← Акыда

Акыда · id 7597

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق

محمد بن علي بن غريب

Полный текст (402 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً، فليس أهل السنة والجماعة إلا السلف الصالح وذوو العقل الراجح والواقفون عند النص من كتاب الله وسنة رسوله، مستغنين بهما عن كل هاجس وقول مخالف للكتاب والسنة مما هو عارض تائح، فهم بحبل الله معتصمون وبكلام رسوله آخذون وعليه واقفون وبالعروة الوثقى مستمسكون. والدليل على ذلك أنهم في باب أسماء الله وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسمائه وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى شبهوه بالمعدوم وبالأموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوق. فتؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل وتكييف. وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدر الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه كل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عملا فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ فتؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله على كل شيء قدير فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن انفاذ أمره، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات، ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنه مختار ولا يسمونه مجبوراً إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختاراً بما يفعله، فهو مختار مريد والله خالقه وخالق اختياره وهذا ليس لله نظير فان الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ وبين المرجئة الذين يقولون إيمان الفاسق مثل إيمان الأنبياء. والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان. ويكذبون بالعقاب بالكلية. فتؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الأيمان وأصله وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان، وان النبي ﷺ ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وهم أيضاً في أصحاب رسول الله

стр. 72

صلى الله عليه وسلم وسط بين الغالية الذين يغلون في علي ﵁ فيفضلونه على أبي بكر وعمر ﵄، أو يعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ﵃ ظلموا وفسقوا وكفروا، والأمة بعدهم كذلك وإنما جعلوه نبياً وإلهاً. وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان ويستحلون دمهما ودماء من تولاهما أو يستحلون سب علي وعثمان ونحوهما، أو يقدحون في خلافة علي وإمامته، وكذلك في سائر أبواب السنة، هم وسط لأنهم مستمسكون بكتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

стр. 73

حدوث العالم وأنه لا خالق سوى الله: (وقولكم على حدوث العالم ووجود الباري وأنه لا خالق سواه) . فنحن نقول كل ما سوى الله وصفاته حادث. والله سبحانه هو الذي أوجده وخلقه وابتدأه من العدم، لم يخلق ذلك عبثاً ولا لعباً، بل بالحق والحكمة التي لو لم يكن منها إلا ليعرف بسائر صفات الكمال فيعبد وحده لا يشرك به، ويكون الدين كله بأنواعه له مختص بجلاله كما أن الأمر كله له تعالى فلا خالق لجسم ولا جوهر ولا عرض ولا شيء إلا هو تعالى، وجميع أفعال العباد كسب لهم، وهي مخلوقة لله خيرها وشرها حسنها وقبيحها، فالله خالق لا مكتسب. والعبد مكتسب لا خالق، وخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دال على وحدانية الصانع فهو المتفرد بالألوهية، كما أنه متفرد بالربوبية فهو الخالق لجميع العوالم كلها، وبه قامت الحوادث كلها، إذ هو القادر على أن يمسك العالم كله في قبضته، كما جاءت به الآثار الإلهية، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس ما يوافق مضمون هذه الآية، وان الله تعالى يقبض العالم العلوي والسفلي ويمسكه ويهزه ويقول أنا الملك أين ملوك الأرض. وفي بعض الآثار: "ويدحوها

стр. 74

كما يدحو أحدكم الكرة" وقال ابن عباس: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) وهو تعالى لا خالق سواه. وهذا مما أجمع عليه أهل الملل كلها فلم ينكر أحد أنه خالق لجميع المخلوقات، إلا أنه قد جرى للمعتزلة كلام في خلق الإنسان أفعاله نفسه وخلافهم غير معتد به بعد قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ فان العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله. لأنه تعالى طعن في ألوهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئاً. فهذا يقتضي أن كل ما كان خالقاً كان إلهاً، فلو كان العبد خالقاً لأفعال نفسه لكان إلهاً، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه. ومن الدليل على علم ذلك عند كل أحد، تقرير الله الخلق وإقرارهم بأن الله هو الخالق وحده. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ولذلك قرعهم سبحانه بالاستفهام الإنكاري في قوله : ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لكن لما كان بعضهم منكراً للمعاد الجسماني أمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ثم انه جرى كلام هل الخلق غير المخلوق أو هو هو، والجمهور يقولون الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، إذ الخلق مصدر، والمخلوق هو المفعول، والمصدر مغاير للمفعول لا نفسه. وهذا قول جماهير الصوفية وأهل الحديث بل كلهم، ولأصحاب مالك والشافعي وأحمد في ذلك قولان والذي عليه أئمتهم ان الخلق غير المخلوق وهو أيضاً قول أكثر أهل الكلام وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة. (وأما قولكم وأنه قديم متصف بالعلم والقدره وسائر صفات الكمال والجلال منزه عن سمات النقص) . فنقول إنه تعالى قديم أزلي، فإن كل أزلي قديم ولا عكس، فهو الأوّل ولا بداية، والآخر ولا نهاية، لم يزل ولا يزال سبحانه متصفاً بصفاته العليا وأسمائه الحسنى، فهو إله واحد لا شريك له في عبادته فلا يتجزأ في ذاته. أحد لا من عدم، فرد صمد لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ولا معين له في خلقه، ولا مثل

