← Адаб

Адаб · id 760

شرح مقامات الحريري

أبو العباس الشريشي

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

يقول: لا تعتب أحدا حتى تجرّبه. قوله: وإياك وتأبّيك عن مطاوعة أبيك، أي احذر أن تمتنع عن مطاوعة والدك، فإنك ومالك لأبيك. جابر ﵁: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي، فقال له: «اذهب، فائتني به»، فأوحي إلى النبي ﷺ أن يسأل الشيخ عن شيء في نفسه، قاله في شأن ابنه. فلمّا جاء الشيخ، قال له النبي ﷺ : «ما بال ابنك يشكوك؟ أتريد أن تأخذ ماله»! فقال: سله يا رسول الله، هل أنفقته إلا على نفسي أو على إحدى عماته أو خالاته! فقال له النبي ﷺ : «دعني من هذا، أخبرني عن شيء قلته في نفسك، ما سمعته أذناك»، فقال: يا رسول الله، ما زال الله يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا، ما سمعته أذناي، وأنشد يقول: [الطويل] غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعلّ بما أجني عليك وتنهل (١) إذا ليلة ضاقتك بالسّقم لم أبت ... لسقمك إلّا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالّذي ... طرقت به دوني فعيناي تهمل تخاف الرّدى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجّل فلما بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفصّل فليتك إذ لم ترع حق أبوّتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل قال: فحينئذ أخذ النبي ﷺ بتلابيب ابنه، وقال: «أنت ومالك لأبيك» (٢). قوله: حاق، أي نزل، تقول: حاق به المكروه والشؤم يحيق حيقا، نزلا به. ابن عرفة: وجبا عليه وألزماه، قال الأزهري ﵀: الحيق ما يحيط بالإنسان من سوء عمله ومكروه فعله، وقوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣]، أي لا ترجع عاقبة مكرهم إلا عليهم. سقط في يده، يقال ذلك للنادم المتحيّر، ويقال: سقط في يده وأسقط في يده، إذا ندم على فعله، وتحسّر عليه، واليد هنا: الندم، وقوله: سقط الفتى في يده، قال جماعة من أهل اللغة: صوابه: سقط في يده من غير تسمية الفاعل، لأن الفعل مسند إلى المجرور. وقال الأزهري ﵀: إنما حسّن سقط في يده بضم السين، غير مسمّى فاعله الصلة، وهي في يده، ومثله قول امرئ القيس: [الكامل] * دع عنك نهبا صيح في حجراته (٣) *

стр. 1052

أي صاح المنهّب في نواحيه، وكذلك المراد سقط الندم في يده. وقال أبو القاسم الزجاجي: سقط في أيديهم نظم لم يسمع قبل القرآن، ولا عرفته العرب، فيوجد في أشعارها وخفي على الإسلاميين قال أبو نواس: [الرجز] * ونشوة سقطت منها في يدي* وأخطأ في استعمالها، لأن فعلت لا يبنى إلا مما يتعدّى، لا يقال: رغبت ولا غضبت، إنما يقال رغب فيّ وغضب عليّ. لاذ: لجأ وتستّر، ولاذ فلان بفلان: تستر به ودار حوله، وبعضهم يقول: ألاذ، والأولى هي الغالبة، واللواذ مصدر لاوذ، ولذا أثبتت الواو، ولو كان مصدر «لاذ، لقلت لياذا، كقمت قياما». بحقو: بخصر، وجمعه أحقاء وحقاء. وحفد يحفد أسرع. ضامه: أذله. ضاره: ضرّه: أزرى: قصّر. وتقدم معنى البيت في الرسالة السادسة والعشرين. *** قال الرّاوي: فحرت بين تعريف الشّيخ وتنكيره، إلى أن احرورف لمسيره، فناجيت النّفس باتّباعه، ولو إلى رباعه، لعلّي أظهر على أسراره، وأعرف شجرة ناره، فنبذت العلق، وانطلقت حيث انطلق، ولم يزل يخطو وأعتقب، ويبعد وأقترب، إلى أن تراءى الشّخصان، وحقّ التّعارف على الخلصان، فأبدى حينئذ الاهتشاش، ورفع الارتعاش، وقال: من كاذب أخاه فلا عاش. فعرفت عند ذلك أنّه السّروجي بلا محالة، ولا حئولة حالة. فأسرعت إليه لأصافحه، وأستعرف سانحه وبارحه؛ فقال: دونك ابن أخيك البرّ، وتركني ومرّ. فلم يعد الفتى أن أن افترّ، ثمّ فرّ كما فرّ، فعدت وقد استبنت عينهما، ولكن أين هما! *** احرورف: مال وانحرف: ناجيت: حدّثت. رباعه: دياره. شجرة ناره، يريد أصل جبلّته. أعتقب: أمشي خلقه واتّبع عقبه. تراءى: ظهر، وخلصان الرجل: صديقه الّذي خلصت له مودّته. الاهتشاش: الطّرب والبشر. الارتعاش: الرّعدة، يريد أن داءه كذب لا حقيقة له محاله: حيله حئول: تغيّر. أصافحه: أعانقه وأسلّم عليه. أستعرف سانحه

стр. 1053

وبارحه، أي أطلب منه أن يعرّفني بخيره وشره. والسانح من الطير والوحش ما مرّ على ناحية يمينك، والبارح ما مرّ على ناحية يسارك وقيل: السانح ما أولاك ميامنه، والبارح؛ ما أولاك مياسره، وأكثر العرب تتبرك بالسّانح وتتشاءم بالبارح، وبعضهم يتبرّك بالبارح، ويتشاءم بالسانح، والسانح: الذي يمرّ عليك عن ميامنك إلى مياسرك، فيمكن للطّاعن طعنه، وللرامي رميه، فالذي يتيمّن به يرى أنه رزق حاصل، والذي يتشاءم به يرى أنّه عاطب وهالك، والبارح بالضّدّ، فالأول يرى أنه فائت، وراميه خاسر فيتشاءم به، والثاني يرى أنه سالم غير عاطب، فيتيمّن به، والذين يتيمّنون بالبارح ويتشاءمون بالسانح أهل نجد، والذين يضادّونهم أهل العالية. قوله: دونك، أي خذه واقصده. البرّ: والبار: الكثير الإكرام لأبويه. افترّ: ضحك. استبنت: عرفت. عينهما: شخصهما، وجعله آخر المقامة برّا له لموافقته له في الحيل، وجرت العادة بأنّ الأب إذا كان نجيبا، فالابن بالضدّ ولهذا قال الشاعر: [المتقارب] إذا أطلع الدّهر حرّا نجيبا ... فكن في ابنه سيّئ الاعتقاد فلست ترى من نجيب نجيبا ... وهل تترك النّار إلا الرماد!

стр. 1054

المقامة الثامنة والثلاثون وهي المرويّة حكى الحارث بن همّام قال: حبّب إليّ مذ سعت قدمي، ونفث قلمي، أن أتّخذ الأدب شرعة، والاقتباس منه نجعة؛ فكنت أنقّب عن أخباره، وخزنة أسراره؛ فإذا ألفت منهم بغية الملتمس، وجذوة المقتبس، سددت يدي بغرزه، واستنزلت منه زكاة كنزه؛ على أنّي لم ألق كالسّروجيّ في غزارة السّحب، ووضع الهناء مواضع النّقب؛ إلّا أنّه كان أسير من المثل، وأسرع من القمر في النّقل، وكنت لهوى ملاقاته، واستحسان مقاماته، أرغب في الاغتراب، وأستعذب السّفر الّذي هو قطعة من العذاب. *** قوله: نفث، أي كتب، والنّفث ما تلقيه من فيك من البصاق الغليظ، فشبّه ما يلقيه القلم من المداد بالنّفث، هذا ظاهر اللفظ، وإنما أراد في المعنى بالقلم ذكره، ونفثه منيّه، فكنى عن البلوغ بذلك، فهو يريد وقت الحلم، وهو الوقت يقوى فيه على المشي في الأسفار، والتصرف؛ كذا فسره لنا بعض حذّاق أشياخنا، وفسرّه الفنجديهي على ظاهره، فقال: معنى مذ سعت قدمي نفث قلمي، مذ قدرت على المشي والكتابة والنظم والنثر. شرعة: طريقة وشريعة وعادة، ومعناه: أصرف همتي إلى علم اللغة والعربية. قال الشافعي ﵁: من تعلّم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن تعلّم اللغة رقّ طبعه، ومن تعلّم الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته ومن لم يصن نفسه، لم ينفعه عمله. الاقتباس: الاكتساب وهو افتعال، من القبس. نجعة: طلب المرعى، أي جعلت طلب الأدب لي غذاء ورزقا. أنقّب: أبحث. أحباره: علمائه. ألفيت: وجدت. بغية: حاجة. الملتمس: الطالب للشيء. جذوة: جمرة عظيمة. والمقتبس: الطالب للنار، والغرز: للرجل، كالرّكاب للسرج، ومعنى شددت بغرزه، أي تمسكت بركابه وبالغت في خدمته، روى ابن عباس ﵄ قال: قال النبيّ ﷺ : «من أخذ بركاب رجل لا يرجوه ولا يخافه غفر له».

стр. 1055

غزارة: كثرة، والسّحب: جمع سحابة، كنى بها عن كثرة العلم. الهناء: القطران. النّقب: جمع نقبة وهو أوّل ما يبدو من الجرب، وهو مثل لمن وضع الشيء في موضعه، أراد أنه ماهر، أي حاذق يعطي كلّ طالب ما يستحقه ويشفيه من سؤاله، لأن الجهل في القلب بمنزلة الدّاء، فهذا يوقع بيانه بموضع الجهل، فيبرأ صاحب ذلك من دائه، ووضع الهناء مواضع النقب، عجز بيت لدريد بن الصمّة، وكان خرج فرأى الخنساء الشاعرة تهنأ: ذودا لها، ثم نضت ثيابها واغتسلت وهو يراها ولا تراه فقال: [الكامل] حيّوا تماضر واربعوا صحبي ... وقفوا فإنّ وقوفكم حسبي (١) ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم طالي أينق جرب متبذّلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النّقب وتماضر اسم الخنساء: قوله: أسير من المثل، أي أنه لا يستقرّ ببلد. النقل، يريد انتقاله في المنازل فلا يقيم بمنزلة سوى ليلة، وينتقل في الثانية إلى أخرى، فأراد أنّ أبا زيد لا يستقرّ ببلد إلّا ما يستقرّ القمر بمنزله وهي ليلة واحدة، بل هو أسرع من القمر في ذلك، وإنما خصّ القمر به لأنّه أسرع الكواكب ثقلة من برج إلى برج، إذ لا يمكث في البرج إلا يومين أو ثلاثا، والبرج منزلتان وثلث، والشمس تمكث في البرج ثلاثين يوما، وعطارد يمكث فيه سبعة عشر يوما، والمشتري اثني عشر شهرا وزحل ثلاثين شهرا، والمرّيخ شهرا ونصفا، والزّهرة ستة وعشرين يوما، والرأس والذنب ثمانية عشر شهرا، ذلك تقدير العزيز العليم. قوله: وأستعذب السفر الذي هو قطعة من العذاب: هو حديث صحيح، رواه مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهته فليعجّل الرجوع إلى أهله» (٢). النّهمة. بلوغ الهمة والشهوة والحاجة، ورجل منهوم بكذا مولع به. ***

