فقال: ما أحسن ما قال! فأنشدني أحسن ما قالته العرب في السّكوت فأنشدته:
[الكامل]
إني ليهجرني الصديق تجنّبا ... فأريه أن لهجره أسبابا
وأراه إن عاتبته أغريته ... فيكون تركي للعتاب عتابا
وإذا بليت بجاهل متحكّم ... بجد المحال من الأمور صوابا
أوليته منّي السكوت وربّما ... كان السكوت عن الجواب جوابا
فقال: ما أحسن ما قال! ثم قال: ما مالك يا نضر؟ قلت: أريضة بمرو. الروذ أتصابها وأتمزّزها، قال: أفلا نفيدك مالا معها؟ قلت: إن رأى ذلك أمير المؤمنين، فإني لذلك لمحتاج.
فأخذ القرطاس وكتب وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال: كيف تأمر إذا أردت أن تترب الكتاب، قلت: يا غلام أترب الكتاب، قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب، قال: فمن السّحاة، قلت: يا غلام اسح الكتاب، قال: فهو ماذا؟ قلت: مسحى، قال: فمن الطين، قلت: يا غلام طن الكتاب، قال: فهو ماذا؟ قلت: مطين ومطان، فقال: هذه أحسن من الأولى، ثم قال: يا غلام أتريه واسحه وطنه. ثم صلّى بنا العشاء، ثم قال لغلامه: امض معه إلى الفضل بن سهل بهذا الكتاب، فلمّا قرأه قال: بم استأهلت أن يأمر لك أمير المؤمنين بخمسين ألف درهم؟ وما سبب ذلك؟ فأخبرته الحديث على جهته، فقال:
لحنّت أمير المؤمنين، فقلت: كلّا إنما لحن هشيم- وكان لحّانة- فتبع أمير المؤمنين ألفاظه، وقد تتبع ألفاظه الفقهاء ورواة الأخبار. فعجّل لي ما في الكتاب، وأمر لي من عنده بأربعين ألف درهم، فانصرفت بتسعين ألف درهم بحرف استفاده مني.
وهذا الخبر جاء في أخبار النحويين. وذكره الحريري في درّة الغواص بأخصر مما ذكرناه، ثم قال بإثر الخبر: وقد أذكرني هذا المثل أبياتا أنشدنيها أحد أشياخي ﵏ لأبي الهيذام: [الرمل]
لي صديق هو عندي عوز ... من سداد لا سداد من عوز
وجهه يذكّرني دار البلى ... كلّما أقبل نحوي وضمز
وإذا جالسني جرّعني ... غصص الموت بكرب وعلز
يصف الودّ إذا شاهدني ... وإذا غاب وشى بي وهمز
كحمار السّوء يبدي مرحا ... فإذا سيق إلى الحمل غمز
ليتني أعطيت منه بدلا ... بنصيبي شرّ أولاد المعز
قد رضينا بيضة فاسدة ... عوضا منه إذا البيع نجز
***
стр. 982
[أبو حنيفة والإسكاف]
وكان لأبي حنيفة ﵀ جار إسكاف بالكوفة، يعمل نهاره أجمع، فإذا أجنّه الليل رجع إلى منزله بالخمر ولحم أو سمك، فيطبخ اللحم أو يشوي السمك، حتى إذا دبّ الشراب فيه رفع عقيرته ينشد: [الوافر]
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فلا يزال يشرب ويردّد هذا البيت، حتى يغلبه النوم.
وكان أبو حنيفة ﵀ يصلّي الليل كلّه، ويسمع جلبته وإنشاده، ففقد صوته ليالي، فسأل عنه فقيل له: أخذه العسس منذ ثلاث ليال، وهو محبوس، فصلّى الفجر وركب بغلته، ومشى فاستأذن على الأمير، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل به ذلك، فوسّع له الأمير مجلسه، وقال له: ما حاجتك؟
فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ثلاث ليال، فتأمر بتخليته؟ فقال: نعم، وكلّ من أخذ من تلك الليلة إلى يومنا هذا، ثم أمر بتخليتهم أجمعين. فركب أبو حنيفة وتبعه جاره الإسكاف، فلما أوصله داره، قال له أبو حنيفة: أترانا يا فتى أضعناك؟ قال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرا عنصحبة الجوار ورعاية الحق، ولله عليّ ألّا أشرب الخمر أبدا، فتاب ولم يعد إلى ما كان عليه.
[من أخبار الجواري والغلمان]
ومما يوافق هذا الموضع في المقامات من ظرف الحكايات التي تضمنت بيع المماليك عند الضرورات، وما للأجواد من جزيل الهبات، مما ذكروا من أحسن أخبار الغلمان أن جعفر بن يحيى عرض عليه في بعض متوجّهاته مملوك من مماليك رجل جفاه السلطان، فقبض ماله، وأمر ببيع مماليكه، فعرض عليه من جملتهم غلام كما طرّ شاربه، أجمل الناس، يدير بين فكّيه لسانا أبين من الصبح قال جعفر: فقلت له: ما اسمك؟
قال: ماهر، فقلت له: وما صنعتك؟ قال: الأدب والغناء والشعر وما شئت من بعد، فسألته عن ثمنه، فقال: خمسمائة دينار للضرورة، قال: فأدّيت ثمنه، وسألته أن يسمعني شيئا من غنائه، فأخذ العود وغنّى: [الطويل]
حملتم جبال الحبّ فوقي وإنّني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدّهر يذرف!
فأطربني غناؤه، وشجاني فأجزته، ووهبت له وخلعت عليه، وأمرته بمعادلتي. فلما اجتزت منزل مولاه بمقدار ميل، أنشأ يقول: [الطويل]
وما كنت أخشى معبدا أن يبيعني ... بشيء ولو أضحت أنامله صفرا
стр. 983
أخوهم ومولاهم وحامل سرّهم ... ومن قد ثوى فيهم وعاشرهم دهرا
أشوقا ولمّا تمض لي غير ساعة ... فكيف إذا خبّ المطيّ بنا شهرا!
فقلت: يا غلام، أتعرف منزل مولاك من هاهنا؟ فقال: هيهات، وهل تخفي معالم الصبّ! فقلت: اذهب فأنت حرّ لوجه الله تعالى، ووهبت له ألف دينار، فقال لي زميلي:
أمثل هذا يعتق؟ فقلت: أو مثله يملك! فولّى وهو يقول: [البسيط]
لا يوجد الخبر إلا في معادنه ... والشرّ حيث طلبت الشرّ موجود
وحدّث ابن عائشة قال: كان لرجل من قيس عيلان جارية، وكان بها معجبا، ولها مكرما فأصابته حاجة وجهد، فقالت له: لو بعتني فإن نلت طائلا عدت به عليك، فعرضها للبيع، فعرضت على عمر بن عبد الله بن معمر المذحجيّ، فأعجبته فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما مضت لتدخل القصر ودّعت مولاها وأنشدته: [الطويل]
هنيئا لك المال الذي قد أصبته ... ولم يبق في كفّي إلا تفكّري
أقول لنفسي وهي في كرب غشية ... أقليّ فقد بان الحبيب أو اكثري
إذا لم يكن للوصل عندك حيلة ... ولم تجدي بدّا من الصّبر فاصبري
فأجابها مولاها: [الطويل]
فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... لفرقتنا شيء سوى الموت فاعذري
أئوب بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلبا طويل التّفكّر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر: قد شئت، خذ بيدها فهي لك وثمنها.
***
قال: فلمّا وعى الشّيخ أبياته، وعقل مناغاته، تنفّس الصّعداء وبكى حتّى أبكى البعداء؛ ثمّ قال لي: إنّي أحلّ هذا الغلام محلّ ولدي، ولا أميّزه عن أفلاذ كبدي؛ ولولا خلوّ مراحي، وخبوّ مصباحي؛ لما درج عن عشّي، إلى أن يشيّع نعشي، وقد رأيت ما نزل به من لوعة البين، والمؤمن هين لين، فهل لك في تسلية قلبه، وتسرية كربه؛ بأن تعاهدني على الإقالة فيه متى استقلت؛ وألّا تستثقلني إذا ثقّلت؛ ففي الآثار المنتقاة، المرويّة عن الثّقات: من أقال نادما بيعته، أقاله الله عثرته.
قال الحارث بن همام: فوعدته وعدا أبرزه الحياء، وفي القلب أشياء، فاستدني
стр. 984
حينئذ الغلام إليه، وقبّل ما بين عينيه، وأنشد والدّمع يرفضّ من جفنيه: [الرجز]
خفّض فدتك النّفس ما تلاقي ... من برحاء الوجد والإشفاق
فما تطول مدّة الفراق ... ولا تني ركائب التّلاقي
* بحسن عون القادر الخلّاق*
***
قوله: عقل مناغاته، أي فهم كلامه، والمناغاة تكليم الطفل بما يهوى ويفرح به، فإذا ردّد الصبيّ كلامك أو حاكاك فقد ناغاك. الصّعداء: ارتفاع نفس المهموم. أفلاذ:
قطع يريد أولاده، والفلذة: قطعة من الكبد، ولفرط الإشفاق به والمحبة في الولد، يخاطبه أبواه بقلبي وكبدي. وقالوا: أولادنا أكبادنا، وقال الشاعر: [الرجز]
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
مراحي: موضع إبلي ودوابّي، وكنى بخلوّ المراح عن الفقر وذهاب المال. درج:
مشى. لوعة البين: حرقة الفراق. هين لين، هما مع الازدواج مخفّفتان، فإن أفردتا شدّدتا. قوله: لما درج عن عشّي، يقول: لولا الفقر ما بعته ما دمت حيّا. وتسرية كربه:
إزالة همّه. المنتقاة: المختارة. المدوّنة: المكتوبة المجموعة، والحديث معروف من طريق أبي سريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أقال نادما بيعته أقاله الله عثرته» (١)، أي عفا عن زلّته أبرزه: أظهره، ويريد بقوله: وفي القلب أشياء: أنه أضمر ألّا يقيله أبدا يرفضّ: يسقط متفرّقا. خفّض: سكّن. برحاء: شدّة. الوجد: الحزن الإشفاق: الخوف. تني: تفتر.
***
ثمّ قال له: أستودعك من هو نعم المولى. وشمّر ذيله وولّى. فلبث الغلام في زفير وعويل، ريثما يقطع مدى ميل. فلما استفاق، وكفكف دمعه المهراق، قال: أتدري لم أعولت وعلام عوّلت؟ فقلت: أظنّ فراق مولاك، هو الذي أبكاك فقال: إنّك لفي واد، وأنا في واد، ولكم بين مريد ومراد، ثم أنشد: [الرجز]
لم أبك والله على إلف نزح ... ولا على فوت نعيم وفرح
وإنّما مدمع أجفاني سفح ... على غبيّ لحظه حين طمح
ورّطه حتّى تعنّى وافتضح ... وضيّع المنقوشة البيض الوضح
стр. 985
ويك أما ناجتك هاتيك الملح ... بأنّني حرّ وبيعي لم يبح
* إذ كان في يوسف معنى قد وضح*
***
زفير: أنفاس مرتفعة. عويل: بكاء. ريث: قدر. مدى: غاية. والميل: قدر مدّ البصر من الأرض، ويقال إنه ألف خطوة من خطا البعير، والفرسخ: ثلاثة أميال، والبريد أربعة فراسخ. استفاق: استراح وخفّ ما يجده. كفكف: ردّ وأذهب. المهراق:
المصبوب. أعولت: بكيت بصوت عال، وأعول إعوالا: صاح، ورفع صوته، وعوّلت على كذا اتّكلت عليه، وعلى الله معوّلي اتّكالي، وقال الشاعر: [الطويل]
* وليس على ريب الزّمان معوّل (١) *
كم بين مريد ومراد، يريد أنّهما متقاربان في اللفظ، متباعدان في المعنى، لأنّ المريد في الشيء المحبّ فيه، والمراد الشيء المطلوب، وهو المحبوب، فأنت قد تريد الشيء فتمنعه، وغيرك قد يراد له فيأباه ولا يريده، فاللفظان متضادّان، فيقول: التبس عليك سرّ بكائي فظننت أنه علىفراق مولاي. فتفطن الآن أنّه على سخف عقلك، كما التبس اللفظان على غير ناقد، فإذا تفطّن لهما تباعدا عليه، والمريد عند أهل الإرادة المبتدي، والمراد المنتهى، فالمريد هو الذي نصب للتعب والمقاساة، والمراد الّذي لقي الأمر من غير مشقة، فهو مرفوق به مرفّه، وقيل: المريد متحمّل والمراد: محمول.
الجنيد: المريد تتولّاه سياسة المعلّم، والمراد تتولّاه رعاية الحق، لأن المريد يسير، والمراد يطير، فمتى يلحق السائر الطائر! القشيريّ: كلّ مريد في الحقيقة مراد، لأنه إذا أراده الحق للخصوصية، وفقه للإرادة، ولكنهم فرقوا بينهما.
