← Акыда

Акыда · id 7597

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق

محمد بن علي بن غريب

Полный текст (402 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

العبيد. ولما اتبعوا أهواءهم وزين لهم الشيطان أعمالهم صدهم عن السبيل فهم لا تهدون ويزعمون أنهم هم المهتدون، وما سبب ذلك إلا الإعراض عن كتاب الله وعدم تدبر معانيه والعمل بما فيه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ونرى كثيراً منهم مع ارتكابهم أكبر الكبائر على الإطلاق يرتكبون الكبائر ويجترحون المآثم والمظالم، ولا يبالون بالله بل يخافون المخلوق ما لا يخافون الله، فيجعلون تلك المظالم قربات يتقربون بها إلى نبي أو ولي، ويجعلون على قبره الأبنية والتوابيت وأكسية الديباج والحرير، وعلى قبته أبواب الورق ليجلب لهم نفعاً، ويدفع عنهم ضراً، ولو لم يفعلوا عادتهم تلك بل اتفق أنهم تركوها وقت فعلها فحصل لهم أو عليهم أمر مزعج ومكدر لم يسندوه إلا إليه لتقصيرهم بعدم صنيعهم. ومنهم من يأت القبر ويقف عليه ويظهر له كيس النفقة خالياً فيومي بها إليه ويكلمه بما هو فيه من الشدة والفاقة وأنه محسوب عليه، وليس فعله ذلك جهلاً بل عناداً وبغياً زاعماً أنه من الدين، ومما يرضي رب العالمين. وهذا بعينه ما يفعله جميع عباد الأوثان بأوثانهم زيادة على بذل النذور للأموات وسادنيها ليجلبوا لهم الخير ويدفعوا عنهم الشرور. لكن طال الأمد ووجدت الغفلة، وحصل الران، حتى صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، فتغشية قبور الأنبياء والصالحين وهو سترها بغاشية ليس مشروعاً في دين الرسل، ولا يصح وقف ذلك على الأضرحة لأنه بدعة خبيثة من فعل عباد الأصنام فان فعل فهو باق في ملك ربه فان جهل أو لم يكن موجوداً ولا وارث له فمال ضائع مرجعه لبيت المال إلا الكعبة فقط زادها الله تشريفاً، وخصت به كالطواف. ومن العجب أن أهل الأشراك ينسبوننا إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء والصالحين وما ذنبنا إلا أنا قلنا لهم أنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضراً، ولا نفعاً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً، وأنهم لا يشفعون لعابديهم أبداً، بل حرم الله شفاعتهم لهم ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم في الشفاعة فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله له سبحانه، والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع، فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن. ولهذا قال إمام الحنفاء عليه السلام

стр. 212

لخصمائه من المشركين أئفكاً آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب لعالمين. وان كان المعنى ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره وجعلتم له نداً فأنت تجد تحت هذا التهديد ما ظنكم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره. فان المشرك إما أن يظن الله يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير أو عوين، وهذا أعظم النقص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته. وأما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك. وأما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لا يرحم عبيده حتى يجعله الواسطة يرحمهم، أولاً يكفي وحده أن يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثيره به من القلة وتعزيزه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن يرفع تلك الحاجة إليه، كما هو حال ملوك الدنيا. وهذا أصل شرك الخلق أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى يرفع الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقاً، فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم، ولا تمكنهم مخالفته. وكل هذا نقص للربوبية، وهضم في الألوهية، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله وخوفه، ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه من قلب المشرك، بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص أو يضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه، فالشرك ملزوم لنقص الرب سبحانه، والتنقيص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى. ولهذا اقتضى حمده تعالى وربوبيته أن لا يغفره وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركاً قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وان زعم أنه يعظمه بذلك كما أنك لا تجد مبتدعاً إلا وهو متنقص للرسول، وان زعم أنه معظم له بتلك البدعة فانه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، ويزعم أنها هي السنة ان كان جاهلاً مقلداً وان كان مستبصراً في بدعته فهو مشاق لله ورسوله، فالمنتقصون هم المنقصون عند الله ورسوله. وأولياؤهم أهل الشرك والبدعة ولاسيما من بنى دينه على أن كلام الله ورسوله دلالة لفظية لا تفيد اليقين ولا تغني من العلم واليقين شيئاً، فيالله العجب أي شيء أسعد هذا من إيجاده التنقيص، فأهل الشرك والبدعة من أعظم الناس تنقيصاً ونقصاً لبس عليهم إبليس حتى ظنوا أن تنقصهم هو عين الكمال، وان لم يلاحظوه، ولهذا

стр. 213

كانت البدعة قرينة الشرك في كتاب الله سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ فالإثم والبغي قرينان، والشرك والبدعة قرينان، وان افترقا في المعنى والحكم، فليس الموحد إلا من شاهد المخلوقات بأمرها قائمة بأمر الله مدبرة بأمره، وشهد كثرتها بوحدانية الله وأنه رب المصنوعات، وإلهها، وما لكها، ومدبرها مع اجتماع قلبه على الله إخلاصاً له في معنى ألوهيته من محبته وخوفه، ورجائه والاستعانة به والتوكل عليه وحصر الدعاء بالذي لا يقدر على وجوده أو دفعه إلا الله عليه وحده، والموالاة والمعاداة فيه، وأمثال هذا ناظر إلى الفرق بين حق الخالق والمخلوق. وذلك واجب في علم القلب، وشهادته، وذكره، ومعرفته، وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته، فهذا هو تحقيق شهادته لا اله إلا الله، فان قائل هذه الشهادة ينفي عن قلبه ألوهية كل ما سوى الله كل ما سوى ألوهيته بحق، وثبت ألوهية الله الملك المعبود بالحق، فيكون نافياً لألوهية جميع المخلوقات، مثبتاً لألوهية رب الأرض والسموات، وذلك بتضمن اجتماع القلب على الله، ومفارقته ما سواه، فيكون مفرقاً في علمه وقصده لله شهادته وإرادته في معرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالماً بالله ذاكراً له، عارفاً به وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه، وانفراده عنهم وحده بعبادته وأفعاله، وصفاته عنهم فيكون محباً له لا معه، معظماً له لا معه، عابداً له لا معه، راجياً له لا معه، خائفاً منه لا معه، محباً فيه، موالياً فيه، معادياً فيه، مستعيناً به لا بغيره، متوكلاً عليه لا على غيره، ممتنعاً عن عبادة غيره، فلا يجعل حقه تعالى لغيره. وهذا المقام هو المعنى في إياك نعبد وإياك نستعين، وهو من خصائص الألوهية المشهود بها، كما أن رحمته تعالى لعبيده وهدايتهم من خصائص الربوبية وشهادته بهذه الألوهية مع العمل بها يضمن الشهادة بالربوبية، وهو أنه تعالى رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره، فحينئذ يكون موحداً داعياً الله وحده بما لا يقدر عليه إلا هو عابده به متأله فيه فلا يدعو غيره بما لا يقدر عليه إلا الله، لأنه عبادته مختص بجلاله. قال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ فسماه عبادة وأضافها إلى نفسه. وروى النعمان بن بشير قال قال رسول

стр. 214

الله ﷺ : "ان الدعاء هو العبادة" ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ رواه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن صحيح. فوجود العمل والعلم بالشهادة شرط لصحة قولها. فإذا صحت كانت أفضل العبادات لوجود ما تضمنته من معناها المراد منها يبين ذلك أن أفضل الذكر لا اله إلا الله كما رواه الترمذي، وابن حبان وغيرهما مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: " أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله" وفي الموطأ وغيره عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " وبحسب تحقيق التوحيد تكمل طاعة الله تعالى قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ فمن جعل ما يألهه هو ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه أي جعل معبوده هو ما يهواه، وهذا حال المشركين الذين يعبد أحدهم ما يستحسنه، فهم يتخذون أنداداً من دون الله يحبونهم كحب الله. ولهذا قال الخليل لا أحب الآفلين، فان قومه لم يكونوا منكرين للصانع، ولكن كان أحدهم يعبد ما يستحسنه ويظنه نافعاً كالشمس والقمر والكواكب. والخليل بين أن الآفل ينيب عن عابده وتحجبه عنه الحواجب فلا يرى عابده، ولا يسمع كلامه، ولا يعلم حاله، ولا ينفعه، ولا يضره بتسبب، ولا غيره. فأي وجه لعبادة من يأفل، كلما حقق العبد الإخلاص في قوله لا اله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه، ويصرف عنه المعاصي والذنوب، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عباد الله المخلصين. وهؤلاء هم الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ . وقال الشيطان فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " من قال لا اله إلا الله مخلصاً من قلبه حرمه الله عليه النار" فان الإخلاص ينفي أسباب دخوله النار، فمن دخل النار من القائلين لا اله إلا الله لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار، بل كان في قلبه نوع من الشرك الذي أوقعه فيما أدخله النار، والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. ولهذا كان العبد مأموراً في كل

