والشّيد: الجصّ. زمرة: جماعة ناسمناهم: قربنا منهم، وناسمه: سارّه وشامة، وناسمت الرجل: قرّبت نسمتك من نسمته، وتحدّثت معه سرّا: أرشية: حبالا. الارتقاء: الصعود.
المسك: الجلد، يريد أنه شديد التوجّع، وهذا كما تقول: لقيت فلانا في ثوب نمر، أو في جلد أسد، أي لقيته بادي الشرّ، قال الشاعر: [الطويل]
فطورا ترانا في مسوك جيادنا ... وطورا ترانا في مسوك الثّعالب (١)
قال البكريّ: الخيل توصف بالإقدام والثعالب بالرّوغان، فيريد أنهم مقدمون على أعدائهم يوما، ورائغون عنهم يوما. وقال الأستاذ: أي أسروا فكتفوا بجلود خيلهم المعقورة وفي جلود الثعالب، كناية عن خبث الأسير فاهوا: نطقوا. سوداء: كلمة رديئة نار الحباحب: ما تطاير من الشّرر في الهواء بتصادم حجرين أو بضرب حافر في حجر، وتلك نار لا منفعة فيها، وقيل: الحباحب رجل بخيل كان يوقد نارا ضعيفة لئلا يقصد، فإن أحسّ بإنسان أطفأها لئلا يقتبس أحد من ناره، وقيل: نار الحباحب نار سراجة، ولبخله كان إذا جاء أحد يوقد منه أطفأها، وقال عبد الصمد بن المعذّل في أخيه: [مجزوء الخفيف]
ليت لي منك يا أخي ... جارة من محارب
نارها كلّ شتوة ... مثل نار الحباحب (٢)
يريد جارة القطاميّ التي يقول فيها: [الطويل]
إلى حيزبون توقد النّار بعد ما ... تلفّقت الظّلماء من كلّ جانب
فلمّا تنازعنا الحديث سألتها ... عن الحيّ قالت: معشر من محارب
ألا إنما نيران قومي إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب
وقيل: الحباحب ذباب يطير بالليل، له شعاع كالسراج. قوله: خبرهم، الخبر بضم الخاء، مصدر خبرت أخبر إذا امتحنت، والسباسب والبسابس: الأرض المستوية، واحدها سبسب وبسبس. شاهت الوجوه: قبحت الوجوه وفي الحديث: «أخذ ﵊ قبضة من تراب يوم بدر فحثاها في وجوه المشركين، وقال: شاهت
стр. 1087
الوجوه» (١)، ويقال شاه وجه الرجل يشوه شوها وشوهة، قبح، ووجه مشوّه، أي مقبّح، ورجل أشوه وامرأة شوهاء. واللّكع اللئيم، وقد لكع لكعا فهو ألكع، ولكيع، إذا لؤم وحمق وامرأة لكاع ولكيعة. قوله: علته كبرة، أي أسن وكبر. وعرته عبرة، أي غشيته دمعة والخادم: الخصيّ، موصوف بطول العمر وسرعة العبرة، قال الهيثم بن عديّ: في الخصيّ عشر خصال لا تجتمع في غيره: التّهمة، والنميمة، والشّره، وسرعة الدمعة، وطول العمر، وكبر القدم، والتبرّي من الصلع، والإجارة في الصغر، والقيادة في الكبر، والاسترخاء في المقعدة وسعة الحجر. لا توسعون سبّا، أي لا تكثروا شتمنا عتبا لوما وموجدة، وعتبت عليه أعتب عتبا وعتابا، وأعتبه: أرضاه، والعتبى الرضا، واستعتبته طلبت إليه أن يعتب، وقال النابغة: [الطويل]
* وإن تك ذا عتبي فمثلك يعتب (٢) *
وقال حبيب: [الطويل]
سرت تحمل العتبي إلى العتب والرّضا ... إلى السّخط والعذر الجميل إلى الحقد (٣)
الخناق: الحبل يخنق به كالعقال للجمل يعقل به. نفّس: روّح وحلي عن المخنوق. والبثّ: الحزن. انفث: تكلّم، وأصله ابصق، عرّافا: كثير المعرفة، والعرّاف: العالم بالشيء، وأصله الكاهن.
***
فقال له: اعلم أنّ ربّ هذا القصر هو قطب هذه البقعة، وشاه هذه الرّقعة؛ إلّا أنّه لم يخل من كمد، لخلوّه من ولد؛ ولم يزل يستكرم المغارس، ويتخيّر من المفارش النّفائس؛ إلى أن بشّر بحمل عقيلة، وآذنت وقلته بفسيلة، فنذرت له النّذور، وأحصيت الأيّام والشّهور. ولمّا حان النّتاج، وصيغ الطّوق والتّاج، عسر مخاض الوضع، حتّى خيف على الأصل والفرع؛ فما فينا من يعرف قرارا، ولا يطعم النّوم إلّا غرارا. ثمّ أجهش بالبكاء وأعول، وردّد الاسترجاع وطوّل. فقال له أبو زيد: اسكن يا هذا واستبشر، وأبشر بالفرج وبشّر؛ فعندي عزيمة الطّلق، الّتي
стр. 1088
انتشر سمعها في الخلق. فتبادرت الغلمة إلى مولاهم، متباشرين بانكشاف بلواهم، فلم يكن إلّا كلا ولا، حتى برز من هلمم بنا إليه فلمّا دخلنا عليه، ومثلنا بين يديه، قال أبو زيد: ليهنك منالك، إن صدق مقالك، ولم يفل فالك.
***
قطب هذه البقعة، أي رئيس هذه الأرض، وقطب القوم: سيّدهم الذي يلجئون إليه.
وشاه هذه الرقعة: ملك هذه الجزيرة، وأراد بالرّقعة سفرة الشطرنج، وشاهها:
ملك جيشها الذي يتصرّف في بيوتها كيف شاه، وقد أحسن من قال فيها: [البسيط]
أرض مربعة حمراء من أدم ... ما بين خلّين موصوفين بالكرم
تذاكرا الحرب فاحتالا لها شبها ... من غير أن يسعيا فيها لسفك دم
هذا يغير على هذا وذاك على ... هذا يغير وعين الحرب لم تنم
فانظر إلى فطن جاشت بمعرفة ... في عسكرين بلا طبل ولا علم
قوله: كمد، أي حزن. المغارس والمفارش: النساء، كأنّ النّطف تغرس فيهنّ فيكثر الولد منها النّفائس: الكرائم. عقيلة: خيّرة، والعقيلة درّة البحر، وبه سمّيت المرأة لكرمها وشرفها، وكل كريمة من النساء والإبل والخيل فهي عقيلة. الرّقلة: النّخلة الطويلة. الفسيلة: نخيلة تكبّر في أصل النخل، أراد أنّ المرأة حملت بولد. نذرت النذور، أي وعدت بفعل خير إن سلم الحمل. أحصيت: عددت، وعلم ما بقي منها.
حان النّتاج: قرب وقت الولادة صبغ: صنع. الطّوق: الثوب يلبسه المولود بغير جيب، ولمّا سبق إلى جذيمة ابن أخته عمرو، وكان له طوق يلبسه في الصّغر، فقال له: البسه فلم يسعه، فقال: شبّ عمرو عن الطوق، فذهبت مثلا، قال ابن القبطرنة في الحكم بن حزم، وكلّفه ذلك ابن سراج: [الطويل]
رأى صاحبي عمرا فكلّف وصفه ... وحمّلني من ذاك ما ليس في الطّوق
فقلت له: عمرو كعمرو فقال لي ... صدقت ولكن شبّ هذا عن الطّوق
عسر: صعب. مخاض: تحرّك الولد عند الولادة، وقيل: وجع الولادة القرار:
السكون. الغرار: النوم القليل؛ وهو من غرّ الطائر فرخه يغرّه، إذا أطعمه شيئا بعد شيء، وأخذه من قول الشاعر: [الرمل]
لا أذوق النّوم إلّا غرارا ... مثل حسو الطّير ماء الثّماد
ولا يطعم النّوم، أي لا يذوقه، ويقال: طعمه وتطعمه: ذاقه، وفي المثل: تطعّم تطعم، أي ذق تشته. أجهش: أي تهيّأ للبكاء، والإجهاش: تغيّر الوجه عند إرادة البكاء.
стр. 1089
أعول: رفع صوته بالبكاء. الاسترجاع، قد تقدّم الطّلق: وجع الولادة، سمّي طلّقا على التفاؤل للمرأة بالانطلاق بالولد. سمعها: ذكرها الجميل. تبادرت: تسابقت.
وجمع غلام غلمة وغلمان. البلوى: البلاء. كلا ولا، أي كاللفظ بها، وهي كناية عن قلة اللّبث وسرعة الأمر، ويضرب بلا المثل، فيقال: أخف من لا على اللسان، وأقل من لا في اللفظ، وقال جرير: [الطويل]
يكون نزول القوم فيها كلا ولا ... غشاشا ولا يدنون رجلا إلى رجل (١)
غشاشا، أي قليلا. ويقال: لقيه على غشاش، أي على عجلة، وقال الكميت: [الطويل]
كلا وكذا تغميضهم ثم هجتم ... لدى حين أن كانوا إلى النّوم أفقرا (٢)
يقول: كان نومهم في القلة والسرعة، كقول القائل: لا وذا.
وقال الحسن ﵀: [الخفيف]
يا عاقد القلب منّي ... هلّا تذكّرت خلا
تركت منّي قليلا ... من القليل أقلّا
يكاد لا يتجزّى ... أقلّ في اللفظ من لا
وفي أبيات البديع: [الطويل]
وأروع أهداه لي اللّيل والفلا ... وخمس تمسّ الأرض لكن كلا ولا
جعل قوائم فرسه وهي الخمس تمسّ الأرض في المشي كلا ولا على اللسان قوله:
برز، أي خرج. هلمم: دعا، وقال لنا هلمّ مثلنا: وقفنا، ومثل بين يديه: انتصب قائما.
منالك: عطاؤك ولم يفل فالك: لم يخطئ رأيك، وفال رأيه فيولة: ضعف وأخطأ
***
فاستحضر قلما مبريّا، وزبدا بحريّا، وزعفرانا قد ديف، في ماء ورد نظيف؛ فما إن رجع النّفس، حتّى أحضر ما التمس، فسجد أبو زيد وعفّر، وسبّح واستغفر، وأبعد الحاضرين ونفّر ثمّ أخذ القلم واسحنفر، وكتب على الزّبد بالمزعفر: [الخفيف]
أيّها الجنين إنّي نصيح ... لك، والنّصح من شروط الدّين
أنت مستعصم بكنّ كنين ... وقرار من السّكون مكين
стр. 1090
ما ترى فيه ما يروعك من إل ... ف مداج ولا عدوّ مبين
فمتى ما برزت منه تحوّل ... ت إلى منزل الأذى والهون
وتراءى لك الشّقاء الّذي تل ... قى فتبكي له بدمع هتون
فاستدم عيشك الرغيد وحاذر ... أن تبيع المحقوق بالمظنون
واحترس من مخادع لك يرقي ... ك ليلقيك في العذاب المهين
ولعمري لقد نصحت ولكن ... كم نصيح مشبّه بظنين
***
والزّبد: حجر معروف، وهو شديد البياض دقيق الثقب جدّا، يوجد عائما على وجه الماء يصرف في الأكحال. وقالت الحكماء: من خصائص الزّبد البحريّ أنه إذا علّق على امرأة ماخض سهل عليها الولادة، ويكون في بحر اليمن. ديف: خلط. التمس:
طلب عفّر: جعل وجهه على الأرض، والعفر التراب. اسحنفر: جدّ وشمر للكتابة، ويقال: اسحنفر في الأمر، إذا تحفز فيه. وقالت جارية من العرب. [السريع]
يا أمّتا أبصرني راكب ... مسحنفر في مسرب لاحب (١)
ما زلت أحثو التّرب في وجهه ... عمدا وأحمي حوزة الغائب
فأجابتها أمها: [السريع]
الحصن أولى لو تأبّيته ... من حثيك التّرب على الراكب (٢)
مسرب طريق لاحب بيّن. الغائب: زوجها. الحصن: العفّة. تأبّيته: تعمّدته وقصدته. المزعفر: المداد من الزّعفران. الجنين: الولد في بطن أمه. النّصح: ضدّ الغش؛ قال الخطّابي: النّصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظّ للمنصوح، وقيل: أصلها من نصح الرجل ثوبه، أي خاطه، والنّصاح: الخيط، شبّهوا فعل النّاصح بالخيط الذي يلائم الخلل والفتوق، والتوبة النصوح (٣)، كأنها ترقّع ما خرقته المعصية. مستعصم:
стр. 1091
مستمسك ممتنع، واستعصم في ذكر يوسف: امتنع وتأبّى. كنّ: موضع يكن فيه. كنين:
ساتر، والكنين: المستور. والقرار: المكان المطمئنّ الذي يستقرّ فيه الماء، وأراد به الرّحم. يروعك: يفزعك. إلف: صاحب. مداح: يظهر الحبّ، ويضمر خلافه، وداجاه: ساتره بالعداوة. برزت: خرجت. الأذى: الضرر. الهون: الهوان. تراءى:
تظاهر. هتون: كثير السّيلان. وهتنت السّماء: صبّت. الرّغيد: الواسع. المحقوق: الّذي لا يشكّ فيه. المظنون: المشكوك فيه؛ فهو يشير على الصبيّ أن يقيم في بطن أمه ولا يخرج للدّنيا. ظنين: متّهم.
