المبارك، فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين وهو إتيانه بهذه الأمور التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع انه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه فلا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه بقلبه وجحده بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم المؤمن، فكذلك إذا اقر بالله وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمناً بالإطلاق وان كان في كلام العرب يسمى مؤمناً بالتصديق فذلك غير مستحق في كلام الله لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ فأخبر إن المؤمن من كانت هذه صفته، وقال ابن بطال في باب من قال الإيمان هو العمل فان قيل قد تقدم ان الإيمان هو التصديق قيل له التصديق هو أول منازل الإيمان ويوجب للمصدق دخول الأعمال فيه ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمناً مطلقاً إلا باستكمال شعب أعماله، هذا مذهب جماعة أهل السنة وان الإيمان قول وعمل، قال أبو عبيد: هو قول مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين وأهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم قال ابن بطال وهذا المعنى أراد البخاري ﵀ إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال باب أمور الإيمان وباب الصلاة من الإيمان وباب الزكاة من الإيمان وباب الجهاد من الإيمان وسائر أبوابه وإنما أراد الرد على المرجئه في قولهم ان الإيمان قول بلا عمل وتبين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذهب الأئمة. (وأما الفرق) بين الإيمان والإسلام فالتحقيق في الفرق بينهما ما قاله المحققون ان الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته مع الأعمال بجميع ما فرض الله. والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده، وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمى الله الإسلام ديناً في كتابه تعالى وهو حديث جبريل حين سمى ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان ديناً، وهذا أيضاً مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر لجامعية الأعمال كلا منهما وان انفرد التصديق في دخول مسمى الإيمان، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل، فأما ما ورد من إثبات أحدهما ونفي الآخر من نحو قوله

стр. 146

تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فإنما هو بالنظر إلى معنييهما اللغويين، ولذلك ذكر الصدقة والصوم وغيرهما بعدهما بطريق العطف مع الإجماع على عدم خروج الأعمال عن الإيمان والإسلام، لكن الإيمان أصله تصديق القلب بكل ما جاء عن الله ورسوله، وهو لا يظهر إلا بالعمل الظاهر علانية فهو الإسلام والاستسلام الانقياد لأوامر الله ، ولذلك قال رسول الله ﷺ : " الإسلام علانية والإيمان في القلب" أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ بلفظه وكان النبي ﷺ يقول في دعائه إذا صلى على الميت: "اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" لأن العمل بالجوارح إنما يتمكن منه في حال الحياة فأما عند الموت فلا يبقى إلا التصديق بالقلب ومن ههنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم لأن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام، كما قال النبي ﷺ : "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" فلا يتحقق العبد الإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمناً، فانه قد يكون الإيمان ضعيفاً فلا يتحقق القلب تحققاً تاماً مع عمل الجوارح في أعمال الإسلام فيكون مسلماً وليس مؤمناً الإيمان التام كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ولم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين وهو قول عبد الله بن عباس وغيره بل كان إيمانهم ضعيفاً ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ يعنى لا ينقصكم من أجورها فدل على ان معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم وكذلك ما روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁: "أن رسول الله ﷺ أعطى رهطاً وأنا جالس فترك رسول الله ﷺ رجلاً هو أعجبهم إليّ فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمناً فقال رسول الله: "أو مسلماً؟ " فسكت قليلاً ثم غلبني ما علمت منه فعدت لمقالتي فقلت: مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمناً فقال: "أو مسلماً؟ " ثم غلبني ما أعلم منه فأعدت وأعاد رسول الله ﷺ مقالته ثم قال: "يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية من أن يكبه الله في النار على وجهه" قال الزهري فيرى يعني رسول الله ﷺ أن الإسلام هو الكلمة مع التزام الأعمال، والإيمان هو العمل الصالح، قلنا فعلى هذا قد يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام إلا إلى الكفر بالله ،

стр. 147

فالإيمان هو الإسلام وزيادة، وحقيقته ما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون" وفي رواية " بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" ولمسلم وأبي داود "فأفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" وقد أخبر الله عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وأخبر عن يوسف ﵇ أنه دعا بالموت على الإسلام، وهذا كله يدل على ان الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق، وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : " يا عدي أسلم تسلم" قلت: وما الإسلام؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها حلوها ومرها" فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام، ثم ان الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع وليس المراد الإتيان بلفظها من غير تصديق بهما ولا عمل بمعناهما بل ذلك كله داخل في الإسلام، وقد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام﴾ بالتوحيد قولاً وعملاً واعتقاداً صادقاً قاله طائفة من السلف منهم محمد بن جعفر بن الزبير، وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام كالأعراب الذين أخبر عنهم فإنه ينفى عنهم رسوخ الإيمان في القلب وأثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل إذ لولا هذا القدر لم يكونوا مسلمين وإنما نفى عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه ونقص بعض واجباته وهذا مبني على ان التصديق القائم بالقلوب يتفاضل وهذا هو الصحيح من مذاهب جماهير السلف وهو أصح الروايتين عن أحمد، فإن إيمان الصديقين الذين تتجلى أنوار المعرفة لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك ولا الارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لم يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله الشك ولهذا جعل رسول الله ﷺ مرتبة الإحسان أن يعبد ربه كأنه يراه وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين، ومن هنا قال بعضهم ما سبقهم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره وسئل ابن عمر ﵄ هل كان الصحابة ﵃ يضحكون قال: نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال، فأين هذا ممن الإيمان في قلبه يزن ذرة أو شعيرة كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار، فهو لا يصح أن يقال لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم.

стр. 148

مسائل الإيمان والإسلام والفرق الضالة: (وهذه المسائل) أعني مسائل الإيمان والإسلام والكفر والنفاق مسائل عظيمة جداً فإن الله علق بهذه الأشياء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها وقع في هذه الأمة وهو كخلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعد خلاف المعتزلة، خلاف المرجئة القائلين أن الفاسق مؤمن كامل الإيمان. وقد صنف العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسائل تصانيف متعددة وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي، وغيرهم من الأئمة الأعلام، فمن حقق هذا المعنى في الإيمان وعرفه ومازه حصلت له المعرفة وكمال الإدراك بمعنى قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" الحديث، ثم صار وسطاً بين طرفين فينفي بها نفياً معه إثبات، ويثبت إثباتاً معه نفي، فلا يقول مؤمن كامل الإيمان كما قالته المرجئة، ولا كافر خارج عن الملة مخلد في النار كما قالته الخوارج، بل ليس إيمانه تاماً، فهو مؤمن واهن الإيمان جارية عليه أحكام الإسلام. قال النووي في شرحه هذا الحديث: وأمثاله مما اختلف العلماء في معناه فالقول الصحيح الذي قاله المحققون ان معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره، كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل ولا عيش إلا عيش الآخرة وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق" وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه ﷺ على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا قال لهم ﷺ : " فمن وفى منكم فأجره على الله ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه " فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق

стр. 149

والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان، ان تابوا سقطت عقوبتهم، وان ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله عفا عنهم وأدخلهم الجنة، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة، فكل هذه الدلائل تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه، ثم ان هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثيراً، وإذا ورد حديثان مختلفان ظاهراً وجب الجمع بينهما، وقد وردا ههنا فيجب الجمع وقد جمعنا، وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلاً مع علمه بورود الشرع بتحريمه، وقال الحسن وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري: معناه ينزع اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله المؤمنين، ويستحق اسم الذم فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق. وعن ابن عباس ﵄: ان معناه ينزع منه نور الإيمان وقال المهذب تنزع منه بصيرته في طاعة الله وفيه حديث مرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال: " إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان" رواه الترمذي وأبو داود.