стр. 215

صلاة أن يقول إياك نعبد وإياك نستعين، والشيطان يأمر بالشرك، والنفس تطيعه في ذلك فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله إما خوفاً منه، وإما رجاء له. فلا يزال العبد مفتقراً إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك. وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله، والاستغفار، فلما رأت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً") فصاحب الهوى الذي اتبع هواه بغير هدى من الله له نصيب ممن اتخذ إلهه هواه فصار فيه شرك يمنعه من الاستغفار، وأما من حقق التوحيد والاستغفار فلا بد أن يرفع عنه الشر. فلهذا قال ذو النون لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. ولهذا يقرن بين التوحيد والاستغفار في غير موضع. كقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى قوله: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ وخاتمة المجلس سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ان كان مجلس رحمة كانت كالطابع عليه وان كان مجلس لغيره كانت كفارة له. وقد روى أيضاً فقال في آخر الوضوء بعد أن يقال أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. وهذا الذكر يتضمن التوحيد والاستغفار فان صدره الشهادتان اللتان هما أصلا الدين وجماعه، فان جميع الدين داخل في الشهادتين إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، والدين كله داخل في هذا في عبادة الله بطاعة الله ورسوله، وكل ما يجب ويستحب داخل في عبادة الله وطاعة رسوله. وقد عقد البخاري باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله . فاعلم أنه لا اله إلا الله، فالموحدون هم المخلصون وهم أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق علموه فاتبعوه ولم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين بل أخلصوا دينهم لله وأسلموا وجوههم وأنابوا إلى ربهم فأحبوه ورجوه وخافوه، ورغبوا إليه، وفوّضوا أمورهم إليه، وتوكلوا عليه، وأطاعوا رسله وعزروهم ووقروهم وأحبوهم

стр. 216

ووالوهم واتبعوا النور الذي أنزل معهم واقتفوا أثرهم واهتدوا بهديهم واستنوا بسنتهم. وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وهو الذي لا يقبل الله من أحد ديناً إلا إياه وهو وظيفة العبادة لرب العالمين، وهو الفاصل بين عباد الرحمن وعباد الشيطان والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 217

حمل نصوص القرآن وغيرها على ظواهرها (وأما قولكم ويجب حمل النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على معانيها الظاهرة منها ان لم تخالف المحكم وإلا فيجب صرفها عن ظاهرها وردها إلى المحكم) . فنقول القرآن كله محكم في بيان التوحيد المكلف به العبيد وبيان ضده والحلال والحرام والأمر والنهي والوعد والوعيد فليس فيه اختلاف ولا تناقض في ذلك قال : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .

стр. 218

وقوله : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ وأمثال هذا.

стр. 219

تعريف العبادة و (العبادة) هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. كالتوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار، واليتيم، والمسكين، والمملوك من الآدميين، والبهائم، وكذلك الدعاء والذكر، والقراءة، وحب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وغير ذلك من العبادة التي شرعها الله لعباده وأمرهم بفعلها خالصة لوجهه، وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة لله، والمرضية له. التي خلق الخلق لها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة المحكمة إلى يوم القيامة. وأما الآيات المحكمات اللاتي هن أم الكتاب، فهي المبينات المفصلات سميت بذلك لظهورها ووضوح معناها المراد منها. وأما الآيات المتشابهات فقال محمد بن إسحاق بن يسار هن ما تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحمل أشياء أخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. فالمتشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم

стр. 220

في الحلال والحرام لا يصرفن إلى الباطل ولا يخرجن عن الحق ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي الذين في قلوبهم ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة لاحتمال لفظه إلى ما يصرفونه إليه. فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، ولا سبيل لهم إليه، لأنه دافع لهم وحجة عليهم، ولهذا قال ابتغاء الفتنة التي هي الشرك والإضلال بالبدع وسائر المحظورات. ومنها أيضاً ما استأثر الله بعلمه فلا سبيل لأحد إلى علمه، نحو الخبر عن أشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، ونزول المطر، والرحمة، والعذاب والشدة، والراسخ في العلم يقول في متشابه التنزيل آمنا به كل من عند ربنا، فان وجد ما ظاهره يخالف المكم رد الفرع إلى أصله وعرف حقيقة قوله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، وان المتشابهات لا يخالفن المحكمات في التوحيد ولا في الأمر والنهي والوعد والوعيد، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " فيفسر المشابه بأم الكتاب فان بعض الآيات تظهر للجاهل معنى غير مراد فيعجزه عن فهم معناها المراد ويحملها على ما تميل إليه نفسه من الهوى والعناد فرده الراسخ إلى أم الكتاب، فمن ذلك قوله تعالى أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فهذه الآية يشعر ظاهرها الأمر بالفسق، ويفسرها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ وقوله ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ ، فمثل هذه الآيات المحكمات هن أم الكتاب ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ربما فهم منه تقرير هذه الملل ما لم يرده إلى محكمه. وهو قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ والله سبحانه ذكر أهل الكتاب وما ارتكبوا من قبائح الذنوب الموبقة ثم قال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فمن لم يؤمن بمحمد ﷺ من قوم أي رسول لم يؤمن برسوله قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ومن آمن برسوله آمن بكل رسول كما أمر

стр. 221

الله أمة محمد ﷺ في قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ... الآية﴾ وقد رد الصديق الأكبر ﵁ فهم من قال في معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ انه لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر وهذا من المتشابه يرجع فيه إلى محكمه وهو قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ويكون معنى لا يضركم من ضل إذا اهتديتم أمرتم ونهيتم فلم يسمع لأن من الاهتداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا أدى الذي عليه فلا ضرر عليه من ضلال من لا يأتمر أو ينتهي، وكذا قوله: ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ يفهم منه أنه تعالى يزيغ القلب بلا سبب فيفسر بمحكمه وهو قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وبقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فقيد المحكم الذي هو أم الكتاب قيد للمطلق وهو واسع النطاق من تأمل وحقق تحقق، ومن زاغ قلبه بعدم القبول أمحق واسحق، والله قد اتبع قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وبقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وفيه نوع من الاشتباه يرجع فيه إلى قوله ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وإذا وقف العبد إنتبه عن إتباع ما فيه نوع تشابه كما في هذه الآية وفتح له باب في الفصل والوصل نفعه خصوصاً في الجمل المعترضة. وحاصله كل ما في الكتاب من آية يستشكلها العقل لاحتمالها معنيين فصاعداً أو بعض تلك المعاني المفهومة بها أو فيها أو عنها فاقض لآيات من الكتاب أو آيات فتلك من المتشابهات تفسرها الآيات المحكمات لأن القرآن كله لا يتناقض بل هو نور وحجج واضحات. قال ابن كيسان المحكمات حججها واضحة ودلائلها لائحة لا حاجة لمن سمعها إلى طلب معانيها، والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل انتهى، ومنه قوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ فان من في قلبه زيغ يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة على قصده الفاسد وميل هواه الذي له قائد ويزعم أنه مهتد فيضل بهذا والله يقول: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ... ﴾ الآية وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ فمن زاغ قلبه جعل الأمر آنفاً ونفى تقدم علم الله بما هو

стр. 222

كائن، ومن كان على نور من ربه فسر القرآن بالقرآن، وأعاد هذا إلى قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ . وأول من تكلم بالقدر وان الأمر أنف، معبد الجهني، الذي في البصرة، قاله يحيى بن يعمر قال فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة فقلنا لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقوله معبد فلقينا عبد الله بن عمر ﵁ فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إليّ فقلت أبا عبد الرحمن أنه قد ظهر قبلنا ناس يتقفرون هذا العلم ويطلبونه يزعمون أن لا قدر انما الأمر أنف، قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم مني برآء، والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه شيئاً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، ثم ساق حديث جبريل الذي رواه عمر بن لخطاب ﵁، ومما يتخيل ويشبه أن يكون من المتشابه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ليسوا من عباده تعالى وقد قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ومحكم هذا وأمه قوله إلا عبادك منهم المخلصين فهم المقيد بم هذا الإطلاق، وهذا واسع في كلام الخلاق، ويشبه في الآية ان المخلص لا سبيل للشيطان إليه البتة وليس كذلك إنما ليس له سلطان ان يتمكن من المخلص فيرتكب ذنباً لا يغفر، محكمه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ وهؤلاء هم عباد الله المخلصون وهذا واسع في كلام رب العالمين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يفهم منه عموم الاستغفار فيرد إلى محكمه وهو قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا....﴾ الآية فإنه لم يأذن الله للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين والله لا يغفر أن يشرك به، وهذا تفسير القرآن بالقرآن فانه التبيان، ومنه قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ من قصر فهمه خيل أن التمام الانقضاء والانتهاء فيرد إلى محكمه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ فهذه الآية تدل من لا زيغ في قلبه ان قوله وتمت كلمة ربك معناه قوله الحق الكامل بكل مقصد