стр. 1056

فلمّا تطوّحت إلى مرو ، ولا غرو، بشّرني بملقاه زجر الطّير، والفأل الّذي هو بريد الخير؛ فلم أزل أنشده في المحافل، وعند تلقّي القوافل. فلا أجد عنه مخبرا، ولا أرى له أثرا ولا عثيرا، حتى بلغ اليأس الطمع وانزوى التأميل وانقطع، فإنّي لذات يوم بحضرة والي مرو، وكان ممّن جمع الفضل والسّرو، إذ طلع أبو زيد في خلق مملاق، وخلق ملّاق. فحيّا الوالي تحيّة المحتاج، إذا لقي ربّ التاج، ثم قال له: اعلم وقيت الذّم، وكيفيت الهمّ؛ أن من عذقت به الأعمال، أعلقت به الآمال، ومن رفعت له الدّرجات، رفعت إليه الحاجات. وأنّ السعيد من إذا قدر، وواتاه القدر، أدّى زكاة النّعم، كما يؤدّي زكاة النّعم، والتزم لأهل الحرم، ما يلتزم للأهل والحرم. وقد أصبحت بحمد الله عميد مصرك، وعماد عصرك، تزجى الرّكائب إلى حرمك، وترجى الرّغائب من كرمك، وتنزل المطالب بساحتك، وتستنزل الرّاحة من راحتك، وكان فضل الله عليك عظيما، وإحسانه لديك عميما. *** قوله: تطوّحت، يقال: تطوّح في البلاد: ذهب به هاهنا وهاهنا، فأراد بقوله: تطوّحت: رميت بنفسي إليها. [مرو] (١) مرو: بلدة بخراسان، جليلة لها قرى ومحلّات، وتسمّى أمّ خراسان، وهي دار خلافة المأمون، ومنها خرج أبو مسلم صاحب الدعوة، ينسب إليها. الثّوب مرويّ والرجل مروزيّ، وهو شاذ النسب، ومن مرو إلى مرو (٢) خمس مراحل، وعلى مرو نهر فوّهته بالسّابيان، وهو جبل عظيم الارتفاع، تسيل منه أنهار تخترق بلاد خراسان، منها وادي خوارزم، مسيرته أربعون يوما، ووادي القندهار مسافته شهر، ونهر سجستان، مسافتهشهر، ونهر مرو، مسافته شهر، ونهر هراة مسافته عشرون يوما، ونهر بلج مسافته اثنا عشر يوما، وبلخ هي متوسّطة خراسان، منها إلى فرغانة ثلاثون مرحلة مغربا، وإلى سجستان مما يلي القبله كذلك وإلى كابول وقندهار كذلك، وإلى خوارزم كذلك. وأهل مرو أطبع الناس على البخل ثم أهل خراسان، قال ثمامة: ما رأيت الدّيك يأكل في بلد

стр. 1057

قطّ إلا وهو يدعو الدجاجة إلى الحبّ، ويلفظ الحب إليها، إلّا بمرو، فإنني رأيته يأكل وحده، فعلمت أنّ لؤمهم كثير جدّا، وهو فيهم طبع، ورأيت بها طفلا صغيرا، بيده بيضة، فقلت له اعطنيها، فقال لي: ليست تسعها في يدك، فعلت أنّ المنع طبع مركّب فيهم. لا غرو: لا عجب. زجر الطير. التفاؤل بها، وفسّر الشافعيّ ﵁ قوله النبيّ ﷺ «أقرّوا الطير على مكناتها» (١). لأن الرجل كان في الجاهلية، إذا أراد الحاجة أتى الطائر في وكره فنغّره، فإن أخذ ذات اليمين مضى لحاجته، وإن أخذ ذات الشمال رجع. فنهى النبيّ ﷺ عن ذلك وقال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل» قيل: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة» (٢). [الزجر والعيافة] وزجر الطير التّيامن بها، والتشاؤم. وكان عند العرب قوّة زائدة وإدراك، فينظر الزّاجر منهم للطائر، ولمّا يفعل، فيستقري من ذلك ما يتيامن به ويتشاءم منه، مثل ما يحكى عن أمية بن أبي الصّلت أنه كان يشرب مع إخوان له في قصر غيلان بالطائف؛ إذ سقط غراب على شرف القصر، فنعب نعبة، فقال له أميّة: بفيك الكثكث- وهو التّراب، فقال له إخوانه ما يقول؟ قال: يقول: إذا شربت الكأس الذي في يدك متّ. ثم نعب نعبة، فقال أميّة نحو ذلك، فقالوا له: وما يقول؟ قال: زعم أنّ علامة ذلك أن يقع على هذه المزبلة تحت القصر، فيستثير عظما، فيشجى به فيموت. فبينما هم يتكلّمون، إذ وقع الغراب على هذه المزبلة ليلتقط، فاستثار عظما، فأراد أن يبتلعه، فشجى به فمات، فانكسر أميّة، ووقع الكأس من يده، وتغيّر لونه، فجعلوا يعيّرونه عليه، ويقولون: ما أكثر ما سمعنا بمثل هذا، وكان باطلا! فألحّوا عليه، حتى شرب الكأس، فمال في شقّ فأغمي عليه، ثم أفاق، وقال: لا بريء فأعتذر، ولا قويّ فأنتصر، ثم زهقت نفسه. وحكى المدائني قال: خرج كثيّر من الحجاز يريد مصر، ليزور عزّة، فلما قرب منها رأى غرابا على شجرة ينتف ريشه، فتطيّر من ذلك، فلقيه رجل من بني لهب فقال: يا أخا الحجاز، ما لك كاسف اللون؟ فذكر له ما رأى، فقال: إنك تطلب حاجة لا تدركها. فقدم مصر، والناس منصرفون من جنازة عزّة فقال: [الطويل] رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره (٣)

стр. 1058

فقلت ولو أنّي أشاء زجرته ... بنفسي للهبّي فهل أنت زاجره فقال غراب لاغتراب من النوى ... وفي البان بين من حبيب تجاوره فما أعيف اللهبيّ لا درّ درّه ... وأزجره للطّير، لا طار طائره وممن زجر لنفسه بشرّ ذو الرّمة فقال: [الطويل] رأيت غرابا ساقطا فوق قضبة ... من القضب لم ينبت لها ورق خضر (١) فقلت غراب لاغتراب وقضبة ... لقضب النوى، تلك العيافة والزّجر وممن زجر بخير أبو حيّة، حين قال: [الطويل] وقال صحابي هدهد فوق بانة ... هدى وبيان بالنّجاح يلوح وقالوا دم، دامت مواثيق بيننا ... ودام لنا حلو الصفاء صريح وقالوا حمامات، فحمّ لقاؤها ... وطلح فزيرت والمطيّ طلوح ومن ملح الزّجر زجر أبي نواس، وذلك أنه استخفى عنه أصحابه، وكان لا يفارقهم، ووجّهوا رسولا إليه، فرمى له ظهر قرطاس من وراء الباب، غير مكتوب، وخرموه بزير، وختموه بقار، وأمروا الرسول أن يرمي إليه الكتاب من وراء الباب، فاستعلم موضعهم، وتعرف حالهم، وكتب إليهم: [الوافر] زجرت كتابكم لمّا أتاني ... بمرّ سوانح الطّير الجواري نظرت إليه مخروما بزير ... على ظهر ومختوما بقار فعفت الظّهر أهيف قرطقيّا ... يحار الطّرف منه باحورار وكان الزّير ذا شدو مصيب ... وقار الختم من قار العقار فطرت إليكم يا أهل ودّي ... بقلب من هواكم مستطار فكيف ترونني وترون زجري ... ألست من الفلاسفة الكبار! وما أحسن قول ابن قاضي ميلة وجمع الوصفين: [الطويل] ولمّا التقينا محرمين وسيرنا ... بلبّيك يطوى والرّكائب تعسف فقلت لتربيها أبلغاها بأننّي ... بها مستهام قالتا: نتلطّف تفاءلت في أن يطوى طارق الهوى ... بأن عنّ لي منها البنان المطرّف وأمّا دماء الهدي فهو تواصل ... يدوم ورأي في الهوى يتألّف وفي عرفات ما يخبّر أنّني ... بعارفة من نيل وصلك أسعف وتقبيل ركن البيت إقبال دولة ... لنا وزمان بالمودّة يعطف

стр. 1059

وأبلغتها ما قلته فتنهّدت ... وقالت أحاديث العيافة زخرف لئن كنت ترجو في منى الفوز بالمنى ... فبالخيف من أعراضنا نتخوّف وقد أنذر الإحرام أنّ وصالنا ... حرام وأنّا عن مرادك نصرف فهذا وقذفي بالحصا لك منذر ... بأنّ النوى لي عن ديارك تقذف فبادر نفاري ليلة النّفر إنّه ... سريع وقل من بالعيافة أعرف *** قوله: أنشده، أي أطلبه والمحافل: الجموع. والقوافل: الرفاق الرواجع. عثيرا: غبارا. اليأس: قطع الرجاء. انزوى: انقبض. التأميل: الترجّي، وهو مصدر أمل الخير، أي ترجّاه. انقمع: انكفّ. السّرو: السيادة. مملاق: فقير. ملّاق: متلطّف في كلامه. عذقت: علّقت وشدّدت به، وعذق شاته يعذقها، إذا ربط في صوفها خرقة تخالف لونها. الدرجات: المنازل الشريفة. وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «خلقان يحبّهما الله، وهما السخاء والسماحة، وخلقان يبغضهما الله، وهما البخل. وسوء الخلق. وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله على قضاء حوائج الناس». وقال خالد بن صفوان: لا تسأل الحوائج ثلاثة لا تسألها: كذوبا، فيقرّب بعيدا ويبعّد قريبا، ولا أحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك، ولا رجلا له إلى صاحبك حاجة، فإنه يصيّر حاجتك بطانة لحاجته. واتاه: وافقه وطاوعه. أدّى: أعطى. زكاة النّعم: الإبل والشاء، أي أعطى الصنائع والمعروف. الحرم: جمع حرمة، أراد بذلك أهل الصّيانة والعفاف. الفنجديهي: الحرم أقوام محترمون، والحرم الثاني: الأهل والقرابة، ومن يحرم على الإنسان نكاحه أو أتركه لضياعه عميد: سيّد. مصرك: بلدك، والمصر: الحدّ، ويكتب أهل نجد: اشترى فلان من فلان الدار بمصورها، أي بحدودها. قطرب: هو مأخوذ من مصرت الناقة أمصرها مصرا، إذا حلبتها، وجعلت ضرعها بين إصبعين، فخرج من اللبن شيء قليل، فيسمّى مصرا لأن الناس يجيئون إليه ثم يثبتون، أوّل فأوّل وقيل: المصر العلامة. العماد: ما يقوم عليه الخباء، شبّهه في قيامه بالأمور بالعماد. تزجى: تساق. الرّكائب: الإبل. حرمك: بلدك وموضعك الّذي تحميه. الرغائب: العطايا ساحتك: فناء دارك. راحتك: كفّك.