стр. 75

له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، حي موجود لم يزل ولا يزال. ومتصف سبحانه بالعلم. فهو تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه تعالى بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها. ليس بضروري ولا كسبي، ولا نظري، ولا استدلالي، ومتصف بالقدرة، فهو على كل شيء قدير، وقدرته واحدة وجودية قديمة باقية ذاتية متعلقة بكل ممكن، فلم يوجد شيء إلا بها لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع. وقد خلق المخلوقات فوجدت بالفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى. والقدرة على خلق المخلوق هي القدرة على الفعل. قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ وقوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الأفعال المتناولة للمفعولات، وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق، لأن نفس خلقه السموات والأرض غير السموات والأرض، ومتصف سبحانه بسائر صفات الكمال والجلال فهو تعالى مريد إرادة واحدة ذاتية قديمة باقية متعلقة بكل ممكن. وهو تعالى حي بحياة واحدة وجودية قديمة ذاتية. وهو تعالى سميع وبصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين متعلقين بكل مسموع ومبصر. وهو تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف يسمعه منه أهل الجنة في الجنة إذا دخلوها. والمراد بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ من جهة النزول لأنهم لم يسمعوه قبل إنزاله قط ولا يشبه كلام المخلوقين، أو المراد بالذكر المحدث تذكير النبي ﷺ ، فإنه لم يذاكرهم قبل أن ينبأ، ونسبته إلى الله تعالى لأن المذاكرة من النبي ﷺ لهم كانت بأمره تعالى، ومنزه تعالى عن سمات أي علامات النقص، فهو تعالى لا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه. فمن اعتقد أو قال أن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه تعالى بائن من خلقه مستو على عرشه من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، فالله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو تعالى كما كان قبل خلق المكان، ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس، ولا مدخل في ذاته وصفاته وأفعاله للقياس، لم يتخذ صاحبة ولا والداً، فهو الغني عن كل شيء، ولا يستغني عنه شيء، ولا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، فمن شبهه

стр. 76

بمخلوقه فقد كفر. وأما قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فقال ابن عباس ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم بالعلم، يعنى أن نجواهم معلومة عنده كما تكون معلومة عند الرابع الذي هو معهم.

стр. 77

المعاد الجسماني والمجازاة: وأما قولكم (وان المعاد الجسماني حق وكذا المجازاة والمحاسبة والصراط والميزان وخلق الجنة والنار وخلود أهل الجنة وخلود الكفار في النار) . فنقول هذا مما أجمع عليه المسلمون قاطبة وعلم من الدين ضرورة، إن إعادة الأجسام على هيئتها قبل الموت مبعوثة ثم مجازاة ومحاسبة فهذا حق واجب الإيمان به قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جداً منها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يبعث كل عبد على ما مات عليه فالمؤمن على إيمانه والكافر على كفره" وكذا حديث جبريل حين سأل النبي ﷺ عن الإيمان فعد منه الإيمان باليوم الآخر والمجازاة على فعل الخير والشر قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ والمحاسبة على ما مضى من جميع الأعمال حق قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ وحديث من نوقش الحساب عذب. رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضى الله عنها، فيحاسب المسلمون المكلفون إلا من شاء الله أن يدخل الجنة بغير حساب. وكل مكلف مسؤول، ويسأل الله من شاء من الرسل عن الرسالة ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل. فالكفار لا يحاسبون ولا توزن صحائفهم قال تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

стр. 78

وَزْناً﴾ وإن فعل كافر قربة من نحو عتق أو صدقة أو عمل حسن وفي له في حياته الدنيا، وليس له في الآخرة جزاء عمل، لكن نرجو أن يخفف عنه من عذاب معاصيه. لحديث ثويبة حين أعتقها أبو طالب. وكذا الصراط وهو جسر ممدود على ظهر جهنم مدحضة مزلة، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأحر من الجمر، عليه خطاطيف تأخذ الأقدام، وعبوره بقدر الأعمال، مُشاة وركباناً وزحفاً، يمر عليه المسلم والكافر فيجوزه المؤمن كالبرق والريح وأجاويد الخيل والركبان والمشاة فناج مسلم ومخدوش ومكردس في النار، قد روى ذلك عن النبي ﷺ من غير وجه قال الفضيل ابن عياض رحمه الله تعالى في وصفه الصراط أنه سبع جسور فيحاسب العبد في أولها على الإيمان فإن سلم إيمانه من النفاق والرياء والشرك والعجب نجا وإلا تردى في النار، وفي الثانية عن الصلاة فإن أداها مكملاً شروطها وأركانها وواجباتها نجا وإلا تردى في النار، وفي الثالثة عن الزكاة فإنا أداها تامة بطيب نفس نجا وإلا تردى في النار، وفي الرابعة عن الصيام فإن أدّاه تاماً نجا وإلا تردَّى في النار، وفي الخامسة عن الحج والعمرة فإن أداهما تامين بشرائطهما وأركانهما نجا وإلا تردَّى في النار، وفي السادسة عن الوضوء والغسل من الجنابة فإن أداهما تامين نجا وإلا تردى في النار، وفي السابعة عن بر الوالدين وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أتمه نجا وإلا تردى في النار. وكذا الميزان الذي توزن به الأعمال من الحسنات والسيئات، وفيه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فهو حق وله لسان وكفتان توزن بهما صحائف الأعمال. قال ابن عباس ﵄: "توزن الحسنات في أحسن صورة وتوزن السيئات في أقبح صوره" وكذا خلق الجنة والنار وأنهما موجودتان الآن، فعن أبي سلمة وهو ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. ثم حفها بالمكاره. ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. فلما خلق النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها" رواه أبو داود

стр. 79

والترمذي والنسائي قال الترمذي حسن صحيح. وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" وأخرجه أيضاً في صحيحه من حديث الأعرج عن أبي هريرة، وقد ذكر بعضهم أن هذا من بديع الكلام وجوامعه الذي أوتيه ﷺ من التمثيل الحسن، وأن حفاف الشيء جانباه فكأنه أخبر ﷺ أنه لا يوصل إلى الجنة إلا بتخطي المكاره، وكذلك النار لا يوصل إليها إلا بتخطي الشهوات وما تميل إليه النفوس، وان إتباع الشهوات يلقى في النار ويدخلها وأنه لا ينجو منها إلا من تجنب الشهوات. ففي هذا الحديث حث على اجتنابها وعن سهل بن حوشب أن رسول الله ﷺ قال: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" وعن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: "أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" وعن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال حين مات إبراهيم: " أن له مرضعاً في الجنة". وعن أبي هريرة مرفوعاً: " اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير" وعنه أيضاً مرفوعاً: "ناركم هذه جزء من سبعين جزأ من نار جهنم، قيل يا رسول الله ان كانت لكافية قال لقد فضلت عليها بتسعة وتسعين جزءاً كلهن مثل حرها " وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" أخرجه البخاري في صحيحه. وخلود أهل الجنة فيها وخلود الكفار في النار حق قال عز من قائل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال ابن عباس في الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال مقاتل والضحاك الزفير أول نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه. وقال أبو العالية الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر. وخالدين فيها أي مقيمين ما دامت السموات والأرض. قال الضحاك: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضها. فكل ما علاك وأظلك فهو سماء. وكل