قوله: إلف، أي صاحب. نزح: بعد سفح: جرى. غبيّ: جاهل لحظه: نظره.
طمح: ارتفع. ورّطه: أنشبه، والورطة: أهوية تكون في رأس الجبل يشقّ على من وقع فيها الخروج منها وتورّطت الماشية: وقعت في الورطة، قال طفيل: [الطويل]
تهاب طريق الحق تحسب أنه ... وعور وراط وهو بيداء بلقع (٢)
стр. 986
وقيل: الورطة: الوحل تقع فيه الغنم، فلا يمكنها التخلّص، ثم ضرب مثلا في كلّ شدّة يقع فيها الإنسان، وأورطت فلانا فتورّط هو، أي وقع فيما يعسر التخلّص منه.
أبو عمرو: الورطة الهلكة، قال الرّاجز: [الرجز]
إن تأت يوما مثل هذي الخطّه ... تلاق من ضرب نمير ورطه (١)
قوله: تعنّى، أي تعب. افتضح: اشتهر، والوضح: الشديدة البياض النقية، أي ضيّع الدراهم المنقوشة البيض، والوضح: البيان والضوء والغرّة والفضّة والدرهم الصحيح، وقيل: إنه وصف الدراهم بالمصدر، كما قال: امرأة زور وكرم. ويك: عجبا لك. وقوله: هاتيك، يقال للمذكّر: ذا، وهو للقريب، وذاك لما هو أبعد، وذلك لأبعد الثلاثة، وللمؤنث ذه وذي وذ، بلا ياء، وتا وتي وهي للقريبة، وتيك للتي هي أبعد منه، وتلك وتالك لأبعدهنّ، وتدخل ها التنبيه على كلّ ما ليس فيه لام، لأن اللام موضوعة للبعيد، وها موضوعة للقريب، فلا يجمع بينهما، نحو هذا وهذاك وهاتا، وشاهده:
[الوافر]
* وليست دارنا هاتا بدار (٢) *
وهذه وهذي وهذ وهاتيك، وشاهده قول ذي الرّمة: [الطويل]
قد احتملت ميّ فهاتيك دارها ... بها السّحم تردى والحمام المطوّق (٣)
قوله: لم يبح، أي لم يجعل مباحا.
أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة أنا خصمهم، ومن كنت خصمه خصمته: رجل عاهد ثم غدر، ورجل باع حرّا، ورجل استأجر أجيرا فلم يوفّه أجره» (٤). وضح: تبيّن.
***
стр. 987
قال: فتمثّلت مقاله في مرآة المداعب، ومعرض الملاعب، فتصلّب تصلّب المحقّ، وتبرّأ من طينة الرّقّ. فجلنا في مخاصمة، واتّصلت بملاكمة، وأفضت إلي محاكمة: فلمّا أوضحنا للقاضي الصّورة، وتلونا عليه السّورة، قال: ألا إنّ من أنذر، فقد أعذر، ومن حذّر كمن بشّر. ومن بصّر فما قصّر؛ وإنّ فيما شرحتماه لدليلا على أنّ هذا الغلام قد نبّهك فما ارعويت، ونصح لك فما وعيت. فاستر داء بلهك واكتمه، ولم نفسك ولا تلمه، وحذار من اعتلاقه، والطّمع في استرقاقه، فإنّه حرّ الأديم، غير معرّض للتّقويم.
وقد كان أبوه أحضره أمس، قبيل أفول الشّمس، واعترف بأنّه فرعه الّذي أنشأه، وألّا وارث سواه، فقلت للقاضي: أو تعرف أباه، أخزاه الله! فقال: وهل يجهل أبو زيد الّذي جرحه جبار، وعند كلّ قاض له أخبار وإخبار، فتحرقت حينئذ وحولقت، وأفقت ولكن حين فات الوقت، وأيقنت أنّ لثامه كان شرك مكيدته، وبيت قصيدته. فنكّس طرفي ما لقيت، وآليت ألّا أعامل ملثّما ما بقيت.
***
تمثّلت: تصوّرت. المداعب: الممازح. والمعرض بفتح الميم: الموضع الذي تعرض فيه الأشياء، والمعرض الثوب تعرض فيه الجارية. تصلّب: تقوّى، وهو «تفعّل» من الصّلابة وهي الشدة. والأرض الصّلبة: القوية. ولا أعلم أحدا خالف في هذه الرواية إلا ابن ظفر فإنه رواه: «تصلّت» بالتاء بنقطتين، وفسره بتجرّد وجدّ، وكل جادّ مجاهد مسرع في أمره: فهو متصلّت فيه، فذكروا أنه تصحف عليه اللفظ، فشرحه على تصحيفه. المحقّ: صاحب الحق. الرّق: العبوديّة: وذكر الطينة لأنها أصل الخلق. وتبرّأ منها، تباعد. جلنا: تصرّفنا. ملاكمة: مدافعة ومضاربة، واللّكم: الضرب بجمع الكفّ. أفضت: اتّصلت. أوضحنا: بيّنّا. الصّورة: القصة.
تلونا: قرأنا وذكرناها له. أنذر: أعلم. أعذر: أتى بعذر، ويقال: قد أعذر من أنذر، أي قد بلغ أقصى العذر من أنذرك، وعذّر الرجل فهو معذّر، إذا اعتذر ولم يأت بعذر. ومنه قوله تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ [التوبة: ٩٠] ارعويت:
رجعت عن جهلك وانكففت. بلهك، غفلتك وجهلك. حذار، أي احذر أن تتعلّق به. استرقاقه: تملّكه وتعبّده، ومنه قولهم: سوق الرقيق، ومنه سمّي العبد رقيقا، لأنهم يرقون لمالكهم ويخضعون له ويذلّون: والأديم: الجلد. للتقويم: لمعرفة قيمته. أفول: غروب. أنشأه: أحدثه وولّده. جبار: باطل. إخبار: إعلام. وأخبار:
جمع خبر، وأخبره: أعلمه. تحرّقت: عضضت أسناني حتى صوّتت من شدة الغيظ.
стр. 988
حولقت: قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله. أفقت: انتبهت، وأنشد الفنجديهيّ في معنى هذا: [السريع]
يفتضح الجاهل لكنّه ... من بعد ما غرّبه الناصح
ويصلح ابن السوء لكنّه ... من بعد ما مات الأب الصالح
قوله: وأيقنت أن لثامه كان شرك مكيدته، أي شبكة حيلته. وبيت القصيدة: أحسن بيت فيها، فأراد أن حيلته كانت لثامه، نكّس طرفي: أي كسر عيني، وأمال نظري.
***
ولم أزل أتأوّه لخسر صفقتي، وافتضاحي بين رفقتي. فقال لي القاضي، حين رأى امتعاضي، وتبيّن حرّار تماضي: يا هذا، ما ذهب من مالكما وعظك، ولا أجرم إليك من أيقظك. فاتّعظ بما نابك، وكاتم أصحابك ما أصابك؛ وتذكّر أبدا ما دهمك، لتقي الذّكرى دراهمك، وتخلّق بتخلّق من ابتلي فصبر، وتجلّت له العبر فاعتبر.
قال الحارث بن همّام: فودّعته لا بسا ثوب الخجل والحزن، ساحبا ذيلي الغبن والغبن، ونويت مكاشفة أبي زيد بالهجر، ومصارمته يد الدهر. فجعلت أتنكّب عن ذراه، وأتجنّب أن أراه؛ إلى أن غشيني في طريق ضيّق، فحيّاني تحيّة شيّق، فما زدت على أن عبست وما نبست، فقال لي: ما بالك شمخت بأنفك على إلفك! فقلت: أنسيت أنّك احتلت وختلت، وفعلت فعلتك الّتي فعلت! فأضرط بي متهازيا، ثم أنشد متلافيا:
***
أتأوّه: أتوجع. رفقتي: أصحابي، امتعاضي: توجعي. ارتماضي: حرقة قلبي من شدّة الهمّ، ولا يكون الممتعض كاظما، فلا بدّ من ظهور الكرب عليه، وأمر ممعض وما عض، أي ممضّ كارب.
قوله: ما ذهب من مالك ما وعظك، هو مثل، ومعناه إذا ذهب من مالك شيء حذرك أن يحلّ بك مثله، فتأديبه إياك عوض من ذهابه، أجرم: أذنب. نابك: نزل بك.
دهمك: غشيك. تجلت: ظهرت. العبر: العلامات المخوّفة، واعتبرت بالشيء إذا اتعظّت به، الخجل: الحياء. ساحبا: جارّا. الغبن: بسكون الباء في البيع، وبفتحها في الرأي، يريد أنه غبن في رأيه وبيعه، قال في الدّرة: الغبن بإسكان الباء في المال، وبفتحها في الرأي والعقل. نويت: أضمرت. مصارمته: مقاطعته، وصرمت فلانا:
стр. 989
قطعت ما بيني وبينه من المودة، والصّرم: القطع، وقيل للّيل: صريم، لانقطاعه عن النهار، وهو في تأويل مصروم أي مقطوع، وكذلك الصّريم من الرمل، وهو الذي انقطع من معظمه.
يد الدهر: أي أبد الدهر.
أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام والسابق السابق إلى الجنة» (١). ذراه: جهته. غشيني: قصدني وأتاني على غفلة. شيّق: شديد الحبّ، ما نبست: ما تكلّمت، شمخت: رفعت أنفك كبرا، وشمخ:
تكبّر. ختلت: خدعت، وخاتل في معنى ختل، وأصل المخاتلة المشي للصيد قليلا قليلا خفية لئلا يسمع حسّك، ثم جعلت مثلا لكل شيء ورّي به وستر على صاحبه، متلافيا:
متداركا للألفة. [مجزوء الكامل]
***
يا من بدا منه صدو ... د موحش وتجهّم
وغدا يريش ملاوما ... من دونهنّ الأسهم
ويقول: هل حرّ يبا ... ع كما يباع الأدهم
أقصر فما أنا فيه بد ... عا مثل ما تتوهّم
قد باعت الأسباط قب ... لي يوسفا وهم هم
هذا وأقسم بالتّي ... يسري إليها المتهم
والطّائفين بها وهم ... شعث النّواصي سهّم
ما قمت ذاك الموقف ال ... مخزي وعندي درهم
فاعذر أخاك وكفّ عن ... هـ ملام من لا يفهم
***
تجهم: عبوس. ملاوما: جمع ملام أو ملاومة، وهي اللوم والعتاب، يريد أنّ لومه أنفذ من السّهام. الأدهم، قيل: أراد به الفرس وقصد لونه للقافية، وقيل: أراد العبد الأسود. بدعا، أي أوّلا أي ما أنا أوّل من فعل ذلك. الأسباط: إخوة يوسف ﵇. وهم هم: أي وهم أنبياء لم يتغيّروا عن مراتبهم، ويقال: هو هو، أي هو كما عهدته لم يتغير.
стр. 990
[يوسف بن يعقوب ﵇]
وقد جرى ذكر يعقوب والأسباط في المقامات في مواضع، وبنى هذه المقامة على ذكر يوسف وجماله وبيع إخوته إياه، ونريد أن نلمّ بطرف من أخبارهم على شرط الكتاب.
ذكر أهل الأخبار أنّ يعقوب- وهو إسرائيل ﵇ تزوج بنت خاله ليا بنت ليّان بن بتويل، فولدت له روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وغيرهم، ثم توفّيت وخلف على أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، وكان يوسف وأمه قد قسم لهما من الحسن شطره، فكفلت يوسف عمّته، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت عندها منطقة لإسحاق يتوارثونها على قدر أسنانهم. فلمّا ترعرع يوسف أراد يعقوب أخذه منها، وقال لها: والله لا أقدر على الصّبر عنه، فقالت له: والله لا أقدر على صرفه إليك، فلما رأت عزمه على أخذه، حزمت المنطقة تحت ثياب يوسف وهو نائم، ثم ادّعت فقدها فطلب فوجدت عنده، وكان من سنتهم أن من سرق شيئا أخذ فيه، فتركه لها حتى ماتت. فلمّا رجع إلى أبيه شغل به عن سائر بنيه، فحسدوه، فسألوا أباهم إرساله معهم للنزهة، بعد أن ضمنوا حفظه، فأخرجوه إلى البريّة، وأخذوا يضربونه، وكلّما ضربه واحد استغاث بآخر، فيضربه الآخر. فلما كادوا يقتلونه منعهم يهوذا، وذكّرهم بما ضمنوا لأبيه من حفظه، فانطلقوا فأدلوه في الجبّ، وهو يقول: يا أباه لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الآباء! وكان بعض إخوته لأمّه، فجعل يتعلق بشفير الجبّ، فربطوا يديه، وألقوه فيه، فقالوا له:
ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا ينجّوك، ثم أرادوا أن يرضخوه بصخرة، فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام خفية منهم. ثم مرّت سيارة فأدلى واردهم دلوه فتعلّق به، فلما رآه بشّر به السيارة. وقال السّديّ: إنّ الذي أخرجه إنما دعا صاحبا له اسمه بشرى، فأتى إخوته الذين أخرجوه وقالوا: إنه عبد لنا، فباعوه منهم بعشرين درهما على أن يخرجوه من أرض الشأم، فشرطوا لإخوته أن يغرّبوه، ويذهبوا به إلى مصر، فحينئذ رجعوا إلى أبيهم عشاء يبكون.
