متفرقهم، وجعل للأدب لحمة مجازا، وجعل الأدب يجمعهم كما يجمع بني العلّات الأب، والبلاد تفرّقهم، كما تفرّق بني العلّات الأمهات.
[المودة بين الشعراء]
وهذا نحو ما يحكى أنّ دعبلا ذكر عند عليّ بن الجهم فكفّره ولعنه، وقال: كان يظهر على أبي تمام وهو خير منه، دينا وشعرا، فقال له بعض منحضر: لو أن أبا تمام أخوك ما زدت على مدحك له، فقال: إن لم يكن أخي في النّسب، فهو أخي في المودّة والأدب، أما سمعت ما خاطبني به وأنشد لأبي تمام: [الكامل]
إن كان يجمعنا الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد (١)
أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
وكرّر أبو تمام هذا المعنى، فأحسن بقوله: [البسيط]
ذو الودّ مني وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وخلّاني
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرّقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وعدت ... أجسامنا في عرق أو خراسان
وأنشد إسحاق الموصلي: [الطويل]
يقولون لي هل من أخ أو قرابة ... فقلت لهم إن الشّكول أقارب
نسيبي في رأيي وعزمي ومذهبي ... وإن باعدتنا في الولاء المناسب
وليس أخي إلا الصحيح وداده ... ومن هو في وصلي وقربي راغب
وكان لسليمان بن وهب نديم يأنس به، فعربد عليه ليلة فاطّرحه وجفاه فوقف له بالطريق، فلما مرّ به وثب إليه، ثم قال: أيّها الوزير، لا تكن في أمري إلا كما قال عليّ ابن الجهم: [البسيط]
القوم أخدان صدق بينهم نسب ... من المودة لم يعدل به نسب
تراضعوا درة الصّهباء بينهم ... فأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب
لا يحفظون على السّكران زلّته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب
فقال: قد رضيت عنك رضا صحيحا، فعد لشأنك.
قوله الرتب: أي المنازل الرفيعة، مثل كواكب الجوزاء، أي في الإضاءة والرفعة، والجملة المتناسبة الأجزاء، أي المتّفقة، يعني مقاديرهم في الفضل وغيره متساوية لا تفاضل بينهم، كالجملة التي لا مزية لبعضها على بعض، وأقل جملة حسابية أجزاؤها
стр. 1017
متناسبة لا كسر في بعضها ولها النّصف والثلث والربع، والخمس والسدس والسبع والثمن والتسع والعشر هي ألفان وخمسمائة وعشرون، ونصفها ألف ومائتان وستون وثلثها وثلاثمائة ثمانمائة وأربعون، وربعها ستمائة وثلاثون، ألف وخمسها خمسمائة وأربعة، وسدسها أربعمائة وعشرون وسبعها ثلاثمائة وستون، وثمنها ثلاثمائة وخمسة عشر، وتسعها مائتان وثمانون وعشرها مائتان واثنان وخمسون.
قوله: أبهجني، أي أفرحني أحمدت: وجدته محمودا. الطّالع: النجم الذي يسعد به صاحبه وينحس على زعمهم. طفقت: أخذت. أفيض بقدحي: أضرب بسهمي، وهذا من فعل الميسر. وأراد أنه يمشي كلامه مع كلامهم ويدخل مداخلهم. أدّتنا: أوصلتنا.
شجون المفاوضة. طرق المراجعة في الكلام، والشجون في الكلام، تداخله، واختلاط بعضه ببعض، والتفاوض: الاندفاع في الحديث، وفي المثل: الحديث ذو شجون، أي ذو فنون وأصله من الشجر المشجون، وهو الشّجر الذي التفّ بعضه ببعض. التّحاجي:
التفاطن. المقايضة: المعاوضة والمقارضة. الكرى: النوم فات، بمعنى مات وأراد أنّ هذا النوع من الألغاز هو أن يؤتى بلفظ عوضا من لفظ آخر يتوارد معه على معنى واحد، والمماثلة الّتي بينهما إنما هي موافقة المعنى. نجلو: نكشف. السها: نجم خفّي، وقرن السها في خفائه مع القمر في ظهوره، إنما يشير إلى قولهم في المثل: أريها السها وتريني القمر، وأواد أنهم يأتون بلفظة ظاهرة المعنى، وأخرى خفية، فلا يتمّ لهم شيء.
***
وبينا نحن ننشر القشيب والرّثّ، وننسل السّمين والغثّ، وغل علينا شيخ قد ذهب حبره وسبره، وبقي خبره وسبره؛ فمثل مثول من يسمعو ينظر، ويلتقط ما تنثر، إلى أن نفضت الأكياس، وحصحص اليأس.
فلمّا رأى إجبال القرائح، وإكداء الماتح والمائح، جمع أذياله، وولّانا قذاله، وقال: ما كلّ سوداء تمرة، ولا كلّ صهباء خمرة، فاعتلقنا به اعتلاق الحرباء بالأعواد، وضربنا دون وجهته بالأسداد، وقلنا له: إنّ داء الشّقّ أن يحاض، وإلّا فالقصاص القصاص؛ فلا تطمع أن تجرح وتطرح، وتنهر الفتق وتشرح، فلوى عنانه راجعا، ثمّ جثم بمكانه راصعا، وقال: أمّا إذا استثرتموني بالبحث، فلأحكم حكم سليمان في الحرث.
***
القشيب: الثوب الجديد. الرّثّ: الخلق: ننشل: نخرج النشيل، وهو لحم يطبخ بلا تابل ثم ينشل، أي يخرج بالمنشل، وهو حديدة معقفة، ذهب حبره وسبره: هيئته
стр. 1018
ولونه، قال الفراء: من قولهم: جاءت الإبل حسنة الإجبار والأسبار، قال الأصمعي ﵀: هي الجمال والبهاء وآثار النعمة، يقال: فلان حسن الحبر والسّبر، إذا كان جميلا حسن الهيئة، وفي الحديث: يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره، أي قد ذهب جماله وبهاؤه، وسمي الحبر حبرا لأنه يزين الكتاب، ويحسن القرطاس، وحبّرت الشيء زينته، وقيل إنه سمّي حبرا لأنه يؤثر في القرطاس، فيكون علامة فيما يقع فيه، ويقال للأثر؛ حبرة وحبار.
والسّبر: الأصل واللون والهيئة والمنظر، والسّبر ما يدلّ به على لون الدابة وكرمها، ويروي حبره وسبره، بكسر أوّلهما وفتحه، فإذا كسرا كانا اسمين، وإذا فتحا كانا مصدرين، وحبره علمه، وسبره قياسه، مثل: تمثّل قائما. الأكياس: أوعية الدراهم، ونفضت: ألقي ما فيها، وأراد فارغ كلامهم. وحصحص: تبيّن، اليأس: ضد الرّجاء.
إجبال القرائح: انقطاعها عن الكلام. إكداء: صعوبة، وأصل هذا في البئر، فأوّل ما يرشح من مائها هو القريحة، ثم نقل إلى الطّبيعة والذهن، وأجبل الحافر: إذا حال بينه وبين الماء جبل، وأكدى: حال بينه وبينه كدية، والجبل والكدية حجارة وصلابة تعرض في البئر، لا يمكن حفرها معها، ثم يقال: أكدى أي قل خيره وأجبل الشاعر، أي انقطع شعره. وأكدى فلان عطائي، أي قطعه وقلّل خيره، ومنه قوله تعالى: وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى [النجم: ٣٤]. والماتح: المستسقي على فم البئر، والمائح: النازل إلى قعرها ليملأ الدّلاء ويفرّق بينهما بنقطتي الحرف الّذي قبل آخرهما، فمتى كانتا فوق الحرف، فالمستسقي فوق البئر لكثرة الماء، ومتى كانتا تحته فالمستسقي في قعر البئر ليملأ الدلو بيده، وذلك لقلّة الماء، وإذا تكاثرت الدّلاء عليه، وكثر صياح النّاس عليه من رأس البئر، وكل يرغبه ليملأ دلوه، فيأخذ دلو من لا مال له فيضرب به رجا البئر، أي جانبه ليرتدع الناس عنه، ثم يضرب مثلا للمهان، قال الشاعر: [الوافر]
فلا يرمى بي الرّجوان إنّي ... أقلّ القوم من يغني مكاني (١)
وقالت جارية من العرب تستعطفه: [الرجز]
يا أيّها المائح دلوي دونكا ... إنّي رأيت النّاس يحمدونكا (٢)
стр. 1019
ومن أمثالهم: أبصر من المائح يا ستّ الماتح.
وأنشد الفنجديهيّ: [السريع]
يا مائح العين عدمت الرّدى ... من حوض هذي العين كم تستقي
من شيمة الماء انحدار فلم ... ماء جفوني أبدا يرتقي
قوله: جمع أذياله: شمر ثيابه للقيام. قذاله: قفاه.
ما كلّ سوداء تمرة، مثل. والسوداء تستعمل للتمرة والفحمة فيقول: ما كل الكلام سهل فتتعاطونه وما كلّ ما جئتم به بفائق فيدخل في باب المقايضة، وهو مثل يضرب في موضع التهمة.
والصهباء: من أسماء الخمر، والصّهبة أن تعلو الحمرة شقرة وأصوله سود.
[مما قيل في الحرباء شعرا]
الحرباء: دويبّة تستقبل الشمس بوجهها إذا استوت في كبد السماء، وإن لم يتأتّ لها الفرصة بوجهها تململت وتقلّبت، ولم تزل في قلق حتى تميل الشمس، فتستقبلها- أعني قرصها- بوجهها حتى تغرب وهي في طول يومها، لا تأكل شيئا، فإذا جاء الليل ذهبت تبغي ما تأكل، والأنثى منها حرباءة.
وقال أبو عبيدة: الحرباء تستقبل الشمس برأسها أبدا، يقال: إنما تفعل ذلك لتقي جسدها برأسها، وقيل: الحرباء ذكر أمّ حبين، وفي صدره استرخاء وقرب من الأرض، فإذا حميت الأرض بالشمس خاف على صدره أن تحرقه الأرض للزوقه بها، فيصعد على عود شجرة، فيلتزمه بيديه، ويجعله بينه وبين الشمس، ويضرب به المثل في التّشبث بما تعلّق به، وذلك أنّه إذا تعلّق بعود التزمه، وقبض عليه فلا يفارقه، حتى يستوثق من آخر، فيضرب المثل به، فيقال: أحزم من الحرباء. وقال قيس بن الحدادية: [البسيط]
بانت سعاد فأمسى القلب مشتاقا ... وأقلقتها نوى الإزماع إقلاقا
واحتثّ حاديهم بزلا مخيسة ... كوم الذّرا مدد الأعضاد أفياقا (١)
أنّى أتيح لها حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا
والساق: ساق الشجرة، والتّنضب: شجر يتعلّق بأعواده الحرباء، فيقال حرباء
стр. 1020
تنضبه، كما يقال: ذئب غضى. وقال الأزهري رحمه الله تعالى: الحرباء دويبة على خلقة سام أبرص، ذات أربع قوائم دقيقة الرأس مخطّطة الظهر، وأكثر الشعراء من ذكر الحرباء وتشبيهها، ومن جيّد ذلك قول ذي الرّمّة: [الطويل]
ودويّة جرداء جدّاء خيّمت ... بها هفوات الصيف من كلّ جانب (١)
كأنّ يدي حربائها متشمسا ... يدا مذنب يستغفر الله تائب
وقال آخر: [الطويل]
وقد جعل الحرباء يصفرّ لونه ... ويخضرّ من لفح الهجير غباغبه (٢)
ويشبح بالكفّين حتى كأنه ... أخو فجوة عالي به الجذع صالبه
وقال أيضا: [الطويل]
يظلّ بها الحرباء للشمس مائلا ... على الجذل إلّا أنه لا يكبّر (٣)
إذا حوّل الظلّ العشيّ رأيته ... حنيفا وفي قرن الضّحى ينتصر
غدا أكهب الأعلى وراح كأنه ... من الضّحّ واستقباله الشمس أخضر
أخبر أنه يدور مع الشمس في وقت الزوال، حتى تكون الشمس في حذاء القبلة، فكأنّه باستقباله لها في ذلك الوقت مسلم يصلّي لها، وفي الضّحى تكون في وجه المشرق، فكأنّه نصرانيّ فيستقبلها بصلاته.