стр. 223

محكم، وقد أتبعه بقوله لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، فالقرآن مصون عن النسخ جملة والتبديل محفوظ عما وقع في التوراة والإنجيل لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ والآيات في المعنى كثيرة جداً ومن قرع باب التحصيل وفق للحصول والمحصول، فالقرآن العزيز كله محكم باعتبار تفسير ما تشابه منه مما ذكر بالمحكم، وعن رسخ ولم يزغ قلبه قال رب زدني علماً كما أمر الله نبيه ﷺ بطلب زيادة العلم، وكما أن القرآن كله محكم بأخبار من أنزل كذلك كله متشابه يشبه بعضه بعضاً قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ﴾ وهذه الآية الشريفة عرفت الناظر المراد بالمتشابه فيها بقوله مثاني تكرار الآيات والقصص والحسن والوقع في عدة مواضع فيشبه بعضه بعضاً في قصصه ومعانيه وألفاظه ومبانيه وحسنه ووقعه والصدق، بعضه يصدق بعضاً وهذا بحر زاخر ليس له ساحل وان تخيل من تخيل انه بلغ ما يروم فخياله باطل قاصر وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فالقرآن تبيان كل شيء منزل بتوحيد الله، وإفراده سبحانه بعبادته ومعاملته لا شريك له، هذا ورسول الله ﷺ أعرف الخلق به لا يخفى عليه شاذة ولا فاذة مما أشكل على الأمة ونشأ عنه الخلاف بينهم من اشتراك الألفاظ والمعاني، فانه نشأ عن الاشتراك مما يعرفه أرباب الإدراك، وكذا الحقيقة والمجاز فانه نشأ عنهما في فنون شتى ما يحتاج أقله إلى أطناب ولا يجدي فيه إلا الايجاز، ولا يختلف عليه ﷺ ما يختلف على الراسخين في العلم من الفرد والتركيب التي يعرف فيها المخطىء من المصيب، ولا يعزب عنه معرفة العموم والخصوص، إذ هو السند المنصوص ولا يختلج عليه الرواية والنقل، فلا ينطق عن الهوى ولا بما يحسنه العقل ولا يتوقف فكره في الاجتهاد فيما لا نص فيه كما يقع لكل تحرير فيما يظهره ويخفيه ولا يقر على الخطأ مجتهداً فيما قاله بفيه، وهو ﷺ أعرف الخلق بالناسخ والمنسوخ على الإطلاق، وعنه عرفت الإباحة والتوسيع في كل الآفاق، وهذه الثمانية الأمور المذكورة نشأ عنها الخلاف والاختلاف بين الرفاق إلا في العبادة بأنواعها فإنها لله وحده لا شريك له لم يجز فيها اختلاف بين المسلمين إنما جعلها لغيره من خلقه غيرهم من المشركين، والله تعالى يقول: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فكلام الله سبحانه لا يناقض بعضه بعضاً لا محكمه ولا متشابهه، وكذلك كلام الني ﷺ وأحاديثه لا تخالف فيها ولا تناقض، ولا يخالف كلام الله ولا يناقضه بل يحمل مطلقه على مقيده ومتشابهه على محكمه، وكما أن في القرآن آيات متشابهات استأثر

стр. 224

الله بعلمها، كذلك في السنة أحاديث متشابهات يجب الإيمان بها وتلقيها بالقبول والتسليم وترك التعرض لمعناها كيفاً ومثلاً، فالخلاف في التوحيد ممنوع ومردود كالاختلاف فيه، لأنه إنما ينشأ عن الزيغ والله سبحانه يقول: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .

стр. 225

حمل المؤمن عل الصلاح (وأما قولكم ويجب حمل المؤمن على الصلاح مهما أمكن حتى لو كان له تسعمائة وتسعة وتسعون احتمالاً مؤدياً إلى الكفر واحتمالاً واحداً إلى النجاة يجب حمله عليه والسر في ذلك ان الإيمان لا يزول إلا بيقين مثله) . فنقول: لا شك أنه متى وجد الإيمان يقيناً فلا يزيله إلا ما ينافيه يقيناً، فلا يزول بالشك ولا بالظن استصحاباً للأصل السابق لما قارنه من اليقين وتقديماً له على الوصف اللاحق به لنزوله عن درجته، وهذا مع وجود وصف محتمل متردد فيه بين الحالتين، ولذلك لما كتب حاطب بن أبي بلتعه إلى المشركين يخبرهم بتجهيز رسول الله ﷺ عليهم بجنود لا قبل لكم بها ولو جاءكم النبي ﷺ وحده لكفى، وأراد عمر ابن الخطاب ضرب عنقه، وقال انه منافق، فاعتذر حاطب لرسول الله ﷺ بما معناها أنه ليس له من هذا مقصد إلا وضع اليد، فقال رسول الله ﷺ لعمر: "دعه فانه شهد بدراً وانك لا تدري لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم أو فإني غافر لكم"، ففاضت عينا عمر، ورسول الله ﷺ إنما اعتذر عنه بمشاهدته هذه المنقبة العظيمة استصحاباً لفضلها وعظمها وإشارة إلى أن أهلها لا يمكن أن يتصفوا أو بعضهم بردة، لأن الله قال: " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وهو تعالى لا يغفر إلا ذنوب المؤمنين بخلاف غيرهم فقد يتصف بردة بعد إيمان ولا يكون ذلك بمجرد الحبس فانه كبيرة لا يكفر بها ان لم يكن فيه موالاة الكفار على المسلمين ويجتهد الإمام فيه قاله مالك وأحمد ولذلك قلنا لكن لا تثبت إلا بيقين

стр. 226

ومنه جحد ما جاءت به الرسل أو عناده أو إنكاره أو معاداته أو الاستهزاء به ظاهراً أو باطناً أو موالاة المشركين ومظاهرتهم على الموحدين، قال : ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً* الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ... إلى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ وتسميتهم مؤمنين باعتبار عدم وجود الموالاة، والمعنى أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً على كونكم منافقين، وقوله انكم إذاً مثلهم ان قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزؤن بآيات الله ودينه راضين باستهزائهم فأنتم كفار مثلهم، قال أهل العلم: هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر رآه وخالط أهله راضياً به كان في الإثم بمنزلة المباشر، وان لم يباشر هو بدليل أنه تعالى ذكر لفظ المثلية، وإذا خاضوا في حديث غيره فهل للمؤمن القعود عندهم أم لا؟ قال الحسن لا يجوز القعود معهم وان خاضوا في حديث غيره لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وقال غيره يجوز والحالة هذه لمفهوم هذه الآية، وآيات الأنعام مكية وهذه الآية مدنية، والمتأخر من الآيتين نزولاً أولى بالعمل، وأجاب بان تلك صريحة في النهي، وهذه مفهومة في عدمه، والصريح مقدم على المفهوم إذا تعارض الاستدلال بهما، ثم إذا قعد المؤمن باختيار منه عند من هو عدو للدين عداوة متيقنة، وهو في حال قعوده يسب الدين ويستهزىء بالآيات، فذلك علامة صريحة على أنه مثله في المسابة شريك له فيها، فإن لم يسب ولم يستهزئ وقعد عنده فقد عرض نفسه لسوء الظن به والطعن والقدح في دينه، كما قال بعض السلف، من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به، وقد قال ﷺ : "من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " وفي رواية للترمذي من تركها استبرأ لدينه وعرضه، وفي الصحيحين ما يناسب لهذا الحديث، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الاسم أو شك أن يوقع ما استبان، ومع ذلك فينهى عن مواضع التهم والشبهات ولا يظن فيه الردى في دينه وعرضه بمجرد ذلك إلا مع الاصرار على فعل المنهي عنه لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً

стр. 227

مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ولما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً: "إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث" قال الخطابي هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس، فإن ذك لا يملك قال الزجاج نهى الله أن نظن بأهل الخير سوءاً، فأما أهل السوء والفسوق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم، وهذا كله مع الاحتمال وعدم ظهور أمره، فأما مع اليقين ظاهراً فلا يمكن أن يقال فيه ظن بل متيقن ظاهراً، فان كان مؤمناً فلا يظن فيه إلا الخير والصلاح لإيمانه، وأما لخلقته وجبلته فالأصل فيه الظلم والجهل، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ وان كان كافراً فيتيقن كفره ظاهراً، وإن كان عاصياً فيتيقن فيه الفسق ظاهراً، وإنما قلنا ظاهراً لأنا مأمورون بمعاملة الخلق ظاهراً، ونكل علم الباطن إلى الله، وما الظن والاحتمال فيمن شبه المخلوق بالخالق في خصائص ألوهية من دعائه بما لا يقدر على دفعه أو جلبه إلا الله وحده والتوكل عليه ورجاؤه والالتجاء إليه وذبح القربان والنذر له ليدفع عنه ما حل به أو ينال ما آمله منه، أما معتقداً في الضرر والنفع والعطاء والمنع، وإما راجياً شفاعته متقرباً بعبادته، فهل له احتمال واحد مؤد إلى الإيمان مع هذا الكفر الحقيقي والبهتان، فان هذا الاعتقاد مناف لقوله الكلمة الطيبة وإقراره بها في مجرد اللسان، وإذاً فلا يصح منه سائر ما عمله ظاهراً من بقية الأركان، وقد كان الجعد بن درهم من أشهر أهل وقته بالعلم والعبادة، فلما جحد شيئاً من صفات الله مع كونا مقالة خفية عند أكثر الناس ضحى به خالد القسري يوم عيد الأضحى، فقال وهو على المنبر أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم لأنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، ثم نزل من على منبره فذبحه والخلق ينظرون إليه فيهم التابعون وغيرهم بعد أن شهدوا على إنكار الجعد الخلة والتكليم، فلم ينكر أحد منهم ذبحه ولا التضحية به، ولا أنكر ذلك أحد من العلماء الأعلام، بل نقل ابن القيم رحمه الله تعالى إجماعهم على استحسان هذا وهو مقر بالكلمة الطيبة وبمعناها لكنه جحد أمراً هو من الإيمان متضمن لحقها، فكيف بالذي يجعل معناها لغير الله ويجعل المخلوق بمنزلة الخالق ولا يرضي أن يكون عدلاً له بل ربما اعتقد تأثير القدرة منه أسرع من الله لكونه يتصرف في الكون، أين العقل والتمييز أين الانصاف والتمييز في القلب والقالب إلى الملك العزيز، وكذا التشبه به في التعاظم والتكبر ودعاية الناس إلى إطرائه في