فهذه قصة بيع الأسباط يوسف على اختصار.
ثم إنّه لمّا بلغ مصر من العزيز، وكان فرعون- وهو الريّان بن الوليد- قد ولّاه خزائنها، فكان من قصته مع امرأة العزيز ومن حبّها فيه ومن دعائها إياه لنفسها، ومن تأبّيه من ذلك واستنزالها إياه؛ حتى هم بها، ورؤيته برهان ربّه- وهو رؤيته صورة يعقوب يعضّ على إصبعه، وقيل: إنه رأى في الحائط مكتوبا: «ولا تقربوا الزنا» ومبادرته الباب فارّا منها، وقدّها قميصه من دبر، ووجوده العزيز على باب الدّار جالسا مع ابن عمّ له، وهو الشاهد من أهلها- وقيل: إنه كان صبيّا في المهد- واشتهار أمرهما بمصر، حتى تحدّثت به نسوة في المدينة، وقلن: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، وإحضارها لهنّ وإعدادها لهنّ ما يتّكئن عليه-
стр. 991
وقيل: المتّكأ الأترج- وأمرها له أن يخرج عليهنّ، وإعظامهنّ إياه حتى شغلن به عن أنفسهن، وقطّعن أيديهنّ وقلن: حاش لله ما هذا بشرا، تنزيها له عن أن يأتي- مثله ريبة، فكان من هذا الخبر ما قص الله في القرآن ونطقت به التّفاسير والأخبار.
ثم إن امرأة العزيز قالت للعزيز: إن عبدك فضحني في الناس فإما سجنته، وإمّا برزت للناس أعتذر عن نفسي، فحبسه، فدخل معه رجلان أحدهما خبّاز الملك والآخر نديمه. وكان لمّا بلغ الحلم آتاه الله حكما وعلما من العبارة، فكان في السّجن يفسر الرؤيا للمسجونين، ويمرّض مرضاهم، ويوسّع على من ضاق عليه مكانه، فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلمّ نجرّب هذا العبد، فسألاه من غير أن يريا شيئا، وقالا له: إنا نراك من المحسنين في معاشرتك أهل السجن، فقال لهما: أمّا أحدكما فينادم الملك، وأما الآخر فيصلب، فقالا له: ما رأينا شيئا، فقال لهما: قضي الأمر فيكما، ثم قال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربّك. وأخبره أني محبوس ظلما، فأوحى الله تعالى إليه: إن اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن سجنك، فعوقب بالسجن حيث همّ بامرأة العزيز، وبإطالته حيث اتكل في أمره على غير ربه.
ثم كان من رؤيا الملك وجهل أهل دولته وتفسير يوسف لها، وقول الملك: ائتوني به وتأبّيه الخروج حتى يسأل النّسوة عن شأنه وشهادتهنّ عند الملك بتبرئته واعتراف امرأة العزيز بأنها راودته، وقوله في العزيز: لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [يوسف: ٥٢].
ويقال إن جبريل قال له عند ذلك: ولا يوم هممت بما هممت به! فقال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [يوسف: ٥٣] الآية. واستخلاص الملك إياه لنفسه، وجعله على خزائن أرضه؛ ما اشتهر قرآنا وتفسيرا. ويقال إن العزيز مات في تلك المدة، وإن يوسف تزوّجها، وقال لها: أليس هذا خيرا؟ فقالت: لا تلمني، كنت امرأة حسناء في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك، فغلبتني نفسي على ما رأيت.
فيزعمون أنّه وجدها عذراء، وأنها ولدت له ابنين.
ثم أجدبت الأرض، فأتاه إخوته منتجعين، فكان من أمره معهم، وإحسانه إليهم في الكيل. وطلبه لهم أن يأتوه بشقيقه بنيامين، ورجوعهم موقرين، ورغبته إياهم في إرساله معهم، وأخذه بسرقة الصّواع وتأذّيهم بذلك، ورجوعهم إلى أبيهم وتوالى الحزن على يعقوب بفقد ابنيه، وأمره لبنيه أن يرجعوا طالبين ليوسف وأخيه، ودخولهم على يوسف أذلّاء صاغرين، وتعريفه إياهم بمكانه، وبعثه بالقميص إلى أبيه، وجمع شملهم بعد طول مدّة الفراق ما نصّ الله تعالى أنّه عبرة لأولي الألباب، ولولا أنّ الأمر في كتب التفسير أشهر من أن يجهل، لفسّرناه فصلا فصلا.
***
стр. 992
قوله: أقسم بالتي يسري إليها المتهم- يعني مكّة- والمتهم الآتي تهامة، وتهامة اسم مكة، وقال: الأصمعيّ: سمعت العرب تقول: إذا انحدرت من ذات عرق فقد اتهمت، شعث سهم: أي متغيّرة ألوانهم وشعورهم.
قوله: اعذر أخاك، قال زيد بن عليّ: ثلاثة لا يجتمعن إلا في كريم: حسن المحضر، واحتمال زلات الإخوان، وقلة الملالة للصديق.
***
ثمّ قال: أمّا معذرتي فقد لاحت، وأمّا دراهمك فقد طاحت؛ فإن كان اقشعرارك منّي، وازورارك عنّي، لفرط شفقتك على غبّر نفقتك. فلست ممّن يلسع مرّتين، ويوطئ على جمرتين، وإن كنت طويت كشحك، وأطعت شحّك.
لتستنقذ ما علق بأشراكي، فلتبك على عقلك البواكي.
قال الحارث بن همّام: فاضطرّني بلفظه الغالب، وسحره الغاب، إلى أن عدت له صفيّا، وبه خفيّا، ونبذت فعلته ظهريا، وإن كانت شيئا فريّا. لاحت: ظهرت. طاحت:
هلكت اقشعرارك: انقباضك. والقشعريرة: رعدة وانقباض. ازورارك: انقباضك وميلك، لفرط شفقتك، لكثرة خوفك، غبّر نفقتك: أي تخاف على ما بقي من نفقتك وإن أخذها. يوطئ، أي يجعل غيره يطأ الجمر، أي لا أضرّ مرتين، والكشح: الخصر، وقيل: الجنب. وقيل: هو اسم لما بين الأضلاع، ورأس الورك، وكلّها متقاربة، وطوى كشحه على أمر، واستمرّ عليه، وطوى كشحه، مثل يضرب للمجانبة والمكاتمة، قال الشاعر: [الوافر]
طوى كشحا خليلك والجناحا ... لبين منك ثمّ غدا وراحا (١)
والشحّ: البخل مع الحرص، واضطرني: ألجأني، الخالب: الخادع، صفيّا:
صاحبا مخلصا. حفيّا: معينا، كريما: مكرما، نبذت: رميت وطرحت ظهريّا. أي خلف ظهري، واتخذ ظهريا، أي عدة يستظهر بها، أي يجعلها خلف ظهره حتى متى احتاجها استعملها فريّا: عجبا ومنكرا، والفريّ: الأمر العظيم، والفريّ الكذب.
ومما جاء في الشعر على أخبار يوسف ﵇.
قال ابن الزقاق: [الكامل]
بأبي وغير أبي أغنّ مهفهف ... مهضوم ما خلف الوشاح خميصه
لبس الفؤاد فمزّقته جفونه ... فأتى كيوسف حين قد قميصه
стр. 993
وقال أيضا: [مجزوء الرجز]
وسافر عن قمر ... مبتسم عن درر
لو لاح للحور وقد ... سلّ حسام الحور
لقدّ منه شغفا ... قميصه من دبر
ومن الملح في ذلك قول ابن حجاج في بختيار: [المنسرح]
فديت وجه الأمير من قمر ... يجلو القذى نوره عن البصر
إنّ زليخا لو أبصرتك لما ... ملّت إلى الحشر لذة النّظر
بل وحياتي لو كنت يوسفها ... لم تك من تهمة العزيز بري
فإنني عالم بأنّك لو ... شممت ريّا نسيمها العطر
سبقتها واندلقت تتبعها ... من بين تلك البيوت والحجر
ولم تزل بالكدّين تنقرها ... من قبل وقت العشا إلى السّحر
طبعك كالماء في سهولته ... لكن أبو الزّبر قان من حجر
إنّ الملوك الشّباب ما خلقوا ... إلّا صلاب الفياش والكمر
وقال آخر: [البسيط]
قميص يوسف لمّا قد من دبر ... كانت براءته فيه من كذب
وفي قميصك لمّا قد من دبر ... ممّا يدلّ على الفحشاء والرّيب
وقال آخر في الحسن بن وهب: [البسيط]
إذا لقيت نبي وهب بمنزلة ... لم تدر أيّهما الأنثى من الذّكر
مؤدّبون على الفحشاء من صغر ... مدرّبون على النّكراء من كبر
قميص أنثاهم ينشقّ من قبل ... وقميص ذكرانهم تنقد من دبر
محنّكون ولم تقطع سرائرهم ... بين الحواضن والدّايات بالكمر
стр. 994
المقامة الخامسة والثلاثون وتعرف بالشيرازيّة
حكى الحارث بن همّام قال: مررت في تطوافي بشيراز، على ناد يستوقف المجتاز، ولو كان على أوفاز؛ فلم أستطع تعدّيه، ولا خطت قدمي في تخطّيه؛ فعجت إليه لأسبك سرّ جوهره؛ وأنظر كيف ثمره من زهره، فإذا أهله أفراد، والعائج إليهم مفاد. وبينما نحن في فكاهة أطرب من الأغاريد، وأطيب من حلب العناقيد، إذ احتفّ بنا ذو طمرين، قد كاد يناهز العمرين، فحيّا بلسان طليق، وأبان إبانه منطيق ثم احتبى حبوة المنتدين، وقال: اللهمّ اجعلنا من المهتدين. فازدراه القوم لطمريه، ونسوا أنّ المرء بأصغريه.
***
التّطواف: مصدر طوّفت حول الشيء، إذا أكثرت المشي حوله. وقد طفت به وأطفت، وإذا درت وأكثرت ذلك قلت: طوّفت.
وشيراز: مدينة فارس العظمى، وهي مدينة جليلة عظيمة، ينزلها الولاة ولها سعة حتى إنه ليس فيها منزل، إلّا وفيه لصاحبه بستان فيه جميع الثمار والرياحين والبقول، وكلّ ما يكون في البساتين. وشرب أهلها من عيون تجري في أنهار تأتي من جبال يسقط عليها الثلج.
قوله: ناد: مجلس. يستوقف: يحبس ويجعله يقف. المجتاز: خاطر الطريق المارّ عليه.
أو فاز: انحفاز وعجلة، ومنه قولهم: قعد مستوفزا، معناه قعد على وفز من الأرض، والأوفاز: جمع وفز وهو ألّا يطمئن في قعود. قال الجوهري رحمه الله تعالى:
تقول نحن على أوفاز، ولا تقول على وفز، ومعناه ألا تلقاه معدّا.
الأزهريّ: الوفزة: الوثبة بعجلة، وقعد مستوفزا، إذا رفع أليتيه ووضع ركبتيه ولم يطمئن.
تعدّيه: تخطّيه وجوازه. وخطت: مشت، عجت: ملت. أسبك. أجرّب سرّ
стр. 995
جوهره: أراد باطن أهله إذ كانوا في الظاهر ذوي مناظر، فأراد أن يعرف: هل هم أهل علوم وآداب، . حتى يكملوا في الظاهر والباطن، أم أمرهم على خلاف ذلك، وبيّن ذلك بقوله: كيف ثمره من زهره، فكنى بالزّهر عن ظاهرهم، وبالثّمر عن سرّهم الباطن، وسرّ كل شيء: باطنه وخالصه، وقال المعرّي: [البسيط]
فلا يغرّنك بشر من سواه بدا ... ولو أنار، فكم نور بلا ثمر (١)
قوله: أفراد، أي كبراء لا نظير لهم، فمن مال إليهم استفاد، وأفراد: نجوم الدّراري، والعائج: المائل. فكاهة: حديث مطرب. الأغاريد: أصوت الطير، ويطلقون على ما كان فيه حنان ورقة منها اسم التّغريد والغناء، إلا الحمام فإنهم يسمّون أصواتها غناء وتغريدا وبكاء ونياحا، ويأخذونه من حال السامع لها، وقرئ على أبي الحسن بن السراج قول سويد بن الأعلم: [الوافر]
لقد تركت فؤادك مستجنّا ... مطوّقة على فنن تغنّى
يميل بها وتركبه بلحن ... إذا ما عنّ للمحزون أنّا
فقال: إنما تكون أصوات الحمام على ما في نفس المستمع، فإذا سمعها من يطرب سمّاها غناء، وإذا سمعها من يحزن سماها بكاء.
