← Акыда

Акыда · id 7597

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق

محمد بن علي بن غريب

Полный текст (402 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أصل وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: يعنون النهاية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون بل يقولون ثالث ثلاثة ان بمعنى ما هذا إلا إختلاق كذب وافتعال ثم لما حسدوا بغياً واستكباراً عن الحق وإتباعه، قالوا: أنزل عليه الذكر من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ أي وحيي وما أنزلت على عبدي. والمراد به القرآن، وما أنزل لأجله، وهو التوحيد، بل لما يذوقوا عذاب، تهديد لهم أي سيذوقونه ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول ولصدقوا حيث لا ينفعهم التصديق، لأن لما تدل على عدم وقوع المنفي بها في الحال لا في الاستقبال. (وإذا كان) معنى كفر العناد هو ان يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين بما عرفه واعترف به فالعجب ممن يدلي علينا باعتراضاته ويزعم في مصنفاته ويقول في معتقداته ان الإيمان يكفي فيه مجرد التصديق فمتى وجد أغنى عن العمل ويسمى المصدق مؤمناً وحيث ترك العمل فهو كافر كفراً عملياً لا يخرج عن الملة بل هو مسلم حكماً وحقيقة، وهل هذا إلا تناقض فيما قاله أو ادعاه، ونقض لما أبرمه فيما حكاه فلله الحمد والمنة. (الرابع) : كفر النفاق وهو ان يعترف باللسان ويعمل بشرائع الإسلام ظاهراً ولا يعتقد في القلب بل إما يكذب أو يستخف ولكن يعمل خوفاً وتلجئه فهو النفاق الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله بواحد منها لا يغفر له بل هو مخلد في النار بنص التنزيل وأحاديث البشير النذير. (وأما قولكم قال ابن القيم: وهذا الجمع والتوفيق بهذا التفصيل هو قول الصحابة وعليه الاعتماد لأن أمثال هذه المسائل لا تتلقى إلا منهم ولا تؤخذ إلا عنهم إذ هم الواقفون على اسرار الكتاب والأحاديث، والمتأخرون لما لم يفقهوا مرامهم افترقوا فرقتين فرقة أخرجت مرتكب الكبيرة عن الملة المحمدية وقضوا عليهم بالخلود بالنار وفرقة جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة والجماعة للطريقة المثلى والقول الأوسط حيث لم يخرجوهم عن الإيمان ولم يقضوا عليهم بالخلود ولم يجعلوهم بحيث لا تضرهم المعاصي وهذا هو الموافق للمنقول عن علماء الصحابة والتابعين من تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين) فنقول:

стр. 177

هذا مما قدمناه وقلناه والحق ما قاله ابن القيم، ولكن لا يخص بفهمه والعمل به إلا من سبقت له من الله الحسنى والمقام الأسنى والعناية الربانية والسعادة الأبدية، فإنه عنى بذلك ما عناه الأئمة الأعلام الذين هم مصابيح الهدى والدين من سائر الأنام، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم من أئمة الدين حتى البخاري ومسلم، كلهم على أن المسلم لا يكفر بذنب يفعله ولا يخرج به من الملة كالقتل والزنا وشرب الخمر وقوله لأخيه المسلم يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام وسائر أفعال المعاصي إلا الشرك بالله الأكبر، الذي لا يغفره تعالى كما حكاه بنص التنزيل، أو استحلال ما حرمه الله أو تحريم ما حلل، كما قدمنا الكلام فيه وعلى هذا دل الكتاب والسنة وبه نطق أولو العلم والحكمة قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ..﴾ إلى قوله.. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فسماهم مؤمنين وجعلهم أخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض، وقال تعالى في بيان الكفارة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولو أعتق مذنباً أجزأ عتقه بإجماع أهل العلم. وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي ﷺ ولم يحكم عليهم بالكفر الموجب للردة ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا ورجم هذا وقطع يد هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول: " لا تكونوا أعوان الشياطين على أخيكم". وفي البخاري: "عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً يشرب الخمر يقال له عبد الله فأتى به شارباً فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به فقال رسول الله ﷺ : "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" ولما أن ذو الخويصرة وهو رجل ناتئ الجبين غائر العينين كث اللحية وقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل فأراد بعض الصحابة قتله فقال النبي ﷺ : "دعه إنه يخرج من ضئضىء هذا أقوام يحقر أحداً صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما فهذا العابد الظاهر العبادة هو ومن اتبعه لما جانبوا سنة رسول الله ﷺ واستغنوا بما معهم عنها وخالفوه وخالفوا الصحابة ودعوا إلى بدعتهم واستحلوا دماء من لا يوافقهم عليها أمر النبي ﷺ بقتالهم، وقال: " لئن أدركتهم لأقتلنهم مثل عاد" وذلك الشارب الخمر لما كان محباً للرسول ولسنته نهى ﷺ عن لعنه وقال: "لا تلعنه فإنه

стр. 178

يحب الله ورسوله". فهذا يرد ما ذهب إليه المعتزلة والخوارج من التكفير بالذنوب ووجوب النار والتخليد لمن مات عاصياً لمقلب القلوب. وكذلك المرجئة القائلون بأن الإيمان لا تضر معه المعصية، كما أن الكفر لا تنفع معه الطاعة، وترك الأعمال التي من الدين معصية لا تضر مع وجود التصديق القلبي إذ هو الإيمان عندهم ووجوده كاف عن غيره ولكل شبهة مستند إليها قد ذكرناها فيما تقدم، فهدى الله أهل السنة والجماعة للطريقة المثلى والقول الأوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل حيث لم يخرجوهم عن الإيمان ولم يحكموا عليهم بالخلود في النيران ولم يجعلوهم بحيث لا تضرهم المعاصي والاستغراق في الطغيان، لأنهم بقول الله ورسوله متمسكون وعلى قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان معتمدون ولمن خالفهم مجانبون إذ هم على أسرار الكتاب واقفون وبسنة نبيهم آخذون فلا تتلقى تلك المسائل وتؤخذ إلا عنهم ولا يهتدي المهتدي ويفوز المسترشد إلا بهديهم وإتباع سنتهم ومن جانبهم فقد أبعد وضل وأضل فإن انضاف إلى المجانبة الإعراض عن منهاج الرسول وما كان عليه هو وأصحابه ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. (وأما قولكم قال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق) . فنقول: هذا بعينه ما قاله ابن القيم وغيره نقلاً عن الصحابة والتابعين من أن أعمال الجوارح الظاهرة كالزنا وشرب الخمر وإتيان الكاهن مع عدم تقديم كلامه على كلام الرسول، ومن لم يأمن جاره بوائقه، ومن لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع التي منشؤها الفروع مع الانقياد لحكم الله في الأصول بالقلب والقول باللسان، وسائر المعاصي الظاهرة لا يخرج بها مرتكبها عن خطة الإسلام وان لم يسم مؤمناً حقاً، فلا يقال عنه كافر حقاً فهاهنا كفر درن كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجر عن طاووس عن ابن عباس ﵄ في قول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ليس هو الكفر الذين تذهبون إليه وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه طاووس قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: هو بهم كفر ولكن ليس كمن كفر بالله وملائكته

стр. 179

وكتبه ورسله، وقال في رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة، وفد تقدم الكلام فيه مستوفى عند قوله وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس في تفسير هذه الآية وأنه ﵁ فصل تفصيلاً حسناً قد ذكرناه عنه فيما سلف وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وهذا كله رد على المعتزلة والخوارج الضالين عن طريق الحق والصواب والجانحين عن طريقة أفضل الأحباب. (ونحن ولله الحمد) على ما كان عليه النبي ﷺ معتمدون وبكلام الله آخذون ولمن خالفه مجانبون ومعادون والدليل على صحة ما قلناه واعتقدناه إنا لا نكفر إلا من كفره الله بنص التنزيل كالمتألهين غير الله من المخلوقين بدعائهم ورجائهم والتوكل عليهم وتفويض جميع أمورهم إليهم قولاً واعتقاداً والراضين بذلك المكفرينا بأمرنا بما أمر الله به ونهينا عما نهى الله عنه يجاهدوننا ويجعلون اليهود والنصارى أخف شراً منا ومن إتباعنا وكذا الجاحدين من الدين ما علم بالضرورة انه منه عملياً كان أو اعتقادياً، ونجاهد على ذلك كله وعلى تقويم أركان الإسلام كما جاهد النبي ﷺ وأصحابه عليه بأمر الله له في آيات التنزيل كما قال جل ذكره: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية فقدم تعالى التوبة من الشرك إشارة إلى أن الصلاة والزكاة وسائر أعمال البر لا تعتبر ولا يعتد بها إلا بعد وجود الأصل وهو التوحيد إذ هو كأصل الحائط أو أصل الشجرة وسائر الأعمال كفرعه وهو لا يثبت إلا على أصل فلا يستقيم بدونه ولا يتم إلا به قال : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فإن حكمتم على ان من جعل بعض الدين لله وبعضه لغيره بأنه عاص لا كافر حقيقة، وقد جنحتم وكيع عن إجماع سلف الأمة في أن المشركين الأولين الجاعلين بعض الدين لله وبعضه لغيره ومن شاكلهم ممن اعتقد اعتقادهم وعمل عملهم مستوجبون للكفر حقيقة وان من اعتقد انهم على صواب أو هدى أو شك في كفرهم فهو مكذب لقول الله طاعن في رسالة محمد ﷺ وان حكمتم بكفره فلما لا تحكمون به على من اتخذ من دون الله ولياً ونصيراً وشفيعاً يدعوه ويرجوه ويتوكل عليه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

