← Акыда

Акыда · id 7597

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق

محمد بن علي بن غريب

Полный текст (402 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الندم، ومن نهى عن فعل ما تقدم وأمر بما أرسل الله به الرسل إلى سائر الأمم والعمل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي هي نص على توحيده خرجوه وبدعوه وكفروه ونسبوه إلينا وان كان لا يعرفنا، وما ذنبنا إلاَّ أن أمرنا بما أمر الله به رسله ونهينا عما نهى الله ورسوله، فبسبب ذلك عادونا وجلبوا بخيلهم ورجالهم ومدافعهم علينا وعن حج بيت الله الحرام الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ صدونا ومنعونا، وهدى النبي ﷺ صار شعارنا واتباع سنته علماً علينا، فهم بذلك يعابوننا ويوبخوننا ويسبوننا ويجاهدوننا وما ذاك منهم علينا إلاَّ إتباع الأهواء وعموم البلوى والطعن في الدين والعناد في اليقين. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله﴾ وهم يفعلون المنكرات ويجعلونها قربات ونتيجتها صدقات زيادة على الشرك الأكبر في تلك المعتقدات، وذلك كله موجود في حرم الله وغيره من الساحات، وهل هذا كله إلاَّ لفقد الإسلام وجهله والاستهانة به عند هؤلاء الخاص منهم والعام، حيث جعلوا المنكر ديناً ونتيجة حسنة يقيناً، لكن مصيبة فقد الدين تهون ما هو فعل الظالمين المعاندين ونهى عن الكتابة عليها كما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر وان يقعد عليه وأن يبنى عليه، وروى أبو داود في سننه عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ " نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها" قال الترمذي حديث حسن صحيح، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن والأشعار ويعلقون عليها بيض النعام وقناديل الفضة والرخام، فهؤلاء المعظمون للقبور المتخذونها أعياداً الموقدون عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ ، محادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر، ومن يزعم أنا نكفر بمجردها فهو كاذب جائر، إنما نكفر بالشرك الذي لا يغفر، وهو دعاؤها ورجاؤها والاستغاثة بها وذبح القربان والنذر لها لتدفع سوءاً أو تجلب خيراً، أو تكون واسطة في ذلك، نعم نحن نهدم القباب التي على القبور، ونأمر بهدمها كما هدم النبي ﷺ قبة اللات في الطائف، وأمر علي ﵁ بهدمها وخفض القبور المشرفة مطلقاً وتسويتها، وقد أمر به وفعله الصحابة والتابعون والأئمة

стр. 247

المجتهدون، قال الشافعي في الأم ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى على القبور ويؤيد الهدم قوله ولا قبراً مشرفاً إلاَّ سويته، وحديث جابر المتقدم ذكره الذي في صحيح مسلم. ولأنها أسست على معصية الرسول لنهيه فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعاً، وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعاً، إذ المفسدة هنا أعظم حماية للتوحيد، وأما هذه الكبائر فقد صرح الفقهاء من أصحاب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من الصحابة والتابعين على تحريمها وأنها بدعة نهى رسول الله ﷺ عنها، قال أبو محمد المقدسي لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله، ولأن فيه تضييعاً للمال في غير فائدة، وافراطاً في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام، هذا وبيوت الله ظلمات لا يوقد فيها نور، بل يرون أن الفضل عليها في ذلك القبور، وقد آل الأمر بهؤلاء المعتقدين تعظيم القبور تعظيم عبادة للاحترام في الصدور إلى أن شرعوا لها حجاً ووضعوا له وقتاً وجعلوه أضعاف حج بيت الله الحرام سبعاً هذا قبر ابن علي الذي في مرباط من بلاد اليمن قد شاع عند الخاص منهم والعام ان زيارته والتبتل إليه في رجب تعدل سبع حجات وكذا الزيلعي الذي في اللحية قد شاع عندهم وذاع ان من مات فيها ودفن حوله في تلك البلاد انه في لحيته ليس عليه حساب ولا عذاب، وكذا قبر العيدروس الذي في عدن، وكذا قبر الشاذلي في المخافان أهل البر والبحر ليس لهم لهجة في الشد والرخاء إلاَّ بذكره زاعمين أنهم في أمانه وتحت نظره، وانه يغيث من دعاه في الشدة نائياً كان، أو قريباً في البر أو في البحر، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً سماه مناسك حج مشاهد الأبرار لمن عني إليهم من المقيمين والزوّار، وصنف بعضهم كتاباً سماه روضة الأبرار في دعوة الأولياء الأخيار عند الشدائد المدلهمة الغزار، ولا يخفى أن هذا بعينه مفارق دين الإسلام والدخول في عبادة الأصنام، ومن نظر منصفاً بإخلاص إلى هذا التباين العظيم في هؤلاء المعتقدين من الناس عن الدين القويم والصراط المستقيم ماز وفرق بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور والاعتقاد وجاهد عليه وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه واعتقدوا فيه ودعوه ودعوا إليه، وحينئذ يحق أنا إنما ندعوا إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، إلاَّ إلى الله تصير

стр. 248

الأمور، ويحقق تك المفاسد الناشئة من خبث العقائد التي يعجز العادّون عن حصرها، وتشمئز قلوب العارفين لذكرها. (فمنها) : تعظيمها الموقع في الافتتان بها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور والألواح وبيض النعام وقناديل الفضة والرخام عليها وسدنتها وعبادتها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند البيت والمسجد الحرام، ويرون أن سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيمها ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها. (ومنها) : بذل النذور لها ولسدنتها لجلب الخير ودفع الشرور. (ومنها) : اعتقاد المشركين فيها أن بها يكشف البلاء وينصر على الأعداء، وينزل غيث السماء، وتفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الحائف، ويأمن الحوادث، إلى غير ذلك من الشرك الأكبر الذي يفعل عندها. (ومنها) : الدخول في اللعنة، لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج والقناديل فيها ووقفه عليها. (ومنها) : اجتماع الرجال مع النساء واختلاطهم وضجيجهم ودعاؤهم إياهم. (ومنها) : جعل المنكرات قربات. (ومنها) : إيذاء أصحابا بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما تفعله النصارى عند قبره إذا وجد في الأرض وما يعتقدونه في قلوبهم من الإفراط والتفريط في الحب، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله المعتقدون أشباه النصارى وأشكالهم عند قبورهم ويوم القيامة يتبرؤون منهم كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً﴾ قال الله للمشركين فقد كذبوا بما تقولون وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً

стр. 249

ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ . (ومنها) : مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها. (ومهنا) : محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها. (ومنها) : التعب والنصب بالبناء والتشييد ووضع الأبواب ونقشها والجدران والاعتقاد، والتعظيم مع الوزر الكثير والإثم العظيم. (ومنها) : ان هذا الاعتقاد يؤول إلى حبط العمل والخسران. (ومها) : إماتة السنن وإحياء البدع. (ومنها) : جعل البدعة واجباً وسنة، والواجب والمسنون بدعة وإثماً، وهم في ذلك لا يعون ولا يتذكرون بل لمن خالفهم فيه ونهاهم عنه يبدعون ويخرّجون ويكفرون. (ومنها) : تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، فان عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة والعزم على الموتى بما لا يفعلون في المساجد ربع عشرة ويحصل لهم فيها نظير ولا قريب من مثليه. (ومنها) : أن ذلك تضمن عمارة القبب والمشاهد وتنويرها وتعطيل المساجد من بيوت الله وعدم توقيرها، ودين الله الذي بعث به رسله وأنزل كتبه بضد ذلك كله. (ومنها) : ان الذي شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكار الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤاله العافية للزائر وله فيكون الزائر محسناً إلى الميت وإلى نفسه حتى لو كان نبياً أو ولياً فالدعاء له مطلوب وهو إليه محبوب، وقد أمرنا ﷺ أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده وذلك له محقق ولكن تنويهاً بذكره ورفعاً لقدره وليعود ثواب الدعاء إلى الداعي، والكامل يقبل الكمال، فقلب هؤلاء المشركون الأمر وعكسوا الدين، وكانوا من الفريقين المغضوب عليهم والضالين بقصدهم زيارة الشرك الأموات

стр. 250

يدعونهم، ويدعون بهم، ويسألونهم حوائجهم، واستنزال الرحمة والبركات بهم ونصرتهم لهم على أعدائهم وتفريج كرباتهم، وكشف شدائدهم، وإقالة عثراتهم، والعفو عن زلاتهم والهتف بذكرهم لحاجاتهم، فهم مسيئون إلى أنفسهم، محبطون لأعمالهم، مؤذون للأموات غالون في العقائد والمعتقدات معرضون عن شريعة الرسول، وما قاله الله في الآيات. وقد روى خالد بن دينار قال لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر ابن الحطاب ﵁ فدعا له كعباً فنسخه بالعربية فأنا أول رجل من العرب قرأته مثل ما أقرأ القرآن، قال خالد فقلت لأبي العالية ما كان فيه قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد، قلت فما صنعتم بالرجل قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة فلما كان بالليل دفناه وواسينا القبور كلها مع الأرض لنعمّيه على الناس لا ينبشونه فقلت وما يرجون منه، قال كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون فقلت من كنتم تظنون الرجل قال رجل يقال له دانيال فقلت منذ كم وجدتموه مات قال: منذ ثلاثمائة سنة قلت ما كان تغير منه شيء قال لا إلاَّ شعيرات من قفاه ان لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع. ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به ولو ظفر به هؤلاء المشركون وعلموا حقيقته وما يكون لجادلوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله، فإنهم قد اتخذوا من القبور أوثاناً من لا يداني هذا ولا يقاربه، بل لعله عدو لله وأقاموا لها سدنة وجعلوها معابد أعظم من المساجد، وهم يقولون ويعتقدون أن الصلاة عندها والدعاء حولها والتبرك بها لها أفضلية مخصوصة ليست في المساجد، ولو كان الأمر كما زعموا بل لو كان مباحاً لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علماً لذلك ولما أخفوا قبره خشية الفتنة به وعليه بل دعوا عنده وسنوا ذلك لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله من هؤلاء الخلوف التي خلفت بعدهم، ولو حضروهم لجادلوهم لأنهم قد اعتقدوا وقالوا ضد ما السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان عليه، وما أحسن ما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى لن يصلح آخر هذه الأمة إلاَّ ما أصلح أولها ولكن، كلما ضعفت تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من

стр. 251

البدع والشرك، ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ ثم أراد الدعاء استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا. وقال سلمة بن وردان رأيت أنس ابن مالك ﵁ يسلم على النبي ﷺ ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو، ونص على ذلك الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ان المسلم إذا فرغ من السلام وأراد الدعاء استقبل القبلة حتى لا يدعو عند القبر، فان الدعاء عبادة، وفي الترمذي وغيره مرفوعاً: "الدعاء هو العبادة " فجرد السلف العبادة لله ولم يفعلوا عند القبور منها إلاَّ ما شرعه رسول الله ﷺ وأذن فيه من السلام كلى أصحابها والاستغفار لهم والترحم عليهم، فان الميت قد انقطع عمله، وهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له، ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء له وجوباً واستحباباً ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي، وعلى هذا مضى الصحابة والتابعون لهم بإحسان، فقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون فما منهم من استغاث عند قبر صاحب ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استسقى به، ولا انتصر به. ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأصحابها أفضل منه في غير تلك البقعة أو لا يكون، فإن كان أفضل فكيف خفي علماً وعملاً على الصحابة والتابعين وتابعيهم فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة علماً وعملاً بهذا الفضل العظيم، وتظاهر به الخلوف علماً وعملاً، ولا يجوز أن يعلم السابقون الأولون علماً ويزهدون فيه عملاً وهو يحثهم على الطاعة ويرغبهم فيها ثم لا ينقلونه أيضاً إلى من بعدهم مع حرصهم على كل خير لاسيما الدعاء فان المضطر يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه نفعاً وان كان فيه كراهة هذا، وهم قد عرضت عليهم شدائد واضطرارات وفتن وازعاجات وقحط وسنون مجدبات أفلا جاؤا إلى قبر النبي ﷺ أو أحد من أصحابه شاكين وله بها مخاطبين وبكشفها عنهم وتفريج كرباتهم إياه داعين أم كيف يعلمون فضل الدعاء عند القبور ثم لا يقصدونها، هذا محال طبعاً وشرعاً، وقد أنكر الصحابة ﵃ ما هو دون هذا بكثير، فروي غير واحد عن المعرور بن سويد قال صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح فقرأ فيها ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل

стр. 252

ولئيلاف قريش ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال أين يذهبون هؤلاء فقيل يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبي ﷺ فهم يصلون فيه، فقال إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا كانوا يتبعون آثار أنبيائهم يتخذونها كنائس وبيعاً يرغبون عن هديه ويعرضون عما جاء به فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها، وكذلك أرسل عمر ﵁ وأمر بقطع الشجرة السمرة التي بايع تحتها أصحاب رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، وذكرها الله في القرآن لما رأى الناس ينتابونها ويصلون عندها كأنها المسجد الحرام أو مسجد المدينة فقطعت بأمره، بل قد أنكر رسول الله ﷺ على أصحابه لما سألوه أن يجعل لهم شجرة يعلقون عليها أسلحتهم وأمتعتهم بخصوصها يعظمونها بذلك ويتنوطون أي يجتمعون عندها ويعلقون أسلحتهم عليها لتعظيمها كما في حديث أبي راقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين ونحن حديثو عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي ﷺ : "هذا كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم" فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها لتعظيمها إلهاً مع الله وهم لا يدعونها مع ذلك ولا يسألونها فما الظن بالعكوف حول القبر والدعاء به ودعاؤه ورجاؤه والتوكل عليه والذبح والنذر له ليجلب خيراً أو يدفع سوءاً، وأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر، ولكن لو كان أهل الشرك يعون ويعلمون الحق ولا فيه يعاندون ولا به يكذبون لما كانوا لنا يكفرون والفتنة يعتقدون والكفر يقولون ويفعلون، قال أهل العلم من أصحاب مالك وغيرهم انظروا أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البرء منها والشفاء من قبلها أو يضربون بها المسامر ويعقدون بها الخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها، وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه الذي ألفه وبين فيه الحوادث والبدع وسماه كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، ومن هذا القسم أيضاً قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وتعظيم مواضع مخصوصة من كل بلد يحكي لهم بها حاك أنه رأى في منامه بها أحداً ممن اشتهر بالصلاح والولاية أو فلان الولي له فيها وطأة

стр. 253

فيعظمون تلك الأماكن في قلوبهم وألسنتهم ويأتونهم لشفاء أمراضهم وقضاء حوائجهم بدعائها والنذر لها وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر فهم يفعلون هذا الشرك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله وسننه ويظنون أنهم يتقربون بذلك إليه إلى ان قال فيه كلاماً مجانساً لما ذكرنا فما أسرع هذا الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت، ويقولون ان هذا الحجر وهذه الشجرة وهذه الوطأة وهذه العين يضر وينفع ويشفع ويقبل النذر أي يقبل العبادة من دون الله فان النذر عبادة قربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له، فهم يتمسحون بتلك الأنصاب ويستلمونها ولقد أنكر السلف التمسح بحجر مقام إبراهيم ﵇ الذي أمرنا الله أن نتخذ منه مصلى كما ذكر ذلك الأزريقي في كتاب مكة عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ قال إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه ولقد تكلفت هذه الأمة شيئاً ما تكلفته الأمم قبلها ولو ذكر أثر قدم أو أصبع عكفوا عليه ومسحوه حتى اخلولق الدين وغرب الإسلام، وعاد اعتقاد المشركين وعظمت الفتنة بهذه الأنصاب كفتنة أصحاب القبور التي هي أصل فتنة عباد الأصنام ذكره السلف من الصحابة والتابعين ولم يكفهم التسمح الآن بالمقام بل يدعونه ويرجونه وينذرون له ويسألونه شفاعته ويخاطبونه بقضاء حوائجهم وردهم إلى أوطانهم ومن عاب ذلك وأنكره عليهم فهو عندهم منسوب إلينا وقالوا له وهابي أو عارضي أو شرقي أو خارجي وما ذنب هذا المعيب المنكر إلاَّ أنه شاكنا أو وافقنا بالأمر فيما أمر الله به ورسوله والنهي عما نهى الله عنه ورسوله، والعلماء بذلك يعلمون وقلوبهم مطمئنة غير كارهة فهم لا ينكرون ولا الحق يقولون. وفي مقابلة المسجد الحرام. والبيت والمقام جهة الشرق زقاق يقال له زقاق الحجر فيه حجر موضوع عرض الحائط يتمسحون به ويدعونه زاعمين أنه الذي سلم على النبي ﷺ وهو كذب وبهتان ليس هو، فإنه ﷺ قال وهو في المدينة أني لأعلم حجراً بمكة يسلم عليّ ولم يعينه خشية الافتتان به، بل لو تحقق أنه هو ليس هو بأفضل من مقام إبراهيم وجدار الكعبة المشرفة، والسلف الصالح ينهون عن التمسح بشيء من ذلك إلاَّ الحجر الأسود سنة رسول الله ﷺ والسلام على النبي ﷺ من جملة حب الله وذكره وان من شيء إلا يسبح بحمده وجميع المخلوقات حتى الجمادات تعرفه ﷺ لما جعل الله فيها من قوة الادراكات وإذاً فلا مزية في حجر أو

стр. 254

شجر إلاَّ الحجر الأسود خاصة فانه يمين الله في الأرض، ومع سنية تقبيله ووضع الجبين عليه لا يدعى ولا يرجى ولا يتوكل عليه وان اعتقدنا شفاعته في الآخرة ليس هو بأفضل من الأنبياء والأولياء ومع ذلك لا يشفعون إلاَّ من بعد إذن الله لمن يرضى عنه وإذاً فسؤال الشفاعة إنما هو من الله فسأل منه كما يسأل تعالى الثبات على الدين والوفاة على الإيمان وهو أرحم الراحمين. ويقابله حجر منقور على قدر المرفق يزعمون أن النبي ﷺ تمرفق عليه فأثر به وهو أيضاً كذب لم ينقل عن الصحابة ولا عن التابعين ولا تابعيهم ولا عمن يعتد به من أهل العلم ولم ينقل ولا في حديث ضعيف انه ﷺ وجد له أثر قدم أو أثر مرفق أو وضع في حجر، وإنما ذلك من تلبيس إبليس على هؤلاء ليغويهم ويحسن لهم شركهم وهم يزعمون أنه حب لنبيهم، وما محبته إلاَّ اتباع شرعه، وما جاء به والعمل به، ودحض ضده، ومعاداته، زيادة على حب ذاته ﷺ ففي البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده " وفيه أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" وفيه أيضاً عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبداً لا يحبه إلاَّ لله ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النا ر" وفيه أيضاً عن عبد الله بن هشام قال: "كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلاَّ من نفسي فقال النبي ﷺ والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر فانه الآن يا رسول الله والله لأنت أحب إليّ من نفسي فقال النبي ﷺ الآن يا عمر" وليس حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم إلاَّ مجتهم محبة مقدمة على النفس والأهل والمال وإيثار طاعتهم ومتابعتهم في ستهم وهديهم ونحو ذلك من الحقوق التي من قام بها لم يقم بعبادتهم والإشراك بهم، كما ان عامة من يشرك بهم شيئاً أكبر أو أصغر يترك ما عليه من طاعتهم بقدر ما ابتدعه من الإشراك به، فليس على المؤمن ولا له إلاَّ طلب طاعتهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وكذلك حقوق الصديقين المحبة في

стр. 255

القلب وتوقيرهم وإجلالهم فيه، ونحو ذلك من الحقوق التي جاء بها الكتاب والسنة وكان عليها سلف الأمة لا عبادتهم ولا عبادة قبورهم أو آثارهم وقد قال ﷺ " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" وفي المعلى زاوية تنسب لعبد القادر رحم الله روحه ونوّر ضريحه فيه دوحة عظيمة يعلقون عليها الخرق ويجعلون فيها البيارق والأعلام يرجونها وبركتها ويدعونها وليست إلاَّ ذات أنواط، وفي المدعى زاوية أخرى فيها مثلها غير الزوايا والبنايا التي على القبور تدعى وترجى، فقد وجد في حرم الله طهره الله وصانه وجعل المتقين أولياءه وسكانه جميع ما نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فأما الخمر والميسر والأزلام والزنا واللواط فهذا أمر مشهور دلائله قائمة عليه حتى في المسجد الحرام تجاه الكعبة المشرفة، وأما الأنصاب فهي كل ما نصب يعبد من دون الله أو معه من حجر أو شجر أو وثن أو قبر وأحدها نصب كطنب والجمع أنصاب كأطناب، قال ابن عباس كل معبود من دون الله أو معه فهو نصب قبراً كان أو حجراً أو شجراً. وقال الزجاج أصلها الحجارة التي تتخذ على صورة من يعبدونه ثم استعملت في كل الأوثان وقال مجاهد وقتادة وابن جريح كانت الأنصاب حول البيت أحجاراً كان أهل الجاهلية يذبحون عليها وكانوا يعظمونها ويدعونها لتشفع لهم ويعبدونها وكل ما اتخذ لذلك فهو نصب، والأصنام أخص من ذلك، وقال الفراء الأنصاب هي الآلهة التي كانت تعبد من أحجار أو أشجار أو قبور أو غيرها، وأصله من الشيء المنصوب الذي يقصده من أراده ورآه ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ قال ابن عباس إلى غاية أو علم يسرعون وهو قول أكثر المفسرين وقال الحسن يعني إلى أنصابهم أيهم يستلمها أول. قال الزجاج وهذا على قراءة من قرأ نصب بضمتين كقوله وما ذبح على النصب. قال ومعناه أصنام لهم فالشيطان قد نصب للمشركين ما قصدوه فدعوه واعتقدوه وعبدوه كائناً من كان في أي مكان كان ولا يخفى ما اعتقدوا في عبد الرحمن المحجوب وأبي طالب ومحمود ولد إبراهيم بن أدهم وولد البدوي وسائر عباد الله من الأنبياء والأولياء وابن عباس أو غيرهم من الشياطين والأخشاب والأحجار

стр. 256

والأشجار والاعتقادات الغزار والمعتقدات حتى الطين والفخار فإنهم يزعمون أن حماية مكة المشرفة بالقبرين المكتنفين لها اللذين في أطرافها من أسفلها وأعلاها أحدهما محمود والآخر أبو طالب وأنها في حفظ البنايا التي بين ذلك وحماها ولم يحققوا معنى قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً..﴾ الآية فبعث عليهم بخت نصر فقتل منهم ألوفاً وسبى ذريتهم وخرب بيت المقدس، وهو أكثر أرض الله أنبياء فما حموه ولا أغنوا عنه من الله شيئاً، ولكن الله الحافظ لبيته ولحرمه كما حفظه من أبرهة وأمثاله. فبهذا يتبين أن الشيطان اللعين نصب لأهل الشرك قبوراً يعظمونها ويعبدونها أوثاناً من دون الله، ثم يوحي إلى أوليائه ان من نهى عن عبادتها واتخاذها أعياداً وجعلها والحالة هذه أوثاناً فقد انتقصها وغمصها حقها وسبها، فيسعى الجاهلون المشركون في قتالهم وعقوباتهم وما ذنبهم عند هؤلاء المشركين إلاَّ أنهم أمروهم بإخلاص توحيده ونهوهم عن الشرك بأنواعه قالوا وتعطيله نعند ذلك غضب المشركون واشمأزت قلوبهم فهم لا يؤمنون وقالوا قد انتقصوا أهل المقامات والرتب فاستحقوا الويل والعتب، وفي زعمهم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، ويسري ذلك في نفوس الجهال والطغام كثير ممن ينتسب إلى العلم والدين وحب الأولياء وإتباع المرسلين، وبسبب ذلك عادوناً وبالعظائم الكبائر والجرائم الغزار رمونا ونسبوا كل فعل قبيح إلينا ونفروا الناس عنا وعما ندعوا إليه، والوا أهل الشرك وظاهروهم علينا وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله وكتابه، ويأبى الله ذلك، فما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلاَّ المتقون له الموافقون له العارفون به، وبما جاء به والعاملون به والداعون إليه لا المتشبعون بما لم يعطوا، اللابسون ثياب الزور الذين يصدون الناس عن دين نبيهم وهديه وسنته ويبغونها عوجاً يحسبون أنهم يحسنون صنعاً بإتباعه واحترامه والعمل به تعظيم الأنبياء والأولياء واحترامهم ومتابعتهم لهم فيما يحبونه وتجنب ما يكرهونه وهم أعصى الناس لهم وأبعدهم منهم ومن هديهم ومتابعتهم كالنصارى مع المسيح، واليهود مع موسى، والرافضة مع علي، وأهل التوحيد أين كانوا أولى بهم وبمحبتهم ونصرة طريقتهم وسنتهم وهديهم ومنهاجهم، وأولى بالحق قولاً وعملاً من أهل الباطل، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والمنافقون والمنافقات

стр. 257

والمشركون والمشركات بعضهم من بعض، ومن أصغى إلى كلام الله بكلية قلبه وتدبره وتفهمه أغناه عن إتباع الشيطان وشركه الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وينبت النفاق في القلب، وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول بكليته وحدث نفسه وعمل باقتباس الهدى والعلم منه لا من غيره أغناه عن البدع والشرك والآراء والتخرصات والشطحات والخيالات التي هي وساوس الشيطان والنفوس وتخيلات الهوى والبؤس، ومن بعد عن ذلك فلا بد أن يتعوض بما لا ينفعه بل مضرة عليه كما أن من عمر قلبه بمحبة الله وذكره وخشيته والتوكل عليه والإنابة إليه أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه عن عشق الصور وإذا خلا من ذلك عبد هواه أي شيء استحسنه ملكه واستعبده، فالمعرض عن التوحيد عابداً الشيطان مشرك شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره عبد الصور شاء أم أبى، والله المستعان وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل. وأما الصلاة في المقبرة فقد اختلف الفقهاء فيها هل هي محرمة أو مكروهة وإذا قيل هي محرمة فهل تصح مع التحريم أم لا والمشهور عن الإمام أحمد وموافقيه أنها تحرم ولا تصح لما روى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن الصلاة في سبعة مواطن وعد منها المقبرة" وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ : "الأرض كلها مسجد إلاَّ المقبرة والحمام" رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة وصححه أبو حاتم بن حبان وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى أنس بن مالك يصلى عند قبر فقال القبر القبر. وهذا يدل بصريحه على أنه كان من المستقر عند الصحابة ﵃ ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور، وفعل أنس لا يدل على اعتقاد جوازه فإنه فلعله لم يره أو لم يعلم أنه قبر أو ذهل عنه فلما نبهه عمر تنبه ولم يصل، ومن تأمل النصوص المتقدمة تبين له أنها محرمة بلا شك وأن الصلاة فيها لا تصح، وفي هذا إبطال قول من زعم أن النبي ﷺ إنما نهى عن الصلاة فيها لأجل النجاسة فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول وهو باطل من عدة أوجه:

стр. 258

منها أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة كما يقوله المعللون بالنجاسة. ومنها أنه ﷺ لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد ومعلوم قطعاً أن هذا ليس لأجل النجاسة فان ذلك لا يختص بقبور الأنبياء ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع ليس للنجاسة عليها طريق البتة، فان الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون. ومنها أنه نهى عن الصلاة إليها. (ومنها) : أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلاَّ المقبرة والحمام ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر أولى من ذكر القبور ولما ذكر الحمام. (ومنها) : ان موضع مسجده ﷺ كان مقبرة للمشركين فنبشوا مكان قبورهم وسواها واتخذه مسجداً، ولم ينقل ذلك التراب بل سوى الأرض ومهدها على ذلك كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة فنزل بأعلاها في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف فأقام النبي ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤا متقلدين السيوف وكأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ بني النجار فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلاَّ إلى الله. فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين وفيه خرب وفيه نخل فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنبشت ثم بالحرب فسويت وبالنخيل فقطعت فصفوا النخيل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون وذكر الحديث. (ومنها) : ان فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر فإذا نهى عن ذلك سداً لذريعة التشبه الذي لا يكاد يخطر ببال المصلى فكيف بهذه الذريعة القربة التي كثيراً ما تدعو صاحبها إلى

стр. 259

الشرك من دعاء الموتى واستجابتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد، وغير ذلك مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله، فان فصد الصلاة عندها عين المحادة لله ولرسوله، فأنى التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة، ومما يدل على أن النبي ﷺ قصد منع الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم. (ومنها) : أنه لعن المتخذين عليها المساجد ولو كان ذلك لأجل النجاسة لا يمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر فتزول اللعنة وهو باطل قطعاً. (ومنها) : أنه قرن في اللعنة متخذي المساجد عليها ومرقدي السرج عليها فهما في اللعنة قرينان وفي ارتكاب الكبيرة من أصل واحد مجتمعان، فان كل ما لعن عليه رسول الله ﷺ فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها وجعلها نصباً يقصده المشركون لينالوا منه ما طلبوه ويحصل لهم ما قصدوه، كما هو الواقع الآن من مشركي هذا الزمان، فهكذا اتخاذ المساجد عليها، ولهذا قرن بينهما فان اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها، ألا ترى إلى ما حكى الله عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا لنتخذن عليهم مسجداً. (ومنها) : أنه ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فذكر ذلك عقيب قوله اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم وهو توسلهم بذلك إلى أن تصير أوثاناً تعبد بدعائها ورجائها، وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وفهم عن الرسول ﷺ مقاصده جزم جزماً لا احتمال معه للنقيض ان هذه المبالغة منه واللعن والنهي بصيغته صيغة لا تفعلوا أو صيغة إني أنهاكم عن ذلك ليس لأجل النجاسة بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكاب ما عنه نهاه وإتباع هواه وعموم بلواه، ولم يخش الله ربه ومولاه وقل نصيبه أو عدم من تحقيق شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه

стр. 260

وتجريداً له وغضباً لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلاَّ معصية لأمره وارتكاباً لنهيه وغرهم الشيطان بأن هذا التعظيم لقبور المشايخ والصالحين وكلما كنتم فيهم أشد غلواً كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد، ووالله ان من هذا الباب بعينه دخل على عباد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقهم، وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقهم والعمل بهديهم وانزلهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها من العبودية وسلب خصائص الألوهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم، وأما المشركون فعصوا أمرهم وخالفوا طريقتهم فانتقصوهم بذلك وان عظموا صورهم، قال الشافعي ﵀: أكره شديداً أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس. وقال مالك: لا يزاد القبر عن السلام عليه والدعاء له ولا يتحرى الدعاء ولا الصلاة عنده، هذا شعار اليهود والنصارى المشركين. وقال أبو حنيفة: يسلم على الميت ويدعو له ولا يدعو به ولا يصلى عنده لأنه من فعل المشركين، وكذا قال أبو يوسف، وممن علل بالشرك أيضاً ومشابهة اليهود والنصارى الأثرم في كتاب ناسخ الحديث ومنسوخه، فقال بعد أن ذكر حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "جعلت لي الأرض مسجداً طهوراً إلاَّ القبر والحمام" وحديث سعيد بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ : "نهى عن الصلاة في سبع مواطن" فذكر منها المقبرة إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم مساجد. وهذه المسائل المشهورة عند أربابها معروفة إنما الغرض التنبيه على ما يخفى من غيرها فما دخل في هذا قصد القبور للدعاء عندها أو بها فان الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين: (أحدهما) : أن يحصل الدعاء في البقعة اتفاقياً لا قصد الدعاء فيها كمن يدعو الله في طريقه ويتفق أن مروره بالقبور أو كمن يزورها فيسلم على أهلها فيسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة فهذا ونحوه لا بأس به بل الثاني مأمور به. (الثاني) : أن يتحري الدعاء عندها بحيث يعتقد أن الدعاء هناك أحق بالإجابة منه في غيره، فهذا النوع منهي عنه نهي تحريم وما جاء عن الله أو رسوله

стр. 261

كالدعاء والذكر في أماكن نسك الحج التي هي من شعائر الله فالعمل به هو المندوب والقصور عليه هو المطلوب. (وقول صاحب المقدمة) لكن لا يلزم من ذلك تكفير مرتكبه ... الخ دليل على أمور: (الأول منها) : أنه لم يعرف الشرك وحقيقته لأنه جعل تعظيم القبور وعبادتها بدعائها برجائها والاستغاثة بما والنذر لها لتدفع سوءاً أو تجلب خيراً إنما فيه مجرد الحرمة فقط. (الثاني) : أنه جاهل حقيقة ما عليه عباد الأوثان كيف كان عبادتهم لها فإنه يعتقد أن عبادتها مجرد السجود لها أو أنها شريكة مع الله في ملكه والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . (الثالث) : أنه ناقض لحكم الله ورسوله في أهل الشرك الأكبر فان حكم الله فيهم القتل والسبي ما لم يتوبوا قبل القدرة عليهم، وهذا حكمه فيهم عدم القتل والسبي لأنه قال وحكمه كما قدمناه النصيحة والوعظ والزجر لا غير ذلك. (الرابع) : حصر هذا الشرك في العوام والأعراب ولم يعلم أنه في أكثر قلوب مدعي العلم والعبادة والزهاد ويتخذونه سبباً من جملة الأسباب. (الخامس) : زعمه أنا نكفر بمجرد الصلاة في المقبرة وهذا أيضاً مما يدل على عدم تحقيقه أمرنا ونهينا وأنه من قول الزور والبهتان علينا لكن له فيمن قبله أسوة قبيحة حيث رمونا بأكبر من ذلك فقالوا عنا أنهم الكفرة الفجرة ونحن إنما نكفر من قصد أصحاب القبور ليفرجوا كربته ويكشفوا شدته أو هتف بذكرهم نائياً عنهم أو قريباً منهم يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم وينذر ويقرب لهم ليجلبوا له خيراً أو يدفعوا عنه سوءاً أو ليكونوا واسطة ووسيلة ليشفعوا له في ذلك أو من اعتقد ذلك في

стр. 262

الأشجار والأحجار أو من رضي فعلهم ذلك ممن ظاهرهم علينا كفرنا بأمرنا ونهينا ودلائلنا في ذلك كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وقد تقدم بحثها مستوفاة فلا حاجة إلى إعادتها فأما مجرد الصلاة بلا اعتقاد مما قدمناه وقلنا ففعلها في المقبرة حرام على الصحيح، ولا تنعقد في القول المشهور وحكمها الوعظ والنصيحة والزجر والتعزير مع الإصرار، وإعادة الصلاة والتوبة من هذا الذنب لا غير ذلك، مع إنا نقول ان قصد الصلاة فيها من الشرك لنهي النبي ﷺ عن الصلاة فيها ولعن فاعله وهو يشبه عبادة الأصنام لكن هو من الأصغر حيث لم يعتقد شيئاً مما تقدم والله أعلم.

стр. 263

زيارة القبور الشرعية وما ورد في ذلك وأما قولكم (ما يفعل من زيارتها فهو أمر مندوب كما ورد في الخبر الصحيح عنه ﷺ "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" فيكف يذهب إلى تكفير من يزورها مع رعاية الأدب لاسيما زيارة قبر الشريف، فإنها من أعظم القرب وأرجى الطاعات وفي شرح المختار هي أفضل المندوبات والمستحبات، بل تقرب من درجة الواجبات، وفي مناسك الطرابلسي نقلاً عن مناسك الفارسي أنها قريبة الواجب في حق من كان له سعة قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ وري الدارقطني وأبو بكر البزار عن النبي ﷺ " من زار قبري وجبت له شفاعتي" وقال ﷺ "من جاءني زائراً لا تهمه إلاَّ زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون شفيعاً له يوم القيامة" أخرجه الدارقطني وعن أنس عن النبي ﷺ أنه قال ("لا عذر لمن كان له سعة من أمته ولم يزره") أخرجه الحافظ محمد ابن عساكر وعنه ﷺ قال: "من حج وزار قبري بعد موتي كمن زارني في حياتي" أخرجه الدارقطني وعنه ﷺ أنه قال: "من زارني في المدينة متعمداً كان في جواري إلى يوم القيامة") . فنقول: كان رسول الله ﷺ أولاً قد نهى الرجال عن زيارة القبور سداً للذريعة

стр. 264

لأنهم قريبو عهد بشرك بأهلها وبصورهم، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه ونهاهم أن يقولوا هجراً، كما رواه الإمام أحمد والنسائي عن بريدة قال قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجراً" ومن أعظمه الشرك عندها قولاً وفعلاً فزيارة القبور على الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله هي من أفضل احترامها في الصدور حيث أمر الشارع بها ونهى عن إهانة أهلها ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "زوروا القبور فإنها تذكر بالموت" وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن رسول الله ﷺ قال: "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة " رواه الإمام أحمد، وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وآتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا ان شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الفرقد" وفي صحيحه أيضاً عنها أن جبريل أتاه فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، وفي صحيحه أيضاً عن سليمان بن بريدة عن أبيه أنه قال كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا "السلام على أهل الديار وفي لفظ السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا ان شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" وعند الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم أهل القبور يغفر الله لنا ولكم ونحن بالأثر" وعند ابن ماجه عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ : " كنت نهينكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة" وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لأمتي فلم يأذن ربي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" فعلم من هذا أن زيارة الموحدين القبور مقصو ها ثلاثة أشياء: أحدها: تذكار الآخرة والاعتبار والاتعاظ وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة.

стр. 265

الثاني: الإحسان إلى الميت وأن لا يطول عهده به قبره ويتناساه كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه فإذا زار الحي فرح بزيارته وسر بذلك فالميت أولى لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلوهم ومعارفهم فإذا زاروهم وأهدوا إليهم هدية من دعاء أو صدقة أو إهداء قراءة ازدادوا بذلك سروراً وفرحاً، كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له، ولهذا شرع النبي ﷺ للزائر أن يدعو لأهل القبور بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية فقط ولم يشرع أن يدعوهم ولا يدعوا بهم ولا يصلي عند قبورهم. (الثالث) : إحسان الزائر إلى نفسه بإتباع السنة والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ فيحسن إلى نفسه وإلى المزور. وأما زيارة المشركين فأصلها مأخوذ عن عباد الأصنام قالوا ان الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله لا يزال تأتيه الألطاف من الله وتفيض على روحه الخيرات فإذا علق الزائر روحه به وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس شعاع المرآة الصافية والماء ونحوهما على الجسم المقابل له قالوا فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره، كلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها بدعائها ورجائها والتبتل إليها وتعظيمها بالتعلق علها قالوا إذا تعلقت النفوس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور والإعانة والبهجة والسرور فبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، وبها الاستغاثات، وبهذا اتخذت الأصنام المجسدة وهذا بعينه هو الذي أوجب دعاء أصحاب القبور والهتف بذكرهم عند نزول الشدائد والشرور واتخاذها أعياداً وتعليق الستور عليها وإيقاد السرج وبناء المساجد عليها وهذا هو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية وسد الذريعة المفضية إليه فوقف المشركون في طريقه وناقضوه في قصده وتفريقه وصار رسول الله ﷺ في شق وهؤلاء في شق.

стр. 266

الشفاعة الثابتة والمنفية والمنهي عنها ما ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله وتقربهم منه، قالوا فان العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه بهمته وعكف بقلبه عليه صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان فهو شديد التعلق به فما يحصل لذلك من السلطان من الأنعام والأفضال والإفاضة ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به، فهذا سر عبادة الأصنام وهو الذي بعث الله رسوله ﷺ وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه ولعنهم وأباح دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم وأوجب لهم النار، والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على هؤلاء وإبطال مذاهبهم قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهم وان صوروا صوراً لا تعقل فإنها صور الأنبياء والملائكة والصالحين ليتقربوا بهم وليشفعوا لهم ويدعوهم وينالوا منهم فأخبر سبحانه أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده فيأذن هو لمن شاء أن يشفع فيمن رضي عنه فيشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له والذي شفع عنده إنما شفع بإذنه له، وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده، وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم في عقيدتهم وهي التي أبطلها الله سبحانه في كتابه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد سبحانه رحمة عبده، أذن هو لمن يشفع فيه كما قال

стр. 267

تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه بل شفيع بإذنه، والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المملوك المأمور، فالشفاعة التي أبطلها شفاعة الشريك، فإنه لا شريك له، والتي أثبتها شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له ويقول اشفع في فلان ولهذا كان أسعد بشفاعة سيد الشفعاء وأفضلهم يوم القيامة أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد وأخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه وهم الذين ارتضى الله سبحانه قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ، فأخبر سبحانه أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلاَّ بعد رضاه قول المشفوع له وإذنه للشافع. فأما الشرك فإنه لا يرضيه ولا يرضاه قولاً، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين: أحدهما: رضاه عن المشفوع له. الثاني: إذنه للشافع، فمتى لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة، وسر ذلك وقوامه أن الأمر لله وحده فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده هم الرسل والملائكة المقربون وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول ولا يتقدمون بين يديه ولا يفعلون شيئاً إلاَّ بعد إذنه لهم وأمره إياهم، ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله، وإذن فهم مملوكون لا يتكلمون إلاَّ من بعد إذنه، أفعالهم مقيدة بأمره فإذا أشرك بهم المشرك فدعاهم ورجاهم وتوكل عليهم واتخذهم له شفعاء من دون الله ظناً منه أنه إذا فعل ذلك واعتقد بهم ما هنالك تقدموا له وشفعوا عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب وما يجب له ويمتنع عليه، فإن هذا محال ممتنع تشبيه قياس الرب ﵎ على الملوك والكبراء حيث يتخذ الرجل من خواصهم أولياء هم من يشفع له عندهم في قضاء الحوائج. وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام واتحذ المشركون الشفيع والولي من دون الله، والفرق بينهما هو الفرق بين الخالق، والمخلوق، والرب والمربوب، والسيد المالك والعبد المملوك، والغني بالذات الذي لا حاجة به إلى أحد قط والفقير بالذات المحتاج من كل

стр. 268

وجه إلى غيره، فالشفعاء عند المخلوقين هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم وأعوانهم وأنصارهم الذين قيام أمر الملوك والأكابر بهم ولولاهم سبب، لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس فلحاجتهم إليهم احتاجوا إلى قبول شفاعتهم وإن لم يأذنوا فيها، ولم يعرضوا عن الشافع لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنتقص طاعتهم لهم ويذهبوا إلى غيرهم فلا يجدون بدّاً من قبول شفاعتهم على الكره والرضا، فأما الغني الذي غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وكل من في السموات والأرض عبد مقهور بقهره مصرفون بمشيئته لو أهلكهم جميعاً لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وألوهيته مثقال ذرة ولا أنقص ولا أكثر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ... الآية﴾ وقال سبحانه في أفضل آية في القرآن: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده، وان لا أحد يشفع عنده إلاَّ بإذنه، فإنه ليس له شريك بل مملوك محض. قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض فإنهم لإخبارهم من أحوال الناس ما لا يعرفه الملوك، والله سبحانه يعلم السر وأخفى، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يعلم السر وأخفى وهو السميع البصير، يسمع سبحانه ضجيج الأصوات باختلاف اللغات في تفننها وما تنطق به من الكلمات لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه إلحاح الملحين، بحلاف المخلوقين فإنهم قد لا يريدون نفع الرعية ولا الإحسان إليهم أول وهلة، ويتوقف ذلك على وجود محرك خارجي. فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظه أو من يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، أو ما لما يحصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير وأما لما يحصل له من الرغبة والرهبة من كلام المدل عليه، والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأسباب أن تكون بمشيئته تعالى فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو سبحانه الذي أجرى نفع العباد بعضهم على يد بعض فجعل هذا يحسن إلى هذا أو يدعو له أو يشفع فيه، وهو

стр. 269

الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي والشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه، أو من يرجوه الرب أو يخافه. ولهذا قال النبي ﷺ : "لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ارحمني ان شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له" بخلاف المخلوق فإنه يقبل شفاعة مملوكه لخوفه أن لا يعطيه أو أن يسعى في ضرره، وكذلك قبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة والى الولد حتى لو أعرض عنه ولده أو زوجته أو مملوكه لتضرر بذلك وشفاعة العباد بعضهم لبعض عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلاَّ لرغبة أو رهبة، وقبول الشفاعة من باب النفع للغير، والمخلوق لا ينفع غيرهم إلاَّ لما يحصل له من النفع إما من الله بالثواب، وإما من غيره بالمعاوضة، والله لا يرجو أحداً ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد، بل هو الغني سبحانه فبين سبحانه أن الشفاعة التي نفاها في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس بينهم ويفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة المتعاهدة عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلاَّ بعد إذنه وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه فإنه الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه ومرجوه ومخوفه ومتوكله ومدعوه الذي يتقرب إليه وحده ويطلب رضاه بإتباع رسله ويتباعد من سخطه هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع فيه قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ..﴾ إلى قوله ﴿.. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فهذا إنكار عليهم وتوبيخ لهم، أي أتخبرونه بأن لكم عنده شفعاء وهو لا يعلمها في السموات ولا في الأرض، ففيه تقريع وتهكم بهم لأن ما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات لا يكون له وجود ولا تحقيق وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ فبين سبحانه أن من اتبع من دون الله شركاء بشفاعتهم له عنده من دونه فليس معه إلاَّ ظن وخرص والظن المقرون بالحرص هو ظن باطل غير مطابق للحق، فإن الخرص هنا ضمن معنى الكذب لقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ومن ظن أن

стр. 270

ما هنا نافية فقد أبعد وفسر الآية بما هو خطأ، بل معناها استفهام إنكاري أي أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله، فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء مشركون وان الشفاعة لا تحصل باتخاذهم إياهم، وإنما تحصل بإذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له. (فالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ لأمته وعلمهم إياها فنحن إن شاء الله تعالى نعملها ونأمر بها) هل يوجد فيها شيء مما يعتمده أهل الشرك والبدع أم هي مضادة لما هم عليه من كل وجه، لكن ما أحسن قول مالك بن أنس رحمه الله تعالى: "لن يصلح هذه الأمة إلاَّ ما أصلح أولها" وكلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وجعلوه من الدين، ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ ، ثم أراد الدعاء استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو، ونص على ذلك الأئمة الأربعة ان الداعي يستقبل القبلة وقت الدعاء لأنه عبادة، كما جاء في الترمذي وغيره مرفوعاً إلى النبي ﷺ : "ان الدعاء هو العبادة" بل هو مخها. فجرد السلف هذه العبادة لله ولم يفعلوها عند القبور إلاَّ للأموات بعد السلام عليهم والاستغفار لهم لانقطاع عملهم، ولهذا شرع في الصلاة عليهم من الدعاء ما لم يشرع مثله للأحياء، قال عوف بن مالك صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه أكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار" حتى تمنيت أن كون أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ لذلك الميت رواه مسلم في صحيحه عنه وقال أبو هريرة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على الجنازة: "اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء له فاغفر له وارحمه" رواه الإمام أحمد وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" وقالت عائشة ﵂ وأنس عن النبي ﷺ : " ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يستغفرون له إلاَّ شفعوا فيه" رواه مسلم في صحيحه عنه وعن ابن عباس رضي الله

стр. 271

عنهما قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلاَّ شفعهم الله فيه" رواه مسلم فهذا مقصود الصلاة على الميت، وهو الدعاء له والاستغفار له، ومعلوم أنه في قبره أشد حاجة منه وهو على نعشه، فإنه حينئذ معرض للسؤال وغيره، وقد كان ﷺ يقف على القبر بعد الدفن فيقول: "اسئلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" فعلم بهذا أن الميت أحوج إلى الدعاء بعد الدفن فإذا قام المسلمون على جنازته ودعوا له، لا دعوا به وشفعوا له لا استشفعوا به، فعند الدفن أولى وأحرى، فبدل أهل الشرك والبدع قولاً غير الذي قيل لهم بدلوا الدعاء له بدعائه، والاستغفار له باستغفاره، والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحساناً إلى الميت وإحساناً إلى الزائر وتذكيراً بالآخرة سؤال الميت نفسه، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في الصلاة والمساجد ووقت الأسحار.

стр. 272

الدعاء عند الموتى أو بهم ليس من الوسائل المشروعة (ومن المحال) أن يكون دعاء الموتى والدعاء بهم والدعاء عندهم وسيلة مشروعة وعملاً صالحاً مأموراً به، وتصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ ثم يرزقه الخلف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعاً وعشرين سنة حتى توفاه الله إليه واختار له ما لديه، وهذه سنة الخلفاء الراشدين المهديين وهذه طريقتهم وجميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، هل يمكن بشراً على وجه الأرض أن يأتي عن أحدهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلاً أن يصلوا عندها أو يسألوها حوائجهم، أو يسألوا الله بأصحابها، فليوقفنا على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم من المتبعين أهواءهم بكثير من المختلقات والحكايات المخترعات والكذبات والتمويهات، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك

стр. 273

أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات زور وبهتان ليس فيها عن رسول الله ﷺ ، ولا عن خلفائه الراشدين المهديين، ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين لهم بإحسان حرف واحد من ذلك بلى فيها ضد الإسلام وخلافه شيء كثير كما تقدم من قولهم إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور وقولهم لو حسن أحدكم ظنه بحجر نفعه وأمثال ما هو منافض لما بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب. (وأما زيارة قبر نبينا محمد) ﷺ أو سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال العلماء لا يثبت قبر معروف لنبي إلاَّ نبينا محمد ﷺ وغير إنما هي ظنون لا يمكن تعيينه في مكان معلوم وان علمت البقعة المدفون فيها كما صح عنه ﷺ أنه أخبر بقبر موسى عند الكثيب الأحمر عن القدس رمية حجر، قال: " فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" رواه البخاري، وإلا قبري صاحبيه ﵄. وزيارة قبره الشريف فيها تفصيل لائق ينبغي طلبه، قد فصلها الصحابة، والتابعون، والأئمة المجتهدون، وقسموها إلى قسمين مشروع وغير مشروع. فأما المشروع منها فهو ما قاله الإمام مالك، وأحمد بن حنبل والشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهم من المجتهدين كلهم قالوا ان من كان حاضراً في المدينة فيشرع في حقه أن يأتي إلى القبر فيصلي ويسلم على النبي ﷺ ، وعلى صاحبيه رضوان الله عليهما قالوا ولا يكثر من المجيء عليه ولا يكرره في اليوم مرات احتراماً له، ولأنه لم يفعله الصحابة ولا التابعون، وان من قدم من سفر أو خرج إليه فيقف على قبر النبي ﷺ فيصلى ويسلم عليه، وعلى صاحبيه بعد أن يصلي لله في المسجد ركعتين. وروى ابن بطة في الإبانة بإسناد صحيح عن معاذ بن معاذ قال حدثنا ابن عوف قال سأل رجل نافعاً فقال هل كان ابن عمر يسلم على القبر فقال نعم لقد رأيته مائة مرة أو أكثر منها كان يأتي إلى القبر فيقوم عنده فيقول السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبي. وفي رواية أخرى ذكرها الإمام أحمد محتجاً بها ثم ينصرف، وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ وكره غيره من العلماء أن كقول زرنا قبر النبي ﷺ . وذكر

стр. 274

بعضهم أنه علله بلعنه زوارات القبور. قال القاضي عياض والأولى أن يقال إنما كرهه مالك لإضافة الزيارة إلى قبر النبي ﷺ لو قال زرنا النبي لم يكره لقوله: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فلا تضاف الزيارة إلى القبر للتشبه بأولئك، واتفقوا على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل القبر وإنما يستقبل القبلة، وتنازعوا في الاستقبال عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهم يستقبل قبره ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وبعضهم يعزوه إليه. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى بل يستقبل القبلة ويسلم عليه هكذا في كتب أصحابه عنه، وقال مالك فيما ذكر إسماعيل بن اسحق في المبسوط، والقاضي عياض في الشفاء والمشارق وغيرهما من أصحاب مالك، وعنه لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويدعو ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضاً في المبسوط عن مالك لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف على قبر النبي ﷺ ويسلم عليه ويدعو له ولأبي بكر، فقيل له ان أناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه إلاَّ وهم يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر يأتون عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا لا من الصحابة ولا غيرهم، ولا يصلح هذه الأمة إلاَّ ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه أمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكررون المجيء إلى القبر، بل كانوا يكرهونه إلاَّ لمن جاء من سفر أو أراده، ولا يختلف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه عنه أن المسلم لا يستقل القبر عند الدعاء، وقد نص أنه لا يقف عند الدعاء مطلقاً ذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر ويسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة ويوالي القبر ظهره وقيل لا يوليه ظهره فاتفقوا في استقبال القبلة وقت الدعاء، وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت دعائه للنبي ﷺ . وسبب هذا التنازع والله أعلم أن مالكاً ﵀ سئل عن استقبال القبر عند السلام على النبي ﷺ والدعاء له فاختلفت الرواية عنه في ذلك هل هو وفت السلام عليه والدعاء له يستقبل القبر أو يليه ظهره. وإنما اختلفت الرواية عنه لأن السلام على النبي ﷺ يسمى دعاء. ولهذا ذهب أبو حنيفة، ومن وافقه من فقهاء العراق إلى أن المسلم يستقبل القبلة. والصحيح المشهور عن مالك استقبال القبر في هذه الحال كما تقدم، وكما قال في رواية ابن وهب عنه إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 275

يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ويدعو ولا يمس القبر بيده. وما ذكره القاضي عياض عن محمد بن حميد قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك لي هذا المسجد فإن الله أدب قوماً فقال ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي﴾ الآية، ومدح قوماً فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وذم قوماً فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ الآية، وان حرمته ميتاً كحرمته حياً فاستكان لها أبو جعفر وقال مالك يا أبا عبد الله استقبل القبلة وادعوا ثم لم يستقبل رسول الله بعد فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة بل استقبل واستشفع به فيشفعه الله قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... ﴾ الآية. فهذا ضعيف لا يصح عنه فإنه من أشد الناس إنكاراً على من يأتي إلى القبر ليدعو عنده أو يستشفع به، فان ثبت فلا بد أن يحمل على مذهبه وعدم المخالفة له فقد تقدم قوله ان المسلم يدنو من القبر ويصلي ويسلم ويدعو له، ومعلوم أن الصلاة عليه، والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال في الحديث الصحيح عنه ﵇: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلاَّ لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" فقول مالك ان ثبت معناه أنك إذا استقبلته وصليت وسلمت عليه وسألت الله له الوسيلة يشفع فيك يوم القيامة فان الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته، واستشفاع العبد به في الدنيا إنما هو فعل ما هو سبب لحصول شفاعته له يوم القيامة، كإتباعه فيما جاء به وسؤال الله له الوسيلة والصلاة والسلام عليه ونحو ذلك مما أمر النبي ﷺ بفعله لا فعل ما ليس من شرعه مما نهى هو وأصحابه عنه. وكذلك ما نقل عن مالك في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدعو ويسلم مني الدعاء للنبي ﷺ وصاحبيه كما تقدم موضحاً عنه. فهذا هو الدعاء المشروع هناك، كالدعاء عند زيارة قبور صائر المؤمنين وهو الدعاء لهم، فإنه ﷺ أحق الناس بأن يصلي ويسلم عليه ويدعى له. وبهذا يتفق قول مالك ويفرق بين الدعاء الذي أحبه والدعاء الذي كرهه

стр. 276

وذكر أنه بدعة. ونقل تلاوة هذه الآية عن مالك باطل وان ثبت أصل ما نقله عياض تقديراً فإن كلام مالك المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا ولم يذكره أحد من الأئمة الأربعة فيما فعله ولا ذكر أحد منهم أن النبي ﷺ يسأل بعد الموت لا استغفاراً ولا غيره، وإنما يعرف مثل هذا فيما ذكره طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﷺ وتلا هذه الآية وأنشد بيتين: أبيات الأعرابي عند المرقد النبوي يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم وقد ذكر ذلك صاحب المواهب اللدنية أيضاً. ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء استغفار الله في حضرة القبر وتلاوة هذه الآية عنده محتجين بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لاسيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً لكان أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون أعلم به وأولى بالعمل من غيرهم، فان العبادات مبناها التوقيف، ولاسيما إذا نسب أمر إلى هديه وشرعه وسنته، والعقل لا مدخل لاستحسانه واستقباحه في الدين، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعاً مأموراً به، فقد كان رسول الله ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلاً، وتكون المسألة محرمة في حق السائل، حتى قال ﷺ : "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها ناراً" قالوا: يا رسول الله فلم تعطهم قال: "يأبون إلاَّ أن يسألوا ويأبى الله لي البخل" ومعلوم أن مالكاً من أعلم الناس بمثل هذه الأمور فإنه مقيم بالمدينة يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم ويسمع ما ينقلونه عن الصحابة، وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف على القبر للدعاء ويوبخ فاعله، ويذكر أنه لم يفعله السلف فكيف ينهى عن

стр. 277

ذلك ثم كأمر به، وهذا أمر توقيف لا اجتهاد فيه، وقد أجدب الناس على عهد عمر ابن الخطاب ﵁ فاستسقى بالعباس، ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك "أن عمر ﵄ استسقى بالعباس وقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته فهم يتوسلون بدعائه لهم فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأموم من غير أن يقسموا على الله بمخلوق، ولا كانوا يأتون القبر فيدعون عنده بل كانوا يستسقون بأهل الصلاح الأحياء، لأن المقصود دعاؤهم لا ذاتهم، وإذا كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل. ولهذا حكى البخاري رحمه الله تعالى عن ابن عمر ﵄ أنه قال ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول ﷺ فيستسقي على المنبر فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: وأبيض يستقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل إذا علم ذلك فإن السلام على النبي ﷺ يحتاج إلى حضور قلب وأدب، ومنه وقوفه عن القبر مقدار أربعة أذرع والصحيح قبالة وجهه ﷺ مستدبر القبلة مطرقاً رأسه غاض البصر كأنه يرى النبي ﷺ فيسلم عليه. ويقول السلام عليك يا رسول الله، كان ابن عمر لا يزيد على ذلك. وكان بعض الصحابة يزيد النطق بالشهادتين والصلاة عليه ويقول أشهد أنك بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين فصلى الله عليك كثيراً كما يحب ربنا ويرضى، وان قال اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته فحسن، ثم إذا فرغ يتقدم قليلاً من مقام سلامه نحو ذراع عن يمينه ويقول السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ﷺ وخليفتيه وضجيعيه، اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيراً سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. ثم ينصرف مستقبل القبلة. (وإما غير المشروع) فهو قصده للدعاء واتخاذه عيداً بالاجتماع عنده والسفر

стр. 278

إليه لما في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن أنه ﷺ نهى أن يتخذ قبره مسجداً وقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" بعد قوله: " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" فإنه ﷺ لم ينه عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة بأهلها بل لما يخاف على القاصدين لها من الفتنة بدعائها أو الدعاء عندها. فإن أصل عبادة الأوثان بذلك سببها انخاذ المساجد على القبور وقصدها لدعائها والدعاء عندها كما تقدم بيان ذلك. فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف به الافتتان لما نهى الناس عن ذلك ولهذا لم يقصد القبر للدعاء عنده أحد من الصحابة مع شدة احتياجهم واضطرارهم بكثير الأمور والنوائب المدلهمة التي قرعتهم ولا أيضاً التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولو ذكره أحد من العلماء الصالحين المتقدمين بل كلهم كانوا ينهون عن ذلك، وقد قال الشافعي في الأمم أكره تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها ومراده بتعظيمها الصلاة بحضرتها والدعاء عندها فضلاً عن السجود لها أو دعائها، وما يحكى عنه أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة فهو كذب ظاهر لأن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن بها قبر ينتاب للدعاء عنده البتة ولم يكن هذا عل عهده معروفاً، وقد رأى بالحجاز واليمن والشام من قبور الأنبياء والتابعين من كان عنده أفضل من أبي حنيفة فما باله لم يتوخ الدعاء إلاَّ عنده. وقد قال في كتابه ما هو ثابت عنه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها وإنما يضع هذه الحكاية وأمثالها من قل علمه ودينه ممن لا خلاق له.

стр. 279

مسألة شد الرحال إلى زيارة القبور ... مسئلة شد الرحال إلى زيارة القبور (وأما النهي) عن اتخاذه عيداً بالاجتماع عنده والسفر إليه فلما روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم" وهذا إسناده حسن ورواته كلهم ثقات مشاهير وقال أبو يعلى الموصلي في مسنده إلى أن ساق سند الحديث عن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه علي بن الحسين وقال ألا أحدثكم حديثاً سمعته

стр. 280

من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً فإن تسليمكم يصلني أينما كنتم" رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته وعند سعيد بن منصور في السنن عن أبي سعيد مولى المهدي قال قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا بيتي عيداً ولا بيوتكم قبوراً، صلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وقال سعيد عن أبي سهيل قال لما رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال هلم إلى العشاء فقلت لا أريده. فقال مالي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي ﷺ فقال إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال ان رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، صلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم ما أنتم ومن بالأندلس إلاَّ سواء" فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدور على ثبوت الحديث لاسيما وقد احتج به من أرسله، ولو لم يكن روى من وجوه مسندة غير هذين لكفى فكيف وقد تقدم مسنداً. وقبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيداً فقبر غيره أولى بالنهي كائناً من كان. ثم إنه أعقب النهي بقوله: "وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم" وفي الحديث الآخر "فان تسليمكم يبلغني أيما كنتم" يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً. والأحاديث عنه بان صلاتنا وسلامنا يعرض عليه كثيرة: (منها) ما روى أبو داود في سننه من حدث أبي صخر حميد بن زياد عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يسلم علي إلاَّ رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" وهذا الحدث على شرط مسلم. (ومنها) ما روى أبو داود أيضاً عن أوس بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال: "إن الله حرم

стр. 281

على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء". ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵁ نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ ، واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من غيرهم، فتبين بهذا أن قصده للدعاء ونحوه هو اتخاذه عيداً وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عنده غير دخول المسجد والصلاة فيه ورأى أن قصده ذلك من اتخاذه عيداً. فقوله ﷺ : "لا تجعلوا قبري عيداً" مأخوذ من المعاودة والاعتياد. ومنه ما هو اسم للزمان كقوله ﷺ : "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام" رواه أبو داود وغيره. ومنه ما هو اسم للمكان كما روى أبو داود في سننه: "إن رجلاً قال يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة فقال أبها وثن من أوثان المشركين أو عيد من أعيادهم قال لا قال: أوف بنذرك" وإذا كان اسماً للمكان، فهو الذي يقصد للاجتماع فيه وإتيانه للعبادة أو لغيرهما كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر كلها جعلها الله أعياداً للحنفاء مثابة للناس كما جعل أيام التعبد فيها عيداً وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد النحر وعيد النحر وأيام منى كما عوضهم عن أعباد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام وعرفة ومنى والمشاعر، فاتخاذ القبور عيداً هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام، فلذلك نهى رسول الله ﷺ عن قصد قبره من بعيد أو للدعاء عنده أو للاجتماع لديه، فإنه بذلك يكون عيداً، وحينئذ فقصد القبر مجردة من الأمصار في وقت معين أو في غير وقت معين هو الذي نهى عنه السلف الصالح لنهي النبي ﷺ عنه في قوله لا تتخذوا قبري عيداً. ولما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وسعيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" وقد روي هذا من وجوه أخر وهو حديث ثابت عن النبي ﷺ باتفاق أهل العلم يتلقى بالقبول عنه، فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء والذكر وقراءة القرآن والاعتكاف هو من الأعمال الصالحة، وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده

стр. 282

من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحال إليه من بعيد. فإن في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال كان النبي يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً. وكان ابن عمر يفعله. وفي لفظ مسلم فيصلي فيه ركعتين وذكره البخاري بغير إسناد. وذلك أن الله نهى نبيه ﷺ عن القيام في مسجد الضرار، وأمره بالقيام في المسجد الذي أسس على التقوى، ومسجده أعظم في تأسيسه على التقوى من مسجد قباء، كما ثبت في الصحيحين عنه أنه سأل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال مسجدي هذا، فكلا المسجد أسس على التقوى، ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي مسجد قباء يوم السبت. فإذا كان السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ممتنع شرعاً مع أن قصده لأهل مصر يجب تارة ويستحب أخرى وقد جاء في قصد المساجد ما لا يحصى من الفضل، فالسفر إلى مجرد القبور أولى بالمنع ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة فإن هذا من التشبه بأهل الكتاب المتخذين قبور أنبيائهم مساجد وأعيدة، الذي أخبرنا النبي ﷺ أنه كائن في هذه الأمة لا محالة. وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها وإلا فلو لم يقم عندها هذا الاعتقاد بالقلوب لا نمحى ذلك كله. وإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد كان حراماً كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق فتحاً لباب الشرك وإغلاقاً لباب الخير والإيمان. وقد آل الأمر إلى قصد مجرد القبر واتخاذه عيداً ومجمعاً للنساء مع الرجال حتى ترتفع الأصوات عنده ويكثر الضجيج أضعافاً مضاعفة على تلبية الحجيج كل يسأل حاجته وتفريج كربته وهم يعتقدون أن زيارته يحصل بها الغفران والنجاة من النيران وأنها تجب ما قبلها من الآثام، ألا ترى أن أكثر الفجرة الساكنين بمكة المشرفة وجدة طول أيام السنة لا يتركون ذنباً موبقاً إلاَّ ارتكبوه، ولا إثماً كبيراً إلاَّ اكتسبوه فإذا جاء شهر رجب أخذ على ذمته المعسر منهم واستدان وذهب إلى القبر يسأل المغفرة من خاتم الرسل وأفضل ولد عدنان فأخذوا بالهتف بذكره وبكنيته قائلين جئنا إليك قاصدين تائبين لا تردنا أبا إبراهيم، منذ يفارقون بلادهم إلاَّ أن يرجعوا يسألونه المغفرة، قضاء الديون وتفرج الكروب فإذا رجعوا خائبين اعتقدوا أنهم خرجوا من آثامهم كيوم ولدتهم أمهاتهم مسرورين، فعادوا على ما كانوا عليه من الباطل والطغيان، ويقولون هم متوكلون على سيد ولد عدنان، ولا نعني العوام بل هم ذو

стр. 283

العقائد من أهل العلم غير التام، فهذا السفر إليه وقصده لفعل العبادة عنده من الدعاء والصلاة لا ريب في حرمته والإثم فيه عند أهل العلم لا يتخلف عنه متقدمهم ولا متأخرهم للعنه ﷺ المتخذين قبور أنبيائهم مساجد، واللعنة في كلام الله ورسوله لا تجامع إلاَّ الحرام والإثم لا مجرد الكراهة، ولقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ولأن المسافرين إليه والقاصدينه بعضهم يسميه الحج إلى القبر لحصول المغفرة بذلك. وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي ومن وافقه من متأخري الفقهاء فرادهم السفر المجرد لزيارة القبر لا لقصد فعل العبادة من الصلاة والدعاء عنده، قالوا والحديث مبني على عدم تناوله النهي لزيارته إذا لم يتخذ عيداً ولم يحصل المحظور الذي نهى عنه كما لم يتناول إلى عن السفر إلى الأمكنة التي فيها الولدان والعلماء والمشايخ والأخوان أو بعض المقاصد من الأمور الدينية المباحة. وصدر صالح سلف الأمة وخيارها جعلوا قوله ﵇ لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني صريحاً في النهي مطلقاً عن قصده من بعد لأن الاجتماع عنده لازم له، وذلك هو المنهي عنه وأيضاً نهيه ﵇ عن شد الرحال إلى مسجد من المساجد غير الثلاثة مع فضل العبادة الحاصلة في المساجد من صلاة وقراءة واعتكاف، ووجوب قصده تارة على أهل عصره واستحبابه أخرى شامل للنهي عن شد الرحال إلى مجرد زيارة القبور بالأولى إذ ليست زيارتها أفضل عند الله من عبادته في خير بقاع الأرض، وقد نهى عن شد الرحال إليها، فهذه أولى بالنهي قالوا ومن اعتقد أن السفر إلى مجرد القبر أفضل من السفر إلى المسجد أو مثله فهو إما جاهل بشريعة الرسول وإما كافر به. وإذا وجد السفر المشروع إلى مسجد الرسول لفعل العبادة فيه دخلت الزيارة تبعاً فإنها غير مقصودة بشد الرحال إليها بل إلى المسجد نفسه وحينئذ فالزيارة شرعية مجمع على استحبابها بشرط عدم فعل المحظور عند القبر لا صلاة ولا دعاء وهو مستقبل القبر ولا يقصده له وان استقبل القبلة في حال الدعاء ومن لم يفرق بين السفر المشروع إلى مسجده ﷺ وزيارة قبره الداخلة تبعاً الشرعية المجمع على استحبابها، وبين السفر إلى غير قبره فهو إما جاهل بما جاء به الرسول ﷺ ، وإما كافر به، وإدلاء صاحب المقدمة واحتجاجه على سنية السفر وشد الرحال إلى مجرد زيارة القبر تارة وقرب وجوبه أخرى باطل من وجوه:

стр. 284

(أحدهما) أن هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة باتفاق غالب أهل العلم ولم يجعلها في درجة الضعيف إلاَّ القليل ولذلك تفرد بها الدار قطي عن بقية أهل السنن، والأئمة كلهم يرون بخلافه، ومروياته مقدوح فيها خصوصاً أحاديث زيارة القبر ومروياته فيها وهي أجل حديث روى في هذا الباب من حديث أبي بكر البزار ومحمد ابن عساكر. (الثاني) أنه لم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روي في ذلك شيء لأهل الصحيح ولا السنن ولا الأئمة المصنفين في المسانيد كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره المخالف لأهل الصحيح والتصحيح المميزين بين الحسن والضعيف والموضوع من أهل الترجيح، فالأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله من زارني وزار إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة، ومن زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن حج ولم يزرني فقد جفاني، ونحو هذه الأحاديث، كلها مكذوبة موضوعة باتفاق أهل المعرفة إنما رخص في زيارة القبور مطلقاً بعد أن نهى عنها بلا شد رحال وسفر إليها كما ثبت عنه في الصحيح. (الثالث) نهيه ﷺ عن اتخاذ قبره عيداً كما ثبت عنه من غير وجه رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، ورواه سعيد بن منصور في سننه من حديث أبي سعيد مولى المهرى، ورواه أيضاً سعيد من حديث الحسن ابن الحسن بن علي كرم الله وجوههم، فكيف يقول لا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، ثم يقول من حج ولم يزرني فقد جفاني، أو يقول من زار قبري وجبت له شفاعتي، أو يقول لا عذر لمن كانت له سعة من أمتي ولم يزرني، أو يقول من زارني في المدينة متعمداً كان في جواري يوم القيامة، أو نحراً من هذه المختلقات عليه، وليخش المدلي بهذه المختلقات صان الله نبيه ﷺ عنها أن يكون ممن قال ﷺ فيه "إن كذباً علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" الحديث. مخرج في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁، ولو قال رسول الله ﷺ ما نسبه إليه هؤلاء لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ويلعن فاعل

стр. 285

ذلك فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها فيكف بملازمتها والعكوف عندها وعليها وان يعتاد قصدها وإتيانها من بعيد وشد الرحال إليها، بل هذا أولى باللعنة وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثناً يعبد ثم يأمر بشد الرحال إليه وانه للدعاء عنده يقصد كيف يقول اعلم الخلق من الصحابة بذلك ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجداً، كيف يقول لا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي حيث ما كنتم، وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء المدعون ولم ينقلوا عنه ما نقله هؤلاء المختلقون. (الرابع) أنه ندب أمراً قد نهى عنه رسول الله ﷺ فجعله من سنته ودينه وأنه يتقرب بفعله، وأصل الضلال في الأرض إنما نشأ من اتخاذ دين لم يشرعه الله أو تحريم ما لم يحرمه الله، ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد والشافعي وغيرهما من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها ديناً ينتفعون بها في الأخرى أو في الدنيا والآخرة، وإلى عبادات ينتفعون بها في معايشهم، فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلاَّ ما شرعه الله ورسوله وان استحسنه العقل، إذ لا مدخل له في الدين، والأصل في العادات أن لا يحضر منها إلاَّ ما حضره الله ورسوله، فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله ويجعله من سنة رسول الله أو وحيه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن تبعه في ذلك ففد اتخذه شريكاً لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنة مجمع عليها بناء على أن الأمة قد أقرتها ولم تنكرها فهو مخطىء في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلاد المسلمين فكيف بعمل طوائف، فالعادات لا تصرف الأحاديث الواردة في النهي عن الحضرية فإن غالب العاملين بالعادات البدعية هم الملوك وأشباههم ممن سلفهم واتبعهم ولا حجة في فعلهم. (الخامس) زعمه أنا نكفر من يزور القبور وهذا منه بهتان علينا، وقول زور، فإنا نقول أصل زيارة القبور مسنونة مندوبة أمر بها الشارع بعد أن نهى عنها
следующие страницы →