وقال ابن قاضي ميلة مصدّقا لما قاله ابن السّرّاج: [الوافر]
لقد عرض الحمام لنا بسجع ... إذا أصغى له ركب تلاحى
شجا القلب الخلّي فقال غنّى ... وبرّح بالشّجيّ فقال ناحا
وسبقه المعرّي بقوله: [الوافر]
بأرض للحمامة أن تغنّى ... بها ولمن تأسف أن تنوحا (٢)
وقد قدّمنا في شرح الصدر فصلا للحمام، وما أحسن قول البحتريّ: [البسيط]
حيّتك عنّا شمال طاف طائفها ... في جنة نفحت روحا وريحانا
غنّت سحيرا فناجى الغصن صاحبه ... سرّابها، وتداعى الطير إعلانا
ورق تغنّى على غصن مهدلة ... تسمو بها وتمسّ الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طرب ... والغصن من هزّة عطفيه نشوانا
وهذا ديباجة أبي عبادة. وحلب العناقيد: الخمر. احتفّ: انتظم. طمرين، أي ثوبين خلقين، يناهز: يقارب. العمرين: ثمانين سنة، وذلك أن الإنسان من الشبيبة إلى
стр. 996
الأربعين في نماء وزيادة وقوة، ومن الأربعين إلى الثمانين في نقص، فالبالغ الثمانين قد استوفى عمري الزيادة والنقص، وسئل ذو الرّمة عن سنّه، فقال: بلغت نصف عمر الهرم أربعين سنة، وقيل: العمر ستون سنة، لقوله ﵊: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» (١).
ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : «من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله إليه» (٢). فالعمران على هذا مائة وعشرون سنة، والحكماء يزعمون أنه منتهى ما يبلغ عمر ابن آدم، والأظهر من سياق المقامة أنه أراد الأول، لأن من قارب مائة وعشرين سنة لا يلتذ بخمر ولا بغيره وهو يزعم في المقامة أنه يحاول شربها الغناء وغير ذلك.
قوله: أبان: بيّن. منطيق: فصيح، اجتبى حبوتهم، أي جلس مثل جلوسهم المنتدين: أهل المجلس. ازدراه: احتقره.
أصغريه: قلبه ولسانه، وقيل لهما الأصغران لصغر حجمهما من بين الأعضاء لفضلهما وشرفهما على الأعضاء، قال عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ولكنّي مدرّب الأصغرين، ولجلبهما القيام والكمال، كأنه قال: المرء يقوّم أموره بلسانه وقلبه، ويكمل المرء بهما، قال الأصمعيّ رحمه الله تعالى: كان ضمرة بن أبي ضمرة قصيرا، وكان يقول: المرء بأصغريه، بقلبه ولسانه.
***
وأخذوا يتداعون فصل الخطاب، ويعتدّون عوده من الاحطاب، وهو لا يفيض بكلمة، ولا يبين عن سمة، إلى أن سبر قرائحهم، وخبر شمائلهم وراجحهم. فحين استخرج دفائنهم، واستنثل كنائنهم، قال: يا قوم لو علمتم أنّ وراء الفدام، صفو المدام، لما احتقرتم ذا أخلاق، وقلتم ما له من خلاق، ثمّ فجّر من ينابيع الأدب، والنّكت النّخب، ما جلب به بدائع العجب، واستوجب أن يكتب بذوب الذّهب، فلمّا خلب كلّ خلب، وقلب إليه كلّ قلب، تحلحل، ليرحل، وتأهّب، ليذهب، فعلقت الجماعة بذيله، وعاقت مسرب سيله، وقالت له: قد أريتنا وسم قدحك، فخبّرنا عن قيضك ومحّك، فصمت صموت من أفحم، ثم أعول حتّى رحم.
стр. 997
قال الرّاوي: فلمّا رأيت شوب أبي زيد وروبه، وأسلوبه المألوف وصوبه، تأمّلت الشيخ على سهومة محيّاه، وسهوكة ريّاه، فإذا هو إيّاه.
***
يتداعون: يدعو بعضهم بعضا إلى ذكر الفصاحة، والأشبه أن يكون من الأدعية؛ وهي الأحجيّة والأغلوطة، كأنهم يتحاجون. وفصل الخطاب، كناية عن الفصاحة، يعتدّون: يحسبون، الأحطاب: جمع حطب، ولا يقال للعود حطب حتى يجفّ ماؤه وييبس، فأراد أنهم حسبوا أبا زيد من جنس الحطب لا نضارة فيه، كأنه لا علم عنده، وقال الشاعر: [الطويل]
إذا العود لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتدّه الناس للحطب
يفيض: يتكلم ويندفع في القول، وفاض لسانه وأفاض، أي أبان. يبين: يبيّن.
سمة: علامة. سبر: قاس وجرّب. قرائحهم: أذهانهم. خبر: جرّب، شائلهم:
ناقصهم. راجحهم: وافيهم، والشائل من الدراهم: الناقص الذي يشول به الميزان أي يرتفع، والراجح ضده. وقال في الدّرة: الشائل: المرتفع، وأنشد: [السريع]
يا قوم من يعذر في عجرد ... القاتل المرء على الدّانق
لمّا رأى ميزانه شائلا ... وجاه بين الأذن والعاتق
استنثل كنائنهم: استخرج ما عندهم، والكنانة: جعبة السهام. الفدام: خرقة تجعل على فم الإبريق ليصفو الخمر بها، أخلاق: ثياب بالية. خلاق: نصيب وافر من الخير.
ينابيع: مخارج الماء من العيون. النّكت: المعاني الغامضة، والنكتة: نقطة في شيء تخالف لونه، فإذا كانت في الكلام فهي عيونه، النّخب: المختارة، بدائع: غرائب، ذوب الذهب: ما ذاب منه، ولو أنشدهم شعرا يوافق مجلسهم لم يكن إلا أبيات الناشئ:
[البسيط]
كأنهم في صدور الناس أفئدة ... تحسّ ما أخطروا فيها وما اعتمدوا
يبدون للنّاس ما تخفي ضمائرهم ... كأنهم وجدوا منها الذي وجدوا
دلّوا على باطن الدنيا بظاهرها ... وعلم ما غاب عنهم بالّذي شهدوا
مطالع الحق ما من شبهة غسقت ... إلا ومنهم لديها كوكب يقد
أو أبيات ابن شهيد حيث قال: [مخلع البسيط]
وفتية كالنّجوم حسنا ... كلّهم شاعر نبيل
متّقد الجانبين ماض ... كأنّه الصارم الصقيل
راموا انصرامي عن المعالي ... والقرب من دونها كليل
стр. 998
فاشتدّ في إثرها مسحّ ... كلّ كثير به قليل
في مجلس شأنه التّصافي ... تطيش في وصفه العقول
قوله: خلب، أي خدع. والخلب: الحجاب الذي بين سواد القلب وسواد البطن.
تحلحل: تحرّك، وأصله للبعير إذا حرّكته للقيام تقول له: حل حل. عاقت: منعت وحبست. مسرب: طريق مسيل الماء، وسرب يسرب سروبا: مضى على وجهه في سفر بعيد، وسرب الماء يسرب سربا ومسربا فهو سرب: سال، والمعنى منعته المشي، وسم قدحك: علامة سهمك، والقدح السهم قبل أن يراش ويركّب نصله. وأرويتنا من نضحك، أي أسقيتنا من بللك، والنضح: الرشّ الخفيف: قيضك ومحّك، أي ظاهرك وباطنك، لأن القيض قشرة البيضة العليا وقلبها الأصفر هو المحّ، بحاء غير منقوطة.
الفنجديهي: عن قيضك ومحّك أي عن نسبك وبلدك. صمت: سكت. أفحم:
غلب وقطع عن الكلام. أعول: بكى. وشوب أبي زيد ورويه، أي تخليطه في حيله، والشّوب: الخلط، تقول: شبت الماء باللبن، أي خلطتهما والرّوب: اتخاذ الرائب، والشّوب: اللبن الممزوج بالماء هنا، والرّوب: الخالص. ويقال: ما عنده شوب ولا روب، أي لا مرق ولا لبن، وقيل: الشوب، العسل، والرّوب اللبن: وفلان يشوب ويروب، أي يخلط ويصفّي، وأصله يريب، قلبت «يروب» طلبا للازدواج، يضرب مثلا لمن يخلط في القول والعمل والشّوب والرّوب جميعا: الخلط، وراب الرجل روبا:
اختلط عقله ورأيه. أسلوبه: طريقه. المألوف. الملتزم. صوبه: قصده وجانبه وصوابه.
سهومة محيّاه: تغيّر وجهه، سهوكة ريّاه: نتن رائحته من النحر وغيره. وقوله: فإذا هو إياه: استعمل إيّاه، وهو ضمير ومنصوب في موضع الرفع، وهو غير جائز عند سيبويه، وجوّزه الكسائيّ في مسألة مشهورة جرت بينهما.
[مسألة نحويّة]
قال الفنجديهيّ: سألت شيخنا العلامة إمام النحاة جمال العلماء، أبا محمّد عبد الوهاب بن برّي بن عبد الجبار المقدسي عن شرحها، فقال أيده الله: سألت شرح الله صدرك، وأعلى في منازل الشرف قدرك، عن المسألة التي جرت بين سيبويه والكسائيّ، وهي قوله: «كنت أظنّ أن العقرب أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو «إياها».، وسألت عن وجه النصب في «إياها» عند من أجاز ذلك، فاعلم أن مذهب النحويين البصريين في مثل هذه المسألة أن يكون ما بعد إذا مرفوعا بالابتداء والخبر، فيقال: فإذا هو هي، على حدّ ما في الكتاب العزيز: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف: ١٠٨]. وقوله: فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [الشعراء: ٣٢]. فإذا هنا ظرف مكان وليست كالزمانيّة، وسأفرّق بينهما، وتقديرها في نحو: خرجت فإذا زيد قائم: خرجت فبالحضرة زيد قائم، والعامل في إذا، قائم، وإن شئت نصبت قائما على الحال، وجعلت الخبر في إذا، كما تقول: خرجت
стр. 999
فإذا زيد قائم فالقائم بالرفع على الخبر والنصب على الحال، ومذهب الكوفيين في الحال أن تكون نكرة ومعرفة، ومن هنا منع سيبويه من إيّاها في المسألة، ، لأن المضمر لا يقع حالا لتعريفه وعدم الاشتقاق فيه، والحال تكون نكرة مشتقة، والكوفيون يجيزون والنصب على معنى: خرجت فإذا زيد قائما. والأقرب عندي أن يريدوا فإذا هو موجود إياها، فحذف الخبر وهو موجود لدلالة الكلام عليه، ومثل هذا عندهم: لئن ضربته ليضربنّه السّيّد الشريف، فينصبون السيّد بإضمار، فإذا حملته على هذا تخرّج.
وحكي عن أبي زيد أنه سمع هذه المسألة من العرب، بنصب «إياها»، فإذا صح أنه سمعها فهذا وجه، ويجوز في قياس قولهم: أن يكون على إسقاط الكاف، وهم يروون في الخبر: «ذكاء الجنين ذكاة أمه» (١)، بنصب «ذكاة» يقدرون كذكاة أمّه، فتقديرها فإذا هوكها، أي فإذا الزنبور كالعقرب، وهميجيزون إدخال الكاف على الضمير، وسيبويه يمنعه إلّا في الشعر كقول العجّاج: [الرجز]
وأم أو عال كها أو أقربا (٢)
وقال رؤبة: [الرجز]
فلا أرى بعلا ولا حلائلا ... كهو ولا كهنّ إلا حاظلا (٣)
وأجاز بعض النحويين أن يكون «إيّاها» كناية عن الجملة، التقدير: فإذا هو لسعته كلسعتها، فكنى عن الجملة بقوله: «إياها» وينصب على الحال، لأنها كناية عن الجملة، وهي نكرة فتصير في حكم النكرة، كما صارت الهاء في: ربّه رجلا نكرة في المعنى، لكونها كناية عن نكرة، ولذا دخلت «ربّ» عليها، وهي لا تدخل إلّا على نكرة، فهذا ما
стр. 1000
يقتضيه وجه النصب في «إياها» على ما ذكره الكوفيون، والفرق بين إذا الزمانية والمكانية من أوجه:
أحدها أنّ الزمانية تقتضي الجملة الفعلية لما فيها من معنى الشّرط، والمكانية تقع بعدها الجملة الابتدائية أو المبتدأ وحده.
والثاني: أنّ الزمانية تقتضي جوابا والمكانية لا تقتضيه.
والثالث: أنّ الزمانية مضافة إلى الجملة التي بعدها، والمكانية ليست مضافة إلى ما بعدها، بدليل خرجت فإذا زيد فزيد مبتدأ وإذا خبره.
والرابع: أنّ الزمانية تكون في صدر الكلام، نحو إذا جاء زيد فأكرمه، والمكانية لا يبتدأ بها إلا أن تكون جوابا للشرط، كالفاء في قوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦].