стр. 1060

ونذكر من الأحاديث ما يوافق هذا الفصل الذي قدّمنا تفسيره. قال النبيّ ﷺ «من عظمت نعمة الله عليه عظمت مئونة الناس إليه، فإن لم يقم بتلك المئونة عرّض النّعمة للزوال: عمرو بن العاص: والله لرجل ذكّرني، ينام على شقّة مرّة، وعلى الأخرى أخرى، يراني موضعا لحاجته لهو أوجب عليّ حقا؛ إذا سألها مني أن أقضيها له. وقف العتّابي بباب المأمون، فجاء يحيى بن أكثم، فقال له: إن رأيت أن تعلم أمير المؤمنين بموضعي! قال: لست بحاجب قال: لقد علمت ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان، قال: سلكت بي غير طريقي، قال: إنّ الله تعالى ألحقك بجاه ونعمة فهما مقيمان عليك بالزيادة إن شكرت، وبالتغيّر إن كفرت، وأنا اليوم لك خير منك لنفسك، أدعوك إلى ما فيه زيادة نعمتك، وأنت تأبى ذلك، ولكل شيء زكاة، وزكاة الجاه بذله للمستعين. وأما قوله: تزجى الركائب إلى حرمك، فهو كثير في الشعر، ونذكر منه شيئا يبين حالة القصد لهذا الاسم، وقال الحسن يمدح الأمين: [البسيط] أقول والعيس تعروري الفلاة بنا ... صعر الأزمّة من مثنى ووحدان (١) يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكا ... تقبيل راحته والركن سيّان محمد خير من يمشي على قدم ... ممّن برا الله من إنس ومن جان محمد بين أملاك تفضّله ... ولادتان من المنصور ثنتان تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قد الشّراكان سيّان لا فرق في المعقول بينهما ... معناهما واحد والعدّة اثنان وقال حبيب: [الطويل] إلى أحمد الممدوح أمّت بنا السّرى ... نواعب في عرض الفلا ورواسم (٢) إلى سالم الأخلاق من كلّ عائب ... وليس له مال من الجود سالم جدير بألّا يصبح المال عنده ... جديرا بأن يبقى وفي الأرض غارم وقال آخر: [الطويل] سأجهد عزمي والمطايا فإنّني ... أرى العفو لا يمتاح إلا من الجهد (٣) سرين بنا رهوا ووخدا وإنما ... يظلّ ويمسى النّجح في كنف الوخد

стр. 1061

قواصد بالسير الحثيث إلى أبي الم ... غيث فما تنفك ترقل أو تخدي إلى مشرق الأخلاق للجود ما حوى ... ويحوي وما يخفى من الأمر أو يبدي فتى لم يزل تقضى به طاعة الندى ... إلى العيشة الغراء والسّؤدد الرغد وقال فيها معتذرا: [الطويل] أتاني مع الركبان ظنّ طننته ... لففت له رأسي حياء من المجد ومن زمن ألبستنيه كأنّه ... إذا ذكرت أيامه زمن الورد أسربل هجر القول من لو هجرته ... إذا لهجاني عنه معروفة عندي كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي ومتى ما لمته لمته وحدي وقال أبو الطيب: [الوافر] فلم تلق ابن إبراهيم عنسي ... وفيها قوت يوم للقراد (١) فلمّا جئته أعلى محلّى ... وأجلسني على السّبع الشداد تهلل قبل تسليمي عليه ... وألقى ماله قبل الوساد كأنّ الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد وقد صغت الأسنّة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤادي وقال أبو الهنديّ: [الوافر] سألناه الجزيل فما تأنّى ... وأعطى فوق منيتنا وزادا وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا مرارا ما قصدت إليه إلّا ... تبسّم ضاحكا وثنى الوسادا وقال أبو الطيب: [الوافر] ولمّا قلّت الإبل امتطينا ... إلى ابن أبي سليمان الخطوبا (٢) مطايا لا تذلّ لمن عليها ... ولا يبغي لها أحد ركوبا وترتع دون نبت الأرض فينا ... فما فارقتها إلا جديبا إذا نكبت كنانته استبنّا ... بأنصلها لأنصلها ندوبا يصيب ببعضها أفواق بعض ... فلولا الكسر لاتّصلت قضيبا ألست ابن الأولى سعدوا وسادوا ... ولم يلدوا امر إلّا نجيبا ونالوا ما اشتهوا بالحزم هونا ... وصاد الوحش نملهم دبيبا

стр. 1062

وما ربح الرّياض لها ولكن ... كساها دفنهم في التّرب طيبا ومن المدح قول السّريّ في أبي الحصين القاضي: [الوافر] لقد أضحت خلال أبي حصين ... حصونا في الملمّات الصعاب كساني ذيل نائله وآوى ... غرائب منطقي بعد اغترب فكنت كروضة سقيت سحابا ... فأثنت بالنّسيم على السّحاب وقال بديع الزمان وشاعر الأوان: [البسيط] يا سيّد الأمرا فخرا فما ملك ... إلّا تمنّاك مولى واشتهاك أبا وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذّهبا والدّهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... واللّيث لو لم يصد والبحر لو عذبا هذه الجملة كافية وكأنها تفسير ما أجمل من ذكر ممدوحه. *** ثمّ إنّي شيخ ترب بعد الاتراب، وعدم الإعشاب، حين شاب قصدتك من محلّة نازحة؛ وحالة رازحة، آمل من بحرك دفعة، ومن جاهك رفعة. والتأميل أفضل وسائل السائل، ونائل النائل؛ فأوجب لي ما يجب عليك، وأحسن كما أحسن الله إليك. وإيّاك أن تلوي عذارك، عمّن ازدارك، وأمّ دارك، أو تقبض راحك؛ عمّن امتاحك، وامتار سماحك؛ فو الله ما مجد من جمد، ولا رشد من حشد؛ بل اللبيب من إذا وجد جاد، وإن بدأ بعائدة عاد؛ والكريم من إذا استوهب الذّهب، لم يهب أن يهب. ثمّ أمسك يرقب أكل غرسه، ويرصد مطيبة نفسه وأحب الوالي أن يعلم: هل أطفته ثمد، أم لقريحته مدد! فأطرق يروّي في استيراء زنده، واستشفاف فرنده، والتبس على أبي زيد سرّ صمتته، وإرجاء صلته، فتوغّر غضبا، وأنشد مقتضبا. *** قوله: ترب، افتقر فلم يبق له ما يقعد عليه غير التراب. والاتراب: الاستغناء، وأترب: صار له من المال بكثرة التراب. والإعشاب: إصابة العشب، وأراد به المال. محلّة: منزل يحلّ فيه. نازحة: بعيدة. رازحة: كالّة من الهزال، ورزح رزحا: كلّ من العمل. ابن الأنباري: رزح فلان: ضعف، وذهب ما في يده، وأصله من رزحت إبل فلان

стр. 1063

وكلابه، إذا ضعفت، ولزقت بالأرض، وقيل: هو من المرزح، وهو المطمئن من الأرض، فكأنّ الرّازح قد لزمه، وضعف عن الارتقاء إلى العلوّ. آمل: أرجو. جاهك: عزّك. والوسائل: جمع وسيلة، وهو الشّفيع، فجعل تأميله أفضل وسيلة. نائل: عطاء، والنّائل: المعطي، ونلت له بالعطاء أنول وأنلت أنيل، ورجل نال ورجلان نالان (١)، ورجال أنوال، ونلته أنوله نولا أعطيته، قال الأعشى: [المتقارب] ينول العشيرة ما عنده ... ويغفر ما قال جهّالها (٢) تلوي عذارك: تعرض بوجهك. ازدارك، بمعنى زارك، واستعمل قصدك راحك: جمع راحة، وهي باطن الكف. امتاحك: استسقاك وأراد طلب معروفك، قال الرّاجز: [الرجز] أفلح ساق بيديك امتاحا ... وقرّ عينا ورجا الفلاحا قوله: امتار: استجلب منك الرزق. سماحك: جودك. مجد: كرم، وصار ماجدا، أي شريفا، ومجد يمجد، مجدا فهو ماجد، ومجد مجادة فهو مجيد وقيل: المجد تكرّم الآباء خاصة، وقيل: الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي وقيل كرم الفعل. جمد: بخل. حشد: جمع المال اللبيب: العاقل. وجد: استغنى. جاد: تكرّم عاد: فعلها مرة بعد أخرى، وقد تقدم منظوما لم يهب: لم يخف أن يهب: أن يعطي، وهذا كله قصد فيه التجنيس فجاء منه بكل بديع. قوله: نطفته ثمد، أي قليل. الأزهري: النطفة تقال للماء القليل والكثير، ورأيت أعرابيا شرب من ركية غزيرة الماء فقال: والله إنها لنطفة باردة، والثمد: الماء القليل الذي لا مدد له. قريحته: ذهنه. أطرق: أي أمال رأسه للفكرة. في استيراء زنده: في استخراج ناره، وأراد طلب ما عنده من العلم والاستشفاف: الاستقصاء في النظر والتأمل فيما يبصر، واستشف الثوب: جعله طاقا واحدا، أو رفعه في ظل حتى ينظر: أكثيف هو أم رقيق، واستشفّه: رأى ما وراءه، والاستشفاف: النظر إلى كلّ شيء صقيل. الفرند: جوهر السيف، وأراد أن الوالي أعجب بكلامه، فأراد أن يعلم هل كان في حفّطه لغيره أو ارتجله لنفسه. صمتته: سكتته. إرجاء: تأخير. توغّر: توقّد مقتضبا: مرتجلا: [البسيط] *** لا تحقرن أبيت اللّعن ذا أدب ... لأن بدا خلق السّربال سبروتا ولا تضع لأخي التأميل حرمته ... أكان ذا لسن أم كان سكّيتا

стр. 1064

وانفح بعرفك من وافاك مختبطا ... وانعش بغوثك من الفيت منكوتا فخير مال الفتى مال أشاد له ... ذكرا تناقله الرّكبان أو صيتا وما على المشتري حمدا بموهبة ... غبن ولو كان ما أعطاه ياقوتا لولا المروءة ضاق العذر عن فطن ... إذا اشرأبّ إلى ما جاوز القوتا لكنّه لابتناء المجد جدّ ومن ... حبّ السّماح ثنى نحو العلا ليتا *** قوله: أبيت اللعن، تحية ملوك الجاهليّة، قال ابن الأنباري ﵀ في تفسيرها قولان: أحدهما أبيت أن تأتي من الأشياء ما تستحق اللّعن عليه، فاللّعن منصوب، والآخر- وهو أردأ القولين- أن تكون الألف بمعنى «يا»، وبيت من البيوت مضاف إلى اللعن، لأن بعضهم يخفض اللعن، وتقديره: يا بيت اللّعن: سمة للملك، نقل من الوجه الأول لكثرة الاستعمال، ألا ترى أنها تعطي معنى النداء في البيت، وتقديره: يا ملك أو يا أمير، ويتضمّن معناه الدعاء، أي جعلك الله ممن يكره اللعن؛ ولذا وقع اعتراضا بين اللفظين؛ الأول طالب للثاني، كما قال ابن محلّم: [السريع] إنّ الثّمانين- وبلّغتها- ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان (١) سبروتا: فقيرا محتاجا، والسّبروت: الفقير الذي لا ثياب له. ذا لسن، أي فصيحا. سكّيتا: عييّا كثير السكوت. انفح بعرفك، أي ارم بمعروفك انعش بغوثك، أي ارفع بعطيتك، والغوث الإغاثة، وهي المبادرة بالنصرة لمن جاء يستغيثك. والإنعاش أن ترى رجلا قد أهوى للسقوط فترفعه، أو افتقر فتجبره. منكوتا: ملقى على رأسه، ونكت الرجل فهو منكوت، إذا ضرب فأسقط على رأسه. قوله أشاد: أي رفع. صيتا: ذكرا حسنا وقال النبيّ ﷺ : «إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند الله فانظروا ما يتبعه من حسن الثناء» (٢). وقيل لبعض الحكماء: ما أحمد الأشياء؟ قال: أن يبقى للإنسان أحدوثة حسنة. أكثم بن صيفيّ: إنما أنتم خبر، فطيّبوا أخباركم، أخذه حبيب فقال: [البسيط] وما ابن آدم إلا ذكر صالحة ... أو ذكر سيّئة يسري بها الكلم أما سمعت بدهر باد أمّته ... جاءت بأخبارها من بعدها أمم

стр. 1065

الأحنف: ما ادّخرت الآباء للأبناء، ولا أبقت الموتى للأحياء شيئا أفضل من اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب. وقيل لمعاوية: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: من كانت له عندي يد صالحة، قيل: فإن لم تكن؟ قال: فمن كانت لي عنده يد صالحة. قال بزرجمهر: إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق منها فإنّها لا تفني، إذا أديرت عنك فأنفق منها، فإنها لا تبقى بأخذ هذا المعنى الشاعر فقال: [البسيط] لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التّبذير والسّرف فإن تولّت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف وقال آخر: [الطويل] إذا جادت الدّنيا عليك فجدبها ... على النّاس طرّا قبل أن تتفلّت فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ... ولا الشحّ يبقيها إذا هي ولّت وكان سعيد بن العاص يقول على المنبر: من رزقه الله رزقا حسنا، فلينفق منه سرّا وجهرا، حتى يكون أسعد الناس به: فإنما يترك ما يترك لأحد رجلين؛ إمّا لمصلح فلا يقل عنده شيء، وإمّا لمفسد فلا يبقى له شيء. أخذه الشاعر فقال: [الكامل] اسعد بمالك في الحياة فإنّما ... يبقى خلافك مصلح أو مفسد فإذا جمعت لمفسد لم تغنه ... وأخو الصلاح قليله يتزيّد [المروءة] قوله: لولا المروءة، المروءة هي الأفعال الشريفة، التي يجب أن يقال للرجل بها مرء، مثل الرّجولة للأفعال التي يستحقّ الرجل أن يقال له بها رجل. وقال النبيّ ﷺ : «لا دين إلّا بمروءة». وقال عمر ﵁: المروءة، مروءتان: ظاهرة وباطنة، فالظّاهرة الرياش والباطنة العفاف. قدم وفد على معاوية ﵁، فقال لهم: ما تعدون المروءة؟ قالوا: العفاف وإصلاح المعيشة، قال: اسمع يا يزيد! وقال النبيّ ﷺ : «تجاوزوا لذوي المروءات عثراتهم، فو الله إنّ أحدهم ليعثر وإنّ يده بيد الله» (١).