قال ابن الروميّ: [الكامل]
ما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبدا قبيح قبح الرّقباء
ما ذاك إلّا أنّها شمس الضحى ... أبدا يكون رقيبها الحرباء
قوله: وجهته، أي جهته. والسدّ: الحاجز بين الشيئين. يحاص: يخاط، ويقال:
حاص ثوبه وعين صقره وشقوق رجليه حوصا وحياصة: خاطها، وقيل: الحوص:
стр. 1021
الخياطة بعد رقعة، ولا يكون إلا في جلد، وأنشد يعقوب: [الرجز]
ترى برجليه شقوقا في كلع ... من بارئ حيص ودام منسلع (١)
الكلع: الوسخ، ومنسلع: متشقق. القصاص: أخذ الحق في الجنايات. وتنهر:
توسّع فترده كالنّهر. الفتق: الخرق. وتسرح: تذهب. لوى عنانه: أماله وعطفه. جثم:
برك. راصعا: لاصقا بالأرض والرّصع: تباعد ما بين الركبتين، ورصع بالشيء يرصع رصوعا إذا لازمه. استثرتموني: طلبتموني واستخرجتم ما عندي. والبحث: المناقشة في السؤال، وأصله الصّيد تقول: استثرت الصيد؛ إذا بحثت عليه حتى تقيمه من مرقده.
[حكم سليمان في صاحب الحرث وصاحب الغنم]
قوله: حكم سليمان في الحرث. كان سليمان ﵇، فيما ذكروا أبيض، وضيئا، جسيما كثير الشّعر، يلبس من الثياب البياض. فلما بلغ مبلغ الرجال، كان أبوه في أيام ملكه يشاوره في أموره، وكان هذا الحكم- فيما ذكر عن ابن عباس ﵄ أن رجلين دخلا على داود ﵇، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: يا نبيّ الله، انفلتت غنم هذا في زرعي ليلا، فرتعت في حرثي، فلم تستبق منه شيئا، فقال له داود: اذهب، فإن الغنم لك، فملّكه رقابها بما أكلت من حرثه، فلما خرجا من عنده خطرا على سليمان ﵇، فأخبراه بقضاء أبيه، فقال: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا. فأخبر داود ﵇، فدعاه وقال له:
كيف كنت تقضي بينهما؟ فقال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له رسلها ونسلها وصوفها، ويبذر صاحبه لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الزرع كهيئته يوم أكل، أخذ غنمه. فقال داود: القضاء ما قضيت به، وحكم بقضاء سليمان ﵉.
وقال ابن مسعود وشريح ومقاتل: أراد بالحرث الكرم، وأن الغنم أكلت قضبانه، فأفسدته، فحكم بها داود لصاحب الكرم، ولم يكن بين الغنم والكرم تفاوت، فمرّوا بسليمان ﵇، وهو ابن إحدى عشرة سنة، فقال: يعمل الراعي في إصلاح الكرم حتى يعود كهيئته، ثم يأخذ غنمه.
ومن عجائب حكم سليمان ﵇ ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : بينا امرأتان معهما ابناهما، إذ جاء الذئب، فذهب بأحدهما، فقالت: هذه إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنّما ذهب بابنك، فاختصما إلى داود ﵇، فقضى به للكبرى فمرّتا على سليمان، فأخبرتاه، فقال ﵇: «ائتياني
стр. 1022
بسكين أشقّه بينكما، فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصّغرى» (١) قال أبو هريرة ﵁: والله إن كنت سمعت بالسكين قبل ذلك، ما كنت أقول إلا المدّية.
قوله: الشمائل: الخلائق والطباع. والشّمول الذهبية: الخمر الحمراء.
***
[مما قيل في الخمر شعرا]
وذكر في هذه المقامة أنهم سبئوا قهوة، وذكرها هنا أنها في لونها حمراء، والعرب تتمدّح بشرب الخمر السبيئة، وتصفها بالحمرة، كقول الأعشى، وهو في أوصافها في الجاهليّين، كالحسن في الإسلاميين، وحبّه فيها صدّه عن الإسلام: [الكامل]
وسبئيّة ممّا تعتّق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها (٢)
وقوله: [المتقارب]
فقمنا ولمّا يصح ديكنا ... إلى خمرة عند حدادها (٣)
فقلت له: هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقتادها
فقام فصبّ لنا قهوة ... تسكّننا يعد إرعادها
كميت تكشّف عن حمرة ... إذا ضرّجت بعد إزبادها
فجال علينا بإبريقه ... مخضّب كفّ بفرصادها
فرحنا تنعّمنا نشوة ... تجوز بنا بعد إقصادها
وقال أبو ذؤيب: [الطويل]
ولا الرّاح راح الشام جاءت سبيّة ... لها غاية تهدي الكريم عقابها (٤)
стр. 1023
عقارها كما التّبر ليست بخمطة ... ولا خلّة يكوي الشروب شهابها
وقال الحسن: [الطويل]
وخمّار أنخت عليه ليلا ... قلائص قد تعبن من السّفار
فجمجم والكرى في مقلتيه ... كمخمور شكا ألم الخمار
ابن لي كيف سرت إلى حريمي ... وثوب اللّيل مصبوغ بقار
فقلت له ترفّق بي فإني ... رأيت الصّبح من خلل الدّيار
فكان جوابه أن قال كلّا ... وما صبح سوء صبح العقار
وقام إلى الدّنان فسدّ فاها ... فعاد الليل مسدول الإزار
وقال عبد الصمد: [الطويل]
وخيمة ناظور تحفّ بروضة ... يحييك منها وردها والبنفسج
وأشمط أعلى وسطها بعد هجعة ... تراه بها من قره يتشنّج
دعوت فلبّى وهو بالصوت عارف ... وأقبل نحو الباب يزهو ويهرج
فقلت له المصباح إن كنت مسرجا ... فقال: قفوا فالخمر في الكأس تسرج
***
اعلموا يا ذوي الشّمائل الأدبيّة، والشّموع الذهبيّة، أنّ وضع الأحجيّة، لامتحان الألمعيّة، واستخراج الخبيّة الخفيّة، وشرطها أن تكون ذات مماثلة حقيقيّة، وألفاظ معنوّية، ولطيفة أدبيّة؛ فمتى نافت هذا النّمط، ضاهت السّقط، ولم تدخل السّفط؛ ولم أركم حافظتم على هذه الحدود، ولا مزتم بين المقبول والمردود، فقلنا له: صدقت، وبالحقّ نطقت؛ فكل لنا من لبابك، وأفض علينا من عبابك؛ فقال: أفعل لئلّا يرتاب المبطلون، ويظنّوا بي الظّنون.
***
قوله: «لامتحان الألمعية»، أي لاختبار الفطنة. نافت: باعدت. النّمط: النوع، يقال: الزم هذا النّمط، أي هذا المذهب والفنّ والطريق. ضاهت: شابهت. السّقط:
رديء المتاع وما لا يعبأ به. والسّفط: وعاء لجميع الثياب الرفيعة، وسفط العلوم:
الكتب، أي لم تكتب ولم تدوّن في الكتب. مزتم: فرّقتم. لبابك: خالص ما عندك.
أفض: صبّ. عبابك: بحرك، وعبّ البحر عبابا هاج واضطرب: يرتاب: يشكّ.
***
стр. 1024
ثمّ قابل ناظورة القوم، وقال: [المجتث]
يا من سما بذكاء ... في الفضل واري الزّناد
ماذا يماثل قولي: ... جوع أمدّ بزاد
ثم ضحك إلى الثاني وأنشد: [المجتث]
يا ذا الّذي فاق فضلا ... ولم يدنّسه شين
ما مثل قول المحاجي: ... ظهر أصابته عين
ثم لحظ الثالث وأنشأ يقول: [مجزوء الرجز]
يا من نتائج فكره ... مثل النقود الجائزه
ما مثل قولك للّذي ... حاجيت: صادف جائزه
ثم أتلع إلى الرابع وقال: [الهزج]
أيا مستنبط الغام ... ض من لغز وإضمار
ألا أكشف لي ما مثل: تناول ألف دينار
ثم رمى إلى الخامس ببصره، وقال: [مجزوء الرجز]
يا أيّهذا الألمعيّ ... أخو الذّكاء المنجلي
ما مثل أهمل حلية ... بيّن هديت وعجّل
ناظورة القوم: كبيرهم الّذي ينظرون إليه. سما: ارتفع. ذكاء: جودة الذّهن.
واري: مبدي النار، أي زنده متى ضرب أورى نارا. فاق: فضل غيره. النتائج: ما يولّده الفكر من الكلام. النقود: الدراهم. أتلع: مهّد عنقه ونصبه، وتلع الرجل يتلع تلعا:
أخرج رأسه من شيء كان فيه. مستنبط: مستخرج. الغامض: الخفيّ، وغمض غموضا:
دقّ وأحوج إلى النظر، والألمعيّ: هو الذّكي، أي صاحب الفطنة.
***
ثم التفت لفت السادس وقال: [مجزوء الكامل]
يا من تقصّر عن مدا ... هـ خطا مجاريه وتضعف
ما مثل قولك للّذي ... أضحى يحاجيك: أكفف أكفف
ثم خلج السابع بحاجبه وقال: [مخلع البسيط]
يا من له فطنة تجلّت ... ورتبة في الذّكاء جلّت
بيّن فما زلت ذا بيان ... ما مثل قولي: الشّقيق أفلت
стр. 1025
ثم استنصت الثّامن وأنشد: [مجزوء الكامل]
يا من حدائق فضله ... مطلولة الأزهار غضّه
ما مثل قولك للمحاجي ... ذي الحجى: ما اختار فضّه
ثم حدج التاسع ببصره، وقال: [مجزوء الكامل]
يا من يشار إليه في ال ... قلب الذّكيّ وفي البراعة
أوضح لنا ما مثل قو ... لك للمحاجي: دس جماعه
قال الرّاوي: فلمّا انتهى إليّ، هزّ منكبيّ، وقال: [مجزوء الكامل]
يا من له النّكت التي ... يشجي الخصوم وينكت
أنت المبين فقل لنا ... ما مثل قولي: خالي اسكت
التفت لفت، أي قصد قصده بالنظر، ولفت عنقه إليّ، أي لواها ناظرا إليّ. مداه:
غايته. خلج: غمز، وقال الراجز: [الرجز]
* قد خلجت بحاجب وعين (١) *
تجلّت: ظهرت. جلت: عظمت. واستنصت: سكت. حدائق: بساتين مطلولة:
أصابها الطلّ. غضّة: ناعمة. الحجا: العقل. حدج: رمى. البراعة: الفصاحة ووفور العقل. يشجي: يغصّ، والغصص: الاختناق. ينكت: يقلبهم على رءوسهم، وطعنه فنكته: ألقاه على رأسه، وعند القضاعيّ يشجي، وينكت، أي يسكت على ذلك.
***
ثمّ قال: قد أنهلتكم وأمهلتكم، وإن شئتم أن أعلّكم عللتكم.
قال: فألجأنا لهب الغلل، إلى استسقاء العلل؛ فقال: لست كمن يستأثر على نديمه، ولا ممّن سمنه في أديمه. ثم كرّ على الأول وقال: [مخلع البسيط]
يا من إذا أشكل المعمّى ... جلته أفكاره الدقيقه
إن قال يوما لك المحاجي: خذ تلك ما مثله حقيقة
ثمّ ثنى جيده إلى الثاني، وقال: [مجزوء الرجز]
يا من بدا بيانه ... عن فضله مبيّنا
стр. 1026
ماذا مثال قولهم: ... حمار الوحش زيّنا
ثم أوحى إلى الثالث بلحظه، وقال: [مجزوء الكامل]
يا من غدا في فضله ... وذكائه كالأصمعي
ما مثل قولك للّذي ... حاجاك: أنفق تقمع
ثم حملق إلى الرابع وأنشد:
يا من إذا ما عويص ... دجا أنار ظلامه
ماذا يماثل قولي: ... استنش ريح مدامه
ثم أومض إلى الخامس، وقال:
يا من تنزّه فهمه ... عن أن يروّي أو يشكّا
ما مثل قولك للذي ... أضحى يحاجي: غطّ هلكي
***
أنهلتكم: أسقيتكم، والنّهل: الشّرب الأوّل، والعلل: الشرب الثاني أعلّكم:
أسقيكم عللا. لهب الغلل، أي حرّ العطش. يستأثر، أي يخصّ نفسه بشيء دون أصحابه. سمنه في أديمه: أي خيره موقوف عليه، والأديم هنا: زقّ السمن، وأصل المثل: سمنكم هريق في أديمكم، أي خيركم موقوف عليكم؛ قاله أبو عبيدة. وخطأ البكريّ في تفسير الأديم بالزّقّ، وقال: إنّما الأديم هنا طعامكم المأدوم، فعيل بمعنى مفعول، أي خيرهم راجع إليهم، وهو قول الأزهريّ ﵀ ولم ينكر الأوّل، وهو مثل يضرب للبخيل ولمن لا يتعدّاه خيره، وينفق على نفسه دون غيره. وقمعه يقمعه: ضربه بالمقمعة، أي قهره وكفّه، وقمع الشراب وأقمع: مرّ في الحلق مرّا بغير جرع. كرّ:
عطف: جيده: عنقه. أوحى: أشار. حملق: أحدّ النّظر. عويص: صعب. دجا: اسودّ.