والخامس: أنّ الزمانية تقتضي الاستقبال والمكانية تقتضي معنى الحضور، لأنها للمفاجأة والمفاجأة للحاضر دون المستقبل.
انقضى الكلام عليهما على جهة الاختصار.
***
فكتمت سرّه كما يكتم الدّاء الدخيل، وسترت مكره وإن لم يكن يخيل؛ حتّى إذا نزع عن إعواله، وقد عرف عثوري على حاله، رمقني بعين مضحاك، ثمّ طفق ينشد بلسان متباك. [الرجز]
أستغفر الله وأعنو له ... من فرطات أثقلت ظهريه
يا قوم كم من عاتق عانس ... ممدوحة الأوصاف في الأنديه
قتلتها لا أتّقي وارثا ... يطلب منّي قودا أو ديه
وكلّ ما استذنبت في قتلها ... أحلت بالذّنب على الأقضيه
ولم تزل نفسي في غيّها ... وقتلها الأبكار مستشريه
وقوله: الدّاء الدخيل، وهو الذي لا يتكلّم به استقباحا أو لمحلّه، يخيل: يشتبه ويشكل، وخال يخيل: اشتبه. نزع: كفّ، إعواله: بكائه. عثوري: اطلاعي. رمقني:
نظر إليّ. بعين مضحاك، أي كثير الضحك. متباك: مستعمل للبكاء بتكلّف، أعنو: أذلّ، فرطات: سقطات وزلّات. عاتق: شابة قد أدركت ولم يبن بها زوجها، بل هي بكر، ويريد بها الخمر التي لم يفضّ أحد خاتمها، وعانس: طالت إقامتها في بيت أبيها، الأندية: المجالس. القود: قتل النفس بالنفس. استذنبت: نسبت إلى الذنب: الأقضية:
جمع قضاء، أي كلما قيل لي: فعلت هذا الذنب؟ قلت: إنما هو قضاء الله وقدره، وأخذ هذا المعنى من قول الحسين بن الضحاك: [الوافر]
стр. 1001
واتركي العذل على من قاله ... وانسبي جوري إلى حكم القضا
ولهذا البيت حكاية أدبية، قال الحسين؛ كانت لي نوبة في دار الواثق، فبينا أنا نائم ذات ليلة، إذ جاءني خادم من خدّام الحرم، فقال لي: إن أمير المؤمنين يدعوك، فقلت له: وما الخبر؟ قال: إنه كان نائما إلى جنب حظيّته فقام وهو يظنها قائمة، فألم بجارية أخرى، وعاد إلى فراشه، فغضبت حظيته وتركته حتى نام، ثم قامت، ودخلت حجرتها فانتبه وهو يظنّها عنده، فطلبها فلم يجدها، فقال: من اختلس كريمتي، ويحكم أين هي! فأخبرناه أنّها قامت غضبى ومضت إلى حجرتها. فدعا بك، قال: فمضيت مع الرّسول وروّيت أبياتا في طريقي، فلما جئته خبّرني القصة، وقال لي: قل في هذا شيئا، ففكّرت هنيهة كأنّي أقول شعرا، ثم أنشدته الأبيات: [الرمل].
غضت أن زرت أخرى غضبة ... فلها العتبى علينا والرّضا
يا فدتك النفس كانت هفوة ... فاغفريها واصفحي عمّا مضى
واتركي العذل على من قاله ... وانسبي جوري إلى حكم القضا
فلقد نبّهتني من رقدتي ... وعلى قلبي كنيران الغضى
فقال: أحسنت بحياتي، أعدها عليّ يا حسين، فأعدتها عليه حتى حفظها، وأمر لي بخمسمائة درهم، فقام ومضى إلى الجارية فأنشدها الأبيات فتراضيا، فكان بعد إذا رآني تبسّم لموقع الأبيات ونجحها عند الجارية، والإحالة على القضاء بالذّنب هو مذهب الجبرية فمن فعل منهم ذنبا قال: لا ذنب لي، إنما قدّر عليّ ومذهب القدريّة خلافه: قال الشاعر في ردّه: [الطويل]
إذا أذنبوا قالوا مقادير قدّرت ... وما العار إلا ما تجرّ المقادر
وقوله: غيّها، أي فسادها. مستشرية: لاحية مصمّمة. واستشرى الشيء: انتشر، واستشرى في أمره: لجّ فيه.
[وأد البنات]
والقتل الذي ذكره للبنات هو الوأد الذي كانت تفعله الجاهلية، قال الله : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: ٩].
والموءودة: التي تدفن حيّة، فتنقل بالتراب، والوأد: القتل.
وورد قيس بن عاصم المنقريّ على رسول الله ﷺ ، فقال له: بعض الأنصار عن وأده البنات، فقال قيس: ما ولدت لي بنت إلا وأدتها، وما رحمت منهنّ إلا واحدة ولدتها أمها، وأنا في سفر، فدفعتها إلى أخوالها، وقدمت فسألت عن الحمل، فأخبرت أنها ولدت ميتا. ومضت سنون، حتى ترعرعت، فزارت أمها ذات يوم، فدخلت فرأيتها قد ضفرت شعرها، وجعلت في قرونها شيئا من الخلوق، ونظّمت عليها ودعا، وألبستها
стр. 1002
قلادة، وجعلت في عنقها مخنقة، فقلت: من هذه الصبيّة فقد أعجبني حسنها؟ فبكت ثم قالت: هذه ابنتك، كنت خبّرتك أنّي ولدت ميتا، وهذه التي ولدت، فجعلتها عند خالها، وبلغت لهذا المبلغ. فأمسكت عنها حتى اشتغلت أمها، ثم أخرجتها يوما، فحفرت حفرة فجعلتها فيها، وهي تقول: يا أبت أتغطّيني بالتراب! حتى واريتها وانقطع صوتها، فما رحمت واحدة منهنّ ممن وأدت غيرها، فدمعت عينا رسول الله ﷺ وقال:
«إنّ من لا يرحم لا يرحم» (١).
وذكر أن قيسا وأد بيده بضع عشرة ابنة، وكان السبب في وأد البنات أن المشمرج اليشكريّ أغار على قوم قيس، فسبا نساء فيهنّ ابنته وابنة أخيه، فدخل قيس إليهم فسألهم أن يهبوهما له، فوجد المشمرج قد اصطفاهما لنفسه، فسأله إياهما، فقال: قد جعلت أمرهما إليهما، فإن اختار تاك فخذهما، فاختارتا المشمرج، فانصرف فوأد كلّ ابنة له خوفا من الفضيحة، فاقتدت به العرب في ذلك.
قال الهيثم: إن الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة، كان يستعمله واحد ويتركه عشرة، فجاء الإسلام، وقد قلّ إلا في تميم.
وقيل: كان الوأد في تميم وقيس وبكر وهوازن وأسد، لقول رسول الله ﷺ : «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (٢)، فأجدبوا سبع سنين حتى أكلوا الوبر بالدم، ولهذا جاء تحريم الدم، وهذا خبر بيّن أنّ الوأد كان للحاجة لا للأنفة، وبه نزل القرآن، قال الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء: ٣١]، وقال: وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ [الممتحنة: ١٢].
ومن ذكر أنه كان أنفة وأنه كان في تميم، ومن جاورهم فيحتج بحديث أبي عبيدة، أن تميما منعت النعمان الإتاوة، فوجّه إليهم أخاه الريان، وجل من معه من بكر بن وائل، فاستاق النّعم وسبى الذّراري. وفي ذلك يقول المشمرج اليشكريّ: [البسيط]
لمّا رأوا راية النعمان مقبلة ... قالوا ألا ليت أدنى دارنا عدن
يا ليت أمّ تميم لم تكن عرفت ... مرّا وكانت كمن أودى به الزّمن
وقال النعمان في جوابه: [البسيط]
لله بكر غداة الرّوع لو بهم ... يرمى ذرا حضن زالت بهم حضن
стр. 1003
إذا لا أرى أحدا في الناس يشبههم ... إلا فوارس خامت عنهم اليمن
فوفدت إليه تميم، فأناب إليهم، وأحب البقيا، وقال: [البسيط]
ما كان ضرّ تميما لو تغمّدها ... من فضلنا ما عليه قيس عيلان
فسألوه النساء، فقال: كلّ امرأة اختارت أباها ردت إليه، وإن اختارت صاحبها تركت عنده فكلّهن اخترن آباءهنّ إلّا ابنة قيس بن عاصم، اختارت صاحبها عمرو بن المشرج، فنذر قيس: ألّا تولد له ابنة إلا قتلها. فهذا شيء يعتلّ به من وأد البنات، ويقول، : فعلناه أنفة، وقد كذّب بما أنزل الله تعالى في القرآن المجيد. وأين فعل قيس في الوأد وقساوة قلبه من فعل صعصعة بن ناجية بن عقال جدّ الفرزدق! فإنه أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني كنت أعمل عملا في الجاهلية لنفسي، أينفعني ذلك اليوم؟ قال: وما عملك؟ قال. أضللت ناقتين عشراوين، فركبت حملا ومضيت في بغائهما: فرفع لي بيت فقصدته، فإذا شيخ جالس بفناء الدار، فسألته عنهما، فقال: هما عندي، وقد أحيا الله تعالى بهما قوما من أهلك مضر، فجلست عنده ليخرجا إليّ، فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت، فقال لها: ما وضعت؟ فإن كان ذكرا شاركناه في أموالنا، وإن كان أنثى وأدناها! فقالت: وضعت أنثى، فقلت: أتبيعنيها؟ فقال: وهل تبيع العرب أولادها! قال: فقلت: إنما اشتري حياتها لا رقّها، فقال: بكم؟ فقلت: احتكم، قال: الناقتين والجمل، قلت: ذلك لك، على أن يبلغني وإياها الجمل، ففعل فآمنت بك يا رسول الله، وقد صارت لي سنّة في العرب، أشتري كلّ موءودة بناقتين وجمل، فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائة موءودة، قد أنقذتها، فقال رسول الله ﷺ : «لا ينفعك ذلك، لأنك، لم تبغ وجه الله، وإن تعمل في إسلامك عملا صالحا تثب عليه».
وقال الفرزدق يفتخر بفعل جدّه على جرير: [المتقارب]
ألم تر أنا بنو دارم ... زرارة منّا أبو معبد
ومنّا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم توأد (١)
أيطلب مجد بني دارم ... عطية كالجعل الأسود
قرنبي يحكّ قفا مقرف ... لئيم مآثره قعدد
ومجد بني دارم دونه ... مكان السّماكين والفرقد
وعطية هو أبو جرير، ويأتي في الأربعين.
وجاء في الحديث الترغيب في إكرام البنات، قال رسول الله ﷺ : «من ابتلي بشيء من هذه البنات، فأحسن إليهنّ كن له سترا من النار» (٢). وفي طريق آخر «من كان له ثلاث بنات،
стр. 1004
وثلاث أخوات أو بنتان، أو اختان، فأحسن صحبتهنّ والله اتقى فيهنّ، فله الجنّة» (١).
ولبعضهم تهنئة بمولودة: اتصل بي خبر المولودة، كرّم الله غرّتها، وأنبتها نباتا حسنا؛ وقد علمت أنهنّ أقرب إلى القلوب، وإن الله قد بدأ بهن في الترتيب، فقال سبحانه: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ [الشورى: ٤٩]، وما سمّاه الله تعالى هبة فهو بالشّكر أولى، وبحسن التقبّل أحرى.
وقال بعض الشعراء: [المتقارب]
أحبّ البنات وحبّ البنا ... ت فرض على كلّ نفس كريمه
فإنّ شعيبا من أجل ابنتي ... هـ أخدمه الله موسى كليمه
وفي الحديث: «دفن البنات من المكرمات».
عزّى رجل يحيى بن خالد في حرمة له، فقال: أيها الوزير دفن الحرم من النّعم، ثم قال: [الوافر]
تمزّ إذا رزئت فخير درع ... يسر بل للمصائب درع صبر
فلم أر نعمة شملت كريما ... كعورة مسلم سترت بقبر
وقال عمر بن أبي علقمة المريّ: [الرجز]
إنّي وإن سيق إلى المهر ... ألف وعبدان وذو عشر
أحبّ أصهاري إليّ القبر
وقال إسحاق بن خلف: [البسيط]
لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظّلم
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزّال على الحرم
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [الطويل]
لكلّ أبي بنت يراعي شئونها ... ثلاثة أصهار إذا ذكر الصّهر
فبيت يغطّيها وبعل يصونها ... وقبر يواريها وخيرهم القبر
وقال آخر: [الكامل]
لا تيأسن منها فقد زوّجتها ... كفؤا وضمنت الصّداق مليكا
***
[الرجز]
стр. 1005
حتّى نهاني الشّيب لمّا بدا ... في مفرقي عن تلكم المعصية
فلم أرق مذ شاب فودي دما ... من عاتق يوما ولا مصبيه
وها أنذا الآن على ما يرى ... منّي ومن حرفتي المكدية
أربّ بكرا طال تعنيسها ... وحجبها حتّى عن الأهويه
وهي على التّعنيس مخطوبة ... كخطبة الغانية المغنية
وليس يكفيني لتجهيزها ... على الرّضا بالدّون إلا ميه
واليد لا توكى على درهم ... والأرض قفر والسّماء مصحيه
فهل معين لي على نقلها ... مصحوبة بالقينة الملهية
فيغسل، الهمّ بصابونه ... والقلب من أفكاره المضنية
ويقتني منّي الثناء الّذي ... تضوع ريّاه مع الأدعيه
***
قوله: فودي، أي ناحية رأسي. مصبية: لها صبوة. أو يصبو إليها من رآها، وجعل الخمر مصبية، لأنها تغلب شرّابها فتصيّرهم سكارى، عقولهم عقول الصبيان، فهي تلعب بهم كما تلعب الأمّ بصبيانها، حر فتى: صنعتي المكدية: الصعبة، وأكدى الحافر: بلغ كدية، فرفع عن الحفر آيسا من الماء ثم استعير لغير ذلك أربّ؛ أصلح، تعنيسها: إقامتها بغير زوج.