стр. 228

الثناء والمدح والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفاً منه ورجاء والتجاء واستغاثة ينذر له ويتقرب به ويستعان ويدعى عند الشدائد كالمدعين لله من الضلال فهم كذبة قد تشبهوا بالله ونازعوه ربوبيته وألوهيته، وما الظن والاحتمال فيمن شبه نفسه بالخلق في خصائص ألوهيته ومعاملته المؤديين إلى الإيمان وهم حقيقون بان يهانوا غاية الهوان، ويذلوا غاية الذل ويجعلوا تحت أقدام خلقه تعالى وهم الشياطين ومن المغضوب عليهم والضالين، وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "يقول الله العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحداً منهما عذبته ". وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذاباً يوم القيامة لتشبهه بالله في مجرد الصنعة فما الظن بالتشبه بالله في ربوبيته وألوهيته، وإذا كان المنازع لشرعه الحاكم بغير حكمه طاغوتاً أمرنا الله أن نكفر به، فكيف بمن نازعه ربوبيته وألوهيته وحكمه في عبادته ومعاملته، وهم مع ذلك يحتجون بالمشيئة ويدعون الولاية والحفظ والقرب من الله ومن رسوله ويفعلون الكفريات ويتركون الواجبات ويغترون بشبه استدراجات من نحو أشياء خارقة للعادات من تعظيم ملك، أو جني، أو شيطان لهم، أولئك أهل الخزي في الدنيا والآخرة ما داموا كذلك، ويجب ذمهم والتحذير منهم على كل من عرف حالهم، ولا ينظر في صورة زهد أبدوها في ظاهرهم، وقد انعقد إجماع المسلمين على المعاملة بالظواهر، فما وافق شرع نبينا قبلناه وما خالفه نبذناه، فان أهل الاستقامة سلكوا على ايجاده ولم يلتفتوا إلى شيء من الخواطر والهواجس والإلهامات حتى يقوم عليها شاهدان، شاهد من الكتاب، وشاهد من السنة، قال سهل بن حنيف ﵁: أيها الناس اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته، واتهام السادات الأولياء من الصحابة ﵃ لآرائهم كثير مشهور وهم أبر الأمة للدين قلوباً وأعمقها فيه علماً وأبعدها عن الشيطان، وكانوا اتبع الأمة للسنة وأشهدهم اتهاماً لآرائهم، وهؤلاء المدعون ضد ذلك كله، ومن شروطها عدم ادعائها عن نفسه أو عن الله، قال الجنيد قال أبو سليمان الداراني ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة، وقال أبو يزيد

стр. 229

البسطامي ﵁: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى تربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود، وقال أيضاً من ترك قراءة القرآن ولزوم الجماعة وحضور الجنائز وعيادة المرضى وادعى بهذا الشأن فهو مبتدع، وقال السري السقطي من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالط، وقال الجنيد مذهبنا مقيد بالأصول، الكتاب والسنة فمن لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ويتفقه ويعمل لا يقتدي به، وقال أبو بكر الدقاق من ضيع حدود الله في الأمر والنهي حرم مشاهد القلب في الباطن، وقال أبو الحسن من رأيته يدعي مع الله حالاً يخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقر به فإنما هو شيطان ضال ومن رأيته يدعي حالاً يشهد حفظ ظاهر فاتهمه على دينه، وقال جرير أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد إن لم يلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائماً، وقال عبد القادر الجيلي رحم الله روحه ونور ضريحه جميع الأولياء لا يستمدون إلا من كلام الله ورسوله ولا يأخذون ويعملون إلا بظاهرهما، وقال أبو حفص من لم نزن أفعاله وأحواله وأقواله بالكتاب والسنة ولم يهم خواطره فلا تعدوه. وهؤلاء الكذابون على الله المدعون يتهدهدون ويتهزهزون بالرقص حول الطار والمزمار عند سماعه والبكاء والنحيب ويومؤن بأذنابمم ورؤوسهم شوقاً لذلك من الوجدان والهلعات زاعمين أنه ذكر لله، وأنه من الدين المقرب عنده والمحبوب إليه، وهو والله من الجور والبهتان والطغيان، لا من السنة ولا من القرآن، ولا فعله أولياء الرحمن، بل نهوا عنه، وإنما هو من فعل أولياء الشطان وعباد إبليس والجان، فإنهم إذا سمعوا القرآن أعرضوا عن سماعه، وعن العمل به، ولم يأخذهم ما أخذهم عند سماع ذلك المنكر، بل تشاغلوا عنه بالضحك واللعب وشرب الدخان، فهم أقبح حالاً من الذين قال الله فيهم: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ فهم مع ادعائهم علم الباطن شبيهون بالذين عبدوا العجل في غيبة موسى فلما رجع علهم صياحاً وأصواتاً وإذا هم يرقصون حوله، ومجرد الرقص بلا ادعاء أنه من الدين لا يوجب الكفر الحقيقي، بل الفسق فقط، ما لم ينازعوا الله في ألوهيته لعموم ما تقدم، ومتى ظهرت المنازعة ووجد الادعاء فيما قدمناه فأين الاحتمال المؤدي إلى وجود الإيمان مع وجود نقيض الكلمة الطيبة فيه ومنازعته معناها المختص بجلال الله وعظمته ومعاملته بادعائه وتعظيمه، فأصل الدين وقوامه إنما هو إخلاص العبادة والدين بأنواعه لله سبحانه

стр. 230

وإتباع ما أمر به وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، والانتهاء عما نهى عنه قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ .

стр. 231

وجوب الاستغفار والترضي لمن سلف (وأما قولكم يجب الترضي والاستغفار لمن سلف من المؤمنين والكف عن مساويهم قال عز من قائل ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومرتكب الكبيرة ليس بكافر ولا مخلد في النار لقوله تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . فنقول: أما محبة جميع المؤمنين بعضهم بعضاً ومودتهم بينهم وسؤال الله المغفرة لهم فأمر مستحسن مطلوب لا يشك فيه شاك، ولا ينفيه إلاَّ هالك، قال آمراً نبيه أن يستغفر للمؤمنين: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ وسمع ابن عباس ﵄ رجلاً ينال من بعض أصحاب رسول الله ﷺ فقال أمن المهاجرين الأولين أنت، قال لا. قال أمن الأنصار أنت، قال لا. قال فاشهد أنك لست من التابعين بإحسان. فكل من لم يترض عن أصحاب محمد والتابعين لهم بإحسان وكان في قلبه غل لأحد منهم فانه ليس ممن عناه الله بهذه الآية. والله تعالى رتب المؤمنين على ثلاث منازل المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصفين بالإحسان، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجاً عن المؤمنين، وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " وفي رواية لمسلم: "المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه

стр. 232

تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وفي رواية له أيضاً: " المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله" وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" متفق عليه، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلاَّ رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا" رواه مسلم وفي روايةله: " تعرض الأعمال في كل يوم خميس أو اثنين وذكر نحوه". فالمؤمنون تجب موالاتهم ومحبتهم، والكف عن أعراضهم، ويحسن الدعاء والاستغفار لهم، وتحرم معاداتهم وتتبع عوراتهم، والبحث عن عثراتهم، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يثلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة " رواه البخاري عن يحيى بن بكير، ورواه مسلم عن قتيبة كلاهما عن الليث قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ قال الزجاح علم الله سبحانه ان الدين يجمعهم وأنهم أخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أصل النسب لأبيهم من آدم وحواء، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل والله لا يغفر الله لفلان فقال الله من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك" رواه مسلم وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب" وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامه بن سهل عن أبيه سهل بن حنيف مرفوعاً: "من أذل عنده مسلماً فلم ينصره وهو يقدر أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة" ولأبي داود مرفوعاً: "ما من امرىء يخذل امرأ مسلماً في موضع تهتك فيه حرمته وينتقص فيه عرضه إلاَّ خذله الله في موضع يحب فيه نصرته وما من امرىء

стр. 233

ينصر امرأ مسلماً في موضع ينقص فيه من عرضه وتهتك فيه حرمته إلاَّ نصره الله في موضع يحب فيه نصرته " وروى مسلم من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلاَّ قال ملك ولك بمثل" وعنه أيضاً أن رسول ﷺ كان يقول: "دعوة المرىء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل" رواه مسلم وفي حديث آخر: "أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب" وقد أثنى الله على الذين يثنون على المؤمنين خيراً ويدعون لهم به قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له وان كان الداعي دون المدعو له رتبة، فقد قال ﷺ لعمر ابن الخطاب ﵁ لما أراد أن يعتمر وودعه لا تنسنا يا أخي من دعائك، فالنبي ﷺ قد طلب من أمته الدعاء، ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم، بل هو كأمره لهم بسائر الطاعات التي يثابون عليها مع أنه ﵊ له مثل أجورهم في كل ما يعملون لأنه صح عنه ﷺ أنه قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كل عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً وهو ﵊ داعي الأمة إلى هدى فله مثل أجورهم، في كل ما اتبعوه فيه، وكذلك إذا صلوا عليه فان الله يصلي على أحدهم عشراً وله ﷺ مثل أجورهم مع ما يستجيبه الله تعالى من دعائهم له فكذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه وصار ما يحصل له به من النفع نعمة من الله عليه، ومن قال لآخر ادع لي وقصد انتفاعهما جميعاً بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى، فالسائل نبه المسؤول وأشار عليه بما ينفعهما، والمسؤول قد فعل ما هو نفع لهما، فهما بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى فيثاب المأمور على فعله، والآمر يثاب لكونه دعا إليه، لاسيما إذا فعل من الأدعية ما أمر الله به العبد كما قال: ﴿َاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فأمره بالاستغفار ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ فذكر الله استغفار الرسول ﷺ لهم في ذلك