стр. 180

وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فتعلمون عقيدتنا وحقيقة أمرنا ونهينا ولا تدلوا علينا بكلام هؤلاء الأئمة الأماثل والجهابذة الأفاضل لأن ذلك إنما يلزم به أهل الأهواء من ذوي العقائد الفاسدة الراكسين في المخالفة للنصوص الشرعية والآيات القرآنية لكن من لم يميز الدين ويعرفه عين اليقين عميت بصيرته وأظلمت سريرته فلا حيلة فيه إذا رفعت الشكوى وعمت البلوى. (وأما قولكم وقال ابن القيم الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه فان الله سمى من حكم بغير ما أنزل الله كافراً ظالماً في قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وسمى متعدي حدود الله في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالماً فقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وقال يونس ﵇: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقال صفيه آدم ربنا ظلمنا أنفسنا، وقال كليمه موسى ﵇: رب إني ظلت نفسي فاغفر لي ومعلوم يقيناً ان هذا الظلم ليس كمثل ذلك الظلم) . فنقول: كل كافر ظالم ولا عكس لأن قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره أي ولا ظالم أظلم ممن وافى ربه يومئذ كافراً وتد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون ولم يقل والظالمون هم الكافرون، ومتعدي حدود الله في النكاح بالمضارة، أو نكاح ما لا يحل نكاحه، انشاء، أو رجعة، والطلاق فيطلق لغير السنة أو لها، حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعهاه، ثم طلقها مضارة لها، والخلع فيضارها بمنع حقها لتفتدي منه وكل من فعل كذلك فقد ظلم نفسه، أي أثم فيما بينه وبين الله وان أبدى للناس حاله عكس ما أخفاه عنهم، وقول يونس ﵇: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أي في ذهابي مغاضباً لقومي بلا إذن من ربي ففي نسبة الظلم إلى نفسه اعتراف منه بأنه عمل خلاف الأليق به فان العبد إذا أرسله سيده بأمر وجعله في وظيفة على عبيد لسيده فغاضبوه وامتنعوا من أمره لا ينبغي له الاستعجال والمغاضبة لهم والذهاب عنهم بلا مراجعة من سيده فهو ﵇ قد فهم ذلك وتذكره بعد ذلك فلام نفسه ورجع إلى ربه مستدركاً ما فات منه من

стр. 181

التقصيرات بمناداته في تلك الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وهذه رتبة الخواص الفزع عند الشدائد إلى مالك الناس بالإخلاص ولهذا كان نبينا ﷺ يفزع عند كل شدة إلى الصلاة. والظلم تارة يأتي بمعنى الإثم الذي هو أعم من المعاصي والكفر كما تقدم، وتارة يأتي بمعنى خلاف الأولى كقول يونس صلوات الله وسلامه عليه سبحانك إني كنت من الظالمين، وقول آدم ﵇ ربنا ظلمنا أنفسنا. وكما جاء في الحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثاً ثلاثاً وقال: "هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة فسمى خلاف الأولى ظلماً. وقد صح في السنة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجيب له" وعنه أيضاً قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب. وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى" قلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين قال: "هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها ألم تسمع قول الله تعالى ننجي المؤمنين" فالإيمان شرط من الله لمن دعاه بهذه الدعوة إذ قد يقولها وهو يوجد المنافي لها قولاً أو عملاً أو اعتقاداً فليس عنده منها إلا مجرد لفظها وكانت هذه الدعوة مفزع الأنبياء، أخرجه ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة وقول آدم ﵇ ربنا ظلمنا أنفسنا فيه الاعتراف بمخالفة النهي وفعل خلاف الأولى وأنه فعل المنهي عنه لا عن عمد وإنما هو ظان أن النهي لا يقتضي التلزيم باجتناب المنهي عنه لأن الغار له أقسم بالله على ذلك فظن أن لا أحد يقسم بالله كاذباً فنسب التقصير والظلم إلى نفسه وما أحسن الاعتراف بالذنب والتقصير من العبد لسيده وان أبعد اللوم عنه ظاهراً والعبد إذا ازداد قربه من سيده ازداد خوفه وخشيته ورغبته ورهبته منه وعد ما جرى من غير اللائق به ذنباً وان لاق بغيره ممن هو ليس في درجته ولذلك كانت حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقال موسى ﵇: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فسؤاله المغفرة واعترافه بظلم النفس على جهة طلب الكمال، وان اللائق به كان خلاف ما فعل من الاستعجال بقتل القبطي وإلا فمجرد قتله جائز فإنه عدو للدين حربي للاسرائيلين لكن كان الأولى في حق موسى تأخر قتله لينصحه ويعظه بما قاله

стр. 182

رب العالمين، فتسميته من عمل الشيطان للاستعجال بقتله، وتسميته ظلماً من حيث حرمان ثواب المندوب، وقال اعترافاً وانقطاعاً إلى الله فيما هو إليه محبوب وان لم يكن ثم ذنب البتة. والاستغفار منه بمعنى طلب المغفرة بترك هذا المندوب لعمله عدم الأولى المطلوب، ومن المعلوم يقيناً عند كل عاقل ان ظلم الكفر ليس كظلم المعاصي، وظلم العبد المنيب ليس كظلم العبد الجافي، فالظلم مختلف، كما أن الكفر أنواعه مختلفة، وهذا لم يقع فيه نزاع بين علماء أهل السنة، إنما القصد الكلي والفائدة العظمى طلب ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك الإنزال والإرسال وما طلبه من عبيده فما خلقهم لأجله وأمرهم به ونهاهم عن ضده ورتب على وجوده رضاه ورحمته والخلود في جنته وعلى عدمه والعمل بضده غضبه وسخطه وحرمان رحمته والخلود في ناره وغضبه وتضعيف عذابه وكل ما يحتاج إليه الناس في دينهم فقد بينه الله ورسوله بياناً شافياً، ثم إذا عرف ما بينه الكتاب وقاله الرسول، نظر في أقوال الخلق فعرضت على الكتاب والسنة فما وافق قبل، وما خالف نبذه، فهذا هو سبيل الهدى والسنة والعلم والحكمة، وهو الذي كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم من الأئمة الأعلام إلى آخر الزمان، وأما سبيل الضلال والبدعة والجهل فعكس ذلك تجد المبتدع بدعة إما مخرجة عن الدين بالكلية، وإما ليست أصليه منه ولا فرعية بل من رأى رجال وتأويلاتهم، أو من دسائس الشيطان وتحسيناتهم أنها من الدين ومما يقرب إلى رب العالمين، لم يجعل ما جاء به الرسول أصلاً وفرعاً فيعرض عليه سائر ما هو عامل بل يحرف الألفاظ ويتأولها على وفق ما هو له أصل رفي نفس الأمر لا يعتمد على ما جاء به الرسول ولا يتلقاه منه بالهدى ولكن يتأول منه ما يوافق بدعته ليجعله له حجة كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه وقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَة﴾ التي من أعظمها الشرك وابتغاء تأويله وقال ﷺ فيما خرجاه في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". (والأعمال قسمان) عبادات ومعاملات. فأما العبادات فكل ما كان خارجاً عن كلام الله ورسوله بالكلية من قول أو اعتقاد أو فعل فهو مردود على عامله

стр. 183

ويدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ فمن تقرب إلى الله بما لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه وشبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وان تلك القربة المعتقدة كقربة الأولين فهي أعظم بعداً عن الدين، وأبغض معصية إلى رب العالمين، وهذا مناف له من أصله فلا يوجد معه أبداً كالذين يشركون بالله ما لم ينزل به سلطاناً ويقولون على الله ما لا يعلمون، وهم الجاعلون بينهم وبين خالقهم وسائط ووسائل من خلقه يدعونهم ويرجونهم ويلوذون بهم ويتوكلون عليهم ليشفعوا لهم عند مليكهم في قضاء حوائجهم ومع ذلك يقولون: الله أمرنا بهذا فهو يرضى به، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ولم يتأملوا أحوالهم وما هم فيه من العقائد الفاسدة والحجج العاطلة فتستنير قلوبهم لمعناها وإنها الأعمال الصالحة لا سواها بل واسطتهم تلك هي معنى الإله المذكور في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ذكره المفسرون في كتبهم نقلاً عن البشير النذير، وان كانت غير ذلك كمن تقرب إلى الله بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ولا رسوله التقرب بها إليه بالكلية فهي من دسائس الشياطين لتنال الحظ الوافر من العاملين وليس كل ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقاً فقد رأى النبي ﷺ رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقيل انه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وان يصوم فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وان يتم صومه فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربة يوفي بنذرها، وقد روى ان ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي ﷺ يخطب اعظاماً لخطبته ﷺ ولم يجعل النبي ﷺ ذلك قربة يوفي بنذره مع ان القيام عبادة في موضع آخر كالصلاة والأذان والقيام بعرفة والبروز في الشمس قربة للمحرم فدل على أنه ليس كل ما كان قربه في موطن يكون قربة في كل موطن إنما يتبع ذلك ما وردت به الشريعة في مواضعها وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها كمن صام يوم العيد أو صلى وقت النهي. (وأما المعاملات) كالعقود والفسوخ ونحوها فما كان منها تغير للأوضاع الشرعية كجعل حد الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك فانه مردود من أصله لا يقبله الله

стр. 184

لأن هذا غير معهود في الإسلام ويدل على ذلك ما روى البخاري في صحيحه ان النبي ﷺ قال للذي سأله ان ابني كان عسيفاً على فلان فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم فقال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها قال: فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت") وبتأمل ما ذكرناه يعلم اختلاف الظلم كما يعلم اختلاف الكفر وان كل كافر ظالم ولا عكس. (وأما قولكم وسمى الله الكافر فاسقاً في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الآية، وسمى المؤمن فاسقاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط على قول الأكثر في قوله تعالى فيمن رمى المحصنات ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ والآيات كثيرة في الأمرين) . فنقول هذا من كلام ابن القيم أيضاً وأصل الفسق الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، قال الله تعالى في حق إبليس عليه اللعنة ففسق عن أمر ربه أي خرج، وكل كافر خارج من الطاعة فهو فاسق ولا عكس، وان سمي فاسقاً إذ الفسق أعم من الكفر وهو أخص وبينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة الكفر، وينفرد الفسق عنه، ولذلك سمى الله المؤمن العاصي فاسقاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله ﷺ جابياً للصدقات على بني المصطلق فلما قاربهم وسمعوا به اجتمعوا فهابهم وخاف على نفسه بسبب عداوة كانت بينهم في الجاهلية فلما خاف الوليد ورجع مخبراً لرسول الله ﷺ بمنعهم الزكاة وارتدادهم غضب النبي ﷺ وهم بهم فجاؤا معتذرين مكذبين للوليد فأرسل إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد آمراً له أن ينظر في أمرهم فان رأى خيراً أخذ الزكاة وان رأى أمارات غيره فعل بهم كفعله بالكفار، فرأى الخير بسماعه لأذاني صلاة المغرب والعشاء فأخذ الزكاة منهم وأنزل الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ الآية فاستفيد ان المخبر بشيء لا يعمل بخبره إلا بعد التثبت ومن هنا قيل ان النميمة تمنع قبول خبر النمام لأنه