أنار: جعل فيه النور. تنزه: تباعد. يروّي: يفكر، وقد روّأت الحديث، إذا دبّرته وهيّأته.
***
ثم أقبل إلى السادس، وأنشد: [مجزوء الخفيف]
يا أخا الفطنة الّتي ... بان فيها كماله
سار باللّيل مدّة ... أيّ شيء مثاله
ثم نحا بصره إلى السابع، وقال: [المجتث]
يا من تحلّى بفهم ... أقام في النّاس سوقه
стр. 1027
لك البيان فبيّن ... ما مثل: أحبب فروقه
ثمّ قصد قصد الثامن، وأنشد: [مجزوء الكامل]
يا من تبوّأ ذروة ... في المجد فاقت كلّ ذروه
ما مثل قولك: أعط إب ... ريقا يلوح بغير عروه
ثم ابتسم إلى التاسع، وقال: [مجزوء الكامل]
يا من حوى حسن الدّرا ... يه والبيان بغير شكّ
ما مثل قولك للمحا ... جي ذي الذّكاء: الثور ملكي
ثم قبض بجمعه على ردني، وقال: [الكامل]
يا من سما بثقوب فطنته ... في المشكلات ونور كوكبه
ماذا مثال صفير جحفلة ... بيّنه تبيانا ينمّ به
***
بان: تبين. تحلّى: تزيّن. تبوّأ: نزل. والذّروة: أعلى الشيء. ثقوب:
نفوذ.
***
قال الحارث بن همّام: فلمّا أطربنا بما سمعناه، وطالبنا مكاشفة معناه. قلنا له: لسنا من خيل هذا الميدان، ولا لنا بحلّ هذه العقد يدان، فإن أبنت مننت، وإن كتمت غممت. فظلّ يشاور نفسيه، ويقلّب قدحيه، حتى هان بذل الماعون عليه.
فأقبل حينئذ على الجماعة وقال: يا أهل البلاغة والبراعة، سأعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون، ولا ظننتم أنّكم تعلّمون. فأوكوا عليه الأوعية، وروّضوا به الأندية. ثم أخذ في تفسير صقل به الأذهان، واستفرغ معه الأردان، حتّى آضت الأفهام أنور من الشّمس، والأكمام كأن لم تغن بالأمس.
***
أبنت: بيّنت. مننت: أفضلك علينا. نفسيه: أراد أنّه يردّد رأيه: هل يفعل أو لا يفعل؟ فكأنّ له نفسين، يردّد المشورة عليهما حتى يظهر لهما الرأي الأرجح فيهما فيبني عليه. وقال حويرث العبديّ: [الطويل]
стр. 1028
لكلّ امرئ نفسان نفس كريمة ... ونفس فيعصيها الفتى أو يطيعها
وقد تقدّم معنى يقلّب قدحيه. الماعون: المعروف، وقال يونس: الماعون في الجاهليّة: كلّ عطيّة ومنفعة، وفي الإسلام الزكاة والطاعة. وقال ابن عباس: الماعون المعروف كلّه حتى ذكر القدر والقصعة والفأس.
وحكى الفنجديهيّ عن ابن عباس: الماعون العاريّة، وقال الماعون: اسم جامع لمنافع البيت، كالقدر والفأس والماء والملح ونحوها، وقال الأعشى: [المتقارب]
بأجود منه بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم (١)
والأظهر فيه، أنّه من العون، وأصله معوون بوزن «مفعول»، فقدّمت الواو التي بعد العين، فصار موعون، ثم قلبت ألفا كما قيل: يا جل. وحكى الغراء عن بعض العرب:
الماعون الماء، فيكون على هذا مفعولا من العين، ويعلّ كما علّ من العون، أو يكون فاعولا، من معن الماء، إذا سال. وهو أيضا قول من اشتقه من قولهم: ممعن هربا، أو من قولهم: عين معين. قال قطرب: ماعون فاعول من المعن، وهو الشيء اليسير، ومنهم من قال: أصله معونة، والألف بدل الهاء.
قوله: أوكوا: أي شدّوا. روّضوا: زيّنوا، واجعلوها مثل الرياض. الأردان:
الأكمام. آضت: رجعت أذهانهم مضيئة بالفهم وزال عنها الالتباس. تغن بالأمس، يريد أنّ أكمامهم كانت بالأمس ممتلئة بالدراهم، فتفرّغت اليوم إذ وهبوا له ما فيها.
***
ولما همّ بالمفرّ، سئل: أين المفرّ؟ فتنفّس كما تتنفّس الثّكول، ثم أنشأ يقول: [مجزوء الرمل]
كلّ شعب لي شعب ... وبه ربعي رحب
غير أنّي بسروج ... مستهام القلب صبّ
هي أرضي البكر والجوّ ... الّذي منه المهبّ
وإلى روضتها الغنّا ... ء دون الرّوض أصبو
ما حلالي بعدها حل ... وو لا اعذوذب عذب
قال الرّاوي: فقلت لأصحابي: هذا أبو زيد السّروجي، الّذي أدنى ملحه
стр. 1029
الأحاجي، وأخذت أصف لهم حسن توشيته. ثمّ التفتّ فإذا به قد طمر، وناء بما قمر؛ فعجبنا مما صنع إذ وقع، ولم ندر أين سكع وصقع.
***
المفرّ: المهرب. المقرّ: المنزل والبلد. الثّكول: المرأة الثّكلى الفاقدة لأحبابها.
شعب، أي طريق، أي كلّ بلد لي بلد. ربعي رحب، أي منزلي متّسع. المستهام: الذي غلب الحبّ على قلبه فخرج هائما على وجهه لا يدري أين يتوجّه، وهام يهيم: ذهب عقله فخرج في غير الطريق، وقيل: الهائم: العليل القلب، الّذي يجد في قلبه هياما، وهو وجع يجده البعير، فلا يروى من شرب الماء: قال عروة بن حزام: [الطويل]
بي اليأس أو داء الهيام أصابني ... فإيّاك عنّي لا يكن بك ما بيا (١)
أو يكون من التهويم، وهو هجوم النوم، وهو في الأوجه الثلاثة اسم مفعول، وكان قياسه مستهيما إلّا أنه لما كان كأنه مغلوب على ذلك، جاء على هذا وحذف «به» لدلالة المعنى. والصّبّ: العاشق. البكر: التي ولدت بها. الجوّ: اسم لنواحي السماء. مهبّ الريح: موضع هبوبها من الجوّ، وأراد بلدته التي يجيء منها ويخرج عنها للبلاد. الغنّاء:
الكثيرة الأشجار، وتقدّمت علّتها. أصبو: أميل. أدنى: أقل. توشيته: تزيينه كلامه.
مشيئته: إرادته. طمر: وثب، وهو من الأضداد يقال: طمرت الشيء: سترته، وطمر الجرح سفل وعلا أيضا، ومنه قيل للبرغوث طامر، لنزوّه وارتفاعه. ناء: نهض. قمر:
حازه بالقمار. سكع: مشى مشي المتعسّف. صقع: ذهب، وقيل: لم يدر أين ذهب.
والسّكع: الذهاب على غير هداية، والصّقع: الناحية من الأرض، وما أدري أين صقع، أي أيّ ناحية قصد من الأرض.
***
[في تفسير الأحاجي]
إذا أردت أن تعرف المماثلة في هذه الأحاجي فتنظر «جوع أمدّ بزاد» فتقابله بطوامير، فتقسم هذه اللفظة، فتقابل القسم الأول وهو «طوا» بقولك: «جوع» فتجده مثله في المعنى، وتقابل بالقسم الثاني، وهو «مير» قولك: «أمد بزاد»، فتجده مثله في المعنى، والمير الإمداد بالزاد، ومير الرجل: أعطى نفقة وقوتا لعياله، فهذه المماثلة
стр. 1030
الحقيقية التي قدّم، وكذلك تقابل «ظهر أصابته عين» بقولك: «مطاعين»، فتجد المطا الظهر، وعين الرجل: أصيب بالعين، وكذلك صادف جائزة، هي ألفي صلة، وألفي هي: صادق، والجائزة هي الصّلة، تصل بها من قصدك. وإن تركت الألفاظ منظومة بغير تقسيم، ينتج منها معنى آخر فيقال لك: ما الطوامير؟ فتقول: الكتب، الواحد طومار، والمطاعين: جمع مطعان، وهو الكثير الطّعن، والفاصلة، الّتي تقع بين شيئين فتفصل هذا من هذا والفاصلة في العروض: توالي أربعة أحرف أو ثلاثة متحركة بعدها ساكن، وهكذا هي المقايضة في هذه المقامة، تصل اللفظة فيكون لها معنى، وتفصلها فيكون لها معنى آخر.
وأنا أفسّر معنى المتصلة إذ المنفصلة قد وقع تفسيرها في المقامة قوله: هادية، أي مرشدة، تقول: هدتني الطريق فهي هادية. والغاشية: ما يغشى القلب، أي يغطيه من الهمّ والسّقم، والغاشية أيضا القوم يغشونك، أي يقصدونك ويزورونك، والغاشية:
القيامة، والغاشية: المرأة تغشاك وتزورك، والغاشية غشاء القلب، والغاشية: غشاء السّرج.
والمهمة: القفر، والأخطار: جمع خطر، وهو الغرر، والأخطار: المنازل الشريفة. والأبارقة: جمع إبريق، وهو إناء معروف، والأبارقة أيضا: السّيوف الصقيلة، واحدها إبريق، والطافية: الجيفة تطفو على وجه الماء أي تطلع عليه.
الفرازين: وزراء الفرس الواحد فرزان، ومنه فرزان الشطرنج، الذي تسمّيه العامة «فرزا»، لأنه وزير الشاه، والشاه في كلام الفرس الملك. وقمت: معناه كففت.
والمنتقم: الفرح بمصيبة غيره. والرّحراح من الأواني: الواسع القصير الحديد، ورحراح: موضع معروف. والصّنبور: النخلة الطويلة العنق القليلة الحمل، والصّنبور أيضا: العفاص الذي يجعله السّقاء في فم القربة، ويشدّ عليه ويفرغ منه الماء، والصّنبور أيضا: اللئيم، والصّنبور من الناس من ليس له نسل.
والسّراحين: الذئاب الواحد سرحان. الأسكوب: المطر الكثير الصبّ والأسكوب والإسكاب: قطعة خشب فيها قرص تجعل في خرق الزّق. والمقلاع: آلة يقلع بها الشيء. والله الموفق.
تفسير الأحاجي المودعة هذه المقامة
أمّا جوع أمدّ بزاد، فمثله طوامير، وأما ظهر أصابته عين، فمثله مطاعين، وأما صادف جائزة فمثله الفاصلة، وأمّا تناول ألف دينار، فمثله هادية، وأمّا أهمل حلية فمثله الغاشية.
وأمّا اكفف اكفف، فمثله مهمه، وأما الشقيق أفلت فمثله أخطار.
стр. 1031
وأمّا ما اختار فضة فمثله أبارقة؛ لأن الرّقة من أسماء الفضة، وقد نطق بها النبي ﷺ فقال: «الرّقة ربع العشر» (١).
وأمّا دس جماعة فمثله طافية، وأمّا خالي اسكت فمثله خالصة؛ لأنك إذا ناديت مضافا إلى نفسك جاز لك حذف الياء وإثباتها ساكنة ومتحرّكة؛ وقد حذف هاهنا حرف النداء، كما حذفه في أصل الأحجيّة، وصه بمعنى اسكت، وأما خذ تلك فمثله هاتيك.
وأمّا حمار وحش زيّنا، فمثله فرازين، لأن الفرأ حمار الوحش، ومنه الحديث:
«كلّ الصيد في جوف الفرا» (٢).
وأمّا قوله: أنفق تقمع، فمثله منتقم؛ لأنّ الأمر من مان يمون من. مضارع وقمت تقم.