стр. 150

حكم الفاسق: (وقد انقسم الناس) في الفاسق من أهل الملة كالسارق والزاني والشارب ونحوهم على ثلاثة أقسام طرفين ووسط. (أحد الطرفين) أنه ليس بمؤمن بوجه من الوجوه ولا يدخل في عموم الأحكام المتعلقة باسم الإيمان، ثم من هؤلاء من يقول هو كافر كاليهودي والنصراني، وهو قول الخوارج وفيهم من يقول ننزله منزلة بين المنزلتين وهي منزلة الفاسق وليس هو بمؤمن ولا كافر وهم المعتزلة، وهؤلاء يقولون أن أهل الكبائر يخلدون في النار وان أحداً منهم لا يخرج منها وهذا من مقالات أهل البدع التي دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على خلافه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فسماهم الله مؤمنين وجعلهم إخوة مع

стр. 151

الاقتتال وبغي بعضهم على بعض وقال تعالى في بيان الكفارة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولو أعتق مذنباً أجزأه عتقه بإجماع العلماء ولهذا يقول العلماء السلف في المقدمات الاعتقادية لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يخرجه من الإسلام بعمل، وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي ﷺ ولم يحكم فيهم حكم من كفر ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا وقطع هذا ورجم هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول: " لا تكونوا أعوان الشياطين على أخيكم" وأحكام الإسلام كلها مرتبة على هذا الأصل. (الطرف الثاني) قول من يقول إيمانهم باق كما كان لم ينقص، بناء على ان الإيمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم وهو لم يتغير وإنما نقصت شرائع الإسلام، وهذا قول المرجئة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وهو أيضاً قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين والتابعين لهم بإحسان قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ والآيات في ذلك والأحاديث كثيرة جداً كما تقدمت وقد تقدم أيضاً إجماع السلف على ان (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) ومدين ذلك أنه قول القلب وعمله، وثم قول اللسان وعمل الجوارح، فأما قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر، ويدخل في ذلك الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ لأنه في معنى الإيمان برسالته (ثم الناس) في هذا على أقسام: منهم من صدق به جلة ولم يعرف التفصيل. ومنهم من صدق به إجمالاً وتفصيلاً. ثم منهم من يدوم استحضاره فيه بما قذف الله في قلبه من النور والآيات. ومنهم من جزم به لدليل قد تعترضه منه شبهة أو لتقليد جازم، وهذا التصديق يتبعه عمل القلب وهو حب الله ورسله وتعظيم الله ورسله وتعزير الرسول وتوقيره وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الأحوال. فهذه الأعمال القلبية كلها من الآيات، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة للمعلول ويتبع الاعتقاد قول اللسان ويتبع عمل القلب عمل الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك، وعند هذا فالقول الوسط الذي هو قول

стр. 152

السنة والجماعة أنهم لا يسلبون اسم الإيمان على الإطلاق ولا يثبتونه على الإطلاق، بل يقولون هو مؤمن ناقص الإيمان، أو هو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ويقال ليس بمؤمن حقاً، أو ليس بصادق الإيمان، وكل كلام أطلق في الكتاب والسنة فلا بد أن يدين المراد منه، والأحكام منها ما يترتب على أصله وفرعه كاستحقاق الحمد والثواب وغفران السيئات ونحو ذلك. إذا علمت هذه القاعدة فالذي في الصحيح قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا تنتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها وهو حين ينتهبها مؤمن" والزيادة التي رواها أبو داود والترمذي صحيحة وهي مفسرة للرواية المشهورة، وفي قوله ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود: "إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان" دليل على أن الإيمان لا يفارقه بالكلية، فإن الظلة تظلل صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط، وأحسن ما قيل في معنى هذا الحديث أن نفس التصديق الفارق بينه وبين الكافر لم يعدمه لكن هذا التصديق لو بقي على حاله لكان صاحبه مصدقاً بأن الله حرم هذه الكبيرة وأنه تعالى توعد عليها بالعقوبة العظيمة، وأنه تعالى يرى الفاعل ويشاهده، وهو تعالى مع عظمته وجلاله وكبريائه يمقت هذا الفاعل فلو تصور هذا التصور لامتنع صدور الفعل منه متى فعل هذه الخطيئة فلا بد من أحد ثلاثة أمور: وإما اضطراب العقيدة بأن يعتقدان ان الوعيد ظاهره ليس كباطنه، وإنما المقصود منه الزجر كما قالته المرجئة أونما يحرم هذا على العامة دون الخاصة كما قالته الإباحية وغير ذلك من العقائد المكفرة التي تخرج عن الملة. وإما الغفلة والذهول عن التحريم وعظمة الرب تعالى وتقدس وشدة بأسه فيغتر بسعة رحمته وغفرانه ويقتحم هذا الذنب الكبير ولا يبالي. وإما فرط الشهوة بحيث تقهر مقتضى الإيمان وتمنع موجبه فيصير الاعتقاد مغموراً مقهوراً كالعقل في النائم والسكران وكالروح في النائم ومعلوم أن الإيمان الذي يسمى إيماناً ليس باقياً كما كان إذ ليس مستقراً في القلب ظاهراً، واسم الإيمان عند الإطلاق إنما ينصرف إلى من يكون إيمانه باقياً على حاله عاملاً عمله وهو يشبه من بعض الوجوه روح النائم فان الله سبحانه يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها

стр. 153

والنائم ميت من وجه حي من وجه وكذلك السكران والمغمى عليه، عاقل من وجه وليس بعاقل من وجه، فإذا قال القائل السكران ليس بعاقل فإذا صحا عاد عقله إليه كان صادقاً مع العلم أنه ليس بمنزلة البهيمة إذ عقله مستور وعقل البهيمة معدوم بل الغضبان ينتهي به الغضب إلى حالة يعزب فيها عقله ورأيه، وفي الأثر: (إذا أراد الله أنفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم ليعتبروا) فالعقل الذي به يكون التكليف لم يسلب، وإنما سلب العقل الذي به يكون صلاح الأمور في الدنيا والآخرة، كذلك الزاني والسارق والشارب والمنتهب لم يعدم الإيمان الذي يستحق أن لا يخلد في النار وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة وبه يستحق المناكحة والموارثة، لكن عدم الإيمان الذي يستحق به النجاة من العذاب ويستحق به تكفير السيئات وقبول الطاعات وكرامة الله ومثوبته وبه يستحق أن يكون محموداً مرضياً، وهذا يبين ان الحديث على ظاهره الذي يليق به، فلا يؤوّل بتأويلات تخرجه ونظائره عن مقصود رسول الله ﷺ ، وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد عن علماء السلف كسفيان ابن عيينة وأحمد بن حنبل والزهري وأنهم يقرؤون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت ويكرهون تأويلها بما يخالف اللائق بها على مراد الرسول فيها، ونص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على ان مثل هذا الحديث لا يتأول تأويلاً يخرجه عن ظاهره المقصود به، وقد تأوله الخطابي وغيرهم تأويلات مستنكرة مثل قولهم لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي أي ينبغي للمؤمن أن لا يفعل ذلك وقولهم المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة النفي وإنما شاع ذلك لما بين حاله وحال من عدم الإيمان من المشابهة والمقاربة، وقولهم إنما عدم كمال الإيمان وتمامه أو شرائعه أو ثمرته ونحو ذلك، فكل هذه التأويلات لا يخفى حالها على من أمعن النظر فيها فالحق ما تقدم من معنى القول فيها والله أعلم.

стр. 154

كفر دون كفر: (وأما قولكم وقد عقد البخاري في صحيحه باباً الكفر دون كفر) فنقول: من أطلق الشارع كفره بالمعاصي التي لا تخرجه عن الملة كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافاً فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضاً أو في دبرها ونحو ذلك، فإنما هو تشديد لا يخرج به عن ملة الإسلام بل كفر نعمة، قاله طوائف من

стр. 155

العلماء عن أئمة الفقه والحديث، وكره ابن رجب في شرح البخاري كغيره من الشراح عن أكثر الشيوخ من العلماء، وقد قال القاضي عياض وجماعة من العلماء في قوله: "من أتى عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمد" أي جحد تصديقه بكذبهم فقد يكون معناه ان اعتقد تصديقهم بعد معرفتهم بتكذيب النبي ﷺ لهم فهو كافر كفراً حقيقة، وما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى لا مخالفة فيه إذا وجد شرطه إذ فيه تكذيب الرسول ﷺ فيما جاء به، وتكذيب الكتاب، وهذا النوع ليس نعني هنا، مع أنه داخل في عموم دعوانا على أهل الباطل من أنهم يصدقونهم فيما يقولون لهم ويعملون به بعد سماعهم نهي النبي عنهم وتكذيبه لهم، بل أكثرهم يعلمونه ويسمعونه عناداً للدين وإتباعاً للشياطين والمعاندين وما ادعوا ولايتهم وهم مردة الشياطين، وإنما نعني ما هو كفر دون كفر لا يخرج عن الإسلام ككفران العشير وهو ما عنى البخاري رحمه الله تعالى، وقوله باب كفران العشير وكفر دون كفر فيه عن إبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ ثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "رأيت النار ورأيت أكثر أهلها النساء بكفرهن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط"، فقد أعرض النبي ﷺ عن السائل القائل أيكفرن بالله فأجابه بما هو ليس من المخرج عن الملة بل من الذنوب التي يستقر معها حكم الإسلام فقال: " يكفرن العشير" كفران العشير كفران نعمة لا يخرج عن الملة، وقد نص عليه أئمة الحديث من العلماء في شرح البخاري وغيره، ولهم في هذه الأحاديث التي يطلق الكفر فيها مسالك، منهم من يحملها على من يفعل ذلك مستحلاً، ومنهم من حملها على التغليظ لا على الكفر الذي ينقل، منهم ابن عباس وعطاء، قال النخعي: هو كفر بالنعم، ونقل عن الإمام أحمد وقاله طاووس، وحكى ابن حامد عن الإمام أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج عن الملة، وروي عن أحمد أنه كان يتوقى الكلام في تفسيره هذه النصوص تورعاً ويمرها كما جاءت من غير تفسير لها كغيره من أئمة السلف كما تقدم مع اعتقادهم ان المعاصي لا تخرج عن الملة وقد قال البخاري: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول

стр. 156

النبي ﷺ : "انك امرؤ فيك جاهلية " وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فسماهم مؤمنين. (وأما قولكم وقال العلامة ابن القيم في كتابه في الصلاة الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة كفر عملي وتحقيقه ان الكفر كفر عملي كفر جحود، فكفر الجحود ان يكفر بما علم ان الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه إذ حقيقة الإيمان التصديق وأما الكفر العملي فهو نوعان نوع يضاد الإيمان ويصير فاعله في حكم الكفر الاعتقادي كالسجود للصنم وسب الرسول وقتله والاستهزاء والاستهانة بالمصحف والذي يقوي عندي أن يكون هذا من الكفر الاعتقادي والعملي معاً، فإنه لا يسجد للصنم وهو مؤمن بالله ولا يهين المصحف أو يسب نبياً أو يقتله وهو مصدق أنه نبي، ألا ترى إلى قريش في صلح الحديبية لم يرضوا أن يكتب "هذا ما صالح عليه رسول الله وقالوا: اكتب محمد بن عبد الله لو نعلم أنك رسول الله لما صددناك عن البيت" الحديث، ونوع لا يضاده كالحكم بغير ما أنزل الله فان الله سمى فاعله كافراً ومثله تارك الصلاة سماه رسول الله كافراً كما سمعته آنفاً ولكن هذا كفر عملي لا كفر اعتقاد) . فنقول: أنتم إنما فهمتم من كلام ابن القيم ان الكفر الصريح لا يصرن عملياً بل هو خاص بالاعتقادي أو مع اقترانه بالعملي فأما مجرد العملي فلا يكون كفراً موجباً للردة حقيقة وفهمتم منه أيضاً ان مراده بالكفر العملي عمل الجوارح الخاص بها وهذا فهم باطل وتعليل عاطل من وجوه: (أحدها) : أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد شنع في كلامه التشنيع الكلي على من شك في كفر تارك الصلاة كفراً موجباً للردة والخلود في النار والحالة هذه وعبارته ما نصه: "ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودُعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه وشد للقتل وعصبت عيناه وقيل له تصلي وإلا قتلناك فيقول اقتلوني ولا أصلي أبداً، ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول هذا مؤمن مسلم يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وبعضهم يقول هو مؤمن

стр. 157

كامل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل أفلا يستحي من هذا قوله، من إنكاره تكفير من شهد بتكفير الكتاب والسنة واتفاق الصحابة. (الثاني) : أنه جعل في كتابه في الصلاة شعب الإيمان قسمين قولية وفعلية وكذلك شعب الكفر نوعين قولية وفعلية فكما ان من شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان كالصلاة، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية فكما يكفر بكلمة الكفر اختياراً وهي شعبة من شعب الكفر، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف والصلاة وقتل الأنبياء فإنه كفر عملي. (الثالث) : أنه جعل حقيقة الإيمان مركبة (من قول) وقسمه إلى قسمين: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام (ومن عمل) وقسمه إلى قسمين أيضاً، عمل القلب وهو نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده، وعمل الجوارح، ورتب زوال الإيمان بكماله على زوال هذه الأربعة، فإن زال بعضها، فإن كان التصديق، لم ينفع باقي ما أتى به، وان كان غيره، فإن كان عمل القلب فقط أو مع الجوارح فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وانه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده للأوامر وان عملت الجوارح ظاهراً ومع انتفاء عملها اللازم منه انتفاء عمل القلب وعبارته ما نصها: ومنها أصل آخر وهو ان حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب وهو اعتقاده وتصديقه، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله وإذا زال تصديق القلب لم تنفعه بقية الأشياء فإن تصديق القلب شرط في اعتبارها لكونها نافعة صحيحة، وإذا زال عمل القلب فقط مع وجود اعتقاد الصدق أو زال عمل الجوارح أيضاً فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع مجرد التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده للأوامر سواء عملت الجوارح ظاهراً أو لم تعمل ووجد التصديق، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول بل ويقرون به سراً وجهراً ويقولون ليس بكاذب ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به وإذا

стр. 158

كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم عمل الجوارح، ولاسيما إذا كان ملزوماً لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعته الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان فإنه ليس مجرد التصديق كما تقدم كلامنا فيه ودلائلنا عليه، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس مجرد معرفة الحق وتثبيته، بل هو معرفة المستلزمة لإتباعه والعمل بموجبه، وان سمي الأول هدى فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن التصديق وان سمي تصديقاً فليس هو التصديق المستلزم للإيمان. (الرابع قوله) : وههنا أصل آخر وهو ان الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم ان الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكام دينه وما جاءت به رسله، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالأول: كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه والاستهزاء بما جاء به والحكم بغير ما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص حكم الله عياناً راضياً بذلك وترك الصلاة عناداً وبغياً. الثاني: من أتى بمعصية لا تخرجه عن الإيمان بالكلية كالزاني والسارق وشارب الخمر ومن لا يأمن جاره بوائقه، لكن السجود لصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه والاستهزاء بما جاء به عمل قلبي لظهوره مضاد للإيمان، وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي المحض قطعاً ولا يمكن ان ينفي عنه اسم الكفر بعد ان أطلقه الله ورسوله عليه بلا قرينة تقتضي انتفاءه عنه كما انتفت حقيقته عن مرتكب الكبيرة مع تسميته كافراً فالحكم بغير ما أنزل الله كافر وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ﷺ ولكن هو كفر عملي لا كفر اعتقادي ومن الممتنع أن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً وسمى رسوله تارك الصلاة كافراً ولا يطلق

стр. 159

عليهما اسم الكفر حقيقة مع انتفاء نص على بقائهما مؤمنين فان مراد ابن القيم ﵀ بالكفر العملي هنا زوال شعبة فعلية موجب زوالها زوال الإيمان وثبوت شعبة فعلية من شعب الكفر موجب ثبوتها ثبوت الكفر، فالعملي هنا أعم من عمل القلب والجوارح في الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة وغيرهما وان بقي قول القلب وهو اعتقاده وتصديقه لانتفاء عمله وهو محبته وانقياده لفعل الأوامر، وفائدة قوله العملي المحض أي مع بقاء تصديق القلب من غير انقياد، وهو لا يستلزم الإيمان الموجب للإسلام. (الخامس) : تصريحه بأن ترك الصلاة عمداً والحكم بغير ما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص حكم الله عياناً عمداً كفر حقيقة مضاد للإيمان. (السادس) : تفصيله وتفرقته بين كفر تارك الصلاة والحاكم بغير ما أنزل الله بشرطه، وبين كفر السارق والزاني وشارب الخمر ومن لم يأمن جاره بوائقه، فجعل كفر هؤلاء من جهة أعمالهم الظاهرة في قوله، وقد نفى النبي ﷺ اسم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لم يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل الظاهر منه منتف عنه كفر عمل القلب لبقاء محبته وانقياده حكماً، فحكم الإسلام جار عليه كما تقدم، لكن ليس بمؤمن حقاً، وإلى ذلك أشار بقوله وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد إذ عمل القلب هنا باق لم يفقد زيادة على قوله الذي هو التصديق وكذا قوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" فهذا كفر عملي ظاهر في الجوارح فقط، وعمل القلب على حاله كما تقدم في الذي قبله، وكذا يقال في قوله ﷺ : "من أتى كاهناً فصدقه أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد " وقوله: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" وأمثاله هذا كما تقدم الكلام فيه موضحاً. (السابع) : جعله الإيمان العملي يضاده الكفر العملي فيما إذا اتصف شخص بذاك تارة وبهذا أخرى كالذين ثبت إيمانهم بما عملوا به من الميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب ﴿لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ثم ثبت

стр. 160

كفرهم بما تركوه منه ومخالفتهم له، كمن يؤمن عاملاً ببعض ويعرض تارة عن بعض، فالإيمان الاعتقادي والحالة هذه يضاد الكفر الاعتقادي، وقد أعلن النبي ﷺ بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ففرق بين سبابه وقتاله، وجعل أحدهما فسقاً لا يكفر به، والآخر كفر، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي الظاهر لا الاعتقادي، وهو عمل القلب، فما دام محباً منقاداً لفعل الأوامر لزم منه فعل المأمورات من صلاة وغيرها، ومتى فقد عمله فقدت المأمورات وان وجد قوله وهو مجرد التصديق بلا انقياد، وإذا حصلت هفوة للقلب بوجود الران عليه من نحو شدة فرط الشهوة فحصل شيء من المعاصي المتقدمة الظاهرة في الجوارح وعمل القلب باق على ما كان عليه أولاً فحكم الإسلام باق ولكن انتفى عنه كمال الإيمان بظاهر أعماله السيئة، ومتى أطلق عليه اسم الكفر بذلك فإنه لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية كما تقدمت دلائله من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وان زال عنه اسم الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فان المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقاً أخرجوا من الملة أهل الكبائر ونصوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقاً جعلوهم مؤمنين، وهؤلاء الذين جعلوهم مؤمنين لا يرون ترك الصلاة كفراً بل عندهم الإيمان مجرد التصديق وهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة. (الثامن) : انه قد قال والمقصود ان سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلماً ولا مؤمناً، إلى أن قال هل هي شرط لصحة الإيمان، هذا سر المسألة، والأدلة التي ذكرناها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه ورأس مال ربحه، ومحال بقاء الربح بلا رأس مال، فإذا خسرها خسر أعماله كلها وان أتى بها صورة، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا في قوله: "وإن ضيعها فهو لما سواها أضيع" وفي قوله: " أول ما ينظر في أعماله الصلاة فإن جازت له نظر في سائر أعماله، وان لم تجز له لم ينظر إلى شيء من أعماله" فصريح كلام ابن القيم المتقدم موافق لكلام الله وسنة رسوله ان

стр. 161

تارك الصلاة عمداً كافر مستوجب لخلوده في النار، وقد زعم صاحب المقدمة ان الكفر الحقيقي خاص بالاعتقاد وهو عدم تصديق القلب أو مع عمل الجوارح أيضاً كالسجود للصنم وإهانة المصحف وقتل النبي فأما فقدان عمل القلب فقط فلا يكون كفراً حقيقياً واستدل على ذلك بقوله: ولا يهين المصحف أو يسب نبياً أو يقتله وهو مصدق أنه نبي، وبقول قريش لو نعلم انك رسول الله لما صددناك عن البيت وزعمه ذلك وهم باطل وفهم عاطل من وجوه: (أحدها) : انه قد فهم ان العمل إنما منشأه ومورده الجوارح خاصة، فأما القلب فليس فيه إلا الاعتقاد وهو التصديق خاصة وهذا مناف لمعرفة حقيقة الإيمان الذي تترتب على معرفته دعوى العلم والقول به، فان حقيقته مركبة من عمل القلب وهو محبته وانقياده وإخلاصه لفعل الأوامر وإتباع الرسل في كل ما جاؤا به من عند الله، وعمل الجوارح فيما يوجد من قبلها عند طاعة القلب وانقياده قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ومن قوله وهو تصديقه في كل ما جاءت به الرسل وقول اللسان وهو المتكلم بكلمة الإسلام والإقرار بما يجب الإيمان به، ففي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فإن أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ولفظه لمسلم. (الثاني) : انه فهم ان الإيمان يكفي فيه مجرد التصديق القلبي وان لم يوجد عمله ولا عمل الجوارح وهذا بعينه قول المرجئة ومعتقدهم، فإنهم يقولون الإيمان قول بلا عمل، وقد رد البخاري وغيره من الأئمة الأعلام على هؤلاء القوم اللئام وبينوا غلطهم وسوء اعتقادهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة كمالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين وأهل العراق والحجاز

стр. 162

والشام وغيرهم قال البخاري في رده عليهم باب أمور الإيمان وباب الصلاة من الإيمان وباب الزكاة من الإيمان وباب الجهاد من الإيمان، فأهل السنة مجمعون على أنه متى زال عمل القلب فقط أو هو مع عمل الجوارح زال الإيمان بكليته وان وجد مجرد التصديق فلا ينفع مجرداً عن عمل القلب والجوارح معاً أو أحدهما، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول ﷺ سراً وجهراً. (الثالث) : قوله والذي يقوى عندي أن يكون هذا من الكفر الاعتقادي والعملي معاً فإنه عني بالاعتقاد عدم التصديق من الذين سبوا الرسول واستهزؤوا به وهذا يرده صريح قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ قال المفسرون معنى ذلك أنهم لا يكذبونك يا محمد ولكنهم يجحدون آيات الله، فالجحدان والتكذيب راجع للآيات نفسها لا للرسول، فان القوم لم يكونوا يكذبونه في السر بل أكثرهم يصدقه علانية فان الحرب ابن عامر من قريش قال: يا محمد والله ما كذبت قط ولكن ان اتبعناك نتخطف من أرضنا فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب وقال الأخنس بن شريق لأبي جهل: يا أبا الحكم اخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا فقال له: والله ان محمداً لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فهم لا يكذبونه بقلوبهم بل ولا بألسنتهم فيما بينهم ولكن لا يعترفون به ظاهراً عنده، فهم وان قالوا ظاهراً لولا أنزل عليه ملك، يعرفونه في قلوبهم كما يعرفون أبناءهم لكن منهم من يتعنت فيقوله بلسانه يجب أن يكون رسول الله من جنس الملائكة، وذكر الله ذلك عنهم في سورة الأنعام شبهة لهم وأجاب تعالى عنهم، ومنهم من يقول ان محمداً يخبرنا بالحشر والنشر بعد الموت وذلك محال، وكانوا يستدلون بامتناع الحشر والنشر على الطعن في رسالته ظاهراً فذكر الله ذلك وأجاب عنهم بأجوبة كثيرة هي موجودة في القرآن فشافهتهم له بالسفاهة والاستهزاء أو القتل كما قتلوا الأنبياء من قبل وقلوبهم معترفة ولكن جحدوا بآيات ربهم كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ .

стр. 163

الحكم بغير ما أنزل الله كفر عملي: (الرابع) : نفيه الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، ان يكونا عملي قلب بل جعلهما عمل جوارح خاصة، واستدل به على عدم كفر من لم يحكم بما أنزل الله عياناً عمداً، وتارك الصلاة عمداً، لوجود التصديق والاكتفاء به، فأما كفر من لم يحكم بما أنزل الله فقد قال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عياناً عمداً لعدم انقياده له والعمل به محبة وإتباعاً فانه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعته الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده للنص عدم التصديق المستلزم للطاعة التي هي حقيقة الإيمان، فإما مجرد التصديق من غير استلزام ولا انقياد فليس بإيمان البتة، وإذا كان كذلك فترك الحكم بما أنزل الله والحكم بغيره من أعمال القلب، لاسيما وقد قال قتادة والضحاك في سبب نزول هذه الآيات انه في اليهود الذين كانوا يعلمون صدق ما حكم عليهم في الكتاب فخالفوهم، وقد قال العلماء ان من خالف نص كتاب الله وحكم بضد ما فيه وما تضمنه عياناً عمداً تناوله حكم هذه الآية لا إن أخطأ معنى التأويل، وقال عكرمة: من عرف بقلبه أنه حكم الله ولم يقر بلسانه وينقد إليه بقلبه بل جحده فقد كفر كفراً لا إيمان معه، أما من اعترف بقلبه ولسانه انه حكم الله ولكنه أخطأ الصواب، أو حكم بضده مع علمه والإقرار به فلا كفر وقد قال ابن عباس وطاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة بل متى وجد منه ذلك كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. وسئل عبد العزيز بن يحيى الكتاني عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فقال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه فكل من لم يحكم بجميع ما أُنزل فهو كافر ظالم فاسق. فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع التي منشؤها الفروع لم يستوجب الكفر حقيقة، وعلى هذا يحمل كلام ابن عباس وطاووس. وأما ترك الصلاة عمداً فهو مناف لحقيقة الإيمان المستلزم للإسلام المترتب على وجوده تخلية السبيل، فإنها وان اقترن فعلها بالجوارح ظاهراً فهي مستلزم عملها لعمل القلب ظاهراً وباطناً فان وجد علمه وجدت، وان عدم عدمت، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى مفصلاً. بأدلته التفصيلية من الكتاب والسنة وكلام صالح سلف الأمة.

стр. 164

(وأما قولكم أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أنه ليس كفراً ينقل عن الملة انه كفر دون كفر وقال عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق) . فنقول: كلام ابن عباس ﵄ فيمن لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع التي منشأها الفروع خاصة مع الاعتراف بالقلب والإقرار باللسان إنما عدل عنه هو حكم الله كما قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ان من عرف بقلبه انه حكم الله ولم يقر بلسانه ولم ينقد إليه بقلبه بل جحده فقد كفر كفراً لا إيمان معه وأن من اعترف بقلبه وأقر بلسانه أنه حكم الله ولكنه أخطأ الصواب وأتى بما يضاده من مسائل الفروع التي ليس لها تعلق بالأصل من غير استحلال فلا يدخل في الكفر الحقيقي. وقد سئل علقمة ومسروق وابن مسعود عن الرشوة في الحكم أهي من السحت فقال: ذاك الكفر ثم تلا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ومن لم يحكم بما أنزل الله الآية قال من لم ينقد إليه بقلبه ولم يقر بلسانه كفر كفراً حقيقياً، ومن أقر به وانقاد إليه ولكنه لم يحكم به ظاهراً فهو ظالم فاسق. رواه ابن جرير، وقال عبد الرزاق عن الثوري عن زكريا عن الشعبي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، قال: هذا في المسلمين ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالمون﴾ قال: في اليهود ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقون﴾ قال: في النصارى. وكذا رواه هشام والثوري عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي، وقال البراء وحذيفة وابن عباس وغيرهم نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ في أهل الكتاب، قال الحسن وهي علينا واجبة وقال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم الحربي نزلت في بني إسرائيل رضي الله لهذه الأمة نبيها فعفى عنها الكفر. وسبب النزول وان كان خاصاً فعموم اللفظ إذا لم يكن منسوخاً معتبر ولأن قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله كلام داخل فيه كلمة من في معرض الشرط فتكون للعموم، لكن تحقيق معنى الآية ان الحكم بغير ما أنزل الله ان كان في الأصل من

стр. 165

التوحيد وترك الشرك، أو كان في الفروع ولم يقر اللسان وينقد القلب فهو كفر حقيقي لا إيمان معه كما تقدم عن عكرمة، فأما من اعترف بقلبه وأقر بلسانه بحكم الله ولكنه عمل بضده ظاهراً في الفروع خاصة فليس بكفر ينقله عن الملة قال طاووس: ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال الثوري عن ابن جريح عن عطاء أنه قال: هذا كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق درن فسق. رواه ابن جرير وقال وكيع عن سعيد المكي عن طاووس قال: ليس الحكم في الفروع بغير ما أنزل الله مع الإقرار بحكمه والمحبة له ينقل عن الملة وعن طاووس عن ابن عباس قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه. رواه الحاكم وقال على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد جنح الخوارج إلى العموم لظاهر الآية وقالوا أنها نص في ان كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافراً. وقد انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على خلافهم، ونحن لم نكفر إلا من لم يحكم بما أنزل الله من التوحيد بل حكم بضده وفعل الشرك ووالى أهله وظاهرهم على الموحدين أو من لم يقم أركان الدين عناداً وبغياً بعد ان دعوناه فامتنع وأصر أو من جحد ما جاء به الرسول ﷺ من سائر الأمور الدينية والمغيبات الإيمانية.

стр. 166

الجمع بين حديثي "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " وبين حديث " لا يزني الزاني ... ": (وأما قولكم قال ابن القيم ان الصحابة والتابعين لما رأوا تعارض الأحاديث مثل حديث حتى يقولوا لا اله إلا الله وحديث من قال لا اله إلا الله دخل الجنة وان زنى وان سرق، مع ان الجنة محرمة على الكافرين كما دلت عليه النصوص القرآنية مع هذه الأحاديث التي تقدم ذكرها من وصف من أتى بهذه المعاصي من عدم الحكم بما أنزل الله وترك الصلاة عامداً وإتيان الكاهن وغيرها بالكفر مع ان مرتكب هذه الخصال مقر بالشهادتين معتقد لهما ذهبوا إلى تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين اللذين هما كفر اعتقاد وكفر عمل) . فنقول: أما كلام ابن القيم الذي قاله بفمه محبه بقلمه فهو ان الاعتقاد ما كان من وظائف القلب الشامل لعمله كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر

стр. 167

وبالقدر وتصديق الرسول فيما جاء به وأخبر عنه، والعمل بمقتضى ذلك شرط في صحة الإيمان، أو ما يضاده من التكذيب أو الشرك أو عدم العمل به بعدم الحكم بما أنزل الله ان كان فيه رد لنص حكم الله عياناً عمداً، وترك الصلاة بالكلية عامداً عناداً. فالأول هو الدين الذي لا يقبل الله غيره. والثاني هو الكفر الذي ليس معه إيمان. فأما أعمال الجوارح الظاهرة كالزنا وشرب الخمر وإتيان الكاهن بلا تقديم لكلامه على كلام الرسول ومن لم يأمن جاره بوائقه وضرب أعناق بعض المسلمين بعضاً وعدم الحكم بما أنزل الله في الفروع التي ليست من أصل الدين مع الاعتراف بحكم الله في قلبه وقوله ومحبته واختياره وانقياده إليه فيهما وعدم المحافظة على الصلاة في أوقاتها فهذا وان أطلق الشارع على مرتكبه الكفر فلا يخرج عن الملة لحديث أبي ذر وغيره وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وعلى هذا مضى سلف الأمة وخيارها وهم أعلم بمعنى كلام الله ونص رسوله ﷺ . فإن الصحابة والتابعين لما رأوا تعارض الأحاديث مثل حديث " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وحديث "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وان زنى وان سرق" مع هذه الأحاديث التي تقدم ذكرها من وصف من أتى بهذه المعاصي كعدم الحكم بما أنزل الله وترك الصلاة عن وقتها عامداً وإتيان الكاهن وغيرها بالكفر ونفي الإيمان عن الزاني والسارق والشارب مع ان الجنة محرمة على الكافرين كما دلت عليه النصوص القرآنية ومرتكب هذه الخصال مقر بالشهادتين معتقد لهما ذهبوا إلى تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين اللذين هما كفر اعتقاد وكفر عمل، فمنه يعلم معنى جعله ترك الصلاة بالكلية وعدم الحكم بما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص حكم الله عياناً عمداً كفر عملي انه عني عمل القلب وهو عدم انقياده ومحبته لأوامر الله والعمل بها ظاهراً وباطناً، فأما ان كان قد جحد وأنكر شيئاً من أركان الدين فهو اعتقاد محض وان كان الترك مع الإقرار والاعتراف فهو من عمل القلب المحض، وعمله ملحق باعتقاده في عدم انقياده كما قدمه آنفاً فبذلك فارق أعمال الجوارح الظاهرة من سائر المعاصي التي لا تخرج عن الملة وتقسيم اسم الكفر إلى قسمين باعتبار أعمال الجوارح الظاهرة واعتقاد القلب الشامل لعمله، ولأن قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" دليل على انه لا بد من إقامة حقها ومن

стр. 168

أعظمه أقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما تقدم عن الصحابة والتابعين، ولحديث ابن عمر بني الإسلام على خمس فعدّ منه هذين الركنين اللذين هما أعظم دعائمه بعد الشهادتين، وكذا الحكم بما أنزل الله فيما نص على حكمه عياناً وتصديق الرسول ﷺ في كل ما جاء به وأخبر عنه والعمل بمقتضى ذلك شرط في صحة الإيمان المقتضي للإسلام وحديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة مطلق، والأحاديث التي وردت في الصلاة ونفي الشرك مقيدة وكذا الآيات، والمطلق يحمل على المقيد. وقد انعقد الإجماع على ان كلام الله وكلام رسوله لا يخالف بعضه بعضاً وانه لا يخرج أحد من المسلمين بعمل ذنب من غير استحلال له، فيا سبحان الله كيف يدلي علينا بكلام ابن القيم من لم يعلم حقيقة أمرنا وما أدلى به علينا فإنه يزعم انا نكفر بالذنوب وهذا توهم منه وجراءة وبهتان بلا خشية علام الغيوب فهو من القول بلا حلم والحكم بلا علم ومن تصدر لدعوى القول والقيل فإنما يطلب منه الدليل. وإذا أقررتم بالكفر الاعتقادي وبالحكم به على المشركين فلما لا تحكمون به على هؤلاء الذين يعتقدون النفع والضر في المخلوقين من الأولياء أو من الشياطين وان الله أعطاهم وفوّض إليهم فهم ينفعون ويضرون ويقبضون ويبسطون وأنهم للخلق أولياء مع الله، ويشفعون فيما سئل منهم وفي الكون يتصرفون بل تعترضون علينا في رسائلكم ومقدماتكم وتقولون ان ذوى العقائد الذين اعتقدوا أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون في جلب ما طلب منهم ويفرون كما اعتقد أهل الجاهلية ذلك في الأصنام لكن هؤلاء جاهلون يقرون بألسنتهم أن لا إله إلا الله ونحن نقول أفلا ميزتم الفرق بين الفريقين إذ الأوّلون لم يعتقدوا ما اعتقده هؤلاء الآخرون من هذا الاعتقاد المنافي للدين والمثبت للفساد هذا لم يعتقده أحد ممن سلف من العباد، وإنما حدث من عمى القلوب والجهل في حقيقة ما هو من العبيد مطلوب، والأولون لم يعتقدوا إلا مجرد الشفاعة والتقريب في نبي أو ملك أو ما هو مصوّر على صورته ليشفع له ويقرب له من الرب المجيب ولم يشركوا في كل حين بل يشركون تارة في مجرد الشفاعة والتقريب، ويخلصون الدين تارة لله رب العالمين، واحراها وقت حاجتهم في كل شدة وغمة يخلصون له الدعوة التي سماها الله ديناً وقولهم لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك دليل على أنهم لم يعتقدوا فيه الضر والنفع والعطاء والمنع والتفويض وإنما

стр. 169

اعتقدوا ما حكى الله عنهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أفلا نهيتم عن هذا الاعتقاد. وأنكرتموه على معتقديه حتى لا تكون فتنة ولا في الدين فساد. بل من نهى عنه أو عن منكر أقل منه نسب ذلك الناهي إلينا. وحصرت عقيدته علينا. فقيل له أو عنه وهابي أو عارضي أو شرقي. وإن كان نائياً عنا ولم يعرفنا. أفلا أجبتم الداعي حين دعاكم إلى سبيل الرشاد. فإن القرآن ينادي وبآياته للسبيل المطلوب يهدي ويبدي وعلى المختلفين يحكم ويقضي. والسنة الغرّاء بما حكم به القرآن تحكم. ولمعانيه المرادة منه تعطي مبتغيها وتتم. ومن استمسك بالكتاب والسنة فقد غنم وسلم قال لحبيبه أفضل الخلق ﷺ معلماً له أن يقول ما يدل على أن الخير والشر من عند الله، وأنه لا يقدر على جلبهما أو دفعهما إلا الله وحده: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى لصفوة خلقه: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وفي البخاري "أنه ﷺ قنت على حي من العرب المشركين يدعو عليهم شهراً" فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وأما الرسول ﷺ فإنه مبلغ عن الله تجب محبته في القلوب على الأهل والنفس والمال والولد، وعلامتها اتباع شرعه وما جاء به، لا عبادته وجعله بمنزلة

стр. 170

رب العالمين، فإنه لم يقاتل هو وصحابه ويعادي ويوالي ويهاجر من بلد مولده ويبارز عشيرته ويمثل بعمه ويرسله الله هو وسائر الرسل وتنزل الكتب إلا بسبب عبادة الله وحده لا شريك له ليكون الدين كله له، وغيره ﷺ من الأولياء من باب الأولى فإن الولى لا ينال الولاية ولا يؤتى الكرامة إلا بالتوحيد قولاً وعملاً واعتقاداً، والإخلاص في اتباع ما جاء به عن الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ وحاشاهم أن يرضوا بزعم من زعم أن لهم من الأمر شيئاً، بل هم أطاعوا الله واتبعوا رسله وأحبوه فأحبهم ورضي عنهم وأكرمهم كما قال جل ذكره: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وأما الأمر فإنه كله لله فليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع إلا من بعد إذنه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ والنبي ﷺ وغيره من سائر الشفعاء لا يشفعون إلا من أذن الله لهم فيها لمن رضي عنهم. ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء يوم القيامة يخر ساجداً ما شاء الله فيقال له ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعط. وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كنت خلف النبي ﷺ يوماً فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وان اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية للترمذي: "احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. واعلم ان ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك. واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وان مع العسر يسراً" وكان من دعائه ﷺ : "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". فهذا كله نص في أن الضر والنفع والاستعانة والدعاء بما لا يقدر عليه إلا الله لا يلتمس شيء من ذلك إلا من الله وحده، وان الخلق ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع إلا من بعد إذنه فلا يدعي بما لا يقدر علية أحد من المخلوقين إلا الله وحده، ولا يتوكل فيه إلا عليه ولا يرجى فيه إلا هو ولا يلتجأ إلا إليه إذ هو المعطي والشافع في القيامة فإنها

стр. 171

إذا وقفت على إذنه كان الأمر كله له فحينئذ نقول اللهم إنا نسألك شفاعة نبيك ﷺ اللهم شفعه فينا، فالعبادة بأنواعها لله وحده ليس له شريك. ولذلك قدم المعمولين ليفيد تقديمهما حصر العبادة والاستعانة لمستحقها وهو الله ﵎ وحده في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ الآية وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ . أفلا تدبرتم معاني هذه الآيات وما ورد في سياقها من الأحاديث. فانقدتم لعمل ما دعت إليه وأعلنت به ودلت عليه من ان الدين كله لله والأمر كله له. فحينئذ وقفتم على صحة عقيدة من نسب العامل بها وبمعانيها والناهي عن ضدها ومخالفيها إليه، إذا قيل له أو عنه وهابي أو عارضي أو شرقي كما قيل في الصدر الأول لمن تبع ما جاء عن الله وخالف من خالف أوامر الله أنه صابئ ومن وافق الحق تبع وان كان واحداً ويسمى وحده أمة. كما قال الله عن إبراهيم حين خالف قومه فيما نهى الله عنه واتبع رضوانه وعمل بتوحيده: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد سمى الله ﵎ كلمة الإخلاص كلمة التقوى لأنها السبب لكل خير دنيوي وأخروي عكس كلمة الفجور، فإنها السبب في كل شر دنيوي وأخروي، ومن اكتفى بمجرد لفظها عن معناها فجانبه وعمل بضدها وهو الكلمة الخبيثة المنافية لاسمها ومسماها من كل فعل أو قول أو اعتقاد خبيث معناه يبطلها ويأباها فإنه قد عكس اسمها في اعتقادها ومنشئها إذ في زعمه أنه متى قالها مع قرينتها وهي الشهادة لمحمد بالرسالة فلا ينافيها من القول أو الفعل أو الاعتقاد مهما قال أو فعل أو اعتقد وهذا مناف لحقيقة الإسلام فزاع عن الإيمان لعدم استسلامه وانقياده للعمل في الدين الذي قال الله عنه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وإذا فقد العمل بمعنى هذه الكلمة الطيبة ووجد العمل بضدها الشامل للقول أو الاعتقاد عدمت بالكلية وان تلفظ بها وقالها باللسان إذ لا يجتمع متضادان في شيء واحد والمثبت له الإسلام في هذه الحالة جامع بين النقيضين وهو غير ممكن فلا أحد كائناً من كان يجعل عبادة الله التي هي خاصة بجلاله لغيره تعالى من الخلق إلا كانت للشيطان وأعوانه كما قال جل ذكره: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ

стр. 172

جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْس﴾ يعنى من إغوائهم في دار الدنيا. (وأما حديث) أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب (فالجواب عنه من وجوه) . (أحدها) : أن لفظ الحديث بيأس لا يئس وإذا كان اليأس جاء من قبل نفسه لأمر رآه من أمور النبوة وانتشارة الدعوة وإنزال التنزيل مع كثرة الإجابة في تلك المواطن فلا مانع من عبادته ولو بعد حين، وإنما يئس لما قام في ذهنه مما رأى مع حرصه على إغواء بني آدم. (الثاني) : ان اللعين كان يداخل الصور التي صوّرها المشركون ويكلمهم فيها كما قال جل ذكره: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ كسرت تلك الصور التي يكلمهم فيها يئس في نفسه ان يعبد كذلك، ولا منافاة ان من عبد الله فعبادته واقعة للشيطان لأن إياسه إنما هو بالنسبة إلى إعادة تلك الصور إلى ما كانت على صفتها الأولى. (الثالث) : انه يئس ان يعبد ظاهراً بلا واسطة قبر أو تمثال كما عبد في غير الجزيرة كذلك فإنه قد وجد من عبد صورته استقلالاً. (وأما بيان) الجزيرة فقال سعيد بن عبد العزيز والأصمعي وأبو عبيدة هي من ريف العراق إلى فدك طولاً ومن تهامة وما وراءها إلى طرف الشام عرضاً وقيل هي من أقصى عدن أبين اسم رجل إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى طرف الشام وقال الخليل إنما قيل لها جزيرة لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاط بها ونسبت إلى العرب لأنها أرضهم ومسكنهم ومعدنهم، وقال الإمام أحمد جزيرة العرب المدينة وما والاها وهو مكة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفيها وما والاها، وهذا قول الشافعي لأنهم لا من تيما ولا من اليمن، والآيات والأحاديث فيما ذكرنا كثيرة جداً ولكن اتباع الهوى من أكبر البلوى ولا أشد ضرراً