стр. 185

بمجردها يفسق بها لأنها كبيرة إلا أن تكون مصلحة للدين وقمعاً لأعدائه المعاندين إذا سبوه واستهزؤا به أو تعدوا وظلموا فيه فقد يجب رفع خبرهم إلى الإمام أو نائبه لأن النبي ﷺ رفع إليه خبر العرنيين، وقيل نزلت الآية في الحكم بن أبي العاص وهو مؤمن أيضاً، والأول عليه الجمهور، واتفقوا على فسق قاذف المؤمن لأن الله سبحانه سماه فاسقاً ما لم يتب، ولا يلزم من تسمية فاعل المعصية فاسقاً كفره لما تقدم أن كل كافر فاسق ولا عكس، ولأن الله سبحانه سمى المؤمن العاصي فاسقاً ولم يحكم عليه النبي ﷺ بالكفر مع وجود فسقه، كما لا يلزم من وجود الظلم الكفر بخلاف العكس قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ والآيات في هذا الحد كثيرة فليس فسق العاصي كفسق الكافر، كما ليس ظلم الأول كظلم الثاني، فالكفر كفران والفسق فسقان، والظلم ظلمان، وكذلك الجهل جهلان، باعتبار الكفر والإيمان. فالأول كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ . والثاني كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ . وباعتبار حقيقته إلى مركب، وهو فهم المعنى بالعكس على غير المراد منه مع التصميم على ذلك وادعاء العلم به، وبسيط، وهو الغفلة عن المعنى مع عدم ادعاء علمه. (وأما قولكم والشرك أيضاً شركان شرك ينقل عن الملة وشرك لا ينقل عنها وهو الأصغر وهو شرك العمل كالرياء قال الله في الأكبر ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ وفي الأصغر ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ومن الأصغر حديث من حلف بغير الله فقد أشرك لا يخرج عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار) . فنقول: أصل دين الله وقاعدته الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وشرع الجهاد لأجله وجعل الجنة والنار بسببه والذل والصغار على من خالفه إنما هو أمران. (الأول) توحيده سبحانه بالقيام بعبادته له تعالى وحده لا شريك له وهو

стр. 186

إخلاصها بأنواعها لجلاله وعظمته المختصة بألوهيته قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه. (الثاني) الكف عن الشرك والنهي والإنذار عنه والتغليظ فيه، والمعاداة به، وتكفير من فعله، والبراءة منه، وعدم مودته وموالاته من دون الله، وان كان قريباً من العشيرة قال الله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ والمخالفة في هذين الأمرين (أنواع) أشدها المخالفة في كليهما، والخلق قد افترقوا فيهما فرقاً: (فمنهم) من عبد الله وحده لكنه لم ينكر الشرك وهو يعرفه. (ومنهم) من أشرك ولم ينكر التوحيد. (ومنهم) من أنكر الشرك لكنه لم يعاد أهله، بل والاهم من دون المؤمنين أو جعل رتبتهم كرتبة أهل التوحيد محتجاً بأن الكل خلق الله. (ومنهم) من عاداهم لدنيا أو عصبية لا لشركهم ولم يكفرهم ولم يعب عليهم فيه. (ومنهم) من لم يحب التوحيد ولم غضه وإنما هو تابع فيه غيره سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. (ومنهم) من أنكره ولم يعاد أهله.

стр. 187

(ومنهم) من عاداهم لمخالفتهم أهل الأهواء المتبع لهها مع عدم شعوره ولم يكفرهم. (ومنهم) من كفرهم وأنكر التوحيد بعد أن عرفه وسبه وأهله. (ومنهم) من لم ينكره لكنه كفر أهله الآمرين به والناهين عن ضده. (ومنهم) من لم يبغض الشرك ولم يحبه بعدم تمييزه عن ضده. (ومنهم) من لم يعرف الشرك من أصله فلم ينكره وفعله. (ومنهم) من لم يعرف التوحيد وأنواع العبادات فلم يقل به مؤدياً حقه. (ومنهم) من قاله بلسانه ولم يعمل به ولم يعرف معناه في قلبه ولا قدره فلم يعاد أهل الشرك ولم يكفرهم. فهذه ثلاثة عشر فرقة كلها قد خالفت ما جاءت به الرسل من دين الله وتوحيده وأشدهم مخالفة من عرف بتوحيد الله ودينه فأنكره وكفر أهله، ثم من عرفه ولم ينكر لكنه كفر أهله وعاداهم، سم من قال التوحيد بلسانه ولم يعمل به في اعتقاده ولم يعرفه ولا قدره ولم يسأل عنه أهل معرفته بل تسافه عنه مستغن برأيه، ثم من جعل رتبة أهل الشرك كرتبة أهل التوحيد، فهذا من أعظم الجور والبهتان في حكمه حيث جعل المشركين في رتبة الموحدين ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ثم الباقي سواء في المخالفة. (واعلم) ان أمر الله ﵎ شرع شرعه وقدر قدره ولا يتم الإيمان بأحدهما إلا بالآخر ولا يدرك أمره تعالى ليتمثل ويعمل به إلا بتأمل معاني كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ثم الشرك من حيث هو) ينقسم إلى اكبر غير مغفور وإلى أصغر لا يقبله الملك الغفور. فمن الأوّل ما يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومنه ما يتعلق بعباداته ومعاملاته مع اعتقاد انه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله نوعان: (أحدهما) شرك التعطيل وهو أقبح أنواعه كشرك فرعون إذ قال وما رب العالمين، وقال لهامان ابن لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين،

стр. 188

والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل بل قد يكون المشرك مقراً بالخالق سبحانه وسائر صفاته لكنه لما عطل أصل التوحيد الواجب على العبيد الذي لا ينبغي ولا يكون إلا لله وحده فشرك فيه غيره صار مشركاً بذلك، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل (وهو ثلاثة أقسام) . تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله. وتعطيل معاملته تعالى عما يجب على العبيد من حقيقة التوحيد وهو إخلاص جميع أنواع العبادة والدين لله، فإذا أشرك غير الله في ذلك فقد أشرك شركاً غير مغفور إلا بالتوبة عنه وهذا المشرك مقر بالخالق وصفاته وأسمائه معطل لمعاملته المختصة بجلاله ولا يدخله في الإسلام إقراره ولا ما نفى من الآلهة لسانه لتعطله ما وجب عليه من حقيقة التوحيد يجعله ما يختص بجلال الله لغيره من العبادات المتأله بها من جعلت له، لاحظ المعنى في ذلك الجاعل أو لم يلاحظه، فأما تعطل المصنوع عن صانعه وخالقه فهو كشرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته وأنه لم يكن معدوما أصلاً بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب وسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس، ومنه شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق ولا ههنا شيئان بل المنزه هو عين المشبه، ومنه شرك القدرية القائلين بأن الحيوان يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله، ولهذا سمادهم رسول الله ﷺ مجوس هذه الأمة لأن شرك المجوس إسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة. وفي القرآن العزيز ما يرد عليهم كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فالله هو الخالق للأشياء كلها والعبد مكتسب لا خالق وله اختيار في أفعال نفسه لا تقع إلا بهواه وميله إليها ولذلك يحاسب عليها مع كونها بتقدير الله وإرادته فلا يحتج بالقدر لما فيها من الرد على منشيء البشر. (وأما محاجة آدم موسى) فإنما هي لتسليم الأمر، وله تعالى الحجة البالغة ولو شاء لهدى الناس أجمعين، وهو تعالى حكم عدل لا يؤاخذ إلا بالذنب، ولا يعاقب إلا عليه، وله تعالى أن يجعل الخلق كلهم مذنبين فيعذبهم عدلاً منه، وله أن يجعلهم سعداء طائعين فيرحمهم فضلاً منه، وقد ركب سبحانه في الإنسان عقلاً وجعل آلة الإدراك

стр. 189

يميز به الأشياء الضارة من النافعة فضلاً منه تعالى ورحمة فهو لا يسئل تعالى عما يفعل وهم يسئلون، وهو الملهم للخير والشر قال جل شأنه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ وكل ميسر لما خلق له، وعلى الإنسان الاجتهاد في طاعة خالقه ما استطاع وسؤال التوفيق والإرشاد إلى الصراط المستقيم. (وأما تعطيل) الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله فهو شرك الجهمية والقرامطة لم يبقوا له تعالى اسماً ولا صفة بل جعلوا المخلوق أكمل منه تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها. وأما تعطيل معاملته تعالى عما أوجبه تعالى على عبيده فهي قسمان. قسم يخرج عن الملة وهو نفي تفرده تعالى بملك الضر والنفع والعطاء والمنع والاستغاثة والقرب، ودعاء العبادة، والخوف المحض بجلاله المعلق على وجود الإيمان، والرجاء والالتجاء، والتوكل، وذبح القربان، والإنابة، والخضوع، والتوبة، والاستعانة، وهذا المشرك المعطل قد ساوى التراب برب الأرباب، والعبيد بمالك الرقاب، والفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته فلا ظلم أقبح من هذا ولا حكم أشد جوراً منه حيث عَدَل من لا عدل له بخلقه كما قال جل ذكره: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ وعطل حق الله تعالى المختص بجلاله فجعله لغيره بمشاركته بين الله وبين عبده في محض حقه تعالى من الدعاء بما لا يقدر عليه إلا من أمر بسؤاله، وتوعد على ترك طلب أفضاله والإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخشوع والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل وذبح القربان ضد أشرك بينه تعالى وبين أبغض الخلق إليه وأهونهم عليه وأمقتهم عنده إذ هو عدوه على الحقيقة، فإن المشرك مطلقاً إنما عبد غير الله وما عبد من دون الله إلا شيطاناً مريداً كما قال جل ذكره: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشيطان، وهم يظنون أنه يعبدون الملائكة. كما قال : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا

стр. 190

سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ فلا أحد كائناً ما كان يعبد غير الله إلا وقعت عبادته للشيطان نفسه، واللعين يدعو المشركين إلى عبادته ويوهمهم أنه ملك أو ولي وقد يتصور على صورة المستغاث به والمدعو فهو كثيراً ما يتراآي لأوليائه إبليس للإيهام والتلبيس فيزداد المشرك في شبهه بواسطة القبر أو التمثال رغبة ورهبة وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب وهي التي تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج، ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها شيطان فيسجد لها الكفار فيقع سجودهم له وهكذا عند غروبها، وكذلك من عبد المسيح وأمه وعزيراً والأنبياء والصالحين وتعلق عليهم يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم ويلتجئ إليهم ويقرب لهم وينذر لهم ليدفعوا عنه ضراً أو يجلبوا له خيراً فإن ذلك كله واقع للشيطان نفسه لا لهم، بل هم بريؤون منه ومن عبادته وسيتبرأ منهم بمعنى أنه يتبرأ من عبادته إياهم ويتمنى الكرة إلى الحياة الدنيا ليعمل غير الذي كان يعمل قال جل ذكره: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ وهذا العابد يزعم أنه يعبد من أمره بعبادتهم ورضيها لهم وأمرهم بها فهم يقربونه إليه وهذا هو الشيطان الرجيم لا عبد الله أو رسوله أو نبيه أو وليه فنزل هذا كله على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ فيستمتع هذا العابد بالمعبود كما يستمتع المعبود بالعابد قال عز من قائل: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ﴾ أي من إغوائهم وإضلالهم: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ومن أجل ذلك كان الشرك بالله أكبر الكبائر على الإطلاق، وانه تعالى لا يغفر أن يشرك به بغير توبة منه وكف عنه، وانه يوجب الخلود في النار وليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل قبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح. يوضح هذا أن العابد معظم متأله خاضع ذليل له خائف منه، والرب ﵎ وحده هو الذي يستحق التأله بكمال التعظيم والإجلال والخضوع والذل والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل والدعاء بما لا يقدر على وجوده أو دفعه إلا هو ﵎، وذبح القربان وحلق

стр. 191

الرأس عبودية وتواضعاً هذا خالص حقه سبحانه، فمن أقبح الظلم أن يعطي حقه لغيره أو يشرك بينه وبين غيره فيه ولاسيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ الآية أي إذا كان أحدكم يأنف من ان يكون مملوكه شريكه في رزقه الذي جعلته له فيكف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به وهو الألوهية التي لا تنبغي لغيري ولا تصلح لسواي، فمن زعم ذلك فلا قدرني حق قدري ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني فيما أنا منفرد به وحدي، وقال جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ أي العابد والمعبود، وهذا حال كل من جعل عبادة الله المختصة بجلاله وعظمته لغيره فهو ضعيف هو ومعبوده إذ الكل فقير إلى الله محتاج إليه كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فاعتماد العبد على المخلوق ودعاؤه إياه بما لا يقدر عليه إلا الله وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولا بد فالحاصل له عكس ما أمله منه، فلا بد من الخذلان كما هو ثابت بالسنة ونص القرآن ومعلوم بالاستقراء والتجاريب قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي يغضبون لهم ويحاربون كما تغضب الجند وتحارب عن أصحابهم وهم لا يستطيعون نصرهم بل هم كل عليهم، كذلك كل بنية على قبر كل على عابديها وسادينها المعتقدين الضر والنفع والتقريب والتبعيد بما فيها لوضعهم التوابيت وتغشيتها بالستور وإيقاد السرج وفتح الباب وغلقه عن لص القبور والهتف بذكره عند الشدائد وبذل النذور ليدفع ما حل بهم من البؤس والشرور قال : ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ

стр. 192

وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أي غير تخسير، ولما كان المشرك يرجو بشركه النصر تارة والتقرب أخرى، والحمد والثناء تارة، والشفاعة له أخرى، أخبر ان مقصوده ينعكس عليه فلم يحصل له إلا الخذلان والذم وحرمان ما أمله قبل لعدم الرضا عنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشبته مشفقون، وكما يستحيل على ذاته تعالى العدم، يستحيل عليه ان يشرع عبادة إلى غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله، كيف ظن فيمن تفرد بالربوبية والألوهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضي به تعالى عن ذلك علواً كبيراً، فان من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع والاستغاثة والقرب والكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها بأنواعها له تعالى مختصة بجلاله، لكن هذا انما ينشأ من نتيجة العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما وهما غاية الحب مع غابة الذل وهو تمامها وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال ان تجيء به شريعة من الشرائع بل قبحه مستقر في كل فطرة وعقل. لكن غيرت الشياطين فطر أكثير الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم وأحالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فقد أرسل تعالى رسله وأنزل كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم فازدادوا بذلك نوراً على نور يهدي الله لنوره من يشاء، بحلاف من أعطى حبه وخضوعه لغير الله فهو في ظلمة الضلال ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهم لم يسوّوهم به في الخلق والرزق والتدبير والضر والنفع أنما سوّوهم به في الحب والذل والخضوع ليقربوهم إلى المولى على خلاف ما هو مشروع. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ومن كان في هذه الظلمات فلا ينظر إلى الآفات في جميع الأوقات ولا يعرف الطريق الموصل إلى الآيات البينات فليس له تأمل ولا تدبر ولا تذكر ولا تفكر فيما ينجيه ولا مخافة مما يرديه، قد غره الأمل وصار كما قال : ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ﴾ . (النوع الثاني) من الشرك الذي يتعلق بذات المعبود شرك النصارى الجاعلين

стр. 193

معه إلهاً آخر لكنهم لم يعطلوا أسماء الرب ولا صفاته ولا ربوبيته، بل جعلوه ثالث ثلاثة فجعلوا المسيح إلهاً وأمه إلهاً إنما جعلوا ذلك لأن أول الإنجيل باسم الأب والأم والابن، كما أن أول القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، فظنوا أن الأب والأم والابن عبارة عن الزوج ومريم وعيسى، فحينئذ قالوا ان الله ثالث ثلاثة، ولم يعلموا ان المراد بالأب هو الاسم وبالأم كنية الذات المعبر عنها بماهية الحقائق وبالابن الكتاب وهو الموجود المطلق لأنه فرع ونتيجة عن ماهية ما في اللوح المحفوظ، واليه أشار قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ومنه شرك عباد الشمس والنار وغيرهم فمن هؤلاء من يزعم ان معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وانه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم ان معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله ، فتارة تكثر تلك الآلهة إلى الله ، وتارة تكثر تلك الوسائط المتخذة وسيلة إلى المقرب، وتارة تقل، فهم قد جعلوا الشرك سبباً في تحصيل بعض مقاصدهم وكل سبب لم يأذن به الله باطل مضر لمتخذه فلا يتعاطى. وإذا حقق المؤمن ان الله سبحانه رب كل شيء وخالقه ومليكه فانه لا ينكر ما خلقه الله تعالى من الأسباب كما جعل المطر سبباً للنبات قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ والشمس والقمر سبباً لما بخلقه بهما والدعاء سبباً لما يحصل للمدعو له أو عليه والدواء سبباً لذهاب الداء، قد نبه على ذلك النبي ﷺ بقوله: "لم ينزل الله داء الا أنزل له شفاء" يعني دواء علمه من علمه وجهله من جهله"، رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أسامة بن شريك عن النبي ﷺ وفي لفظ " ان الله لم يضع داء إلا وضع له دواء أو شفاء إلا داء واحداً" قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: " الهرم" وهذا يعم داء القلب والروح والبدن وأدويتها فقد أرشد ﷺ العرنيين لما شكوا له الوخم ووجع البطن أن يلحقوا ابل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها وجعل الجهل داء ودواؤه سؤال العلماء. (قال رسول الله ﷺ في قصة صاحب الشجة: "قتلوه قتلهم الله الا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال") كما أن وجود الداء سبب للألم، روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف عن النبي ﷺ أنه قال: "العين حق ولو أن شيئاً سابق القدر لسبقته العين وإذا

стр. 194

استغسلتم فاغسلوا" وكذا السحر قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه﴾ فهو سبب لألم الفؤاد ويوجب البغضاء والفرقة بين الزوجين، والنار سبب للإحراق، والسكين سبب للقطع، والحبل سبب لإظهار الماء في الدلو، وأكل الطعام سبب لذهاب ألم الجوع، وشرب الماء سبب لذهاب ألم العطش، والكدح بالاجتهاد في تحصيل العلم سبب للفهم، والمتاجرة بالمال سبب لفائدة الربح، وطاعة الله سبب لرضائه ورحمته، ومعصيته سبب لسخطه وانتقامه، فالأسباب المنصوص عليها لا تنكر ولا يتكل عليها إذ في إنكارها نقص في العقل وفي الاتكال عليها شرك في الدين وكل من الإنكار والاتكال منتف شرعاً لكن قد يتخلف المسبب عنه مع قيام السبب إذ الضار والنافع والمعطي والمانع هو الله وحده قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وكتخلف إحراق النار عن إبراهيم ﵇ حين وضع فيها، وحدة السكين حين أمرّها الخليل على حلقوم ولده إسماعيل ﵉، ولا محيص عن الأخذ في الأسباب فليس المتوكل من فتح للسارق الباب، ولا من قال أنا متوكل أستغني عن الطعام والشراب. قال أفضل الأحباب لمن سأل أيعقل الناقة أم يتكل: "اعقلها وتوكل". وأفضل المتوكلين أشد عباد الله حرصاً على فعل الأسباب فقد أمر بإطفاء السراج والتسمية وإغلاق الأبواب ونفض الفرش وطي الثياب وحفظ الصبيان أول الليل لانتشار الشياطين وهذا الباب لا يحصيه العادون من سنن المرسلين فالأخذ فيها لا ينافي التوكل لأنه الانقطاع عن جميع الخلق وتفويض الأمور إلى الملك الحق وحده. وحينئذ فلا بد أن يعرف فيها ثلاثة أمور. (أحدها) : أنها لا تستقل بالمطلوب بل تتعاطى عن غير ركون إليها ومع هذا فلها موانع، فان لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود وهو سبحانه ما شاء كان وان لم يشأ الخلق، وما لم يشأ لم يكن وان شاءه الخلق. (الثاني) : أنه غير جائز اعتقاد أن الشيء سبب إلا بعلم فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم أو بما يخالف الشريعة كان مبطلاً في إثباته آثماً في اعتقاداته.