قال عمر رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ : «مكتوب في التوراة: من بلغت ابنته اثنتي عشرة سنة، فلم يزوجها فأصابت إثما فإثم ذلك عليه» (١).
وقال ﵊: «من بلغ له ولد النكاح وعنده ما ينكحه به فلم ينكحه، فأصاب إثما فالإثم بينهما» (٢)، ويعني بها خمرا قديمة حجبها عن الأهوية، لئلا يفسدها الهواء.
قوله: مخطوبة: مطلوبة. الغانية: البارعة الجمال التي غنيت بحسنها عن الزينة، قال الرّستمي: أصلها في ذات الزوج الّتي استغنت بزوجها، ثم قيل في غير ذات الزوج.
قال عمارة: هي الشابّة التي تعجب الرجال ويعجبونها، المغنية: التي نشأت في الغنى، وأغنى بمعنى استغنى، والمغنية أيضا: التي تغني زوجها عن غيرها لكمال خصالها.
توكأ: تشدّ وتربط، والوكاء: الخيط يشدّ به فم الوعاء.
وراود عبد في الجاهلية ابنة سيّده عن نفسها، فأمكنته حتى بلغ أربه منها، ثم
стр. 1006
عمدت إليه فجبّته، فقال لها أبوها في ذلك، فقالت: من ورد غير مائه، صدر بمثل حاله، إنّ العبد لمن نوكه قد ابتذل إناء لم يوكه، فقال أبوها: يا بنيه لا شللا ولا عمى.
وميّه: محذوفة اللام، ولا يدري أواو لامها أم ياء، قوله صاحب العين وقال ابن الأعرابيّ: أمأيت القوم، وأمأيتهم: صاروا بي مائة، ففي مأيت دليل قاطع على أن اللام ياء.
وقال الفراء رحمه الله تعالى وكراع: أصلها مئية، وأنشد: [البسيط]
فقلت والرّكب قد تخطيه منيّته ... أدنى عطيات آبائي مئيات (١)
قوله: قفر: غير عامرة. مصحية: زال سحابها، ضربه مثلا للخلوّ من المال، فلا في أرضه خصب فتعمر من أجله، ولا في سمائه سحاب فيرجى خيرها، وقد تقدّم لغيمي مطر.
القينة الملهية: الجارية المغنّية. وهي في كلام العرب الأمة، مغنّية كانت أو غير مغنّية قال زهير: [البسيط]
ردّ القيان جمال القوم فاحتملوا (٢)
واشتقاقها من قنت الشيء أقينه قينا؛ إذا لممته، قال الشاعر: [الطويل]
ولي كبد مجروحة قد بدا بها ... صدوع الهوى لو أن قينا يقينها (٣)
ولهذا سمّي الصّواغ والحداد قينا، والماشطة قينة.
قوله: فيغسل الهمّ بصابونه: يعني فينفي همّي بالخمر لأنها تنفي الهمّ والحزن والغم كما يغسل الصابون وسخ الثوب، المضنية: الممرّضة. يقتني: يكتسب، تضوّع
стр. 1007
ريّاه: تتحرك رائحته، يريد أنه يكتسب منه السامع الدعاء، فيثني عليه ثناء حسنا في الدنيا ويدعو له بالآخرة، ويقال: ضاع المسك يضوع، أي انتشرت رائحته، وقول الشاعر:
[الطويل]
وما هو إلا المسك عند ذوي الحجى ... يضوع وعند الجاهلين يضيع
قال الراوي: فلم يبق في الجماعة إلا من نديت له كفّه، وانباع إليه عرفه، فلمّا نجحت بغيته، وكملت مائته، أخذ يثني عليهم بصالح، ويشمّر عن ساق سارح؛ فتبعته لأستعرف ربيبة خدره، ومن قتل في حدثان أمره، فكأنّ وشك قيامي، مثّل له مرامي، فازدلف منّي، وقال: أفقه عنّي: [الخفيف]
قتل مثلي يا صاح مزج المدام ... ليس قتلي بلهذم أو حسام
والّتي عنّست هي البكر بنت الكر ... م لا البكر بنت الكرام
ولتجهيزها إلى الكأس والطّا ... س قيامي الّذي ترى ومقامي
فتفهّم ما قلته وتحكّم ... في التغاضي إن شئت أو في الملام
ثم قال: أنا عربيد، وأنت رعديد، وبيننا بون بعيد، ثمّ ودّعني وانطلق، وزوّدني نظرة من ذي علق.
***
نديت: كرمت. انباع: سال، عرفه: معروفة. نجحت: انقضت وتمت، بغيته:
طلبته، طفق: أخذ وجعل، سارح: ذاهب، يريد أنه شمرّ لليسر، وأضاف ساقا لسارح، وهو يريد: عن ساق رجل سارح، أي ذاهب. ربيبة خدره، أي الّتي رباها في بيته، وربيبة الرجل بنت امرأته من غيره، وقيل لها ذلك لأنه يربّيها فهي «فعيلة» بمعنى مفعولة، فأصلها مربوبة، ويقال: ربّ فلان فلانا وربّاه وربّبه وتربّبه بمعنى واحد، حدثان: أول وشك: سرعة، مرامي: مرادي ومطلبي. ازدلف: قرب، ويقال: قلت الخمر، إذا مزجتها وقد فسره بقوله: مزج المدام.
[مما قيل في الخمرة]
قال الأخطل: [الطويل]
فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وأحبب بها مقتولة حين تقتل (١)
стр. 1008
وكان الأخطل خليعا، فأثنى هنا على الممزوجة، وقال في التي لم تمزج: [الوافر]
وكأس مثل عين الديك صرف ... تنسي الشاربين لها العقولا
إذا شرب الفتى منها ثلاثا ... بغير الماء حاول أن يطولا
مشى قرشيّة لا شكّ فيها ... وأرخى من مآزره الفضولا
***
وأصبح عبد الملك يوما في غداة باردة، فأنشد هذه الأبيات، ثم قال: كأن الأخطل الآن في حانوت خمار محلّل الإزار، مستقبل الشمس، ثم بعث من يطلبه بدمشق، فوجده كما وصف.
وقال له يوما: ألا تسلم فنفرض لك في الفيء ونعطيك عشرة آلاف درهم؟ قال:
فكيف بالخمر؟ قال له عبد الملك: وما تصنع بها، وإنّ أوّلها مرّ وآخرها سكر! قال الأخطل: وفيما بين هاتين منزلة ما يسرّني لك بها.
وقال حسان بن ثابت ﵁ وقد أعطي كأس خمر ممزوجة: [الكامل]
إنّ التي ناولتني فرددتها ... قتلت- قتلت- فهاتها لم تقتل (١)
كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل
فدعا بالقتل على الذي أعطاها له ممزوجة.
وذكر الحريري في الدّرة البيتين، وقال في قوله: «أرخاهما» القياس: أشدّهما إرخاء للمفصل، لأن أصل هذا الفعل أرخى، فبناؤه ليس مقيسا كما قالوا: ما أحوجه إلى كذا فبنوا من حوج، إن كان قياسه: ما أشدّ حاجته.
ولهذين البيتين حكاية يحسن أن نعقبهما بروايتها، ونضوع نشرهما بنشر ملحها، وهي ما رواه أبو بكر محمد بن القاسم الأنباريّ عن أبيه، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الربعيّ قال: حدثنا أحمد بن عبد الملك بن السماك السعديّ قال: حدّثنا أحمد بن ظبيان الحائز، قال: اجتمع قوم على شراب لهم، فغنّاهم مغنيهم بشعر حسان: «إن التي» البيتين، فقال بعضهم: امرأتي طالق إن لم أسأل الليلة عبيد الله بن الحسن القاضي عن علّة هذا الشعر، لم قال: «إن التي»، فوحّد، ثم قال: كلتاهما، فثنّى؟ فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا عليه، ومضوا يتخطّون القبائل، حتى انتهوا إلى بني شقرة وعبيد الله بن الحسن يصلّي، فلما فرغ من صلاته قالوا: قد جئناك في أمر قد دعتنا إليه ضرورة، وشرحوا له خبرهم، وسألوه الجواب، فقال: [الكامل]
* إنّ الّتي ناولتني فرددتها*
стр. 1009
غنى بها الممزوجة بالماء، ثم قال: من بعد: كلتاهما حلب العصير، يريد الخمر المحتلبة من العنب، والماء المتحلب من السحاب، المكنّى عنها بالمعصرات في قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً [النبأ: ١٤]، قال الشيخ الإمام الأجلّ الأوحد العالم أبو محمد أدام الله سعادته: فهذا ما فسره به عبيد الله بن الحسن.
وقد بقي في الشعر ما يحتاج إلى كشف سرّه، وتبيان نكته، أما قوله: [الكامل]
إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت ...
فإنه خاطب به السّاقي الذي كان ناوله كأسا ممزوجة، لأنه يقال: قتلت الخمر إذا مزجتها، فكأنه أراد أن يعلمه أنه قد فطن لما قد فعله ثم ما اقتنع منه بذلك حتى دعا عليه بالقتل في مقابلة المزج، وقد أحسن كلّ الإحسان في تجنيس اللفظ ثم إنه عقّب الدعاء عليه بأن استعطى منه ما لم تقتل- يعني الصّرف- التي لم تمزج.
وقوله: أرخاهما للمفصل، يعني اللّسان، وسمّي مفصلا بكسر الميم، لأنه به يفصل بين الحق والباطل، وليس فيما اعتمده عبيد الله بن الحسن من الإسماح وخفض الجناح، ما يقذف في نزاهته أو يغض من نبله وبراعته.