وأمّا استنش ريح مدامه، فمثله رحراح؛ لأن الأمر من استدعاء الرائحة رح. وأما غطّ هلكى فمثله صنبور؛ لأن البور هم الهلكى، وفي القرآن وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً [الفرقان: ١٨].
وأما سار بالليل مدة؛ فمثله سراحين.
وأما أحبب فروقة؛ فمثله مقلاع، لأن الأمر من ومق ويمق مق، واللّاع: الجبان؛ يقال: فلان هاع لاع؛ إذا كان جبانا جزوعا.
وأما أعط ابريقا يلوح بغير عروة، فمثله أسكوب؛ لأن الأوس الإعطاء والأمر منه أس. والكوب: الإبريق بغير عروة.
وأما الثّور ملكي، فمثله اللآلي؛ لأن اللأي على وزن القنا هو ثور الوحش. وأما صفير جحفلة، فمثله مكاشفة؛ لأن المكاء الصّفير؛ قال تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال: ٣٥]. والأصل في المكاء المدّ؛ ولكنه قصره في هذه الأحجية، كما حذف همزة الفرا في أحجيته، وكلا الأمرين من قصر الممدود، وحذف همزة المهموز جائز.
стр. 1032
المقامة السّابعة والثلاثون وتعرف بالصّعديّة
حكى الحارث بن همّام قال: أصعدت إلى صعدة، وأنا ذو شطاط يحكي الصّعدة، واشتداد يبدر بنات صعدة؛ فلمّا رأيت نضرتها، ورعيت خضرتها، سألت نحارير الرّواة، عمّا تحويه من السّراة، ومعادن الخيرات؛ لاتّخذه جذوة في الظلمات، ونجدة في الظّلامات، فنعت لي قاض بها رحيب الباع، خصيب الرّباع، تميميّ النّسب والطباع؛ فلم أزل أتقرّب إليه بالإلمام، وأتنفّق عليه بالإجمام؛ حتّى صرت صدى صوته، وسلمان بيته.
***
أصعدت: طلعت وارتفعت، قال يعقوب: الإصعاد إلى نجد واليمن والحجاز، والانحدار إلى العراق والشام وعمان. وقال الأخفش: أصعد في البلاد: سار فيها ومضى، وأصله الذهاب في الصعود وهو الارتفاع، ثم توسّعوا في ذلك، وقال الفرّاء رحمه الله تعالى في ابتداء الأسفار والمخارج، تقول: أصعدنا من مكّة إلى بغداد، وأصعدنا من بغداد إلى خراسان، فأما في السّلم فتقول: صعدت فيه لا أصعدت. قال يعقوب ﵀: صعّد الجبل وأصعد في البلاد: انحدر فيها وصعد: ارتقى.
وصعدة: مدينة عظيمة باليمن، بينها وبين صنعاء ستون فرسخا، وتحكم فيها صنعة الجلود، والجلد الصّعدي في غاية الجودة، ويضرب المثل بحسن نسائها.
الشّطاط: طول القامة. والصعدة: الرمح. اشتداد: جري. يبدر: يسبق. بنات صعدة: حمر الوحش. نضرتها: خصبها ونعمتها، والنضرة: صفاء اللون وبريقه، نحارير: علماء، والنّحرير، الماهر والحاذق الّذي جرّب الأمور وعرفها، وهو اسم يجمع وجوها من المدح، فيفسّر النحرير بالعالم والمفلق والحاذق والماهر والعادل. والسّراة: السادة، وهو جمع سريّ، وهو السيد الشريف، وجمع فعيل على فعلة عزيز لا يعرف غير هذا، الجذوة: الجمرة الغليظة العظيمة وجيمها بثلاث حركات، ويجمع ثلاثتها، نحو جذا وجذا وجذا. نجدة: قوّة وعونا، الظّلامات:
جمع ظلامة، وهو ما يشتكيه المظلوم، رحيب الباع: واسع العطاء، فكنى بالباع عن
стр. 1033
ذلك، والعرب إذا وصفت الرجل بالسخاء، قالوا: هو رحيب الباع، وطويل الباع، وكريم الباع، والباع والبوع بسط اليد بالمعروف، وقد باع يبوع منه، ويقال للبخيل: قصير الباع. خصيب الرّباع، أي هو كثير المال فجمع له كرمه كثرة ماله، فالناس يجدون في كنفه الخصب وقد يراد بخصيب الرباع نافق سوق الأحكام فالمتعلّق به يجد الخصب.
تميميّ النّسب، أي من بني تميم وشرك الطباع مع النّسب، وهو يريد أنه كامل تام في خلقه، فنسب قبيلته لتميم، وطباعه التّمام والكمال فغلّب أحدهما، وشرك بينهما للقرب، قال ابن شرف: فيما يلمّ بهذا التشريك، ويحسن أن يمدح قاضي المقامة به لجوده: [البسيط]
جاور عليّا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادّرعت فلا تسأل عن الأسل
اسم حكاه المسمّى في الفعال فقد ... حاز العليّين من قول ومن عمل
فالماجد السيّد الحرّ الكريم له ... كالنّعت والعطف والتوكيد والبدل
زان العلا وسواه شأنها، وكذا ... تميّز الشّمس في الميزان والحمل
وربّما عابه ما يفخرون به ... يشنأ من الخصر ما يهوى من الكفل
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع، والأفواه والمقل
فإنه أراد بقوله: «حاز العلّيين» أي حاز عليّا بالاسمية، والعلوّ بالفعلية، وهذا مثل ما تقدم للحريريّ: [الخفيف]
جاد بالعين حين أعمى هواه ... عينه فانثنى بلا عينين
فقد أوقع التشبيه على شيئين، يتّفقان في اللفظ، ويختلفان في المعنى، وقد أنشدنا فيما تقدم لبعض المتأخرين: [البسيط]
فكيف أصبر عنها اليوم إذ جمعت ... طيب الهواءين ممدود ومقصور
فالمقصود هوى النفس، والممدود الهواء الذي بين السماء والأرض، وقد قدّمنا في تفسير قول الحريري، وحيّا المسجد بالتّسليمتين، أنّ السلام الواحد على من في المسجد عند دخوله، والثاني تحليل الصلاة.
وقوله: هنا تميميّ النسب والطباع من هذا القبيل، وأكثره في كلام المولدين، وهو مستعمل في كلام العرب، ولا يبعد أن يكون من هذا قولهم: التقى الثريان، فإنهم يريدون بذلك كثرة المطر، وأنه يبلغ في الأرض إلى التراب الندي، فالثرى الواحد المطر، والثاني التراب النّدي، على أنه يحتمل أن يريد بذلك أنّ التراب اليابس لما بله المطر، حتى لحق بالتراب النّدي، صار اليابس منهما يسمّى «ثرى» فقيل: التقى الثريان، وقال النابغة: [الوافر]
стр. 1034
وقد أبقت صروف الدّهر منّي ... كما أبقت من السّيف اليماني (١)
يصمّم وهو مأثور جراز ... إذا جمعت بقائمه اليدان
فسّره أبو عبيد البكري وغيره: بأنه أراد بذلك الجارحة، والأيد الذي هو القوّة، فجمع على الأخفّ، فهذا من قبيل ما قدمناه، ولا يحضرني الآن غير هذا من كلام العرب.
قوله: الإلمام، أي تخفيف الزيارة. أننفّق، أتخرّج، والنّفاق ضدّ الكساد.
الإجمام: الزيارة صدى صوته، أي متى دعاه وجده حاضرا مجيبا له، والصدى: صوت الجبل الذي يردّ عليك إذا صحت.
وابن همام في هذا المقامة شرطيّ القاضي.
[سلمان الفارسيّ]
وسلمان الذي ذكره، هو سلمان مولى رسول الله ﷺ وخادمه، ويعرف بسلمان الخير، قالت عائشة ﵂: كان لسلمان ﵁ مجلس مع رسول الله ﷺ ينفرد به في الليل، حتى كاد يغلبنا عليه.
وقال ﵇: «أمرني ربي بحبّ أربعة، وأعلمني أنه يحبّهم: عليّ، وأبو ذرّ، والمقداد، وسلمان»، رضي الله تعالى عنهم.
وأتى أبو سفيان على سلمان وصهيب وبلال، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدوّ الله مأخذها، فقال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم! وأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: يا أبا بكر، لعلّك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك، فأتاهم أبو بكر ﵁ فقال: يا إخوتاه، أأغضبتكم؟ فقالوا: لا، ويغفر الله لك.
وكان من أبناء أساورة فارس، وأصله من رامهرمز، وقيل: كان من أصبهان، وكان يطلب دين الله ويتبع من يرجو ذلك عنده، فدان بالنصرانية وغيرها، وقرأ الكتب، وصبر في ذلك على مشقات نالته، وكلّها مذكورة في إسلامه في كتب السّير.
وقيل: تداوله في ذلك بضعة عشر ربّا، حتى أفضى إلى النبيّ ﷺ فاشتراه من قوم من اليهود.
وأوّل مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، فقال أبو سفيان وأصحابه: هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.
وسئل عليّ عنه فقال: علم العلم الأول، بحر لا ينزف، هو منّا أهل البيت، وفي رواية: هو مثل لقمان الحكيم، وكان فاضلا حبرا زاهدا عالما متقشفا.
стр. 1035
وتعلّم عمل الخوص، فقيل له: لم نعمل هذا وأنت أمير! وقد أجري عليك رزق، فقال: إني أحببت أن آكل من عمل يدي. وكان يتصدق بما يرزق من بيت المال، وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها.
وقال ﷺ : «لو كان الدّين في الثريا لناله سلمان».
أبو هريرة ﵁، كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ ، فقرأ سورة الجمعة، فلما قرأ: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [الجمعة: ٣]- وفينا سلمان- وضع يده على سلمان، ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لنا له رجل من هؤلاء».
وتوفّي في آخر خلافة عثمان ﵁، وما ترك شيئا يورث عنه. وفضائله كثيرة.
وعلى قولهم لأبي بكر: «لا، ويغفر الله لك»، قال أبو محمد في الدّرة: وربما أجاب المستخبر بلا النافية، ثم عقبها بالدعاء له، فيستحيل الكلام إلى الدعاء عليه، كما روي أنّ أبا بكر ﵁ رأى رجلا، بيده ثوب، فقال: أتبيع هذا؟ فقال لا عافاك الله، فقال أبو بكر ﵁ لقد علمتم لو تعلمون! فهلا قلت: لا وعافاك الله! .
قال أبو محمد: والمستحسن ما قال يحيى بن أكتم للمأمون، وقد سأله عن أمر فقال: لا؛ وأيد الله أمر أمير المؤمنين.
وحكي أنّ الصاحب بن عباد لمّا سمع هذه الحكاية، قال: والله لهذه الواو أحسن من واوات الأصداغ، في خدود المرد الملاح.
***
وكنت مع اشتيار شهده، وانتشاق رنده، أشهد مشاجر الخصوم، وأسفر بين المعصوم منهم والموصوم، فبينما القاضي جالس للإسجال، في يوم المحفل والاحتفال؛ إذ دخل شيخ بالي الرّيا، وبادي الارتعاش؛ فتبصّر الحقل تبصّر نقّاد، ثم زعم أنّ له خصما غير منقاد؛ فلم يكن إلا كضوء شرارة، أو وحي إشارة؛ حتّى أحضر غلام، كأنّه ضرغام فقال الشيخ: أيّد الله القاضي، وعصمه من التغاضي، إن ابني هذا كالقلم الرّدي، والسّيف الصّدي، يجهل أوصاف الإنصاف، ويرضع أخلاف الخلاف، إن أقدمت أحجم، وإذا أعربت أعجم، وإن أذكيت أخمد، ومتى شويت رمّد؛ مع أني كفلته مذ دبّ، إلى أن شبّ، وكنت له الطف من ربّي وربّ فأكبر القاضي ما شكا إليه، وأطرف به من حواليه، ثم قال: أشهد أنّ العقوق أحد الثّكلين، ولربّ عقم أقرّ للعين.