стр. 195

(الثالث) : ان الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سبباً إلا أن يكون مشروعاً إما استحباباً أو مأذوناً، فان العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطاناً وان يقول على الله بلا علم فيدعو غير الله بما لا يقدر عليه إلا هو ، وان ظن أن ذلك سبب في حصول غرضه لاعتقاده ان ذلك المدعو يشفع له فيما دعاه فيه لأنه جنس ما اعتقده الأولون في آلهتهم، وكذلك لا يجوز أن يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة وان ظن ان ذلك سبب في حصول ما يطلبه من أغراض دنيا أو ثواب آخرة على زعم اعتقاده، فان الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك وقد يحصل له بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراضه فلا يحل له ذلك إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به والرسول ﷺ إنما بعث لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فما أمر الله به فمصلحته راجحة وما نهى عنه فمفسدته راجحة ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ . (من ذلك) : قول المحرمات وقول السخريات ليتوصل بها إلى تحصيل شيء من أمتعة الدنيا أو القرب لدى ملك من ملوكها قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ وكل شرك زور ولا عكس وقال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ . (ومنه) : التداوي بالمحرمات مطلقاً فلم يجعل الله الشفاء فيما حرمه بل نزعه عنه وأوهنه، والبدع التي ليست من شريعة الإسلام في شيء بل هي من شعب الشرك الظاهرة كأتربة أضرحة القبور لا يحل استعمالها أدوية ولا تعاطيها لما في استعمالها من الاعتقادات الباطلة والمفاسد في الدين الظاهرة فهي أشبه ما فعله المشركون الأولون بآلهتهم من تعظيم الأصنام والتبرك والتمسح بها في كل مشهد خاص وعام. (ومنه) : ما اعتنى به بعض الأغبياء الجهال وعوام الضلال دعوتهم بدعاء تمخيشاً وتمشيشاً، ودعوتهم في الشدائد بأسماء أصحاب الكهف وشمبخ وغيرهم وبالدعوات المجهولات يزعمون أن هذه من الأسماء العظام والأدعية المستجابات وأنه من الإنجيل والتوراة، فكل هذا من تلبيس إبليس على هؤلاء الجند الذين اختاروه واختارهم فلسنا ملتزمين في شريعتنا ملة الإسلام بتلك الأدعية في الصباح والمساء ولم

стр. 196

يقل بها أحد من العلماء الألباء، بل الأغبياء السفهاء من القصاص اختاروها لتغرير العوام وجمع الحطام فلم يعاملوا الله بالإخلاص، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وأما الأسماء المنهي عنها فان الشيطان يظهر تأثيرات ويوري تلبيسه فيها منافع ظاهراً في أكثر الأحيان وهي حسرات، بل قد يكون التلفظ بتلك الكلمات كفراً لا يعرف معناها بالعربية قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وكل واسطة أو وسيلة نهى الشارع عنها لا يجوز اتخاذها في جلب نفع أو كشف ضر قال : لا وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ قال قتادة كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا فأمر الله المسلمين أن يخلصوا له الدعوة إذا دخلوا مساجدهم، وقال سعيد بن جبير المساجد الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره، والأعضاء التي يستعمل بها الإنسان ومن جملتها اللسان الذي هو ترجمان الجنان في كل ما يريد ابداءه من خير ينفعه أو ضر يضره قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ أي لا أحد، فلا يدانيه سبحانه أحد، ولا يستقل سواه تعالى بما أراده ولا يعطي لما منعه، فهذه الأسباب التي تتخذ وسائط ووسائل في الجلب والدفع اللذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده منفية بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلا أسباباً وردت عن الله أو رسوله كالتوحيد والصلاة بحضور قلب وخشوع وذل وانكسار والدعاء والاستغفار بعد الإقلاع عن الذنب والندم على فعله والعزم على أن لا يعود إليه والأعمال الصالحة من صدقة وصلة رحم وطاعة الله وتقواه فهي الأسباب في جلب الخير ودفع الشر كما صرح به القرآن والسنة. (القسم الثاني) : من قسمي تعطيل معاملته تعالى وتقدس ما لا يخرج عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار بل ينهى فاعله ويؤدب عليه وهو الشرك الأصغر فمنه الرياء والسمعة بقطع النظر عن صحة العبادة إذ إخلاص النية شرط لصحتها وهو يصدر ممن يعتقد ويقول لا إله إلا الله وانه لا يضر وينفع ويعطي ويمنع إلا الله وحده ولكن

стр. 197

لا يخلص في معاملته وعبوديته بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب ولنفسه وحظه وهواه نصيب وللشيطان نصيب، وهذا حال أكثر الناس زيادة عن الأول وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان في صحيحه: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل قال أبو بكر ﵁ كيف يا رسول الله ننجوا منه قال قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم" فالرياء كله شرك قال تعالى آمراً نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، كذلك ينبغي أن تكون العبادة كلها له وحده فكما تفرد بالألوهية يجب أن ينفرد بالعبودية، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" وفيه أيضاً عن أبي سعيد مرفوعاً: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال قالوا بلى يا رسول الله قال الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه" فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة وكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁ اللهم اجعل عملي كله لك صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وهذا الشرك يبطل الثواب من أصله أو العمل أيضاً لما تقدم، فمن أراد بعمله غير وجه الله أو نوى شيئاً غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص هو أن يخلص لله في أقواله وأفعاله وإرادته ونيته، فهذه هي حقيقة ملة إبراهيم التي أمر الله بالقيام بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء لأنه قد هان عليه أمر خالقه فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، فكان هواه آثر عنده من رضاه وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعة مولاه فيجعل لله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ذلك لأنها المهم عنده يستخف بنظر الله إليه وإطلاعه عليه، وهو في قبضته وناصيته في يده، ويعظم نظر المخلوق إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه يستحي من الناس، ولا يستحي من الله، ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل

стр. 198

الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وان عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وان قام في خدمة إلهه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة وقد فرغ له قلبه وجوارحه وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه ان ساعده القدر قام قياماً لا يرضى مثله مخلوق وبذل من ماله ما يستحي ان يواجه به مخلوق لمثله وإذا هو أجهل الجاهلين وأمقت الممقوتين وأظلم الظالمين وأهلك الهالكين ممن عصى ربه من العاصين. (ومنه الحلف) بغير الله رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك" رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن، قال وفسر أهل العلم هذا الحديث أن قوله كفر وأشرك على التغليظ فيكون الشرك الأصغر. قال ابن مسعود وغيره لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً. وإنما قال ذلك لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. (ومنه) قول القائل للمخلوق ما شاء الله وشئت كما ثبت عنه ﷺ أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال ﷺ : "أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده" هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فكيف بمن يقول أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، أو من بركات الله وبركاتك، والله ولي في السماء وأنت ولي في الأرض، أو يقول والله وجاه فلان، أو أنا تائب إلى الله وإلى فلان، وأرجو الله وفلاناً، وفي ذلك. فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول ذلك القائل لرسول الله ﷺ ما شاء الله وشئت ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجوابه ﷺ لقائل تلك الكلمة وأنه إذا كان قد جعله لله نداً بها فقد جعل من لا يداني رسول الله ﷺ في شيء من تلك الأشياء بل لعله أن يكون من أعدائه نداً لرب العالمين، وفي مسند الإمام أحمد "أن رجلاً أتى به قد أذنب ذنباً وهو أسير فلما وقف بين يدي النبي ﷺ قال اللهم أني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال النبي ﷺ عرف الحق لأهله". ونحن لم نكفر الناس ونجاهدهم بهذا القسم الثاني بل بالأول، وعليه فانه أمر مجمع عليه مع أنهم هم الذين بدؤنا بالجهاد ليرجعونا عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من الدين القويم الذي هو المراد إلي ما كنا عليه أولاً من أنواع الباطل والفساد

стр. 199

زاعمين أن اليهود والنصارى أخف شراً منا ومن مال إلينا، ونحن إنما ندعو إلى العمل بالقرآن العظيم والذكر الحكيم الذي فيه كفاية لمن اعتبر وتدبر، وبعين بصيرته نظر وفكر، فانه حجة الله وعهده ووعيده ووعده وأمانه ورفده ومن تبعه عاملاً بما فيه جد جده، وعلا مجده، وبان رشده، وبان سعده، والتوحيد ليس هو محل الاجتهاد فلا تقليد فيه ولا عناد.