стр. 234

الوقت حيث أمره الله تعالى أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولم يأمر الله مخلوقاً ان يسأل مخلوقاً شيئاً، لم يأمر الله المخلوق المسؤول به، فما أمر الله العبد به أمر إيجاب أو استحباب ففعله هو عبادة لله وطاعة وقربة لله وصلاح لفاعله وحسنة منه، وإذا وفق لفعل ذلك كان من أعظم إحسان الله إليه وإنعامه عليه، بل أجل نعمة أنعمها الله على عبده أن هداه للإيمان وأرشده التوفيق إليه ومحبة المؤمنين وموالاتهم والدعاء والاستغفار لهم، ومجانبة أهل الشرك والطغيان والجور والبهتان العاملين بالجهل والابتداع والتاركين للأمر المنزل المطاع فعملوا بضده على يقين منهم في ذلك واختراع زاعمين أنه هو المطلوب وأنه هو الوسيلة إلى المحب المحبوب ومعاداتهم وجهادهم عليه وتذكير الله وادعائه إليه، هذا هو الإنعام الحقيقي المذكور في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ وهي الطاعة لله التي من عمل بها يكون مع أوليائه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ ذلك الفضل من الله، بل نعم الدنيا بدون الدين هل تسمى نعمة أم لا؟ فيه قولان للعلماء مشهوران، والتحقيق انها نعمة من وجه، وان لم تكن نعمة تامة من وجه، وأما الانعام بالدين ومنه حب أهله وموالاتهم، ومعاداة ضدهم فلا يتم بدون ذلك، فهو الخير الذي ينبغي طلبه باتفاق المسلمين، وهو النعمة الحقيقية عند أهل السنة، قال : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال أبو سعيد الخدري ﵁ فضل الله الإسلام والقرآن ورحمته ان جعلنا من أهله، وكما أن المؤمنين تجب محبتهم وموالاتهم، والكف عن أعراضهم، ويحسن الدعاء والاستغفار لهم، كذلك أعداء الله من المشركين الكافرين تحبب معاداتهم وتحرم موالاتهم وتذكر مساويهم ليرتدعوا عما هم عليه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ وعدم الرضا بدينه ﷺ وما جاء به والعمل به أكبر من إخراج ذات الرسول فانه لم يخرج إلاَّ بسبب ذلك، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ

стр. 235

آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص أنه ﷺ قال جهاراً: " أن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين"، ومعناه إنما وليي من كان صالحاً وان بعد نسبه مني، وليس وليي من كان غير صالح وان كان نسبه قريباً، قال القاضي عياض قيل ان المكنى عنه هنا هو الحكم ابن أبي العاص، وذلك لأن بعض الرواة كنوا فقالوا في أوله إلاَّ أن آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، وإنما كنى خشية أن يسميه فيترتب عليه مفسدة، إما في حق نفسه وإما في حقه وحق غيره، فكنى عنه فقد أخبر ﷺ عن بطن قريب النسب منه أنهم ليسوا بمجرد النسب أولياء له إنما وليه الله وصالح المؤمنين من جميع الأصناف، ومثل ذلك كثير بين في الكتاب والسنة أن العبرة بالأسماء التي حمدها الله وذمها، كالمؤمن والكافر والبر والفاجر والعالم والجاهل لا بالنسب، ومن هذا قول بعضهم: لعمرك ما الأنساب إلاَّ ابن دينه ... فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب لقد رفع الإسلام سلمان فارس ... ووضع الشرك الشقي أبا لهب وكذالك تجب مقاطعتهم والبراء منهم وعدم الاستغفار لهم، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ. .. الآية﴾ وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وتحقيق وجود الشرك يقوم مقام من علم أنه من أصحاب الجحيم في عدم جواز الاستغفار والحالة هذه قال الله لنبيه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى نهى نبيه ﷺ عن الاستغفار للمشركين والمنافقين وأخبر سبحانه أنه لا يغفر لهم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهو تعالى لا يحب المعتدين في الدعاء، ومنه سؤال

стр. 236

المغفرة للمشركين أو ما فيه معصية لله كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان، فالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة شفاعته من الدعاء الذي ليس فيه عدوان، وهو لا يكون إلاَّ للموحدين لا للمشركين الذين حرم الله عليهم الجنة ومأواهم النار، وإن لم نقطع لمعين بجنة ولا نار إلاَّ لمن نص عليه النبي ﷺ ، لأنا مأمورون ان نعامل بالظاهر والأمور مرجعها إليه ، ولو سأل واحد من الأنبياء ﵈ فدعا دعاء لا يصلح له لم يقر عليه فإنهم معصومون ان يقروا على ذنب لو صدر منهم جهلاً بحكمه أولاً، ولهذا قال نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ قال الله: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وأما استغفار إبراهيم لوالديه في قوله ربنا اغفر لي ولوالدي، فللوعد الذي وعد به أباه، وعده أن يستغفر له إن آمن، وهو قوله سأستغفر لك ربي فاستغفر له لمكان الوعد راجياً أن يسلم، فلما تبين له أنه عدو لله لموته على الكفر تبرأ منه، وفي البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول له أبوه اليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني انك لا تخزني يوم القيامة يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله ﵎ إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال لإبراهيم انظر ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بضبع ملطخ بالدم فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار فيتبرأ منه يومئذ" فقد بين الله عذر خليله عليه الإسلام في استغفاره لأبيه، وأما أمه فقد أسلمت، وقيل المراد بالوالدين في قوله لوالدي آدم وحوى ﵉، والأول عليه الأكثر. وأما قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ..﴾ الآية فالذرة هي النملة الصغيرة وعمم فيهما مع أن حسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيئات المؤمن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر، لأن معنى فمن يعمل مثقال ذرة من فريق السعداء خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة من فريق الأشقياء شراً يره، وقد ذكر الله سبحانه ذلك بعد قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً﴾ يعني يرجع الناس عن موقف الحساب بعد

стр. 237

العرض متفرقين أهل التوحيد والإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة، كقوله يومئذ يتفرقون ويومئذ يصدعون ليروا أعمالهم، قال ابن عباس ليروا جزاء أعمالهم، والمعنى أنهم يرجعون عن الموقف فرقاً لينزلوا منازلهم من الجنة والنار. قال مقاتل فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرة خيراً يره يوم القيامة في كتابه فيفرح بذلك، وكذلك من الشر يراه في كتابه فيسوؤه ذلك، قال وكان أحدهم يستقل أن يعطى اليسير، ويقول إنما نؤجر على ما نعطى ونحن نحبه واليسير ليس مما نحب ونتهاون بالذنب اليسير، ونقول إنما وعد الله النار على الكبائر فأنزل الله هذه الآية يرغبهم في القليل من الخير ويحذرهم اليسير من الشر، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قلت يا رسول الله ما ينتهي الناس يوم القيامة، قال إلى أعمالهم من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" واستدلال صاحب المقدمة بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر لا يصلح له دليلاً إذ للمكفر بها من الخوارج والمبتدعة أن يقولوا فمن يعمل مثقال ذرة من فريق المسلمين، وأما الكافرون فيرجع فيه إلى قوله وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً، ولكن الدليل لأهل السنة والجماعة، ونحن ان شاء الله منهم ما قدمناه وقلناه وبيناه في بحث أهل الإيمان. ومما أجمع عليه صالح سلف الأمة من دلائل الكتاب والسنة وعند قوله نقلاً عن ابن القيم، وهذا الجمع والتوقيف بهذا التفصيل هو قول الصحابة وعليه الاعتماد لأن أمثال هذه المسائل لا تتلقى إلاَّ منهم ولا تؤخذ إلاَّ عنهم فلله الحمد والمنة، وهو مما قاله من الاستدلال يزعم أنا نكفر بالذنوب، وقد تكرر ذلك منه وهو بهتان علينا وجور وادعاء بلا تثبت وقول زور، ومن وفق الإنصاف حقق أمرنا ونهينا، ومن الذي كفرنا وجاهدنا، وكلامنا ودلائلنا، فلا يقول علينا إلاَّ حقاً ولا يعمل إلاَّ به. وأما قولكم (إذا تمهد هذا فنقول أما ما ذكرت من تعطيم القبور وتشديد المنكر على من يفعله فهذا أمر مجمع عليه وعلى تحريمه ولا يفعله إلاَّ جهلة الرعاع من العوام والأعراب وأشباههم بل نقول ان الصلاة تكره كراهة تحريم بحضرة أي قبر كان بل عند الإمام أحمد لا تنعقد أصلاً لكن لا يلزم من ذلك تكفير مرتكبه كفراً يخرج به عن الملة ويباح دمه وماله وعرضه نعم هو كفر عملي حيث يكون بفعله مرتكباً للمنهي عنه وحكمه كما قدمناه النصيحة والوعظ والزجر لا غير ذلك) . فنقول معنى تمهد أي انتشر مبسوطاً لسامعه من تمهدت الأرض تمهداً إذا