стр. 80

ما استقر عليه قدماك فهو أرض. وقال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأبيد، أتي به على عادة العرب، يقولون لا آتيك أو لا يكون الأمر كذا ما دامت السموات والأرض، أو ما اختلف الليل والنهار، يعنون لا يكون ذلك أبداً وأما الاستثناء في قوله: إلا ما شاء ربك، فقال بعضهم هو في الأول منفصل معناه إلا من مات موحداً فإنه يخرج من النار فيدخل الجنة وسماه الله شقياً لدخوله النار بالمعصية مع من شقى وهذا المعنى قد روي من حديث أنس بن مالك ﵁ وعمران بن حصين. فأما حديث أنس ابن مالك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليصيبن أقواماً سفع من نار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته يقال لهم الجهنميون" وأما حديث ابن حصين عن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ بإذن الله فيدخلون الجنة فيسمون الجهنميين". وما وإن كان وضعها لما لا يعقل غالباً فهي هنا للوقت، ولكن لما كان الكلام عن حال من يعقل صار لها مناسبة فيه، وقال بعضهم إلا بمعنى سوى أي خالدين فيها هذا القدر سوى ما شاء الله من الزيادة عليه وقيل إلا بمعنى الواو أي وما شاء ربك كقولهم لعمر: أبيك إلا الفرقدان. أي والفرقدان، وأما معناه في الثاني وهو قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فهو استثناء متصل إذ لا يخرج من الجنة بعد دخولها أحد، ومعناه يرجع لمدة لبث هؤلاء المستثنيين في النار قبل دخولهم الجنة. وقيل ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث قبل مصيرهم إلى الجنة والنار يعني هم خالدون في الجنة والنار إلا هذا المقدار. ولذلك قال الضحاك عند قوله إلا ما شاء ربك: إي إلا ما مكثوا في النار حتى دخلوا الجنة فهو مراد الفريق. وظاهر اللفظ يأباه. وقال قتادة: الله أعلم بتنياه. والحاصل أنه يجب علينا اعتقاد أن المؤمن يخلد في الجنة، وأن الكافر يخلد في النار، وإن كلا لا يخرج عن محله بعد أن يدخله، وما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً" وعن أبي هريرة نحوه فمعناه عند أهل السنة إن ثبت أن لا يبقى فيها أحد من أهل التوحيد والإيمان. فأما مواضع الكفار فمملوءة منهم ومعنى قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ واحدها حقب وهو ثمانون سنة. قال المفسرون الحقب

стр. 81

الواحد بضع وثمانون سنة. السنة ثلاثمائة وستون يوماً. مقدار اليوم ألف سنة من أيام الدنيا وقال الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة بل قال أحقابا فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر هكذا أبداً، وقد بشر الله أهل الجنة بدوام لبثهم فيها قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾

стр. 82

جواز العفو عن المذنبين: (وأما قولكم ويجوز العفو عن المذنبين) . فنقول أجمع أهل السنة على أن المسلم لا يكفر بذنب فكل من لم يأت بما يقتضي الخروج عن الملة يجوز العفو عنه ويدخل تحت مشيئته تعالى إن شاء غفر له بفضله وإن شاء عاقبه بعدله مع عدم تخليده في النار، كما نطق به القرآن والسنة قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ فسماهم مؤمنين وجعلهم إخوة مع الاقتتال وبغى بعضهم على بعض. وفي البخاري عن عمر ابن الحطاب ﵁: "أن رجلاً يشرب الخمر يقال له عبد الله فأتى به شارباً فلعنه رجل فقال رسول الله ﷺ : "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" وفي المسند للإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " الدواوين عند الله عز رجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يعبؤ به فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه وصلاة تركها فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً القصاص لا محالة. وأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك". قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّار﴾ ثم ان كانت

стр. 83

الذنوب صغيرة وضابطها ما أوجب تعزيراً فأقل فهذا يغفر بالوضوء والصلاة والجمعة والصيام ما اجتنبت الكبائر. وإن كانت كبيرة فإن استحلت فهي كفر، وضابطها ما أوجب حداً في الدنيا ووعيداً في الآخرة، وإن لم تستحل فإن تاب قبل الغرغرة أو رؤية الملك قبلت التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها وإن لم يتب بأن مات مصراً فأمره مفوّض إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له. وفي صحيح مسلم من حديث المعرور بن سويد عن أبي ذر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة بر ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بقرابها مغفرة" وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس ﵁ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم غفرت لكم".

стр. 84

شفاعة الرسل: (وأما قولكم والشفاعة حق وبعثة الرسل بالمعجزات حق من آدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) . فنقول: أما الشفاعة فقد قال أهل المعاني أنها مأخوذة من الشفع المقابل للوتر، فاستعملت في الشفيع باعتبارين: الأول: كونه شافعاً لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسئلة. الثاني: كونه شافعاً للمسئول منه قضاء الحاجة في قضائها إذ هي لم تقض إلا بسبب شفاعته فكأنه شاركه وشفعه فيها. فمن الأول قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ

стр. 85

شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . ثم ان الشفاعة من حيث هي قد افترق الناس فيها ثلاث فرق: طرفان ووسط. فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب كالنصارى ومبتدعة هذه الأمة قد أثبتوا الشفاعة التي نفاها الله وذلك أنهم اتخذوا وسائط ووسائل من الخلق شفعاء لهم يسمونهم آلهة ومنه قول صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لكن هؤلاء الباقون نفوا بألسنتهم اسم الإله عما سوى الله وأثبتوا معناه في معتقدهم وقولهم الذي يسمونه واسطتهم ووسيلتهم من الخلق في تفريج كربهم وكشف شدائدهم. كما تكون الوسائط والوسائل بين السلطان ورعيته فشبهوا الحالق تعالى بالمخلوق. وصريح القرآن من أوله إلى آخره راداً عليهم إذ السلاطين جاهلون أحوال الخلق إلا بمنبه ومفطن، والله تعالى عالم يعلم ما في السموات وما في الأرض كما أن له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. والملوك عاجزون عن تدبير الخلق إلا بمعين ومظاهر والله تعالى هو المدبر للأشياء كلها ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ والملوك محتاجون إلى محرك خارجي يحركهم بالموعظة ونحوها والله تعالى لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بل هو الخالق للسبب والمسبب وليس في الأسباب ما هو مستقل بل هي جميعها من الله وحده لا شريك له لا قيام لها إلا بمشيئته وقدرته، فلا حول وهى الحركة والتحول من حال إلى حال ولا قوّة كل ذلك الحلول إلا به تعالى وسواء في ذلك الحول والقوّة الموجود في السماء والأرض والآدميين والملائكة والجن وسائر الدواب وغيره ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ

стр. 86

زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له فليس لغيره ملك ولا شرك في ملك غيره ولا شريك له. وهذان الصنفان هما اللذان لهما ملك إما كامل وإما مشاع، ومن ليس له ملك فإما أن يكون عوناً للمالك كالوكلاء والإجراء والغلمان والجند والأولياء. وإما أن يكون سائلاً طالباً منه لأنه إما أن ينفع المالك فيكون له عليه حق وإما أن لا ينفع لكن يسأله فأخبر سبحانه أنه ليس له من المخلوقات من ظهير. وأما مسئلة الشفاعة فلم ينفها لكن أخبر أنها لا تكون ولا تنفع إلا لمن أذن له، فالشفاعة بعد رضائه تعالى عن المشفوع فيه وهذا بخلاف الشفعاء للمخلوقين فإنهم قد يشفعون لمن لم يؤذن لهم في الشفاعة له وقبل استئذان المشفوع إليه. وهكذا كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وهذا يوجب انقطاع تعلق القلوب بغيره ولو كان ملكاً أو نبياً فكيف بالمشايخ والعلماء والملوك فإن غاية الراجي لهم المعتمد عليهم أن يقول هم يشفعون لي فقد أخبر سبحانه أنه ما من شفيع إلا من بعد إذنه وأنكر أن يشفع أحد إلا بإذنه وأخبر أن الشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له. ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء ﷺ يوم القيامة إلى ربه ورآه سجد وحمد بمحامد يفتحها عليه ولا يبتدئ بالشفاعة حتى يقال له: أي محمد أرفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع. وبهذا تتبين الشفاعة المنفية يوم القيامة كما قال جل ذكره: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وذلك ان الإنسان في الدنيا يحصل ما ينفعه، تارة يكون بمعاوضة حسية، وتارة معنوية، والله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقيراً إليه بخلاف الخلق فإنهم محتاجون إلى ظهير يظاهرهم ويعاونهم فهذه الوسائط في الحقيقة شركاؤهم والله سبحانه ليس له شريك في الملك كما ليس له شريك في استحقاق العبادة بل هو المختص بها ولا تليق إلا لجلاله وعظمته فلا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله

стр. 87

الحمد وهو على كل شيء قدير، ولهذا حسم مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الإله فلا أحد يشفع عنده إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما لأن من شفع عنده غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب لأنه أثر فيه بشفاعته لاسيما إن كانت من غير إذنه فجعله يفعل ما طلب منه والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قائل: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ والآيات في ذلك كثيرة جداً رادة على المشركين قولهم وعقيدتهم.

стр. 88

إنكار الخوارج والمعتزلة للشفاعة: وأما الخوارج والمعتزلة فقد أنكروا شفاعة نبينا محمد ﷺ في أهل الكبائر من أمته. بل أنكرت طائفة من أهل البدع والأهواء انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه غير الواجب باصل الشرع عنه. وأنكروا الشفاعة من أصلها محتجين بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ وغير ذلك.

стр. 89

عقيدة السلف الصالح في الشفاعة: وأما سلف الأمة وخيارها وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ . ففي البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً" وروى حديث

стр. 90

الشفاعة بطوله أنس بن مالك. وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁. قال (أتى النبي ﷺ بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: " أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذك يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون" ثم ساق الحديث بطوله والشفاعة العظمى العامة هي المقام المحمود الذي جاء منكراً في الآية لعظم شأنه قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ فأهل السنة والجماعة أثبتوا ما أثبت الله ورسوله ونفوا ما نفى الله ورسوله.

стр. 91

بعثة الرسل بالمعجزات حق: (وكذلك بعثة الرسل بالمعجزات حق) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقد جعل ذلك النبي ﷺ من الإيمان وفسره به في حديث جبريل الذي رواه مسلم عن عمر بن الحطاب والإيمان المفسر هو الاعتقاد فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وفي رواية واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. وقد ذكر الله في كتابه الإيمان بهذه الأصول الخمسة في مواضع كقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما جاءوا به من الكتب والتوحيد ومعجزاتهم التي جعلها الله لهم علامة على صدقهم فيما يدعونه ويقولونه وما أخبروا به مما غاب عنا. وكذلك الملائكة والكتب والأنبياء والبعث والقدر وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به من صفات اليوم الآخر كالصراط والميزان والجنة والنار. ومن كذب بشيء من ذلك بأن نفى ما أثبتوه، أو أثبت ما نفوه، فقد كذبهم وان نطق بذكرهم لسانه إذ

стр. 92

الغرض من الإيمان بهم تصديقهم في جميع ما أخبروا به. والإيمان بجميع ما جاؤا به، والعمل بمقتضى ذلك، إذ لازم الإيمان، العمل فلا يكون بدونه ولا ينفك عنه. قال علماء السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية وان الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الإمام الشافعي إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم وقد أنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكاراً شديداً. وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولاً محدثاً سعيد بن جبير، وميمون بن مهران، وقتادة، وأبو أيوب السختياني، والنخعي، والزهري، وابن أبي كثير، وغيرهم قال الأوزاعي: "كان من مضى من السلف لا يعرفون الإيمان إلا العمل) . وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... إلى قوله ... أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث الإيمان في محله بأتم من هذا ونبين الفرق بينه وبين الإسلام. والرسول عام يطلق على الملك والبشر. والنبي خاص لا يطلق إلا على البشر. وفي معالم التنزيل وجملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. والمذكور في القرآن منهم ثمانية عشر نبياً، وأولو العزم منهم خمسة: محمد وإبراهيم ونوح وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم، وأوّل الرسل نوح كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فذكر عدة من الرسل الذين أوحى إليهم وبدأ بذكر نوح لأنه أوّل نبي من أنبياء الشريعة المرسل بها وأوّل نذير عن الشرك، وأوّل من عذبت أمته لردهم دعوته وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أطول الأنبياء عمراً وجعلت معجزته في نفسه لأنه عمر ألف سنة فلم ينقص له سن ولم يشب له شعرة ولم ينقص له قوّة ولم يصبر على أذى قومه أحد ما صبر هو على طول عمره. وأما آدم ﷺ فهو نبي لا رسول إلى أمة. وآخر الرسل محمد ﷺ بالنص والإجماع.