***
ثمّ إنّه طمس المكتوب على غفلة، وتفل عليه مائة تفلة، وشدّ الزّبد في خرقة حرير، بعد ما ضمّخها بعبير، وأمر بتعليقها على فخذ الماخض، وألّا تعلق بها يد حائض، فلم يكن إلّا كذواق شارب أو فواق حالب، حتّى اندلق شخص الولد، لخصّيصي الزّبد، بقدرة الواحد الصّمد.
فامتلأ القصر حبورا، واستطير عميده وعبيده سرورا، وأحاطت الجماعة بأبي زيد تثني عليه، وتقبّل يديه، وتتبرّك بمساس طمريه؛ حتّى خيّل إليّ أنّه القربيّ أويس، أو الأسديّ دبيس.
***
طمس: غطّى، وطمست الدار إذا غطّى التراب آثارها ومحاها. والتّفل: نفخ يخرج معه بصاق متفرّق، وأوله البزق ثم التّفل، ثم النّفث، ثم النفخ.
ضمّخها: لطّخها عبير: أخلاط من الطّيب الماخض: الحامل. ولا تعلق بها يد حائض، تمويه بأن مكتوبه من القرآن والحائض لا تمسّه. الذّواق: مسّ الطعام أو الشراب بلسانك. الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت، لأنّ الناقة تخلب ثم تترك ساعة يرضعها فصيلها لتدرّ ثم تحلب. اندلق: خرج بسرعة، وكلّ شيء يدرّ خارجا بسرعة فقد اندلق، واندلق السّيف من غمده إذا سقط من غير أن يسلّ. خصّيصي الزّبد، أي خاصيته التي ينفرد بها عن الأحجار، واختصصت بالشيء: انفردت به، وجاءني خصّيصي القوم، مقصورا، أي خاصّتهم، وخصصته بالشيء خصوصا وخصوصيّة وخصّيصي.
ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ولد في أهل بيت غلام إلا أصبح فيهم عزّ لم يكن».
وقال ﷺ : «من ولد له مولود فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، دفعت عنه أم الصبيان».
стр. 1092
حبورا؛ سرورا، واستطير: داخله السرور. عميده: سيّده طمريه: ثوبيه.
وذكر ابن قتيبة بسند متصل بابن عباس ﵄، أنه قال: مرّ عيسى ابن مريم ﵇ على بقرة قد اعترض ولدها في بطنها، فقالت: يا كلمة الله، ادع الله أن يخلّصني، فقال: يا خالق النّفس من النّفس، ويا مخرج النّفس من النّفس، ويا مخلّص النّفس من النّفس خلّصها، فألقت ما في بطنها، فإذا عسرت على المرأة ولادتها فيكتب على مكيال، ثم تعطاه المرأة.
وذكر الفنجديهيّ بسند متصل بأبي هريرة ﵁، قال: بينا عيسى ويحيى ﵉ في البرية إذ رأيا وحشيّة ماخضا، فقال عيسى ليحيى: قل تلك الكلمات: جنّة ولدت مريم، مريم ولدت عيسى، الأرض تدعوك يا ولد، اخرج يا ولد، اخرج.
قال حمّاد بن زيد: فما يكون في الحيّ امرأة ماخض، فيقال هذا عندها إلّا ولدت، حتّى الشاة التي يتعسّر وضعها، فيقال هذا عندها، فلا تبرح حتى تضع.
يونس بن عبيد الله: اللهمّ أنت عدّتي عند شدّتي، وأنت صاحبي عند كربتي، وأنت وليّ نعمتي، من قالها عند النّفساء إذا عسر عليها ولدها، أو على بهيمة، أذن الله تعالى في خروجه.
وذكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إذا عسر على المرأة ولادتها، فليكتب لها بسم الله لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [النازعات: ٤٦] كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ [الأحقاف: ٣٥].
قال سفيان: يكتب هذا في جام وتسقاه.
وذكر عن أبي الزّناد قال: كنت مئناثا، فقيل لي استغفر الله إذا جامعت، ففعلت فوضع لي بضعة عشر ذكرا.
قوله خيّل: أي شبّه.
[أويس القرني]
وأويس القرنيّ بشّر به النبي ﷺ ، وهو من التّابعين.
وفي صحيح مسلم: إنّ أهل الكوفة وفدوا على عمر ﵁، وفيهم رجل ممّن كان يسخر بأويس، فقال عمر ﵁: هل هاهنا أحد من قرن؟ فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قال: «إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس، لا يدع باليمن غير أمّ له، وقد كان فيه بياض، فدعا الله، فأذهبه الله عنه إلا
стр. 1093
موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم» (١).
وفيه عن أسيد بن جابر، قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا أتاه أمداد أهل اليمن سأل: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد، ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرئت منه إلّا موضع الدرهم؟ قال: نعم، قال: ألك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي إليكم أويس بن عامر، مع أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، وكان به بياض فبرئ منه إلا موضع الدرهم، له والدة هو بها بارّ لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» (٢)، فاستغفر لي فاستغفر له، فقال عمر ﵁ أين تريد؟ فقال: الكوفة، قال ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غير النّاس أحبّ إليّ. قال: فلما كان في العام القابل حج رجل من أشرافهم، فوافى عمر ﵁، فسأله عن أويس، فقال: تركته رثّ البيت، قليل المتاع. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، وكان به برص فبرئ منه إلا موضع درّهم، له والدة بها بارّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فأتى أويسا فقال: استغفر لي، فقال: أنت أحدث عهدا بسفر صالح؟ قال: نعم، قال له: لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر له، ففطن له الناس، فانطلق على وجهه، قال أسيد: وكسوته بردة، فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة! .
وفي كتاب الإحياء: أنّه لما ولى عمر بن الخطاب ﵁، قال: أيّها الناس، من كان من أهل العراق فليقم، فقاموا، فقال: اجلسوا إلّا من كان منقرن؟ فجلسوا إلا رجلا واحدا، فقال له عمر ﵁ قرنيّ أنت؟ قال: نعم، قال: أتعرف أويسا؟
قال: نعم، وما تسأل عن ذلك يا أمير المؤمنين؟ والله ما فينا أحمق ولا أجنّ ولا أحوج منه! فبكى عمر رضي الله، ثم قال: ما قلت، إلّا أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر». ولمّا كان عند أهله كالمجنون بنوا له بيتا على باب دارهم، فكان تأتي عليهم السّنة لا يرون وجهه، كان يخرج أوّل الأذان ويأتي بعد العشاء الآخرة، وكان طعامه أن يلقط النّوى، فكلّما أصاب حشفة خبأها لإفطاره، فإن أصاب ما بقوته باع النّوى، وتصدّق به، وإلّا اشترى منه ما يقوته. وكان لباسه قطع الأكسية من المزابل، يلفق بعضها إلى بعض، ثمّ يلبسها، وإذا مرّ بالصبيان رجموه، يظنّون أنه مجنون، ولهذا أعظّم النبي ﷺ حرمته، فقال: «إني لأجد نفس الرحمة من قبل اليمن».
إشارة إليه.
стр. 1094
[الأمير دبيس بن صدقة]
وأما دبيس فهو الأمير سيف الدولة بن مزيد الأسديّ، وقيل: دبيس بن صدقة بن مزيد، وذكر أبو الحسن عليّ بن الحسين بن أبي طالب الباخرزيّ الأمير أبا الأعز دبيس ابن عليّ فقال: خدمته ببغداد، وعبرت إليه أخت يده الجواد- يعني دجلة- وهي زاخرة الأمداد، فإذا باحة للطارقين مباحة، وراحة في كفّها للعفاة راحة، وقباب التفّت بها غاب القنا، واشترك مع أسودها الناس في فرائس الغنى.
قال الفنجديهيّ: سمعت بعض أهل الفضل يقول ببغداد: لما سمع الأمير دبيس، أن الرئيس أبا محمد الحريري ذكره في مقاماته، وأورد فيها بعض صفاته، أنفذ إليه من الخلع السنيّة، والجوائز الهنيّة ومزية العطية، ما عجز عنه الوصف، وكلّ عنه الطرف، واقتضاه علوّ همته، وسموّ قدرته. ثم عصى دبيس على الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين أبي منصور الفضل بن المستظهر بالله، وسعى في إراقة دمه، وجمع العساكر وحشد، وقصد بغداد في عسكر عظيم، وعاث في أطرافها، وأفسد في أكنافها، فخرج المسترشد بالله أمير المؤمنين من دار الخلافة، واجتمعت إليه الأجناد، وظهر إليه وحمل عليه، فهزم دبيس وعسكره، وانتهى إلى الحلّة المزيدية، فانتهبها، وذلك في المحرّم في سنة سبع عشرة وخمسمائة. وانهزم دبيس في خواصّ من أصحابه وغلمانه خوفا من الخليفة، ومرّ نحو الشام ثم قتل الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد في سنة ثلاثين أو في سنة تسع وعشرين، قتله السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه لأمور أنكرها وأسباب امتعض لها، نسبت إليه.
ثمّ انثال عليه من جوائز المجازاة، ووصائل الصّلات، ما قيض له الغنى، وبيّض وجه المنى، ولم يزل ينتابه الدّخل، مذ نتج السّخل؛ إلى أن أعطي البحر الأمان وتسنّى الإتمام إلى عمان؛ فاكتفى أبو زيد بالنّحلة، وتأهّب للرّحلة؛ فلم يسمح الوالي بحركته، بعد تجربة بركته، بل أوعز بضمّه إلى حزانته، وأن تطلق يده في خزانته.
قال الحارث بن همّام: فلمّا رأيته قد مال، إلى حيث يكتسب المال، أنحيت عليه بالتّعنيف، وهجنت له مفارقة المألف والأليف، فقال: إليك عنّي، واسمع منّي.
***
قوله: انثال، أي انصبّ. جوائز: عطايا وصائل: متّصلات غير منقطة، والوصائل:
ثياب حمر محططة تصنع باليمن يلبسها النساء، قال الشاعر: [الطويل]
* لها حبك كأنها من وصائل*
стр. 1095
فيّض: قدّر وساق ينتابه، أي يقصده ويأتيه مرّة بعد أخرى.
الدخل: العطايا التي تدخل إليه من قبل الأمير وغيره، ورجل كثير الدخل: إذا كثر دخول الرزق عليه. والسّخل: الولد.
ومما يستحسن في التهنئة بمولود قول الحلوانيّ: [البسيط]
نجم تولّد من شمس ومن قمر ... وأين من أبواه الشّمس والقمر
شمس العفاف ومجد البدر بينهما ... تولّد النور إلّا أنه بشر
أخذه من قول ابن الرومي: [السريع]
شمس وبدر ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجها
وجاء الرّمادي يهنّئ الفقيه ابن العطار بمولود، فقال: [البسيط]
يهنيك ما زادت الأيام في عددك ... من فلذة برزت بالسّعد من كبدك
كأنما الدهر دهر كان مكتئبا ... من انفرادك حتى زاد في عددك
لا خلّفتك الليالي تحت ظلّ ردى ... حتى ترى ولدا قد شبّ من ولدك
قوله: «تسنّى الإتمام، أي تيسّر إتمام المشيء والإقلاع. اكتفى: اقتنع. النّحلة العطية. أوعز ووعز، تقدم، يعقوب: لا يقال. وعز بالتّخفيف. حزانته: جماعته، وعياله الذين يتحزّنون لنكبته ولفقده، ويحزن هو لضيعتهم. أنحيت: ملت عليه وقصدته به.
التعنيف: اللوم والأخذ باللسان. المألف: البلدة وموضع الألفة. الأليف: الصّاحب.
إليك عني: تباعد عني: [الكامل]
***
لا تصبونّ إلى وطن ... فيه تضام وتمتهن
وارحل عن الدار الّتي ... تعلي الوهاد على القنن
واهرب إلى كنّ يقي ... ولو أنّه حضنا حضن
واربأ بنفسك أن تقي ... م بحيث يغشاك الدّرن
وجب البلاد فأيّها ... أرضاك فاختره وطن
ودع التذكّر للمعا ... هد والحنين إلى السّكن
واعلم بأنّ الحرّ في ... أوطانه يلقى الغبن
كالدرّ في الأصداف يس ... تزرى ويبخس في الثّمن
***
تصبونّ: تمهلنّ، وصبوت إليه ملت بالمحبّة. تضام: تذل. تمتهن: تحتقر، وقال محمد بن بشر في هذا المعنى: [الوافر]
стр. 1096
إنّما أزرى بقدري أنني ... لست من بابة أهل البلد
ليس منهم غير ذي مقلية ... لذوي الألباب أو ذي حسد
يتحامون لقائي مثل ما ... يتحامون لقاء الأسد
مطلعي أثقل في أعينهم ... وعلى أنفسهم من أحد
لو رأوني وسط بحر لم يكن ... أحد يأخذ منهم بيدي
وقال البحتريّ: [الوافر]
أشرّق أم أغرّب يا سعيد ... وأنقص من زماعي أم أزيد (١)
عدتني عن نصيبين العوادي ... فبختي أبله فيها بليد
وأخلفني الزمان على رجال ... وجوههم وأيديهم حديد
لهم حلل حسن فهنّ بيض ... وأخلاق سمجن فهنّ سود
وممن نبا به بلده القاضي أبو محمد عبد الوهاب، خرج من بغداد يريد مصر، فشيّعه أكابرها، ومن أصحاب محابرها جملة موفورة، فقال لهم: واللهلو وجدت بين أظهركم رغيفين كلّ يوم، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية، والخبز عندهم يومئذ ثلاثمائة رطل بدينار، وقال: [الطويل]
سلام على بغداد منّي تحيّة ... وحقّ لها مني السّلام المضاعف
لعمرك ما فارقتها قاليا لها ... وإني بشطّي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليّ برحبها ... ولم تكن الأقدار ممّن يساعف
فكانت كخلّ كنت أهوى دنوّه ... وتأبى به أخلاقه فيخالف
وقال أيضا: [البسيط]
بغداد دار لأهل المال واسعة ... وللمفاليس دار الضّنك والضيّق
قد صرت أمشي مهانا في أزقّتها ... كأنني مصحف في كفّ زنديق
قوله: الوهاد والقنن: الانخفاض والارتفاع، والقنة: أعلى الجبل، والوهدة القعدة من الأرض تجري إليها مياه جهاتها. حضنا: جانبا حصينا مانعا. أربأ، أي ارتفع.