стр. 238

اتسعت فراشاً مبسوطة، وتمهد الصبي تمهداً إذا سكن اضطرابه في المهاد، ومهد إذا وضع فيه، قاله أهل المعاني، وأما تعظيم القبور بمعنى احترامها، فإن كانت للمسلمين فواجب لا يجوز بول ولا تغوط ولا جلوس ووطء عليها لما في صحيح مسلم عن أبي مرشد الغنوي أن النبي ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" وفيه أيضاً أن النبي ﷺ رأى رجلاً قد اتكأ على قبر فقال: "لا تؤذوا صاحب القبر" وفيه أيضاً عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر مسلم" وأما تعظيمها بمعنى عبادتها فهو أكبر الكبائر عند الخاص والعام، وأصل فتنة عباد الأصنام كما قاله السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين الذين في قلوبهم وقار لله فيغضبون لأجله ويغارون على توحيده ويقبحون الشرك وأهله ويجاهدون أعداء الله من أجله، ولكن من خالفهم فما الحيلة. ما لجرح بميت إيلام. ولا لمن خالف هؤلاء احترام. وان منشأ هذه الفتنة في الإسلام الفتنة في القبور حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم واتخذت أوثاناً وبنيت عليها الهياكل فصارت تدعى وترجى وتخشى، وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح. كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً * وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ ذكر هذا البخاري في صحيحه وأهل التفسير كابن جرير وغيره منهم ابن كثير وأبو الحسين البغوي وعلي بن أحمد الواحدي والرازي قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ قال على الاسلام وكان أول ما كادهم به الشيطان من تعظيم الصالحين، كما ذكر الله ذلك في كتابه في قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ قال الكلبي كان هؤلاء قوماً صالحين فماتوا في شهر فجزع عليهم أقاربهم وصوّروا صورهم، وفي غير حديثه قال أصحابهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فكان الرجل يأتي أخاه وابن عمه فيعظمه حتى ذهب ذلك القرن، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من الأول، ثم جاء القرن الثالث فقالوا ما عظم أولنا هؤلاء إلاَّ وهم يرجون شفاعتهم، فلما بعث الله نوحاً وغرق من غرق أهبط الماء هذه الأصنام

стр. 239

من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء بقيت على الشط فسفت الريح عليها حتى وارتها، ثم عمر نوح ﵇ وذريته الأرض وبقوا على الإسلام ما شاء الله ثم حدث فيهم الشرك، وما من أمة تخرج إلاَّ ويبعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن الشرك، فمنهم عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد بعث الله لهم هوداً وكانوا في ناحية الجنوب بين اليمن وعمان فكذبوه فأرسل الله عليهم الريح فأهلكتهم ونجى الله هوداً ومن آمن معه، ثم بعث الله صالحاً إلى ثمود وكانوا بالشمال بين الشام والحجاز فاستحبوا العمى على الهدى فأرسل الله عليهم صيحة فأهلكتهم ونجى الله صالحاً ومن معه، ثم بعد ذلك أخرج الله إبراهيم ﵇ وأهل الأرض إذ ذاك كلهم كفار فكذبوه إلاَّ ابنة عمه سارة زوجته وآمن له لوط فأكرمه الله تعالى ورفع قدره وجعله إماماً للناس وجعل في ذريته الكتاب والنبوة ومنذ ظهر إبراهيم لم يعدم التوحيد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وكان له ابنان اسحق ﵇ وهو أبو بني إسرائيل، وإسرائيل يعقوب بن اسحق، والثاني إسماعيل ﵇ وهو أبو العرب وقصته وأمه مشهورة لما وضعها ﵇ في مكة فنشأ إسماعيل في أرض العرب وصار له ولأولاده ولاية البيت ومكة فلم يزالوا على دين أبيهم إسماعيل حتى نشأ فيهم عمرو بن لحى فملك مكة وكان معظماً فيهم بسبب الدين والدنيا فسافر إلى الشام ورآهم يعبدون الأوثان فاستحسن ذلك منهم وزينه لأهل مكة، ثم اقتدى بهم أهل الحجاز فلم تزل تعبد حتى بعث رسول الله ﷺ فكسرها وقال: " رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار"، وكانت الجاهلية فيهم بقايا من دين إبراهيم مثل تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة وإهداء البدن وكانت تزار تقول في اهلالها لبيك لا شريك لك إلاَّ شريك هو لك تملكه وما ملك، وروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى ابن محمد بن قيس قال كان ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا قوماً صالحين بين آدم ونوح ﵉، وكان لهم اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى عبادة ربنا إذا ذكرناهم فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم بدعائهم فبهم يستشفعون ربهم يستسقون المطر فعبدوهم بذلك، قال سفيان عن أبيه عن

стр. 240

عكرمة قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، وقال محمد بن كعب هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح فنشأ قوم بعدهم يأخذون بأخذهم في العبادة فقال لهم إبليس لو صورتموهم كان أنشط لكم وأشوق إلى عبادة ربكم ففعلوا، ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: ان الذين من قبلكم كانوا يستسقون ويتشفعون بهم ويدعونهم ليشفعوا لهم فعبدوهم بذلك. وابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء، لأنهم صوروها على صورة أولئك القوم المسلمين بهذه الأسماء. وقال قتادة في هذه الآية يعني قوله ولا تذرن آلهتكم قال: كانت آلهة يعبدها قوم نوح ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان ود لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل، وكان يغوث لبني غطيف، وكان يعوق لهمدان، وكان نسر لذي الكلاع من حمير، وقال ابن عباس هذه أصنام كانت تعبد زمان نوح، وقال البخاري عن عطاء عن ابن عباس صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم ليشفعوا لهم فهؤلاء قد جمعوا بين الفتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته عن عائشة ﵂: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فرفع النبي ﷺ رأسه وقال "أو لئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" وهذه الفتنة هي السبب في عبادة اللات. فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله أفرأيتم اللات والعزى، قال كان يلت السويق فمات فعكفوا على قبره، وكذلك قال أبو أبو الجوزاء عن ابن عباس، كان يلت السويق للحجاج، فسبب عبادة يغوث ويعوق ونسر واللات إنما كانت من تعظيم قبور الأموات وهذه العلة التي نهى الشارع ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور لأجلها هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في

стр. 241

الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فان النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا أهل الشرك كثيراً ما يتضرعون عندها ويخشعون ويخضعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت الأسحار، ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة والدعاء عندها ما لا يرجونه في المساجد، فهم يعبدون أصحابها بدعائهم ورجائهم والاستغاثة بهم وسؤالهم النصرة والرزق والعافية وقضاء الديون وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وبذل النذر لجلب ما أملوه ودفع الشرور مع اتخاذ قبورهم أعياداً، والصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على ترباتها، وغير ذلك من أنواع العبادات، والطلبيات التي كانوا عليها عباد الأوثان يسألون أوثانهم ليشفعوا لهم عند مليكهم، فهؤلاء المشركون الغلاة قد جعلوا لأهل القبور أصناف العبادات، وإذا قدموا إلى القبر عقروا له العقائر وتقربوا إليه بأنواع القربات، وقد أخرج أحمد وأبو داود من حديث أنس ﵁ أنه قال قال رسول الله ﷺ : "لا عقر في الإسلام" وقال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة فنهوا عن ذلك، وأخبر أنه فعل عباد الأصنام وإذا رأوا قبته من مكان بعيد نزلوا عن الدواب واشتغلوا بدعائه والنحيب ووضعوا لها الجباه وقبلوا الأرض كشفوا الرؤوس وارتفعت أصواتهم بالضجيج ورأوا أنهم قد زادوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوه ولكن من مكان بعيد، حتى إذا وصلوا إليه صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد حازوا من الأجر كمن صلى إلى القبلتين، فهم حول القبر ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الميت ورضواناً، وقد ملؤا أكفهم خيبة وخسراناً فللشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع بالدعاء من الأصوات ويطلب من الميت أنواع الحاجات ويسأل من تفريج الكربات واغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين تشبيهاً له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركاً وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، كأنه الحجر الأسود وما يفعل به وفد بيت الله الحرام، ثم عفروا عنده تلك الجباه والخدود التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك القبر فلم يكن لهم عند الله من