***
стр. 1036
قوله: اشتيار؛ أي استخراج عسله، وأراد اجتناء منفعته. انتشاق: شمّ، يقال:
نشق الريح الطيبة نشقا وانتشق: وتنشق: شمها، الرّند: شجر طيّب الرائحة، قال ابن دريد ﵀: هو الآس، وقال الجوهري ﵀: ربما سمّي العود رندا، مشاجر الخصوم: مواضع الخصام التي يتشاجر فيها الخصمان؛ أي يمتزج كلام هذا بكلام هذا، من الشّجر، واحدها مشجر، وقد يراد بها المصدر، وجمع لاختلاف أنواعه، أسفر: أمشي بينهم بالصلح المعصوم: المحفوظ من الوقوع فيما يحذر، وأصل العصمة في كلامهم المنع، وعصمته من كذا، إذا منعته. وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]، أي يمنعك، الموصوم: ذو الوصم، وهو العيب، فأراد أنه يصلح بين أهل الخير والشرّ. للإسجال: للحكم، وأسجل القاضي على نفسه بالحكم، وسجّل، إذا كتب على نفسه، فأراد أنه جلس للحكم في العقود والسجلات، ومحفل القوم: مجتمعهم، والاحتفال: كثرة النّاس واجتماعهم، ومعنى احتفل الرجل: جمع، وأراد: يكثر من الشيء الذي قصد، وجمع المحفل محافل، ومنه الشاة المحفلة، وهي التي يحبس لبنها أياما في ضرعها لا تحلب. الرياش:
الثياب. تبصّر الحفل: نظر الجمع وشخص فيهم، نقّاد: مفتش، كأنه ينقد ببصره الرجال، ويريد أنّه نظر من شرط القاضي أهل الحزم والجراءة، فأخبرهم بقصّة ابنه، فانطلقوا فأتوا به، ونقّاد الدراهم: الذي يمعن النظر فيها والتقليب لها، ليميز جيدها من رديئها، وحي إشارة، يريد إشارة العين، إذا غمزت من تريد أن يفهم إشارتك دون غيره، والوحي: الإيماء الخفي. ضرغام: أسد في عظم خلقته وشدته، التغاضي: التغافل والسكوت عن الظلم، الصّدى: الذي علاه الصّدأ، وهو وسخ السيف، والأخلاف جمع خلف، وهو ما يجلب منه اللبن ويقبض عليه الحالب، قال ابن دريد: وقيل: الخلف للناقة كالضّرع للبقرة: أحجم: تأخر، أعربت: أوضحت، أعجم: أبهم ولبّس أذكيت: أوقدت. أخمد: أطفأ، وخمدت النار: أطفئ لهبها، كفلته: ربّيته. دبّ. مشى مشي صغيرة على يديه ورجليه. شبّ: صار شابّا ألطف:
أشفق وأرق، ربّ: أصلح، يريد أنه أصلح أحواله، وأحسن تربيته تحرّزا من أن ينسبه القاضي إلى تقصير. أكبر: رآه كبيرا، أطرف: أعجب، وجعلهم يستطرفون خبره.
الثّكلين: الفقدين، يريد أنّ الرجل إذا عقه ولده ولم يبرّه فكأنه قد فقده.
[عقوق الوالدين]
ومما جاء في العقوق: كان جرير الشاعر أعقّ الناس بأبيه، وكان بلال ابنه كذلك، فرجع جرير بلالا في الكلام، فقال له بلال: الكاذب بيني وبينك ناك أمّه، فأقبلت أمه عليه، وقالت: يا عدوّ الله، تقول هذا لأبيك! فقال جرير: دعيه، فكأنه سمعه مني وأنا أقولها لأبي.
وممن شهر عنه العقوق بوالديه الحطيئة الشاعر، قال يهجو أباه: [الوافر]
стр. 1037
لحاك الله ثمّ لحاك حقّا ... أبا ولحاك من عمّ وخال (١)
فبئس الشيخ أنت لدى المخازي ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت اللؤم لا حيّاك ربي ... وأبواب السّفاهة والضّلال
وقد تقدّم هجو نفسه وأمه.
وممن هجا أباه وغيره عليّ بن بسام، وما سلم من هجائه أمير ولا وزير، ولا كبير ولا صغير، ومما قال في أبيه: [الخفيف]
هبك عمّرت عمر عشرين نسرا ... أترى أنني أموت وتبقى!
فلئن عشت بعد موتك يوما ... لأشقن جيب مالك شقا
وقال فيه أيضا: [الطويل]
بعثت لأستهديك عيرا ولم أكن ... علمت بأنّ العير صرلنا صهرا
فوجّه به كي نشترك في ركوبه ... فتركبه بطنا وأركبه ظهرا
وقال فيه أيضا: [الرمل]
شدت دارا خلتها مكرّمة ... سلّط الله عليها الغرقا
وأرانيك صريعا وسطها ... وأرانيها صعيدا زلقا
وقال فيه أيضا: [البسيط]
بنى أبو جعفر دارا فشيّدها ... ومثله لخيار الدّور بنّاء
فالجوع داخلها والذلّ خارجها ... وفي جوانبها بؤس وضرّاء
ما ينفع الدار من تشييد حائطها ... وليس داخلها خبر ولا ماء
وكذب، كان أبو جعفر محمد بن نصر بن منصور بن بسام في نهاية السّودد والمروءة والنظافة، رجل مترف نبيل المركب، مليح الملبس، ظريف العلمان، له همة في تشييد البنيان، وما رثاه ابن الرومي به يدلّ على كذب ابنه، قال ابن الرومي فيه:
[الكامل]
أودى محمد بن نصر بعد ما ... ضربت به في جوده الأمثال
ملك تنافست العلا في عمره ... وتنافست في موته الآجال
من لم يعاين سير نعش محمد ... لم يدر كيف تسيّر الأجبال
ودخرته للدهر أعلم أنّه ... كالحصن فيه لمن يؤول مآل
وتمتعت نفسي بروح رجائه ... زمنا طويلا والتمتع مال
стр. 1038
ورأيته كالشمس إن هي لم تنل ... فالرّفق منها والضياء ينال
لهفي لفقدك يا محمّد إنه ... فقدت بك النّفحات والأنفال
بالله اقسم إنّ عمرك ما انقضى ... حتى انقضى الإحسان والإجمال
ولابن بسام يعزّي أبا القاسم بن وهب في ابن مات له: [مخلع البسيط]
قل لأبي القاسم بن وهب ... أتى بك الدّهر للعجائب
مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشّين والمعايب
حياة هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب
وقد تقدّم هجوه في أخيه.
ومن حسن التعطف على الابن العاق، قول إبراهيم الصابي، وكان ابنه يعقّه:
[البسيط]
أرضى عن ابني إذا ما عقني حذرا ... عليه أن يغضب الرحمن من غضبي
ولست أدري بم استحققت من ولدي ... إسخان عيني وقد أقررت عين أبي!
***
قوله: ولرب عقم، العقم ألّا تلد المرأة.
فقال الغلام؛ وقد أمعضه هذا الكلام: والذي نصب القضاة للعدل، وملّكهم أعنّة الفضل والفصل، إنه ما دعا قطّ إلا أمّنت، ولا ادّعى إلا آمنت، ولا لبّى إلّا وأحرمت، ولا أورى إلا وأضرمت؛ بيد أنّه كمن يبغي بيض الأنوق، ويطلب الطّيران من النّوق فقال له القاضي: وبم أعنتك، وامتحن طاعتك؟ قال: إنّه مذ صفر من المال، ومني بالإمحال، يسومني أن أتلمّظ بالسّؤال، وأستمطر سحب النّوال؛ ليفيض شربه الذي غاض، وينجبر من حاله ما انهاض، وقد كان حين أخذني بالدّرس، وعلمني أدب النّفس، أشرب قلبي أنّ الحرص متعبة، والطّمع معتبة، والشره متخمة، والمسألة ملأمة.
***
أمعضه: أوجعه وأغضبه، وأمعض من ذلك وامتعض: غضب وشقّ عليه وأوجعه، ادّعى: نسب لنفسه ما شاء، وفلان مدّع وفعله الدعوى آمنت: صدقت ما ادّعاه لبّى: من تلبية الحاج إذا صاح: لبّيك لبّيك. أحرمت: صرت محرما. أورى: أظهر له النار من الزند، أضرمت: أو قدت، بيد: غير الأنوق: ذكر الرّخم ولا بيض له، فكأنه طلب أمرا لا يكون أبدا، ومثله: طلب الأبلق العقوق، والأبلق الذكر والعقوق من الخيل: التي امتلأ
стр. 1039
بطنها من حملها؛ يقال للأنثى: قد أعقت وهي معقّ وعقوق؛ فكأنه طلب أمرا لا يكون أبدا، لأنه لا يكون الأبلق عقوقا.
ويقال: إن رجلا سأل معاوية أن يزوجه أمه هندا، فقال: أمرها إليها، وقد أبت أن تتزوّج، قال: فولّني مكان كذا وكذا، فقال معاوية متمثلا: [الخفيف]
طلب الأبلق العقوق فلمّا ... لم ينله أراد بيض الأنواق (١)
والأنوق: طائر أبيض في شواهق الجبال، فبيضها في حرز لا يطمع فيه فمعناه طلب ما لا يكون، وأما طلب الطّيران من النوق فمثل الأول، وهو لا يمكن قوله: أعنتك، أي أتعبك، وكلفك ما يشقّ عليك، من عنت البعير يعنت عنتا، إذا حدث في رجله كسر بعد الجبر، فلا يمكنه التّصرّف إلا بمشقة. قال أبو عبيد ﵀: عنّته: أضرّ به، والعنت:
الضرر، قال: وأعنته أيضا، أهلكه وقال أحمد بن عبيد: أعنته: شدّد عليه، والعنت:
التّشديد.
ابن عزيز: عنت: هلاك، وأصله المشقة والصعوبة، ومنه قولهم: أكمة عنوت، إذا كانت صعبة المسالك، وقوله تعالى: لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة: ٢٢]، أي لأهلككم، ويجوز أن يكون المعنى لشدّد عليكم وتعبّدكم بما يصعب أداؤه عليكم، كما فعل بمن قبلكم.
امتحن: ابتلي، صفر: خلا، مني: بلي. الإمحال: الجدب والفقر، يسومني: يكلفني.
أتلمّظ بالسؤال، أي أكثر الكلام به، والتلمّظ: تتبّع ما بقي في الفم من الطعام باللسان بعد الأكل سحب: جمع سحابة، النوال: العطاء، قال ابن الأنباري ﵀: النّول والنوال: المنفعة والحظّ، ونلت الرجل: إذا نفعته. وأنلته حظا ونالني فلان: نفعني، وقولهم: ما كان نولك أن تفعل كذا؛ أي ما كان لك منفعة في هذا الفعل، ونولك:
منصوب خبر كان وأن نفعل اسم كان أو بالعكس. يفيض: يسيل ويكثر. شربه: ماؤه، وأراد به ماله: غاض: جفّ، انهاض: انكسر. أشرب: روى وسقى. الحرص: كثرة:
الطمع والطلب للدنيا، والشّره: الحرص الكثير. متخمة: مفسدة، والمسألة: سؤال ما في أيدي الناس. ملأمة: لؤم.
***
ثم أنشدني من فلق فيه، ونحت قوافيه: [السريع]
ارض بأدنى العيش واشكر عليه ... شكر من القلّ كثير لديه
وجانب الحرص الذي لم يزل ... يحطّ قدر المتراقي إليه
وحام عن عرضك واستبقه ... كما يحامي اللّيث عن لبدتيه
стр. 1040
واصبر على ما ناب من فاقة ... صبر أولى العزم وأغمض عليه
ولا ترق ماء المحيّا ولو ... خوّلك المسئول ما في يديه
فالحرّ من إن قذيت عينه ... أخفي قذى جفنيه عن ناظريه
ومن إذا أخلق ديباجه ... لم ير أن يخلق ديباجتيه
***
فلق: شقّ من بين شفتيه، نحت: نجر، أراد إنشاء قصائده. والقوافي، من قفوت الشيء، إذا تتبعته، وسميت بذلك الاتباع بعضها بعضا. القلّ: القلّة. المتراقي: المرتفع، لبدتيه. شعر متلبد على كفله وبين كتفيه، ناب: نزل. فاقة: فقر. أغمض، أي استره واغفل عنه، والمحيّا: الوجه، خولك: ملكك. الناظر: سواد العين، فيريد أنه إذا وقع في عينيه قذى وهو السقط على شدّة إذايته، احتمله الحرّ الكريم وصبر عليه، وأخفاه من ناظريه: تجلد، أي أخفي أذى بعض العينين عن بعض، وهذا غاية في المبالغة، ديباجه:
ثوبه، والديباج: ثوب رفيع، ديباجتيه: خدّيه، وقيل ديباجة الخدّ حسن بشرته، وأخلق الشيء، وأخلقه غيره لازم ومتعدّ: يقول: إذا افتقرت وبلي ثوبك فلا تبذل وجهك لأحد، ولا تهنه بالسؤال، وهذا من قول حبيب: [البسيط]
ذلّ السؤال شجا في حلق معترض ... من دونه شرق من خلفه حرض (١)
ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض
وقال في ابن الزيات: [البسيط]
اعطى ونطفة وجهي في قراراتها ... يصونها الوجنات الغضّة القشب (٢)
ويقول: لم يخلق وجهي سؤال، فوجهي غضّ جديد، والنطفة: ماء الوجه الذي نهى الحريري عن إراقته حين قال: [السريع]
ولا ترق ماء المحيّا ولو ... خوّلك المسئول ما في يديه
[أبو تمام وعبد الصمد بن المعذل]
قال الصوليّ: كان حبيب رحمه الله تعالى لا يجيب هاجيا، ترفّعا عنه، فانحدر إلى البصرة والأهواز يمدح من بهما، فكتب إليه عبد الصمد بن المعذل: [الخفيف]
أنت بين اثنتين تبرز للنّاس ... س بكلتيهما بوجه مذال
لست تنفك طالبا لوصال ... من حبيب أو طالبا لنوال
стр. 1041
أيّ ماء لحرّ وجهك يبقى ... بين ذلّ الهوى و ذلّ السؤال
فلما قرأ الشعر قال: قد شغل هذا ما يليه، ولا أرب لنا فيه.