يغشاك: يغطيّك. الدّرن: الوسخ المعاهد: منازل سكناء. الحنين: الشوق. السّكن:
الأهل. الأصداف: محالّ الجوهر. يستزرى: يستحقر. يبخس: ينقص، ومعنى هذه الأبيات يقول: أرحل عن بلد يعلو فيه قدر أصاغر الناس قدر أكابرهم، ولا تقم فيه على الهوان، وارفع قدر نفسك من أن تقيم بموضع توسّخك فيه الإهانة، فإنّ المرء حيث يضع
стр. 1097
نفسه، وطف بالبلاد، واختر وطنا ما أرضاك، فإنّ الحرّ يضيع في وطنه، ولا يعرف قدره.
الأصمعيّ: سمعت بعض العرب يقول: الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن.
ونظر أبو الحسن إلى برذون يستقي عليه، فقال: المرء حيث يضع نفسه، لو هملج هذا لم يبل بما ترون.
الزبير ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فحيثما وجدت خيرا فأقم، وأحمد الله» (١).
وقال هلال بن العلاء الرّقيّ: [مجزوء الكامل]
لا تجزعنّ وإن نأت ... أرض تنال بها المحبّة
وطن الغريب يساره ... والفقر في الأوطان غربه
وقال آخر: [مخلع البسيط]
أشدّ من فاقة الزّمان ... مقام حرّ على الهوان
فاسترزق الله واستغنه ... فإنه خير مستعان
فإن نبا منزل بحرّ ... فمن مكان إلى مكان
وقال آخر: [البسيط]
من ضاق عنك فأرض الله واسعة ... عن وجه كلّ مضيق وجه منفرج
خير المذاهب في الحاجات أنجحها ... وأضيق الأمر أدناه من الفرج
***
ثمّ قال: حسبك ما استمعت، وحبّذا أنت لو اتّبعت. فأوضحت له معاذيري، وقلت له: كن عذيري. فعذر واعتذر، وزوّد حتّى لم يذر، ثمّ شيّعني تشييع الأقارب، إلى أن ركبت في القارب فودّعته وأنا أشكر الفراق وأذمّه، وأودّ لو كان هلك الجنين وأمّه.
***
стр. 1098
حسبك: يكفيك. أوضحت: بيّنت. معاذيري: أعذاري، والعذيرة: العذر، ويقال: عذيرك من كذا، بمعنى هلمّ معذرتك منه، وقيل: العذير بمعنى عاذر، فعيل بمعنى فاعل، أي هلمّ لمن يعذرك منه.
ثعلب: العذير، مصدر بمعنى النّكير، ومعنى عذيري منه، أي من يعذرني منه! وعذر: قبل العذر. والله أعلم.
стр. 1099
المقامة الأربعون وهي التّبريزيّة
أخبر الحارث بن همّام، قال: أزمعت التبريز من تبريز، حين نبت بالذّليل والعزيز، وخلت من المجير والمجيز؛ فبينما أنا في إعداد الأهبة، وارتياد الصّحبة، ألفيت بها أبا زيد السّروجيّ ملتفّا بكساء، ومحتفّا بنساء، فسألته عن خطبه، وإلى أين يسرب مع سربه؛ فأومأ إلى امرأة منهنّ باهرة السّفور؛ ظاهرة النّفور، وقال:
تزوّجت هذه لتؤنسني في الغربة، وترحض عنّي قشف العزبة، فلقيت منها عرق القربة، تمطلني بحقّي، وتكلّفني فوق طوقي، فأنا منها نضو وجى، وحلف شجو وشجى. وها نحن قد تساعينا إلى الحاكم، ليضرب على يد الظّالم؛ فإن انتظم بيننا الوفاق، وإلّا فالطّلاق والانطلاق.
قال: فملت إلى أن أخبر لمن الغلب، وكيف يكون المنقلب! فجعلت شغلي دبر أذني، وصحبتهما وإن كنت لا أغني.
***
أزمعت: عزمت، والزّماع العزم، والتّبريز: الخروج إلى البراري، وهي الأرض الفضاء بلا شجر. تبريز: قرية من كور أذربيجان من عمل خراسان، بينهما وبين المراغة عشرون فرسخا.
نبت: قلعت وارتفعت المجير: الذي يجيرك من النّاس ويكفيك شرّهم، والمجيز:
الواهب الجائزة وهي الصّلة ارتياد: طلب محلّقا. محلقا. خطبه: أمره يسرب: يذهب، وسربه: جماعة نسائه. أومأ: أشار. باهرة: ظاهرة. والسّفور: كشف النّقاب عن الوجه.
ترحض: تغسل، ورحض الثوب يرحضه غسله قشف: تغيّر، ورجل متقشّف: لا يتعهد الغسل والنظافة. والقشف: سوء العيش. ومطله حقّه، كناية عن جماعه لها، والمطل في الأصل:
والمدّ، يقال: مطل القين الحديد يمطله مطلا إذا، مدّه وطوّله، فمعنى يمطلني: تطوّل عليّ.
والطّوق: الطاقة. نضو وجى: هزيل من الجفاء، وأراد به شرّها وما يلقاه منها. حلف شجو:
صاحب حزن. والشّجا: الاختناق بالعظم وهو شيء صعب: ليضرب على يده: ليكفّه ويمنعه***
стр. 1100
فلمّا حضرا القاضي؛ وكان ممّن يرى فضل الإمساك، ويضنّ بنفاثة السّواك، جثا أبو زيد بين يديه، وقال: أيّد الله القاضي وأحسن إليه، إن مطيّتي هذه أبيّة القياد، كثيرة الشّراد؛ مع أنّي أطوع لها من بنانها، وأحنى عليها من جنانها. فقال لها القاضي: ويحك! أما علمت أنّ النّشوز يغضب الرّبّ، ويوجب الضّرب! فقالت: إنّه ممّن يدور خلف الدّار، ويأخذ الجار بالجار، فقال له القاضي: تبّا لك! أتبذر في السّباخ، وتستفرخ حيث لا إفراخ! اعزب عنّي، لا نعم عوفك، ولا أمن خوفك، فقال أبو زيد: إنّها ومرسل الرّياح، لأكذب من سجاح!
فقالت: بل هو ومن طوّق الحمامة، وجنّح النّعامة، لأكذب من أبي ثمامة، حين مخرق باليمامة!
***
لا أغني، أي لا أنفع، الإمساك: الشح، يضنّ: يبخل، والنفاثة: ما تطرحه من فيك من السّواك بعد الانتفاع به، وهذا وإن كان في غاية البخل منتزع من قول الشاعر:
[الطويل]
لقد بخلت حتى لو أنّي سألتها ... قذى العين من ضاحي التراب لضنّت
وقال آخر في معناه: [السريع]
يبخل بالماء ولو أنه ... منغمس في وسط النّيل
شجّا فلا تطمع في خيره ... ولو توسّلت بجبريل
وقال آخر: [البسيط]
ما كنت أحسب أن الخبز فاكهة ... حتى نزلت على أوفى بن منصور
يا حابس الرّوث في أعقاب بغلته ... خوفا على الحبّ من لقط العصافير
وهذا الباب مستوفى في الرابعة والأربعين:
ومما يستظرف من لفظ السّواك، قول بعض الظرفاء: [الخفيف]
قد هجرت السّواك من أجل أنّي ... إن ذكرت السّواك قلت سواكا
وأحبّ الأراك من أجل أنّي ... إن ذكرت الأراك قلت أراكا
جثا: برك، أيّد: قوّى مطيّتي: زوجتي، أبيّة: صعبة ممتنعة على قائدها. الشّراد:
النّفور، أحنى: أعطف وأرحم. جنانها: قلبها.
النّشوز: عصيان الزوج ومخالفته، والنّشوز أصله الارتفاع. وويح، معناها التوبيخ والتقبيح، وتستعمل أيضا للترحّم، وقوله: ويوجب الضرب من قوله تعالى: وَاللَّاتِي
стр. 1101
تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء: ٣٤] فنشوزهنّ: عصيانهنّ. الأزهريّ: النّشوز: كراهة كلّ واحد من الزوجين صاحبه، ونشزت تنشز فهي ناشز.
ابن عمر ﵄ قال النبيّ ﷺ : «لا تسكنوا النّساء الغرف فيشرفن، ولا تعلّموهنّ الكتابة، واستعينوا عليهنّ بالضرب».
ابن عباس ﵄، قال رسول الله ﷺ : «علقوا السوط حيث يراه أهل البيت».
ووصّى بعض أهله فقال: «أنفق على أهلك من طولك، ولا ترفع عصاك عنهم، وأخفهم في الله»؛ فمعنى لا ترفع عصاك، أي لا تترك تأديبهم في الله تعالى. قوله:
ويأخذ الجار بالجار، العرب تسمي فرج المرأة بالجار، ودبرها جار الجار، وأخذه الحريري من قول أعرابي جاء لامرأته وقد اغتلم واشتدّت شهوته، فأنعظ، فلما قرب منها وهجم عليها قالت له: إني حائض، قال لها: فأين الهنة الأخرى؟ ثم حمل عليها وهي تدافعه وتسبّه، وهو ماض في شغله ينشدها: [الرجز]
كلّا وربّ البيت ذي الأستار ... لأهتكنّ حلق الحتّار
* قد يؤخذ الجار بذنب الجار (١) *
قال الخليل: الحتّار: ما استدار من طوق الجفن، وكذلك حتّار الظّفر والدبر، ومما يبيّن هذا المعنى قول الشاعر: [الكامل]
جارك قد يجني عليك وقد ... تعدي الصّحاح مبارك الجرب (٢)
ولربّ مأخوذ بذنب قرينه ... ونجا المقارف صاحب الذّنب
أتبذر: أتزرع، والبذر الحبوب تزرع: السّباخ: الأرض ذات الملح والرّشح، وهي لا تنبت شيئا لملوحتها وقلة جفافها، وأراد: أتزرع نطفتك في موضع لا يقبل الولد، تستفرخ: تلتمس عمل الفرخ. اعزب: غب.
طوّق الحمامة: جعل لها طوقا، والحمام عند العرب ذوات الأطواق نحو الفواخت والوراشين والقماريّ، ودخلت الهاء على أنه واحد للجنس لا للتأنيث.
стр. 1102
الليث: تقول العرب: حمامة ذكر، وحمامة أنثى، والجميع الحمام.
الشافعي: كلّ ما عبّ وهدر فهو حمام، يدخل فيه القماري والوراشين؛ سواء كانت مطوّقة أو غير مطوّقة، آلفة أو وحشية، وهذا القول كأنّه الأكثر لأنّ النبيّ ﷺ كان يأمر بأخذ الحمام التي تستفرخ في البيوت، وليست ذوات أطواق، وكان يسمّيها حماما، وكان في منزله حمام أحمر، اسمه وردان، وقد قدّمنا فصلا في الحمام في الصدر.
مخرق الرجل: أوهم أنه على حق وصواب، وهو على خلافه.
[قصة مسيلمة الكذاب وسجاح التميمية]
وأورد هنا في شرح تزويج مسيلمة بسجاح ما يبيّن سخف نبوتهما، وإن كان الحريري قد أشار إلى ذلك في هذه المقامة.
كان مسيلمة بن حبيب الحنفيّ، ثم أحد بني الدّبل، قد تسمّى بالرحمن في الجاهلية، وكان من المعمّرين.
ذكر وثيمة بن موسى أن مسيلمة تسمّى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله أبو رسول الله ﷺ ، ولمّا بعث رسول الله ﷺ كانت قريش تقول: إنّما يعلّم محمدا رجل يقال له الرحمن، فنزلت وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ [الرعد: ٣٠] وكانت بنو تميم قد تخاذلت في أمر الرّدة بعد موت النبي ﷺ واختلفوا في ذلك اختلافا شديدا، فبينما هم على ذلك إذ فاجأتهم سجاح بنت الحارث مقبلة من الجزيرة، تقود بني ربيعة. فأتاهم أمر كان أعظم ممّا هم فيه من الاختلاف، وكانت سجاح تميميّة وبنو أبيها في تغلب، وادّعت النبوّة بعد وفاة النبي ﷺ في الجزيرة، فاجتمعت عليها بنو تميم ورؤساء تغلب، فادّعت أنّها أنزل عليها. «يا أيّها المؤمنون المتقون، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكنّ قريشا قوم يبغون». فاجتمعت تميم كلها تنصرها، فكان فيهم الأحنف وحارثة بن بدر ووجوه بني تميم، وكان مؤدّبها شبيب بن ربعيّ الرياحيّ، فقالت: «أعدّوا الركاب، واستعدوا للنّهاب، ثم اغدوا على الرّباب، فليس من دونهم حجاب». فصمدت إليهم، وقتلت فيهم قتلا كثيرا، ثم قالت لأجنادها: اقصدوا اليمامة، فقيل لها إن شوكة أهل اليمامة قويّة شديدة وقد غلظ أمر مسيلمة، فقالت: «يا معاشر تميم، اقصدوا اليمامة، فاضربوا فيها كل هامة، وأضرموا نارا ملهامة، حتى تتركوها سوداء كالحمامة»، وإنّ الله تعالى لم يجعل هذا الأمر في ربيعة- تعني نبوّة مسيلمة- وإنما جعلها في مضر، واقصدوا هذا الجمع، فإذا قصدتموه عكّرتم على قريش.