стр. 200

النفاق نفاقان (وأما قولكم وكذلك النفاق نفاقان، نفاق اعتقاد، ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي ذكر الله أن أهله في الدرك الأسفل من النار وهو كثير في القرآن، ونفاق العمل كما في الحديث الصحيح آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وفي بعضها أربع بزيادة وإذا خاصم فجر فهذا نفاق عملي مجتمع مع أصل الإيمان) . فنقول: هذا الحديث الذي خرج في الصحيح ليس فيه بحمد الله إشكال ولكن اختلف في معناه والذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار عند أهل السنة والجماعة كما حكاه شراح الحديث ان هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال متخلق بأخلاقهم، فان النفاق إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حقه من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام ويظهره وهو يبطن الكفر ولم يرد النبي ﷺ بهذا انه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار فقوله ﷺ في الحديث الآخر الذي رواه مسلم كان منافقاً خالصاً معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، قال بعض العلماء وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من يندر ذلك منه فليس هو داخلاً فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث، وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي معناه عن العلماء مطلقاً فقال إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وقال جماعة من العلماء المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ قد حدثوا بإيمانهم فكذبوا وائتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فاخلفوا وفجروا في خصوماتهم ومن كانت حاله كذلك

стр. 201

فهو منافق حقاً، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقد رجع إليه الحسن البصري ﵀ بعد أن كان على خلافه، وهو مروى عن ابن عباس وابن عمر ﵃ ورووه أيضاً عن النبي ﷺ بمعناه قال القاضي عياض واليه مال كثير من أئمتنا، وحكى الخطابي قولاً آخر معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه بها أن تفضي به إلى حقيقة النفاق، وحكى الخطابي أيضاً عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي ﷺ لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق وإنما يشير إشارة كقوله ﷺ ما بال أقوام يفعلون كذا وقوله ﷺ في الرواية الأولى التي رواها مسلم في صحيحه أربع من كن فيه كان منافقاً وفي الرواية الثانية آية المنافق ثلاث لا منافاة بينهما فان الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئاً واحداً وقد تكون أشياء، ومعنى قوله وإذا عاهد غدر داخل في معنى وإذا ائتمن خان لأن العهد أمانة ومعنى قوله وإذا خاصم فجر أي مال عن الحق وقال الباطل والكذب، قال أهل اللغة وأصل الفجر الميل عن القصد، ومعنى آية المنافق أي علامته ودلالته فمنه يعلم أن كفر عمل الجوارح ونفاق عملها ليس مما نحن فيه إنما القصد الكلي والفائدة العظمى لمن عقلها عمل القلب وهو اعتقاده وقبوله لما جاء عن الله وأرسل به محمداً عبده ورسوله من ان الدين كله لله. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾ وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم ﵃ أن المراد بالفتنة هنا الشرك ونحن لم نؤم إلا إليه ولم نجاهد إلا عليه.

стр. 202

حكم ما يفعله العوام من الدعاء والهتف (وأما قولكم فقد عرفت من هذا كله أن ما يفعله العوام من دعاء الأولياء والهتف بهم عند الشدائد والطواف بقبورهم وتقبيل جدرانهم والنذر لهم بشيء من أموالهم هو من الكفر العملي لا الاعتقادي فإنهم مؤمنون بالله وبرسوله وباليوم الآخر لكن اعتقدوا ان هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرون جهلاً منهم كما اعتقد أهل الجاهلية ذلك في الأصنام لكن فرق ما بين الفريقين فان هؤلاء يثبتون

стр. 203

التوحيد لله لا يجعلون الأولياء شركاء له تعالى، وأولئك قد جعلوا الأصنام شركاء له فأولئك كفرهم كفر اعتقاد وهؤلاء أعني ضعفة العقول من العوام الموحدين لله معترفون بتوحيده ومصدقون الرسول بجميع ما جاء به من عند ربه وحكم أولئك من القتل والسبي، وأما هؤلاء فالواجب على العلماء وعظهم وتعريفهم وتفهيمهم جهلتهم، وزجرهم عن فعلهم ذلك لو أصروا عليه بعد ذلك ولو بالتعزير البليغ والضرب الشديد كما أمرناهم بحد الزاني والسارق وشارب الخمر، ولا يخرجون به عن الملة ويدل على ما قلناه دلالة صريحة قوله ﷺ في الحديث الصحيح عنه "أربع في أمتي من عوراء الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت" أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري فهم مع إتيانهم بهذه الخصال الجاهلية أضافهم إلى نفسه ولم يخرجهم عن أمته فقال في أمتي) . فنقول: هذا تفريع على ما تقدم من تقسيم الكفر إلى كفرين والنفاق إلى نفاقين، أي لما انقسم الكفر إلى عملي واعتقادي وميزانهما، علمنا أن ما يفعله العوام من دعاء الأولياء والهتف بهم عند الشدائد من الكفر العملي لا الاعتقادي وعلله بأنهم مؤمنون بالله وبرسوله وباليوم الآخر وبأنهم لم يجعلوا الأولياء شركاء لله ثم أثبت لهم الاعتقاد الذي نتيجته عين ما نفاه أولاً عنهم فهو سببه ولا ينشأ إلا منه وهو قوله لكن اعتقدوا أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرون جهلاً منهم كما اعتقد أهل الجاهلية ذلك في الأصنام وهل هذا إلا تناقض فيما قاله ونفاه وتناقض فيما اعترض به وادعاه وتعاكس فيما فرعه وعناه وتشاكس في تعليله وفحواه. وذلك من وجوه. (أحدها) : إثباته عين ما نفاه أولاً فقال أنهم اعتقدوا اعتقاد أهل الأصنام فيها. (الثاني) : أنه جعل هذا الاعتقاد كفراً عملياً يعني به عمل الجوارح الظاهرة لأن كلامه فيما تقدم ينكر عمل القلب. (الثالث) : جعله الدعاء والهتف ليسا نتيجة الاعتقاد بل يصدران ممن اعتقاده منحصر في الله وهو يدعو غيره ويلتجىء إليه فيما لا يقدر عليه إلا الله وحده

стр. 204

ويهتف بذكره عند الشدائد وغيرها ليجلب له أو يدفع عنه وهو لا يعتقد فيه القدرة على شيء مما طلبه منه وهذا محال أن يطلب أحد غيره شيئاً أو يدعوه منه وهو يعلم ويعتقد أنه لا يقدر عليه ولا يوصل مطلوبه ومقصوده إليه وصريح كلامه متناقض في ذلك فانه قال لكن اعتقدوا أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرون بعد قوله هو من الكفر العملي لا الاعتقادي. (الرابع) : زعمه إسقاط التكليف والعذر بالجهل بعد بلاغ الدعوة وانتشارها كما لو لم تكن. (الخامس) نفيه الشرك عن معتقد النفع والضر والعطاء والمنع في غير الله حيث لم يصرح بان هذا الضار والنافع والمعطي والمانع شريك لله كتصريح الأولين بالشريك معه تعالى، ولم يعلم ان قصد الأولين بالشريك من حيث أنه يشفع لهم عند الله بما أرادوا منه ويعطي ويمنع بأمره تعالى ما طلبوه ولذلك قالوا في تلبيتهم إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، فهم يزعمون أنه شريكه في عبادته ومعاملته لا في تدبيره وإرادته ونفي هذا الشريك باللسان، واعتقاد معناه في الجنان لا يوجب نفيه حقيقة ولا أنه شريك له تعالى في ملكه أو خلقه أو رزقه العباد، أو تدبيره الأمور، هذا لم يقولوا به، بل صرحوا بأن ذلك كله لله وحده كما قررهم به وعرفهم. بنعمته قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ولا انه شريك له يملك الضر والنفع قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ وهم كانوا يدعون الله وحده عند نزول الشدة ويخلصون له فيها الدعوة قال تعالى مخبراً عنهم بذلك: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فالدعوة التي أشركوا فيها غيره ليتوصلوا به في قضائها إليه هي الشرك الموجب لسخطه وغضبه والخلود في عذابه والدعوة المختصة بجلاله المسؤولة من نيل أفضاله المخاطب بها عين كمال ذاته هي الدين الخالص الذي

стр. 205

أمر به ووعد عليه الإجابة والإنابة لكن من قدر عليه الشقاء فالأول حاله حتى ان تصبيه الشدة فيخلص لله الدعوة، فإذا استجاب الله دعاءه وأنعم عليه مولاه جاءته الاستحالة ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ ومن وفق الإنصاف بالإخلاص رأى وشاهد بحديقة عين رأسه وبصيرة عين جنانه، وتأمل بقلبه أحوال هؤلاء المدعين الإيمان، مع أحوال الأولين وجدهم في أصل دين واحد ومعناه متفقين، وفي تركه جملة مختلفين، إذ الأولون يشركون تارة ويخلصون أخرى التي هي للدعاء أولى، وأما هؤلاء فإنهم أكثر شركاً في هذه التي هي محل الإخلاص لملك الناس زيادة على التي قبلها من عدم حصول الشدة والبأس. (السادس) : أنه قد زعم أن مجرد التصديق بالله وبرسوله وباليوم الآخر هو معنى التوحيد المقصود من لا إله إلا الله، وان ليس لها من المعنى إلا ذلك، فظن ان معناها خاص بتوحيد الربوبية، وأن الله خالق كل شيء ومرسل الرسل ومنزل الكتب ومحيي ومميت ومجاز بالأعمال، وهذا هو الذي يسمونه أهل الكلام توحيد الأفعال حتى قد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام وأهل الإرادة والعبادة فقلبوا حقيقته عن موضوعه، فطائفة ظنت أن التوحيد هو مجرد إقرار لسان العبيد بربوبيته تعالى، وأنه خالق كل شيء، وأنه على كل شيء وكيل، وطائفة ظنت أن توحيد الربوبية هو الغاية، والفناء فيه هو النهاية، وان من شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولم يفرقوا بين مشيئة الله الشاملة لجميع المخلوقات، وبين محبته ورضاه المختصة بالطاعات، وبين كلماته الكونيات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وما حجهم في ذلك إلا لشمول القدر كل مخلوق وكلماته الدينيات التي اختص بموافقتها أنبياؤه وأولياؤه، وطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات بل نفي الأسماء الحسنى أيضاً. يسمون أنفسهم أهل التوحيد وأثبتوا ذاتاً مجردة عن الصفات وزعموا أن إثبات الصفات يستلزم التركيب والعقل ينفيه فقد علم بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول أن ذلك لا يكون إلا في الأذهان لا في كل الأعيان والله ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لم يزل موصوفاً بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .

стр. 206

(السابع إثباته) معنى الألوهية أنها القدرة على اختراع الخلق والتدبير لا على الضر والنفع والعطاء والمنع، فمن قال لا اله إلا الله واعتقد أنه لا يقدر على اختراع الخلق والتدبير إلا الله فلا شريك له في ذلك، كان ذلك هو معنى قوله لا إله إلا الله، وان اعتقد الضر والنفع والشفاعة المنفية التي هي بغير إذنه والتقريب والتبعيد اللذين لا يكونان إلا بطاعته وإتباع رسله فيما جاؤا به من عنده في غيره من العبيد فلا يضره هذا الاعتقاد ولا تكون فتنة ولا في الدين فساد، حيث قال بلسانه لا اله إلا الله وصرف معنى الألوهية في معنى الربوبية، ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا المعنى معترفين به فلم يقولوا أن العالم له خالقان أو مدبران بل الخالق والمدبر واحد ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ فهذا التوحيد من الواجب على العبيد، ولكن لا يحصل به التوحيد لإله كل العبيد، ولا يخلص بمجرده عن الشرك الذي هو أكبر الكبائر ولا يغفره الله يوم تبلى السرائر. بل لا بد أن يخلص الدين كله لله فلا يتأله بقلبه غير الله ولا يعبد إلا إياه مخلصاً له الدين ولو كره الكافرون. (الثامن) : زعمه أن المشركين الأولين كانوا يعتقدون النفع والضر والعطاء والمنع من غير رب العالمين، ويرد هذا صريح قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وهذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فقطع مادة من ادعى أنهم كانوا يعتقدون النفع والضر في غيره ، وفي المسند والترمذي من حديث حصين بن المنذر "أن رسول الله ﷺ قال له: "يا حصين كم إلهاً تعبد قال سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء، قال فمن الذي

стр. 207

تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء قال له أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن فأسلم فقال له فل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي" وكثير ممن يتكلم في هذه الحقيقة الكونية وبشاهدها التي يشترك فيها وفي شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر حتى إبليس معترف بها في قوله ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وقوله ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقوله ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقوله ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ . وأمثال هذا من الخطاب الذي يعترف فيه بأن الله ربه وخالقه ومليكه، وان ملكوت كل شيء بيده، فالمشركون الأولون إنما عبدوا غير الله بالمحبة التي كحب الله راجين بها التقرب والتقريب إليه طالبين منهم الشفاعة لديه في قضاء الحوائج وما يحتاجون إليه، ومعبودهم ذلك هو عندهم واسطة الشفاعة ووسيلة التقريب ويعبرون عنه بالإله لأن قلوبهم قد تألهته برجائها منه ما أملته مما ليس للعبيد مدخل فيه، وتارة تكثر تلك الآلهة، وتارة تقل بحسب اعتقاد من هي له، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فسمى محبتهم المساوية لحب الله التي يرجونهم ويلتجؤن إليهم بها فيدعونهم سبباً في قضاء حوائجهم عند خالقهم عبادة، وأنكر تعالى ذلك عليهم وعابهم به ورده في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقال جل شأنه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وهم قد أقروا بأن الله سبحانه مالك الأشياء كلها وأنه الضار النافع المعطي المانع الذي لا رازق سواه ولا مدبر ولا قابض

стр. 208

ولا باسط ولا مخرج الحي من الميت ولا مخرج الميت من الحي إلا هو وحده لا شريك له في ذلك، لكنهم قد جعلوا بين الله سبحانه وبينهم وسائط من خلقه ليقربوهم ويحببوهم إليه ويشفعوا لهم في قضاء حاجاتهم عنده، وذلك بطرق مختلفة، ففرقة قالت ليس لنا أهلية عبادة الله بلا واسطة لتقربنا إليه لعظمته، وفرقة قالت الملائكة ذوو وجاهة عند الله فاتخذنا صورهم من أجل حبنا لهم ليقربونا إلى الله، وفرقة جعلتهم قبلة في عبادة الله والتبتل إليه كما أن الكعبة قبلة في عبادته، وفرقة اعتقدت أن على كل صورة مصوّرة على صورة الملائكة والأنبياء وكيلاً موكلاً بأمر الله فمن أقبل عليه وتبتل إليه قضى ذلك الوكيل ما طلب منه بأمر الله وإلا أصابه بنكبة بأمره. (التاسع) : جعله هذا الشرك الأكبر ذنباً ليس فيه إلا التعزير مع الإصرار مع قوله فيما تقدم هو من الكفر العملي وهو لا يكون إلا في الكبائر والتعزير إنما هو في الصغائر. (العاشر) : زعمه وادعاؤه أنه من العلماء الآمرين بحد الزاني والسارق والشارب، والآمر بذلك الله في كتابه وعلى لسان رسوله والعلماء الأعلام ويظهرون أمر ألله ولا يكتمونه، ففي زعمه ذلك ادعاء أنه من العلماء وأنه من الآمرين ولا يخفى ما فيه من التزكية لنفسه، قال ابن مسعود وعمر من قال أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال هو في الجنة فهو في النار ومن قال هو عالم فهو جاهل، والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ . (الحادي عشر) : استدلاله على ما ادعاه بقوله ﷺ أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الاحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت. أما الفخر في الاحساب فمعناه الافتخار بشجاعة الأجداد وكرمهم أو صفة من الصفات الممدوحة فيهم وهذا شأن الأوّلين، وأما الطعن في الأنساب فهو نسبة الرجل لغير أبيه ينفونه عنه وهذا الرجل مطعون في نسبه مقذوفة أمه. وأما الاستسقاء بالنجوم فقد روى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني [قال صلى لنا رسول الله صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال

стр. 209

أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب، ولهما من حديث ابن عباس معناه وفيه قال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا فأنزل هذه الآية ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. .. إلى قوله ... وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ وقد اختلف العلماء في كفر من قال مطرنا بنوء كذا وكذا على قولين. (أحدهما) : هو كفر بالله سالب لأصل الإيمان مخرج عن ملة الإسلام، قالوا وهذا فيمن قال ذلك معتقداً أن الكوكب له سبب ومدخل في إنشاء المطر كما كان أهل الجاهلية يزعمون ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره. وهذا القول هو الذي إليه جماهير العلماء والشافعي منهم وهو ظاهر الحديث قالوا وعلى هذا لو قال مطرنا بنوء كذا معتقداً أنه من الله وبرحمته وان النوء ميقات له وعلامة اعتباراً بالعادة فكأنه قال مطرنا في وقت كذا فهذا لا يكفر واختلفوا في كراهته والأظهر كراهة تنزيه لا إثم فيها وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة ببن الكفر وغيره فيساء الظن بصاحبها ولأنها شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم. (والقول الثاني) في أصل تأويل الحديث أن المراد كفر نعمة الله لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، قالوا وهذا فيمن لا يعتقد تسبب الكوكب وانشاءه المطر وإلا فلا شك في كفره. وأما النياحة فهي رفع الصوت برنة ومنها لطم الخد وشق الجيب. وفيه قال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. وهذه الأمور منها ما هو معصية لا تحرج عن الملة، ومنها ما هو مخرج عنها بشرطه وإضافة فاعليها إلى نفسه وجعله من أمته لا منافاة فان العاصي لا يخرج بعصيانه عن أمة الإجابة. ومراد النبي ﷺ في المستسقي إذا لم يعتقد الكوكب له مدخل في المطر فهو من أمته عامل عمل الجاهلية في قوله مطرنا بالنوء وإلا فهو من أمة الدعوة لا من أمة الإجابة. وفرق بين خصال الذنوب التي تحت مشيئة علام الغيوب وان شاكلت أهل الجاهلية في مجرد الاسم لا في الحقيقة والاعتقاد، وبين الشرك الذي هو أظلم الظلم

стр. 210

وأقبح القبائح وأنكر المنكرات وأبغض الأشياء إلى الله أكرهها له وأشدها مقتاً لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يترتب على ذنب سواه. وأخبر أنه لا يغفر وأن أهله نجس ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحهم قطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله والمؤمنين. وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وان يتخذوهم عبيداً لما تركوا القيام بحقه وعطلوا معاملته المتضمنة لألوهيته وما ذاك إلا أنه هضم لحق الربوبية ونقص لعظمة الألوهية وسو الظن برب العالمين. كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده. ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاث مواضع من كتابه. كيف يقدره حق قدره من جعل له عدلاً ونداً يحبه ويخافه ويرجوه ويذل ويخضع له ويهرب من سخطه ويؤثر مرضاته والمؤثر لا يرضى بإيثاره. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ فالمؤمن يحب في الله لا مع الله، والكافر يحب مع الله كحب الله، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي يجعلون له عدلاً في العبادة والمحبة والتعظيم. وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم كما تقدم آنفاً وعرفوا وهم في النار أنها كانت ضلالاً وباطلاً فيقولون لآلهتهم وهي في النار معهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ومعلوم أنهم ما ساووهم به في الذات ولا في الصفات والأفعال ولا قالوا أن آلهتهم خلقت الأرض والسموات أو أنها تحيي وتميت أو تدبر الكلام في ذلك ونقل الآيات، وإنما ساووهم به في محبتهم لها تعظيمهم لها وعبادتهم إياها بدعائها والدعاء حولها لتكون سبباً وواسطة في حصول المطلوب، والتقريب إلى المحبوب، كما عليه أهل الأشراك ممن ينتسب إلى الإسلام في قولهم لا اله إلا الله، فإنهم أثبتوا لغيره تعالى قولاً وفعلاً واعتقاداً معنى ما أثبتوه له في مجرد القول وحصول ذلك إنما هو بسبب إتباع الهوى، وعموم البلوى، والجهل بكيفية التوحيد الواجب على