стр. 1066

عبد الله بن عمر ﵄: إنّا معشر قريش، نعدّ الحلم والجود سؤددا، ونعدّ العفاف وإصلاح المال مروءة. أنوشروان: المروءة ألّا تعمل عملا في السّر تستحيي منه في العلانية. غيره: المروءة اسم جامع للمحاسن كلها. وقالوا: المروءة العفّة والحرفة. قوله: اشرأبّ: تشوّف، والتّشوّف أن تسمع بالشيء وتتطلّع أن تراه، وتمتدّ أن تنظر إليه، يقول: لولا الأفعال الجميلة كان عذر الفطن الحاذق يضيق عليه إذا سئل وقيل له: قد جاوز مالك قوتك، وفضل عن مئونتك، فلم تجهد في طلب المال، وترغب في الزيادة منه. قال: فالمروءة توسّع عليه عذره، فيقول ذو المروة. إنما اكتسبه لأنفقه في البرّ، وبيّن هذا بقوله: «ثنى نحو الغنى ليتا» واللّيت: صفحة العنق فيقول: إنما ثنى عنقه، وأمالها حبّا في السماح. وقد سبقه إلى هذا التّهاميّ بقوله: [الطويل] ولولا العطايا أنّها سنّة له ... لما قال للدّنيا إذا عثرت: لعا فإن باشر الدنيا فللجود نالها ... وإن هجر الدنيا فعنها ترفّعا فزاد بقوله: «وإن هجر الدنيا» معنى حسنا. وقالوا: نعم العون على المروءة المال. وقال الأحنف بن قيس: [المتقارب] فلو مدّ سروي بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا (١) فإن المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا وقال آخر: [البسيط] لولا شماتة أعداء ذوي حسد ... أو أن أنال بنفع من يرجّيني لما خطبت إلى الدنيا مطالبها ... ولا بذلت لها عرضي ولا ديني [البسيط] *** وما تنشّق نشر الشّكر ذو كرم ... إلّا وأزرى بنشر المسك مفتوتا والحمد والبخل لم يقض اجتماعهما ... حتى لقد خيل ذا ضبّا وذا حوتا والسّمح في الناس محبوب خلائقه ... والجامد الكفّ ما ينفكّ ممقوتا

стр. 1067

وللشّحيح على أمواله علل ... يوسعنه أبدا ذمّا وتبكيتا فجد بما جمعت كفّاك من نشب ... حتّى يرى مجتدي جدواك مبهوتا وخذ نصيبك منه قبل رائعة ... من الزّمان تريك العود منحوتا فالدهر أنكد من أن تستمرّ به ... حال، تكرّهت تلك الحال أم شيتا فقال له الوالي: تالله لقد أحسنت، فأيّ ولد الرّجل أنت؟ فنظر إليه عن عرض، وأنشد وهو مغض: [المنسرح] لا تسأل المرء من أبوه ورز ... خلا له ثمّ صله أو فاصرم فما يشين السّلاف حين حلا ... مذاقها كونها ابنة الحصرم *** قوله: تنشّق، أي شم. نشر: راحة. أزرى: عاب. مفتوتا: مدقوقا، يقول: لشكر المعروف عند أهل الجود أعطر من ريح المسك إذا فتّ فانتشرت رائحته. وقال إبراهيم الشيبانيّ: كنت أرى رجلا من وجوه أهل الكوفة، لا يجفّ لبده، ولا يستريح قلبه في طلب حوائج الناس، وإدخال المرافق على الضعيف، فقلت له: أخبرني عن الحال التي هوّنت عليك هذا التّعب في القيام بحوائج الناس، ما هي؟ قال: قد والله سمعت تغريد الأطيار بالأسحار في فروع الأشجار، وسمعت خفوق أوتار العيدان وترجيع أصوات القيان، فما طربت من صوت قطّ طربي من ثناء حسن، بلسان حسن، على رجل قد أحسن، وما سمعت أحسن من شكر حرّ لرجل حرّ، ومن شفاعة محتسب لطالب شاكر، فقلت له: لله أبوك! لقد حشيت كرما، فلذة السمع هنا بمنزلة الشم في البيت. خيّل: حسب، والضبّ والحوت قد تقدّما في الثامنة عشر. قوله: الجامد الكفّ: هو البخيل، وهو ضدّ السّمح. ممقوتا: مبغوضا. علل: أعذار. يوسعنه ذمّا، أي يكثرن ذمه، التبكيت: الهوان والتوبيخ جد: تكرّم. نشب: مال مجتدي جدواك: طالب عطاياك. مبهوتا: متحيّرا، يريد أنه يعجب من كثرة ما تعطيه فيتحيّر وما يدري كيف يشكرك! [ذم البخل ومدح الكرم] ومن مدح الكرم وذم البخل قالوا: لو لم يكن في الكرم إلا أنه من صفات الله . وقال النبيّ ﷺ : «إنّ الله يحبّ الجود ومكارم الأخلاق ويذمّ سفسافها» (١).

стр. 1068

وقيل لقوم من العرب: من سيّدكم؟ فقالوا: فلان على بخل فيه، فقال ﵊: «وأيّ داء أدوى من البخل» (١)! وقال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩]. وقال المأمون لمحمد بن عباد: أنت متلاف، فقال: منع الجود سوء ظن بالمعبود، يقول الله : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: ٣٩]. وقال كسرى: عليكم بأهل السخاء والشجاعة؛ فإنهم أهل حسن الظن بالله، ولو أن أهل البخل لم يدخل عليهم من ضرّ بخلهم ومذمة الناس لهم وإطباق القلوب على بغضهم، إلا سوى ظنّهم بربهم في الخلف لكان عظيما، أخذه محمود الوارق فقال: [الطويل] من ظنّ بالله خيرا جاد مبتدئا ... والبخل من سوء ظنّ المرء بالله وخوّف بخيل سخيّا الإملاق والفقر، فردّ عليه السخيّ، يقول: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [البقرة: ٢٦٨]. وقال الحسن والحسين لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: بأبي أنتما وأميّ! إن الله عوّدني أن يتفضّل عليّ، وعوّدته أن أتفضّل على عبيدة، فأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني عادته. قوله: وخذ نصيبك منه قبل رائعة. الرائعة الشيبة، لأنها تروّع الإنسان أي تفزعه، وتعلمه أنها تأتيه بالكبر والهرم. والعود المنحوت، أراد به الجسم اليابس لأنّ الهرم يذهب نعمة الجسم، وأصل المنحوت المنجور. وأراد بقوله: خذ نصيبك قوله ﵊: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وماله من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى» (٢). [مما قيل في الشيب] وقال الشاعر في الرائعة: [البسيط] أهلا برائعة للشيب واحدة ... تفني الشباب وتنهانا عن الغزل وقال أبو الطيب المتنبي: [الكامل] راعتك رائعة المشيب بعارضي ... ولو انها الأولى لراع الأسحم (٣)

стр. 1069

لو كان يمكنني سفرت عن الصّبا ... فالشّيب من قبل الأوان يكتّم وفي رواية ابن جني: «رائعة البياض»، وقال: هي أول شعرة تطلع من الشيب. وأنشد ابن الأعرابي «أهلا برائعة للشيب» وأنشد غيره «برائعة بيضاء» أي بشعرة تطلع من المشيب بيضاء تروع الناظر، وهذا أصوب من الوجه الآخر، وقال كثيّر: [الكامل] كذب العواذل بل أردن خيانتي ... وبدت روائع لمّتي وقتوم (١) وقال الألبيري: [الوافر] بصرت بشيبة وخطت بليلي ... فقلت لها تأهّبي للرحيل ولا يهن القليل عليك منها ... فما للشيب ويحك من قليل فكم قد أبصرت عيناك مزنا ... أصابك طلها قبل النّزول فلا تحقر بنور الشّيب واعلم ... بأنّ القطر يبعث بالسّيول وقال أبو بكر البلويّ: [السريع] نكبت في شعري وشعري وما ... نفسي في صبري بمنكوبه إذا دنت بيضاء مكروهة ... منّي نأت سوداء محبوبه وقال كشاجم فأحسن: [الوافر] نظرت إلى المرأة فروّعتني ... طلائع شيبتين لدى المتاب فأمّا شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض من حبّ التّصابي وأمّا شيبة فصفحت عنها ... لنشهد بالبراءة من خضابي فيا لك من مشيب قد تبدّى ... أقمت به الدّليل على شبابي وقال البحتريّ: [الخفيف] وأبت تركي الغديّات والآ ... صال حتى قضين بالمقراض (٢) شعرات أقصّهنّ ويرجع ... ن رجوع السّهام في الأغراض وقال ابن المعتزّ: [الطويل] ألست ترى شيبا برأسي شاملا ... ونت حيلتي عنه وضاق به ذرعي كأنّ المقاريض التي يعتورنه ... مناقير طير تنتقي سنبل الزّرع

стр. 1070

وقال رجل من الأزد: [الكامل] ولقد أقول لشيبة أبصرتها ... في مفرقي فمنحتها إعراضي عنّي إليك فلست منتهيا لقد ... عممت منك مفارقي ببياض هل لي سوى عشرين عاما قد مضت ... مع ستة في إثرهنّ مواضي ولقلّما أرتاع منك وإنّني ... فيما هويت وإن وزعت لماضي فعليك ما اسطعت الظّهور بلمّتي ... وعليّ أن ألقاك بالمقراض وقال أبو نواس: [الكامل] وإذا عددت السنّ كم هي لم أجد ... للشّيب عذرا أن يلمّ برأسي وقال أبو دلف: [البسيط] في كلّ يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنما نبتت في ناظر البصر لئن قرضتك بالمقراض عن بصري ... لما قرضتك عن همّي وعن فكري وقال كشاجم: [الطويل] أخي قم فعاونّي على شيبة بغت ... فإني منها في عذاب وفي حرب إذا ما مضى المنقاش يأتي بها أتت ... وقد أخذت من دونها جارة الجنب كحان على السّلطان يجزى بذنبه ... تعلّق بالجيران من شدّة الرّعب ولأبي الفضل الدارميّ: [الخفيف] شيبة نغّصت عليّ شبابي ... فتعمّدت نتفها غير وان قلت ماذا كذا العمر التّصابي ... لشبابي أجل عند الحسان فأجابت جرى من الرّسم للسل ... طان أخذ البراء مثل الجاني فإن ازددت في الجفاء فلا تن ... كر قدومي عليك مع إخواني وهذا مثل قول الآخر: [الطويل] وزائرة للشيب لاحت بعارضي ... فبادرتها بالقطف خوفا من الحتف فقالت على ضعفي استطلت ووحدتي ... رويدك حتى يلحق الجيش من خلفي فلم يك إلا عن قريب فأقبلت ... وعمّت جميع الرأس رغما على أنفي فوا أسفا لو كان يغني تأسّفي ... على زمن ولّى ونحن على حرف وقال الرّماني: [الكامل] وثلاث شيبات طلعن بمفرقي ... فظننت أن نزولهنّ رحيلي طلعت ثلاث في طلوع ثلاثة ... واش ووجه مراقب وعذول