فسارت في قومها، وهم عدد لا يحصى، وبلغ مسيلمة الخبر، فضاق به ذرعا، وتحصّن في حجر حصن اليمامة، وأحاطت به جيوشها، فأرسل في وجوه قومه، وقال: ما ترون؟ قالوا: نسلّم هذا الأمر لها، فإن لم نفعل فهو البوار. فقال لهم بدهائه:
стр. 1103
سننظر. ثم بعث إليها، وقال: إنّ الله قد أنزل عليك وحيا وعليّ، فهلمّي نجتمع فنتدارس ما أنزل الله، فمن عرف الحق تبعه، واجتمعنا، فأكلنا العرب أكلا بقومي وقومك.
فأنعمت له، فأمر بضرب قبّة من أدم، فضربت وأمر بالعود المندليّ فبخّرت به، وقال؛ أكثروا من الطيب، فإن المرأة إذا شمّت رائحته ذكرت الباه. وأتته إلى القبة، وقالت:
هات ما أنزل عليك ربك، فقال: «ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، ومن بين صفاق وحشى، من بين ذكر وأنثى، وأمات وأحيا، إلى ربكم يكون المنتهى». قالت: وما ذاك؛ قال: «ألم تر أن الله خلقنا أفراجا، وجعل لنا النساء أزواجا، فنولج فيهنّ قعسا إيلاجا، ونخرجه منهنّ إذا شئنا إخراجا»، قالت فبأيّ شيء أمر ربك؟
قال: [الهزج]
ألا هبّي إلى المخدع ... فقد هيّي لك المضجع (١)
فإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع
وإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
قالت: بل به أجمع. قال: كذلك أوحى إليّ. فواقعها فلمّا قام عنها قالت: إنّ مثلي لا ينكح هكذا، فيكون وصمة على قومي، ولكنّي مسلمة لك النبوّة، فاخطبني إلى أوليائي يزوّجوك، ثم أقود معك تميما. فخرج وخرجت معه، واجتمع الحيّان: حنيفة وتميم، فقالت:
سجاح: إنّه قرأ عليّ ما أنزل عليه، فوجدته حقا، فتبعته، ثم خطبها فزوّجوه منها.
وقال الأغلب العجلي في ذلك: [الرجز]
قد لقيت سجاح من بعد العمى ... ملوّحا في العين مشدود القوى
كأنّ عرق أيره إذا بدا ... حبل عجوز ضفرت سبعا قوى
ما زال عنها بالحديث والمنى ... والخلق السّفساف يردى في الرّدى
قال: ألا أدخله؟ قالت: بلى ... فشام فيها مثل محراب العصا
تقول لمّا غاب فيها واستوى ... لمثل هذا كنت أحسيك الحسى
واليمامة بلد الزرقاء وسيأتي ذكرها في الخمسين، فعلى نحو ما ذكرنا من أمر سجاح، ذكرها أكثر أهل الأخبار.
وقال الفنجديهيّ: سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقيان، من بني يربوع، كنيتها
стр. 1104
أم صادر، ادّعت النبوّة بعد وفاة النبي ﷺ في الجزيرة في بني تغلب، فاستجابوا لها، وتبعها قوم من تميم، وظهر أمرها حتى هابتها العرب وصالحتها، لتجوز في بلادهم حيث شاءت. فسمعت بمسيلمة في اليمامة، فقالت لقومها «عليكم باليمامة، دفّوا إليها دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامة، لا تلحقكم بعدها ملامة».
وبلغ مسيلمة خبرها فهابها، وخاف إن هو شغل بها غلبه ثمامة بن أثال وشرحبيل على حجر اليمامة إذ هما من قبل أبي بكر ﵁، فأرسل إليها يستأمنها على نفسه، فأمّنته فجاءها في أربعين من بني حنيفة، فقال لها: نصف الأرض لي، والنصف الذي كان لقريش صار لك، فقالت: لا يردّ النصف إلا من جنف، فاحمل النّصف.
فصالحها على أن يحمل إليها نصف غلّات اليمامة من تلك السنة، وعلى أن يسلفها ثمن غلات السنة المقبلة. فقبلت منه، وقدم لها مغلّ تلك السنة، ورجعت إلى الجزيرة، فلم تزل في بني تغلب حتى نقلهم معاوية عام انفراده بالملك إلى الكوفة، فانتقلت معهم، وحسن إسلامها.
[أبو الأسود الدؤلي وامرأته]
وأظن أن الحريريّ صوّر تخاصم زوجة أبي زيد معه على تخاصم أبي الأسود الدؤليّ مع زوجته عند معاوية.
حدث أهل الأخبار قالوا: كان أبو الأسود كبيرا عند معاوية، وكان معاوية يجالسه ويدنيه، ويسأله فيجيبه فيما يعلم، فبينما هو ذات يوم عند معاوية وقد قدم المدينة إذ دخلت عليه امرأة برزة فقالت: أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به! إنّ الله جعلك خليفة في البلاد، ورقيبا على العباد، يستسقى بك المطر، ويستنبت بك الشجر، ويؤمّن بك الخائف، ويردع بك الجانف. أنت الخليفة المصطفى، والأمير المرتضى؛ فنسأل الله لك النعمة في غير تغيير، والبركة من غير تقتير؛ فقد ألجأني إليك يا أمير المؤمنين أمر ضاق بي عنه المخرج، من أمر كرهت عاره، لمّا أردت إظهاره، فليكشف عني أمير المؤمنين، ولينصفني من الخصم، وليكن ذلك على يديه، فإني أعوذ بك وبحقويك من العار الوبيل، والأمر الجليل؛ الذي يشتدّ على الحرائر، ذوات البيوت الأخاير.
فقال لها معاوية: من هذا الذي أشعرك شناره؟ قالت: أمر طلاق جائر، من بعل غادر، لا تأخذه من الله مخافة، ولا يجد بأحد رأفة: قال: ومن بعلك؟ قالت: هو أبو الأسود. فالتفت معاوية إليه فقال: أحقّ ما تقول هذه المرأة؟ فقال: إنّها تقول من الحق بعضا، وليس أحد يطيق عليها نقضا. أما ما ذكرت من أمر طلاقها فحق، وسأخبرك عن ذلك بصدق، أنا والله ما طلقتها لريبة ظهرت، ولا من هفوة حضرت؛ ولكن كرهت شمائلها، فقطعت حبائلها. قال: فأيّ شمائلها كرهت؟ قال: إنك تهيّجها عليّ جواب
стр. 1105
عتيد، ولسان شديد. قال: لا بدّ من جوابها، قال: هي يا أمير المؤمنين كثيرة الصّخب، دائمة الذّرب، مهينة للأهل، ومؤذية للبعل؛ إن ذكر خيرا دفنته، وإن ذكر شرّا أذاعته، تخبر بالباطل، وتطير مع الهازل، لا تنكل عن عتب، ولا يزال زوجها معها في تعب؛ فقالت: أما والله لولا حضور أمير المؤمنين، ومن حضر من المسلمين، لرددت عليك بوادر كلامك بنوادر تردع كلّ سهامك. فقال معاوية: عزمت عليك لما أجبته! فقالت:
هو والله يا أمير المؤمنين سئول جهول، ملحاح بخيل، إن قال فشرّ قائل، وإن سكت فقدم غائل، ليث حين يأمن، ثعلب حين يخاف، شحيح حين يستضاف، إن التمس الجود عنده انقمع، لما يعلم من لؤم آبائه، وقصر رشائه، ضيفه جائع، وجاره ضائع، لا يحمي ذمارا، ولا يضرم نارا، ولا يرعى جوارا، أهون الناس عليه من أكرمه، وأكرمهم عليه من أهانه.
فقال معاوية: ما رأيت أعجب منها. انصرفي رواحا، فلمّا كان العشي جاءت، فلما رآها أبو الأسود قال: اللهمّ اكفني شرّها، فقالت: كفاك الله شرّي، وأرجو ألّا يعيذك من شرّ نفسك. قال: ناوليني هذا الصبيّ حتى أحمله، قالت: ما جعلك الله بأحقّ من يحمل ابني مني. فوثب فانتزعه منها، فقال معاوية: مهلا يا أبا الأسود. قال: يا أمير المؤمنين حملته قبل أن تحمله ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وانظر في أوده، أمنحه علمي، وألهمه حلمي؛ حتى يكمل عقله، ويستحكم قبله، قالت: كلّا أصلحك الله! حمله خفّا، وحملته ثقلا، ووضعه شهوة، ووضعته كرها. حجري فناؤه، وبطني وعاؤه، وثديي سقاؤه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام.
فقال معاوية: ما رأيت أعجب من هذه المرأة! فقال أبو الأسود: يا أمير المؤمنين، إنها تقول من الشعر أبياتا فتجيدها، قال: فتكلّف أنت لها أبياتا لعلك أن تقهرها بالشعر، فقال أبو الأسود: [الخفيف]
مرحبا بالّتي تجور علينا ... ثمّ أهلا بالحامل المحمول
أغلقت بابها عليّ وقالت ... إن خير النّسا ذوات البعول
شغلت قلبها عليّ فراغا ... هل سمعتم بفارغ مشغول!
فقالت: [الخفيف]
ليس من قال بالصواب وبالح ... قّ كمن حاد عن منار السبيل
كان حجري فناءه حين يضحي ... ثم ثديي سقاؤه بالأصيل
لست أبغي بواحدي يا بن حرب ... بدلا ما رأيته والجليل
فقال معاوية ﵁: [الخفيف]
ليس من قد غذاه طفلا صغيرا ... وسقاه من ثديه بالجدول
стр. 1106
هي أولى به وأقرب رحما ... من أبيه وفي قضاء الرّسول
ثم دفعه معاوية إليها.
***
فزفر أبو زيد زفير الشّواظ، واستشاط استشاطة المغتاظ، وقال لها: ويلك يا درفار يا فجار، يا غصّة البعل والجار، أتعمدين في الخلوة لتعذيبي، وتبدين في الحفلة تكذيبي!
وقد علمت أنّي حين بنيت عليك، ورنوت إليك، ألفيتك أقبح من قردة، وأيبس من قدّة، وأخشن من ليفة، وأنتن من جيفة، وأثقل من هيضة، وأقذر من حيضة، وأبرز من قشرة، وأبرد من قرّة، وأحمق من رجلة، وأوسع من دجلة؛ فسترت عوارك، ولم أبد عارك. على أنّه لو حبتك شيرينبجمالها، وزبيدة بمالها، وبلقيس بعرشها، وبوران بفرشها، والزّبّاء بملكها، ورابعة بنسكها، وخندف بفخرها، والخنساء بشعرها في صخرها، لأنفت أن تكوني قعيدة رحلي، وطروقة فحلي.
***
قوله: زفر: أي تنفّس بغيظ، والزّفر والزّفير ردّ النفس في جوفه حتى تنتفخ عروقه قال ابن عرفة: الزّفير من الصدر والشّهيق من الحلق. الشّواظ: النار بغير دخان وزفيره:
صوت اتّقاده. استشاط: اشتدّ غيظه وانتشر في جسده.
يا فجار: ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ : «من قذف امرأته جلد يوم القيامة مائة جلدة بسياط من نار» (١).
والغصّة: ما يختنق به. والبعل: الزوج، وأراد أنّها مؤذية يشقي بها زوجها وجارها، كما يشقى صاحب الغصّة. تعمدين: تقصدين. الخلوة. الانفراد. والحفلة:
الاجتماع. بنيت عليك، أي تزوّجتك، وكانت العرب إذا تزوّج الرجل بنى على أهله قبّة، فيسمّى دخول الزوج بغاء لذلك. رنوت: نظرت ألفيتك: وجدتك. قدّة: شراكة تقدّ من جلد غير مدبوغ. واللّيفة، واحدة ليف النخل، وهي التي تكون بين الجرائد. هيضة: هي التخمة تؤول إلى القيء والإسهال وقشرة الشيء: ما علا عليه.
ودجلة: نهر العراق، وعليه بغداد والبصرة، وواسط على جرفها، ويجري على وجه الأرض أربعمائة فرسخ. ولم يحمل الحريريّ مبالغة السعة على هذه؛ وإنما أراد
стр. 1107
دجلة العوراء؛ وهي التي انتشر ماؤها في البطاح، حتى صارت سعتها هنالك ثلاثين فرسخا في مثلها.
وقال ابن سكّرة يهجو امرأة بالسّعة: [البسيط]
لا تعذليني على ما كان من ملل ... من ذا يراك ولا يصبو إلى الملل
إن كنت أبصرت أشنى منك في بصري ... فلا بلغت الّذي أهواه من أملي
البحر أنت، وأ يرى ليس من سمك ... وليس بيني وبين البحر من عمل
قال هشام بن عبد الملك للأبرش الكلبيّ: زوّجني امرأة من كلب، فزوّجه، فقال له ذات يوم يهزل معه: تزوّجنا إلى كلب، فوجدنا في نسائهم سعة، فقال الأبرش: يا أمير المؤمنين، إن نساء كلب خلقن لرجال كلب.