стр. 211

العبيد. ولما اتبعوا أهواءهم وزين لهم الشيطان أعمالهم صدهم عن السبيل فهم لا تهدون ويزعمون أنهم هم المهتدون، وما سبب ذلك إلا الإعراض عن كتاب الله وعدم تدبر معانيه والعمل بما فيه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ونرى كثيراً منهم مع ارتكابهم أكبر الكبائر على الإطلاق يرتكبون الكبائر ويجترحون المآثم والمظالم، ولا يبالون بالله بل يخافون المخلوق ما لا يخافون الله، فيجعلون تلك المظالم قربات يتقربون بها إلى نبي أو ولي، ويجعلون على قبره الأبنية والتوابيت وأكسية الديباج والحرير، وعلى قبته أبواب الورق ليجلب لهم نفعاً، ويدفع عنهم ضراً، ولو لم يفعلوا عادتهم تلك بل اتفق أنهم تركوها وقت فعلها فحصل لهم أو عليهم أمر مزعج ومكدر لم يسندوه إلا إليه لتقصيرهم بعدم صنيعهم. ومنهم من يأت القبر ويقف عليه ويظهر له كيس النفقة خالياً فيومي بها إليه ويكلمه بما هو فيه من الشدة والفاقة وأنه محسوب عليه، وليس فعله ذلك جهلاً بل عناداً وبغياً زاعماً أنه من الدين، ومما يرضي رب العالمين. وهذا بعينه ما يفعله جميع عباد الأوثان بأوثانهم زيادة على بذل النذور للأموات وسادنيها ليجلبوا لهم الخير ويدفعوا عنهم الشرور. لكن طال الأمد ووجدت الغفلة، وحصل الران، حتى صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، فتغشية قبور الأنبياء والصالحين وهو سترها بغاشية ليس مشروعاً في دين الرسل، ولا يصح وقف ذلك على الأضرحة لأنه بدعة خبيثة من فعل عباد الأصنام فان فعل فهو باق في ملك ربه فان جهل أو لم يكن موجوداً ولا وارث له فمال ضائع مرجعه لبيت المال إلا الكعبة فقط زادها الله تشريفاً، وخصت به كالطواف. ومن العجب أن أهل الأشراك ينسبوننا إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء والصالحين وما ذنبنا إلا أنا قلنا لهم أنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضراً، ولا نفعاً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً، وأنهم لا يشفعون لعابديهم أبداً، بل حرم الله شفاعتهم لهم ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم في الشفاعة فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله له سبحانه، والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع، فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن. ولهذا قال إمام الحنفاء عليه السلام

стр. 212

لخصمائه من المشركين أئفكاً آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب لعالمين. وان كان المعنى ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره وجعلتم له نداً فأنت تجد تحت هذا التهديد ما ظنكم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره. فان المشرك إما أن يظن الله يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير أو عوين، وهذا أعظم النقص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته. وأما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك. وأما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لا يرحم عبيده حتى يجعله الواسطة يرحمهم، أولاً يكفي وحده أن يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثيره به من القلة وتعزيزه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن يرفع تلك الحاجة إليه، كما هو حال ملوك الدنيا. وهذا أصل شرك الخلق أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى يرفع الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقاً، فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم، ولا تمكنهم مخالفته. وكل هذا نقص للربوبية، وهضم في الألوهية، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله وخوفه، ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه من قلب المشرك، بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص أو يضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه، فالشرك ملزوم لنقص الرب سبحانه، والتنقيص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى. ولهذا اقتضى حمده تعالى وربوبيته أن لا يغفره وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركاً قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وان زعم أنه يعظمه بذلك كما أنك لا تجد مبتدعاً إلا وهو متنقص للرسول، وان زعم أنه معظم له بتلك البدعة فانه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، ويزعم أنها هي السنة ان كان جاهلاً مقلداً وان كان مستبصراً في بدعته فهو مشاق لله ورسوله، فالمنتقصون هم المنقصون عند الله ورسوله. وأولياؤهم أهل الشرك والبدعة ولاسيما من بنى دينه على أن كلام الله ورسوله دلالة لفظية لا تفيد اليقين ولا تغني من العلم واليقين شيئاً، فيالله العجب أي شيء أسعد هذا من إيجاده التنقيص، فأهل الشرك والبدعة من أعظم الناس تنقيصاً ونقصاً لبس عليهم إبليس حتى ظنوا أن تنقصهم هو عين الكمال، وان لم يلاحظوه، ولهذا

стр. 213

كانت البدعة قرينة الشرك في كتاب الله سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ فالإثم والبغي قرينان، والشرك والبدعة قرينان، وان افترقا في المعنى والحكم، فليس الموحد إلا من شاهد المخلوقات بأمرها قائمة بأمر الله مدبرة بأمره، وشهد كثرتها بوحدانية الله وأنه رب المصنوعات، وإلهها، وما لكها، ومدبرها مع اجتماع قلبه على الله إخلاصاً له في معنى ألوهيته من محبته وخوفه، ورجائه والاستعانة به والتوكل عليه وحصر الدعاء بالذي لا يقدر على وجوده أو دفعه إلا الله عليه وحده، والموالاة والمعاداة فيه، وأمثال هذا ناظر إلى الفرق بين حق الخالق والمخلوق. وذلك واجب في علم القلب، وشهادته، وذكره، ومعرفته، وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته، فهذا هو تحقيق شهادته لا اله إلا الله، فان قائل هذه الشهادة ينفي عن قلبه ألوهية كل ما سوى الله كل ما سوى ألوهيته بحق، وثبت ألوهية الله الملك المعبود بالحق، فيكون نافياً لألوهية جميع المخلوقات، مثبتاً لألوهية رب الأرض والسموات، وذلك بتضمن اجتماع القلب على الله، ومفارقته ما سواه، فيكون مفرقاً في علمه وقصده لله شهادته وإرادته في معرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالماً بالله ذاكراً له، عارفاً به وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه، وانفراده عنهم وحده بعبادته وأفعاله، وصفاته عنهم فيكون محباً له لا معه، معظماً له لا معه، عابداً له لا معه، راجياً له لا معه، خائفاً منه لا معه، محباً فيه، موالياً فيه، معادياً فيه، مستعيناً به لا بغيره، متوكلاً عليه لا على غيره، ممتنعاً عن عبادة غيره، فلا يجعل حقه تعالى لغيره. وهذا المقام هو المعنى في إياك نعبد وإياك نستعين، وهو من خصائص الألوهية المشهود بها، كما أن رحمته تعالى لعبيده وهدايتهم من خصائص الربوبية وشهادته بهذه الألوهية مع العمل بها يضمن الشهادة بالربوبية، وهو أنه تعالى رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره، فحينئذ يكون موحداً داعياً الله وحده بما لا يقدر عليه إلا هو عابده به متأله فيه فلا يدعو غيره بما لا يقدر عليه إلا الله، لأنه عبادته مختص بجلاله. قال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ فسماه عبادة وأضافها إلى نفسه. وروى النعمان بن بشير قال قال رسول

стр. 214

الله ﷺ : "ان الدعاء هو العبادة" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ رواه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن صحيح. فوجود العمل والعلم بالشهادة شرط لصحة قولها. فإذا صحت كانت أفضل العبادات لوجود ما تضمنته من معناها المراد منها يبين ذلك أن أفضل الذكر لا اله إلا الله كما رواه الترمذي، وابن حبان وغيرهما مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: " أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله" وفي الموطأ وغيره عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " وبحسب تحقيق التوحيد تكمل طاعة الله تعالى قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ فمن جعل ما يألهه هو ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه أي جعل معبوده هو ما يهواه، وهذا حال المشركين الذين يعبد أحدهم ما يستحسنه، فهم يتخذون أنداداً من دون الله يحبونهم كحب الله. ولهذا قال الخليل لا أحب الآفلين، فان قومه لم يكونوا منكرين للصانع، ولكن كان أحدهم يعبد ما يستحسنه ويظنه نافعاً كالشمس والقمر والكواكب. والخليل بين أن الآفل ينيب عن عابده وتحجبه عنه الحواجب فلا يرى عابده، ولا يسمع كلامه، ولا يعلم حاله، ولا ينفعه، ولا يضره بتسبب، ولا غيره. فأي وجه لعبادة من يأفل، كلما حقق العبد الإخلاص في قوله لا اله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه، ويصرف عنه المعاصي والذنوب، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عباد الله المخلصين. وهؤلاء هم الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ . وقال الشيطان فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " من قال لا اله إلا الله مخلصاً من قلبه حرمه الله عليه النار" فان الإخلاص ينفي أسباب دخوله النار، فمن دخل النار من القائلين لا اله إلا الله لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار، بل كان في قلبه نوع من الشرك الذي أوقعه فيما أدخله النار، والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. ولهذا كان العبد مأموراً في كل

стр. 215

صلاة أن يقول إياك نعبد وإياك نستعين، والشيطان يأمر بالشرك، والنفس تطيعه في ذلك فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله إما خوفاً منه، وإما رجاء له. فلا يزال العبد مفتقراً إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك. وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله، والاستغفار، فلما رأت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً") فصاحب الهوى الذي اتبع هواه بغير هدى من الله له نصيب ممن اتخذ إلهه هواه فصار فيه شرك يمنعه من الاستغفار، وأما من حقق التوحيد والاستغفار فلا بد أن يرفع عنه الشر. فلهذا قال ذو النون لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. ولهذا يقرن بين التوحيد والاستغفار في غير موضع. كقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى قوله: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ وخاتمة المجلس سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ان كان مجلس رحمة كانت كالطابع عليه وان كان مجلس لغيره كانت كفارة له. وقد روى أيضاً فقال في آخر الوضوء بعد أن يقال أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. وهذا الذكر يتضمن التوحيد والاستغفار فان صدره الشهادتان اللتان هما أصلا الدين وجماعه، فان جميع الدين داخل في الشهادتين إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، والدين كله داخل في هذا في عبادة الله بطاعة الله ورسوله، وكل ما يجب ويستحب داخل في عبادة الله وطاعة رسوله. وقد عقد البخاري باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله . فاعلم أنه لا اله إلا الله، فالموحدون هم المخلصون وهم أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق علموه فاتبعوه ولم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين بل أخلصوا دينهم لله وأسلموا وجوههم وأنابوا إلى ربهم فأحبوه ورجوه وخافوه، ورغبوا إليه، وفوّضوا أمورهم إليه، وتوكلوا عليه، وأطاعوا رسله وعزروهم ووقروهم وأحبوهم
следующие страницы →