стр. 93

تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وفي ربيع الأبرار للزمخشري عن فرقد السبخي: لم يبعث نبي قط من مصر من الأمصار وإنما بعثوا من القرى، لأن أهل الأمصار أهل السواد، والريف وأهل القرى أرق. وعن أبي ذر الغفاري قال: قلت: يا رسول الله من أوّل الأنبياء قال: "آدم" قال: قلت: من أول الرسل قال: "نوح" ثم قال: "يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيتْ وخنوخ وهو إدريس وهو أوّل من خط وخاط ونوح، وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى" قلت: كم أنزل الله من كتاب قال: "مائة صحيفة وأربعة كتب على شيتْ خمسين صحيفة وعلى أخنوخ ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والزبور والإنجيل والفرقان ولم يذكر آدم".

стр. 94

أهل الشجرة وأهل بدر من أهل الجنة: (وأما قولكم وكذلك أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة وأهل بدر من أهل الجنة) . فنقول أما شجرة فهي شجرة كانت في الحديبية وقد أمر عمر بن الحطاب رضى الله عنه بقطع الشجرة توهم أنها الشجرة التي بويع الصحابة تحتها بيعة الرضوان لما رأى الناس ينتابونها ويصلون عندها كأنها المسجد الحرام أو مسجد المدينة. وأما الصحابة المبايعون ﵃ فكان عددهم ألفاً وأربعمائة وقيل وسبعمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وستمائة وقيل وخمسمائة وعشرين وقد بايعوا النبي ﷺ تحتها على أن لا يفروا من قريش وأن يناجزوهم وذلك معنى قول بعضهم: على الموت بايعت الرسول قتالا ... فإما النصر وإما الموت بلا فرار وكان سبب البيعة أن رسول الله ﷺ خرج معتمراً عام الحديبية وأرسل خراش بن أمية الحزاعي لقريش يعلمهم بما جاء رسول الله ﷺ له، وحمل على جمل يقال له الثعلب فعقروا به الجمل وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش، فرجع وأخبر رسول الله

стр. 95

صلى الله عليه وسلم فأرسل لهم عثمان بن عفان مخبراً بما جاء به رسول الله ﷺ فأجاره أبان بن سعيد بن العاص حتى إذا بلغ رسالة محمد ﷺ ثم حبسوه عندهم فشاع في الناس أن عثمان قتل ولم يبرح رسول الله ﷺ من المكان الذي بلغه فيه الخبر حتى بايع أصحابه، ثم أتاه الخبر أن عثمان ﵁ لم يقتل وأنزل الله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية. وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قال النووي في شرحه: قال العلماء معناه لا يدخلها أحد منهم قطعاً كما صرح به في الحديث الذي قبله حديث حاطب بن أبي بلتعة، وإنما قال إن شاء الله للتبرك، وأهل بدر عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. وقد قال ﷺ مخاطباً لعمر بن الحطاب: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" الحديث في مسلم قال النووي: قال العلماء معناه الغفران لهم في الآخرة وإلا فلو توجب على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد، وأقامه عمر ﵁ على بعضهم قال وضرب النبي ﷺ مسطحاً الحد وكان بدرياً وهم أفضل الصحابة بعد العشرة.

стр. 96

وجوب نصب الإمام على المكلفين: (وأما قولكم الإمام يجب نصبه على المكلفين) . فنقول هذا الحد وهم إذ نصبه فرض كفاية، وحده شرعاً ما إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، فهو مباين للواجب لغة، مرادف له شرعاً، إلا أن الواجب وضعه على الأعيان والكفاية على العموم. وقالت الحنفية الكفاية آكد من الواجب لأن حده ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، وهو رواية عن أحمد، وحد الواجب من حيث ما عوقب تاركه أو توعد بالعقاب على تركه. فنصب الإمام فرض كفاية يخاطب بذلك طائفتان من الناس أحداهما أهل الاجتهاد حتى يختاروا الأصلح. الثانية من توجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب احدهم لها ويعتبر في أهل الاختيار ثلاثة

стр. 97

شروط. أحدها العدالة. الثانية العلم المتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة. الثالث أن يكونوا من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو الأصلح للإمامة. ويشترط فيه الحرية والذكورة والعدالة والعلم بالأحكام الشرعية والكفاية في أمر المسلمين وسياستهم وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك، ويجبر شخص متعين لها وهو كيل المسلمين فيما لهم وما عليهم ويثبت نصبه بإجماع أهل الحل والعقد، وبنص إمام بها لمن بعده لأن أبا بكر ﵁ عهد إلى عمر بن الخطاب ﵁ ولم يحتج في ذلك إلى أحد، ويثبت باجتهاد كفعل عمر وجعله الأمر شورى بين ستة من الصحابة ويثبت بقهر كما لو تنازع الإمامة عدد يصلح كل منهم لها فقهر أحدهم من سواه فإنه تثبت له الإمامة وتلزم الرعية طاعته لما في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر من شق عصى المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم، والخارج قد دخل في عموم قول النبي ﷺ : " من خرج على أمتي وهم جمع فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان". وقريش إن وجدوا وتوفرت فيهم الشروط المذكورة أحق لقوله ﷺ : " الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها" أخرجه الحاكم من حديث على بن أبي طالب وله شواهد أخر عنه ﷺ ، والمراد بالفجار الفسقة المسلمون، وإنما نصب الإمام لأن بالناس إليه حاجة الحماية لبيضة المسلمين والذب عنهم وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي نصب الإمام مصالح الدنيا والآخرة وسعادة المسلمين في الدنيا ونظم مصالحهم في معايشهم وما يستعينون به على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: "إن الناس لا يصلحهم إلا إمام براً كان أو فاجراً يعبد المؤمن ربه. وقال الحسن في الأمراء: ثم إنهم يلون من أمورنا خمساً. الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم وان جاروا وظلموا والله إن الله ليصلح بهم أكثر مما يفسدون. وتحرم مشاقة الإمام والخروج عن طاعته فيما ليس بمعصية، فأخرج الخلال في كتاب الإمارة من حديث أبي أمامة قال: أمر النبي ﷺ أصحابه حين صلوا العشاء أن احشدوا فإن لي إليكم حاجة فلما فرغوا من صلاة الصبح قال: " فهل حشدتم كما أمرتكم" قالوا: نعم قال: "اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً هل عقلتم هذه ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة

стр. 98

هل عقلتم هذه؟ ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: "اسمعوا وأطيعوا هل عقلتم هذه؟ ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: فكنا نرى أن رسول الله ﷺ يتكلم كلاماً طويلاً ثم نظرنا في كلامه فإذا هو قد جمع لنا الأمر كله. فبالسمع والطاعة وصى النبي ﷺ في خطته في حجة الوداع فأخرج، الإمام أحمد والترمذي من رواية أم الحصين الأحمسية ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع فسمعته يقول: "يا أيها الناس اتقوا الله وان أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله" وأخرج الإمام أحمد والترمذي أيضاً من حديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: "اتقوا الله صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنة ربكم" وفي رواية أخرى: " يا أيها الناس أنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم" وذكر الحديث بمعناه وفي المسند للإمام أحمد عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: " من لقي الله لا يشرك به شيئاً وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسباً وسمع وأطاع فله الجنة أو دخل الجنة" وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" متفق عليه.

стр. 99

الإمام الحق بعد الرسول أبو بكر ورد قول الرافضة: (وأما قولكم والإمام الحق بعد الرسول ﷺ أبو بكر ثم عمر) . فنقول: قد روى مسلم في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها سئلت عمن كان رسول الله ﷺ مستخلفاً لو استخلفه قالت: أبو بكر فقيل لها: من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا يعني وقفت على إلى عبيدة، وفيه أيضاً عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: "ادع لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" ففي الحديث الأول دليل لأهل السنة في تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة، وفيه

стр. 100

دلالة لأهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من النبي ﷺ على خلافته صريحاً بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديماً لفضيلته ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أوّلاً، ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه لكن تنازعوا أوّلاً ولم يكن هناك نص. ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر وما تدعيه الشيعة من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين، والاتفاق على بطلان دعواهم في زمن علي، وأول من كذبهم في شأن علي رضى الله عنه قوله ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة الحديث، ولو كان عنده نص لذكره، ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام ولا أن أحداً ذكره له. وفي الحديث الثاني دلالة ظاهرة لأهل السنة بفضيلة أبي بكر الصديق ﵁ واخبار منه ﷺ بما سيقع في المستقبل بعد وفاته وبأن المسلمين يأبون عقد الحلافة لغيره وفيه إشارة إلى أنه سيقع نزاع ووقع كل ذلك وقد عجز النبي ﷺ عن حضور الجماعة فاستخلف الصديق غير مرة بل مرات متعددة، وتقديمه في الإمامة الصغرى دليل على تقديمه في الكبرى. وقد قيل لعلي كرم الله وجهه عن ذلك فقال: قد كنت ادخل على النبي ﷺ وأخرج وشعري قد ملأ وجهي فلا مرة من المرات إذا تخلف قال لي صَلِّ بالناس بل يقول: " مروا أبا بكر فليصل بالناس" فرجل رضيه رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا. وخلافة عمر ﵁ ثبتت بنص من أبي بكر (ثم عثمان بن عفان) ﵁ وكان نصبه باجتهاد من الصحابة واتفاق من ذوي الشورى الذين عهد إليهم عمر ﵁ في المشاورة في أمر الإمامة، وقد رضي علي بها له واطمأنت نفسه فلم يخالف ولم ينازع (ثم علي) بن أبي طالب ﵁ بعد خلافة عثمان.

стр. 101

الأفضلية على ترتيب الخلافة قال الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله تعالى: اختلف الناس في تفضيل بعض الصحابة على بعض فقالت فرقة لا يفاضل بل يمسك عن ذلك. وقال الجمهور بالتفضيل. ثم اختلفوا فقال أهل السنة والجماعة أفضلهما أبو بكر الصديق ﵁، وقالت الخطابية أفضلهم عمر بن الحطاب ﵁، وقالت المراوندية أفضلهم

стр. 102

العباس ﵁. وقالت الشيعة علي ﵁، واتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر ﵄. وقال بعض أهل السنة من أهل الكوفة بتقديم علي على عثمان والصحيح المشهور تقديم عثمان ﵁. قال أبو منصور البغدادي أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الراشدون الأربعة على الترتيب المذكور، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم بيعة الرضوان، وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون وهم من صلى إلى القبلتين في قول ابن المسيب وطائفة، وفي قول الشعبي أهل بيعة الرضوان وفي قول عطاء ومحمد بن كعب أهل بدر. وذهبت طائفة منهم ابن عبد البر إلى أن من توفي من الصحابة في حياة رسول الله ﷺ أفضل ممن بقي بعده. وهذا القول غير مرضي ولا مقبول. واختلف العلماء في أن تفضيل المذكور قطعي أم لا. وهل هو في الظاهر والباطن، أم في الظاهر خاصة، بعد الاتفاق على أن جميعهم في الجنة بالنص القطعي من النبي ﷺ . وممن قال أنه قطعي أبو الحسن الأشعري قال وهم في الفضل على ترتيبهم في حديث العشرة والإمامة. وممن قال أنه اجتهادي ظني أبو بكر بن الباقلاني. وذكر ابن الباقلاني اختلاف العلماء في أن الفضل هل هو في الظاهر، أم في الظاهر والباطن جميعاً. وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة ﵄ أيتهما أفضل. وفي عائشة وفاطمة رضي عنهن أجمعين. وحقيقة القول فيه أن عائشة أفضل من جهة العلم، وفاطمة أفضل من جهة الذات فإنها بضعة من أفضل الحلق. فأما عثمان ﵁ فخلافته صحيحه بالإجماع وقتل مظلوماً وقتله الفسقة لأن موجبات القتل مضبوطة ولم يجر منه ما يقتضيه ولم يشارك في قتله أحد من الصحابة وإنما قتله همج من الناس ورعاع في غوغاء القبائل وسفلة الأطراف والأراذل تحزبوا وقصدوه من مصر، فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم فحصروه حتى قتلوه ﵁. وأما علي رضى الله عنه فخلافته صحيحة بالإجماع. وكان هو الخليفة في وقته لا خلافة لغيره. وأما معاوية رضى الله عنه فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء ﵃. وأما الحروب، التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة فاعتقدت تصويب نفسها بشبهها القائمة في ذهنها وكلهم عدول ﵃. ومتأولون في حروبهم