وسمع رجل من كندة رجلا يقول: وجدنا في نساء كندة سعة، فقال: إنّ نساء كندة مكاحل فقدت مراودها.
قيل: لامرأة تطلّق كثيرا: ما بالك تطلّقين أبدا؟ قالت: يريدون الضّيق: ضيّق الله عليهم.
قوله: فسترت عوارك، ابن عباس، قال النبي ﷺ : «ما من مسلم اطّلع على عورة مسلم فأذاعها عليه شماتة وعدوانا إلا كان حقا على الله أن يفضحه عاجلا أو آجلا، ومن سترها عليه كان حقّا على الله أن يدخله في ستره وحجابه يوم تبلى السرائر وتخرج المخبآت». حبتك: أي خصّتك.
وشيرين هي بنت أبرويز بن هرمز، وكانت آية في الجمال، وغاية في الحسن والكمال، فاقت نساء زمانها صيانة وظرفا، وبهرتهنّ ملاحة ولطفا، وخلّفت في العراق آثارا منها قصر شيرين، ولها قصة منظومة مشهورة بالعجمية.
[امرأة هارون الرشيد]
وزبيدة: هي بنت جعفر بن عبد الله بن أبي جعفر المنصور، زوجها هارون الرشيد، وجدّها المنصور، وعمّها المهدي، وابنها الأمين؛ فكانت الخلافة قد اكتنفها، وليس في بني هاشم عباسيّة ولدت خليفة إلا هي. ولدت في حياة المنصور، فسمّيت أمة العزيز.
وكان المنصور يرقّصها ويقول: يا زبيدة أنت زبيدة! فغلب ذلك على اسمها، وكانت أموالها لا تحصى، وأنفقت في سبيل الله وفي الحج وفي بناءالمساجد والقناطر ما لم ينفقه أحد قبلها؛ فمن ذلك ما أنفقت في حفرها للعين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، فإنّها حفرتها، ومهّدت الطريق لها في كلّ رفع وخفض، حتى أجرتها من مسافة اثني عشر ميلا، فأحصى ما أنفقت فيها فوجد ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، دون ما كان في وقت الشغل بها في البذل، وما عمّ أهل الفاقة، ولها في طريق مكة من العراق آثار
стр. 1108
كثيرة في مصانع حفرتها، وبرك أحدثتها، تنزل وفود الحج عليها، فلا تجد ماء إلى فيها، فيشربون ويسقون إبلهم، ويتزوّدون وهم في الكثرة أعداد لا يحصيهم إلا خالقهم، والكل داعون لزبيدة إلى زماننا هذا.
وأما آثارها الملوكية، فإنّها أوّل من اتّخذت الآلات من الذهب والفضة المكلّلة بالجوهر. وبلغ ثوب وشى اتّخذ للباسها خمسين ألف دينار.
وهي أول من اتخذ القباب من الفضة والآبنوس، وكلاليبها من الذهب، ملبسة بالوشي والديباج، وأنواع الحرير الملوّن، وهي أوّل من اتخذ الخفاف المرصّعة بالجوهر، وشماع العنبر. ولما أفضي الأمر إلى ابنها الأمين رفع منازل الخدم ككوثر وغيره، فلمّا رأت حبّه فيهم اتخذت له الجواري المقدودات الحسان الوجوه، وعمّمت رءوسهنّ، وجعلت لهن الطّرر والأصداغ والأقفية، وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق، فبالت قدودهنّ، وبرزت خصورهن، وبعثت بهنّ إليه، فاستحسنهنّ وأبرزهنّ للناس، فسمّوهنّ الغلاميات.
وأخبارها كثيرة، وعند ما قتل الأمين دخل عليها بعض خدمها، فقال لها: ما يجلسك وقد قتل أمير المؤمنين؟ فقالت: ويلك وما أصنع؟ قال: تخرجين وتأخذين بدمه، كما خرجت عائشة تطلب بدم عثمان، فقالت: اخسأ لا أمّ لك! ما للنساء وطلب الدماء! ثمّ أمرت بثيابها فسوّدت ودعت بدواة، فكتبت إلى المأمون: [الطويل]
أخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل راق فوق أعواد منبر
ووارث علم الأوّلين وفخرهم ... إلى الملك المأمون من أمّ جعفر
كتبت وعيني تستهلّ دموعها ... إليك ابن عمي من جفوني ومحجري
أصبت بأدنى الناس منك قرابة ... ومن زال عن عيني فقلّ تصبّري
أتى طاهر، لا طهّر الله طاهرا، ... فما طاهر في فعله بمطهّر
فأبرزني مكشوفة الوجه حاسرا ... وأنهب أموالي وحرّق أدؤري
يعزّ على هارون ما قد لقيته ... وما نالني من ناقص الخلق أعور
تذكّر أمير المؤمنين قرابتي ... فديتك من ذي قربة متذكّر
فإن كان ما أبدى لأمر أمرته ... صبرت لأمر من قدير مقدّر
وإن كان ما قد كان منه تعدّيا ... عليّ أمير المؤمنين فغيّر
فلمّا قرأها المأمون، بكى بكاء شديدا، ثم قال: إنّي لأقول كما قال عليّ أمير المؤمنين حين بلغه قتل عثمان ﵄: والله ما أمرت، ولا رضيت، اللهمّ جلّل قلب طاهر حزنا.
قال إبراهيم الحربي: رأيتها في المنام، فقلت لها: ما فعل الله بك؟ فقالت: غفر
стр. 1109
لي، فقلت: بما أنفقت في طريق مكة؟ فقالت: أما النفقات فرجعت أجورها إلى أربابها، وغفر لي بنيّتي.
[بوران بنت الحسن بن سهل وامرأة بالمأمون]
وأما بوران فهي خديجة بنت الحسن بن الحسن بن سهل، تزوّجها المأمون على يد إسحاق الموصليّ، وفي هذا التزويج قصّة الزّبيل وهي طويلة ظريفة، نذكرها على جهة الاختصار، حدّث إسحاق الموصليّ قال:
بينا أنا ذات يوم عند المأمون، وقد خلا وجهه، وطابت نفسه، فقال: يا إسحاق، هذا يوم خلوة وطيب، فقلت: طيب الله عيش أمير المؤمنين، وأدام سروره وفرحه. فأخذ بيدي، وأدخلني في مجالس غير التي كنّا فيها، فأخذنا من لذاتنا وشرابنا حتى غربت الشمس، فقال: قد عزمت على دخلة إلى دار الحرم، فلا ترم حتى آتيك، فنهض وبقيت إلى عامة الليل، وكان المأمون أشغف خلق الله بالنساء، وأشدّهم ميلا إليهنّ، فقلت في نفسي: هو فيلذة وأنا في غير شيء، وتذكرت صبيّة اشتريتها، وكنت عزمت على افتضاضها فنهضت إلى الباب، فقال الحاجب: أين تريد؟ فقلت: الانصراف، قال فإن طلبك، قلت هو من لذة السرور في شغل عن طلبي، فقيل لي: إن غلمانك استبطئوك وانصرفوا. فجيء بدابة، فركبتها ومشيت، فأحسست بالبول، فعمدت إلى زقاق لأبول، فبلت وقمت لأتمسح بالحيطان إذا أنا بشيء معلّق من تلك الدور، فنهضت فإذا بزبيل (١) كبير بأربع آذان، ملبس ديباجا، فقلت: إنّ لهذا سببا، وبقيت أتروّى في أمره، ثم قلت:
والله لأجلسنّ فيه كائنا ما كان، فجلست، فلمّا أحسّ بي الذين يرقبونه، جذبوه إلى رأس الحائط، فإذا أربع جوار يقلن لي: انزل بالرّحب والسعة، فمشت بين يديّ جارية بشمعة، حتى نزلت إلى دار نظيفة إلى مجالس مفروشة، لم أر مثلها إلّا في دار ملك، فجلست فما شعرت إلّا بعد ساعة، حتى أزيلت ستور كانت في ناحية الدار، وإذا وصائف يتماشين، في أيديهنّ الشمع، وبعضهنّ بمجامر يحرق فيها العود، وبينهنّ جارية تتهادى كأنّها البدر الطالع، فنهضت قائما، فقالت: مرحبا بك من زائر! وجلست. ثم استطردت إلى سؤالي أبدع استطراد، فقلت: انصرفت من عند بعض إخواني، وغرني الوقت، وحرّكني البول، فعدلت إلى هذا الزقاق، فوجدت زبيلا معلّقا، فحملني النبيذ أن جلست فيه، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه، قالت: لا ضير، أرجو أن تحمد عاقبة أمرك، قالت:
فما صناعتك؟ قلت: بزّاز من بغداد، قالت: فهل رويت من الأشعار شيئا؟ قلت: شيئا ضعيفا، قالت: فذاكرنا، قلت: إن للداخل حشمة ولكن تبدءين، قالت: صدقت، فأنشدتني لجماعة من القدماء والمحدثين من أجود أقاويلهم، وأنا مستمع لا أدري ممّ
стр. 1110
أعجب! أمن حسنها، أم من حسن روايتها وجودة ضبطها للغريب، أم من اقتدارها على النّحو ومعرفة أوزان الشعر! ثم قالت: أذهب ما كان عندك من الحصر؟ قلت: إي والله، قالت: فإن رأيت أن تنشدنا، فأنشدتها لجماعة من القدماء ما فيه مقنع، فاستحسنت ذلك ثم قالت: والله ما ظننت أن يوجد في أبناء السوقة هذا!
ثم أمرت بالطعام فأحضر، وقالت: الممالجة أول الرضاع، فدونك. وجعلت تقطّع وتضع بين يديّ، وفي المجلس من صنوف الرياحين، وغرائب الفواكه ما لا يكون إلا عند سلطان، ودعت بالشّراب، فشربت قدحا، ثم سكبت لي قدحا، فشربت، ثم قالت:
هذا أوان المذاكرة بالأخبار وأيام الناس، فاندفعت فقلت: بلغني أنه كان كذا، وكان رجل يقال له كذا، حتى أتيت على عدة أخبار حسان، فسرّت بذلك، وقالت: كثر تعجّبي أن يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا، وإنّما هذه أحاديث ملوك، فقلت: كان لي جار ينادم الملوك، فإذا تعطّل حضرت معه، فربّما حدّث بما سمعت، فأخذتها عنه. فقالت:
لعمري لقد أحسنت الحفظ، وما هذا إلا لقريحة جيّدة، وأخذنا في المذاكرة إذا سكتّ ابتدأت هي، وإذا سكتت ابتدأت أنا، حتى قطعنا عامة الليل، وبخور العود يعبق، وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار فرحا. فقالت: إنك من الرجال وضيء الوجه، بارع الأدب، وما بقي عليك إلا شيء واحد. قلت: وما هو؟ فقالت: لو كنت تترنّم ببعض الأشعار! فقلت: والله لقديما كلفت به ولم أرزقه، فأعرضت عنه، وفي قلبي منه حزازة، وكنت أحبّ أن أسمع في مجلسي هذا منه شيئا لتكمل ليلتي، قالت: كأنّك عرّضت بنا! قلت: والله ما هو تعريض، قد بدأت بالفضل وأنت جديرة باستتمامه. فأحضر عود بأمرها، فغنّت بصوت ما سمعت كحسنه، مع حسن أدائه، وجودة الضرب. فقلت: والله لقد أكمل الله فيك خلال الفضل وحباك بالكمال الراجح، والعقل الوافر، والأخلاق الرضيّة والأفعال السنية. قالت: هل تعرف هذا الصوت ومن غنّى فيه؟ قلت: لا والله، قالت الشعر: لفلان، وكان سببه كذا والغناء لإسحاق، قلت: وإسحاق هذا جعلت فداك في هذا الحال! قالت: بخ بخ! إسحاق بارع هذا الشأن، قلت: سبحان الله! لقد أعطى هذا ما لم يعطه أحد، قالت: فكيف لو سمعت هذا الصوت منه! فلم نزل كذلك حتى إذا انشقّ الفجر أقبلت عجوز كأنها داية، لها، قالت: أي بنيّة، إن الوقت قد حضر، فنهضت عند قولها، فقالت: مصاحبا، لتستر ما كنا فيه، فإن المجالس بالأمانات، فقلت: جعلت فداك، أفأحتاج إلى وصية في ذلك! وودعتها وجارية بين يديّ إلى باب الدار، ففتح لي، وخرجت إلى داري فصلّيت الصبح، ونمت.
فأنبهني رسول المأمون فسرت إليه، فلما رآني، قال: يا إسحاق، تشاغلنا عنك، فما كان حالك؟ قلت: اشتريت صبيّة وكنت معلّق القلب بها، فمضيت لها، وشربت معها ونمت، فقال: يتهيّأ مثل هذا، فهل لك فيما كنا فيه أمس! فقلت: وما يمنع من ذلك؟
فنهضت إلى مجلس أمس؛ فلما كان العشاء قال: لا ترم، فإني أجيئك ونهض، فتأمّلت
стр. 1111
ما كنت فيه البارحة، فإذا هو شيء لا يصبر عنه إلا جاهل؛ فخرجت. فقال الغلمان: الله الله، فإنه أنكر علينا تخليتك، فوعدتهم أن آتي قبل أن يجيء، وأن خروجي لعذر، وفي الحين أرجع.
فنهضت إلى الزّبيل فجلست فيه، فرفع بي إلى موضع البارحة، فإذا هي قد طلعت، فقالت: لقد عاودت، فقلت: ولا أظنّ إلّا أني قد ثقّلت، فقالت: مادح نفسه يقرئك السلام، قلت: فهفوة فمنّي بالفضل. قالت: قد فعلنا، ولا تعد، فأخذنا في مثل الليلة السالفة من المذاكرة والمناشدة وغريب الغناء منها إلى الفجر.
فانصرفت إلى منزلي وصليت ونمت، فأنبهني رسول المأمون، فلمّا رآني قال:
أبيت إلا مكافأة لنا! فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما ذهبت إلى ذلك، ولكن ظننت أن أمير المؤمنين قد تشاغل عني بلذّته، وأغفل أمري، وجاء الشيطان، فذكّرني أمر تلك الملعونة، فبادرت قال: فما كان منك؟ قلت: قضيت الحاجة منها، قال: فقد انقضى ما كان بقلبك منها، وواحدة بواحدة، والبادي أظلم. قلت: بل أنا أظلم، وإليك المعذرة، قال: لا تثريب عليك، فهل لنا في مثل حالنا أمس؟ قلت: إي والله، فقمنا إلى موضعنا إلى الوقت، فقال: يا إسحاق ما عزمك؟ قلت: لا عذر لي، قال: فعزمت عليك لنجلس حتى أجيء، فإني عازم على الصّبوح، وقد نغّصت عليّ منذ يومين، قلت: فالليلة إن شاء الله، فما هو إلا أن غاب وجالت وساوسي، فلمّا تذكّرت ما كنت فيه البارحة هان عليّ ما يلحقني من سخطه؛ فوثبت مبادرا، فوثب إليّ جند الدار، وحبست، فقلت: الله الله! إني معلّق البال ببعض ما في منزلي، فقالوا: ما إلى تركك من سبيل، فلم أزل أرغّب هذا وأقبّل يد هذا، ووهبت خاتمي لهذا، وردائي لهذا، وخرجت أعد وحاسرا حتى وافيت الزّبيل، فقعدت فيه، فرفعت إلى موضعي، وأقبلت، فقالت: صديقنا! قلت: إي والله، قالت: أجعلتها دار مقام؟ فقلت: جعلت فداك! حتى الضيافة ثلاث، فإن رجعت فأنتم في حلّ من دمي. قالت: والله لقد أتيت بحجّة، ثم جلسنا في مثل تلك الحال، فلمّا قرب الوقت علمت أن المأمون لا بدّ أن يسألني، ولا يقنع مني إلا بشرح القصّة، فقلت لها: أراك ممّن يعجب بالغناء، ولي ابن عمّ أحسن منّي وجها، وأظرف قدّا، وأكثر أدبا، وأنا حسنة من حسناته، وهو أعرف خلق الله بغناء إسحاق الموصلي، قالت: طفيليّ وتقترح؟ قلت لها: أنت المحكمة، قالت: إن كان ابن عمك على ما تصف فما نكره معرفته، ثم جاء الوقت فنهضت فلم أصل إلى داري إلّا ورسل المأمون قد هجموا عليّ، وحملوني حملا عنيفا، فوجدته على كرسيّ وهو مغتاظ، فقال: يا إسحاق أخروجا عن الطاعة! قلت: لا والله قال: فما قصّتك وما هذا الانحراف؟ فأصدقني، قلت: في خلوة، فأومأ إلى من بين يديه فتنحّوا فحدثته الحديث وقلت له: قد وعدتها في أمرك، قال: قد أحسنت، ولولا ذلك لنكّلت بك، فقلت: قد سلّم الله، فأخذنا في لذتنا في ذلك اليوم، وهو لا يسمع مني غير حديثها، فلم يتمّ النهار إلا والمأمون معلّق القلب، فلما جاء
стр. 1112
الوقت سرنا وأنا أوصيه وأقول: تجنّب أن تظهرني بحضرتها، ودعني من نخوة الملك، وكن لي تبعا، وهو يقول: نعم ويلك! وإن قالت: غنّ كيف أصنع؟ قلت: أنا أدفعها عنك.
ثم سرنا إلى زبيلين فقعدنا فيهما، فرفعنا إلى الموضع، فأقبلت فسلّمت، فما تمالك إذ رآها أن بهت في حسنها، وقالت لي: والله ما أنصفت ابن عمك إذ لم ترفع منزلته، وكان قد قعد دوني، فقالت: ارتفع فديتك، أنت جديد، وهذا قد صار من أهل البيت، فنهض إلى صدر البيت، وأقبلت تذاكره وتناشده وتمازحه، وهو يظهر عليها في كل فن.
ثم أحضر النّبيذ فشربنا، وهي مقبلة عليه ومسرورة به، وهو أكثر، وأخذت العود فغنّت صوتا، وقالت: وابن عمك هذا من التجار؟ قلت: نعم، قالت: إنّكما لغريبان. فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح والطرب، ثم رأيته ينظر إليّ نظر الأسد إلى فريسته، فصاح: يا إسحاق، فنهضت وقلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: غنّ هذا الصوت، فلمّا علمت أنه الخليفة نهضت إلى كلّة مضروبة، فدخلتها، فلما فرغت من الصوت، قال: انظر من ربّ هذه الدار؟ فسألت عجوزا، فقالت: هو الحسن بن سهل، فقال؛ عليّ به، فغابت العجوز ساعة وإذا الحسن قد حضر، فقال له: ألك ابنة؟ قال:
نعم بوران، قال: فزوّجتها! قال: لا والله، قال: فأني أخطبها إليك، قال: هي أمتك، وأمرها إليك، قال: قد تزوّجتها على نقد ثلاثين ألفا نحملها إليك صبيحة يومنا، فإذا قبضت المال فاحملها إلينا، قال: نعم، ثم خرجنا.
فقال: يا إسحاق لا يقف على ما وقفت عليه أحد، فسترت الحديث إلى أن مات المأمون: فما اجتمع لأحد ما اجتمع لي في تلك الأربعة الأيام مجالسةالمأمون بالنهار، ومجالسة بوران بالليل، وو الله ما رأيت أحدا من الرجال في ملوكهم مثل المأمون، ولا شاهدت امرأة تقارب بوران فهما وعقلا، وما أظن أحدا وقف من العلوم على ما وقفت عليه.
وفي المسعودي: انحدر المأمون إلى فم الصّلح في شعبان سنة تسع ومائتين، وأملك بخديجة بنت الحسن بن سهل، ونثر الحسن في ذلك الإملاك ما لم ينثره قطّ ملك في جاهلية ولا إسلام، نثر على الهاشميين والقواد والكتّاب بنادق مسك، فيها رقاع بأسماء ضياع، وجوار وأسماء ديار ودوابّ وغير ذلك، فإذا وقعت البندقة بيد الرجل، فتحها فيجدها على قدر سعده، ثم ينثر بعد ذلك الدنانير والدراهم ونوافج المسك على عامة الناس، وأنفق على المأمون وعلى جميع قواده، فلما أراد المأمون الانصراف إلى مدينة السلام قال له: يا أبا محمد، سل حوائجك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، أسألك أن تحفظ عليّ مكاني من قبلك، فأمر المأمون أن يحمل له خراج فارس والأهواز لسنة.
وذكر الحريريّ في الدّرة أن المأمون لمّا بنى على بوران، فرش له حصير منسوج
стр. 1113
بالذهب ما مسّه أحد، وعليه در منثور، فوجّه الحسن إلى المأمون أن هذا نثار يجب أن يلتقط، فقال المأمون لمن حوله من بنات الخلفاء: شرّفن أبا محمد، فمدّت كل واحدة منهنّ يدها، فأخذت درّة وبقي باقي الدرّ يلوح على الحصير المذهب، فقال: قاتل الله أبا نواس، لقد شبّه بشيء ما رآه قط، فأحسن، في وصف الخمرة والحباب الذي فوقها فقال! [البسيط]
كأنّ صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذّهب
فكيف لو رأى هذا معاينة!
ويقال: إن الحسن بن سهل نثر في ذلك العرس على المأمون ألف حبّة جوهر، وأشعل بين يديه شمعة عنبر، وزنها مائة رطل، فأمر له المأمون بمائة ألف ألف درهم، وأقطعه مدينة فم الصّلح، وهي قريبة من واسط، وكان العرس بها.
وذكر المبرّد أن الملاحين الذين تصرّفوا في هذا العرس نيّفوا على السبعين ألفا، وكانت جراية السلطان عليهم، ولما بنى المأمون على بوران وأراد غشيانها حاضت، فقالت: أتى أمر الله فلا تستعجلوه! فنام في فراش آخر، فلمّا أصبح دخل عليه أفضل ندمائه يهنئونه ويدعون له فأنشدهم بديها: [المديد]
فارس في الحرب منغمس ... عارف بالطّعن في الظّلم
رام أن يدمي فريسته ... فاتّقته من دم بدم
وأكثر الشعراء في ذلك الإملاك، وأستظرف منها قول ابن أبي حازم الباهليّ:
[مجزوء الخفيف]
بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن
يا بن هارون قد ظفر ... ت ولكن ببنت من!
فلما وصلت إلى المأمون قال: لا والله ما ندري أخيرا أراد أم شرّا.
ويشبه هذا أن رجلا أتى رجلا خياطا بثوب ليقطع له منه قميصا، فقال: والله لأفصلنّه لك تفصيلا، لا يدرى أقميص هو أم قباء؟ ففعل ذلك، فقال له صاحب الثوب:
وأنا والله لأدعونّ لك دعاء لا يدرى ألك هو أم عليك؟ وكان الخياط يسمّى بشرا، وكان أعور، فقال: [الرمل]
خاط لي بشر قباء ... ليت عينيه سواء
وأتت المأمون بجهاز لم يسمع بمثله قطّ كان فيه الفرش منسوجة بالذهب.
وقال إبراهيم بن العباس الصّوليّ يهنئ الحسن بمصاهرة المأمون: [البسيط]
هنّتك أكرومة جلّلت نعمتها ... أعلت وليّك واجتثّت أعاديكا
стр. 1114
ما كان يحبى بها إلا الإمام ولا ... كانت إذا قرنت بالخلق تعدوكا
وماتت بوران في سنة إحدى وسبعين ومائتين، وقد بلغت ثمانين سنة.
وثمّ بوران أخرى وهي بنت كسرى، وأمها مريم بنت قيصر، ملكت سنة ونصفا، وليست المعنيّة في المقامة.
***
[بلقيس وعرشها]
وأما بلقيس فهي ابنة شراحبيل بن أبي سرح بن الحارث بن قيس بن صيّفي بن سبأ، وكان سبب مراسلة سليمان إليها أنه فقد الهدهد، وبه يعرف قرب الماء من بعده، فنزل سليمان ﵇ بمفازة، فدعا بالهدهد فلم يوجد، فقال وهو غاضب ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ [النمل: ٢٠] الآيات. وكان الهدهد قد مرّ بعرش بلقيس وبساتينها، فلمّا رجع تلقّته الطير، فقالوا: توعّدك رسول الله بنتف ريشك أو بذبحك، فينقطع نسلك، فقال:
وما استثنى؟ قالوا: بلى، قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [النمل: ٢١]، أي بعذر مبين فأتى سليمان فقال: ما غيّبك عني؟ قال: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل: ٢٢] حتى بلغ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ [النمل: ٢٨] الآيات فوجّهه بالكتاب، فوافقها في قصرها، فسدّ عليها بالكتاب ضوء طاق، فالتفتت فألقى إليها الكتاب، فأخذته وغطّته بثوب، ونادت في قومها فقالت: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ [النمل: ٢٩] الآيات، فقالوا لها:
نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ ... [النمل: ٣٣] الآيات. ثم قالت: إن قبل الهدية فهو ملك من ملوك الدنيا وأنا أعزّ منه، وإن لم يقبلها فهو نبيّ من عند الله.
فلما رجع بالهدية قال سليمان: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ إلى وَهُمْ صاغِرُونَ [النمل:
٣٧]. فلما رجع إليها رسلها بالخبر، خرجت فزعة في قومها- قال ابن عباس ﵄: ومعها ألف قيل، وأهل اليمن يسمون القائد القيل- مع كل قيل عشرة آلاف.
وكان سليمان مهيبا لا يبدؤه أحد بشيء حتى يسأل عنه، فخرج فرأى رهجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس، قال: وقد نزلت منّا بهذا المكان. ثم قال: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها [النمل: ٣٨] فأتاه به الذي عنده علم الكتاب قبل ما قطع كلامه، وصرف بصره، فرآه مستقرّا عنده، فقال: هذا من فضل ربي. ثم جاءت بلقيس وقعدت إلى سليمان، فقيل لها: أَهكَذا عَرْشُكِ [النمل: ٤٢] فنظرت إليه وقالت: كَأَنَّهُ هُوَ [النمل: ٤٢] ثم قالت: تركته في قصري والجنود محيطة به، فكيف جيء به! وكانت شعراء الساقين، فقالت الجن: إن نكحها سليمان فولدت له غلاما ما ننفكّ من العبودية أبدا، فهلمّ نبني له بنيانا، فيرى شعرها فيه فلا يتزوّجها، فبنوا له صرحا أخضر من قوارير كأنه الماء، وجعلوا في باطن طرائقه كلّ شيء من الدواب والسمك وغيره، وألقي لسليمان كرسي في أقصاه، فلما رأى منه ما رأى قعد عليه، ودعا بها، فلما رأت صور
стр. 1115
السمك فيه حسبته لجّة، وكشفت عن ساقيها. فأبصر شعرها سليمان، فصرف بصره عنها، وقال إنه صرح ممرّد من قوارير، فقالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي [النمل: ٤٤] الآية. فقال سليمان للجن: ما يذهب الشعر؟ فقالوا: له النّورة، فاستنكحها سليمان ﵇.
وذكر ابن إسحاق أنّها لمّا أسلمت، قال لها سليمان: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه، فقالت: ومثلي ينكح، وقد كان لي من الملك والسلطان ما كان! فقال لها: ما ينبغي أن تحرّمي ما أحلّ الله لك، فزوّجها ذا تبع ملك همدان، وملكه اليمن، وردّها معه، فلم يزل ملك اليمن حتى مات سليمان. وكانت بلقيس من بيت المملكة، قيل: إنها ولدها أربعون ملكا، واختلف في أمها فقيل: إنسيّة وقيل جنّية.
وأما عرشها، وهو سريرها، فقيل: كان طوله ثمانين ذراعا، وعرضه كذلك. وكان عرشها صفائح من ذهب وفضة قد ركبت فيه فصوص الياقوت الأحمر والزّبرجد الأخضر والدرّ واللؤلؤ، وكان له قائمتان من ياقوت وقائمتان من زبرجد، والملك لله وحده، الذي سخر لسليمان هذا الملك العظيم ومن أحضر له هذا العرش العظيم قبل رجع الطرف!
وذكر الحريري في الدرّة: أن صواب لفظ «بلقيس» أن تكسر باؤه لأن كل أعجمي يعرّب فقياسه أن يلحق بأمثلة كلام العرب، قال: وعلى ذلك بلقيس.
وقرأت في أخبار سيف الدولة أن الخالديّين مدحاه، فبعث إليهما وصيفا ووصيفة، مع كلّ واحد منها بدرة وتخت من ثياب مصر والشام، فكتبا إليه: [الكامل]
لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا ... إلا ومالك في النّوال حبيس
خوّلتنا شمسا وبدرا أشرقت ... بهما لدينا الظلمة الحنديس
رشأ أتانا وهو حسنا «يوسف» ... وغزالة هي بهجة «بلقيس»
هذا ولم تقنع بذاك وهذه ... حتى بعثت المال وهو نفيس
أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة ... وأتى على ظهر الوصيف الكيس
وكسوننا مما أجادت حوكه ... مصر وزادت حسنه تنّيس
فغدا لنا من جودك المأكول والم ... شروب والمنكوح والملبوس
فلما قرأها سيف الدولة قال: أحسنا، إلا في لفظ «المنكوح»، إذ ليست مما يخاطب بها الملوك.
وهذا من بديع نقده المليح وشواهد ذكائه الصريح.
وأما الزّبّاء: فقد تقدّم ملكها في الرابعة والعشرين.
***
стр. 1116
[رابعة العدوية]
وأما رابعة فهي بنت إسماعيل العدويّة، وكانت قد بلغت من النّسك والفضل والزهد منزلة شريفة، وكانت منوّرة البصيرة، مطهّرة السريرة، حظيت بالمكاشفات الربانية، وكان سفيان الثوريّ يذهب إليها ويسألها عن مسائل دينية، ويعتمد عليها، وخطبها عبد الواحد ابن زيد، فقالت له بعد أن حجبته أياما ثم أذنت له: يا شهوان، أي شيء رأيته فيّ من آية الشهوة! ألا خطبت شهوانية مثلك!
وقال أبو سليمان الداراني: بتّ ليلة عند رابعة العدوية، فقامت إلى محراب لها، وقمت إلى ناحية من البيت فلم تزل قائمة إلى السّحر، فقلت: ما جزاء من قوّانا على قيام هذه الليلة؟ قالت: جزاؤه أن نصوم له غدا.
وزارها أصحابها، فذكروا الدنيا وأقبلوا على ذمّها، فقالت: اسكتوا عن ذمّها، فلولا موضعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها! ألا من أحبّ شيئا أكثر من ذكره.
واحتاجت رابعة إلى شيء فقيل لها: لو بعثت إلى فلان؟ قريب لها فقالت: والله لا أطلب الدنيا ممّن يملكها، فكيف ممّن لا يملكها!
وحدّث جعفر بن سليمان قال: أخذ بيدي سفيان الثوريّ فقال لي: سربي إلى المؤدّبة التي لا أجدني أستريح إذا فارقتها- يعني رابعة- قال: فلما دخلت عليها، رفع سفيان يديه، وقال: اللهمّ إنّي أسألك السلامة! فبكت رابعة، فقال لها: ما يبكيك؟
فقالت: أنت عرّضتني للبكاء، فقال لها وكيف ذلك؟ فقالت: أما علمت أن السّلامة من الدنيا ترك ما فيها، فكيف وأنت متلطّخ بها!
وقال سفيان الثوري لرابعة رحمة الله عليهما: ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدته خوف النار، ولا رجاء الجنة، فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حبّا له وشوقا إليه، وقالت في معنى ذلك: [المتقارب]
أحبّك حبتين: حبّ الهوى ... وحبّا لأنّك أهل لذاك
فأمّا الذي هو حبّ الهوى ... فشغلي بذكرك عمّن سواك
وأمّا الذي أنت أهل له ... فكشفك لي الحجب حتى أراك
فلا الحمد في ذا ولا ذا ليا ... ولكن لك الحمد في ذا وذاك
وقيل لها: كيف حبّك لرسول الله ﷺ ؟ فقالت: شغلني حبّ الخالق عن حبّ المخلوقين.
ودخل سفيان عليها وهي قائمة تصلّي، فلم تعرّج عليه، ودخل جعفر- وكان يخدمها- فقال لسفيان: أيّ شيء دار بينك وبينها؟ قال: ما كلّمتني. فقال لها: يا سبحان الله! الشيخ جاء إليك فما كلّمته، فقالت: إن العبد إذا كان مقبلا على الله كان
стр. 1117
الله مقبلا عليه، وقد كنت مقبلة على الله ، ولست أشكّ في إقباله عليّ، فأيما أحبّ إليك أن أكون مقبلة على الله ويكون مقبلا عليّ، أو أقبل على هذا؟ ثم قالت: الله أكبر.
وقال لها رجل: إني أحبك في الله، فقالت: فلا تعصي الذي أحببتني له وأنشدت:
[الوافر]
أتضمن يا فتى ترك المعاصي ... وأرهنه الكفالة بالخلاص
أطاع الله قوم فاستراحوا ... ولم يتجرّعوا غصص المعاصي
***
[خندف]
وأما خندف، فهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وهي امرأة إلياس ابن مضر، ولدت منه عمرا وهو مدركة، وعامرا وهو طابخة، وعميرا وهو قمعة، فندّت لهم إبل، فخرجوا في طلبها فأدركها عمرو، فسمّي مدركة، واقتنص عامر أرنبا فطبخها، فسمّي طابخة، وانقمع عمير في بيته فسمّي قمعة، فلما أبطئوا عليها خرجت في إثرهم، فقالت: ما زلت أخندف في إثركم؟ فلقّبت خندف، والخندفة بالهرولة، وهي أمّ عرب الحجاز، وجميع ولد إلياس من خندف، ولخندف ينسبون، وجميع ولد مضر من إلياس وخندف، فمن مدركة كنانة وأسد ابنا خزيمة، ومن طابخة ضبّة بن طابخة، ومزينة والرّباب، وهم عديّ وتميم بن مرّ بن أد بن طابخة، وثور وعكل بن مدركة، وقريش وهو في كنانة.
ومنها سيد ولد آدم رسول الله ﷺ ، إلى ما في كنانة من الشجعان المشاهير في الجاهلية.
ومن طابخة تميم، وهي أكبر قبيلة في العرب وأشجعها، وهي عدد لا يحصى، وعزّ لا يدرك.
وقال المنذر بن ماء السماء ذات يوم وعنده وفود قبائل العرب ودعا ببردين فقال:
ليلبس هذين البردين أكرم العرب وأشرفهم حسبا وأعزّهم قبيلة، فأحجم الناس، فقام الأحمر بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فلبس أحدهما وارتدى الآخر، فقال له المنذر: ما حجتك فيما ادعيت؟ قال: الشرف من نزار في مضر، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في بهدلة، قال: هذا أنت في أصلك، فكيف أنت في عشيرتك؟ قال: أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة قال: هذا أنت في عشيرتك، فكيف أنت في نفسك؟ فقال: شاهد العين شاهدي، ثم قام فوضع قدمه في الأرض، وقال: من أزالها فله مائة من الإبل، فلم يقم إليه أحد، وفي ذلك يقول الفرزدق: [الطويل]
стр. 1118
فما تمّ في سعد ولا آل مالك ... غلام إذا ما قيل لم يتبهدل (١)
لهم وهب النّعمان بردى محرّق ... بمجد معدّ والعديد المحصّل
فلخندف هذا الفخر في الجاهلية ثم النبوّة، ثم الملك إلى يوم القيامة وفيها يقول الراجز: [الرجز]
* وخندف هامة هذا العالم (٢) *
***
[الخنساء]
وأما الخنساء فهي تماضر بنت عمرو بن الشريد، من سراة قبائل سليم بن منصور ابن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، قدمت على رسول الله ﷺ مع قومها بني سليم، ولسليم في الإسلام سابقة حسنة، حضر منهم مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحرب حنين ألف رجل.
وذكروا أن رسول الله ﷺ كان يستنشد الخنساء ويعجبه شعرها، فكانت تنشده وهو يقول: هيه يا خنساء! ونظرتها عائشة ﵄، وعليها صدار من شعر، فقالت: يا خنساء، أتلبسين الصّدار وقد نهى عنه رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لم أعلم بنهي رسول الله ﷺ وكان للصّدار سبب، كان زوجي رجلا متلافا فأملق، وأراد أن يسافر، فقلت له: أقم حتى آتي أخي صخرا، فأتيته فشاطرني، ماله فأتلفه زوجي، فعدت إليه فعاد بمثل ذلك، فأتلفه زوجي، فعدت إليه في الثالثة والرابعة، فقالت له زوجته: إن هذا المال متلف، فامنحها شرار مالك، فقال: [الرجز]
والله لا أمنحها شرارها ... وهي حصان وقد كفتني عارها (٣)
ولو هلكت خرّقت خمارها ... واتّخذت من شعرها صدارها
فلما هلك اتّخذت هذا الصّدار.
وقيل لجرير: من أشعر الناس؟ قال: أنا، لولا هذه الفاعلة- يعني الخنساء- قيل له: فبم فضلتك؟ قال بقولها: [البسيط]
стр. 1119
إنّ الزمان وما تفنى عجائبه ... أبقى لنا ذنبا واستؤصل الرّاس (١)
أبقى لنا كلّ مجهول وفجّعنا ... بالحالين فهم هام وأرماس
إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس
فأجمع علماء الشعر أنه لم تكن قطّ امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها.
وكان النابغة الذبياني يجلس لشعراء العرب بعكاظ على كرسيّ، ينشدونه فيفضل من يرى تفضيله، فأنشدته في بعض المواسم فأعجب بشعرها، وقال لها: والله لولا أنّ هذا الأعمى أنشدني قبلك- يعني الأعشى- لفضّلتك على شعراء هذا الموسم.
وكان بشار يقول: لم تقل امرأة شعرا إلّا ظهر الضعف فيه، فقيل له: أوكذلك الخنساء؟ فقال: تلك كان لها أربع خصى.
ومن جيّد ما رثت به صخرا قولها: [الوافر]
ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... لقد أضحكتني دهرا طويلا (٢)
بكيتك في نساء معولات ... وكنت أحقّ من أبدى العويلا
دفعت بك الجليل وأنت حيّ ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
ومنه: [الوافر]
يؤرّقني التذكّر حين أمسي ... ويردعني عن الأحزان نكسي (٣)
على صخر وأيّ فتى كصخر ... ليوم كريهة وطعان خلس
ولم أر مثله رزءا لجن ... ولم أر مثله رزءا لإنس
يذكّرني طلوع الشمس صخرا ... وأبكيه لكلّ غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزّى النّفس عنه بالتأسي
ومنه أيضا: [السريع]
أبعد ابن عمرو من آل الشّري ... د حلّت به الأرض أثقالها (٤)
لعمر أبيه لنعم الفتى ... إذا النفس أعجبها مالها
стр. 1120
فإن تك مرّة أودت به ... فقد كان يكثر تقتالها
فخرّ الشوامخ من فقده ... وزلزلت الأرض زلزالها
ومنه أيضا: [المتقارب]
أعينيّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر النّدى (١)
ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيّدا
طويل النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته امردا
ومنه أيضا: [المتقارب]
تعرّفني الدهر نهشا وحزا ... وأوجعني الدّهر قرعا وغمزا (٢)
وأفنى رجالي فبادوا معا ... فأصبحت من بينهم مستفزّا
كأن لم يكونوا حمى يتّقى ... إذ الناس إذ ذاك من عزّبزا
وكانوا سراة بني مالك ... وفخر العشيرة مجدا وعزّا
جززنا نواصي فرسانها ... وكانوا يظنّون ألّا تجزّا
ومن ظنّ ممّن يلاقي الحرو ... ب ألّا يصاب فقد ظنّ عجزا
ومنه أيضا: [البسيط]
يا صخر ورّاد ماء قد تبادره ... أهل الموارد وما في ورده عار (٣)
مشى السّبنتي إلى هوجاء معضلة ... له سلاحان أنياب وأظفار
وما عجول على بو تحنّ له ... لها حنينان إعلان وإسرار
ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
يوما بأوجع مني حين فارقني ... صخر فللدهر إحلاء وإمرار
وإنّ صخرا لوالينا وسيّدنا ... وإنّ صخرا إذا نشتو لنحّار
وإن صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وحدث المفضل قال: كنت جالسا يوما على باب منزلي، أحتاج إلى درهم واحد، وعليّ دين عشرة آلاف درهم، إذا جاءني رسول المهديّ، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت في نفسي: وما بعثه إلي! لعلّ ساعيا سعى بي عنده، ثم دخلت منزلي، ولبست ثيابي، وسرت إليه فلما مثلت بين يديه أومأ إليّ بالجلوس، فلما سكن جأشي، قال لي:
يا مفضّل، ما أفخر بيت قالته العرب؟ فأرتج عليّ ساعة، ثم قلت: يا أمير المؤمنين قول الخنساء، فاستوى جالسا وكان متكئا، فقال: أيّ، [بيت هو؟ ] فقلت قولها: [البسيط]
стр. 1121
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فقال: قد قلت له فأبى عليّ- وأومأ إلي إسحاق بن بزيع- قلت: الصواب مع أمير المؤمنين، ثم قال: يا مفضل، حدّثني فحدّثته حتى انتصف النهار، قال: أنشدني، فأنشدته قول الحسين بن مطير الأسديّ: [الطويل]
وقد تغدر الدنيا فيضحى غنيّها ... فقيرا ويثرى بعد بؤس فقيرها (١)
وكم قد رأينا من تغيّر عيشة ... وأخرى صفا بعد كد غديرها
فلا تقرب الأمر الحرام فإنه ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها
وكان المهدي رقيقا فبكى، وقال: يا مفضّل، كيف حالك؟ فقلت: كيف يكون حال من عليه عشرة آلاف درهم، وليس معه منها درهم واحد، قال: ياإسحاق، أعطه عشرة آلاف درهم قضاء لدينه، وعشرة آلاف درهم يستعين بها على حاله، وعشرة آلاف درهم يصلح بها من شأنه.
ورأى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الخنساء، تطوف بالبيت محلوقة الرأس، تبكي وتلطم خدها، وقد علّقت نعل صخر في خمارها، فوعظها فقالت: إني رزئت فارسا لم يرزأ أحد مثله، فقال: إن في الناس من هو أعظم مرزأة منك، وإنّ الإسلام قد غطّى ما كان قبله، وإنه لا يحلّ لك لطم وجهك ولا كشف رأسك، فكفّت عن ذلك وقالت: [الوافر]
هريقي من دموعك واستفيقي ... وصبرا إن أطقت ولن تطيقي (٢)
وقولي إنّ خير بني سليم ... وأكرمهم بصحراء العقيق
ألا هل ترجعنّ لنا الليالي ... وأيام لنا بلوى الشّقيق
وإذ فينا معاوية بن عمرو ... على أدماء كالجمل الفنيق
فنبكيه فقد أودى حميدا ... أمين الرأي محمود الصّديق
فلا والله لا تسلوك نفسي ... لفاحشة أتيت ولا عقوق
ولكنّي رأيت الصبر خيرا ... من النّعلين والرأس الحليق
وأما أبو العباس المبرّد فقال: وقالت الخنساء ترثي أخاها معاوية بن عمرو، وكان أخاها لأبيها وأمها، [وكان صخر أخاها لأبيها] وكان أحبّهما إليها.
стр. 1122
واستحق ذلك الأمور: منها أنه كان موصوفا بالحلم مشهورا بالجود، معروفا بالتقدم والشجاعة، محظوظا في العشيرة، ثم أنشد الأبيات المتقدّمة.
وكان صخر أجمل رجل في العرب، وكان سبب قتله أنه جمع جمعا، أغار على بني أسد بن خزيمة، فنذروا به والتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، فارفضّ أصحاب صخر عنه، فطعنه ربيعة بن ثور الأسديّ، فأدخل جوفه حلقا من الدّرع، فاستقلّ منها وسار إلى أهله فاندمل عليه الجرح، ونتأ منه مثل اليد، فأضناه ذلك حولا، فسمع سائلا يقول لامرأته: كيف صخر اليوم؟ فقالت: لا حيّ فيرجى، ولا ميت فينعى، ولقد لقينا منه الأمرّين- وامرأته بديلة الأسدية وكان سباها من بني أسد، واتخذها لنفسه- فلما سمع قولها علم أنها برمت منه، ورأى تحزّن أمه عليه، فقال: [الطويل]
أرى أمّ صخر لا تجفّ دموعها ... وملّت سليمى مضجعي ومكاني (١)
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغترّ بالحدثان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان
لعمري قد نبّهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان
فأي امرئ ساوى بأمّ حليلة ... فلا عاش إلا في شقى وهوان
ثم عزم على قطع ذلك الموضع، فلما قطعه يئس من نفسه، فقال: [الطويل]
أجارتنا إنّ الخطوب قريب ... على الناس، كلّ المخطئين تصيب
أجارتنا إنّا غريبان هاهنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب
فلما مات دفن في أرض بني سليم بقرب عسيب.
وحضرت الخنساء القادسية مع بنيها وهم أربعة رجال، فقالت لهم من أوّل الليل:
يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو؛ إنكم لبنو رجل واحد، كما أنّكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولافضحت خالكم، ولا هجّنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعملون ما أعدّ الله تعالى للمؤمنين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أنّ الدار الآخرة خير من الدار الفانية، يقول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:
٢٠٠]، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا لقتال عدوّكم مستبصرين، وبالله على
стр. 1123
أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، وجلّلت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها وجالدوا رسيسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم فتقدموا واحدا بعد واحد ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية العجوز لهم، حتى قتلوا عن آخرهم، فبلغها الخبر، فقالت: الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة.
وكان عمر بن الخطاب يعطيها أرزاق بنيها الأربعة، وكان لكلّ منهم مائتا درهم، حتى قبض رضي الله تعالى عنه.
وقوله: قعيدة رحلي، أي امرأة بيتي، وناقة طروقة: بلغت أن يطرقها الفحل. وأنفت. استنكفت وكرهت.
***
قال: فتذمّرت المرأة وتنمّرت، عن ساعدها وشمّرت، وقالت له: يا ألأم من مادر، وأشام من قاشر، وأجبن من صافر، وأطيش من طامر؛ أترميني بشنارك، وتفري عرضي بشفارك، وأنت تعلم أنّك أحقر من قلامة، وأعيب من بغلة أبي دلامة، وأفضح من حبقة، في حلقة، وأحير من بقّة في حقّة.
وهبك الحسن في وعظه ولفظه، والشعبيّ في علمه وحفظه، والخليل في عروضه ونحوه، وجريرا في غزله وهجوه، وقسّا في فصاحته وخطابته، وعبد الحميد في بلاغته وكتابته، وأبا عمرو في قراءته وإعرابه، وابن قريب في روايته عن إعرابه؛ أتظّنني أرضاك إماما لمحرابي، وحساما لقرابي، لا والله ولا بوّابا لبابي، ولا عصا لجرابي.
***
تذمرت: غضبت، وتذمّر الرجل، إذا رأى ما يكرهه فغضب وتهدد، والذّمر: اللوم والحضّ، وذمر قائد الجيش أصحابه يذمرهم، إذا لامهم وأسمعهم ما يكرهون ليجدّوا في القتال، تنمّرت: تغيّرت وتشبّهت بالنمر، ولا يوجد النّمر إلا مستنكرا غضبان، ونمر الرجل وتنمر: تنكّر وتغيّر. حسرت عن ساعدها: شمّرت عن ذراعها. أطيش: أخفّ والطيش: خفّة العقل.
والطامر: البرغوث، يقال له طامر بن طامر، قال الأصمعيّ: كنت بالبادية فرأيت أعرابيا قد بسط كساءه ليفلّيه في الشمس، فوقفت أنظر إليه، فجعل يأخذ البراغيث، ويدع القمل، فقلت له: لم تأخذ بعضا وتدع بعضا؟ فقال: أبدأ بالفرسان ثم أعكّر على الرجّالة.
стр. 1124
سمع رسول الله ﷺ رجلا يسبّ برغوثا، فقال: «لا تسبه فإنّه نبّه نبيّا من الأنبياء لصلاة الفجر».
أبو الدرداء ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إذا آذاك البراغيث، فخذ قدحا من الماء، واقرأ عليه سبع مرات، وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا [إبراهيم:
١٢] إلى قوله: الْمُتَوَكِّلُونَ، فكفّوا شرّكم وأذاكم عنّا، ثم ترشّ الماء حول فراشك، فإنك تبيت الليلة آمنا من شرّها».
شنارك: عيبك وعارك: تفري: تقطع، وفرى، يستعمل في القطع على جهة الإصلاح، وقد جاء هنا في الإفساد، ومنه قوله الشاعر: [الطويل]
فرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وصرف الليالي مثل ما فري الجلد
ابن سيده: فرى الشيء يفريه فريا وفرّاه تفرية، كلاهما شقه وأفسده وأفراه أصلحه، والمتقنون من أهل اللغة، يقولون: فرى: شق الإفساد وأفرى للإصلاح وقيل: أفراه أفسده، وفراه: قطعه للإصلاح قال الأصمعيّ ﵀؛ أفرى الجلد مزقه وأفسده، يفريه إفراء، وفرى المزادة يفريها فريا: خرزها، القلامة: ما يقص من الظّفر، وبها يتعلق وسخه، فهي مع حقارتها مستقذرة.
[أبو دلامة]
وأما أبو دلامة، فاسمه زند- بالنون- ابن الجون، وهو كوفي أسود، مولى لبني أسد، أدرك آخر أيام بني أميّة، ونبغ في أيام بني العباس، ومدح السّفاح والمنصور والمهدي، وكان صاحب نوارد وملح، وكان خليعا فاسد الدين، رديء المذهب، وقد تقدّم له شيء من ذلك في الصّلاة والحجّ، ونذكر له هاهنا شيئا في الصيام، ونضيف له فنونا من سائر ملحه.
وأما بغلته فكانت جامعة لعيوب الدوابّ كلها، وكانت أشوه الدّوابّ خلقة في منظر العين وأسوأها خلقا في مخبرها، فكان إذا ركبها تبعه الصبيان يتضاحكون به، وكان يقصد ركوبها في مواكب الخلفاء والكبراء، ليضحكهم بشماسها؛ حتى نظم فيها قصيدته المشهورة وهي: [الوافر]
أبعد الخيل أركبها كراما ... وبعد الفره من من حضر البغال
رزقت بغيلة فيها وكال ... وليته لم يكن غير الوكال
رأيت عيوبها كثرت وغالت ... وإن أكثرت ثمّ من المقال
ليحصي منطقي وكلام غيري ... عشير خصالها، شرّ الخصال
فأهون عيبها أنّي إذا ما ... نزلت وقلت: أمشي لا تبالي
تقوم فما تبتّ هناك شبرا ... وترمحني وتأخذ في قتالي
стр. 1125
وحين ركبتها آذيت نفسي ... بضرب باليمين وبالشّمال
وبالرّجلين أركضها جمعا ... فيا لك في الشقاء وفي الكلال
أتاني خائب يستام منيّ ... عريق في الخسارة والضّلال
وقال تبيعها؟ قلت ارتبطها ... بحكمك إنّ بيعي غير غال
فأقبل ضاحكا نحوي سرورا ... وقال أراك سهلا ذا جمال
هلمّ إليّ يخلو بي خداعا ... وما يدري الشّقيّ بمن يخالي
فقلت بأربعين فقال أحسن ... إليّ فإن مثلك ذو سجال
فأترك خمسة منها لعلمي ... بما فيه يصير من الخبال
فلمّا ابتاعها مني وبتّت ... له في البيع غير المستقال
أخذت بثوبه وبرئت ممّا ... أعدّ عليه من سوء الخلال
برئت إليك من مشش قديم ... ومن جرد ومن بلل المخالي
ومن فتق بها في البطن ضخم ... ومن عقالها ومن انفتال
ومن قطع اللسان ومن بياض ... بعينيها ومن قرض الحبال
ومن عضّ الغلام ومن خراط ... إذا ما همّ صحبك بارتحال
وأقطى من فريخ الذّر مشيا ... بها عرن وداء من سلال
وتكسر سراجها أبدا شماسا ... وتقمص للإكاف على اغتيال
ويدبر ظهرها من مسّ كف ... وتهزم في الجمام وفي الجلال
تظلّ لركبة منها ووقيذا ... عليك من ورم الطّحال
ومثفار تقدّم كلّ سرج ... تصيّر دفيه على القذال
وتحفى لو تسير على الحشايا ... ولو تمشي على دمث الرّمال
إذا استعجلتها عثرت وبالت ... وقامت ساعة عند المبال
وتضرط أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسّؤال
فتقطع منطقي وتحول بيني ... وبين حديثهم فيما توالي
وتذعر للدّجاجة إذ تراها ... وتنفر للصّفير، وللخيال
فأمّا الاعتلاف فأذن منها ... من الأتبان أمثال الجبال
وأما القتّ فأت بألف وقر ... بأعظم حمل أحمال الجمال
فلست بعالف منها ثلاثا ... وعندك منه عود للخلال
وإن عطشت فأوردها دجيلا ... وإذا أوردت أو نهري بلال
فذاك لريّها سقيت حميما ... وإن مدّ الفرات فللنّهال