стр. 242

خلاق، وقربوا لذلك القرابين فكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير رب العالمين، وقد آل الأمر إلى فعل أنواع المنكرات من بذل الفروج ثلاثة أيام من كل سنة في مولد أحمد البدوي ومشهده الذي في القاهرة يخرجن إليه الغواني جاعلين ذلك في صحائفه، ولينالوا من بركته وأنهم محسوبون إليه، زيادة على فعلهم عند قبر الست نفيسة، ومشهد الحسين، هذا والعلماء حاضرون والعباد شاهدون والمردان مع الفجار المدعين الولاية والمتزينين بها، مجمعون وفي فراش واحد بلا حائل ليلاً ينامون وفي النهار معهم مختلون، ويدعون أنهم لهم يربون، والعلماء والحالة هذه لا ينكرون، والعباد لله لا يغارون، ولا الحق يقولون، بل كلا الفريقين يصنفون الكتب في ذلك ويعتذرون عنه بأجوبة ليست صواباً ولا سديدة بل عن الحق بعيدة. (ومنها قولهم تنبيه) اعلم أنه قد يعترض بعض الناس على أحمد البدوي، وعلى هؤلاء المجتمعين عنده في حضرة ضريحه ويقولون إذا كان له هذا المولد العظيم والتصرف التام النافذ بعد الممات فكيف لا يتصرف في دفع أصحاب المعاصي عن حضور مولده فالجواب عن ذلك من أوجه. أحدها أنه في عناية من ربه فكل من حضر مولده من أهل العصيان وافق نزول الرحمة والغفران فغفر له بسببه وتيب عليه ولو بعد حين من الزمان. الثاني أن الغالب على حاله البسط وجاهه عريض يسع الخلق ولو وافقه جميع فساق أهل الأرض كذلك كان مغفوراً لهم بسببه. الثالث أنه قد خرج إلى مقام لا تكليف فيه، وهؤلاء العاملون عملهم لهم وعليهم ومنهم من صنف في ذلك طبقات كبرى وقال فيها إن سبب حضوري مولد أحمد البدوي عند ضريحه ان شيخي العارف بالله الشناوي أحد أعيان بيته وكان قد أخذ على العهد في قبته تجاه القبر أن لا أخرج عن طريقته ثم أخذ بيدي وسلمني إلى أحمد البدوي وقال يكون خاطرك على عبد الوهاب فاحفظه واجعله تحت نظرك فسمعته يقول من داخل القبر نعم من آوى إلينا وجب حقه علينا، سم أنه تراءى لي فرأيته وأنا بمصر هو وعبد العال وهما يقولان لي زرنا في مكاننا ونحن نطبخ لك ملوخية ضيافتك فجئت إلى قبرهما وأضافني غالب أهل الضيعة وجماعة المقام ملوخية، ثم رأيته وقد وافقني على جسر قحافة تجاه طنده فوجدته كالسور محيطاً بها فقال لي قف ههنا

стр. 243

وادخل من شئت وامنع من شئت، قال ولما دخلت بزوجتي أم عبد الرحمن وهي بكر مكثت خمسة أشهر لم أقدر عليها ولم أقرب منها فأتاني من قبره ليلة من الليالي فأخذ بيدي وهي معي في فراشي وفرش لنا فراشاً بيده فوق ركن القبة الذي على يسار الداخل وأتى لنا بحلوى ودعا الأحياء والأموات من الأولياء، وقال لي أزل بكارتها ههنا وهم مشغولون بالأكل فكان من أمرنا ما كان في تلك الليلة، قال وقد تخلفت سنة من السنين عن الحضور للمولد وقد كان هناك الأولياء، فأخبرت أن أحمد البدوي كان يكشف الستر ذلك اليوم عن ضريح قبره ويقول أبطأ علينا عبد الوهاب ما جاءنا يحضر، قال وأردت التخلف سنة من السنين فرأيت أحمد وفي يده جريدة خضراء قد خرج بها من قبره وهو يدعو الناس من سائر الأقطار والناس خلفه وأمامه ويمينه وشماله وهم خلائق لا يحصون فمر علي وأنا بمصر، وقال لي أما تذهب فتحضرنا فقلت إني وجميع فقال الوجع لا يمنع المحب. ومنهم من يحكي عن القبور ويقول فلان استغاث بالقبر الفلاني في شدته فخلصه منها، وفلان دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت له، وفلان نزل به ضر فاشتكى إلى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، وعند هؤلاء العلماء في دين الشيطان وجنوده الجهلة بالله وما أنزل على رسوله وسدنة الأضرحة والمقابرية الذين هم من أشر البرية شيء كثير من هذه الحكايات والإيرادات والاعتقادات ما لو ذكرناه لاحتمل مجلدات، وهم من أكذب خلق الله على الأحياء والأموات، والنفوس مولعة في قضاء حوائجها وإزالة ضررها، وإذا سمعوا من هؤلاء الجهلة الضلال أن قبر فلان الترياق المجرب في إجابة الدعوة كشف الشدة سمعوا لهم وأجابوا وخضعوا للقبور ودعوهم، وأنابوا والشيطان له تلطف فيما يجلب إليه الدعوة فيدعوا أولاً هذا الداعي إلى أن يدعو صاحب القبر أو عنده فيقع دعاء هذا الداعي للملعون لا له، وهذا نتيجة الجهل بحقيقة ما بعث الله به الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك، فلم يكن له نصيب فيما جهلوه وادعوه وقد دعاهم إبليس إلى الفتنة ولم يكن عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وادعوا بقدر ما معهم من العلم الذي ظاهره قول معرب وحقيقة لا جهل مركب، حيث أوردوا فيما اعتقدوه وقالوه أحاديث مكذوبة مخلقة موضوعة اختلقها عباد الأصنام من السدنة والمقابرية على رسول الله ﷺ تناقض دينه وما جاء به كحديث " إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث "لو حسن

стр. 244

أحدكم ظنه بحجر نفعه" وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها المشركون وراجت على المدعين من الجهال والضلال الذي هم عن الحق معرضون والله بعث رسوله يقتل من حسن ظنه بالأحجار، وجنب أمته الفتنة بالقبور، كما جاءت به الآثار واستفاضت عنه في ذلك الأخبار بنقل أهل الصحيح ونقد أهل التصحيح، فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي رواية لمسلم: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون إلى منكم خليل فان الله قد اتخذني خليلاً كما أتخذ إبراهيم خليلاً وان كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ألا وان من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة كانت على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر أمته ما صنعوا " متفق عليه قالت عائشة ﵂ قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً" متفق عليه، وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ان من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد" وعن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وهذا حال من سجد لله عند قبر، فكيف بمن يسجد للقبر نفسه، أو دعاه وعدل عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع الجهال والطغام وضعوها لأنفسهم بتلبيس إبليس عليهم فسهلت لهم وطابت بها قلوبهم من تعظيم القبور وإكرامها بما تهى عنه الشارع ومن عبادتها بدعائها ورجائها والالتجاء إليها والتوكل عليها والنذر. لها وكتب الرقاع فيها وخطاب الموتى بالحوائج يا سيدي يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها والخرق التي عليها تبركاً وإيقاد السرج عليها وتقبيلها وتخليقها، وشد الرحال إليها، وينضاف إلى ذلك إلقاء الخرق على الشجرة ودعاؤها والذبح والنذر لها

стр. 245

إقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل كل الويل عندهم لمن أعاب وأنكر عليهم، ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضاداً للآخر مناقضاً له بحيث لا يجتمعان أبداً، فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يتخذون عليها القبب والمساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقادها بالقناديل والسرج فيها، ونهى عن اتخاذها أعياداً، وهؤلاء يتخذونها مناسك وأعياداً يجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، ونهى عن العقر والذبح لها، وهؤلاء يعقرون عليها وينذرون لها ويدعونها، وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي واسمه حيان بن حصين قال: "قال لي علي بن أبي طالب ﵁ ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالاً إلاَّ طمسته ولا قبراً مشرفا إلاَّ سويته" وفي صحيحه أيضاً عن ثمامة بن شفي الهمداني قال كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبر فسوي، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها، وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، فيرفعونها من الأرض كالبيت ويعقدون عيها القباب ويضعون عليها التوابيت ويكسونها كما يكسى بيت الله الحرام، ويفعلون عندها الموالد العظام ويجعلون لها السوائب من بهيمة الأنعام، ويكثر لديها رفع الأصوات والضجيج واختلاط الرجال بالنساء كالحجيج، ومن ذلك ما يفعله عباد الشيطان عند قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث خارج مكة وخديجة في المعلى كل سنة ثلاثة أيام مولد يحصل فيه من الضجيج وارتفاع الأصوات والدعاء بالاستغاثات واختلاط النساء مع الرجال في تلك الساحات، وكذلك عند قبر عبد الرحمن المحبوب بالدفوف ذوات الصنوج والطبول والبيارق والنحائر داعين مستغيثين به راجينه بذلك ليكون علم ناظراً ولهم حافظاً لأنه المحب المحبوب، وهكذا عند قبر أبي طالب، وهم يعلمون ظاهر حاله وما هو عليه قبل الممات فالحكم لعلام الغيوب، ولو تعلق مظلوم بأستار الكعبة جذبوه من تحتها وفعلوا به ما أرادوا ولو دخل ظالم بسرقة أو قتل أو نهب مال على قبر أحد هذين الرجلين اللذين الله أعلم بهما من خلقه وهم فقراء إليه لم يقدموا ليأخذوه منه، ولم يقدموا حدود الله عليه، بل عندهم من فعل ذلك فقد تعدى وظلم ومآله إلى