ويضارع هذه الحكاية في وطأة القضاة المتقشفين للمستفتين وتلاينهم في مواطن اللّين، ما يحكى أن حامد بن العباس، سأل عليّ بن عيسى في ديوان الوزارة عن داء الخمار، وعن دوائه، فأعرض عن كلامه، وقال: ما أنا وهذا المسألة! فخجل حامد منه، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمرو، فسأله عن ذلك فتنحنح القاضي لإصلاح صوته، ثم قال: قال الله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [المائدة:
٤١]، وقال النبي ﷺ : «استعينوا على الصناعات بأهلها» (١)، والأعشى هو المشهور في الجاهلية بهذه الصناعة، قال: [المتقارب]
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تدويت منها بها (٢)
لكي يعلم النّاس أنّي امرؤ ... أتيت المروءة من بابها
ثم تلاه أبو نواس في الإسلام، فقال: [البسيط]
دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء ... وداوني بالّتي كانت هي الدّاء (٣)
стр. 1010
فأسفر حينئذ وجه حامد، وقال لعليّ بن عيسى: ما ضرّك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في جواب المسألة بقوله سبحانه أولا، ثم بقول الرسول ﵊ ثانيا، وبيّن الفتيا وأدّى المعنى، وتفصى من العهدة، فكان خجل عليّ بن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه، لما ابتدأه بالمسألة وتبع حسان مسلم بن الوليد، فقال وأحسن: [الطويل]
إذا شئتما أن تسقياني مدامة ... فلا تقتلاها كلّ ميت محرم (١)
خلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منّا الدم الدم
وقال أبو نواس في الصّرف: [الخفيف]
وكميت أرّقها وهج الشم ... س وصيف يفنى بها وشتاء
لم يشنها الطاهي بطبخ ولا غيّر ... ها عن طبيعة الكرم ماء
وقال فيه أيضا [الطويل]
توارت عن الأبصار من عهد آدم ... حذارا لكون الماء يوما قرينها
فصنها عن الماء القرح واسقني ... فإنك إن لم تسقني متّ دونها
وعلى أنه القائل: [الطويل]
ألا دارها بالماء حتى تلينها ... فلن تكرم الصّهباء حتى تهينها
وقال أبو نواس لإخوانه في مرض موته: إياكم والخمر صرفا فإنها أحرقت كبدي، قال ابن رشيق: [الكامل]
قدر المدامة فوق قدر الماء ... فارغب بكأسك عن سوى الأكفاء
ما لي ومزج الرّاح إلّا في فمي ... بالرّيق من فم غادة حسناء
ذاك المزاج وإن تعدّاني الّذي ... في لمزن من ذي رقّة وصفاء
أشهى وأبلغ في الفؤاد مسرّة ... من غيره وأدبّ في الأعضاء
لي الصّرف إن مزج النّديم ولم أكن ... مستأثرا فيها عن النّداماء
وقال أيضا: [السريع]
قلت لمن ناولني مرة ... ما بي حبّ الغيد بل حبّها
لا تسقي راحك ممزوجة ... واشرب فما يمكنني شربها
ما راحتي في الرّاح إن غيرت ... دعها كما جاء بها ربّها
стр. 1011
ونصل بهذا النّمط، ما قيل في نبيذ الزبيب، قال أبو الأسود الدؤليّ: [الطويل]
دع الخمر يشربها الغواة فإنّني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها (١)
فإن لا يكنها أو تكنه فإنّه ... أخوها غذته أمّه بلبانها
يقول: إن لا يكن الزبيب الخمر أو الخمر الزبيب، فإنهما أخوان غذيا بلبن واحد وهي الحبة التي هي أصل العنب والزبيب؛ فأحدهما ينوب مناب الآخر، وأنشد الحامضي: [الطويل]
تركت الحميّا لست أختار شربها ... وما حاجتي في أن أسرّ الأعاديا
ولكنّ أخرى من نبيذ معتق ... يمنّيك إن أكثرت منه الأمانيا
أخو الخمر من عنقودها غير أنهم ... إذا قطعوها جفّفوه لياليا
وقال المأمون: نقلت هذا المعنى بأبيات ملوكية لا تحضر السوقة بمثلها: [الوافر]
صلّى النّدمان يوم المهر جان ... بكأس من معتّقة الدّنان
بكأس خمر وإنّي عتيق ... فإنّ العبد عبد خمرواني
وجنبنّي الزّبيبين طرّا ... فشأن ذوي الزّبيب خلاف شأني
فأشربها وأزعمها حراما ... وأرجو عفوا ربّ ذي استنان
ويشربها ويزعمها حلالا ... وتلك على الشّقيّ خسارتان
سأل رجل شريحا القاضي: هل النبيذ حلال أم حرام؟ فقال: حلال، قال: قليله خير أم كثيره؟ قال: قليلة، قال الرجل: ما رأيت حلالا وقليله خير من كثيره إلا هذا.
وقال قتيبة بن مسلم لقاضي مرو: بلغني أنك شربت النبيذ، قال: نعم أصلحك الله! أشرب منه ما يسلّي العقل ويطيب النفس، ويغني عن الماء، ويهضم الطعام، قال: فما أبقيت؟ قال: أبقيت أخبثه وأردأه، الاتّكاء على الشمال، ومنادمة الرجال، والاختلاف إلى المبال.
وترك رجل النبيذ فقيل له: لم تركته وهو رسول السرور إلى القلب؟ قال: ولكنه بئس الرسول لم يبعث إلى الجوف فيذهب إلى الرأس.
***
стр. 1012
قوله لهذم: هو سنان الرّمح، بنت الكرم: الخمر، وتجهيزها: حملها، والطاس:
إناء الخمر كالإبريق يصبّ منه الشراب في الكأس، وجمعه طاسات، وقال الناشي:
وكأنما الطاسات ممّا حولها ... من نورها يسبحن في ضحضاح
لو بثّ في غسق الظلام ضياؤها ... طلع المساء بغرّة الإصباح
[مما قيل في الغناء]
وقدّم في المقامة أنه لا يجهزها إلا مصحوبة بالقينة، أي لا يشربها إلا بالغناء، وقد ذمّوا الغناء ومدحوه، فأما ذمه، فقال الكنديّ: الغناء برسام حادّ، لأن المرء يسمع فيطرب، فيسمح فيفتقر، فيغتمّ فيمرض فيموت.
وقال يزيد بن الوليد: إياكم والغناء فإنه يسقط المروءة، وينقص الحياء، ويبدي العورة، ويزيد في الشهوة، وإنه لينوب عن الخمر، ويصنع بالعقل ما يصنع به السّكر وأن كان ولا بد فجنّبوه النساء، فإنّ الغناء داعية الزنا.
وأما مدحه فقال ربيعة بن عبد الرحمن: السماع مطربة، وهو من نتيجة العقل، فمن كره السماع، دلّ بذلك على قلة عقله.
وقال بعض الفلاسفة، وجعلت اللّذات خمسا في خمس، فجعل اللمس لليدين والشم للمنخرين، والسمع للأذنين، والذوق للسان، واللون للعينين، وعلى كل جارحة تعب من اللذات إلا النّغمة، فإنه لا تعب على الأذنين فيها، ولذلك صار النّاس كلّهم عربيّهم وعجميّهم، صغيرهم وكبيرهم مشتركين في الإصاخة إلى النّغمة الحسنة، والصوت المستمتع، متباينين في غير ذلك، وقد يوجد أكثرها في أكثر الحيوان كالخيل يصفر لها عند الشرب، فتشرب والإبل يحدى لها فتنقاد، قال الشاعر: [الوافر]
فليس الشّراب إلّا بالملاهي ... وبالحركات في بم وزير
فلا تشرب بلا طرب فإني ... رأيت الخيل تشرب بالصّفير
وقال آخر: [الخفيف]
فانظر إلى الإبل الّتي ... هي- ويك- أغلظ منك طبعا
تصغي إلى صوت الحدا ... ة فتقطع الفلوات قطعا
قوله: التغاضي أي التغافل، عربيد: سيئ الأخلاق عند سكره، وهو الّذي يؤذي بيده ولسانه أصحابه، رعديد: جبان فزاع. بون: فضل ومزيّة من ذي علق، أي من صاحب محبّة؛ هو مثل يضرب لمن ينظر بودّ ومحبة ابن طريف: العلق: الحبّ، وعلق فلان فلانة، أي أحبّها. والله الموفق.
стр. 1013
المقامة السّادسة والثلاثون ال ملطيّة
أخبر الحارث بن همّام قال: أنخت بملطيّة مطية البين وحقيبتي ملأى من العين؛ فجعلت هجّيراي، مذ ألقيت بها عصاي؛ أن أتورّد موارد المرح، وأ تصيّد شوارد الملح؛ فلم يفتني بها منظر ولا مسمع؛ ولا خلا منّي ملعب ولا مرتع؛ حتّى إذا لم يبق لي فيها مأرب، ولا في الثّواء بها مرغب، عمدت لإنفاق الذّهب في ابتياع الأهب، فلمّا أكملت الأعداد، وتهيّأ الظّعن فيها أو كاد، وجدت بها تسعة رهط قد سبئوا قهوة، وارتبئوا ربوة، ودماثتهم قيد الألحاظ. وفكاهتهم حلوة الألفاظ، فنحوتهم طلبا لمنادمتهم لا لمدامتهم، وشغفا بممازجتهم لا بزجاجتهم.
***
أنخت المطيّة: صيّرتها باركة بالأرض.
[ملطية]
ملطيّة: بلد بالجزيرة ذات أنظار وقرى، بينها وبين الرّقّة خمسون فرسخا، والرّقّة:
أمّ قرى الجزيرة، وذكرها المسعودي في شعره فقال: [الطويل]
ولم يحلبوها من وراء ملطية ... تصدّع أجبال بها وأكام
وقيل: ملطية في ثغره الشأم.
قال اليعقوبيّ: ملطية هي المدينة العظمى، وكانت قديمة فأخربها الرّوم، فبناها المنصور سنة تسع وثلاثين ومائة، وجعل عليها سورا واحدا، ونقل إليها عدّة قبائل من العرب، قال: وهي في مستو من الأرض يحيط بها جبال الروم، وماؤها من عيون وأودية من الفرات، وخفّفها المتنبي ضرورة فقال: [الطويل]
وكرّت فدرّت في دماء ملطية ... ملطية أمّ للبنين ثكول (١)
قوله: ملطيّة البين، يريد ناقة السفر، أي أقام بها وترك السفر. الحقيبة: وعاء
стр. 1014
الرحل، والعين: الذهب. هجيراي: عادتي، وألقى بها عصاه، أي أقام بها وترك السفر.
أتورّد: أطلب وأدخل، وتوردت الإبل الماء: دخلته قطعة قطعة. والمرح: النشاط.
شوارد: نوافر، وأراد أنه أتبع نفسه جميع اللذات بملطّية وشاهدها، مرتع: موضع خصيب كثير الطعام، مأرب: حاجة. الثّواء: الإقامة. عمدت: قصدت، ابتياع الأهب:
اشتراء العدد للسّفر. الظّعن: الارتحال. الرّهط. الجماعة من ثلاثة إلى عشرة، سبئوا قهوة: اشتروا. ارتبئوا ربوة: طلعوا كدية، وقال الحسن: [الطويل]
وفتيان صدق قد صرفت مطيّهم ... إلى بيت خمّار نزلنا به ظهرا
أتينا يهوديا تجمّل ظاهرا ... ويضمر في المكنون من سرّاه الشّرّا
فجاء بها زيتيّة ذهبيّة ... فلم نستطع دون السّجود لها صبرا
خرجنا على أنّ المقام ثلاثة ... فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا
وقال في شراء الخمر بثيابه: [الطويل]
نجوت من اللص المغير بسيفه ... إذا ما رماه بالتّجار سبيل
واصلت خمّارا عليّ بخمرة ... فراح بأثوابي ورحت أميل
وقال الأمير تميم بن المعز: [الطويل]
شربنا على نوح المطوّقة الورق ... وأردية الرّوض الملفّفة البلق
معتّقة أفنى الزمان وجودها ... فجاءت كفوت اللّحظ أو رقّة العشق
كأنّ السحاب الغرّ أصبحن أكؤسا ... لنا وكأنّ الرّاح فيها سنا البرق
فبتنا نحثّ الكأس حثّا وإننا ... لنشربها بالحثّ صرفا ونستسقي
إلى أن رأيت النّجم وهو مغرّب ... وإقبال رايات الصّباح من الشّرق
كأنّ سواد الليل والفجر طالع ... بقيّة لطخ الكحل في الأعين الزّرق
وأحسن في هذا المعنى ما شاء، إلا أنه جعل شربنا في الرّوض على نوح الحمام، ولو عوّض من لفظ «النوح» لفظ الغناء أو التغريد لكان أتمّ للذّته، كما قال ابن الروميّ:
[الطويل]
وأذكى نسيم الروض ريعان ظلّه ... وغنّى مغنّي الطّير فرجّعا
وكانت أهازيج الذّباب هناكم ... على شدوات الطير صوتا موقّعا
وقال آخر: [الطويل]
وكأس كريق الإلف شعشعها به ... وعيشي من هذا الشّراب المشعشع
إذا ما شربنا كأسها صبّ فضلّها ... على روضنا للمسمع المتخلع
المسمع: المغنّي، يعني به الذباب الذي ذكره عنترة في قوله: [الكامل]
стр. 1015
فترى الذباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشّارب المترنّم (١)
وإنما ذكر الحريريّ الرّبوة، لأن النّبات فيها أحسن وأسلم من نبات الانخفاض، لأن نبات الانخفاض وخم، قال الله تعالى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ [البقرة: ٢٦٥]، وقال المتنبي: [الطويل]
* نحن نبت الرّبّا وأنت الغمام (٢) *
قوله: دماثتهم قيد الألحاظ، أي سهولة أخلاقهم تقيّد عيون الناظرين إليهم؛ حتى لا ينظروا إلى غيرهم، قال ابن المعتز: [السريع]
منظره قيد عيون الورى ... فليس خلق يتلقّاه
نحوتهم: قصدتهم، شغفا: حبّا.
***
فلمّا انتظمت عاشرهم، وأضحيت معاشرهم، ألفيتهم أبناء علات، وقذائف فلوات؛ إلا أنّ لحمة الأدب، قد ألّفت شملهم ألفة النسب؛ وساوت بينهم في الرّتب؛ حتّى لاحوا مثل كواكب الجوزاء، وبدوا كالجملة المتناسبة الأجزاء، فأبهجني الاهتداء إليهم وأحمدت الطّالع الّذي أطلعني عليهم، وطفقت أفيض بقدحي مع قداحهم، وأستشفي برياحهم لأبراحهم، حتّى أدتنا شجون المفاوضة، إلى التحاجي بالمقايضة، كقولك إذا عنيت به الكرامات: ما مثل النّوم فات؛ فأنشأنا نجلو السّها والقمر، ونجني الشّوك والثّمر.