стр. 103

وغيرها ولا يخرج بشيء من ذلك أحد منهم عن العدالة لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم وليعلم أن سبب تلك الحروب ان القضايا كانت مشتبهة فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام: (قسم) ظهر لهم الاجتهاد أن الحق في هذا الطرف. وان مخالفهم باغ فوجب عليهم نصرته، وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقادهم. (وقسم) عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه. (وقسم ثالث) اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها فلم يظهر لهم ترجيح أي الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حق هؤلاء لأنه لا رجحان ولا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأنه الحق لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه، فكلهم عدول رضى الله عنهم ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهادتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم ﵃ أجمعين.

стр. 104

عدم تكفير أحد من أهل القبلة: (وأما قولكم ولا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بما فيه نفى للصانع القادر العليم أو شرك العليم أو إنكار ما علم مجيئه ﷺ به ضرورة أو إنكار لمجمع عليه كاستحلال المحرمات التي أجمع على حرمتها) . فنقول: أهل القبلة هم الموحدون الله تعالى في عبادته ومعاملته كما أمرهم بجعلهم الدين الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه كله لله وحده لا شريك له، فهم فيه لله مستسلمون ومنقادون، ولما أحل الله ورسوله محللون، ولما حرم الله على لسان رسوله محرمون، وعما ينافي الإسلام تاركون، قال : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وروى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وصلوا

стр. 105

صلاتنا واستقبلوا قبلتنا أكلوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها" وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" فقد أمر الله سبحانه نبيه ﷺ بمجاهدة الخلق وقتالهم حتى يقولوا هذه الكلمة الطيبة ويتركوا المنافي لها من الإشراك بالله فلا تتأله قلوبهم غيره تعالى وحتى يؤدوا حقها ومنه أن يصلوا الصلاة المفروضة على النبي ﷺ وعلى أمته المضافة إلى الموصوفين منهم بأتباعه، وهي لا تضاف إليهم إلا أن تكون طيبة أي صالحة بصلاح شروطها وأركانها وواجباتها إذ الطيب لا يقبل إلا طيباً، وأن يؤدوا الحق الواجب في أموالهم، وأن يستقبلوا قبلتهم، وأن يأكلوا ذبيحتهم، وهذه الإضافة في الصلاة والقبلة والذبيحة للتشريف شرف الله نبيه محمداً ﷺ وشرف ملته الحنيفية ودينه الإسلام، فجعل منه تلك الصلاة التي فيها كمال العبودية والتواضع لله ﵎، وجعل منه هذه القبلة المشرفة فهي قبلتهم في الصلاة وغيرها أحياء وأمواتاً، وأحل ذبيحتهم وجعل أكلها علامة الإيمان، وذلك لشرفهم وشرف ملتهم ودينهم وهديهم، والمستوجبون لذلك معصومة دماؤهم وأموالهم لإتباعهم النبي ﷺ في دينه وملته، فليس أهل القبلة إلا من عمل بمعنى الشهادتين اللذين هما رأس دين الإسلام وملته وقوامه، وصفته شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله قولاً وعملاً واعتقاداً، فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الالوهية له فلا يتأله القلب ولا اللسان غيره تعالى لا بحب ولا خشية ولا إنابة ولا توكل ول ارجاء ولا إجلال ولا رغبة ولا رهبة بل لابد أن يكون الدين كله لله كما قال عز من قائل: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فإذا جعل بعض الدين قولاً وعملاً واعتقاداً لله، وبعضه كذلك لغيره لم يكن الدين كله لله بل قد تأله معه غيره، فأهل القبلة يحبون لله، والمشركون يحبون مع الله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ وأهل القبلة يخلصون الدعوة لله، والمشركون يجعلونها لغير الله، كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ . والشهادة بأن محمداً رسول الله تتضمن تصديقه ﷺ في جميع ما أخبر به

стр. 106

وطاعته واتباعه في كل ما أتى وأمر به، فما أثبته واجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، فروى البخاري من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى؟! قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" وروى أيضاً من حديث جابر بن عبد الله ﵄ يقول: جاءت الملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا ان لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان فقالوا مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبث داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا أولوها له يتيقنها قال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان قالوا فالدار الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد مفرق بين الناس أي مميز بين مؤمنهم وكافرهم. فأهل القبلة هم أهل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد لله وحده وترك جميع الآلهة سواء، وهذا هو تحقيق معنى لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإخلاصها له فمن استسلم وانقاد لله ولغيره في معناها فهو مشرك والله لا يغفر أن يشرك به، فلفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص أخذاً من قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فأهل القبلة هم العابدون الله بدين الحق المتبع لا بهوى النفوس والبدع.

стр. 107

التوحيد وما يتعلق به: (فمن الأول) قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ يعني من الشرك وما سواه من الأديان فليس بدين الله المأمور به، بل هو عين ما نهى الله عنه قال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بمعناها وبحقوقها (ومن الثاني) اتخذوا من دونه شفعاء يعتقدون بهم ويتقربون بشفاعتهم كما قال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ

стр. 108

زُلْفَى﴾ يعني ليشفعوا لنا إلى الله، وذلك التقريب هو الشفاعة في قول المفسرين، والزلفى القربى اسم أقيم مقام المصدر كأنه قال إلا لتقربنا إلى الله تقريباً (ومعنى العبادة) في اللغة: الذل والانقياد كما قال أهل المعاني (وأما معناها) حقيقة: فهي ما كان مختصاً لله لأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ولذلك توعد سبحانه هؤلاء الذين جعلوا حقه لغيره بقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني بين المتفرقين من أهل الأديان فيما هم فيه يختلفون من أمر الدين، كل يقول الحق ديني فهم مختلفون وحكم الله بينهم أن يخلد في النار من لم يتبع كتاب الله بل نبذه ورغب عنه باتباع هواه ولا يتدين بدين رسوله محمد ﷺ ثم أخبر تعالى أنه لا يهديهم إلى طريق النجاة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ في زعمه ان معتقده يشفع له، كفار في اتخاذه أولياء من دون الله أو معه ليشفعوا له ويقربوه، فالدين المأمور بالإقامة عليه واحد وهو دين الإسلام الذي بعث الله محمداً ﷺ وجملة من الأنبياء لم يختلفوا في أصله كما قال النبي ﷺ فيما صح عنه: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد الأنبياء أخوة العلات" وإنما تنوعت شرائعهم فيه كتنويع القبلة في وقتين فإنه قد كان في وقت يجب استقبال الصخرة التي في بيت المقدس في الصلاة وذلك بعد هجرته ﷺ فصلى إليها بضعة عشر شهراً ثم بعد ذلك وجب استقبال الكعبة، فهذا التنوع الذي كان بين الأنبياء لا يوجب اختلاف الملة، وإنما يوجبه من لم يفرق بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان قال : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي هذه ملتكم دينكم الإسلام ملة واحدة فلا تتفرقوا عنها، وأنا ربكم أي معبودكم الذي خلقتكم وأمرتكم بعبادتي وإخلاصها لي وحدي، فاتقون لا تشركوا بي شيئاً بل احذروا عقابي، خطاب لهم وقصد لغيرهم وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ

стр. 109

فَرِحُونَ﴾ فأهل القبلة لله مخلصون وفي الدين متفقون، وأهل الإشراك عن الحق معرضون وهم متفرقون قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ولذلك خلقهم فأهل الرحمة هم أهل القبلة لأنهم فيما شرع الله متفقون، وفيه مجتمعون وعليه واقفون وبه آخذون، فهم فيما أمرهم الله ورسوله به عاملون، وعلى ما يرضى الله ورسوله مقتصرون، وعما لم يشرعه الله متحادون. وأما من نبذ القرآن وراءه فلم يعمل بما أنزل لأجله فليس من أهل القبلة بل من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون وان تلاه بلسانه تلاوة وهو يتدين بشرك كما يتدين به الأولون وتنسك به المتحادون، ومجرد تلاوة القرآن بلا عمل فيما هو الموجب لإنزاله من التوحيد لإله كل العبيد وانحاز عن منافيه من الشرك الذي لا يغفره إلا بالتوبة منه والتجريد لا تخرجه تلك التلاوة عن ملة الأولين قال : ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ ولهذا يوجد ما أحدث من الشرك والبدع قد تفرق فيه أهله فكان لكل قوم منهم معتقد يعتقدون فيه دفع الضر وجلب الخير يهتفون باسمه عند نزول الشدة نائياً كان المعتقد أو ميتاً، فكل منهم يدعو معتقده ليكشف عنه شدته ويفرج كربته ويجلي غمه، فالموحدون لله وحده لا شريك له العاكفون على توحيده من إخلاص الدعوة له هم أهل القبلة قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ وضدهم هؤلاء المشركون العاكفون على ما يرجونه ويخافونه من دون الله ويتخذونه من تلك المعتقدات في الأحياء الغائبين والأموات يشركون به في عبادة الله ومعاملته فيرجونه يفرج كربتهم ويكشف شدتهم راغبين راهبين منيبين إليه متوكلين عليه أو ليكن شافعاً لهم عند الله في قضاء مطالبهم، فقد عطلوا توحيد الله ﵎ في ألوهيته وصمديته بإشراكهم معه في عبادته ومعاملته وبجعلهم الدين لغيره، ونفي الصانع القادر لم يقل به أحد من المشركين الذين كفرهم رسول الله ﷺ وقاتلهم، فإن المشركين الأولين لم يكن أحد منهم يقول ان العالم له خالقان بل ولا يقولون إن الله له إله يساويه في صفاته هذا لم يقله أحد من المشركين بل كانوا مقرين بأن خالق السموات والأرض واحد كما أخبر الله عنهم في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ

стр. 110

كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ وكانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، كما يقول هؤلاء المشركون الذين لمشاكليهم مقتفون إن هؤلاء الذين اعتقدناهم ودعوناهم ورجوناهم هم وسائلنا ووسائطنا إلى الله فإنه فوض إليهم وأعطاهم فلهم ما يشاؤن ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومنهم من يصرح بقوله وهم في الكون يتصرفون فوبخهم الله تعالى وذمهم ولامهم وضرب لهم الأمثال في ذلك فقال عز من قائل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية ولكن تتأله قلوبهم وألسنتهم إما نبياً أو ولياً أو ملكاً أو غيرهم مما يصورونه على صورة أحد هؤلاء يتخذونه واسطة تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فقد قطع الله تعالى بهذه الآيات جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعاً قطعاً يعلم من تأمله ويحقق من تدبره أن من اتخذ من دون الله ولياً أو شفيعاً فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وان أوهن البيوت لبيت العنكبوت، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فمن استمسك بغير الله في حال شدته وكربه وغمه فدعاه ورجاه بما لا يقدر عليه إلا الله فليس في يده ممن استمسك به سواه تعالى إلا كمن يستمسك ببيت العنكبوت فإنه لا يجدي عنه شيئاً، فلو علم المستمسك هذا الحال لما اتخذ من دون الله ولياً ولا شفيعاً، وهذا بخلاف أهل القبلة فإنهم لله مخلصون وله في العمل مستسلمون ومحسنون وفي إتباع ما جاء من الله على لسان رسوله منقادون وبالله معتصمون وبالعروة الوثقى مستمسكون وهي العقد الوثيق المحكم في الدين التي لا انفصام لها لقوتها وثباتها
следующие страницы →