стр. 173

على الإنسان من ميل الهوى وإتباعه فيما يسخط الله ﵎ فانه قال عز من قائل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله﴾ عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تحت ظل السماء إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من هوى". (وأما قولكم وقد قسمه العلامة ابن الجوزي في النهاية إلى أربعة أقسام. كفر إنكار بأن لا يعرف الله ﵎ أصلاً ولا يعترف به. كفر جحود ككفر إبليس لعنه الله إذ كان يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه. كفر عناد وهو أن يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسداً وبغياً واستكباراً واستحياء من قومه ككفر أبي جهل وأبي طالب واضرابهما. وكفر نفاق وهو أن يعترف بلسانه ولا يعتقد بقلبه) . فنقول: قد شاع وذاع وتقطعت به الاسماع وتواترت الأخبار وامتلأت الدواوين أن الكفر من حيث هو ينقسم في تعريفه إلى أربعة أقسام وكل قسم مغاير لقسيمه في المعنى الذي يسمى به وهذه الأقسام متفقة في حقيقة معنى الكفر وأصله من الستر ومنه سمي الليل كافراً لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزراع كافراً لأنه يستر الحب بالتراب والكافر يستر الحق بجحوده إياه. (الأول كفر الجحود) : وهو أن يكفر بما يعلمه في قلبه من أسماء الرب أو صفاته أو أفعاله أو دينه وأحكامه أو رسله أو ما جاء به من الحق فلا يقر به في لسانه ولا يعمل به في جوارحه وهذا كفر إبليس عليه اللعنة ومشابهيه الكاتمين الحق بعد علمهم إياه كاليهود ومشاكليهم من علماء السوء العاملين بالباطل والبهتان والقائلين الزور فيما جاء به القرآن وهم المجوّزون المنكر والعاكفون عليه والناهون عن المعروف وما يوصل إليه والصادون عن سبيل الله وما يقرب لديه. قال في حق أولئك: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ

стр. 174

الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فكل من عرف الحق من الدين ولم ينقد إليه ولم يعمل به فهو كافر ككفرهم، وهو ملعون كما لعنوا، وقال تعالى في حق هؤلاء: ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ وهذه شاملة الفريقين. (الثاني كفر إنكار) : وهو أن ينكر الله أو دينه أو رسله أو كتبه أو شيئاً مما جاؤا به في القلب واللسان. (الثالث) كفر العناد وهو أن يعرف الحق بقلبه ويعترف به في لسانه ولكن لا يعمل به ككفر أبي طالب وأمثاله حين دعاه النبي ﷺ إلى الدين والعمل به من إيمان وغيره فقال: لولا تعيرني قريش لأقررت بها عينك ولكن أذب عنك ما حييت وقال في النبي ﷺ ودينه أبياتاً يثني عليه بها وهي هذه: والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت ديناً قد علمت بأنه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحاً بذاك مبينا قال ابن عباس ﵄: ومقاتل نزل قول الله وهم ينهون عنه وينأون عنه في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى محمد ﷺ ويمنعهم منه وينائي بنفسه عن الإيمان بدينه أي يبعد نفسه عن العمل به حتى أنه اجتمع إليه رؤساء المشركين وقالوا: خذ شاباً من أصبحنا وجهاً وادفع محمداً لنستريح منه فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم. ولما أسلم عمر بن الخطاب ﵁ شق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة

стр. 175

للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلاً أكبرهم سناً الوليد بن المغيرة، قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتوا أبا طالب ومعهم أبو جهل وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وفد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك وأنصفنا منه. فأرسل أبو طالب إلى النبي ﷺ فدعا به فقال: يا بن أخي هؤلاء قومك يسألونك فلا تمل كل الميل على قومك. فقال النبي ﷺ : "ماذا يسألوني" قالوا: ارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال ﷺ : "أدعوكم إلى كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم" أي تطيع، فقال أبو جهل: لله أبوك نعطيكها وعشرة أمثالها، فقال رسول الله ﷺ : "قولوا: لا اله إلا الله" فنفروا من ذلك وقالوا أجعل الآلهة إلهاً واحداً لظنهم أن الإله الواحد لا يسع الخلق ولا يصلون إلى قربه إلا بوسائط ورسائل يقربونهم إليه يتوكلون عليهم ويتقرّبون لديهم بشفاعتهم عنده، فهم يتألهونهم بقلوبهم بمحبتهم وتعظيمهم وإجلالهم وإكرامهم زاعمين أن ذلك فيه رضاء الله وانه تعالى أمر به كما قالوا في الآية الأخرى لو شاء الله ما أشركنا نحن ولا آباؤنا، لأن ما تألهوه إما نبياً أو ملكاً أو صورة أحدهم فلذلك تعجبوا مما دعاهم إليه النبي ﷺ فقالوا ان هذا لشيء عجاب، أي عجيب والعجب والعجاب واحد كقول الرب: جل كريم وكرام وكبير وكبار وطويل وطوال وعريض وعراض. وانطلق الملأ منهم من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب الذي كانوا فيه وسماعهم من النبي ﷺ تلك الكلمة الطيبة يقول بعضهم لبعض: أن امشوا واصبروا على آلهتكم أي اثبتوا على عبادة آلهتكم يوصي بعضهم بعضاً في الصبر على ما هم عليه من الباطل وعداوة الحق أي اثبتوا على معتقداتكم لتقربكم إلى خالقكم لأنه قد أمركم بذلك ولهذا قال ان هذا لشيء يراد أي هذا الاعتقاد بالآلهة يراد منا لا محالة عن ذلك فان الخلق لا يسعهم الإله الواحد بل هم مأمورون بالأسباب الموصلة إليه وقيل معناه أنه لأمر يراد بنا وذلك أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه عندهم قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد لأمر يراد بنا وقيل يراد بمحمد يملك علينا فيتولى أمرنا وما نحن فيه، ولما كان الدين الذي لا يقبل الله غيره مخالفاً لعادتهم وعادة آبائهم قالوا: ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد في الملة الآخرة هي ملة قريش وهي دينهم الذي كانوا عليه بلا

стр. 176

أصل وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: يعنون النهاية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون بل يقولون ثالث ثلاثة ان بمعنى ما هذا إلا إختلاق كذب وافتعال ثم لما حسدوا بغياً واستكباراً عن الحق وإتباعه، قالوا: أنزل عليه الذكر من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ أي وحيي وما أنزلت على عبدي. والمراد به القرآن، وما أنزل لأجله، وهو التوحيد، بل لما يذوقوا عذاب، تهديد لهم أي سيذوقونه ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول ولصدقوا حيث لا ينفعهم التصديق، لأن لما تدل على عدم وقوع المنفي بها في الحال لا في الاستقبال. (وإذا كان) معنى كفر العناد هو ان يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين بما عرفه واعترف به فالعجب ممن يدلي علينا باعتراضاته ويزعم في مصنفاته ويقول في معتقداته ان الإيمان يكفي فيه مجرد التصديق فمتى وجد أغنى عن العمل ويسمى المصدق مؤمناً وحيث ترك العمل فهو كافر كفراً عملياً لا يخرج عن الملة بل هو مسلم حكماً وحقيقة، وهل هذا إلا تناقض فيما قاله أو ادعاه، ونقض لما أبرمه فيما حكاه فلله الحمد والمنة. (الرابع) : كفر النفاق وهو ان يعترف باللسان ويعمل بشرائع الإسلام ظاهراً ولا يعتقد في القلب بل إما يكذب أو يستخف ولكن يعمل خوفاً وتلجئه فهو النفاق الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله بواحد منها لا يغفر له بل هو مخلد في النار بنص التنزيل وأحاديث البشير النذير. (وأما قولكم قال ابن القيم: وهذا الجمع والتوفيق بهذا التفصيل هو قول الصحابة وعليه الاعتماد لأن أمثال هذه المسائل لا تتلقى إلا منهم ولا تؤخذ إلا عنهم إذ هم الواقفون على اسرار الكتاب والأحاديث، والمتأخرون لما لم يفقهوا مرامهم افترقوا فرقتين فرقة أخرجت مرتكب الكبيرة عن الملة المحمدية وقضوا عليهم بالخلود بالنار وفرقة جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة والجماعة للطريقة المثلى والقول الأوسط حيث لم يخرجوهم عن الإيمان ولم يقضوا عليهم بالخلود ولم يجعلوهم بحيث لا تضرهم المعاصي وهذا هو الموافق للمنقول عن علماء الصحابة والتابعين من تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين) فنقول:

стр. 177

هذا مما قدمناه وقلناه والحق ما قاله ابن القيم، ولكن لا يخص بفهمه والعمل به إلا من سبقت له من الله الحسنى والمقام الأسنى والعناية الربانية والسعادة الأبدية، فإنه عنى بذلك ما عناه الأئمة الأعلام الذين هم مصابيح الهدى والدين من سائر الأنام، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم من أئمة الدين حتى البخاري ومسلم، كلهم على أن المسلم لا يكفر بذنب يفعله ولا يخرج به من الملة كالقتل والزنا وشرب الخمر وقوله لأخيه المسلم يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام وسائر أفعال المعاصي إلا الشرك بالله الأكبر، الذي لا يغفره تعالى كما حكاه بنص التنزيل، أو استحلال ما حرمه الله أو تحريم ما حلل، كما قدمنا الكلام فيه وعلى هذا دل الكتاب والسنة وبه نطق أولو العلم والحكمة قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ..﴾ إلى قوله.. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فسماهم مؤمنين وجعلهم أخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض، وقال تعالى في بيان الكفارة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولو أعتق مذنباً أجزأ عتقه بإجماع أهل العلم. وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي ﷺ ولم يحكم عليهم بالكفر الموجب للردة ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا ورجم هذا وقطع يد هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول: " لا تكونوا أعوان الشياطين على أخيكم". وفي البخاري: "عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً يشرب الخمر يقال له عبد الله فأتى به شارباً فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به فقال رسول الله ﷺ : "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" ولما أن ذو الخويصرة وهو رجل ناتئ الجبين غائر العينين كث اللحية وقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل فأراد بعض الصحابة قتله فقال النبي ﷺ : "دعه إنه يخرج من ضئضىء هذا أقوام يحقر أحداً صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما فهذا العابد الظاهر العبادة هو ومن اتبعه لما جانبوا سنة رسول الله ﷺ واستغنوا بما معهم عنها وخالفوه وخالفوا الصحابة ودعوا إلى بدعتهم واستحلوا دماء من لا يوافقهم عليها أمر النبي ﷺ بقتالهم، وقال: " لئن أدركتهم لأقتلنهم مثل عاد" وذلك الشارب الخمر لما كان محباً للرسول ولسنته نهى ﷺ عن لعنه وقال: "لا تلعنه فإنه

стр. 178

يحب الله ورسوله". فهذا يرد ما ذهب إليه المعتزلة والخوارج من التكفير بالذنوب ووجوب النار والتخليد لمن مات عاصياً لمقلب القلوب. وكذلك المرجئة القائلون بأن الإيمان لا تضر معه المعصية، كما أن الكفر لا تنفع معه الطاعة، وترك الأعمال التي من الدين معصية لا تضر مع وجود التصديق القلبي إذ هو الإيمان عندهم ووجوده كاف عن غيره ولكل شبهة مستند إليها قد ذكرناها فيما تقدم، فهدى الله أهل السنة والجماعة للطريقة المثلى والقول الأوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل حيث لم يخرجوهم عن الإيمان ولم يحكموا عليهم بالخلود في النيران ولم يجعلوهم بحيث لا تضرهم المعاصي والاستغراق في الطغيان، لأنهم بقول الله ورسوله متمسكون وعلى قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان معتمدون ولمن خالفهم مجانبون إذ هم على أسرار الكتاب واقفون وبسنة نبيهم آخذون فلا تتلقى تلك المسائل وتؤخذ إلا عنهم ولا يهتدي المهتدي ويفوز المسترشد إلا بهديهم وإتباع سنتهم ومن جانبهم فقد أبعد وضل وأضل فإن انضاف إلى المجانبة الإعراض عن منهاج الرسول وما كان عليه هو وأصحابه ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. (وأما قولكم قال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق) . فنقول: هذا بعينه ما قاله ابن القيم وغيره نقلاً عن الصحابة والتابعين من أن أعمال الجوارح الظاهرة كالزنا وشرب الخمر وإتيان الكاهن مع عدم تقديم كلامه على كلام الرسول، ومن لم يأمن جاره بوائقه، ومن لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع التي منشؤها الفروع مع الانقياد لحكم الله في الأصول بالقلب والقول باللسان، وسائر المعاصي الظاهرة لا يخرج بها مرتكبها عن خطة الإسلام وان لم يسم مؤمناً حقاً، فلا يقال عنه كافر حقاً فهاهنا كفر درن كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجر عن طاووس عن ابن عباس ﵄ في قول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ليس هو الكفر الذين تذهبون إليه وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه طاووس قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: هو بهم كفر ولكن ليس كمن كفر بالله وملائكته

стр. 179

وكتبه ورسله، وقال في رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة، وفد تقدم الكلام فيه مستوفى عند قوله وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس في تفسير هذه الآية وأنه ﵁ فصل تفصيلاً حسناً قد ذكرناه عنه فيما سلف وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وهذا كله رد على المعتزلة والخوارج الضالين عن طريق الحق والصواب والجانحين عن طريقة أفضل الأحباب. (ونحن ولله الحمد) على ما كان عليه النبي ﷺ معتمدون وبكلام الله آخذون ولمن خالفه مجانبون ومعادون والدليل على صحة ما قلناه واعتقدناه إنا لا نكفر إلا من كفره الله بنص التنزيل كالمتألهين غير الله من المخلوقين بدعائهم ورجائهم والتوكل عليهم وتفويض جميع أمورهم إليهم قولاً واعتقاداً والراضين بذلك المكفرينا بأمرنا بما أمر الله به ونهينا عما نهى الله عنه يجاهدوننا ويجعلون اليهود والنصارى أخف شراً منا ومن إتباعنا وكذا الجاحدين من الدين ما علم بالضرورة انه منه عملياً كان أو اعتقادياً، ونجاهد على ذلك كله وعلى تقويم أركان الإسلام كما جاهد النبي ﷺ وأصحابه عليه بأمر الله له في آيات التنزيل كما قال جل ذكره: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية فقدم تعالى التوبة من الشرك إشارة إلى أن الصلاة والزكاة وسائر أعمال البر لا تعتبر ولا يعتد بها إلا بعد وجود الأصل وهو التوحيد إذ هو كأصل الحائط أو أصل الشجرة وسائر الأعمال كفرعه وهو لا يثبت إلا على أصل فلا يستقيم بدونه ولا يتم إلا به قال : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فإن حكمتم على ان من جعل بعض الدين لله وبعضه لغيره بأنه عاص لا كافر حقيقة، وقد جنحتم وكيع عن إجماع سلف الأمة في أن المشركين الأولين الجاعلين بعض الدين لله وبعضه لغيره ومن شاكلهم ممن اعتقد اعتقادهم وعمل عملهم مستوجبون للكفر حقيقة وان من اعتقد انهم على صواب أو هدى أو شك في كفرهم فهو مكذب لقول الله طاعن في رسالة محمد ﷺ وان حكمتم بكفره فلما لا تحكمون به على من اتخذ من دون الله ولياً ونصيراً وشفيعاً يدعوه ويرجوه ويتوكل عليه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

стр. 180

وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فتعلمون عقيدتنا وحقيقة أمرنا ونهينا ولا تدلوا علينا بكلام هؤلاء الأئمة الأماثل والجهابذة الأفاضل لأن ذلك إنما يلزم به أهل الأهواء من ذوي العقائد الفاسدة الراكسين في المخالفة للنصوص الشرعية والآيات القرآنية لكن من لم يميز الدين ويعرفه عين اليقين عميت بصيرته وأظلمت سريرته فلا حيلة فيه إذا رفعت الشكوى وعمت البلوى. (وأما قولكم وقال ابن القيم الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه فان الله سمى من حكم بغير ما أنزل الله كافراً ظالماً في قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وسمى متعدي حدود الله في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالماً فقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وقال يونس ﵇: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقال صفيه آدم ربنا ظلمنا أنفسنا، وقال كليمه موسى ﵇: رب إني ظلت نفسي فاغفر لي ومعلوم يقيناً ان هذا الظلم ليس كمثل ذلك الظلم) . فنقول: كل كافر ظالم ولا عكس لأن قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره أي ولا ظالم أظلم ممن وافى ربه يومئذ كافراً وتد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون ولم يقل والظالمون هم الكافرون، ومتعدي حدود الله في النكاح بالمضارة، أو نكاح ما لا يحل نكاحه، انشاء، أو رجعة، والطلاق فيطلق لغير السنة أو لها، حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعهاه، ثم طلقها مضارة لها، والخلع فيضارها بمنع حقها لتفتدي منه وكل من فعل كذلك فقد ظلم نفسه، أي أثم فيما بينه وبين الله وان أبدى للناس حاله عكس ما أخفاه عنهم، وقول يونس ﵇: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أي في ذهابي مغاضباً لقومي بلا إذن من ربي ففي نسبة الظلم إلى نفسه اعتراف منه بأنه عمل خلاف الأليق به فان العبد إذا أرسله سيده بأمر وجعله في وظيفة على عبيد لسيده فغاضبوه وامتنعوا من أمره لا ينبغي له الاستعجال والمغاضبة لهم والذهاب عنهم بلا مراجعة من سيده فهو ﵇ قد فهم ذلك وتذكره بعد ذلك فلام نفسه ورجع إلى ربه مستدركاً ما فات منه من
следующие страницы →