وحكى الأصبهانيّ قال: جمع مجلس أبا تمام وعبد الصمد، وكان عبد الصمد سريح القول، وفي أبي تمام بطء، فأخذ عبد الصمد قرطاسا، وكتب: أنت بين اثنتين، الأبيات، ورمى بها إلى أبي تمام، فأخذه وخلا به طويلا، وجاء وقد كتب فيه: [الكامل]
أفيّ تنظم قول الزّور والفند ... وأنت أنزر من لا شيء في العدد
أشرجت قلبك من بغض على حرق ... كأنها حركات الرّوح في الجسد
فقال له عبد الصمد: يا ماصّ بظر أمه، أخبرني عن «لا شيء» في العدد كيف يكون؟ وعن قولك: «أشرجت قلبك»، أعيبة أو خرج، فأشرجه، عليك لعنة الله.
فانقطع أبو تمام انقطاعا ما رئي مثله.
وحكاية الصوليّ أولى بالصحة من هذه، وليس عبد الصمد من رجال أبي تمام، ولا له من التصرّف في أنواع الشعر ما لأبي تمام، وصنع البديع وقف عليه، ولو صحّت الحكاية فلا يحكم بالنّدرة، لكن يحكم بالجملة، واستعمال ديوان حبيب في مجالس العلماء شاهد على فضله، على أنّ ما جمعنا لعبد الصمد في هذا الكتاب غاية في بابه.
فلنرجع إلى ما قيل في ذل السؤال.
[ذل السؤال]
قال رسول الله ﷺ : «من سأل وعنده ما يغدّيه أو يعيشه فإنما يستكثر من جمر جهنّم» (١).
وقال الحسن بن علي ﵄: حسبك من السؤال أنه يضعف لسان المتكلم، ويكسر قلب الشجاع البطل، ويوقف الحرّ الكريم موقف العبد الذليل، ويذهب بنضرة اللون، ويمحو الحسب، ويحبّب الموت، ويمقت الحياة.
الأصمعي ﵀: سمعت أعرابيا يقول: المسألة طريق المذلّة، تسلب الشريف عزة والحسيب حسبه.
وقال معاوية لعبد الله بن الزبير: أنشدني ثلاثة أبيات غريبة، فقال أنشدكها بثلاثين ألفا تدفعها إليّ، فقال: حتى تنشد فأسمع، فأنشده أبيات الأفواه الأوديّ: [الوافر]
بلوت النّاس قرنا بعد قرن ... فلم أر غير ختل أو قتال (٢)
стр. 1042
ولم أر في الخطوب أشدّ ضرّا ... وآذى من معاداة الرّجال
وذقت مرارة الأشياء طرا ... فما شيء أمرّ من السؤال
ثم قال له: أسمعتك وأنت الحكم، فحكم له، وأمر له بثلاثين ألفا.
وينظر إلى ما نسبه ابن المعذل لحبيب من إضافة ذل السؤال، ما أضافه له عليّ بن الجهم من ذل الاعتذار، وقال يعتذر للمتوكل: [الخفيف]
إنّ ذلّ السؤال والاعتذار ... خطة صعبة على الأحرار
ليس من باطل تورّها المر ... ء ولكن سوابق الأقدار
فارض للسائل الخضوع وللقا ... رف ذنبا بذلّة الاعتذار
إن تجافيت منعما كنت أولى ... من تجافى عن الذّنوب الكبار
أو تعاقب فأنت أعرف با ... لله وليس العقاب منك بعار
وقال أيضا: [الطويل]
هي النفس ما حمّلتها تتحمّل ... وللدهر أيّام تجور وتعدل
وعاقبة الصّبر الجميل جميلة ... وأكمل أخلاق الرجال التفضّل
ولا عار أن زالت عن المرء نعمة ... ولكنّ عارا أن يزول التجمّل
وما المال إلا حسرة إن تركته ... وغنم إذا قدّمته متعجّل
***
قال: فعبس الشّيخ واكفهرّ، واندرأ على ابنه وهرّ وقال له: صه يا عقق، يا من هو الشّجي والشّرق، ويك، أتعلم أمّك البضاع، وظئرك الإرضاع! لقد تحكّكت العقرب بالأفعى، واستنّت الفصال حتّى القرعى، ثم كأنه ندم على ما فرط من فيه، وحدته المقة على تلافيه، فرنا إليه بعين عاطف، وخفض له جناح ملاطف، وقال له: ويك يا بنيّ، إنّ من أمر بالقناعة، وزجر عن الضّراعة، هم أرباب البضاعة، وأولو المكسبة بالصناعة؛ فأما ذوو الضّرورات، فقد استثنى بهم في المحظورات؛ وهبك جهلت هذا التأويل، ولم يبلغك ما قيل، ألست الذي عارض أباه، فيما قال وما حاباه!
قوله: اكفهر، اشتدّ عبوسه، ووجه مكفهر: منقبض كالح، لا يرى فيه أثر بشر ولا فرح اندرأ: اندفع على ابنه بالشتم، هرّ: كشر وجهه وعبسه، صه: اسكت، يا عقق: يا كثير العقوق، ويقال: عق أباه يعقه عقوقا، فهو عاق، ويعدل إلى عقق للمبالغة، كعامر وعمر، وعقّ أباه: لم يعطه وقطع رحمه. ولما قتل حمزة عمّ النبي ﷺ ورضي الله عن
стр. 1043
عمه، مرّ به أبو سفيان، فطعنه بالرمح في شدقه، وقال: ذق عقق، أي ذق جزاء فعلك يا عقق والعق: القطع والشق.
وقال عليه الصلاة السلام: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاقّ لوالديه، والدّيّوث، ورجلة النساء» (١).
قوله: الشّجا: الاختناق بالطعام، الشّرق بالماء والطعام والشراب، بهما قوام العيش، فإذا عرض فيهما ذلك فقد عرضت مشقة وأذيّة في موضع الالتذاذ، وكذلك الولد العاق، وهو أذيّة في موضع راحة، وما أحسن قول القائل: [مخلع البسيط]
قراية السوء داء سوء ... فاحمل أذاهم تعش حميدا
فمن تكن قرحة بفيه ... يصبر على مصّه الصّديدا
البضاع: النكاح والجماع ظئرك: مرضعتك، تحكّكت: لصقت بها وحلقت حواليها، استنّت: جرب متتابعة في سنن، وهو الطريق والمذهب، ومنه فلان يستنّ، أي يجري على أيّ أمر شاء، لا يزجره عنه زاجر. وقيل: استنّت، أي سمنت، من قولهم:
سنّ الراعي إبله؛ إذا أحسن رعيها فأسمنها، فكأنه حسّنها وصقلها. القرعى: التي يصيبها القرع في رأسها، والقرعى: جمع قريع، مثل مرضى ومريض، وهذه أمثال تضرب لمن يتشبه بغيره، ولا يقوي قوّته.
فرّط: سبق حدته: ساقته المقة: المحبة، تلافيه: تداركه بالعطف عليه رنا: نظر:
عاطف: راحم، ملاطف، أي رفيق به، أي حسّن كلامه وأنسه وخفض الجناح؛ يكنى به عن لين الجانب ويك: عجبا لك! زجر: نهى الضراعة: التّذلل، وضرع ضراعة فهو ضارع، تضرّع: تذلل وتخشع، البضاعة: التجارة. المحظورات: الممنوعات، وأراد بالاستثناء ما أحلّ الله من المحرمات لأهل الضرائر، ويروى: سوّغوا في المحظورات، أي رخّصوا لهم فيها هبك: أحسبك التأويل: التفسير، ولم يبلغك ما قيل، يعني في إباحة السؤال للمضطر، وهو قول الناس: الضرورات تبيح المحظورات، ويصدّقه قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ [المائدة: ٣]، وقال ﵊: «إنما المسألة كدوح يكدح بها أحدكم وجهه إلا مسألة من ذي سلطان أو في أمر لا بدّ منه» (٢)، عارضه: قابله بنقيض ما قاله. حاباه: اختصّه بهذه الوصية، أي جعل هذا الشعر وصية لمن سمعه، ويقال: حابى فلان فلانا، إذا مال إليه واتّصل به، أخذ من حبيّ السحاب، وهو السحاب الذي يدنو بعضه من بعض وقيل حباه: خصه بالليل أخذه من الحبوة، وهي
стр. 1044
العطية يحبوها الرجل صاحبه، ويخصّه بها قال اليزيدي: ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك:
ابنك، وزوجك، وخادمك. [البسيط]
***
لا تقعدنّ على ضرّ ومسغبة ... لكي يقال عزيز النّفس مصطبر
وانظر بعينك هل أرض معطّلة ... من النّبات كأرض حفّها الشّجر
فعدّ عمّا تشير الأغبياء به ... فأيّ فضل لعود ماله ثمر
وارحل ركابك عن ربع ظمئت به ... إلى الجناب الّذي يهمي به المطر
واستنزل الرّيّ من درّ السّحاب فإن ... بلّت يداك به فليهنك الظّفر
وإن رددت فما في الرّدّ منقصة ... عليك، قد ردّ موسى قبل والخضر
***
مسغبة: جوع. حفّها: حلّقها، يريد أنّ الأرض ذات الخصب تقصد لما فيها من الأرزاق، والأرض المعطّلة من النبات- وهي الجدبة- يفرّ عنها، وكذلك الغنيّ يكرم لماله، والفقير يهجر ويهان.
[فضل المال]
ومما جاء في فضل المال، قال رسول الله ﷺ للمجاشعيّ: «إن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإن كان لك دين فلك كرم».
وقال حكيم لابنه: يا بنيّ أوصيك، عليك بطلب المال، فلو لم يكن إلا أنه عزّ في قلبك، وذلّ في قلب عدوّك.
وقال آخر لابنه: يا بنيّ أوصيك باثنتين لن تزال بخير ما تمسّكت بهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك.
وكان سعد بن عبادة يقول: اللهمّ ارزقني حمدا ومجدا، فإنه لا مجد إلّا بفعال، ولا فعال إلّا بمال.
وقالوا: المال آلة للمكارم، وعون على الزمان، ومتألّف للإخوان، ومن فقده قلّت الرغبة إليه والرهبة منه.
قال سفيان الثوريّ: المال سلاح المؤمن في هذا الزمان.
وكان لأحيحة بن الجلاح بالزّوراء ثلاثمائة ناضح، فدخل بستانا له، فمرّ بتمرة فلقطها، فليم على ذلك، فقال: تمرة إلى تمرة تمرات، وجمل إلى جمل ذود. ثم أنشد يقول: [البسيط]
стр. 1045
إنّي مقيم على الزّوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال (١)
استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب ... من ابن عمّ ومن عمّ ومن خال
كلّ النداء إذا ناديت يخذلني ... إلّا النداء إذا ناديت يا مالي
وقال عروة بن الورد: [الوافر]
ذريني للغنى أسعى فإنّي ... رأيت النّاس شرّهم الفقير
وأدناهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير
يباعده القريب ونزدريه ... حليلته ويقهره الصغير
ويلقى ذو العنى وله جلال ... يكاد فؤاد لاقيه يطير
قليل ذنبه والذّنب جمّ ... ولكن للغنى ربّ غفور (٢)
ومن أمثال بغداد: المال المال، وما سواه محال.