***
انتظمت: سرت معهم في نظام واحد، والنظام الجوهر. معاشرهم: مصاحبهم ألفيتهم: وجدتهم، أبناء علّات، أي غرباء من بلاد مختلفة، وبنو العلّات: الذين أبوهم واحد وأمّهاتهم شتى قذائف فلوات، أي قد رمت بهم القفار، والطرق المختلفة واحدتها قذيفة، وهي التي يقذف أي يرمى بها. لحمة، أي قرابة. ألفت شملهم: أي جمعت
стр. 1016
متفرقهم، وجعل للأدب لحمة مجازا، وجعل الأدب يجمعهم كما يجمع بني العلّات الأب، والبلاد تفرّقهم، كما تفرّق بني العلّات الأمهات.
[المودة بين الشعراء]
وهذا نحو ما يحكى أنّ دعبلا ذكر عند عليّ بن الجهم فكفّره ولعنه، وقال: كان يظهر على أبي تمام وهو خير منه، دينا وشعرا، فقال له بعض منحضر: لو أن أبا تمام أخوك ما زدت على مدحك له، فقال: إن لم يكن أخي في النّسب، فهو أخي في المودّة والأدب، أما سمعت ما خاطبني به وأنشد لأبي تمام: [الكامل]
إن كان يجمعنا الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد (١)
أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
وكرّر أبو تمام هذا المعنى، فأحسن بقوله: [البسيط]
ذو الودّ مني وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وخلّاني
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرّقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وعدت ... أجسامنا في عرق أو خراسان
وأنشد إسحاق الموصلي: [الطويل]
يقولون لي هل من أخ أو قرابة ... فقلت لهم إن الشّكول أقارب
نسيبي في رأيي وعزمي ومذهبي ... وإن باعدتنا في الولاء المناسب
وليس أخي إلا الصحيح وداده ... ومن هو في وصلي وقربي راغب
وكان لسليمان بن وهب نديم يأنس به، فعربد عليه ليلة فاطّرحه وجفاه فوقف له بالطريق، فلما مرّ به وثب إليه، ثم قال: أيّها الوزير، لا تكن في أمري إلا كما قال عليّ ابن الجهم: [البسيط]
القوم أخدان صدق بينهم نسب ... من المودة لم يعدل به نسب
تراضعوا درة الصّهباء بينهم ... فأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب
لا يحفظون على السّكران زلّته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب
فقال: قد رضيت عنك رضا صحيحا، فعد لشأنك.
قوله الرتب: أي المنازل الرفيعة، مثل كواكب الجوزاء، أي في الإضاءة والرفعة، والجملة المتناسبة الأجزاء، أي المتّفقة، يعني مقاديرهم في الفضل وغيره متساوية لا تفاضل بينهم، كالجملة التي لا مزية لبعضها على بعض، وأقل جملة حسابية أجزاؤها
стр. 1017
متناسبة لا كسر في بعضها ولها النّصف والثلث والربع، والخمس والسدس والسبع والثمن والتسع والعشر هي ألفان وخمسمائة وعشرون، ونصفها ألف ومائتان وستون وثلثها وثلاثمائة ثمانمائة وأربعون، وربعها ستمائة وثلاثون، ألف وخمسها خمسمائة وأربعة، وسدسها أربعمائة وعشرون وسبعها ثلاثمائة وستون، وثمنها ثلاثمائة وخمسة عشر، وتسعها مائتان وثمانون وعشرها مائتان واثنان وخمسون.
قوله: أبهجني، أي أفرحني أحمدت: وجدته محمودا. الطّالع: النجم الذي يسعد به صاحبه وينحس على زعمهم. طفقت: أخذت. أفيض بقدحي: أضرب بسهمي، وهذا من فعل الميسر. وأراد أنه يمشي كلامه مع كلامهم ويدخل مداخلهم. أدّتنا: أوصلتنا.
شجون المفاوضة. طرق المراجعة في الكلام، والشجون في الكلام، تداخله، واختلاط بعضه ببعض، والتفاوض: الاندفاع في الحديث، وفي المثل: الحديث ذو شجون، أي ذو فنون وأصله من الشجر المشجون، وهو الشّجر الذي التفّ بعضه ببعض. التّحاجي:
التفاطن. المقايضة: المعاوضة والمقارضة. الكرى: النوم فات، بمعنى مات وأراد أنّ هذا النوع من الألغاز هو أن يؤتى بلفظ عوضا من لفظ آخر يتوارد معه على معنى واحد، والمماثلة الّتي بينهما إنما هي موافقة المعنى. نجلو: نكشف. السها: نجم خفّي، وقرن السها في خفائه مع القمر في ظهوره، إنما يشير إلى قولهم في المثل: أريها السها وتريني القمر، وأواد أنهم يأتون بلفظة ظاهرة المعنى، وأخرى خفية، فلا يتمّ لهم شيء.
***
وبينا نحن ننشر القشيب والرّثّ، وننسل السّمين والغثّ، وغل علينا شيخ قد ذهب حبره وسبره، وبقي خبره وسبره؛ فمثل مثول من يسمعو ينظر، ويلتقط ما تنثر، إلى أن نفضت الأكياس، وحصحص اليأس.
فلمّا رأى إجبال القرائح، وإكداء الماتح والمائح، جمع أذياله، وولّانا قذاله، وقال: ما كلّ سوداء تمرة، ولا كلّ صهباء خمرة، فاعتلقنا به اعتلاق الحرباء بالأعواد، وضربنا دون وجهته بالأسداد، وقلنا له: إنّ داء الشّقّ أن يحاض، وإلّا فالقصاص القصاص؛ فلا تطمع أن تجرح وتطرح، وتنهر الفتق وتشرح، فلوى عنانه راجعا، ثمّ جثم بمكانه راصعا، وقال: أمّا إذا استثرتموني بالبحث، فلأحكم حكم سليمان في الحرث.
***
القشيب: الثوب الجديد. الرّثّ: الخلق: ننشل: نخرج النشيل، وهو لحم يطبخ بلا تابل ثم ينشل، أي يخرج بالمنشل، وهو حديدة معقفة، ذهب حبره وسبره: هيئته
стр. 1018
ولونه، قال الفراء: من قولهم: جاءت الإبل حسنة الإجبار والأسبار، قال الأصمعي ﵀: هي الجمال والبهاء وآثار النعمة، يقال: فلان حسن الحبر والسّبر، إذا كان جميلا حسن الهيئة، وفي الحديث: يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره، أي قد ذهب جماله وبهاؤه، وسمي الحبر حبرا لأنه يزين الكتاب، ويحسن القرطاس، وحبّرت الشيء زينته، وقيل إنه سمّي حبرا لأنه يؤثر في القرطاس، فيكون علامة فيما يقع فيه، ويقال للأثر؛ حبرة وحبار.
والسّبر: الأصل واللون والهيئة والمنظر، والسّبر ما يدلّ به على لون الدابة وكرمها، ويروي حبره وسبره، بكسر أوّلهما وفتحه، فإذا كسرا كانا اسمين، وإذا فتحا كانا مصدرين، وحبره علمه، وسبره قياسه، مثل: تمثّل قائما. الأكياس: أوعية الدراهم، ونفضت: ألقي ما فيها، وأراد فارغ كلامهم. وحصحص: تبيّن، اليأس: ضد الرّجاء.
إجبال القرائح: انقطاعها عن الكلام. إكداء: صعوبة، وأصل هذا في البئر، فأوّل ما يرشح من مائها هو القريحة، ثم نقل إلى الطّبيعة والذهن، وأجبل الحافر: إذا حال بينه وبين الماء جبل، وأكدى: حال بينه وبينه كدية، والجبل والكدية حجارة وصلابة تعرض في البئر، لا يمكن حفرها معها، ثم يقال: أكدى أي قل خيره وأجبل الشاعر، أي انقطع شعره. وأكدى فلان عطائي، أي قطعه وقلّل خيره، ومنه قوله تعالى: وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى [النجم: ٣٤]. والماتح: المستسقي على فم البئر، والمائح: النازل إلى قعرها ليملأ الدّلاء ويفرّق بينهما بنقطتي الحرف الّذي قبل آخرهما، فمتى كانتا فوق الحرف، فالمستسقي فوق البئر لكثرة الماء، ومتى كانتا تحته فالمستسقي في قعر البئر ليملأ الدلو بيده، وذلك لقلّة الماء، وإذا تكاثرت الدّلاء عليه، وكثر صياح النّاس عليه من رأس البئر، وكل يرغبه ليملأ دلوه، فيأخذ دلو من لا مال له فيضرب به رجا البئر، أي جانبه ليرتدع الناس عنه، ثم يضرب مثلا للمهان، قال الشاعر: [الوافر]
فلا يرمى بي الرّجوان إنّي ... أقلّ القوم من يغني مكاني (١)
وقالت جارية من العرب تستعطفه: [الرجز]
يا أيّها المائح دلوي دونكا ... إنّي رأيت النّاس يحمدونكا (٢)
стр. 1019
ومن أمثالهم: أبصر من المائح يا ستّ الماتح.
وأنشد الفنجديهيّ: [السريع]
يا مائح العين عدمت الرّدى ... من حوض هذي العين كم تستقي
من شيمة الماء انحدار فلم ... ماء جفوني أبدا يرتقي
قوله: جمع أذياله: شمر ثيابه للقيام. قذاله: قفاه.
ما كلّ سوداء تمرة، مثل. والسوداء تستعمل للتمرة والفحمة فيقول: ما كل الكلام سهل فتتعاطونه وما كلّ ما جئتم به بفائق فيدخل في باب المقايضة، وهو مثل يضرب في موضع التهمة.
والصهباء: من أسماء الخمر، والصّهبة أن تعلو الحمرة شقرة وأصوله سود.
[مما قيل في الحرباء شعرا]
الحرباء: دويبّة تستقبل الشمس بوجهها إذا استوت في كبد السماء، وإن لم يتأتّ لها الفرصة بوجهها تململت وتقلّبت، ولم تزل في قلق حتى تميل الشمس، فتستقبلها- أعني قرصها- بوجهها حتى تغرب وهي في طول يومها، لا تأكل شيئا، فإذا جاء الليل ذهبت تبغي ما تأكل، والأنثى منها حرباءة.
وقال أبو عبيدة: الحرباء تستقبل الشمس برأسها أبدا، يقال: إنما تفعل ذلك لتقي جسدها برأسها، وقيل: الحرباء ذكر أمّ حبين، وفي صدره استرخاء وقرب من الأرض، فإذا حميت الأرض بالشمس خاف على صدره أن تحرقه الأرض للزوقه بها، فيصعد على عود شجرة، فيلتزمه بيديه، ويجعله بينه وبين الشمس، ويضرب به المثل في التّشبث بما تعلّق به، وذلك أنّه إذا تعلّق بعود التزمه، وقبض عليه فلا يفارقه، حتى يستوثق من آخر، فيضرب المثل به، فيقال: أحزم من الحرباء. وقال قيس بن الحدادية: [البسيط]
بانت سعاد فأمسى القلب مشتاقا ... وأقلقتها نوى الإزماع إقلاقا
واحتثّ حاديهم بزلا مخيسة ... كوم الذّرا مدد الأعضاد أفياقا (١)
أنّى أتيح لها حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا
والساق: ساق الشجرة، والتّنضب: شجر يتعلّق بأعواده الحرباء، فيقال حرباء
стр. 1020
تنضبه، كما يقال: ذئب غضى. وقال الأزهري رحمه الله تعالى: الحرباء دويبة على خلقة سام أبرص، ذات أربع قوائم دقيقة الرأس مخطّطة الظهر، وأكثر الشعراء من ذكر الحرباء وتشبيهها، ومن جيّد ذلك قول ذي الرّمّة: [الطويل]
ودويّة جرداء جدّاء خيّمت ... بها هفوات الصيف من كلّ جانب (١)
كأنّ يدي حربائها متشمسا ... يدا مذنب يستغفر الله تائب
وقال آخر: [الطويل]
وقد جعل الحرباء يصفرّ لونه ... ويخضرّ من لفح الهجير غباغبه (٢)
ويشبح بالكفّين حتى كأنه ... أخو فجوة عالي به الجذع صالبه
وقال أيضا: [الطويل]
يظلّ بها الحرباء للشمس مائلا ... على الجذل إلّا أنه لا يكبّر (٣)
إذا حوّل الظلّ العشيّ رأيته ... حنيفا وفي قرن الضّحى ينتصر
غدا أكهب الأعلى وراح كأنه ... من الضّحّ واستقباله الشمس أخضر
أخبر أنه يدور مع الشمس في وقت الزوال، حتى تكون الشمس في حذاء القبلة، فكأنّه باستقباله لها في ذلك الوقت مسلم يصلّي لها، وفي الضّحى تكون في وجه المشرق، فكأنّه نصرانيّ فيستقبلها بصلاته.
قال ابن الروميّ: [الكامل]
ما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبدا قبيح قبح الرّقباء
ما ذاك إلّا أنّها شمس الضحى ... أبدا يكون رقيبها الحرباء
قوله: وجهته، أي جهته. والسدّ: الحاجز بين الشيئين. يحاص: يخاط، ويقال:
حاص ثوبه وعين صقره وشقوق رجليه حوصا وحياصة: خاطها، وقيل: الحوص: