Полный текст (402 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء".
ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵁ نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ ، واستدل بالحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من غيرهم، فتبين بهذا أن قصده للدعاء ونحوه هو اتخاذه عيداً وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عنده غير دخول المسجد والصلاة فيه ورأى أن قصده ذلك من اتخاذه عيداً. فقوله ﷺ : "لا تجعلوا قبري عيداً" مأخوذ من المعاودة والاعتياد. ومنه ما هو اسم للزمان كقوله ﷺ : "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام" رواه أبو داود وغيره. ومنه ما هو اسم للمكان كما روى أبو داود في سننه: "إن رجلاً قال يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة فقال أبها وثن من أوثان المشركين أو عيد من أعيادهم قال لا قال: أوف بنذرك" وإذا كان اسماً للمكان، فهو الذي يقصد للاجتماع فيه وإتيانه للعبادة أو لغيرهما كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر كلها جعلها الله أعياداً للحنفاء مثابة للناس كما جعل أيام التعبد فيها عيداً وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد النحر وعيد النحر وأيام منى كما عوضهم عن أعباد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام وعرفة ومنى والمشاعر، فاتخاذ القبور عيداً هو من أعياد المشركين التي كانوا عليها قبل الإسلام، فلذلك نهى رسول الله ﷺ عن قصد قبره من بعيد أو للدعاء عنده أو للاجتماع لديه، فإنه بذلك يكون عيداً، وحينئذ فقصد القبر مجردة من الأمصار في وقت معين أو في غير وقت معين هو الذي نهى عنه السلف الصالح لنهي النبي ﷺ عنه في قوله لا تتخذوا قبري عيداً. ولما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وسعيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" وقد روي هذا من وجوه أخر وهو حديث ثابت عن النبي ﷺ باتفاق أهل العلم يتلقى بالقبول عنه، فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء والذكر وقراءة القرآن والاعتكاف هو من الأعمال الصالحة، وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده
стр. 282
من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحال إليه من بعيد. فإن في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال كان النبي يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً. وكان ابن عمر يفعله. وفي لفظ مسلم فيصلي فيه ركعتين وذكره البخاري بغير إسناد. وذلك أن الله نهى نبيه ﷺ عن القيام في مسجد الضرار، وأمره بالقيام في المسجد الذي أسس على التقوى، ومسجده أعظم في تأسيسه على التقوى من مسجد قباء، كما ثبت في الصحيحين عنه أنه سأل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال مسجدي هذا، فكلا المسجد أسس على التقوى، ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي مسجد قباء يوم السبت. فإذا كان السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ممتنع شرعاً مع أن قصده لأهل مصر يجب تارة ويستحب أخرى وقد جاء في قصد المساجد ما لا يحصى من الفضل، فالسفر إلى مجرد القبور أولى بالمنع ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة فإن هذا من التشبه بأهل الكتاب المتخذين قبور أنبيائهم مساجد وأعيدة، الذي أخبرنا النبي ﷺ أنه كائن في هذه الأمة لا محالة. وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها وإلا فلو لم يقم عندها هذا الاعتقاد بالقلوب لا نمحى ذلك كله. وإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد كان حراماً كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق فتحاً لباب الشرك وإغلاقاً لباب الخير والإيمان. وقد آل الأمر إلى قصد مجرد القبر واتخاذه عيداً ومجمعاً للنساء مع الرجال حتى ترتفع الأصوات عنده ويكثر الضجيج أضعافاً مضاعفة على تلبية الحجيج كل يسأل حاجته وتفريج كربته وهم يعتقدون أن زيارته يحصل بها الغفران والنجاة من النيران وأنها تجب ما قبلها من الآثام، ألا ترى أن أكثر الفجرة الساكنين بمكة المشرفة وجدة طول أيام السنة لا يتركون ذنباً موبقاً إلاَّ ارتكبوه، ولا إثماً كبيراً إلاَّ اكتسبوه فإذا جاء شهر رجب أخذ على ذمته المعسر منهم واستدان وذهب إلى القبر يسأل المغفرة من خاتم الرسل وأفضل ولد عدنان فأخذوا بالهتف بذكره وبكنيته قائلين جئنا إليك قاصدين تائبين لا تردنا أبا إبراهيم، منذ يفارقون بلادهم إلاَّ أن يرجعوا يسألونه المغفرة، قضاء الديون وتفرج الكروب فإذا رجعوا خائبين اعتقدوا أنهم خرجوا من آثامهم كيوم ولدتهم أمهاتهم مسرورين، فعادوا على ما كانوا عليه من الباطل والطغيان، ويقولون هم متوكلون على سيد ولد عدنان، ولا نعني العوام بل هم ذو
стр. 283
العقائد من أهل العلم غير التام، فهذا السفر إليه وقصده لفعل العبادة عنده من الدعاء والصلاة لا ريب في حرمته والإثم فيه عند أهل العلم لا يتخلف عنه متقدمهم ولا متأخرهم للعنه ﷺ المتخذين قبور أنبيائهم مساجد، واللعنة في كلام الله ورسوله لا تجامع إلاَّ الحرام والإثم لا مجرد الكراهة، ولقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ولأن المسافرين إليه والقاصدينه بعضهم يسميه الحج إلى القبر لحصول المغفرة بذلك. وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي ومن وافقه من متأخري الفقهاء فرادهم السفر المجرد لزيارة القبر لا لقصد فعل العبادة من الصلاة والدعاء عنده، قالوا والحديث مبني على عدم تناوله النهي لزيارته إذا لم يتخذ عيداً ولم يحصل المحظور الذي نهى عنه كما لم يتناول إلى عن السفر إلى الأمكنة التي فيها الولدان والعلماء والمشايخ والأخوان أو بعض المقاصد من الأمور الدينية المباحة. وصدر صالح سلف الأمة وخيارها جعلوا قوله ﵇ لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني صريحاً في النهي مطلقاً عن قصده من بعد لأن الاجتماع عنده لازم له، وذلك هو المنهي عنه وأيضاً نهيه ﵇ عن شد الرحال إلى مسجد من المساجد غير الثلاثة مع فضل العبادة الحاصلة في المساجد من صلاة وقراءة واعتكاف، ووجوب قصده تارة على أهل عصره واستحبابه أخرى شامل للنهي عن شد الرحال إلى مجرد زيارة القبور بالأولى إذ ليست زيارتها أفضل عند الله من عبادته في خير بقاع الأرض، وقد نهى عن شد الرحال إليها، فهذه أولى بالنهي قالوا ومن اعتقد أن السفر إلى مجرد القبر أفضل من السفر إلى المسجد أو مثله فهو إما جاهل بشريعة الرسول وإما كافر به. وإذا وجد السفر المشروع إلى مسجد الرسول لفعل العبادة فيه دخلت الزيارة تبعاً فإنها غير مقصودة بشد الرحال إليها بل إلى المسجد نفسه وحينئذ فالزيارة شرعية مجمع على استحبابها بشرط عدم فعل المحظور عند القبر لا صلاة ولا دعاء وهو مستقبل القبر ولا يقصده له وان استقبل القبلة في حال الدعاء ومن لم يفرق بين السفر المشروع إلى مسجده ﷺ وزيارة قبره الداخلة تبعاً الشرعية المجمع على استحبابها، وبين السفر إلى غير قبره فهو إما جاهل بما جاء به الرسول ﷺ ، وإما كافر به، وإدلاء صاحب المقدمة واحتجاجه على سنية السفر وشد الرحال إلى مجرد زيارة القبر تارة وقرب وجوبه أخرى باطل من وجوه:
стр. 284
(أحدهما) أن هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة باتفاق غالب أهل العلم ولم يجعلها في درجة الضعيف إلاَّ القليل ولذلك تفرد بها الدار قطي عن بقية أهل السنن، والأئمة كلهم يرون بخلافه، ومروياته مقدوح فيها خصوصاً أحاديث زيارة القبر ومروياته فيها وهي أجل حديث روى في هذا الباب من حديث أبي بكر البزار ومحمد ابن عساكر.
(الثاني) أنه لم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روي في ذلك شيء لأهل الصحيح ولا السنن ولا الأئمة المصنفين في المسانيد كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره المخالف لأهل الصحيح والتصحيح المميزين بين الحسن والضعيف والموضوع من أهل الترجيح، فالأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله من زارني وزار إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة، ومن زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن حج ولم يزرني فقد جفاني، ونحو هذه الأحاديث، كلها مكذوبة موضوعة باتفاق أهل المعرفة إنما رخص في زيارة القبور مطلقاً بعد أن نهى عنها بلا شد رحال وسفر إليها كما ثبت عنه في الصحيح.
(الثالث) نهيه ﷺ عن اتخاذ قبره عيداً كما ثبت عنه من غير وجه رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، ورواه سعيد بن منصور في سننه من حديث أبي سعيد مولى المهرى، ورواه أيضاً سعيد من حديث الحسن ابن الحسن بن علي كرم الله وجوههم، فكيف يقول لا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، ثم يقول من حج ولم يزرني فقد جفاني، أو يقول من زار قبري وجبت له شفاعتي، أو يقول لا عذر لمن كانت له سعة من أمتي ولم يزرني، أو يقول من زارني في المدينة متعمداً كان في جواري يوم القيامة، أو نحراً من هذه المختلقات عليه، وليخش المدلي بهذه المختلقات صان الله نبيه ﷺ عنها أن يكون ممن قال ﷺ فيه "إن كذباً علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" الحديث. مخرج في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁، ولو قال رسول الله ﷺ ما نسبه إليه هؤلاء لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ويلعن فاعل
стр. 285
ذلك فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها فيكف بملازمتها والعكوف عندها وعليها وان يعتاد قصدها وإتيانها من بعيد وشد الرحال إليها، بل هذا أولى باللعنة وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثناً يعبد ثم يأمر بشد الرحال إليه وانه للدعاء عنده يقصد كيف يقول اعلم الخلق من الصحابة بذلك ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجداً، كيف يقول لا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي حيث ما كنتم، وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء المدعون ولم ينقلوا عنه ما نقله هؤلاء المختلقون.
(الرابع) أنه ندب أمراً قد نهى عنه رسول الله ﷺ فجعله من سنته ودينه وأنه يتقرب بفعله، وأصل الضلال في الأرض إنما نشأ من اتخاذ دين لم يشرعه الله أو تحريم ما لم يحرمه الله، ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد والشافعي وغيرهما من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها ديناً ينتفعون بها في الأخرى أو في الدنيا والآخرة، وإلى عبادات ينتفعون بها في معايشهم، فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلاَّ ما شرعه الله ورسوله وان استحسنه العقل، إذ لا مدخل له في الدين، والأصل في العادات أن لا يحضر منها إلاَّ ما حضره الله ورسوله، فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله ويجعله من سنة رسول الله أو وحيه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن تبعه في ذلك ففد اتخذه شريكاً لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنة مجمع عليها بناء على أن الأمة قد أقرتها ولم تنكرها فهو مخطىء في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلاد المسلمين فكيف بعمل طوائف، فالعادات لا تصرف الأحاديث الواردة في النهي عن الحضرية فإن غالب العاملين بالعادات البدعية هم الملوك وأشباههم ممن سلفهم واتبعهم ولا حجة في فعلهم.
(الخامس) زعمه أنا نكفر من يزور القبور وهذا منه بهتان علينا، وقول زور، فإنا نقول أصل زيارة القبور مسنونة مندوبة أمر بها الشارع بعد أن نهى عنها
стр. 286
والترغيب في زيارتها لتذكار الآخرة والإحسان إلى الميت بزيارته والدعاء والاستغفار له لكن بلا شد رحل إليه، ونحن إذا نهينا عن شد الرحال كما نهى رسول الله ﷺ وأصحابه والأئمة من بعدهم، لا يلزم من نهينا تكفير مرتكب المنهي عنه إذا لم يصدر منه ما يوجب كفره من الشرك الأكبر غير المغفور كدعاء الميت بما لا يقدر عليه إلاَّ الله من سلامة وعافية وتفريج كربة، وكشف شدة وسؤال مغفرة، أو ليكون له واسطة ووسيلة في قضاء حوائجه وليشفع له في ذلك فهو متوكل عليه فيه تقدم بيانه موضحاً، وأما قصد الدعاء عند قبر النبي ﷺ أو غيره لنفس ذلك الداعي لا له وللميت فهو حرام ولا كفر حيث لم يدع الميت نفسه، وإنما حرم لقصد البقعة للدعاء فنحن نعمل ونأمر بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ لأمته وعلَّمهم إياها ونجتنب وننهى عن الزيارة التي نهى عنها أمته وأخبر أنها فعل المشركين.
(السادس) ان متأخري الفقهاء القائلين بزيارة القبور من الشافعية وغيرهم حتى ابن حجر الهيثمي صرح في الإمداد الذي شرح به الإرشاد، كلهم قالوا ينوي الزائر مع زيارته التقرب بالسفر إلى مسجده ﷺ وشد الرحل إليه والصلاة فيه لتكون زيارة القبر تابعة، ويكثر في طريقه من الصلاة والتسليم عليه، ومضمون كلام صاحب المقدمة معاكس لهم لجعله زيارة القبر هي الأصل استحباباً أو قرباً من الواجب رأساً وزيارة المسجد تابعة، وصريح الأحاديث المتقدمة وكلام الأئمة راد عليه في ذلك إذ هم القائلون من اعتقد أن السفر إلى مجرد القبر أفضل من السفر إلى المسجد أو مثله فهو إما جاهل بشريعة الرسول وإما كافر بها، وممن صرح بذلك أيضاً الإمام الشافعي كغيره من السلف الصالح.
(السابع) أنه لم يفرق بين الزيارتين، ولم يميز بين الجنسين، وفي الحضرية والمشروعية، بل هما عنده شيء واحد، ولذلك نسبنا إلى تكفيره فاعل المحظور منهما مع أنا نفصل بين ما فيه مجرد الإثم والحرمة، وبين ما هو نفسه كفر حقيقي لا يحتمل الأول وبين ما هو من الدين قد شرعه رسول رب العالمين والله أعلم.
стр. 287
حكم المتهاون بصلاته
وأما اعتراضكم على الشيخ بقولكم: (وأما قوله وليعلم المتهاون بصلاته المستخف المسابق الإمام فيها أنه لا صلاة له وأنه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه أخذا هذا القول من تشبيهه ﷺ الدين بالخيمة. والصلاة بعمود تلك الخيمة. وقوله أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط ولم ينتفع بالطنب ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنب والأوتاد، فكذلك الصلاة من الإسلام. فنقول لا نسلم ان سبق الإمام يبطل صلاته، نعم يكره ذلك الفعل منه بل ان ترك الموحد الصلاة رأساً مع اعتقاد فرضيتها لا يكفر كفراً اعتقادياً. نعم عند الشافعي يقتل أحداً لا كفراً فكيف يحكم بسبب المسابقة بخروجه من الدين، ولا يلزم من التشبيه الذي بالحديث المذكور ذلك إذ لا يلزم من تشبيه شيء بشيء مشاركته من جميع الوجوه. مثلاً لا يلزم من تشبيه زيد بالأسد في الشجاعة أن يقال الناس كالأسد، نعم الصلاة أم العبادات ومعراج المؤمنين ومناجاة رب العالمين وفرضها أفضل الفرائض ونفلها أفضل النوافل كما هو مفصل في كتب التفسير والحديث والفقه) .
فنقول هذا الاعتراض شاهد على المعترض به أنه ليس له إطلاع على كلام الأئمة الإعلام ولا احاطة بمعاني الأحاديث النبوية الكرام، وإنما يقول من عندياته، ويستدل بظاهر ما خلف من مصنفاته غير محررات تناقضها نصوص كلام إمامه ومروياته وذلك من وجوه.
(أحدها) أن هذا كلام للإمام أحمد بن حنبل الشيباني لا لمحمد بن عبد الوهاب، بل قاله الإمام أحمد في رسالة له عدة ورقات كتبها في أحكام الصلاة والتهاون بها وما بلغه عنها وكان سبب كتابتها على ما ذكره أنه صلى في جماعة ورآهم أو أكثرهم يسابقون الإمام بالأركان الفعلية، فكتبها نصيحة لهم ولغيرهم ان صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه وتابع له في أفعاله لا يتقدم بها عليه لقول النبي ﷺ : "إنما جعل
стр. 288
الإمام ليؤتم به" ولقوله أيضاً: " أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار" وهذان الحديثان في البخاري ومسلم، ومعلوم أن المسابق لإمامه متهاون بصلاته مستخف بها، ووجود هذين الوصفين أو أحدهما لا يجامع الصحة وإذا بطلت فخطرها عظيم، ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته وليعلم المتهاون بصلاته المستخف بها المسابق للإمام فيها أنه لا صلاة له، فإذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه، فعظموا الصلاة وتمسكوا بها واتقوا الله فيها خاصة وفي أموركم عامة، واعلموا أن الله قد عظم حق الصلاة في القرآن وعظم أمرها وشرفها وشرف أهلها وخصها بالذكر من بين الطاعات كلها في مواضع كثيرة من القرآن وأوصى بها خاصة فمن ذلك أنه تعالى ذكر أعمال البر التي أوجب لأهلها الخلود في الفردوس فافتتح تلك الأعمال بالصلاة وختمها بالصلاة وجعل تلك الأعمال التي جعل لأهلها الفردوس بين ذكر الصلاة مرتين قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فبدأ من صفتهم بالصلاة عند مدحه إياهم ثم وصفهم بالأعمال الظاهرة الزكية المرضية إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فأوجب الله لأهل هذه الأعمال الشريفة الزكية المرضية الخلود في الفردوس وجعل هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين ثم عاب الله الناس كلهم وذمهم ونسبهم إلى اللوم والهلع والجزع والمنع للخير إلاَّ أهل الصلاة فإنه استثناهم منهم فقال: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ ثم استثنى المصلين فقال: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ثم وصفهم بالأعمال الزكية الطاهرة المرضية الشريفة إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ ثم ختم ثناءه عليهم ومدحه إياهم بأن ذكرهم بمحافظتهم على الصلاة فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ فأوجب لأهل هذه الأعمال الكرامة في الجنة وافتتح ذكر هذه الأعمال المرتب على وجودها الكرامة بالصلاة وجعل ذكر هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين ثم ندب إلى الطاعات كلها، والصلاة هي أكبر الطاعات فقال عز من قائل: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وفي تلاوة الكتاب
стр. 289
جميع الطاعات كلها واجتناب جميع المنهيات فخص الصلاة بالذكر فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ أي والصلاة خاصة وقد ندب أنبياءه عليها فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ فأمر الله نبيه أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها ثم أمر الله المؤمنين بالاستعانة على طاعته بالصبر، ثم خص الصلاة بالذكر من بين الطاعات فقرنها مع الصبر بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وكذلك أمر الله بني إسرائيل بالاستعانة في الصبر على جميع الطاعات ثم أفرد الصلاة من بين سائر الطاعات فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ ومثل ذلك ما أخبر الله من حكمه ووصيته خليله إبراهيم ولوطاً وإسحق ويعقوب فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاة﴾ فأفردها بالذكر وأوصاهم بفعل الخيرات عامة وفعل الصلاة خاصة ومثل ذلك ما أخبر عن إسماعيل في قوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ فبدأ بالصلاة، ومثله عن موسى ﵇ في قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فأجمل الطاعات واجتناب المعاصي وأفرد الصلاة وأمر بها خاصة، ثم قال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ والتمسك بالكتاب لازمه فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المنهيات. ثم خص الصلاة بالذكر فقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ وأما تضييع الصلاة فهو تركها والتهاون بها واستخفافها وتعاطي ما يبطلها من فعل ما هو محظور فيها ككلام الناس بينهم وكثرة الحركات فيها عرفاً لغير حاجة قتال مباح أو نحوه، ومسابقة إمامه بأفعال الصلاة وعدم تعديل الأركان فيها بأن لم يطمئن طمأنينة وان قلت أو لم يقرأ فيها بأم القرآن فعن النبي ﷺ أنه قال: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" هذا الحديث رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ بلفظه وذكر الحديث بتمامه وعن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا صاحبه وهو إلى جانبه حتى نزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام" وهذا نهى عام فيشمل الأحوال كلها وعن النبي ﷺ أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وعن أبي هريرة قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 290
المسجد ودخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ثلاثاً فقال والذي بعثك بالحق لا أحسن غيره فعلمني فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" وعنه ﷺ أنه قال: " إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تخلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا" وقال ﷺ : " لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام" وعن البراء بن عازب قال كان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي ﷺ ساجداً ثم نقع سجوداً بعده وعنه ﷺ أنه قال: "إني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي يحذر مسابقته فيها" وعن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في الظهر في الأولتين بأم الكتاب وسورتين ويطول الأولى ويقصر الثانية ويسمع الآية أحياناً وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وروي أبو سعيد أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب" وعن عبادة بن الصامت قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج هي خداج" وما روي عن علي ﵁ أنه قال: اقرأ في الأولتين وسبح في الأخيرتين فيرويه الأعور. وقد قال الشعبي أنه كذاب وعمر وجابر يخالفانه إلى أن قال فالصلاة خطرها عظيم، وأمرها جسيم، وبالصلاة أمر الله ﵎ رسوله أول ما أوحى إليه بالصلاة قبل كل عمل، وقبل كل فريضة، وبالصلاة أوصى النبي ﷺ عند خروجه من الدنيا فقال: "الله الله في الصلاة وفيما ملكت إيمانكم" هذا في آخر وصيته إياهم، وجاء في الحديث أنها آخر وصية كل نبي لأمته وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا. وجاء في حديث آخر أنه كان يجذب نفسه وهو يقول: "الصلاة الصلاة أول فريضة فرضت عليكم هي آخر ما يذهب من الإسلام وهي أول ما يسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة وهي عمود الإسلام ليس بعد ذهابها دين ولا إسلام والله الله في أموركم عامة، وفي صلاتكم خاصة، فتمسكوا بها واحذروا تضييعها، والاستخفاف
стр. 291
بها، ومسابقة الإمام فيها، وخداع الشيطان لكم عنها، وإخراجه إياكم عن دينكم، فإنها آخر الدين، ومن ذهب آخر دينه فقد ذهب دينه كله فتمسكوا بآخر دينكم" وقال فيها كلاماً طويلاً أعرضنا عنه طلباً للاختصار.
стр. 292
المسابقة مع الإمام يبطل الصلاة وكلام الإمام أحد فيها
(الوجه الثاني) ان قوله لا نسلم أن سبق الإمام تبطل صلاته. وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى أن المسابق لإمامه بركن أو ركنين تجب عليه إعادة الصلاة لفسادها حيث لم توجد المشاركة مع الإمام أصلاً فيما سبقه فيه فإن سابقه إليه المشاركة مع الإمام فمكروه فالأولى للمأموم تخلفه عن إمامه يسيراً بحيث يتميز الإمام عن المأموم بأفعاله، واختلفت الرواية عنهما في مقارنة المأموم لإمامه في تكبيرة الإحرام أو ذكر غيرهما عوضها فعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، الأولى المقارنة له حيث بدأ بها الإمام أولاً مسارعة إلى الدخول فيها معه، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لابد أن يتميز بها الإمام عن المأموم ليكون تابعاً له فيكبر بعد تكبيرة الإمام والأصح أن الاختلاف في الجواز لا في الأفضلية ولو كبر قبله ناوياً الإقتداء به بطل الإقتداء وشروعه على الأصح عند الإمام وأبي يوسف ومحمد وعند أحمد والشافعي رحمهما الله تعالى لابد أن يفرغ الإمام من راء اكبر حتى يبدأ الإمام ويشرع بالهمزة من الله، فلو وافقه فيها فصلاته باطلة وحجتهما قوله ﵇: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد" أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس وظاهر كلامهم في المسابقة التفصيل بين المسابقة بالركن والمسابقة إليه لأن المؤتم تارة يسبق إمامه إلى الركن بأن يشرع في فعله قبل شروع الإمام فيه كأن يركع قبل ركوع إمامه، أو يرفع من ركوعه قبل رفع إمامه، أو يشرع في السجود قبل إمامه، أو يرفع منه قبله، وتارة بسبق إمامه بالركن، بأن يأتي به قبل إمامه كأن يركع ويرفع قبل إمامه، ولا يعد سابقاً بركن حتى يتخلص منه إلى غيره فلا يعد سابقاً بالركوع حتى يرفع ولا بالرفع حتى يهوي، وقيل حتى يعتدل، والأول هو الصحيح عند أحمد، وقد
стр. 293
يسبق إمامه بركنين فأكثر، وإذا سبقه بركن فتارة يكون ركوعاً، وتارة لا وإذا سبق بركنين، فتارة يكون أحدهما ركوعاً أو لا، إذا علم ذلك فحكم السبق إلى الركن عند الإمام أحمد والشافعي أنه يحرم ولا تبطل صلاته به ولو عالماً مسابقته الإمام عامداً أو هو جاهل الحكم وعليه أن يرجع ليأتي بذلك مع إمامه فإن لم يرجع حتى أدركه فيه الإمام فإن كان عالماً المسابقة عمداً بطلت صلاته عند أحمد في أصح الروايتين عنه ولا تبطل عند الشافعي في القول المشهور عنه، ومشى عليه أصحابه، وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته بل يعتد له بالذي سبقه إليه من ركوع وسجود ونحوهما من بقية الأركان، لأنه سبق يسير بعسر التحرز عنه، ولأنه اجتمع مع إمامه فيه فلم يخل ذلك بالإقتداء لعذر الجهل أو النسيان بالسبق اليسير، فإن كان عالماً بحكم البطلان فسبقه إليه عمداً ثم رفع منه وركع ثانياً بطلت صلاته لتعمد البطل بزيادة الركوعين.
وأما السبق بالركن فإن كان ركوعاً بطلت الصلاة في القول المشهور عن أحمد ومشى عليه أصحابه، حيث كان عالماً عامداً، وكذا إن كان غيره على ما في المغني والكافي، والمحرر، وغاية المطلب، والإنصاف، وشرح الوجيز، وغيرها. وما حكاه في الشرح وشرح الوجيز كالإنصاف والمحرر من الوجه بعدم البطل بالسبق بالركن حيث كان عمداً وقيده في المحرر ومن نحا نحوه بشرط كونه غير ركوع. فهذا قول مرجوح بل المذهب المعتمد بطل الصلاة بتعمد السبق بأي ركن مطلقاً ولاسيما مع قولهم بالبطل بالسبق إليه عمداً حتى أدركه إمامه فيه والسبق بالركن يستلزم السبق إليه وزيادة، وعدم العذر مفروض فما بقي لعدم البطل مسوغ وأما السبق بالركن جاهلاً أو ناسياً فإن كان غير ركوع واستمر على ذلك لم تبطل صلاته ولم تلغ ركعته بل يعتد له بذلك. قال ابن نصر الله في حاشية الكافي الصحيح لا تبطل صلاته ويعتد له بها وأما إن سبقه بركنين أو بركن الركوع خاصة، فإن كان عالماً عامداً بطلت صلاته وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلت تلك الركعة إن لم يأت بما سبقه به مع الإمام، وكذا ما زاد على الركنين بالأولى، وعند الشافعي إن كان عامداً بطلت وسهواً فلا ولا يعتد له بهذه الركعة، وكذا القول في التخلف عن الإمام بركن فأكثر فمن تخلف بركن فإن كان لعذر من نوم يسير لم ينقص الوضوء أو زحام أو غفلة أو عجلة الإمام ونحو ذلك من الأعذار لم تبطل، ومنها تتميم قراءة الفاتحة إن لم
стр. 294
يكن المأموم مسبوقاً بها عند الشافعي في أحد القولين الموجب فيه القراءة على المأموم وذلك ان تخلف بطء قراءته لا لوسوسة صرح به في عمدة المسالك، ومتى وجد العذر المشروع للتخلف فإنها لا تبطل صلاته، وعليه أن يأتي بما تخلف به عن إمامه فإن لم يمكنه الإتيان به أو تركه غير عالم عامد مع الإمكان لغت الركعة، وسواء في ذلك الركوع وغيره على الصحيح وإن كان التخلف بلا عذر بطلت صلاته بأي ركن من الأركان الفعلية التخلف بأكثر من ركن فإن كان بلا عذر بطلت الصلاة وإن كان لعذر فإن أتى بما تركه مع أمن فوت ركعة آتية ولحق إمامه صحت وإلا يأتي به أو خاف فوت آتية لغت الركعة المتروك منها وتابع إمامه والتي تليها عوضها وعند الشافعي لو تخلف بركن بلا عذر كره أو بركنين بطلت.
(وأما) التخلف عن ركن إمامه فإنه مشروع عند أحمد والشافعي لقول البراء بن عازب ﵁ كان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن منا أحد ظهره حتى يقع النبي ﷺ ساجداً، ثم نقع سجوداً بعده، وقول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أن المسابق لإمام بركن أو ركنين تجب عليه إعادة الصلاة، علله أصحابه بالإثم وكراهة التحريم قالوا وهذا الحكم في كل صلاة أديت مع كراهة التحريم كذا في ابن الهمام وإن أديت مع كراهة التنزيه فالإعادة مستحبة (فقول) صاحب المقدمة لا نسلم لا يخفى ما فيه لأنه وما حجته إلاَّ أنه لا يسلم من غير دليل عرضه ولا استدلال قصده، وأما ما يبطل الصلاة من عدم تعديل الأركان في مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فعنه في رواية الكرخي أن تعديل الأركان يعني طمأنينة الركوع والسجود والقيام بينهما والرفع بين السجدتين واجب يأثم بتركه فإن أخل به فعليه الإعادة وهذه الرواية عنه أصح من رواية الجرجاني لوجهين.
الأول منهما: أنها هي الموافقة للأئمة الثلاثة ولظاهر الأحاديث عن النبي ﷺ وكذا فعل أصحابه وتابعيهم.
والثاني: أن أكثر أصحابه على ذلك ما عدا محمداً ﵀ له رواية عنه حتى أبا يوسف رحمه الله تعالى فإن عنده تعديل الأركان وهو الطمأنينة في الركوع
стр. 295
والسجود، وتمام القيام بين الركوع والسجود، والجلوس بين السجدتين فرض تبطل الصلاة بتركه عنده، وعند أكثر أصحاب أبي حنيفة، وهو مذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ان تركه سهواً يلزمه سجود السهو وإن تركه عمداً يأثم وتجب عليه الإعادة إذ هذا الحكم في كل صلاة أديت مع الإثم وكراهة التحريم، وتستحب الإعادة مع كراهة التنزيه. قال في الظهيرية: وعن أصحابنا أنه يأثم بترك قومته، ورفع ظهره من الركوع، وشذ قوله في التتارخانية وشرح الطحاوي، ولو ترك القومة جازت صلاته ويكره أشد الكراهة. فقوله جازت قول مرجوح مخالف للأصل. ولذلك جمع بين القولين في الجواز والكراهة التي فيها الإثم وهي لا تجامع الأجزاء بل لا بد معها من الإعادة كما تقدم. وفي الحديث: "إن العبد إذا صلى الصلاة لوقتها وأداها بأركانها وشروطها صعدت إلى السماء ولها نور حتى تصل إلى الله فتشفع في صاحبها وتقول حفظك الله كما حفظتني وإن ضيعها ولم يتم ركوعها ولا سجودها صعدت ولها ظلمة حتى تنتهي إلى أبواب السماء فتغلق دونها ثم تلف كما يلف الثوب الخلق فتضرب وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني" وفي السنن عن النبي ﷺ : "أن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلاَّ ثلثها إلاَّ ربعها إلاَّ خمسها حتى قال إلاَّ عشرها" فالصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته عن الفحشاء والمنكر وإذا لم تنهه دل على تضييعه لحقوقها وإن كان مصلياً.
(الوجه الثالث) أن قوله بل أن ترك الموحد الصلاة رأساً مع اعتقاد فرضيتها لا يكفر وهذا خرق لاجماع أكابر بر الصحابة والتابعين، كما قال الحافظ عبد الحق الاشبيلي في كتابه في الصلاة: إن جملة الصحابة ومن بعدهم ﵃ يكفرون تارك الصلاة متعمداً ويحكمون عليه بالارتداد إذا خرج وقتها، منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة، وعلي بن أبي طالب، ولا يعلم عن صحابي خلافهم، قال ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، ومحمد بن إدريس الشافعي في الرواية الصحيحة المشهورة عن بعض أصحابه في الرجل الممتنع على حدته، واسحق بن راهويه، والإمام مالك في أحد الروايتين عنه، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتبية، وأيوب
стр. 296
السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب، قال يحيى بن معين قيل لعبد الله بن المبارك أن أناساً يقولون من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر بهما فهو مسلم مؤمن فقال عبد الله لا نقول نحن كما يقول هؤلاء بل من ترك الصلاة متعمداً من غير علة حتى دخل وقت في وقت فهو كافر يحل قتاله وقال ابن أبي شيبة: قال النبي ﷺ : " من ترك الصلاة فقد كفر" فيقال له ارجع عن الكفر فإن فعل وإلا قتل بعد" وفي مسند الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله". وعن أبي الدرداء قال أوصاني أبو القاسم ﷺ : " أن لا أترك صلاة متعمداً فمن ترك صلاة متعمداً فقد برئت منه الذمة". رواه ابن أبي حاتم في سننه قال أحمد ابن سمار سمعت صدقة بن الفضل يسئل عن تارك الصلاة فقال هو كافر، فقال له السائل أتبين منه امرأته فقال صدقة وأين الكفر من الطلاق لو أن رجلاً كفر ولم يطلق خرجت امرأته من عصمته لأنه أعظم، لكن قال أكثر العلماء ينتظر بها انقضاء عدتها ان كانت مدخولاً بها لحديث صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة ان صفوان أسلم بعدها بشهر فإنها أسلمت يوم الفتح وهو بقي علي كفره حتى شهد حنيناً والطائف وهو كافر ثم أسلم بعد فلم يفرق النبي ﷺ بينهما بل استقرت عنده امرأته بذلك النكاح، وقال أبو عبد الله محمد بن نصر سمعت اسحق ابن يسار يقول صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأى أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى ومحمد بن شهاب الزهري وداود بن علي المزني يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب، والرواية التي عن الشافعي في قتله تارك الصلاة حداً إنما هي في الرجل الممتنع منها على حدته، والصحيحة عنه كفره، كما نقلها عنه عبد الحق الاشبيلي، وتارك الصلاة رأساً وان وجد منه التصديق والإقرار بها فإنه معدوم ما هو معتبر به ومتوقف صحته والعصمة به على وجوده وهو عمل القلب نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده لفعل الأوامر إذا وجد فعله انقادت له الأعضاء وإلا بان لم يوجد منه إلاَّ التصديق خاصة، فذلك قول القلب مجرداً من فعله وهو لا ينفع كما لم ينفع إبليس وفرعون والذين عرفوا النبي
стр. 297
صلى الله عليه وسلم وعلموا صدقه وما جاء به من الحق فاعتقدوا صدقه وإن ما جاء به هو الحق ثم لم يعملوا وهؤلاء وإن كذب به بعضهم ظاهراً. فالبعض الآخر يقر عنده وعند غيره ويعتذر عن العمل والإتباع والتكذيب ظاهراً سببه فقد عمل القلب مع أن قوله وهو التصديق موجود فلم ينفعه.