قوله: الأغبياء: الجهال، وأراد بهم الّذين يأمرون بالبخل. ظمئت: عطشت.
والركاب: الإبل. والجناب: الجانب والناحية. يهمي: يسيل والرّيّ: الشبع من الماء، والصّوب وقع الماء. والظفر: الفوز بالحاجة، يقول: فارق أرضك واغترب في طلب المال، واسأل الكرماء يعطوك.
وقال الشاعر: [الطويل]
سأعمل نصّ العيس يوما ليكفني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان (٣)
فللموت خير من حياة يرى بها ... على المرء بالإقلال وسم هوان
إذا قال لم يسمع لحسن مقاله ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان
كأنّ الغنى في أهله يجعل الفتى ... بغير لسان ناطقا بلسان
وأشار بقوله: «قد ردّ موسى قبل والخضر، إلى قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما [الكهف: ٧٧].
стр. 1046
وفي نسب الخضر الختلاف، منهم من جعله من قابيل بن آدم، ومنهم من يجعل بينه وبين سام بن نوح خمسة آباء، ويجعله من ذريّة سام، وقال ﵊: «إنما سمّي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتزّ خضرة» (١). والفروة: الأرض البيضاء، وقصته مع موسى مشهورة. وقيل إن موسى صاحبه غير موسى بن عمران. وقال موسى للخضر حين فارقه: عظني فقال: لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، فكما تذهب بأمل صادق فتخيب، قد تذهب بأمل كاذب فتصيب، وتذهب للحقير، وتدرك الجليل. وقد ذهب موسى ليقتبس نارا، فكلّمه ربه. وقد تقدّم هذا.
قال ابن عبد ربه: مما جبل عليه الحرّ الكريم، ألّا يقنع من شرف الدنيا والآخرة بشيء مما انبسط له من أمر الدنيا، بل يكون أمله فيما هو أسنى درجة وأرفع مرتبة، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز ﵁ وهو عامل بالمدينة لدكين الراجز: إن لي نفسا توّاقة، فإذا بلغك أني صرت إلى أشرف من منزلتي فأتني. فلما صار خليفة أتاه، فقال: أنا أعلمتك أن لي نفسا توّاقة، وأنّ نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدنيا منزلة، فلما بلغتها وجدتها تتوق إلى أشرف منازل الآخرة منزلة.
ومن الشاهد لهذا المعنى أنّ موسى ﵇ لمّا كلمه ربه تكليما سأله، النظر إليه إذ كان ذلك- لو وصل إليه- أشرف من المنزلة التي نالها؛ فالحرّ الكريم لا يقنع بمنزلة إلا رجاء أشرف منها قال: ومن قولنا في هذا المعنى: [البسيط]
والحرّ لا يكتفي أبدا من نيل منزلة ... حتى ينال الّتي من دونها العطب
يسعى به أمل من دونه أجل ... إن كفّه رهب يدعو به رغب
لذاك ما سأل موسى ربّه: أرني ... أنظر إليك وفي تسآله عجب
يبغي التزيّد فيما نال من كرم ... وهو النجيّ لديه الوحي والكتب
وقال حبيب: [الطويل]
ذريني وأهوال الزمان أقاسها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه (٢)
***
قال: فلمّا أن رأى القاضي تنافي قول الفتى وفعله، وتحلّيه بما ليس من أهله، نظر إليه بعين غضبى، وقال: أتميميّا مرة وقيسيّا أخرى! أفّ لمن ينقض ما يقول، ويتلوّن كما تتلوّن الغول. فقال الغلام: والّذي جعلك مفتاحا للحقّ، وفتّاحا
стр. 1047
بين الخلق؛ لقد أنسيت مذ أسيت، وصدئ ذهني مذ صديت؛ على أنّه أين الباب الفتح، والعطاء السّرح! وهل بين من يتبرع باللها، وإذا استطعم بقول: ها!
قال له القاضي: مه فمع الخواطئ سهم صائب، وما كل برق حالب. فميّز البروق إذا شمت، ولا تشهد إلّا بما علمت.
قوله تحلّيه: تزيّنه، وقوله: أتميميّا مرة وقيسيّا أخرى، مثل يضرب لمن يتناقض فيما يقول، تقديره: أتنسب مرة لتميم وتنسب مرّة لقيس! وتميمو قيس قبيلتان عظيمتان، وبينهما أبدا مكافحات ومقاتل، وتميم هذا ابن مرّة بن آدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، وقيس بن الياس، قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا الدرداء، إذا فاخرت ففاخر بقريش، وإذا كاثرت فكاثر بتميم، وإذا حاربت فحارب بقيس، إلّا أن وجهها كنانة، ولسانها أسد، وفرسانها قيس، ألا إن لله فرسانا في سمائه وهم الملائكة، وفرسانا في الأرض وهم قيس، وإنّ آخر من يقاتل على الإسلام حين لا يبقى إلا ذكره، ومن القرآن إلا رسمه، رجل من قيس». قلت: يا رسول الله، من أيّ قيس؟ قال: «من سليم». وفي البديعية: [مجزوء الخفيف]
إنّ حالي مع الزما ... ن كحالي مع النّسب
أنا أصحى مع النّبي ... ط وأمسي مع العرب
نسبي في يد الزما ... ن إذا سامه انقلب
وقال زفر بن الحارث لعمران بن حطّان: أزيديّا مرة، وأوزاعيّا أخرى! وقال عمران ابن حطّان: [البسيط]
فاعذر أخاك ابن زنباع فإنّ له ... في النائبات خطوبا ذات ألوان
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدّيّا معدناني (١)
وقال آخر: [البسيط]
أفي الولائد أولاد لواحدة ... وفي العيادة أولاد لعلّات (٢)
قوله: يتلوّن، أي يتغير ويتنوّع. والغول: ساحرة الجن، وهو يتصوّر في صور شتى. وأخذه من قول كعب بن زهير: [البسيط]
стр. 1048
فما تدوم على حال تكون بها ... إلّا كما تلوّن في أثوابها الغول (١)
وتزعم العرب أنه إذا انفرد رجل في الصحراء ظهرت له في خلقة إنسان، ولا يزال يتبعها حتى يضلّ الطريق، فتدنو منه، وتتمثل في صور مختلفة فتهلكه روعا. وإذا أرادت أن تضلّ الناس أوقدت نارا فيبصرها الساري فيقصدها، فتفعل ذلك وتروّعه، فإن كان الذي يأتيها شجاعا مقداما تحامل وتبعها، فإذا رأت ذلك لم تضرّه، وجلس يصطلي بنارها وهي معه. وقال تأبّط شرا: [المتقارب]
وأدهم قد جبت جلبابه ... كما اجتابت الكاعب الخيعلا (٢)
إلى ضوء نار تنوّرتها ... فبتّ لها مدبرا مقبلا
فأمسيت والغول لي جارة ... فيا جارنا أنت ما أهولا
فمن يك عن جارتي سائلا ... فإنّ لها باللّوى منزلا
قال أبو عمرو ﵀ بات تأبّط شرّا ليلة ذات ظلمة ورعد وبرق بواد يقال له:
رحى بطان، فلقيه الغول- وهو سبع من سباع الجنّ- فما زال يقاتلها حتى قتلها، فقال:
[الوافر]
ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحى بطان
فإنّي قد رأيت الغول تهوي ... بسهب كالصّحيفة صحصحان
فشدّت شدّة نحوي فأهوى ... لها كفّي بمصقول يماني
لها عينان في رأس قبيح ... كرأس الهرّ مشقوق اللسان
وساقا مخدج وشواة كلب ... وثوب من عباء أو شنان
قالوا: وخلفتها خلقة إنسان ورجلاها رجلا حمار، فإذا صاح بها الرّجل: رجلي حمار! نهقت نهيقا لا تخطئ السّبسب والطريق، وفرّت منه.
وانظر في التاسعة والأربعين ذكر القطرب وفيه شيء مستظرف.
قوله: فتّاحا، أي حاكما. وافتح بيننا، أي احكم بيننا، والفتّاح: الناصر، والفتح:
النصر. والحاكم بنصر المظلوم. أسيت: حزنت صدئ ذهني، أي تغطى بالغفلة، من الصّدأ، وهو ما يعلوه من الدّرن. وصديت، غير مهموز أصدى صدى، وأراد مذ افتقرت
стр. 1049
علاني الوسخ، وصحبني النسيان. والفتح: الكثير الفتح الواسع الذي لا يغلق في وجه قاصده. السّرح. الكثير الذي يسرح صاحبه في أنواع الجود، والسرح: السهل السريع، وناقة سروح: مسرعة في سيرها يتبرع: يتفضّل بجوده متطوعا، وتبرّع: تطوّع. اللها:
العطايا. ها معناها: خذ وتناول. وذكر أبو محمد هذه اللفظة في الدّرة فقال: ويقولون لمن يناول شيئا ها، بقصر الألف، فيلحنون فيها، لأن الألف ممدودة كما جاء في الحديث: «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء» (١). ويجوز فيه فتح الهمزة وكسرها مع المدّ ولا تقصر إلا إذا اتصلت بها كاف الخطاب، فيقال: هاك؛ كما يروى أن عليا ﵁ آب إلى فاطمة ﵂ من بعض مواطن الحرب، وسيفه يقطر دما، فقال:
[الطويل]
* أفاطم هاك السيف غير مذمّم (٢) *
وعند النحويين أنّ المد فيها بدل من كاف الخطاب، لأنّ أصل وضعها أن تقترن كاف الخطاب بها. فساقها أبو محمد هنا مقصورة بغير كاف، ووقع فيما زعم أنه لحن.
فإن قيل: لعلّها لما وقعت في فقرة موقوف عليها، يحتمل فيها ذلك، فنقول: إنه قد أردفها على فقرة قبلها مقصورة بإجماع، وهي اللها فسوّاها معها؛ على أن أهل اللغة حكوا في اللفظة أربع لغات: ها مقصورة كما في المقامة، وهاء بالمدّ مع فتح الهمزة وكسرها. وسمع رجل أبا العتاهية ينشد: [مجزوء الكامل]
فانظر بطرفك حيث شئ ... ت فلن ترى إلا بخيلا
فقال: قد بخّلت الناس كلّهم، فقال: كذّبني أنت بواحد منهم سخيّ.
قوله: مه: اكفف. الخواطئ: السهام تخطئ الغرض، وهذا مثل يضرب لمن يكثر الخطأ ويأتي أحيانا بالصواب. خالب: خادع شمت البرق: نظرت سحابه أين يمطر.
أعظم: جعله عظيما.
***
فلمّا تبيّن للشّيخ أن القاضي قد غضب للكرام، وأعظم تبخيل جميع الأنام؛ علم أنه سينصر كلمته، ويظهر أكرومته، فما كذّب أن نصب شبكته، وشوى في الحريق سمكته، وأنشأ يقول: [السريع]
стр. 1050
يا أيّها القاضي الّذي علمه ... وحلمه أرسخ من رضوى
قد ادّعى هذا على جهله ... أن ليس في الدّنيا أخو جدوى
وما درى أنّك من معشر ... عطاؤهم كالمنّ والسّلوى
فجد بما يثنيه مستخزيا ... ممّا افترى من كذب الدّعوى
وأنثني جذلان أثني بما ... أوليت من جدوى ومن عدوى
***
والحريق: ما تحرقه النار من الحشيش والعيدان، وناره ضعيفة لا تدوم. السمك:
كبش الماء، فلا يستوي إلّا على نار قوية فربّما شوى سمكته ما دام لهب النار موجودا، فإذا سكن اللهب لم يتمكن من شيّها لعدم الجمر في الحريق، فيريد أنّه حرّض القاضي بالشعر على الكرم، حين اهتزّ للكرام، وغضب من تبخيلهم فهزّه بهذا الشعر ليجود عليه قبل أن يسكن، فربّما يبدو له ألّا يجود. أرسخ: أثبت رضوى: جبل بالمدينة سهل مشتق من الرضوان، كأنّ الذي يصعده راض عنه لقلة المشقّة في صعوده. أخو جدوى:
صاحب عطية وكرم. المنّ والسلوى: طعام كان ينزل على بني إسرائيل، وقيل: المنّ الترنجبين والسلوى. السماني، وهو طائر. يثنيه: يردّه. مستخزيا: صاغرا خاضعا.
ويروى «مستخديا»، والخدية: الاستحياء، أو يكون بمعنى مهانا، والخزي: الهوان افترى: كذب واستبعد أنثني جذلان: أرجع فرحا. أوليت: أعطيت. حدوى: إعانة، أي أرجع بالجدوى، وبإعانتك لي عليه حتى يتوب من عقوقه.
***
قال: فهشّ القاضي لقوله، وأجزل له من طوله، ثمّ لفت وجهه إلى الغلام، وقد نصل له أسهم الملام، وقال له: أرأيت بطل زعمك، وخطأ وهمك! فلا تعجل بعدها بذمّ، ولا تنحت عودا قبل عجم، وإيّاك وتأبّيك، عن مطاوعة أبيك، فإنّك إن عدت تعقه، حاق بك منّي ما تستحقّه، فسقط الفتى في يده، ولاذ بحقو والده، ثم نهض يحفد، وتبعه الشّيخ ينشد: [السريع]
من ضامه أو ضاره دهره ... فليقصد القاضي في صعده
سماحه أزرى بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده
***
هشّ: فرح. أجزل: أكثر. طوله: إفضاله وهباته. ولفت: ردّ نصل: جعل له نصالا، وأنصلها: نزع نصالها، والنّصل: حديدة السهم. بطل زعمك، أي بطلان قولك.
وهمك: ظنك. تنحت: تنجر. عجم: اختبار، أي حتى تعلم: هل هو قويّ أو ضعيف،
стр. 1051
يقول: لا تعتب أحدا حتى تجرّبه. قوله: وإياك وتأبّيك عن مطاوعة أبيك، أي احذر أن تمتنع عن مطاوعة والدك، فإنك ومالك لأبيك.
جابر ﵁: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي، فقال له: «اذهب، فائتني به»، فأوحي إلى النبي ﷺ أن يسأل الشيخ عن شيء في نفسه، قاله في شأن ابنه. فلمّا جاء الشيخ، قال له النبي ﷺ : «ما بال ابنك يشكوك؟ أتريد أن تأخذ ماله»! فقال: سله يا رسول الله، هل أنفقته إلا على نفسي أو على إحدى عماته أو خالاته! فقال له النبي ﷺ : «دعني من هذا، أخبرني عن شيء قلته في نفسك، ما سمعته أذناك»، فقال: يا رسول الله، ما زال الله يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا، ما سمعته أذناي، وأنشد يقول: [الطويل]
غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعلّ بما أجني عليك وتنهل (١)
إذا ليلة ضاقتك بالسّقم لم أبت ... لسقمك إلّا ساهرا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالّذي ... طرقت به دوني فعيناي تهمل
تخاف الرّدى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجّل
فلما بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفصّل
فليتك إذ لم ترع حق أبوّتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل
قال: فحينئذ أخذ النبي ﷺ بتلابيب ابنه، وقال: «أنت ومالك لأبيك» (٢).
قوله: حاق، أي نزل، تقول: حاق به المكروه والشؤم يحيق حيقا، نزلا به.
ابن عرفة: وجبا عليه وألزماه، قال الأزهري ﵀: الحيق ما يحيط بالإنسان من سوء عمله ومكروه فعله، وقوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣]، أي لا ترجع عاقبة مكرهم إلا عليهم. سقط في يده، يقال ذلك للنادم المتحيّر، ويقال: سقط في يده وأسقط في يده، إذا ندم على فعله، وتحسّر عليه، واليد هنا: الندم، وقوله: سقط الفتى في يده، قال جماعة من أهل اللغة: صوابه: سقط في يده من غير تسمية الفاعل، لأن الفعل مسند إلى المجرور. وقال الأزهري ﵀: إنما حسّن سقط في يده بضم السين، غير مسمّى فاعله الصلة، وهي في يده، ومثله قول امرئ القيس: [الكامل]
* دع عنك نهبا صيح في حجراته (٣) *
стр. 1052
أي صاح المنهّب في نواحيه، وكذلك المراد سقط الندم في يده. وقال أبو القاسم الزجاجي: سقط في أيديهم نظم لم يسمع قبل القرآن، ولا عرفته العرب، فيوجد في أشعارها وخفي على الإسلاميين قال أبو نواس: [الرجز]
* ونشوة سقطت منها في يدي*
وأخطأ في استعمالها، لأن فعلت لا يبنى إلا مما يتعدّى، لا يقال: رغبت ولا غضبت، إنما يقال رغب فيّ وغضب عليّ. لاذ: لجأ وتستّر، ولاذ فلان بفلان: تستر به ودار حوله، وبعضهم يقول: ألاذ، والأولى هي الغالبة، واللواذ مصدر لاوذ، ولذا أثبتت الواو، ولو كان مصدر «لاذ، لقلت لياذا، كقمت قياما».
بحقو: بخصر، وجمعه أحقاء وحقاء. وحفد يحفد أسرع. ضامه: أذله. ضاره:
ضرّه: أزرى: قصّر. وتقدم معنى البيت في الرسالة السادسة والعشرين.
***
قال الرّاوي: فحرت بين تعريف الشّيخ وتنكيره، إلى أن احرورف لمسيره، فناجيت النّفس باتّباعه، ولو إلى رباعه، لعلّي أظهر على أسراره، وأعرف شجرة ناره، فنبذت العلق، وانطلقت حيث انطلق، ولم يزل يخطو وأعتقب، ويبعد وأقترب، إلى أن تراءى الشّخصان، وحقّ التّعارف على الخلصان، فأبدى حينئذ الاهتشاش، ورفع الارتعاش، وقال: من كاذب أخاه فلا عاش. فعرفت عند ذلك أنّه السّروجي بلا محالة، ولا حئولة حالة. فأسرعت إليه لأصافحه، وأستعرف سانحه وبارحه؛ فقال: دونك ابن أخيك البرّ، وتركني ومرّ. فلم يعد الفتى أن أن افترّ، ثمّ فرّ كما فرّ، فعدت وقد استبنت عينهما، ولكن أين هما!
***
احرورف: مال وانحرف: ناجيت: حدّثت. رباعه: دياره. شجرة ناره، يريد أصل جبلّته. أعتقب: أمشي خلقه واتّبع عقبه. تراءى: ظهر، وخلصان الرجل: صديقه الّذي خلصت له مودّته. الاهتشاش: الطّرب والبشر. الارتعاش: الرّعدة، يريد أن داءه كذب لا حقيقة له محاله: حيله حئول: تغيّر. أصافحه: أعانقه وأسلّم عليه. أستعرف سانحه
стр. 1053
وبارحه، أي أطلب منه أن يعرّفني بخيره وشره. والسانح من الطير والوحش ما مرّ على ناحية يمينك، والبارح ما مرّ على ناحية يسارك وقيل: السانح ما أولاك ميامنه، والبارح؛ ما أولاك مياسره، وأكثر العرب تتبرك بالسّانح وتتشاءم بالبارح، وبعضهم يتبرّك بالبارح، ويتشاءم بالسانح، والسانح: الذي يمرّ عليك عن ميامنك إلى مياسرك، فيمكن للطّاعن طعنه، وللرامي رميه، فالذي يتيمّن به يرى أنه رزق حاصل، والذي يتشاءم به يرى أنّه عاطب وهالك، والبارح بالضّدّ، فالأول يرى أنه فائت، وراميه خاسر فيتشاءم به، والثاني يرى أنه سالم غير عاطب، فيتيمّن به، والذين يتيمّنون بالبارح ويتشاءمون بالسانح أهل نجد، والذين يضادّونهم أهل العالية.
قوله: دونك، أي خذه واقصده. البرّ: والبار: الكثير الإكرام لأبويه. افترّ:
ضحك. استبنت: عرفت. عينهما: شخصهما، وجعله آخر المقامة برّا له لموافقته له في الحيل، وجرت العادة بأنّ الأب إذا كان نجيبا، فالابن بالضدّ ولهذا قال الشاعر:
[المتقارب]
إذا أطلع الدّهر حرّا نجيبا ... فكن في ابنه سيّئ الاعتقاد
فلست ترى من نجيب نجيبا ... وهل تترك النّار إلا الرماد!
стр. 1054
المقامة الثامنة والثلاثون وهي المرويّة
حكى الحارث بن همّام قال: حبّب إليّ مذ سعت قدمي، ونفث قلمي، أن أتّخذ الأدب شرعة، والاقتباس منه نجعة؛ فكنت أنقّب عن أخباره، وخزنة أسراره؛ فإذا ألفت منهم بغية الملتمس، وجذوة المقتبس، سددت يدي بغرزه، واستنزلت منه زكاة كنزه؛ على أنّي لم ألق كالسّروجيّ في غزارة السّحب، ووضع الهناء مواضع النّقب؛ إلّا أنّه كان أسير من المثل، وأسرع من القمر في النّقل، وكنت لهوى ملاقاته، واستحسان مقاماته، أرغب في الاغتراب، وأستعذب السّفر الّذي هو قطعة من العذاب.
***
قوله: نفث، أي كتب، والنّفث ما تلقيه من فيك من البصاق الغليظ، فشبّه ما يلقيه القلم من المداد بالنّفث، هذا ظاهر اللفظ، وإنما أراد في المعنى بالقلم ذكره، ونفثه منيّه، فكنى عن البلوغ بذلك، فهو يريد وقت الحلم، وهو الوقت يقوى فيه على المشي في الأسفار، والتصرف؛ كذا فسره لنا بعض حذّاق أشياخنا، وفسرّه الفنجديهي على ظاهره، فقال: معنى مذ سعت قدمي نفث قلمي، مذ قدرت على المشي والكتابة والنظم والنثر. شرعة: طريقة وشريعة وعادة، ومعناه: أصرف همتي إلى علم اللغة والعربية. قال الشافعي ﵁: من تعلّم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن تعلّم اللغة رقّ طبعه، ومن تعلّم الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته ومن لم يصن نفسه، لم ينفعه عمله.
الاقتباس: الاكتساب وهو افتعال، من القبس. نجعة: طلب المرعى، أي جعلت طلب الأدب لي غذاء ورزقا. أنقّب: أبحث. أحباره: علمائه. ألفيت: وجدت. بغية:
حاجة. الملتمس: الطالب للشيء. جذوة: جمرة عظيمة. والمقتبس: الطالب للنار، والغرز: للرجل، كالرّكاب للسرج، ومعنى شددت بغرزه، أي تمسكت بركابه وبالغت في خدمته، روى ابن عباس ﵄ قال: قال النبيّ ﷺ : «من أخذ بركاب رجل لا يرجوه ولا يخافه غفر له».
стр. 1055
غزارة: كثرة، والسّحب: جمع سحابة، كنى بها عن كثرة العلم. الهناء: القطران.
النّقب: جمع نقبة وهو أوّل ما يبدو من الجرب، وهو مثل لمن وضع الشيء في موضعه، أراد أنه ماهر، أي حاذق يعطي كلّ طالب ما يستحقه ويشفيه من سؤاله، لأن الجهل في القلب بمنزلة الدّاء، فهذا يوقع بيانه بموضع الجهل، فيبرأ صاحب ذلك من دائه، ووضع الهناء مواضع النقب، عجز بيت لدريد بن الصمّة، وكان خرج فرأى الخنساء الشاعرة تهنأ: ذودا لها، ثم نضت ثيابها واغتسلت وهو يراها ولا تراه فقال: [الكامل]
حيّوا تماضر واربعوا صحبي ... وقفوا فإنّ وقوفكم حسبي (١)
ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم طالي أينق جرب
متبذّلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النّقب
وتماضر اسم الخنساء: قوله: أسير من المثل، أي أنه لا يستقرّ ببلد. النقل، يريد انتقاله في المنازل فلا يقيم بمنزلة سوى ليلة، وينتقل في الثانية إلى أخرى، فأراد أنّ أبا زيد لا يستقرّ ببلد إلّا ما يستقرّ القمر بمنزله وهي ليلة واحدة، بل هو أسرع من القمر في ذلك، وإنما خصّ القمر به لأنّه أسرع الكواكب ثقلة من برج إلى برج، إذ لا يمكث في البرج إلا يومين أو ثلاثا، والبرج منزلتان وثلث، والشمس تمكث في البرج ثلاثين يوما، وعطارد يمكث فيه سبعة عشر يوما، والمشتري اثني عشر شهرا وزحل ثلاثين شهرا، والمرّيخ شهرا ونصفا، والزّهرة ستة وعشرين يوما، والرأس والذنب ثمانية عشر شهرا، ذلك تقدير العزيز العليم.
قوله: وأستعذب السفر الذي هو قطعة من العذاب: هو حديث صحيح، رواه مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهته فليعجّل الرجوع إلى أهله» (٢). النّهمة. بلوغ الهمة والشهوة والحاجة، ورجل منهوم بكذا مولع به.
***