стр. 1071

فعزلنني عن صبوتي فلئن ذلك ... ت لقد سمعت بذلّة المعزول وفي معنى قول أبي نواس: «وإذا عددت السن كم هي» قال المعري: [الخفيف] عجبت هند من تسرّع شيبي ... قلت هذا عقبي فطام السّرور عوّضتني يد السّفاسف من مس ... ك عذارى ريشا من الكافور كأنّ لي في انتظار شيبي حساب ... غالطتني فيه صروف الدّهور وقال ابن الملح الشّبليّ: [الكامل] طلع المشيب بلمتي فتعجّبوا ... من كدّه وتعجّبوا من مهلته ما شبت من كبر ولكن من يبت ... دنفا ومشتاقا يشب من ليلته وقال أبو عثمان الخالديّ: [المتقارب] فديتك ما شبت من كبرة ... وهذي سنّي وهذا الحساب ولكن هجرت فحلّ المشيب ... ولو قد وصلت لحلّ الشّباب وهذا القدر كاف. *** قوله: فالدهر أنكد ... البيت يقول: إن كنت غنيا أو فقيرا فتلك حال لا تدوم، كرهت أو رضيتها. وقوله: أيّ ولد الرجل أنت، هذا الكلام إنما يقع في باب النفي، قال يعقوب: تقول العرب: لا أدري أيّ ولد الرجل هو؟ يعنون بالرّجل آدم وولده الناس، فكأنه قال: ما أدري أيّ الناس هو. عرض: جانب. مغض: مغمض عينه، يريد أنه لم يعجبه سؤاله، فلم يقبل عليه بنظره، ولا بإنشاده. ورز، بالراء قبل الزاي، معناه اختبر واطلب قال ابن الأنباري: رزت ما عنده، أي طلبته وأردته، قال الزّبيديّ: الرّوز قريب من التحقيق، والروز أن تأخذ الصنجة بيدك، فترفعها لتختبر ثقلها، قال الشاعر: [الوافر] وإنّ الله راز حلوم قيس ... فلمّا ذاق خفّتها قلاها وقال الأعشى: [مجزوء الكامل] فمشى ولم يخش الأني ... س فرازها وخلا بها اصرم: اقطع الصحبة. السّلاف: الخمر الخالصة. الحصرم: الحامض، لأنّ عود العنب حامض، ويتولّد عنه شيء لذيذ، وتقدّم معنى البيتين.

стр. 1072

وأما وجود الأشياء مع أضدادها مثل الحلاوة مع أصله مرّ فله نظائر، قال حبيب: [البسيط] * والنار قد تنتضى من ناضر السّلم (١) * وقال المتنبي: [الوافر] فإن الماء يجري من جماد ... وإن النار تخرج من زناد (٢) وقد يجري أيضا خلاف العادة في الأشياء، فقد يتشابه الشيئان من جهة، ويتباعدان من أخرى. قال المعرّي: [البسيط] قد يبعد الشيء من شيء يشابهه ... إنّ السماء نظير الماء في الزّرق (٣) قال المتنبي وقد سبقه إليه: [الوافر] وقد يتقارب الوصفان جدّا ... وموصوفا هما متباعدان (٤) وما أحسن قول ابن صارة: [البسيط] يا من يعذّبني لمّا تملّكني ... ماذا تريد بتعذيبي وإضراري تروق حسنا وفيك الموت أجمعه ... كالصّقل في السّيف أو كالنور في النار وقال ابن عبدون أستاذ بلنسية: [البسيط] يا من محيّاه جنات مفتّحة ... وهجره لي ذنب غير مغفور لقد تناقضت في خلق وفي خلق ... تناقض النار بالتدخين والنّور *** قال: فقرّبه الوالي لبيانه الفاتن؛ حتى أحلّه مقعد الخاتن. ثم فرض له من سيوب نيله، ما آذن بطول ذيله، وقصر ليله. فنهض عنه بردن ملآن، وقلب جذلان، وتبعته حاذيا حذوه، وقافيا خطوه، حتّى إذا خرج من بابه، وفصل عن غابه، قلت له: هنّئت بما أوتيت، وملّيت بما أوتيت فأسفر وجهه وتلالا، ووالى شكرا لله تعالى، ثم خطر اختيالا، وأنشد ارتجالا: [الطويل]

стр. 1073

من يكن نال بالحماقة حظّا ... أو سما قدره لطيب الأصول فبفضلي انتفعت لا بفضولي ... وبقولي ارتفعت لا بقيولي ثمّ قال: تعسا لمن جدب الأدب، وطوبى لمن جدّ فيه ودأب، ثم ودعني وذهب، وأودعني اللهب. *** قوله: مقعد الخاتن: كناية عن القرب، كما أن مزجر الكلب كناية عن البعد. سيوب: عطايا، وأصلها الكنوز والمعادن. نيله: ماله الموهوب، وفي كتاب العين: أنلت المعروف ونلته ونوّلته واسم ما تهب النّوال والنّيل. آذن: أعلم. طول ذيله: كثرة ماله. قصر ليله: يريد قلة همه، لأنّ المهموم لا ينام فيطول ليله، ووصف الليل بالطول والقصر، وله باب مشهور في كتب الأدب تركنا ذكره لشهرته وكثرته، وعلّته راجعة لما ذكر من أن ليل السرور قصير، وليل الهمّ طويل. [مما قيل في الليل شعرا] وحدث إسحاق الموصليّ قال: دخلت على الرشيد وهو مستلق على قفاه وهو يقول: أحسن والله فتى قريش وظريفها وشاعرها، قلت: فيم ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال في قوله: [البسيط] لا أسأل الله تغييرا لما فعلت ... نامت وقد أسهرت عينيّ عيناها فاللّيل أطول شيء حين أفقدها ... واللّيل أقصر شيء حين ألقاها ثم قال: أفتعرفه؟ قلت بصوت ضعيف: لا، قال: بحقي عليك؟ قلت: نعم هو الوليد بن يزيد، فقال استر ما سمعته مني، وإنه ليستحق أكثر مما وصفته به. ولبعضهم وأجاد: [الكامل] إنّ اللّيالي للأنام مطيّة ... تطوى وتنشر بينها الأعمار فقصارهنّ مع الهموم طويلة ... وطوالهنّ مع السرور قصار وأنشد الفنجديهي للمطرافي: [البسيط] أخو الهوى يستطيل الليل من سهر ... واللّيل في طوله جار على قدر ليل الهوى سنة في الهجر مدّته ... لكنّه سنة في الوصل من قصر وأنشد السّلامي ﵀: [البسيط] ليلي وليلى سواء في اختلافهما ... قد صيّراني جميعا في الهوى مثلا يجود بالطول ليلي كلّما بخلت ... بالطّول ليلى وإن جادت به بخلا

стр. 1074

وقال ابن أبي دباكل: [الوافر] يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقي فيه قصير وتبعه بشار، فقال وأحسن: [البسيط] لا أظلم الليل ولا أدّعي ... أنّ نجوم الليل ليست تغور ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير تصرّف الليل على حكمها ... فهو على ما صرّفته يدور وزاد ابن العريف الزاهد على هذا المعنى، فقال وأحسن: [الخفيف] لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلّى لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النّجوم كنت مخلا إن للعاشقين عن قصر اللي ... ل وعن طوله من الهمّ شغلا قوله: ردن، أي كم. جذلان: مسرور. حاذيا حذوه، أي متّبعا له جاعلا قدمي موضع قدمه، فيتّسع فيه، فيقال: حذوت حذوه، أي فعلت مثل فعله، وأصله في حذو النعل بالنعل، وقد تقدم. قافيا: متبعا فصل: زال وخرج. غابه: موضعه، والغاب الشجر الملتفّ يتّخذ الأسد فيه بيتا. ملّيت: أطيل لك ومتّعت به، من الملاوة، وهو الحين أوليت: أعطيت. أسفر: أضاء، ومثله تلألأ، إلّا أن معناه أبلغ، وأصل تلألأ: ابيضّ، فأشبه بياض اللؤلؤ، وصفاءه، يريد أنّه انبسط وجهه وحسنت خلقته لما دعا له. والى: كرّر. خطر اختيالا: جرّ أثوابه إعجابا بنفسه. سما قدره: ارتفعت منزلته. طيب الأصول: شرف الجدود. الفضول: الحمق والدخول فيما لا يعني. والقيول: من دون الملك، واحدهم قيل، وأراد بهم الأجداد الأشراف، وطابق بين الحماقة والفضول، وبين طيب الأصول والقبول، وسلخه من قول المتنبي: [البسيط] ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي ارتفعت لا بجدودي (١) أشار إلى نسبه من ملوك كندة. قال: آخر: [الرمل] أيها الفاخر جهلا بالحسب ... إنّما الناس لأمّ ولأب إنما الفخر بعقل راجح ... وبأخلاق حسان وأدب ذاك من قد فاخر النّاس به ... فاق من فاخر منهم وغلب

стр. 1075

وقال الحكيم بن قنبر: [البسيط] لا خير فيمن له أصل بلا أدب ... حتّى يكون على ما نابه حدبا كم من حسيب أخي عيّ وطمطمة ... فدم لدى القوم معروفا إذا انتسبا في بيت مكرمة آباؤه نجب ... كانوا الرءوس فأضحى بعدهم ذنبا وقد تقدمت نظائره. قوله: تعسا، أي هلاكا. جدب: عاب، وفي الحديث: «جدب ابن الأثير بالسمر بعد العشاء» (١) أي عابه، وقال ذو الرّمة [الطويل] إذا نازعتك القول ميّة أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدّرع سالبه (٢) فيا لك من خدّ أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلل جادبه قوله: دأب، أي دام عليه. أودعني: ضمنني، وجعله في قلبي اللهب: جمر النار. ومما يتعلّق بما قدمناه من الشعر قول جحظة: [الوافر] أرى الأعياد تتركني وتمضي ... وأوشك أنّها تبقى وأمضي علامة ذاك شيب قد علاني ... وضعف عند إبرامي ونقضي وما كذب الّذي قد قال قبلي ... إذا ما مرّ يوم مرّ بعضي أرى الأيام قد ختمت كتابي ... وأحسبها ستتبعه بفضّ وعلى قوله: «إذا ما مرّ يوم مرّ بعضي» قال بعض بني حمدان: [مخلع البسيط] المرء وقت له تناه ... مقدر طوله وعرضه فكلّما مرّ منه يوم ... فإنّما مرّ منه بعضه وجحظة مطبوع الشعر، هو القائل في أبي بكر بن دريد: [البسيط] فقدت بابن دريد كلّ فائدة ... لمّا غدا ثالث الأحجار والتّرب وكنت أبكي لفقد الجود مجتهدا ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب أين هذا من قول الفرزدق يرثي سائسا، أنشده أبو محمد في الدرة: [الطويل]

стр. 1076

ليبك أبا الخنساء بغل وبغلة ... ومخلاة سوء قد أضيع شعيرها ومجرفة مطروحة ومحسّة ... ومقرعة صفراء بال سيورها أخذه من قول زيد الخيل يرثي عبدا له: [السريع] أمّا تعاورتك الرّماح فلا ... أبكيك إلا للدّلو والمرس (١) وقد قدّمنا فصلا في التشاؤم بالأدب في قوله، فقد دهاني شؤمه وأثنى عليه هنا بقوله: تعسا لمن جدب الأدب، وطوبى لمنّ جدّ فيه وأدب [مما قيل في الأدب والأديب] ونذكر هنا فصلا مقنعا في مدحه، حسبما شرطنا من الجري معه على أغراضه. قال العلاء بن أيوب كان يقال: مثل الأديب ذي القريحة، مثل دائرة تدار من داخلها، فهي في كلّ دارة تدار تتّسع وتزداد عظما، ومثل الأديب غير ذي القريحة مثل دائرة تدار من داخلها، فهي عن قليل تبلغ إلى باطنها. أوصى بعض الحكماء بنيه، فقال لهم: الأدب أكرم الجواهر طبيعة، وأنفسها قيمة، يرفع الأحساب الوضيعة، ويفيد الرغائب الجليلة، ويغني من غيره عشيرة، ويكثر الأنصار من غير رزيّة، فالبسوه حلّة، وتزيّنوا به حلّية، يؤنسكم في الوحشة، ويجمع القلوب المختلفة. وقال شبيب بن شبّة: اطلبوا الأدب فإنه مادّة للعقل، دليل على المروءة صاحب في الغربة، مؤنس في الوحشة، حلية في المجلس. وقال الخليل: من لم يكتسب بالأدب مالا اكتسب به جمالا. وأنشد الأصمعيّ ﵀: [البسيط] إن يك للعقل مولود فلست أرى ... ذا العقل مستوحشا من حادث الأدب إني رأيتهما كالماء مختلطا ... بالتّرب تظهر عنه زهرة العشب وقال عبد الملك لبنيه: عليكم بالأدب، فإنكم إذا احتجتم إليه كان لكم مالا، وإن استغنيتم عنه كان لكم جمالا. ابن المقفع: إذا أكرمك الناس لمال أو لدنيا، فلا يعجبنّك، فإنّ تلك كرامة نزول

стр. 1077

بزوالهما، ولكن ليعجبنّك إذا أكرموك لدين أو أدب. وقال ابن عباس ﵄: كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله، ومن علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل. وقال بزرجمهر: ما ورّثت الآباء الأبناء خيرا من الأدب، لأن به يكسبون المال، وبالجهل يتلفونه. وقال: حسن الخلق خير قرين، والأدب خير ميراث، والتقوى خير زاد. وقالوا: ثلاث لا غربة معهنّ. مجانبة الرّيب، وحسن الأدب، وكفّ الأذى. وقال بزرجمهر: من كثر أدبه كثر شرفه، وإن كان قبل وضيعا، وبعد صيته، وإن كان خاملا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيرا. وقال عمر ﵁: من أفضل ما أعطيته العرب الأبيات، يقدّمها الرجل بين يدي حاجته، فيستعطف بها الكريم ويستنزل بها اللئيم. وقالوا: الأدب أدبان. أدب الغريزة، وهو الأصل وأدب الرّواية وهو الفرع، ولا يتفرّع الشيء إلا عن أصله، ولا ينمو الأصل إلّا باتصال المادّة. وقال حبيب فأحسن: [الطويل] وما السّيف إلّا زبرة إن تركته ... على الخلقة الأولى لما كان يقطع (١) وقال آخر: [المنسرح] ما وهب الله لامرئ هبة ... أفضل من عقله ومن أدبه هما كمال الفتى فإن فقدا ... ففقده للحياة أحسن به وقالوا: إذا كان الرجل طاهر الأدب، طاهر المنبت، تأدّب بأدبه، وصلح بصلاح أهله وولده. وقال الشاعر: [الطويل] رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم عند الفساد إذا فسد يعظّم في الدنيا لأجل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد

стр. 1078

المقامة التاسعة والثلاثون وهي العمانيّة حدّث الحارث بن همّام، قال: لهجت مذ اخضرّ إزاري، وبقل عذاري، بأن أجوب البراري، على ظهور المهاري، أنجد طورا، وأسلك تارة غورا؛ حتّى فليت المعالم والمجاهل، وبلوت المنازل والمناهل، وأدميت السّنابك والمناسم، وأنضيت السّوابق والرّواسم فلمّا مللت الإصحار، وقد سنح لي أرب بصحار، ملت إلى اجتياز التّيار، واختيار الفلك السّيّار، فنقلت إليه أساودي، واستصحبت زادى ومزاودي، ثم ركبت إليه ركوب حاذر ناذر، عاذل لنفسه عاذر فلمّا شرعنا في القلعة، ورفعنا الشّرّع للسّرعة، سمعنا من شاطئ المرسى، حين دجا اللّيل وأغسى، هاتفا يقول: يا أهل ذا الفلك القويم، المزجّى في البحر العظيم، بتقدير العزيز العليم، هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم! فقلنا: أقبسنا نارك أيّها الدّليل وأرشدنا كما يرشد الخليل الخليل. *** لهجت أي اشتدّ حبّي، وأصله في الفصيل إذا رضع أمه، يقال: لهج بضرع أمّه، إذا لزمه ليرضعه، اخضرّ إزاري، كنى به عن الشباب، وكانت العرب إذا بلغ منها الغلام الحلم وأشعر لبس الإزار ليستر عورته. بقل عذاري: اخضرّ شاربي، وبدا الشعر في وجهي أخضر مثل البقل. [مما قيل في العذار] ونذكر هنا شيئا مما قيل في العذار، قال أبو نواس: [الكامل] من أين للرشإ الأغنّ الأحور ... في الخدّ مثل عذاره المتحيّر قمر كأنّ بعارضيه كليهما ... مسكا تساقط فوق ورد أحمر وقال أيضا: [مخلع البسيط] قد كان بدر السّماء حسنا ... فالنّاس في حبّه سواء

стр. 1079

فزاده ربّه عذارا ... تمّ به الحسن والبهاء لا تعجبوا، ربّنا قدير ... يزيد في الخلق ما يشاء وقال ابن رشيق: [السريع] همّت عذاراه بتقبيله ... فاستلّ من عينيه سيفين فذلك المحمّر من خدّه ... دم جرى بين الفريقين وقال غيره: [مجزوء الكامل] قمر كأنّ قوامه ... من قد غصن مسترقّ وكأنّما قلم الزمرّ ... وفي عوارضه مشقّ ولأبي الفضل الدارميّ: [الرجز] إذا الّذي خطّ الجمال بوجهه ... خطّين هاجا لوعة وبلا بلا ما صحّ عندي أنّ لحظك صارم ... حتى رأيت بعارضيك حمائلا وقال أيضا: [الرمل] قلت للملقي على الخدّ ... ين من ورد خمارا أسبل الصّدغ على خدّ ... يك من مسك عذارا أم أعان الليل حتّى ... غلب الليل النّهارا قال ميدان جرى الحس ... ن عليه فاستدارا ركضت فيه عيون ... فأثارته غبارا قوله: أجوب، أي أقطع البراري: ال صّحار ى. المهاري: إبل كرام أنجد: أطلع، والنّجد: المرتفع. والغور: ضدّه، وقد أنجد وغار. أسلك: أدخل وأمشي. فليت: قطعت المعالم: المواضع المعلومة، والمجاهل، ضدها. بلوت: جرّبت. المناهل: مواضع المياه. السنابك، أطراف الحوافر المناسم: جمع منسم، وهو مقدّم خفّ البعير. أنضيت: أهزات. السوابق: الخيل الرواسم: الإبل السريعة، ورسمت الناقة فهي راسمة، إذا أثّرت في الأرض من شدة وطئها، قال أبو عبيد ﵀: إذا ارتفع السير عن العنق قليلا، فهو التّزيد، فإذا ارتفع عن ذلك، فهو الذّميل، ثم الرّسيم. الإصحار: الدّخول للصحراء، يريد مللت من سفر البر. سنح: ظهر وعرض. ارب: حاجة. [صحار] صحار: سوق عمان، وهي مدينة كبيرة على ساحل البحر، مرساها فرسخ في فرسخ، وبلاد عمان ثلاثون فرسخا، ما ولي البحر سهول ورمال، وما تباعد عنه حزون

стр. 1080

وجبال، وهي مدن، منها مدينة عمان وهي حصينة على الساحل، ومن الجانب الآخر مياه تجري إلى المدينة، وفيها دكاكين التّجار مفروشةبالنّحاس مكان الآجرّ، وهي كثيرة النخل والبساتين وضروب الفواكه والحنطة والشعير والأرز وقصب السكر، وفي الأمثال: من تعذّر عليه الرزق فعليه بعمان، وفي أحوازها مغاص اللؤلؤ. وعمان من أحواز اليمن سمّيت بعمان بن سبأ. الفنجديهيّ: صحار اسم بلدة بكورة عمان وهي قصبتها ممّا يلي الجبل. *** التيّار: البحر. الفلك: السفينة السّيّار: الكثير المشي، والفلك يكون واحدا وجمعا، ويذكّر ويؤنث. أساودي: أمتاعي، لأنها تسوّد الأرض بظلها، وهي جمع أسودة، وأسودة جمع سواد، وسواد الأمير ثقله. أبو عبيد: كلّ شخص سواد، من متاع أو إنسان أو غيره. الحاذر: الخائف. ناذر: حالف، وأراد به الذي ينذر بخير إن سلّمه الله تعالى من هول البحر. عاذل وعاذر، يريد أنه يعذل نفسه عن التغرير بدخول البحر ومقاساة أهواله، ويعذرها لكثرة المتاجر. شرعنا في القلعة: أخذنا في قلع المراسي، ورفع القلع وهي الشّرع قوله: أغشى، أي أظلم هاتفا، أي صائحا. القويم: المستقيم. المزجّى: المسوق المسير، قال الله تعالى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ [الإسراء: ٦٦] أي يسيّرها، وأزجاه: إذا ساقه. أقبسنا: أعطنا أرشدنا: دلّنا، قاله الأزهري ﵀. *** فقال: أتستصحبون ابن سبيل، زاده في زبيل، وظلّه غير ثقيل، وما يبغي سوى مقيل. فأجمعنا على الجنوح إليه وألّا نبخل بالماعون عليه. فلمّا استوى على الفلك، قال: أعوذ بمالك الملك، من مسالك الهلك. ثمّ قال: إنّا روينا في الأخبار، المنقولة عن الأحبار، أنّ الله تعالى ما أخذ على الجهّال أن يتعلّموا، حتى أخذ على العلماء أن يعلّموا، وإن معي لعوذة، عن الأنبياء مأخوذة، وعندي لكم نصيحة، براهينها صحيحة، وما وسعني الكتمان، ولا من خيمي الحرمان فتدّبّروا القول وتفهّموا، واعملوا بما تعلّمون وعلّموا. ثمّ صاح صيحة المباهي، وقال: أتدرون ما هي! هي والله حرز السّفر، عند مسيرهم في البحر، والجنّة من الغمّ، إذا جاش موج اليمّ، وبها استعصم نوح من الطّوفان، ونجا ومن معه من الحيوان؛ على ما صدعت به آي القرآن. ثم قرأ بعد أساطير تلاها، وزخارف جلاها، وقال: اركبوا فيها باسم الله

стр. 1081

مجراها ومرساها. ثمّ تنفّس تنفّس المغرمين، أو عباد الله المكرمين. وقال: أمّا أنا فقد قمت فيكم مقام المبلّغين، ونصحت لكم نصح المبالغين، وسلكت بكم محجّة الرّاشدين، فاشهد اللهمّ وأنت خير الشاهدين. *** ابن سبيل: هو المسافر الذي انقطع به، وهو يريد الرجوع إلى بلده، ولا يجد ما يتبلّغ به، فله سهم في الصدقات. زبيل: قفّه من جلود، وألغز به بعضهم فقال: [الوافر] وذي أذنين لا يقتات قوتا ... وجوف للحوائج واحتمال يكلّف شغل أهل البيت طرّا ... وتحمل فيه أقوات العيال تسرّ إليه في الأسواق سرّا ... فلا يفشيه إلا في الرّحال ظله غير ثقيل، أي هو خفيف الروح، وقد تقدّم معنى استثقال ظلّه في الثانية والعشرين، ويريد بظلّه شخصه، كما يسمّى الشخص سوادا، لأنه يسوّد الأرض بظلّه. قال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي ﵁: هل تمرض الرّوح؟ قال: نعم من ظلّ الثقلاء قال: فمررت به يوما وهو بين ثقيلين، فقلت كيف الروح؟ قال: في النّزع. وقال الهيثم بن عديّ: النّظر إلى الثقيل حمى الروح. مقيل: موضع جلوس في القائلة. الجنوح: الميل، والماعون اسم للمطر. وأنشد أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: [الوافر] يمجّ صبيره الماعون مجّا ... إذا نسم من الهيف اعتراه (١) والماعون الزكاة، قال الرّاعي: [الكامل] قوم على الإسلام لمّا يمنعوا ... ماعونهم ويضيّعوا التّهليلا (٢) مسالك: طرق ابن عباس ﵄، قال رسول ﷺ : «أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: ٩١]، الآية بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» [هود: ٤١].

стр. 1082

وقوله: إن الله تعالى ما أخذ على الجهّال أن يتعلّموا حتى أخذ على العلماء أن يعلّموا، قيل: معنى أخذ: أوجب، وأراد قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]. أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ما آتى الله تعالى عالما علما إلا أخذ عليه الميثاق ألّا يكتمه» قال الحسن بن عمر: أتيت الزّهريّ بعد أن ترك الحديث، فألقيته على بابه، فقلت: إمّا أن تحدّثني وإما أن أحدثك، قال: حدّثني، فقلت: حدّثني الحكم ابن عيينة، عن يحيى بن الجزار، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب ﵁ يقول: ما أخذ الله على الجهال أن يتعلّموا حتى أخذ على العلماء أن يعلّموا، قال: فحدّثني بأربعين حديثا. قوله: عوذة، أي ما يتعوّذ به الإنسان من الحرز وشبهه. براهينها: حججها خيمي: طبعي. الحرمان: منع الفوائد. المباهي: المفاخر الكثير الإعجاب السّفر: المسافرون. الجنّة، الستر. جاش: تحرّك وهاج. اليمّ: البحر. استعصم: امتنع. الطوفان: الماء العامّ. صدعت: نطقت آي: جمع آية، وتقدمت الأساطير، هي الأباطيل. زخارف: أشياء مزيّنة المغرمين: المعذبين، والمغرم المولع بالحب وغيره. الرّاشدين: الهادين للطريق. *** قال الحارث بن همّام: فأعجبنا بيانه البادي الطّلاوة، وعجّت له أصواتنا بالتّلاوة، وأنس قلبي من جرسه، معرفة عين شمسه فقلت له: بالّذي سخّر البحر اللّجّىّ؛ ألست السّروجيّ! فقال لي: بلى، وهل يخفى ابن جلا! فأحمدت حينئذ السّفر، وسفرت عن نفسي إذ سفر، ولم نزل نسير والبحر رهو، والجوّ صحو، والعيش صفو، والزّمان لهو، وأنا أجد للقيانه، وجد المثري بعقيانه، وأفرح بمناجاته، فرح الغريق بمنجاته، إلى أن عصفت الجنوب، وعسفت الخنوب، ونسي السّفر ما كان وجاءكم الموج من كلّ مكان؛ فملنا لهذا الحدث السّائر، إلى إحدى الجزائر؛ لنريح ونستريح، ريثما تواتي الرّيح. فتمادى اعتياص المسير؛ حتى نفد الزّاد غير اليسير؛ فقال لي أبو زيد: إنّه لن يحرز جنى العود بالقعود، فهل لك في استثارة السّعود بالصعود! فقلت له: إنّي لأتبع لك من ظلّك، وأطوع من نعلك. *** الطّلاوة: الحسن والقبول. عجت: ارتفعت. آنس: أحسّ وأدرك. جرسه: صوته الخفيّ. عين شمسه: حقيقة نفسه ومعرفته اللجي: وهي معظم الماء.

стр. 1083

[طوفان نوح ﵇] ونذكر هنا بعد ما حدث من طوفان نوح ﵇: ذكر أهل الأخبار أن نوحا ﵇ أوّل نبيّ بعث، وأنّ قومه كانوا أهل أوثان، يعبدونها من دون الله، فبعث لهم نوح فدعاهم إلى الله، فكانوايبطشون به، ويستخفّون به، وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. فلمّا كثر استخفافهم به، قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦]، فأوحى الله إليه أن اصنع الفلك فإنهم مغرقون. فأقبل على قطع الخشب وضرب الحديد وتهيئة العود بالفار وغيره، فصنعه من خشب السّاج، وجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعا. وكان قومه في خلال صنعة السفينة يأتونه أفواجا، يستخفّون عقله، ويعدّون فعله من جنونه، ويقولون له: عملت سفينة في البرّ، فيقول لهم: سوف تعلمون. فلما اطمأنوا في الفلك فار التّنور من الهند، وقال الشعبي ﵀ من الكوفة. وفتحت أبواب السماء بماء منهمر، وتفجّرت الأرض عيونا، فكان بين إرسال الماء وارتفاعه أربعون يوما، فلما بلغ الماء إليهم أووا إلى الجبال، فكانت الجبال تستقبلهم بالحجارة، وتغرقهم في الماء، فماتوا غرقى، وارتفع الفلك، وجعل يجري في موج كالجبال، ودار الأرض كلها في ستة أشهر وعشر ليال. ويقال: إنهم ركبوها لعشر ليال مضين من رجب، ونزلوا يوم عاشوراء من المحرّم، فلذلك صام الناس يوم عاشوراء، وأتت السفينة الحرم فدارت به أسبوعا، ولم يبق شيء الخلائق ولا من الشجر إلّا هلك، إلا نوح ومن معه، وإلّا عوج بن عنق- فيما يزعم أهل الكتاب- وانتهت آخرا إلى الجوديّ، وهو جبل بالحصنين من أرض الموصل فنزلت عليه. *** قوله: ابن جلا، أي المشهور المعروف، يقال للرجل إذا كان عالي الشرف واضح الأمر لا يخفى مكانه: هو ابن جلا، أي هو الذى الأمور بنفسه، وأوضحها، قال سحيم ابن وثيل: [الوافر] أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني (١) وكان صاحب غارات، يطلع فيها من ثنيّة الجبل على قومه؛ قال ثعلب: العمامة تلبس في الحرب وتوضع في السّلم؛ قال ابن الأعرابيّ: يقال للسّيد: ابن جلا، قال سيبويه ﵀: جلا فعل ماض، كأنه يعني الذي جلا، أي أوضح وكشف.

стр. 1084

قوله: أحمدت، أي وجدته محمودا. سفرت: كشفت وأزلت الهم سفر: عرّفنا بنفسه، ويقال: سفرت عن نفسي كما سفر، أي عرّفته شخصي كما عرفني هو شخصه ونفسه. وهو: ساكن، ويقال: فعل ذلك رهوا، أي ساكنا من غير تشدّد، قال تعالى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً [الدخان: ٢٤] والرّهو عند العرب الساكن، يقال: جاءت الريح رهوا، أي ساكنة، ويجوز أن يكون رهوا من نعت موسى ﵇، أي أتركه على هينتك، أو يكون من نعت البحر، أي دعه يا موسى ساكنا واقفا ماؤه واعبره. الجوّ: ناحية. السماء صحو: نقيّ من السحاب المثري: الغني. والعقيان: الذهب ينبت نباتا. عصفت الريح: اشتدّت الجنوب: الريح القبلية. عسفت: جاءت من كلّ جانب، والعسف ركوب الأمر على جهالة. والخبوب، بخاء معجمة، جمع خبّ، وهي الرواية الصحيحة عن ابن جهور وغيره، وهو هيج البحر واضطراب الماء، وهو الذي صحّحه الفنجديهيّ كأن أبا عمرو القسطليّ شاهد هذه الحالة من هول البحر فوصفه بقوله: [الطويل] إليك شحنّا الفلك تهوي كأنّها ... وقد ذعرت من مغرب الشّمس غربان على لجج خضر إذا هبت الصّبا ... ترامى بنا فيها ثبير وثهلان مواثل يرعى في ذراها مواثل ... كما عبدت في الجاهلية أوثان تقاتل موج البحر واليم والدّجى ... تموج بنا فيها عيون وآذان ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا ... سوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان وقال آخر: [الرمل] وسماء في الثّرى مخضلّة ... لازورديّة ما فيها صفا غطّت الأرض فلم تترك لنا ... من فضاء الأرض إلّا طرفا فكأنّ الأرض فيها عائم ... غاب إلّا هامة أو كتفا وكأنّ الموج فيها عسكر ... لبسوا لأما وغالوا حجفا خافق راجفة أحشاؤه ... كحشا المهجور يهفو أسفا قوله: نسي السّفر ما كان، أي نسوا ما كان من طيب العيش بصفو الصحو قوله: الحدث الثائر، أي الأمر الطارئ. لنريح، أي لنريح أنفسنا من تعب الهول والخوف، وأراح الرجل: استراح وأراح غيره، وأراح الريح وأروحها واستروحها: وجدها. ريث: قدر، والرّيث اللّبث والبطء. تواتي: توافق اعتياص: التواء وتصعّب. نفد: فني استثارة: استخراج، يقول: هل لك فى إدراك الحظّ بالخروج من السفينة إلى البريّة. *** فنهدنا إلى الجزيرة، على ضعف من المريرة؛ لنركض في امتراء الميرة؛

стр. 1085

وكلانا لا يملك فتيلا ولا يهتدي فيها سبيلا؛ فأقبلنا نجوس خلالها، ونتفيّأ ظلالها، حتّى أفضينا إلى قصر مشيد، له باب من حديد، ودونه زمرة من عبيد. فناسمناهم لنتّخذهم سلما إلى الارتقاء، وأرشية للاستقاء؛ فألفينا كلّا منهم كئيبا حسيرا؛ حتّى خلناه كسيرا أو أسيرا. فقلنا: أيّتها الغلمة، ما هذه الغمّة؟ قلم يجيبوا النّداء، ولا فاهوا ببيضاء ولا سوداء، فلمّا رأينا نارهم نار الحباحب، وخبرهم كسراب السّباسب، قلنا: شاهت الوجوه، وقح اللّكع ومن يرجوه فابتدر خادم قد علته كبرة، وعرته عبرة، وقال: يا قوم، لا توسعونا سبّا، ولا توجعونا عتبا؛ فإنا لفي حزن شامل وشغل عن الحديث شاغل، فقال له أبو زيد: نفّس خناق البثّ، وانفثّ إن قدرت على النّفث، فإنك ستجد منّي عرّافا كافيا، ووصّافا شافيا. *** نهدنا: تقدّمنا المريرة: قوّ النفس. نركض، بفتح أوّلها، وأصل الرّكض، تحريك القوائم، ومنه ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ص: ٤٢]، ولهذا قيل للجنين إذا اضطرب في بطن أمه: قد ارتكض، ومن مشكل أبيات المعاني: [الرجز] قد سبق الحلبة وهو راكض ... فكيف لا يسبق وهو رابض (١) المراد: أنّ أمه سبقت الجياد وهي حامل به، فأضاف السّبق إليه لاتصاله بها، وأراد براكض تحريكه قوائمه في مقرّه، والرّكض يستعمل في الخيل وغيرها فيقال: ركض البعير برجله، والطائر بجناحه. قوله: امتراء، أي استخراج. الميرة: جلب الرزق، ومار الرجل على أهله ميرا: جلب لهم القوت. نجوس خلالها؛ نطوف في طرقها، قال الليث وابن سيده: الجوس والجوسان: التردّد في خلال الدّور والبيوت، وقال الأصمعيّ والأزهريّ وأبو عبيدة: جاسوا الموضع: وطئوه، وفلان يجوس بني فلان، أي يطؤهم يطلب فيهم وقال الطّبري والنّقّاش والزّجاج والثعالبي: فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ [الإسراء: ٥]، أي طافوا بين بيوتهم، يقتلونهم ويطلبونهم، ذاهبين وجائين. والخلل: الفرجة بين الشيئين، والجمع خلال. تتفيّأ: نستظلّ، وتفيّأ به: استظلّ به، وتفيّأ: تقلّب أفضينا: وصلنا. مشيد: مرتفع البناء،

стр. 1086

والشّيد: الجصّ. زمرة: جماعة ناسمناهم: قربنا منهم، وناسمه: سارّه وشامة، وناسمت الرجل: قرّبت نسمتك من نسمته، وتحدّثت معه سرّا: أرشية: حبالا. الارتقاء: الصعود. المسك: الجلد، يريد أنه شديد التوجّع، وهذا كما تقول: لقيت فلانا في ثوب نمر، أو في جلد أسد، أي لقيته بادي الشرّ، قال الشاعر: [الطويل] فطورا ترانا في مسوك جيادنا ... وطورا ترانا في مسوك الثّعالب (١) قال البكريّ: الخيل توصف بالإقدام والثعالب بالرّوغان، فيريد أنهم مقدمون على أعدائهم يوما، ورائغون عنهم يوما. وقال الأستاذ: أي أسروا فكتفوا بجلود خيلهم المعقورة وفي جلود الثعالب، كناية عن خبث الأسير فاهوا: نطقوا. سوداء: كلمة رديئة نار الحباحب: ما تطاير من الشّرر في الهواء بتصادم حجرين أو بضرب حافر في حجر، وتلك نار لا منفعة فيها، وقيل: الحباحب رجل بخيل كان يوقد نارا ضعيفة لئلا يقصد، فإن أحسّ بإنسان أطفأها لئلا يقتبس أحد من ناره، وقيل: نار الحباحب نار سراجة، ولبخله كان إذا جاء أحد يوقد منه أطفأها، وقال عبد الصمد بن المعذّل في أخيه: [مجزوء الخفيف] ليت لي منك يا أخي ... جارة من محارب نارها كلّ شتوة ... مثل نار الحباحب (٢) يريد جارة القطاميّ التي يقول فيها: [الطويل] إلى حيزبون توقد النّار بعد ما ... تلفّقت الظّلماء من كلّ جانب فلمّا تنازعنا الحديث سألتها ... عن الحيّ قالت: معشر من محارب ألا إنما نيران قومي إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب وقيل: الحباحب ذباب يطير بالليل، له شعاع كالسراج. قوله: خبرهم، الخبر بضم الخاء، مصدر خبرت أخبر إذا امتحنت، والسباسب والبسابس: الأرض المستوية، واحدها سبسب وبسبس. شاهت الوجوه: قبحت الوجوه وفي الحديث: «أخذ ﵊ قبضة من تراب يوم بدر فحثاها في وجوه المشركين، وقال: شاهت

стр. 1087

الوجوه» (١)، ويقال شاه وجه الرجل يشوه شوها وشوهة، قبح، ووجه مشوّه، أي مقبّح، ورجل أشوه وامرأة شوهاء. واللّكع اللئيم، وقد لكع لكعا فهو ألكع، ولكيع، إذا لؤم وحمق وامرأة لكاع ولكيعة. قوله: علته كبرة، أي أسن وكبر. وعرته عبرة، أي غشيته دمعة والخادم: الخصيّ، موصوف بطول العمر وسرعة العبرة، قال الهيثم بن عديّ: في الخصيّ عشر خصال لا تجتمع في غيره: التّهمة، والنميمة، والشّره، وسرعة الدمعة، وطول العمر، وكبر القدم، والتبرّي من الصلع، والإجارة في الصغر، والقيادة في الكبر، والاسترخاء في المقعدة وسعة الحجر. لا توسعون سبّا، أي لا تكثروا شتمنا عتبا لوما وموجدة، وعتبت عليه أعتب عتبا وعتابا، وأعتبه: أرضاه، والعتبى الرضا، واستعتبته طلبت إليه أن يعتب، وقال النابغة: [الطويل] * وإن تك ذا عتبي فمثلك يعتب (٢) * وقال حبيب: [الطويل] سرت تحمل العتبي إلى العتب والرّضا ... إلى السّخط والعذر الجميل إلى الحقد (٣) الخناق: الحبل يخنق به كالعقال للجمل يعقل به. نفّس: روّح وحلي عن المخنوق. والبثّ: الحزن. انفث: تكلّم، وأصله ابصق، عرّافا: كثير المعرفة، والعرّاف: العالم بالشيء، وأصله الكاهن. *** فقال له: اعلم أنّ ربّ هذا القصر هو قطب هذه البقعة، وشاه هذه الرّقعة؛ إلّا أنّه لم يخل من كمد، لخلوّه من ولد؛ ولم يزل يستكرم المغارس، ويتخيّر من المفارش النّفائس؛ إلى أن بشّر بحمل عقيلة، وآذنت وقلته بفسيلة، فنذرت له النّذور، وأحصيت الأيّام والشّهور. ولمّا حان النّتاج، وصيغ الطّوق والتّاج، عسر مخاض الوضع، حتّى خيف على الأصل والفرع؛ فما فينا من يعرف قرارا، ولا يطعم النّوم إلّا غرارا. ثمّ أجهش بالبكاء وأعول، وردّد الاسترجاع وطوّل. فقال له أبو زيد: اسكن يا هذا واستبشر، وأبشر بالفرج وبشّر؛ فعندي عزيمة الطّلق، الّتي

стр. 1088

انتشر سمعها في الخلق. فتبادرت الغلمة إلى مولاهم، متباشرين بانكشاف بلواهم، فلم يكن إلّا كلا ولا، حتى برز من هلمم بنا إليه فلمّا دخلنا عليه، ومثلنا بين يديه، قال أبو زيد: ليهنك منالك، إن صدق مقالك، ولم يفل فالك. *** قطب هذه البقعة، أي رئيس هذه الأرض، وقطب القوم: سيّدهم الذي يلجئون إليه. وشاه هذه الرقعة: ملك هذه الجزيرة، وأراد بالرّقعة سفرة الشطرنج، وشاهها: ملك جيشها الذي يتصرّف في بيوتها كيف شاه، وقد أحسن من قال فيها: [البسيط] أرض مربعة حمراء من أدم ... ما بين خلّين موصوفين بالكرم تذاكرا الحرب فاحتالا لها شبها ... من غير أن يسعيا فيها لسفك دم هذا يغير على هذا وذاك على ... هذا يغير وعين الحرب لم تنم فانظر إلى فطن جاشت بمعرفة ... في عسكرين بلا طبل ولا علم قوله: كمد، أي حزن. المغارس والمفارش: النساء، كأنّ النّطف تغرس فيهنّ فيكثر الولد منها النّفائس: الكرائم. عقيلة: خيّرة، والعقيلة درّة البحر، وبه سمّيت المرأة لكرمها وشرفها، وكل كريمة من النساء والإبل والخيل فهي عقيلة. الرّقلة: النّخلة الطويلة. الفسيلة: نخيلة تكبّر في أصل النخل، أراد أنّ المرأة حملت بولد. نذرت النذور، أي وعدت بفعل خير إن سلم الحمل. أحصيت: عددت، وعلم ما بقي منها. حان النّتاج: قرب وقت الولادة صبغ: صنع. الطّوق: الثوب يلبسه المولود بغير جيب، ولمّا سبق إلى جذيمة ابن أخته عمرو، وكان له طوق يلبسه في الصّغر، فقال له: البسه فلم يسعه، فقال: شبّ عمرو عن الطوق، فذهبت مثلا، قال ابن القبطرنة في الحكم بن حزم، وكلّفه ذلك ابن سراج: [الطويل] رأى صاحبي عمرا فكلّف وصفه ... وحمّلني من ذاك ما ليس في الطّوق فقلت له: عمرو كعمرو فقال لي ... صدقت ولكن شبّ هذا عن الطّوق عسر: صعب. مخاض: تحرّك الولد عند الولادة، وقيل: وجع الولادة القرار: السكون. الغرار: النوم القليل؛ وهو من غرّ الطائر فرخه يغرّه، إذا أطعمه شيئا بعد شيء، وأخذه من قول الشاعر: [الرمل] لا أذوق النّوم إلّا غرارا ... مثل حسو الطّير ماء الثّماد ولا يطعم النّوم، أي لا يذوقه، ويقال: طعمه وتطعمه: ذاقه، وفي المثل: تطعّم تطعم، أي ذق تشته. أجهش: أي تهيّأ للبكاء، والإجهاش: تغيّر الوجه عند إرادة البكاء.

стр. 1089

أعول: رفع صوته بالبكاء. الاسترجاع، قد تقدّم الطّلق: وجع الولادة، سمّي طلّقا على التفاؤل للمرأة بالانطلاق بالولد. سمعها: ذكرها الجميل. تبادرت: تسابقت. وجمع غلام غلمة وغلمان. البلوى: البلاء. كلا ولا، أي كاللفظ بها، وهي كناية عن قلة اللّبث وسرعة الأمر، ويضرب بلا المثل، فيقال: أخف من لا على اللسان، وأقل من لا في اللفظ، وقال جرير: [الطويل] يكون نزول القوم فيها كلا ولا ... غشاشا ولا يدنون رجلا إلى رجل (١) غشاشا، أي قليلا. ويقال: لقيه على غشاش، أي على عجلة، وقال الكميت: [الطويل] كلا وكذا تغميضهم ثم هجتم ... لدى حين أن كانوا إلى النّوم أفقرا (٢) يقول: كان نومهم في القلة والسرعة، كقول القائل: لا وذا. وقال الحسن ﵀: [الخفيف] يا عاقد القلب منّي ... هلّا تذكّرت خلا تركت منّي قليلا ... من القليل أقلّا يكاد لا يتجزّى ... أقلّ في اللفظ من لا وفي أبيات البديع: [الطويل] وأروع أهداه لي اللّيل والفلا ... وخمس تمسّ الأرض لكن كلا ولا جعل قوائم فرسه وهي الخمس تمسّ الأرض في المشي كلا ولا على اللسان قوله: برز، أي خرج. هلمم: دعا، وقال لنا هلمّ مثلنا: وقفنا، ومثل بين يديه: انتصب قائما. منالك: عطاؤك ولم يفل فالك: لم يخطئ رأيك، وفال رأيه فيولة: ضعف وأخطأ *** فاستحضر قلما مبريّا، وزبدا بحريّا، وزعفرانا قد ديف، في ماء ورد نظيف؛ فما إن رجع النّفس، حتّى أحضر ما التمس، فسجد أبو زيد وعفّر، وسبّح واستغفر، وأبعد الحاضرين ونفّر ثمّ أخذ القلم واسحنفر، وكتب على الزّبد بالمزعفر: [الخفيف] أيّها الجنين إنّي نصيح ... لك، والنّصح من شروط الدّين أنت مستعصم بكنّ كنين ... وقرار من السّكون مكين

стр. 1090

ما ترى فيه ما يروعك من إل ... ف مداج ولا عدوّ مبين فمتى ما برزت منه تحوّل ... ت إلى منزل الأذى والهون وتراءى لك الشّقاء الّذي تل ... قى فتبكي له بدمع هتون فاستدم عيشك الرغيد وحاذر ... أن تبيع المحقوق بالمظنون واحترس من مخادع لك يرقي ... ك ليلقيك في العذاب المهين ولعمري لقد نصحت ولكن ... كم نصيح مشبّه بظنين *** والزّبد: حجر معروف، وهو شديد البياض دقيق الثقب جدّا، يوجد عائما على وجه الماء يصرف في الأكحال. وقالت الحكماء: من خصائص الزّبد البحريّ أنه إذا علّق على امرأة ماخض سهل عليها الولادة، ويكون في بحر اليمن. ديف: خلط. التمس: طلب عفّر: جعل وجهه على الأرض، والعفر التراب. اسحنفر: جدّ وشمر للكتابة، ويقال: اسحنفر في الأمر، إذا تحفز فيه. وقالت جارية من العرب. [السريع] يا أمّتا أبصرني راكب ... مسحنفر في مسرب لاحب (١) ما زلت أحثو التّرب في وجهه ... عمدا وأحمي حوزة الغائب فأجابتها أمها: [السريع] الحصن أولى لو تأبّيته ... من حثيك التّرب على الراكب (٢) مسرب طريق لاحب بيّن. الغائب: زوجها. الحصن: العفّة. تأبّيته: تعمّدته وقصدته. المزعفر: المداد من الزّعفران. الجنين: الولد في بطن أمه. النّصح: ضدّ الغش؛ قال الخطّابي: النّصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظّ للمنصوح، وقيل: أصلها من نصح الرجل ثوبه، أي خاطه، والنّصاح: الخيط، شبّهوا فعل النّاصح بالخيط الذي يلائم الخلل والفتوق، والتوبة النصوح (٣)، كأنها ترقّع ما خرقته المعصية. مستعصم:
следующие страницы →