وتقدمت الأدلة على كفر تارك الصلاة مستوفاة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين وأنه لا خلاف في قتل تاركها إلاَّ أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى ومن وافقه قالوا بحبسه حتى يموت في الرواية المشهورة عنهم، وما فهمه صاحب المقدمة من كلام الإمام أحمد في قوله. وليعلم المتهاون بصلاته المستخف بها السابق الإمام فيها أنه لا صلاة له صحيحة، وإنه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه من أنه يحكم على المسابق الإمام بالخروج من الدين ولحوقه بالكفار المرتدين إذا بطلت صلاته بالمسابقة فهو أحد الروايتين عنه فيمن ترك من الصلاة ركنا أو شرطاً يعتقد التارك وجوبه، أو أتى بمبطل لصلاته عالماً عامداً. لأن ذلك كتركها، فيقال فيه ما يقال في ترك جميعها، وقد قال ابن هبيرة في قول حذيفة بن اليمان ﵁، وقد رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده ما صليت، ولو مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمداً ﷺ ، فيه إن إنكار المنكر في مثل هذا يغلظ له لفظ الإنكار، وفيه إشارة إلى تكفير تارك الصلاة، وإلى تغليظ الأمر في الصلاة حتى إن من أساء في صلاته ولا يتم ركوعها ولا سجودها فإن حكمه حكم تاركها، قال الإمام في رسالته الصلاة، أول فريضة فرضت على النبي ﷺ وهي آخر ما يذهب من الإسلام ليس بعد ذهابها إسلام ولا إيمان ولا دين، وهو أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله، وهي عمود الإسلام إذا سقط الفسطاط فلا ينتفع بالأطناب والأوتاد، وكذلك الصلاة إذا ذهبت فقد ذهب الإسلام ووجود المبطل لها من مسابقة أو غيرها مذهب ومعدم لها، والرواية الثانية أنه لا يكفر إلاَّ بترك ما هو مجمع عليه مما لا خلاف فيه وإن رأى التارك وجوبه لأنها إذا بطلت تصير كأنها فائتة ولا يكفر تاركها ومراعاة للقائلين بصحتها وإن اعتقد الفاعل بطلانها ونحن وإن قلنا ما قاله الإمام أحمد رحمه الله تعالى من أن المسابقة للإمام عمداً تخل بالصلاة وتصير معدومة لم نحكم على المسابق بالكفر والردة كما لم نحكم على تارك القراءة في الركعتين الأخيرتين بأم القرآن أو لم يعدل الأركان حيث هي التارك صحتها
стр. 298
بدونه إذ هذه مسائل اجتهادية لا يكفر بها ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، نعم نأمر المسيء في صلاته أن يعدل أركانها، وأن يتم قراءتها وركوعها وسجودها، وأن لا يسابق الإمام فيها فإن فعل يعيدها وننصح ونغلظ القول في ذلك، كما نصح وغلظ فيه صدر الأمة السلف الأول، ونخشى عليه من ذلك فقد قال ﷺ وكرر ثلاثاً للمسيء في صلاته صل فإنك لم تصل وعلمه كيفيتها كما في البخاري عن أبي هريرة ﵁.
(الوجه الرابع) قوله ولا يلزم من التشبيه الذي بالحديث المذكور ذلك إذ لا يلزم من تشبيه شيء مشاركته له من جميع الوجوه فهو قد فهم أن التمثيل الذي في كلام الله ورسوله هو التشبيه الواقع على المشبه والمشبه به، والتمثيل غير التشبيه في المعنى فإن تشبيه زيد بالأسد في قولنا زيد أسد أو كالأسد أو ما هو من معاكس التشبيه كقوله ﷺ : " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ليس كالأمثال التي ضربها الله في القرآن أو رسوله في السنة فإنه ضرب قصة الشيطان: ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْك﴾ مثلاً لبني النضير حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرؤا منهم عند الشدة، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ كذلك ضرب الأمثال في القرآن مخبراً كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ... ﴾ الآية كقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ... ﴾ الآية إلى غير ذلك من الأمثال التي لا يعملها إلاَّ العالمون فإن هذه الممثل بها ليست أعلى ولا أتم من الممثل بل هو فوقها وأتم منها حساً ومعنى، وضربه ﷺ الأمثال في السنة، مع كتمثيله الصلاة في عمود الخيمة وهي بالدين فكما لم تستقم بدون عمود ولا ينتفع بها بدونه، كذلك لا يستقيم الدين بدون الصلاة التي هي منه كالعمود بالنسبة إلى الخيمة، أو كالرأس للجسد، أو كالروح للبدن، وكضرب الله الأمثال في القرآن في أن الممثل أعلا وأتم من
стр. 299
الممثل به حساً ومعنى في الأفضلية وفي عدم الوجود والانتفاع، وأما المشبه فإنه إذا كان بينه وبين المشبه به علاقة في صفة من الصفات شبه به ولا يلزم منه مشابهته له ولا به من كل الوجوه، فإن زيد إذا قيل عنه أسد أو كالأسد لا يشاركه في جميع الصفات، كما لا يشاركه في الذات، بل الأسد فيه من الصفات المخالفة مالا توجد في زيد وفي زيد منها ما لا يوجد في الأسد إذ الصفات الإنسانية أفضل وأتم من سائر الحيوانات والجمادات، والشجاعة الموجودة في الأسد والحسن الموجود في البدر أتم وأكمل من الشجاعة والحسن الموجودين أو أحدهما في زيد، بخلاف الأمثال التي ضربها الله في القرآن أو رسوله في السنة فإن الممثل أتم وأكمل من الممثل به وهو تابع معناه إعداماً وإيجاداً وجوباً وجوازاً ووجوباً.
(الوجه الخامس) قوله ونفلها أفضل النوافل وعزاه إلى كتب الأحاديث والتفسير والفقه، والذي فيها أفضل النوافل الجهاد ثم النفقة فيه ثم العلم نعلمه وتعليمه ثم صلاة النافلة ففي الصحيحين عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: " قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال: "الإيمان بالله وجهاد في سبيل الله " وفيهما أيضاً عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله وجهاد في سبيل الله" وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "فضل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت القائم الذي لا يفتر عن الصلاة ولا الصيام حتى يرجعه الله بما يرجعه من غنيمة أو أجر أو يتوفاه ليدخله الجنة" وعند الإمام أحمد: " والذي نفس محمد بيده ما شجت ولا اغبرت قدما عبد في عمل يبتغي فيه درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة أفضل عند الله من الجهاد في سبيل الله " وحديث معاذ ابن جبل ﵁ في قوله ﷺ : " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد" دال بصريحه على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض كما هو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء فإنه ﵇ عبر برأس الأمر وعنى به الدين الذي بعث به الرسل وعموده وهو قوامه الذي يقوم به كما تقوم الخيمة بالفسطاط هو الصلاة وذروة سنامه وهو أعلى ما فيه وأرفعه وهو الجهاد، وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن الزبير قال قال عثمان بن عفان وهو يخطب على منبر أني محدثكم
стр. 300
حديثاً سمعته من رسول الله لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلاَّ الظن بكم سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها" وقد ترجم ابن حبان في صحيحه ذكر تضعيف النفقة في سبيل الله على غيرها من الطاعات، وذكر عن خريم بن فاتك مرفوعاً: "من أنفق في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " ورواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وحسنه، وعند الإمام أحمد وغيره من عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له سبعمائة ضعف، وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً "تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"، وممن صرح به من الأئمة اسحق بن راهوية نقله عنه ابن منصور وان من العلم ما يقع نفلاً وفي خطبة المحيط للحنفية أفضل العلوم عند الجمهور بعد معرفة أصل الدين وعلم اليقين معرفة الفقه قال الإمام أحمد تذاكر بعض ليلة أحب من إحيائها في العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم قال ابن منصور فقلت الصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا قال نعم، والأشهر عنه الاعتناء بالحديث والفقه والتحريض على ذلك قال وليس قوم خيراً من أهل الحديث، وعاب على محدث لا يتفقه وقال يعجبني أن يكون الرجل فهيماً في الفقه إلاَّ أن الشافعي ﵀ اختار في القول المشهور تقديم نفلها على نفل العلم للإخبار في أنها أحب الأعمال إلى الله وخيرها ولأن مدوامته ﷺ على نفلها أشد من غيره ولقتل من تركها تهاوناً وكسلاً ولتقديم فرضها، وقال غيره العلم يتعدى نفعه فاشتغال في أفضل مما يقصر نفعه على الفاعل ولذلك كان العالم العامل أفضل من العابد، إلاَّ أن نفل الصلاة أفضل مما يتعدى نفعه سوى العلم كالصدقة وأمثالها وهل نفل الحج أفضل من نفل الصلاة أم نفلها أفضل فمن قال أنه أفضل قال انه جهاد لما روت عائشة ﵂ قالت قلت يا رسول الله ﷺ على النساء جهاد قال: " عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" إسناده صحيح رواه الإمام أحمد وابن ماجة وروى الإمام أحمد والبخاري عنها قالت يا رسول الله أترى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد قال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" وعند الشافعي رحمه الله تعالى في القول المشهور عنه نفل العلم أفضل من نفل الحج لتعديه وإنما قدم نفل الصلاة للأخبار الواردة في أنها أحب الأعمال إلى الله كما تقدم عنه وكذا القول في تقديم نفل
стр. 301
الصوم فمن قدمه قال لإضافته إلى الله لما في الحديث: "كل عمل ابن آدم له إلاَّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" ومن لم يقدمه قال إنما أضافة الله إليه لأنه لا يعبد به غير الله في جميع الملل بخلاف غيره ولأن من نوى صلة رحمه وأن يصلي ويتصدق ويحج كانت نيته عبادة يثاب عليها، ونطقه بما سمعه الناس من كلمة التوحيد أفضل إجماعاً، وأما الصدقة ففي زمن غلا وحاجة أفضل من عتق، وفي غير زمن غلاء وحاجة فعتق أفضل، وصدقة على قريب محتاج أفضل من عتق والله أعلم.
стр. 302
لبس الخلقة والخيط لدفع البلاء أو رفعه من الشرك
(وأما قولكم وقوله من الشرك لبس الخلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ... ﴾ الآية وعن عمران بن حصين أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر فقال ما هذه قال من الواهنة فقال: " انزعها فإنها لا تزيدك إلاَّ وهنا ولو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً" فنقول لا شبهة في أن لبس ما ذكر حرام، وصاحبه آثم، لكن لا يلزم من كون مرتكبه كافراً مشركاً خارجاً عن دين الإسلام مباح الدم والمال وأيضاً ليس مذهب لأحد من السلف الصالحين، مع أن الواجب على كل أحد أن يحمل أخاه المؤمن على الصلاح كما قدمناه، وما ذكر في معرض الاستدلال من الآية والأحاديث لا يدل عليه إذ المراد بالدعاء في الآية الكريمة العبادة كما عليه المفسرون، وأما الأحاديث فمحمولة على من يعتقد فيهما التأثير، كما يجب حمل أمثالها من الأحاديث الواردة من هذا النمط على ذلك) .
فنقول أما الحلقة فقال أهل اللغة كل ما كان يبين بعضه من بعض كحلقة الذكر ووسط الصف ونحو ذلك فهو حلقة، ووسط بالإسكان وما كان مصمتاً لا يبين بعضه من بعض كحلقة الباب ونحوها، ووسط الدار والرأس والراحة فهو حلقة، ووسط بفتح اللام في الخلقة والسين في الوسط، قاله الأزهري والجوهري وغيرهما) وقد أجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح، والمقصود هنا حكم لبس حلقة الصفر والحديد ونحوهما، ولا ريب أن لبسهما أو تعلق الخيط أو الخرزة
стр. 303
أو العظم ونحوها من التمايم لدفع البلاء أو رفعه إن ذلك من شرك تعطيل المعاملة التي تجب على العبيد المتعلقة بمعنى ألوهية الخالق تعالى وتقدس، فإن الإله معناه كل مألوه في القلب برجائه فيما هو مختص بجلال الله وعظمته والالتجاء إليه كما تقدم تعريفه في بيان معاملته تعالى، وما هو مختص به من سائر الطاعات والعبادات التي من أعظمها دعاؤه ورجاؤه والتوكل عليه واعتقاد أن الخير والشر بيده لا جالب لهما ولا دافعهما ورافعهما إلاَّ هو قال عز من قائل: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ فإذا اعتقد دفع البلاء والشر ودفعهما في لبس الحلقة والخيط وتعليق العظم والتميمة فقد أشرك في اعتقاده وعطل معاملة الله المأمور بها فوضعها في غير موضعها بجعلها لغيره، ولذلك قال النبي ﷺ للرجل الحامل في عضده الحلقة من الصفر عن الواهنة: "انزعها فإنها لا تزيدك إلاَّ وهناً ولو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً" رواه الإمام أحمد وغيره من حديث عمران بن حصين ونفي الفلاح في الأبد يقتضي الشرك الأكبر غير المغفور بل المخلد في النار للاعتقاد المذكور، وقول الله : ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ دليل على أن كشف الضر وإمساك الرحمة عند الله خاصة لا عند غيره من سائر الخلق، الأنبياء والملائكة وتماثيلهم ولا الحلقة والخرزة والخيط والعظم، والتميمة بالأولى ولذلك قال عقبها: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ والمتخذون تماثيل الأنبياء والملائكة وسائل ووسائط يسمونها الآلهة يدعونها ويرجونها في الرخاء لتشفع لهم عند الله في قضاء حوائجهم وتقربهم منهم زلفى، لم يعتقدوا فيها الضر ولا كشفه ولا إمساك الرحمة عنهم كما تقدم بيان ذلك موضحاً، ولا استشفعوا بها واستقوا ودعوها راجين الشفاء والمطر وإنزاله منها كما ذكر الله ذلك عنهم في عدة آيات بينات وكما قرعهم وأنكر عليهم بالاستفهام الإنكاري حيث قال تعالى: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ... ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ لأنهم يعلمون ويعرفون أن الله وحده كاشف الضر وممسك الرحمة ومنزل الشفاء والرزق والمطر لا غيره ودعاؤها لشفاعتها ورجاؤها في ذلك وتعلق القلوب بها لتكون واسطة ووسيلة وتألهها بذلك هو معنى عبادتها وصاحب المقدمة قد فهم أن الدعاء ليس هو العبادة ولا هي معناه، لقوله إذا المراد
стр. 304
بالدعاء في الآية العبادة، بالظاهر أنه يعني بها خصوص السجود لتماثيل الأنبياء والملائكة، ولم يعلم أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من دعاء ورجاء وتوكل وصلاة وصوم وزكاة وصلة رحم وبر وإذا جعل شيئاً من ذلك لغير الله فقد عبده فيعبر عنها بما هي من معناه، ولذلك قال سبحانه: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فعبر عن العبادة بالدعاء لأنها معناه، ولأنهم كانوا يدعونها لتشفع لهم فيما يسألونه منها ولهذا قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وكل ما أمر به شرعاً من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي فهو العبادة، ومن جعل ما هي من معناه المختص بجلال الله لغيره ففد عبده بما هو مأمور به شرعاً لله وحده، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل بمرض أو فقر أو بلاء أو شدة هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة خير وصحة وكشف شدة ورفع بلاء هل هن ممسكات رحمته، قال مقاتل فسألهم النبي ﷺ فسكتوا لعلمهم أن ذلك لا يكون إلاَّ من الله وحده، فقال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ولا يخفى ما في الاستدلال بهذه الآية بل بالقرآن كله والسنة على من علق الخيط والحرزة وعلق العظم والتميمة لدفع البلاء أو رفعه أو حصول خير أو نفعه من كمال مناسبة معناها بمن اعتقد في شيء أعظم مما اعتقد فيه الأولون فعلقه ولبسه وتعلقه ليدفع عنه سوءاً وبلاء أو لرفعه أو ليكون سبباً في دفعه ورفعه إذ الأسباب لا يجوز أن يتعاطى منها إلاَّ ما شرعه الله ورسوله فلا يجعل الشرك أو المحرم سبباً في حصول غرض من الأغراض الدنيوية أو الأخروية، ولا يتخذ سبباً من الأسباب إلاَّ بعد علمه بحكمه وحيث جاز فلا يركن إليه ولا يتكل عليه، وهذا وايم والله في الجائز فما الظن فيمن جعل الحرام المجمع عليه حلالاً واعتقد فيه وتوكل عليه، هل هذا يجامع الإيمان أو الإسلام أو محملاً يعدل به عن اعتقاده إلى رتبة الفساق المرتكبين لأنواع الحرام مع وجود الإسلام وأصل الإيمان، أم اعتقاده أفسد عليه فخرج به عن خطة دين الإسلام الذي أنزل به القرآن وعلق بوجوده الغفران ودخل في خطة عباد الشيطان وتماثيل الأنبياء والملائكة والمرسلين من الأحجار والأشخاص والطلاسم التي هي أسماء المعبودين، والرسل لم بعثهم الله إلاَّ لإبطال كل ما يخالف دينه وما شرعه ويكسروا الأحجار ويطمسوا التماثيل
стр. 305
ويخبروا أن الأمر كله لله فلا يجعل لغيره تعالى ما هو مختص بجلاله من عبادته ومعاملته التي منشؤها القلب والاعتقاد، ولقد زاد هؤلاء على أولئك بأشياء كثيرة لو لم يكن منها إلاَّ اعتقاد كشف الضرر وجلب الخير فيما تعلقوا فيه وعلقوه على أنفسهم ودوابهم وحروثهم لكفى، فإنهم يتوكلون على ما علقوه وتعلقوه ويسندون كشف الضر وجلب الخير إليه وأنه لولاه لنزل به البلاء أو لوجدت الشدة أو لضرته العين أو لنزلت به، لكن هي التي رفعت ذلك كله، أو هي الدافعة له، أو هي التي رفعته، ونحو ذلك من المعتقدات التي لم توجد إلاَّ عند هؤلاء المعتقدين المفتونين في عبادة الشياطين وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولو لم يعتقدوا فيهم ما اعتقدوه من هذا الاعتقاد الباطل لما علقوه وتعلقوه، ومعلوم أن من لم يعتقد ذلك لم يكن ليفعله ولا ليرضى به ومع تقدير فعله من غير اعتقاد فيه ولا رضي به لا يكفر ولا نكفره نحن كما زعمه صاحب المقدمة بل حمله ذلك وتعليقه حرام والفاعل آثم، فنحن ننهى عن ذلك ونغلظ فيه، ويجب على العالم أن ينهى الجاهل عن ذلك ويحذر منه، إنما الرزية كل الرزية تغافل العالم عن الجاهل وعدم نهيه ونصحه عما يضره من ذلك فإن وزر العالم أكبر من وزر الجاهل وأعظم وأفحش حيث فعلها هو بنفسه أو رأى من يفعلها جاهلاً بها ولم ينبه عليها ويبين له فيها، فويل للعالم من الجاهل وويل له، كما قال الصادق المصدوق ﷺ ولم يكن هؤلاء العلماء الذين نعرفهم واجتمعنا بهم وجمعنا عنهم أنهم لا ينهون عن ذلك، بل قد استقر عندهم وفي نفوسهم أن من نهى عنه وعابه فهو وهابي أو عارضي أو شرقي وان لم ينسبوا ذاته بل عقيدته فتسافهوا عن الحق وأعرضوا عنه تكبراً وتجبراً وحسداً وبغياً والله يقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وهذا عمر بن الحطاب ﵁ لما أراد تحجير النساء أن يزدن في صداقهم على صداق بنات رسول الله ﷺ قامت إليه امرأة وهو على منبره في مجمع الناس فقالت كيف تمنعنا يا أمير المؤمنين وقد قال الله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ فقال جهراً امرأة أصابت ورجل أخطأ، فالحق أحق أن يتبع، وهو ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها، وعلى العلماء البلاغ والتبليغ والعلم والتعليم لا المعاندة والطعن في الحق والدين، ومثل المصر على ما ارتكبه المتغرر فيما اجترحه من اتباع هواه وعموم بلواه مع الناصح له المشفق عليه من عمله واتباع
стр. 306
هواه كمثل مسافر في مفازة ومعه دابته وماؤه وزاده فنفد الماء والزاد ثم انقطعت به الدابة وقد بقي من المسافة مدة طويلة وبقي يمشي على رجليه فأصابه الجهد من الظمأ والجوع والتعب وضل الطريق فصار في طريق كثيرة السباع كثيرة اللصوص ويسر الله له من يريد انقاذه ويدله على طريق النجاة فأبى وامتنع إلاَّ الإقامة على طريق الخوف وأبى إلاَّ تلك الحال التي بلغه منها الجهد والتعب فلو سمع به وأمره المجانين لتعجبوا من أمره ولنسبوا الجنون إليه لأن المناسب في حقه الرجوع عن المهالك إلى طريق السلامة والأمن، وشكر الدليل المرشد المنقذ، هذا وهو هلاك الجسد في الموت خاصة فما حال من هلاكه النار، أما الخلود فيها وأما ما هو سبب له بر يدله ينشأ منه شيئاً فشيئاً فهم من أكثر الناس عقداً ونفثاً واعتقاداً وتعلقاً في الخيط وغيره من التمايم ومن أكثر ما يكون النفث في الخيط والعقد فيه إذا صعدوا المنبر لخطبة الجمعة أو غيرها يعقدون وينفثون للتعلق والتعليق من الحمى أو العين ولدفعهما، وقد علم الله نبيه ﷺ الاستعاذة من شر النفاثات في العقد، وهو وان كان السبب خاصاً في بنات لبيد كن يعقدن في الخيط بشيء يقلنه وينفثن فيه بلا ريق، فهو عام في كل نافث في الخيط ونافثه وعاقد وعاقدة، فإن الآية ظاهرها العموم فيمن نفث في الخيط وعقد فيه والعبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومما يدل عليه وعلى حمل الآية على العموم قوله ﷺ : "من نفث وعقد فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئاً وكله الله إليه" رواه النسائي من حديث أبي هريرة ومعنى من تعلق شيئاً أي علق على نفسه العوذة والخرزة وأمثالهما ويستوي في ذلك قاصداً السحر أو الشفاء لأن الله إذا حرم أمراً لا يغير حكمه عقيدة الفاعل والمفعول له، وأن تلا الفاعل في نفثه القرآن ثم عقد كمن استعمل آلة لهو في ذكر وقراءة، ونفس الخيط وان كان الأصل فيه جواز الاستعمال فالنفث لما قصد منه والعقد إقامة مقام الآلة بقطع النظر عن اعتقاد النافث والعاقد والمنفوث والمعقود له، ولأن السحر في العادة لا يكون من غير نفث ولا عقد، وقد قال ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" فالنافثون والعاقدون والمعلقون والمتعلقون مشركون ومعطلون لحقيقة التوحيد الواجبة على العبيد، ولا بكلام الله يعملون ولا يبالون به ولا بكلام نبيه يأخذون ولا إليه ينتهون، وهم قد جمعوا بين الإثمين والفتنتين الشرك الاعتقادي وحرمة النفث والعقد مع وزر المنفوث والمعقود له من غير أن ينقص
стр. 307
من وزره شيء فلا تُصلى خلفهم الجمعة ولا الجماعة بالأولى لشركهم وتعطيلهم في اعتقادهم وصنيعهم ما داموا كذلك حتى يتوبوا ويرجعوا، ومن رآهم فلم ينكر عليهم فهو شريك لهم في ذلك الإثم والوزر، فإن رضي باعتقادهم فهو مثلهم سواء بسواء، لنهي الشارع ﷺ عن التعلق بشيء ورد على فاعله وقال: "لا يزيدك إلاَّ وهناً انبذها عنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً" رواه الإمام أحمد وغيره من حديث عمران بن حصين وطرق أخر غيره، وروى أبو منصور ابن ظاهر التميمي عن محمد بن عبد الله بن علي بن زياد الدقاق عن محمد بن إبراهيم البوسنجي عن عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل عن زهير بن محمد بن معاوية عن عمرو بن قيس الملائي عن المنهال عن سير بن أم أبي عبيدة بن عبد الله أن عبد الله دخل على امرأته وهي أم سير أبي عبيدة وفي عنقها سير أو خيط معقود من مرض بها وعندها نسوة فاجتذبه حتى اختنقت فقطعه فنبذه ثم قال لقد أصبح ابن أم عبد غنياً عن أن يكون في بيته شرك، فقال بعضهم أو شرك هذا قال نعم الرقى والتمائم والتولة شرك فقال بعضهن وما التولة؟ قال ما يحببن به إلى أزواجهن فقال بعضهن إن أحدنا يأخذها الضربان في عينها فإذا استرقت سكن فقال ذلك الشيطان عدو الله ينزغ في عين إحداكن فإذا استرقت كف، ولو أنها إذا أحست شيئاً من ذلك أخذت كفاً من ماء فنضحت في عينها وقرأت قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس لسكن وذهب، فما استعاذ مستعيذ بمثلهما، ومن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله فيقرؤه المريض على نفسه، أو يقرؤه الغير عليه، أو يكتب ويسقاه أو يقرأ له في ماء، وكذا أسماء الله تعالى وتقدس، ومما ورد وضع المريض يده على الموضع الذي يؤلمه فيقول بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر سبعاً، وتقدم ما يجوز من تعاطى الأدوية التي شرعها الله وبينها رسوله ﷺ من غير ركون إليها ولا توكل عليها وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنعم الله على عبد من نعمة في مال أو أهل فيقول ما شاء الله لا قوة إلاَّ بالله إلاَّ دفع عنه كل آفة حتى تأتيه منيته" وقرأ: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ فيسن لمن أعجبه ماله أو ولده أو شيء من حاله أن يقول ما شاء الله لا قوة إلاَّ بالله فإنه لا يرى فيما أعجبه مكروهاً للحديث المتقدم والله أعلم.
стр. 308
حكم التبرك بالشجر والحجر
وأما قولكم (وقوله من تبرك بشجرة أو حجر الخ فعلم جوابه مما ذكرنا آنفاً مع أنه أيضاً ليس على إطلاقه إذ بعض الأحجار قد ينفع بإذن الله وقد يكون لبعضها خواص ومنافع خلقها الله فيها كما نشاهد في حجر المغناطيس من جذب الحديد وأمثاله وكالحجر الأسود فإن عمر بن الخطاب حين استلمه لما قال له إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك أجابه عثمان بن عفان بقوله إنه يضر وينفع إني سمعت رسول الله ﷺ يقول إنه ليشفع بمثل ربيعة ومضر فافهم ذلك يا ابن عبد الوهاب) .
فنقول معنى تبرك أي طلب البركة وقصدها من الشجرة أو الحجر نفسهما، أو هما السببان في حصولها، فالأول هو اعتقاد المتبركين بهما من غالب مشركي أهل هذا الزمان كما هو مشاهد لمن تأمل وتحقق، والثاني هي ذات الأنواط التي قال عنها أهل العلم من أصحاب مالك وغيرهم: انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون بسببها البراء والشفاء ويضربون بها الخرق ويعلقونها عليها فاقطعوها فإنها ذات أنواط، وكما روى أبو داود والترمذي عن أبي واقد الليثي قال: (خرجنا مع رسول ﷺ قبل حنين ونحن حديثو عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي ﷺ : "هذا كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم") وفي رواية للترمذي عنه أنهم مروا بسمرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط قالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال النبي ﷺ : "الله أكبر هذا كما قال قوم موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها ليتبركوا بها وينتفعوا بسببها يكون اتخاذها ذلك إلهاً مع الله مع أنهم لا يدعونها ولا يسألونها فما الظن فيمن يدعوها
стр. 309
ويرجو منها ومن بركتها وقد كانت العزى شجرة سمر بنخلة لغطفان يعبدونها بدعائها لتشفع خاصة لهم فبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها بالفاس وهو يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها، وكذلك مناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة وقيل لثقيف، وسميت بذلك لما كان يمنى أي يراق عندها من الدماء للتبرك بها رجاء شفاعتها، وأخذوا اشتقاق اسمها من منى الله الأمر إذا قدره زاعمين أنه الله يقدر لهم بشفاعتها وإراقة الدماء عندها ما أرادوا طلبوه وعوها لتشفع لهم فيه.
وقد زعم صاحب المقدمة أن من تبرك بشجرة أو حجر فرجى منها ومن بركتها ما تفرج عنه الكروب وتشفى القلوب وتقضي الحوائج وتكشف الشدايد أو لتشفع له فيما رجاها ودعاها أن تشفع له فيه من ذلك فليس شيئاً أكبر غير مغفور إلاَّ بالتوبة منه والرجوع إلى دين الإسلام والملة الحنيفية عنه لقوله، فقد علم جوابه مما ذكرنا آنفاً، يعني قوله فيما تقدم فيمن لبس الخلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء ودفعه، أنه ليس فيه إلاَّ الحرمة والإثم ولا يلزم منه كون مرتكبه كافراً مشركاً، فكذلك من تبرك بشجرة أو حجر ليس فيه إلاَّ الحرمة والإثم لكن لا يلزم منه كون مرتكبه كافراً الخ، ولم يعلم حكم تعطيل معاملة الله ﵎ الواجبة على خلقه وعبيده التي هي معنى ألوهيته وتفرده فيما هو يختص بجلاله وعظمته من صمديته التي مفتقر بها إليه البر والفاجر، والبائس والشاكر، والمقل والمكثر المتفاخر، وسائر خلقه كلهم بها له قانتون، وإياه يدعون، ومن بركاته يرجون، إنما كان شرك الأولين بما يظنونه مرضياً لرب لعالمين ومقرباً إليه في كل حين، ولذلك يخلصون له الدين في حال الشدة وكل أمر هائل مزعج متين: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ لكن هؤلاء الذين يستجاب لهم لإقرارهم بربوبيته وافتقارهم إلى صمديته وأنه يجيب دعاء المضطرين لا يعطيهم بدعائهم إلاَّ متاعاً في الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق، لأنهم عطلوا معاملته المقتضية لعبادته وعصوا رسله قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً *
стр. 310
وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ وعدم فهمه شيء عبادة الله ومعاملته وحكم تعطيلها هو الحامل له بأن يحكم على من تبرك بشجرة أو حجر فرجى منها ومن بركتها ما تفرج به عنه الكروب وتقضي الحوائج وتكشف الشدائد، كحكمه فيمن لبس الخلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، في أن ليس في ذلك إلاَّ مجرد الحرمة فقط.
ومما يدل على ما قلناه دلالة صريحة، اعتقاده وتصريحه في كلامه الذي في قوله مع أنه أي إثم التبرك بالأشجار والأحجار ليس على إطلاقه، إذ بعض الأحجار قد ينفع بإذن الله وقد يكون لبعضها خواص ومنافع خلقها الله فيها كما نشاهد في حجر المغناطيس من جذب الحديد وأمثاله فلا إثم على من دعاه وتبرك به لما فيه من النفع ومن جذب الحديد، وكذا الحجر الأسود لما فيه من نفع الشفاعة في مثل ربيعة ومضر.
ومن له أدنى لب من عقل ومعرفة فيما بعث الله به الرسل وفضلهم وهديهم واقتباس نصيب من نور الله علم يقيناً أن معتقد هذا الاعتقاد وقائل هذا القول والحاكم بهذا الحكم محاد لله ولرسوله، راد على الله ورسوله ناقض لحكم الله ورسوله، وأنه ليس عنده علم ومعرفة في دين الله الذي من يتبع غيره لن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، ولم يفرق بينه وبين الانتفاع والاستمتاع فيما هو مخلوق من الأرض ومعادنها للآدميين، بل عنده من ذلك مجرد الادعاء في القول والكتابة على حكمه في القول، فإن نظره إلى الصنعة في الخلق ولم ينظر إلى الصانع الخالق رب كل شيء وخالقه ومليكه وإلهه، الذي لم يخلق خلقاً إلاَّ لحكمة، وجميع الكائنات شاهد بألوهيته، كما هو دال على ربوبيته، والأرض وما حوته من أنواع المعادن والنبات من حكمة موجودها، وبركة إلهها الموضوعة فيها، إنما وجودها دليل على وحدانية الله وتفرده بالألوهية ليكون الدين كله له، ولينتفع بها وبما فيها سائر الحيوانات التي على ظاهرها وفي باطنها من بني آدم وغيرهم، قال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ فهذا الامتنان من الواحد المنان ناطق بأن الأرض وسائر ما فيها من الأشجار والأحجار لا يعتقد فيها
стр. 311
الضرر والنفع ولا العطاء والمنع، وإنما ينتفع بها انتفاع استمتاع لا اعتقاد نفع فيه، إذ الأول من معاني الامتنان، والثاني من وظائف الإله الواحد المنان، واعتقاد السببية الجائزة فيه من غير ركون إليه ولا توكل عليه من جملة الاستمتاع به، وقد تقدت الأسباب الجائزة مستوفاة في بحث الشرك، وان الله خالق السبب والمسبب ومن وقع في ظلمات الوهم وأبعد عن نور الفهم لم يميز بين النوعين، ولم يفرق بين الجنسين، ولو كلف الخاطبون أو أذن لهم في الاقتصار في العبادة على المصنوع والصنعة التي هي نتيجة الحكمة فعطلوا معاملة الصانع الحكيم أو التشريك بينهما لعد ذلك نقصاً في جانب الصانع ونفياً لحكمته التي لأجلها خلق الأرضين والسموات وما فيهما وما بينهما من الآيات، ولها أوجد جميع الكائنات، فكيف وقد تعالى وتقدس أن يأمر إلاَّ بعبادته ومعاملته له وحده لا شريك له فيها، ونصب على ذلك دلائل شاهدة بألوهيته وحده، من ذلك الأرض وما أوجد فيها الإله من معادن الأحجار بأنواعها، فإن فيها خواص ومنافع للناس، ونفعه أكثر من حجر المغناطيس كحجر الأثمد واللؤلؤ والجوهر والزبرجد والزرنيخ والشب وغيرهما من أنواع المعادن، كل له خاصية ينتفع بها ليس في الآخر وقلما يوجد حجر فيها إلاَّ ويصلح للانتفاع به دق أو جل كالبناء وغيره وكذا حجر الألماس والنار كل له خاصية ينتفع بها دالة على ألوهية خالقها، واختلاف ألوانها في كل لون يكون فيها أو منها، كما هو مشاهد في المعادن المستخرجة وكل لون ينقسم إلى أنواع وألوان فإن حمرة المرجان محلفة، كما أن حمرة الزبرجد والياقوت وخضرتهما مختلفة، وكاختلاف بقاع الأرض مع تجاورها قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
وكذلك اختلاف الأجساد من سائر الحيوانات والعقول والادراكات والأشجار وأنواع الثمرات مع اتحاد الأب والأم إن في ذلك لآيات، وهذا سر قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
стр. 312
الدلائل القائمة على ألوهية الخالق
(ومن الدلائل) على ألوهية خالقها الطعام للبشر، وسائر الحيوانات، وما تترى به الأجسام والعورات من النبات، كالقطن والكتان، وما أبرزه الإله المعبود بالحق من الحيوانات كالإبريسم والصوف والشعر والجلود، وما لا تحيط به الأذهان ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إمتن بها الإله الواحد المنان، وكذا اختلاف الأخشاب بأنواعها واختلاف مصالحها، وهذه الآيات لا تحصيها العبارات، إنما نشير إلى اليسير منها لاعتبارات وفي اختلافها يقول موجد الكائنات: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ وكذلك الحال في الطيب والخبيث يكون في بني آدم كما يكون في الأرض وما يخرج فيها من النبات كما قيل:
الناس كالأرض ومنهاهم ... من حجر قاس ومن لين
فجلمد تدمي به أرجل ... وأثمد يحمل في الأعين
وهذا من نزع البركة عن بعضها ووضعها في بعضها الآخر وجود الحكمة في كل منهما وفي الحديث: "أُحد يحبنا ونحبه وهو على باب من أبواب الجنة، وهذا عير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبوب النار" أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي عبس بن جبر ﵁ وعن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ : " أُحد جبل يحبنا ونحبه" أخرجه البخاري فأٌحد طيب يرى الناظر إليه عليه آثار الأنوار، وعير خبيث تنبو عن مشاهدته الأبصار، وقد قال تعالى لنبيه المختار: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ .
(ومن الدلائل) على ألوهية خالقها وموجدها الكعبة الشريفة في البلد الآمن طهره الله وصانه وجعل عباده المتقين أولياءه وسكانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ﴾ وفيه من البراهين والآيات ما يسع الكائنات، ولو
стр. 313
لم يكن فيه إلاَّ أنه منزل البركات من إله الكائنات تنزل عليه كل يوم مائة وعشرين رحمة تتفرق على أهل التوحيد من أهل الطاعات، ومنها توجه وجوه أهل الإسلام في جميع الصلوات من كل الجهات، وكذلك توجه إليه من المسلمين كل الأموات.
(ومنها) مضاعفة الحسنات وتجسيم السيئات.
(ومنها) أن تجبى إليه جميع الثمرات ومنها البركة التي طلب الخليل ﷺ في الأقوات.
(ومنها) مقام إبراهيم وزمزم طعام طعم ولما شرب له عام.
(وفيها) يمين الله في أرضه، فإنه يأتي يوم القيامة وله شفتان ولسان شاهد لمن استلمه وقبله مؤمناً بالله غير مشرك به ومصدقاً بجميع ما جاء به الرسول ﷺ متبعاً لشرعه وهديه مخالفاً ومعادياً لضده، فشهادته لأهل التوحيد بأعمالهم الصالحة هي حقيقة نفعه التي أخبر بها علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵄، حيث صح وثبت جواب علي لعمر وإلا فهذه الزيادة بعض العلماء على عدم ثبوتها، إنما الثابت صدر الحديث كما رواه البخاري من طريقين:
الأول: عن عباس بن ربيعة عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله وقال إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.
الثاني: عن زيد بن أسلم عن أبيه قال رأيت عمر بن الحطاب يقبل الحجر وقال لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك. وقول صاحب المقدمة أجابه عثمان بن عفان وهم، إنما المجيب علي بن أبي طالب كما ذكره المثبتون لهذه الزيادة في آخر الحديث في بعض السير، فأما شهادة الحجر لأهل التوحيد فهي ثابتة كما روى عمر ﵁ أن النبي ﷺ استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً ثم التفت فإذا عمر بن الخطاب فقال: "يا عمر هاهنا تسكب العبرات" رواه ابن ماجه وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ استلم الحجر بيده وقبلها فتقبيله واستلامه والبكاء عنده لا يخلو ذلك من حكمة لو لم يكن منها لا أنه يمين الله في أرضه وشهادته لأهل التوحيد توحيده بأعمالهم وذلك لا يقتضي اعتقاد النفع أو الضر فيه بطبعه ولا بقوته فلا يدعى ولا يرجى ولا يتوكل عليه لفضله وشهادته وشفاعته ليستا
стр. 314
بأفضل ولا أكمل ولا أتم عن شهادة الرسل وشفاعتهم، ومع ذلك فلا يعتقد فيهم النفع ولا الضر ولا الإعطاء ولا المنع، إلا أنهم يوم القيامة يشهدون على أممهم وعلى بعضهم بعضاً بالبلاغ والتبليغ كما قال جل ذكره: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ ويشفعوا في أهل التوحيد بعد إذن الله لهم فيها لمن رضي عنه، وذلك لا يقتضي أنهم يملكون الضر ولا النفع ولا العطاء ولا المنع، فالحجر أولى بعدم الاعتقاد فيه إذ الأمر كله لمالكه وهو الله الذي خلق الرسل وفضلهم على سائر الخلق، وخلق الأرض وما فيها من الآيات الدالة على ألوهيته، وتفرده بملك الضر والنفع والعطاء والمنع.
ولقد قال عبد الله بن عمر ﵄ مخاطباً للكعبة الشريفة شرفها الله ما أطيبك وأطهرك، ولحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك، ومعلوم أنه لا أعظم حرمة في الخلق من الرسل عليهم الصلاة والسلام وهم لم يبعثهم الله إلاَّ ليزيلوا هذا الاعتقاد في الأحجار والأشجار من قلوب سائر الخلق الكبار والصغار، ويخلصون لله الواحد القهار، وقد حمى النبي ﷺ التوحيد أعظم حماية أقل من هذا الاعتقاد وأظهره، وغضب منه حين قال له القائل ما شاء الله وشئت فقال ﵇: "أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده" فكيف باعتقاد المشركين الأولين أو ما هو أعظم منه، وقد ذكرنا بمناسبة حكمة الله في خلقه وإظهار قدرته في مصنوعاته رشيحة من الاستمتاع بما في المقلة، ولم نتعرض لما في المظلة طلباً للإختصار ومخافة في القصور وذله إذ الأرض بالنسبة إليها كحلقة ملقاة في فلاة وإذا فتح الله فؤاد العبد للفكر في أمه رأى ببصيرة قلبه فنطق لسانه بعجائب المظلة فاستدل بذلك على ألوهية الخالق وتفرده فيما هو منفرد به عن خلقه وعبادته وحده لا شريك له في حقه ومعاملته.
والعبد من تراب إذا تكلم بالدليل على ألوهية خالقه فهو في محله، إنما الرزية كل الرزية الإعراض عن الآيات والتغافل عن المشاهدات والمبصرات والمسموعات والمحسوسات: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ومن كان فكره في كل واد يهيم فهو من الأفكار الباطلة والاعتقادات الفاسدة في ليل بهيم، ولهذا قال الإله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ .
стр. 315
تعريف النذر لغة وشرعاً وحكم النذر لغير الله
(وأما قولكم وقوله من الشرك النذر لغير الله وقول الله يوفون بالنذر الآية وقال تعالى وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر الآية وفي الصحيح عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه"، فنقول هذا أيضاً غير مسلم أنه من الشرك الاعتقادي وما استدل عليه من الآية والحديث لا يدل عليه بل إنما يدل علي أنه لا يلزم الوفاء به كما عليه اتفاق العلماء) .
فنقول النذر لغة الإيجاب، يقال نذر فلان دم فلان، أي أوجب قتله، ومعناه شرعاً: إلزام مكلف مختار نفسه عبادة لله تعالى غير لازمة له بأصل الشرع وهو مكروه إذا كان لله، ولأيات بخير ولا يرد قضاء، وفاقاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى لما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄::نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: "انه لا يرد شيئاً ولكن يستخرج به من البخيل" وفي رواية للبخاري يقول ابن عمر أولم تنتهوا عن النذر إن النبي ﷺ قال: " إن النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخر وإنما يستخرج بالنذر من البخيل" وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ان النذر لا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره له ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرجه" فقد نهى النبي ﷺ عن النذر وأخبر أنه لا يأتي بخير وأنه ليس من الأسباب الجالبة لخير أو الدافعة لشر أصلاً وإنما يوافق القدر موافقة كما يوافقه سائر الأسباب فيخرج من البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه قبل ذلك.
هذا وقد أجمع أهل العلم في الجملة على انعقاد النذر الذي لله ولزوم الوفاء به لقوله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" ولحديث عمر بن الحطاب ﵁: يا رسول الله إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة وفي رواية يوماً في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك" ومدح الوافين به يدل على جواز النذر إذا كان في طاعة الله لا على
стр. 316
استحسانه ومشروعيته ولذلك لم يفعله النبي ﷺ ولا أمر به بل نهى عنه وأخبر أنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء، وفي البخاري من حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ : "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال عمران لا أدري ذكر اثنين أو ثلاثة بعد قرنه " ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن".
(ثم النذر) الجائز ثلاثة أقسام:
(أحدها) ما علق على وجود نعمة أو دفع نقمة فإذا وجد ذلك لزم الوفاء به لعموم قول النبي ﷺ من نذر أن يطيع الله فليطعه ولذمه الذين ينذرون ولا يوفون كما في حديث عمران بن حصين المتقدم.
(والثاني) ما علق على شيء لقصد المنع منه أو الحث عليه، كقوله ان دخلت الدار فعلي لله كذا، وان لم أخبرك بما يكون فلله علي كذا، وهذا القسم هو نذر اللجاج والغضب وقد اختلف في لزوم الوفاء به، وللشافعي قول موافق للرواية الصحيحة عن أحمد أنه يخير بين الوفاء فيما نذر وبين كفارة يمين، لما روي عمران بن حصين قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين" رواه سعيد بن منصور في سننه ولأنها يمين فيخير فيها بين الأمرين.
(الثالث) ما ينذر من الطاعة بلا تعليق كصلاة وصوم وحج واعتكاف وقراءة وعيادة مريض فيلزم الوفاء به عند عامة أهل العلم.
وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يلزم الوفاء بما لا نظير له بأصل الشرع ولا أصل له في الوجوب كالاعتكاف وعيادة المريض لأن النذر فرع على المشروع فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع، وحجة ملزمي الوفاء حديث عمر وعائشة بنت أبي بكر ﵄ وذم النبي ﷺ الذي ينذرون ولا يوفون، والنذر المطلق غير المقيد بشيء، كقوله لله علي نذر أكثر أهل العلم منهم مالك يوجبون فيه كفارة يمين، كقوله ان فعلت كذا فلله علي نذر وفعله، ففيه كفارة يمين، لما روى عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" رواه ابن ماجه والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب قالوا وهذا نص في المسألة فلا يعدل عنه.
стр. 317
والنذر غير الجائز قسمان:
(أحدهما) نذر فعل معصية كشرب خمر، وقتل معصوم، وصوم يوم عيد، أو حيض أو أيام التشريق فيحرم الوفاء به، لقول النبي ﷺ : "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ولأن معصية الله ﵎ لا تباح في حال من الأحوال، وهل ينعقد أم لا، جمهور العلماء على أنه لا ينعقد لأن في قوله فلا يعصه دليلاً على عدم انعقاده ولقوله ﷺ : "لا وفاء لنذر بمعصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" رواه أبو داود. وأصله في الصحيحين. وقال بعضهم وهو الإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه ينعقد لأن وجود النذر كوجود اليمين، وعدم جواز الوفاء به لا يمنع انعقاده، ويكفر كفارة يمين. وهذا مروي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵃، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى إلاَّ أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال فيمن نذر ذبح آدمي معصوم يلزمه ذبح كبش ويطعمه للمساكين، وهذا القول أحد الروايتين عن عبد الله بن عباس ﵄.
(الثاني) النذر لغير الله ولأجله عقدت الترجمة، كالنذر لإبراهيم الخليل، أو محمد النبي الأمي ﷺ ، أو ابن عباس ﵄، أو الشيخ عبد القادر، أو الحضر، أو لملك من الملائكة أو جني أو شجرة فلا خلاف بين من يعتد به من علماء المسلمين أنه من الشرك الاعتقادي، لأن الناذر لم ينذر هذا النذر الذي لغير الله إلاَّ لاعتقاده في المنذور له أنه يضر وينفع، ويعطي ويمنع، إما بطبعه، وإما بقوة السببية فيه، ويجلب الخير والبركة ويدفع الشر والعسرة، والدليل على اعتقاد هؤلاء الناذرين وشركهم حكيهم وقولهم أنهم قد وقعوا في شدائد عظيمة فنذروا نذراً لفلان وفلان أصحاب القبور من الأنبياء والمشايخ وللغار الفلاني والشجرة الفلانية فانكشفت شدائدهم واستراحت خواطرهم، ويقول أحدهم مرضت فنذرت للشيخ فلان فشفافي وعافاني، ويقول الآخر خرج علي المحاربون واشتد علي الأمر فنذرت لشيخي ووسيلتي ومعتقدي الولي الفلاني، وانتدبته فأجابني كشف شدتي وفرج كربتي، ويقول الآخر ركبت البحر فحصل الطهف وكثرة الأمواج والريح فنذرنا أصحاب السفينة، ودعونا الولي الفلاني، ومعتقدنا الذي في جزيرة أو محل كذا ونذرنا له كذا وكذا فأسكن الريح
стр. 318
وأبطل الموج وركد سفينتنا فسلمنا واسترحنا فلما قدمنا إلى مكانه ابتدر إلينا سادن القبر يلاقينا قائلاً ان الشيخ أخبرني وهو في قبره ان له عندكم نذر كذا وكذا، وأرسلني إليكم لأقبضه منكم فيوفون فيتعجبون منه ويزيدون له في الاعتقاد فيه والنذر له، وتثبت عندهم ولايته، وضره ونفعه، فيدعونه ويرجونه ويرسلون له من المكان البعيد شمع العسل يوقد في قبته عند قبره ويأتون إليه بالجوخ وأنواع الخرق يضعونها تغشية على تابوته واعلاماً عند ضريحه. وقد قام بنفوسهم ان هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، ومن تأمل القرآن، وسنة المبعوث به ونظر أحوال السلف الصالح، علم أن هذا النذر نظير ما جعلته المشركون لآلهتهم في قوله تعالى: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ حذو القذة بالقذة واعتقاد هؤلاء في المنذور له أعظم من اعتقاد أولئك في المجعول له، لأنهم يعتقدون فيهم الضر والنفع والعطاء والمنع لا بهم، إذ الأول شرك غالب الآخرين، والثاني هو شرك الأولين، ألا يرى أن الحلف بالله وحده عند هؤلاء لا يرضون به ولا يكتفون ولا يكون عندهم قسماً بل لا يكون قسماً مؤكداً إلاَّ إذا كان بمعتقدهم سواء كان ميتاً أو غيره ولا يقدمون على الحلف به كاذباً خوفاً منه نفسه أن يصيبه بضر في جسده أو ماله أو عياله ويقدمون عليه بالله كاذباً ولا يخافون ولا يبالون بل لا يعدونه يميناً.
هذه عقيدة الخواص منهم لا العوام الطغام فلذلك له ينذرون ومنه يرجون ويخافون وعليه يتوكلون وإياه يدعون ويستعينون وبه يستغيثون، ومن خالفهم في ذلك وأنكر عليهم يخرجونه ويدعونه وينالون منه، ولا من الله يبالون ولا يخافون لأن ما اعتقدوه وقالوه هو الدين عندهم وكأنه هو المطلوب منهم، فهؤلاء المشركون مبطلون يضيفون قضاء حوائجهم من المنذور له إلى خصوص النذر مع أن جنسه لا أثر له في ذلك، وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أن نذر طاعة الله فضلاً عن معصيته ليس سبباً لجلب خير ولا لدفع شر إنما الخير الذي يحصل للناذر يوافق النذر موافقة كما يوافق سائر الأسباب فلا ينسب إليه أثر ولا سيئة فأما نسبة التأثير إليه في جلب الخير أو دفع الشر أو رفعه وأنه من المنذور له أو هو متسبب فيه بشفاعته واسطة للناذر الذي يدعوه ويتوكل عليه ويرجوه يشفع له في كل ما نابه وكشف ما أهمه فلا شبهة أن هذا هو الشرك الأكبر والكفر الاعتقادي لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 319
مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ والنذر عبادة قربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له ولتعلق قلبه بواسطته وتألهه له بدعائه إياه ونذره له وتوكله عليه ولحديث حصين بن المنذر: "أن رسول الله ﷺ قال له: "يا حصين كم تعبد قال سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء قال فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء فأمره النبي ﷺ بالإسلام فأسلم" خرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي) ولحديث القوم الصالحين الذين افتتن بهم قومهم خرجه البخاري في صحيحه، وأهل التفسير كابن جرير وغيره، ولاعتقاد قريش في اللات والعزى ومناة، وأما نسبة السببية في النذر خاصة دون المنذور له فلا يعتقد فيه ضر ولا نفع ولا سببية لهما وإنما نذر له ليكون النذر وحده سبباً في حصول المطلوب فهذا نذر معصية لا كفر ولا يجوز الوفاء به لقوله ﷺ : "من نذر أن يعصى الله فلا يعصه" رواه البخاري عن عائشة ولنهيه ﷺ عن وفاء نذر المعصية لله، وعن العقر والذبح لغير الله رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أنس والنذر لغير الله من ذلك، وفي معناه ولا يجوز الوفاء به وإن تصدق بما نذره من ذلك على مستحقي الصدقة من الفقراء الصالحين غير سدنة القبور وخادميها العاكفين عليها لقبض النذور كان خيراً له وأنفع عند الله ﵎، وجواز الاعتقاد في أن هذا النذر هو السبب في حصول المطلوب لا بد له من دليل لا يمكن وجوده على ذلك لنهي النبي ﷺ عنه وإخباره أنه لا يرد شيئاً ولا يقدمه ولا يؤخره ولا يقرب من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره له، كل ذلك مروي في الصحيح عنه ﷺ ولو نذر فعل قربة من صلاة أو ذبح نسك في مكان معد على قبر نبي أو صالح أو تمثالهما أو أحدهما وذلك المكان يقصد لدعائه ورجائه أو للدعاء عنده أو لم يقصد لذلك ولكن نية الناذر التقرب بعمله لديه والتبتل إليه حرم النذر والوفاء مثل تحريمهما في مكان فيه وثن من أوثان الجاهلية أو عيد من أعيادهم، وذلك لما روى أبو داود عن أبي قلابة: (أن ثابت بن الضحاك حدثه قال نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة فقال النبي ﷺ : "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد" قال لا قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم" قال لا فقال رسول الله ﷺ : "فأوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ") وبوانة بضم الباء
стр. 320
الموحدة من أسفل موضع في أرض اليمن ولا تخفى مناسبة الآية والحديث لذكر الترجمة إذ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ شامل لنذر الطاعة والقربة ونذر المعصية المغفورة والمحبطة، وقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ القرآن دال بمنطوقه ومفهومه وصريحه وكتابته أن الله لا يأمر إلاَّ بالطاعة قولاً وعملاً واعتقاداً، وينهى عن المعصية قولاً وعملاً واعتقاداً، فتعين أن يكون الحث على الوفاء بالنذر ومدح الوافين إذا كان في طاعة لله وقربة إليه وإلا فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ حنفاء لله غير مشركين به وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ومن أعظم الزور والفواحش معاصي الله بأنواعها الشاملة للنذر لغيره تعالى سواء كان نذر شرك أصغر أو كان شركاً أكبر فإن النذر لغير الله لا يتناول إلاَّ هذين النوعين ولا يخزج عنهما فلا ينعقد. وجواز الوفاء به متوقف على انعقاده وعدم الاثمية فيه، فذا عن اللزوم، هذا الذي عليه العلماء جمة لا كما زعمه صاحب المقدمة فإنه إنما نفى اللزوم خاصة وأسنده إلى اتفاق العلماء وأبقى جواز الوفاء به وصنيعه يدل على عدم فهمه وقصور إطلاعه، فإن نصوص العلماء قاطبة ناطقة بعدم جواز الوفاء بنذر المعصية وعللوا بنهيه صلوات الله وسلامه عليه عن عصيان الله بالنذر وفيه، ولأن في الجواز تقريراً لمعصية الله وهي منتفية شرعاً وعقلاً هذا مع اختلافهم في انعقاد نذر فعل المعصية كقطيعة رحم وقتل معصوم وشرب خمر وصوم يوم عيد، وتقدم أن الجمهور لا يرى انعقاده وان من رآه لا يجوز الوفاء به بل يوجب فيه كفارة اليمين، وإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يوجب في نذر قتل المعصوم ذبح كبش وإطعامه المساكين، وأما النذر لغير الله فإنه وإن كان نوعاً منه فلا أحد ممن يعتد به من العلماء يقول بجوازه أو انعقاده أو جواز الوفاء به، نعم قال بعض العلماء من الشافعية وغيرهم فيمن نذر لميت أو نحوه شمعاً أو زيتاً ونحوه وقصده أن يكون نذره وسيلة في قضاء ما طلبه أو منع ما قصده ولم يقصد ذلك من الميت نفسه ولا أن يكون سبباً فيه ان هذا النذر حرام لا يجوز الوفاء به وإن تصدق بثمن ما نذره من ذلك أو عينه على المساكين المستحقين كان خيراً له عند الله ﵎ وأنفع انتهى، وقوله ﷺ : " ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه" وقوله: "أنه لا وفاء لنذر في معصية " شامل لكل نذر معصية إما هو بنفسه أو ما هي وصف له، وإن لم يكن هو معصية كنذر الرجل نحر الإبل وذبح النسك أو فعل قربة في مكان معهود فيه
следующие страницы →