стр. 246

الندم، ومن نهى عن فعل ما تقدم وأمر بما أرسل الله به الرسل إلى سائر الأمم والعمل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي هي نص على توحيده خرجوه وبدعوه وكفروه ونسبوه إلينا وان كان لا يعرفنا، وما ذنبنا إلاَّ أن أمرنا بما أمر الله به رسله ونهينا عما نهى الله ورسوله، فبسبب ذلك عادونا وجلبوا بخيلهم ورجالهم ومدافعهم علينا وعن حج بيت الله الحرام الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ صدونا ومنعونا، وهدى النبي ﷺ صار شعارنا واتباع سنته علماً علينا، فهم بذلك يعابوننا ويوبخوننا ويسبوننا ويجاهدوننا وما ذاك منهم علينا إلاَّ إتباع الأهواء وعموم البلوى والطعن في الدين والعناد في اليقين. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله﴾ وهم يفعلون المنكرات ويجعلونها قربات ونتيجتها صدقات زيادة على الشرك الأكبر في تلك المعتقدات، وذلك كله موجود في حرم الله وغيره من الساحات، وهل هذا كله إلاَّ لفقد الإسلام وجهله والاستهانة به عند هؤلاء الخاص منهم والعام، حيث جعلوا المنكر ديناً ونتيجة حسنة يقيناً، لكن مصيبة فقد الدين تهون ما هو فعل الظالمين المعاندين ونهى عن الكتابة عليها كما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر وان يقعد عليه وأن يبنى عليه، وروى أبو داود في سننه عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ " نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها" قال الترمذي حديث حسن صحيح، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن والأشعار ويعلقون عليها بيض النعام وقناديل الفضة والرخام، فهؤلاء المعظمون للقبور المتخذونها أعياداً الموقدون عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ ، محادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر، ومن يزعم أنا نكفر بمجردها فهو كاذب جائر، إنما نكفر بالشرك الذي لا يغفر، وهو دعاؤها ورجاؤها والاستغاثة بها وذبح القربان والنذر لها لتدفع سوءاً أو تجلب خيراً، أو تكون واسطة في ذلك، نعم نحن نهدم القباب التي على القبور، ونأمر بهدمها كما هدم النبي ﷺ قبة اللات في الطائف، وأمر علي ﵁ بهدمها وخفض القبور المشرفة مطلقاً وتسويتها، وقد أمر به وفعله الصحابة والتابعون والأئمة

стр. 247

المجتهدون، قال الشافعي في الأم ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى على القبور ويؤيد الهدم قوله ولا قبراً مشرفاً إلاَّ سويته، وحديث جابر المتقدم ذكره الذي في صحيح مسلم. ولأنها أسست على معصية الرسول لنهيه فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعاً، وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعاً، إذ المفسدة هنا أعظم حماية للتوحيد، وأما هذه الكبائر فقد صرح الفقهاء من أصحاب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من الصحابة والتابعين على تحريمها وأنها بدعة نهى رسول الله ﷺ عنها، قال أبو محمد المقدسي لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله، ولأن فيه تضييعاً للمال في غير فائدة، وافراطاً في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام، هذا وبيوت الله ظلمات لا يوقد فيها نور، بل يرون أن الفضل عليها في ذلك القبور، وقد آل الأمر بهؤلاء المعتقدين تعظيم القبور تعظيم عبادة للاحترام في الصدور إلى أن شرعوا لها حجاً ووضعوا له وقتاً وجعلوه أضعاف حج بيت الله الحرام سبعاً هذا قبر ابن علي الذي في مرباط من بلاد اليمن قد شاع عند الخاص منهم والعام ان زيارته والتبتل إليه في رجب تعدل سبع حجات وكذا الزيلعي الذي في اللحية قد شاع عندهم وذاع ان من مات فيها ودفن حوله في تلك البلاد انه في لحيته ليس عليه حساب ولا عذاب، وكذا قبر العيدروس الذي في عدن، وكذا قبر الشاذلي في المخافان أهل البر والبحر ليس لهم لهجة في الشد والرخاء إلاَّ بذكره زاعمين أنهم في أمانه وتحت نظره، وانه يغيث من دعاه في الشدة نائياً كان، أو قريباً في البر أو في البحر، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً سماه مناسك حج مشاهد الأبرار لمن عني إليهم من المقيمين والزوّار، وصنف بعضهم كتاباً سماه روضة الأبرار في دعوة الأولياء الأخيار عند الشدائد المدلهمة الغزار، ولا يخفى أن هذا بعينه مفارق دين الإسلام والدخول في عبادة الأصنام، ومن نظر منصفاً بإخلاص إلى هذا التباين العظيم في هؤلاء المعتقدين من الناس عن الدين القويم والصراط المستقيم ماز وفرق بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور والاعتقاد وجاهد عليه وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه واعتقدوا فيه ودعوه ودعوا إليه، وحينئذ يحق أنا إنما ندعوا إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، إلاَّ إلى الله تصير

стр. 248

الأمور، ويحقق تك المفاسد الناشئة من خبث العقائد التي يعجز العادّون عن حصرها، وتشمئز قلوب العارفين لذكرها. (فمنها) : تعظيمها الموقع في الافتتان بها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور والألواح وبيض النعام وقناديل الفضة والرخام عليها وسدنتها وعبادتها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند البيت والمسجد الحرام، ويرون أن سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيمها ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها. (ومنها) : بذل النذور لها ولسدنتها لجلب الخير ودفع الشرور. (ومنها) : اعتقاد المشركين فيها أن بها يكشف البلاء وينصر على الأعداء، وينزل غيث السماء، وتفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الحائف، ويأمن الحوادث، إلى غير ذلك من الشرك الأكبر الذي يفعل عندها. (ومنها) : الدخول في اللعنة، لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج والقناديل فيها ووقفه عليها. (ومنها) : اجتماع الرجال مع النساء واختلاطهم وضجيجهم ودعاؤهم إياهم. (ومنها) : جعل المنكرات قربات. (ومنها) : إيذاء أصحابا بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما تفعله النصارى عند قبره إذا وجد في الأرض وما يعتقدونه في قلوبهم من الإفراط والتفريط في الحب، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله المعتقدون أشباه النصارى وأشكالهم عند قبورهم ويوم القيامة يتبرؤون منهم كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً﴾ قال الله للمشركين فقد كذبوا بما تقولون وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً

стр. 249

ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ . (ومنها) : مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها. (ومهنا) : محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها. (ومنها) : التعب والنصب بالبناء والتشييد ووضع الأبواب ونقشها والجدران والاعتقاد، والتعظيم مع الوزر الكثير والإثم العظيم. (ومنها) : ان هذا الاعتقاد يؤول إلى حبط العمل والخسران. (ومها) : إماتة السنن وإحياء البدع. (ومنها) : جعل البدعة واجباً وسنة، والواجب والمسنون بدعة وإثماً، وهم في ذلك لا يعون ولا يتذكرون بل لمن خالفهم فيه ونهاهم عنه يبدعون ويخرّجون ويكفرون. (ومنها) : تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، فان عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة والعزم على الموتى بما لا يفعلون في المساجد ربع عشرة ويحصل لهم فيها نظير ولا قريب من مثليه. (ومنها) : أن ذلك تضمن عمارة القبب والمشاهد وتنويرها وتعطيل المساجد من بيوت الله وعدم توقيرها، ودين الله الذي بعث به رسله وأنزل كتبه بضد ذلك كله. (ومنها) : ان الذي شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكار الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤاله العافية للزائر وله فيكون الزائر محسناً إلى الميت وإلى نفسه حتى لو كان نبياً أو ولياً فالدعاء له مطلوب وهو إليه محبوب، وقد أمرنا ﷺ أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده وذلك له محقق ولكن تنويهاً بذكره ورفعاً لقدره وليعود ثواب الدعاء إلى الداعي، والكامل يقبل الكمال، فقلب هؤلاء المشركون الأمر وعكسوا الدين، وكانوا من الفريقين المغضوب عليهم والضالين بقصدهم زيارة الشرك الأموات

стр. 250

يدعونهم، ويدعون بهم، ويسألونهم حوائجهم، واستنزال الرحمة والبركات بهم ونصرتهم لهم على أعدائهم وتفريج كرباتهم، وكشف شدائدهم، وإقالة عثراتهم، والعفو عن زلاتهم والهتف بذكرهم لحاجاتهم، فهم مسيئون إلى أنفسهم، محبطون لأعمالهم، مؤذون للأموات غالون في العقائد والمعتقدات معرضون عن شريعة الرسول، وما قاله الله في الآيات. وقد روى خالد بن دينار قال لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر ابن الحطاب ﵁ فدعا له كعباً فنسخه بالعربية فأنا أول رجل من العرب قرأته مثل ما أقرأ القرآن، قال خالد فقلت لأبي العالية ما كان فيه قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد، قلت فما صنعتم بالرجل قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة فلما كان بالليل دفناه وواسينا القبور كلها مع الأرض لنعمّيه على الناس لا ينبشونه فقلت وما يرجون منه، قال كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون فقلت من كنتم تظنون الرجل قال رجل يقال له دانيال فقلت منذ كم وجدتموه مات قال: منذ ثلاثمائة سنة قلت ما كان تغير منه شيء قال لا إلاَّ شعيرات من قفاه ان لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع. ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به ولو ظفر به هؤلاء المشركون وعلموا حقيقته وما يكون لجادلوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله، فإنهم قد اتخذوا من القبور أوثاناً من لا يداني هذا ولا يقاربه، بل لعله عدو لله وأقاموا لها سدنة وجعلوها معابد أعظم من المساجد، وهم يقولون ويعتقدون أن الصلاة عندها والدعاء حولها والتبرك بها لها أفضلية مخصوصة ليست في المساجد، ولو كان الأمر كما زعموا بل لو كان مباحاً لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علماً لذلك ولما أخفوا قبره خشية الفتنة به وعليه بل دعوا عنده وسنوا ذلك لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله من هؤلاء الخلوف التي خلفت بعدهم، ولو حضروهم لجادلوهم لأنهم قد اعتقدوا وقالوا ضد ما السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان عليه، وما أحسن ما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى لن يصلح آخر هذه الأمة إلاَّ ما أصلح أولها ولكن، كلما ضعفت تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من
следующие страницы →